← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12706–12745 · переход к 12711.

стр. 12706

نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته». (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق. (وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ

стр. 12707

تحتها علامة الإهمال، وفي آخر: «غناء» بالمعجمة، فليحرَّر. ٧٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو المقعد المِنْقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ مولاهم البصريُّ التَّنوريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) (١) بن ذكوان البصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، ابن الحَصِيب الأسلميُّ أبو سهلٍ المروزيُّ قاضيها (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح أوَّله وثالثه، وسكون ثانيه، البصريِّ، نزيل مرو وقاضيها (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الَّذِي لَا يَمُوتُ) بلفظ الغائب، وفي روايةٍ: «اللَّهم إنِّي أعوذ بعزَّتك لا إله إلَّا أنت أن تضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت» (٢) (وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ) وكلمة «تضلَّني» المزادة (٣) في هذه الرِّواية متعلِّقة بـ «أعوذ» أي: من أن تضلَّني، وكلمة التَّوحيد معترضةٌ لتأكيد العزَّة، واستغنى عن ذكر عائد الموصول؛ لأنَّ نفس المخاطب هو المرجوع إليه، وبه يحصل الارتباط، وكذلك (٤) المتكلِّم نحو: أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدره ولا يقال: إنَّ مفهوم قوله أنَّ الملائكة لا يموتون؛ لأنَّا نقول (٥): «والجنُّ والإنس يموتون»؛ لأنَّه مفهوم لقبٍ ولا اعتبار به.

стр. 12708

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدُّعاء» والنَّسائيُّ في «النُّعوت». ٧٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن الأسود أبو بكرٍ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النِّسبة، ابن عُمَارة -بضمِّ العين وتخفيف الميم- ابن أبي حفصة نابتٌ -بنونٍ وموحَّدةٍ ثمَّ مثنَّاةٌ- العتكيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُلْقَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بينهما لامٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «لا يزال يُلقَى» (فِي النَّارِ). قال المؤلِّف: (وَقَالَ (٢) خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁. (وَعَنْ مُعْتَمِرٍ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثانية، ابن سليمان التَّيميِّ، وهو معطوفٌ على قوله: حدَّثنا يزيد بن زريعٍ، فهو موصولٌ (٣) أي: وقال لي خليفة أيضًا: عن معتمرٍ، وبهذا جزم أصحاب الأطراف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا) أي: العصاة في النَّار (وَ) هي (تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ مصدرٌ كالمَجيد، أي: أنَّها تقول بعد امتلائها: هل من مزيدٍ؟ أي: هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ؟ يعني: قد امتلأت، أو أنَّها تستزيد وفيها موضعٌ للمزيد، وإسناد القول إليها حقيقةٌ بأن يخلق الله فيها القول أو مجازٌ (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ) أي: من قَدَّمه لها من

стр. 12709

أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوقٌ اسمه: القدم (١)، أو المراد تذليلها كتذليل من يُوضَع تحت الرِّجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فَيَنْزَوِي) بالنُّون والزَّاي، فيجتمع (٢) وينقبض (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدِْ قَدِْ) بفتح القاف وسكون الدَّال وتُكسَر فيهما، أي: حسبي حسبي قد اكتفيت (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ) عن الدَّاخلين فيها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بفَضْلٍ» بموحَّدةٍ بدل (٣) الفوقيَّة وفتح الفاء وسكون الضَّاد (حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ) الذي بقي منها. وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث (٤) هنا من ثلاثة طرقٍ عن قتادة، وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] وساقه (٥) هنا على لفظ خليفة، ويُستَنبط منه مشروعيَّة الحلف بكرم الله، كما في الحلف بعزَّة الله. ومطابقة الحديث (٦) ظاهرةٌ. (٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي: بكلمة الحق، وهي قول: كن، وقال ابن عادلٍ في «لبابه»: قيل: الباء بمعنى اللَّام، أي: إظهارًا للحقِّ؛ لأنَّه جعل صنعه (٧) دليلًا على وحدانيته، فهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١]. انتهى. وهذا نقله السَّفاقسيُّ عن الدَّاوديِّ، وتُعقِّب: بأنَّ النُّحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنًى، ليس منها أنَّها تأتي بمعنى اللَّام، و «الحقُّ» في الأسماء الحسنى معناه -كما قاله أبو الحكم عبد السَّلام بن برجان-: الواجب الوجود بالبقاء الدَّائم والدَّوام المتوالي، الجامع للخير، والمجد، والمحامد كلِّها، والثَّناء الحسن،

стр. 12710

والأسماء الحسنى، والصفات العُلى، قال: ومعنى قولنا: «واجب الوجود»: أنَّه اضطرَّ جميع الموجودات إلى معرفة وجوده، وألزمها إيجاده إيَّاها، قال تعالى -وقد ذكر دلائله- واستشهاده ببيِّناته: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] فأوجب عن واجب وجوده أنَّه يحيي الموتى، وأنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ وجود كلِّ ذي وجودٍ (١) عن وجوده، ثمَّ قال: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] أي: لا وجود له؛ إذ ليس له (٢) في الوجود وجود ألبتَّة، فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنَّها ممكنةٌ لا وجود لها في حدِّ ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، وإيَّاه عنى الشَّاعر بقوله: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطل … وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل (٣) ولمَّا أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحقِّ وللحقِّ قال: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] فظهر الحقُّ بعضه لبعضٍ ودلَّ عليه به، فالله تعالى هو الحقُّ المبين، وجوده الحقُّ، وقوله الحقُّ، وقدرته الحقُّ، وعلمه الحقُّ، وإرادته الحقُّ، وصفاته العلى الحقُّ، وأسماؤه كلُّها الحقُّ، وأَوْجَد فعله الحقَّ بكلمته الحقِّ، فالحقُّ بوجوب (٤) وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلَّها، وشمل نواحي (٥) العلم، وأطبق على أقطار التَّفكير، فلم يكن للباطل من الوجود نصيبٌ.

стр. 12711

٧٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عقبة (١) السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثّوريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مسلمٍ الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) الإمام أبي عبد الرَّحمن بن كيسان، وقيل اسمه ذكوان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ) أي: إذا تهجَّد من الليل: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) وفي رواية «قيَّام» [خ¦٧٤٤٢] وفي أخرى «قيُّوم» وهي من أبنية (٢) المبالغة، والقيِّم: معناه القائم بأمور (٣) الخلق ومدبِّرهم ومدبِّر العالم في جميع أحواله، والقيُّوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كلُّ موجودٍ حتَّى لا يُتَصوَّر وجود الشَّيء ولا دوام وجوده إلَّا به، وقال التُّوربشتيُّ: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه، وقال: و «مَن» تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذرٍّ: «وما فيهنَّ» (لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: ذو نور السَّموات ونور الأرض، وأضاف النُّور إليهما للدَّلالة على سعة إشراقه، وفشوِّ إضاءته حتَّى تضيء له السَّموات والأرض، وجاز [أن] يراد أهل السَّموات والأرض (٤)، وأنَّهم يستضيئون به (قَوْلُكَ الحَقُّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الثَّابت المتحقَّق وجوده، فلا يدخله خلفٌ ولا شكٌّ، وعَطَف الوعد على القول وهو قولٌ؛ فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي: رؤيتك في الدَّار الآخرة حيث لا مانع (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) كلٌّ منهما موجودٌ (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) قيامها (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت أموري كلّها (وَإِلَيْكَ (٥) أَنَبْتُ) رجعت مقبلًا بقلبي

стр. 12712

عليك (وَبِكَ) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خَاصَمْتُ) مَنْ خاصمني من الكفَّار (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من أبى قبول ما أرسلتني به (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وسقط لفظ «ما» الثَّانية في رواية أبي ذرٍّ (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) بغير «ما» فيهما، وقاله تواضعًا و (١) تعليمًا لنا (أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أنت ربُّ السَّموات والأرض» أي: أنت مالكهما وخالقهما. والحديث سبق في «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٢٠] وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣١٧]. وبه قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) العابد الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (بِهَذَا) السَّند والمتن المذكورين (وَقَالَ: أَنْتَ الحَقُّ) أي: المتحقَّق وجوده (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله: «باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]» [خ¦٧٤٤٢]. (٩) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذرٍّ: «قولُ الله تعالى» بالرَّفع: «﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» وقد عُلِم بالضَّرورة من الدِّين وثبت في الكتاب والسُّنَّة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله: أنَّ الباري تعالى حيٌ سميعٌ بصيرٌ، وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يُستَدلُّ على الحياة بأنَّه عالمٌ قادرٌ، وكلُّ عالمٍ قادرٍ حيٌّ بالضَّرورة، وعلى السَّمع والبصر بأنَّ كلَّ حيٌّ يصحُّ كونه سميعًا بصيرًا، وكلُّ ما يصحُّ للواجب من الكمالات يثبت بالعقل (٢)؛ لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوَّة والإمكان، وعلى الكلِّ بأنَّها صفات كمالٍ قطعًا، والخلوُّ عن صفات الكمال في حقِّ من يصحُّ اتِّصافه بها نقصٌ، وهو على الله تعالى مُحالٌ، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم ﵇ أباه الحجَّة بقوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أنَّ عدمهما نقصٌ لا يليق بالمعبود، ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصَرات، كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات؛ لأنَّها صفاتٌ قديمةٌ يحدث لها تعلُّقات بالحوادث، ولا يقال: إنَّ معنى: سميعٌ

стр. 12713

وبصيرٌ: عليمٌ؛ لأنَّه يلزم منه -كما قال ابن بطَّال- التَّسوية بين الأعمى الذي يعلم أنَّ السَّماء خضراء ولا يراها، والأصمِّ الذي يعلم أنَّ في النَّاس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صحَّ أنَّ كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمَّن أنَّه يَسْمَعُ بِسَمْعٍ ويُبصر ببصرٍ، كما تضمَّن كونه عليمًا أنَّه يعلم بعلمٍ، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللُّغة، والمفهوم في اللُّغة من «عليم»: ذاتٌ له علمٌ، بل يستحيل عندهم «عليمٌ» بلا علمٍ كاستحالته بلا معلومٍ، فلا يجوز صرفه عنه إلَّا لقاطعٍ عقليٍّ يوجب نفيه، وقد أُجيب عن قول المعتزليِّ: بأنَّ السَّمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصِّماخ، والله منزَّهٌ عن الجوارح، بأنَّ ذلك عادةٌ أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه الله تعالى عند وصول الهواء إلى المحلِّ المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيَّات بدون المقابلة وخروج الشُّعاع، فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذَّوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصِّفات، فيسمع ويبصر بلا جارحةِ حدقةٍ وأذنٍ، بمرأًى منه خفاء الهواجس، وبمسمعٍ (١) منه صوت أرجل النَّمل على الصَّخرة الملساء، وحظُّ العبد من هذين الاسمين أن يتحقَّق أنَّه بمسمعٍ من الله ومرأًى منه، فلا يستهين باطِّلاعه عليه ونظره إليه، ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله. قيل: إذا عصيت مولاك فاعْصِ في موضع لا يراك. (وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، فيما وصله أحمد والنَّسائيُّ: (عَنْ تَمِيمٍ) أي: ابن سلمة الكوفيِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) أي: أدرك سمعه الأصوات، وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره؛ لأنَّ الوصف بذلك يؤدِّي إلى القول بالتَّجسيم، فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدَّليل صحَّته (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١])

стр. 12714

كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله: الأصوات: «لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله ﷺ تكلِّمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله الآية» وعند ابن ماجه وابن أبي حاتمٍ أنَّ عائشة قالت: «تبارك الذي أوعى سمعه كلَّ شيءٍ، إنّي أسمع كلام خولة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول (١): يا رسول الله؛ أَكَلَ شبابي ونَثَرْتُ له بطني، حتَّى إذا كبرت سنِّي وانقطع ولدي ظاهَرَ منِّي، اللهمَّ إنِّي أشكو إليك، قالت: فما برحت حتَّى نزل جبريل بهذه الآية». ٧٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) (٢) أي: ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينه (فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا) شَرَفًا (كَبَّرْنَا) الله تعالى نقول: الله أكبر، نرفع أصواتنا بذلك (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ لنا: (ارْبَعُوا) بوصل الهمزة وفتح الموحَّدة، وقال السَّفاقسيُّ: رويناه بكسرها (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ارفقوا بها، لا تبالغوا في رفع أصواتكم، أو لا تعجلوا (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ) بسكون الدَّال (أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) ولم يقل: ولا أعمَّى حتَّى يناسب أصمَّ؛ لأنَّ الأعمى غائبٌ عن الإحساس بالمبصر، والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر، فنفى لازمه؛ ليكون أبلغ وأعمَّ، قاله في «الكواكب» (تَدْعُونَ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤] «لكن تدعون» (سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا) وهذا كالتَّعليل لقوله: «لا تدعون أصمَّ» قال أبو موسى: (ثُمَّ أَتَى) ﷺ (عَلَيَّ) بالتَّشديد (وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ

стр. 12715

قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: كالكنز في نفاسته (أَوْ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ» بِهِ) أي: ببقية الخبر، والشَّكُّ من الرَّاوي. والحديث سبق في «باب الدُّعاء إذا علا عقبة» من «كتاب الدَّعوات» بهذا الإسناد والمتن [خ¦٦٣٨٤]. ٧٣٨٧ - ٧٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى بن سعيدٍ الجعفيُّ أبو سعيدٍ (١) الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث البصريُّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ابن أبي حبيبٍ سويدٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ (٢)) مَرثدَ بن عبد الله -بفتح الميم والمثلَّثة- أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ) ﷺ : (قُلِ (٣): اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا) بالمثلَّثة على المشهور من الرِّواية، ووقع هنا للقابسيِّ بالموحَّدة (٤) أي: بملابستها ما يوجب عقوبتها (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً) عظيمةً، وفائدة قوله: «من عندك»: الدَّلالة على التَّعظيم أيضًا؛ لأنَّ عظمة المعطي تستلزم عظمة العطاء (إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) ومناسبة الحديث للتَّرجمة -كما أشار إليه ابن بطَّالٍ-: أنَّ دعاء أبي بكرٍ بما علَّمه النَّبيُّ ﷺ يقتضي أنَّ الله تعالى يسمع لدعائه ويجازيه عليه، وقال

стр. 12716

آخر: حديث أبي بكرٍ ﵁ ليس مطابقًا للتَّرجمة؛ إذ ليس فيه ذكر صفتي السَّمع والبصر، لكنَّه ذكر لازمهما (١) من جهة أنَّ فائدة الدُّعاء إجابة الدَّاعي لمطلوبه، والدُّعاء في الصَّلاة يُطلَب فيه الإسرار (٢)، فلولا أنَّ سمْعه تعالى يتعلَّق بالسِّرِّ كما يتعلَّق بالجهر لَمَا حصلت فائدة الدُّعاء، وقال في «الكواكب»: لمَّا كان بعض الذُّنوب ممَّا يُسمَع وبعضها ممَّا يُبصَر لم يقع مغفرةٌ إلَّا بعد الإسماع والإبصار، حكاه في «فتح الباري». والحديث سبق في «باب الدُّعاء قبل السَّلام» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٨٣٤] وفي «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٦]. ٧٣٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزَّهريِّ أنَّه قال (٣): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ) فقالت: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي) لمَّا رجعت من الطَّائف ولم يقبل قومي ما دعوتهم إليه من التَّوحيد (قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ) أي: جوابهم لك وردَّهم عليك وعدم قبولهم الإسلام. والحديث سبق بأتمَّ من هذا في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٣١]. (١٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥]) بالذَّات، والمقتدر على جميع الممكنات، وما عداه فإنَّما يقدر بإقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال، فحقيقٌ به ألَّا يقال: إنَّه قادرٌ

стр. 12717

إلَّا مقيَّدًا أو على قصد التَّقييد، قال الشَّيخ أبو القاسم القشيريُّ: ومن عرف أنَّه قادر على الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته، وأمَّل لطائف رحمته وزوائد نعمته عند سؤاله (١) حاجته (٢) لا بوسيلة طاعته لكن بكرمه ومِنَّته، ولأبي ذرٍّ: «باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾» وفي نسخةٍ سقوط «الباب» فالتَّالي رفعٌ. ٧٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٣)، ولأبي ذرٍّ: بالجمع (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى) بفتح الميم وسكون العين المهملة، المدنيُّ القزَّاز الإمام أبو يحيى قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي) واسمه زيدٌ، وقيل: أبو الموالي، جدُّه مولى آل عليٍّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَير -بالتَّصغير- التَّيميَّ المدنيَّ الحافظ (يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَسَنِ) بن الحسن -بفتح الحاء فيهما- ابن عليِّ بن أبي طالبٍ، وليس له ذكر في «البخاريِّ» إلَّا في هذا الموضع (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّلَمِيُّ) بفتح السِّين واللَّام، الأنصاريُّ ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا) أي: في المباحات والمستحبَّات أو في وقت فعل الواجب الموسَّع (كَمَا يُعَلِّمُ) ولأبي ذرٍّ: «كما يعلِّمهم» (السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ) صلوات الله وسلامه عليه: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ

стр. 12718

رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ) في غير وقت الكراهة، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «من غير الفريضة» بعد قوله: «كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن» يدلُّ على الاعتناء التَّامِّ البالغ حدّه بالصَّلاة والدُّعاء، وأنَّهما تلوان للفريضة والقرآن (ثُمَّ لِيَقُلِ) بعد الصَّلاة أو في أثنائها في السُّجود أو بعد التَّشهد: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) «استفعالٌ» من الخير ضدُّ الشَّرِّ، أي: أطلب منك الخيرة (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ): أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرةً، والباء فيهما للاستعانة، أي: إنِّي أطلب خيرك مستعينًا بعلمك فإنِّي لا أعلم فيمَ خيرتي، وأطلب منك القدرة فإنِّي لا حول لي ولا قوَّة إلَّا بك، أو للاستعطاف، أي: اللهمَّ إنِّي أطلب منك الخير بعلمك الشَّامل للخيرات، وأطلب منك القدرة بحقِّ تقديرك المقدورات أن تيسِّرْهما عليَّ، فيكون كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ) وفي «الدَّعوات» زيادة [خ¦٦٣٨٢] «العظيم» (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ) إلَّا بك (وَتَعْلَمُ) ما فيه الخيرة لي (وَلَا أَعْلَمُ) ذلك (١) (وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) بالفاء في «فإن كنت تعلم» (هَذَا الأَمْرَ) وفي «الدَّعوات»: «أنَّ هذا الأمر» (ثُمَّ يُسَمِّيهِ) بالتَّحتيَّة والفوقيَّة (بِعَيْنِهِ) أي: بأن ينطق به أو يستحضره بقلبه (خَيْرًا لِي) نصبٌ مفعول ثانٍ لـ «تعلم» (فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه، قَالَ) الرَّاوي: (أَوْ) قال (٢): (فِي دِينِي وَمَعَاشِي) حياتي أو ما يُعاش فيه (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي) بضمِّ الدَّال، أي: أنجزه لي (وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ إِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «وإن» (كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْنِي عَنْهُ) حتَّى لا يبقى لي تعلُّق (٣) به (وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) بتشديد الضَّاد المعجمة، أي: اجعلني بذلك راضيًا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه، والشَّكُّ في الموضعين من الرَّاوي.

стр. 12719

وسبق الحديث في «باب ما جاء في التَّطوُّع مثنى مثنى» من «كتاب التَّهجد» [خ¦١١٦٢] وفي «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٢] والله الموفِّق وبه المستعان. (١١) (بابُ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولغير أبي ذرٍّ بإسقاط «الباب» فما بعده مرفوعٌ، وكذا قوله: وقولُ الله تعالى: (﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]) فأمَّا «مقلِّبُ» فخبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الله مقلِّب القلوب، وما بعده معطوفٌ عليه، والمعنى أنَّه تعالى مبدِّل الخواطر وناقض العزائم، فإنَّ قلوب العباد بيد قدرته يقلِّبها كيف يشاء، و «الأفئدة» جمع فؤادٍ وهو القلب (١)، وقال الرَّاغب: الفؤاد كالقلب، لكن يقال له: فؤاد؛ إذا اعتبر فيه معنى التَّفاؤد، أي: التوقُّد (٢)، يقال: فأدت اللَّحم: شويته، ومنه: لحمٌ فئيدٌ، أي: مشويٌّ، وظاهر هذا أنَّ الفؤاد غير القلب، ويقال فيه: فوادٌ، بالواو بدلًا عن الهمزة، وقُدِّم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار؛ لأنَّ موضع الدَّواعي والصَّوارف هو القلب، فإذا حصلت الدَّاعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصَّوارف في القلب انصرف (٣) عنه، وهو وإن كان يبصره بحسب الظَّاهر إلَّا أنَّه لا يصير ذلك الإبصار سببًا للوقوف على الفوائد المطلوبة، فلمَّا كان المعدول هو القلب وأمَّا السَّمع والبصر فهما آلتان للقلب، كانا لا محالة تابعين للقلب؛ فلذا وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب، ثمَّ أتبعه بذكر البصر. ٧٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: بالجمع (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الملقَّب بسعدويه، الواسطيُّ نزيل بغداد (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) صاحب المغازي (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب ﵄ أنَّه (قَالَ (٤): أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ

стр. 12720

القُلُوبِ) أي: لا أفعل أو لا أقول وحقِّ مقلِّب القلوب، وفي نسبة مقلِّب القلوب إلى الله تعالى إشعارٌ بأنَّه يتولَّى قلوب عباده ولا يَكِلُها إلى أحدٍ من خلقه، وفي دعائه ﷺ : «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» إشارةٌ إلى شمول ذلك للعباد حتَّى الأنبياء، ودفْعُ توهُّم من يتوهَّم أنَّهم يُستَثْنَون من ذلك، قاله (١) البيضاوي. وفي الحديث أنَّ أعراض القلوب من إرادةٍ وغيرها تقع بخلق الله، وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثَّابت، والحديث مرَّ في «القدر» [خ¦٦٦١٧]. (١٢) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه: (إِنَّ لِلَّهِ مِئَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدًا) ولفظ «الباب» ثابتٌ لأبي ذرٍّ، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا واحدةً» بلفظ التَّأنيث باعتبار معنى التسمية. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]) أي: (العَظَمَةِ) وعند ابن كثيرٍ في «تفسيره»: وقال ابن عبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء. انتهى. فهو تعالى ذو الجلال الذي لا جلال ولا كمال إلَّا وهما له مطلقان، عمَّ جلاله جميع الأكوان، فلم تُطِق الأكوان رؤيته في الدُّنيا لهيبة الجلال، فإذا كان في اليوم الموعود فإنَّه تعالى يَبرز لعباده المؤمنين في الجمال والجلال والأنس فينظرون إليه، فتعود أنوار النَّظر عليهم، فتتجدَّد لهم قوَّةٌ يقدرون بها على النَّظر إليه، لا حَرَمنا (٢) اللهُ ذلك بمنِّه وفَضْله (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «العظيم». وقال ابن عبَّاسٍ أيضًا فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿الْبَرُّ﴾ [الطور: ٢٨]) معناه (اللَّطِيفُ) وقال غيره: البرُّ: المحسن، فما من برٍّ وإحسان إلَّا وهو موليه، قال القشيريُّ: من كان الله تعالى بارًّا به عَصَم عن المخالفات نفسه (٤)، وأدام بفنون اللَّطائف أُنسَه، وطيَّب فؤاده، وحصَّل مراده،

стр. 12721

وجعل التَّقوى زاده، قال: ومن آداب من عرف أنَّه تعالى البرُّ: أن يكون بارًّا بكلِّ أحدٍ لا سيَّما بأبويه. ٧٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا واحدةً» بالتَّأنيث، وفائدة قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» (١) التَّأكيد والفذلكة؛ لئلَّا يُزاد على ما ورد كقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] ورَفْعُ التَّصحيف، فإنَّ «تسعةً» تُصحَّف بسبعةٍ، و «تسعين» بسبعين، بالموحَّدة فيهما، وفي الاستثناء إشارةٌ إلى أنَّ الوتر أفضل من الشَّفع «إنَّ الله وترٌ يحبُّ الوتر» [خ¦٦٤١٠] فإن قيل: إذا قلنا: بأنَّ الاسم عين (٢) المسمَّى على ما هو الصَّحيح لزم من قوله: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا» الحكم بتعدُّد الإله؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: أنَّ المراد من «الاسم» ههنا (٣): اللَّفظ، ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى، إنَّما النِّزاع في أنَّه هل يُطلَق ويراد به المسمَّى عينه، ولا يلزم من تعدُّد الأسماء تعدُّد المسمَّى، والثَّاني: أنَّ كلَّ واحدٍ من الألفاظ المطلقة على الله تعالى تدلُّ على ذاته باعتبار صفةٍ حقيقيَّةٍ أو غير حقيقيَّةٍ، وذلك يستدعي التَّعدُّد في الاعتبارات والصِّفات دون الذَّات، ولا استحالة في ذلك، وفيه -كما قال الخطَّابيُّ- دليلٌ على أنَّ أشهر أسمائه تعالى «الله» لإضافة هذه الأسماء إليه، وقد رُوي أنَّه الاسم الأعظم، وقال ابن مالكٍ: ولكون «الله» اسمًا علمًا (٤) وليس بصفةٍ قيل في كلِّ اسمٍ من أسمائه تعالى سواه: اسمٌ من أسماء «الله» وهو من قول الطَّبريِّ على ما رواه النَّوويُّ: إلى الله

стр. 12722

يُنسَب كلُّ اسمٍ له، فيقال: الكريم من أسماء الله، ولا يقال: من أسماء الكريم الله (مَنْ أَحْصَاهَا) أي: حفظها، كما فسَّره (١) به البخاريُّ -كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى- والأكثرون، ويؤيِّده ما سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٤١٠] «لا يحفظها أحدٌ إلَّا» (دَخَلَ الجَنَّةَ) أو المعنى ضَبَطَها حصرًا وتعدادًا أو علمًا وإيمانًا، وذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا، أو بمعنى الإطاقة، أي: أطاق القيام بحقِّها والعمل بمقتضاها، وذلك بأنَّ يعتبر معانيها، فيطالب نفسه بما تتضمَّنه من صفات الرُّبوبيّة وأحكام العبوديّة، فيتخلَّق بها، وقال الطِّيبيُّ: إنَّما (٢) أكَّد الأعداد دفعًا للتجوُّز واحتمال الزِّيادة والنُّقصان، وقد أرشد الله تعالى بقوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] إلى عِظَمِ الخطب في الإحصاء بألَّا يُتجَاوز المسموع والأعداد المذكورة، وألَّا يُلحَد فيها (٣) إلى الباطل. انتهى. ثمَّ إنَّ مفهوم الاسم قد يكون نفس الذَّات والحقيقة، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الأجزاء، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الصِّفات والأفعال والسُّلوب والإضافات، ولا خفاء في تكثُّر (٤) أسماء الله تعالى بهذا الاعتبار، وامتناع (٥) ما يكون باعتبار الجزء؛ لتنزُّهه تعالى عن التَّركيب، فإن قلت: اعتبار السُّلوب والإضافة يقتضي تكثُّر أسماء الله تعالى جدًّا، فما وجه التَّخصيص بالتِّسعة والتِّسعين على ما نطق به الحديث، على أنَّه قد دلَّ الدُّعاء المشهور عنه ﷺ على أنَّ لله (٦) أسماء لم يُعلِّمها أحدًا من خلقه، واستأثر بها في علم الغيب عنده، وورد في الكتاب والسُّنَّة أسامٍ خارجةٌ عن التِّسعة والتِّسعين، كالكافي، والدَّائم، والصَّادق، وذي المعارج، وذي الفضل (٧)، والغالب … إلى غير ذلك؟ أُجيب بوجوهٍ: منها: أنَّ التَّنصيص

стр. 12723

على العدد لا (١) لنفي (٢) الزِّيادة بل لغرضٍ آخر كزيادة الفضيلة مثلًا، ومنها: أنَّ قوله: «من أحصاها؛ دخل الجنَّة» في موضع الوصف، كقوله: للأمير عشرة غلمان يكفونه مهمَّاته؛ بمعنى: أنَّ لهم زيادة قربٍ واشتغال بالمهمَّات، فإن قلت: إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة فكيف يختصُّ ما سواه بهذا الشَّرف؟ وإن كان داخلًا فكيف يصحُّ أنَّه ممَّا يختَصُّ بمعرفته نبيٌّ أو وليٌّ (٣)، وأنَّه سبب كراماتٍ عظيمةٍ لمن عرفه حتَّى قيل: إنَّ آصف بن برخيا إنَّما جاء بعرش بلقيس؛ لأنَّه قد أوتي الاسم الأعظم؟ أجيب باحتمال أن يكون خارجًا، وتكون زيادة شرف تسعةٍ وتسعينٍ وجلالتها بالإضافة إلى ما عداه، وأن يكون داخلًا مبهمًا لا يعرفه بعينه إلَّا نبيٌّ أو وليٌّ، ومنها: أنَّ الأسماء منحصرةٌ في تسعةٍ وتسعين، والرِّواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورةٍ في الصَّحيح ولا خاليةٍ عن الاضطراب والتغيير، وقد ذكر كثيرٌ من المحدِّثين أنَّ في إسنادها ضعفًا، قاله في «شرح المقاصد». قال البخاريُّ: (﴿أحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: ١٢]) أي: (حَفِظْنَاهُ) وأشار به إلى أنَّ معنى «أحصاها»: حفظها، لكن قال الأَصيليُّ: الإحصاء للأسماء: العمل بها لا عدُّها ولا حفظها؛ لأنَّ ذلك قد يقع للكافر والمنافق، كما في حديث الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» [خ¦٣٣٤٤] وقال في «الكواكب»: أي: حفظها وعرفها؛ لأنَّ العارف بها لا يكون إلَّا مؤمنًا، والمؤمن يدخل الجنَّة لا محالة، وهذا -أعني قوله: «﴿أحْصَيْنَاهُ﴾: حفظناه» - ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي. والحديث سبق في «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٦] متنًا وإسنادًا (٤). (١٣) (بابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَالاِسْتِعَاذَةِ بِهَا) ولفظ: «باب» ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ.

стр. 12724

٧٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ بالجمع (مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان (المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة نسبةً إلى مقبرة المدينة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشَهُ) لينام عليه (فَلْيَنْفُضْهُ) -بضمِّ الفاء- قبل أن يدخل فيه (١) (بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ) بباء الجرِّ بعدها صادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فنونٌ مكسورةٌ ففاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: بطرف ثوبه أو حاشيته أو طُرَّته، وهو جانبه الذي لا هدب له (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) حذرًا من وجود مؤذيةٍ كعقربٍ أو حيَّةٍ وهو لا يشعر، ويده مستورةٌ بحاشية الثَّوب؛ لئلَّا يحصل بها مكروهٌ إن كان ثَمَّ شيءٍ (وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ) الباء للاستعانة، أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) توفَّيتها (فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) (٢) رددتها (فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ) ذكر المغفرة عند الإمساك لأنَّ المغفرة تناسب الميِّت، والحفظ عند الإرسال لمناسبته له، والباء في «بما تحفظ» كهي في (٣) كتبت بالقلم، و «ما» موصولةٌ مبهمةٌ، وبيانها ما دلَّ عليه صلتها؛ لأنَّه تعالى إنَّما يحفظ عباده الصَّالحين من المعاصي، وألَّا يَهِنُوا في طاعته بتوفيقه ولطفه. (تَابَعَهُ) أي: تابع عبد العزيز الأويسيَّ في روايته عن مالكٍ (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان، فيما رواه

стр. 12725

النَّسائيُّ (وَبِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بالضَّاد المعجمة المشدَّدة، فيما رواه مسدَّدٌ كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). (وَزَادَ زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية، فيما سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٠] (وَأَبُو ضَمْرَةَ) بالضَّاد المعجمة المفتوحة بعدها ميمٌ ساكنةٌ، أنس بن عياضٍ، فيما رواه مسلمٌ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد كيسان المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) والمراد بالزِّيادة لفظة «عن أبيه» (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم محمَّدٌ الفقيه المدنيُّ، فيما رواه أحمد (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابن أبي سعيدٍ المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن عجلان (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الطُّفاويُّ البصريُّ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّدٍ، فيما رواه محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيُّ عنه (وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ) والمراد بهذه التَّعاليق بيان الاختلاف على سعيدٍ المقبُريِّ، هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطةٍ أو بواسطة أبيه؟ ومتابعة محمَّد بن عبد الرَّحمن هذه سقطت لأبي ذرٍّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «باسمك ربِّي وضعتُ جنبي وبك أرفعه» قال ابن بطَّالٍ: مقصود البخاريِّ بهذه التَّرجمة تصحيح الدَّليل بأنَّ الاسم هو المسمَّى ولذلك صحَّت الاستعاذة به والاستعانة، يظهر ذلك في قوله: «باسمك ربِّي وضعت جنبي وبك أرفعه» فأضاف الوضع إلى الاسم، والرَّفع إلى الذَّات، فدلَّ على أنَّ الاسم هو الذَّات، وقد استعان وضعًا ورفعًا بها لا باللَّفظ. انتهى. قال في «شرح المقاصد»: المتأخِّرون اقتصروا على ما اختلفوا فيه من مغايرة الاسم المسمَّى (١)، ثمَّ (٢) قال: والاسم هو اللَّفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعمُّ أنواع الكلمة، وقد يُقيَّد بالاستقلال والتجرُّد عن الزَّمان، فيقابل الفعل والحرف على ما هو مصطلح النُّحاة، والمسمَّى هو المعنى الذي وُضِع الاسم بإزائه، والتَّسمية هي وضع

стр. 12726

الاسم للمعنى، وقد يُراد بها ذكر الشَّيء باسمه، كما يقال: سمَّى زيدًا ولم يسمِّ عمرًا، فلا خفاء في تغاير الأمور الثَّلاثة، وإنَّما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أنَّ الاسم نفس المسمَّى، وفيما ذكره الشَّيخ الأشعريُّ من أنَّ أسماء الله تعالى ثلاثة أقسامٍ: ما هو نفس المسمَّى، مثل: الله الدَّال على الوجود، أي: الذَّات الكريمة، وما هو غيره، كالخالق والرَّازق ونحو ذلك ممَّا يدل على فعلٍ، وما لا يقال: إنَّه هو، ولا غيره، كالعالم والقادر وكلِّ ما يدلُّ على الصِّفات القديمة، وأمَّا التَّسمية فغير الاسم والمسمَّى، وتوضيحه أنَّهم يريدون بالتَّسمية اللَّفظ، وبالاسم مدلوله؛ كما يريدون بالوصف قول الواصف، وبالصِّفة: مدلوله، وكما يقولون: إنَّ القراءة حادثةٌ والمقروء قديمٌ، فالأصحاب (١) اعتبروا المدلول المطابقيَّ، فأطلقوا القول بأنَّ الاسم نفس المسمَّى؛ للقطع بأنَّ مدلول «الخالق» شيءٌ ناله (٢) الخلق لا نفس الخلق، ومدلول «العالم» شيءٌ ناله العلم لا نفس العلم، والشَّيخ أخذ المدلول أعمَّ، واعتبر في أسماء الصِّفات المعانيَ المقصودة، فزعم أنَّ مدلول «الخالق» الخلق، وهو غير الذَّات، ومدلول «العالم» العلم، وهو لا عينٌ ولا غيرٌ، وتمسَّكوا في ذلك بالعقل والنَّقل، أمَّا العقل فلأنَّه لو كانت الأسماء غير الذَّات لكانت حادثةً، فلم يكن البارئ تعالى في الأزل إلهًا وعالِمًا وقادرًا ونحو ذلك، وهو مُحالٌ، بخلاف الخالقيَّة، فإنَّه يلزم من قدمها قدم المخلوق (٣) إذا أُرِيد الخالق بالفعل كالقاطع في قولنا: السَّيف قاطعٌ عند الوقوع، بخلاف قولنا: السَّيف قاطعٌ في الغمد، بمعنى: أنَّ مِنْ شأنه ذلك، فإنَّ الخالق حينئذٍ معناه: له (٤) الاقتدار على ذلك، وأمَّا النَّقل فلقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٥)﴾ [الأعلى: ١] والتَّسبيح إنَّما يكون للذَّات دون اللَّفظ، وقولِه تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] وعبادتهم إنَّما هي للأصنام التي هي المسمَّيات دون الأسامي، وأمَّا التَّمسُّك بأنَّ الاسم لو كان غير المسمَّى لَمَا كان قولنا: «محمَّدٌ رسول الله» حكمًا بثبوت الرِّسالة له ﷺ بل لغيره؛ فشبهةٌ واهيةٌ، فإنَّ الاسم

стр. 12727

وإن لم يكن نفس المسمَّى لكنَّه دالٌّ عليه، ووضع الكلام على أن تُذكَر الألفاظ وتَرجِع الأحكام إلى المدلولات؛ كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، أي: مدلول زيدٍ متَّصفٌ بمعنى الكتابة، وقد ترجع بمعونة القرينة إلى نفس اللَّفظ كما في قولنا: زيدٌ مكتوبٌ وثلاثيٌّ ومعرَبٌ ونحو ذلك، وأُجيب عن الأوَّل: بأنَّ الثَّابت في الأزل معنى الإلهيَّة والعلم، ولا يلزم من انتفاء الاسم بمعنى اللَّفظ انتفاء ذلك المعنى، وعن الثَّاني: بأنَّ معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يُسمَّى به الغير، أو عن أن يفسَّر بما لا يليق به (١)، أو عن أن يُذكَر على غير وجه التَّعظيم، أو هو كنايةٌ عن تسبيح الذَّات، كما في قولهم: سلامٌ على المجلس الشَّريف والجناب المنيف، وفيه من التَّعظيم والإجلال ما لا يخفى، أو لفظ «الاسم» مقحمٌ، كما في قول الشَّاعر: ثمَّ اسم السَّلام عليكما ومعنى عبادة الأسماء أنَّهم يعبدون الأصنام التي ليس فيها من الإلهيَّة إلَّا مجرَّد الاسم، كمن سمَّى نفسه بالسُّلطان وليس عنده آلات السَّلطنة وأسبابها، فيقال: إنَّه فَرِحَ من السَّلطنة بالاسم، على أن في تقرير الاستدلال اعترافًا بالمغايرة حيث يقال: التَّسبيح لذات الرَّبِّ دون اسمه، والعبادة لذوات الأصنام دون أساميها (٢)، بل ربَّما يُدَّعَى أنَّ في الآيتين دلالةً على المغايرة حيث أُضِيف الاسم إلى الرَّبِّ ، وجَعَلَ الأسماء بتسميتهم (٣) وفعلهم، مع القطع بأنَّ أشخاص الأصنام ليست كذلك، ثمَّ عورِض الوجهان بوجهين: الأوَّل: أنَّ الاسم لفظٌ، وهو عَرَضٌ غير باقٍ ولا (٤) قائمٍ بنفسه، متَّصفٌ بأنَّه متركِّبٌ من الحروف، وبأنَّه أعجميٌّ أو عربيٌّ، ثلاثيٌّ أو رباعيٌّ، والمسمَّى معنًى لا يتَّصف بذلك، فربَّما يكون جسمًا قائمًا بنفسه، متَّصفًا بالألوان، متمكِّنًا في المكان … إلى غير ذلك من الخواصِّ، فكيف يتَّحدان؟ الثَّاني: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله ﵊: «إن لله تسعةً وتسعينً اسمًا» مع القطع بأنَّ المسمَّى واحدٌ لا تعدُّد فيه، وأُجيب: بأنَّ النِّزاع ليس في نفس اللَّفظ بل

стр. 12728

مدلوله (١)، ونحن إنَّما نعبِّر عن اللَّفظ بالتَّسمية وإن كانت في اللُّغة فعل الواضع أو الذَّاكر (٢)، ثمَّ لا نُنكِر إطلاق الاسم على التَّسمية كما في الآية والحديث، على أنَّ الحقَّ أنَّ المسمَّيات أيضًا كثيرةٌ؛ للقطع بأنَّ مفهوم «العالِم» غير مفهوم «القادِر» وكذا البواقي، وإنَّما الواحد هو الذَّات المتَّصف (٣) بالمسمَّيات، فإن قيل: تمسُّك الفريقين بالآيات والحديث ممَّا لا يكاد يصحُّ؛ لأنَّ النِّزاع ليس في «ا س م» بل في أفراد مدلوله، من مثل: السَّماء والأرض، والعالم والقادر، والاسم والفعل، وغير ذلك على ما يشهد به كلامهم، ألا ترى أنَّه لو أُريد الأوَّل لَما كان للقول بتعدُّد (٤) أسماء الله تعالى وانقسامها -إلى ما هو عينٌ أو غيرٌ، أو لا عينٌ ولا غيرٌ- معنًى، وبهذا يسقط ما ذكره الإمام الرازيُّ من أنَّ لفظ «الاسم» مسمَّى بالاسم (٥) لا الفعل أو الحرف، فههنا الاسم والمسمَّى واحدٌ، ولا يحتاج إلى الجواب؛ لأنَّ لفظ «الاسم» من حيث إنَّه دالٌّ وموضوعٌ، والمسمَّى (٦) من حيث إنَّه مدلولٌ وموضوعٌ له، بل فردٌ من أفراد الموضوع له فتغايرا، قلنا: نعم إلَّا أنَّ وجه تمسُّك الأوَّلين أنَّ في مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (٧)﴾ أُريد بلفظ: «الاسم» الذي هو من جملة الأسماء مسمَّاه الذي هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، ثُم أريد به مسمَّاه الذي هو الذَّات، إلَّا أنه يَرِدُ إشكال الإضافة، ووجه تمسُّك الآخرين أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ أُريد بلفظ ﴿الأَسْمَاء﴾ مثل لفظ: الرَّحمن والرَّحيم، والعليم والقدير، وغير ذلك ممَّا هو غير لفظ «أسماء» ثم إنَّها متعدِّدةٌ، فتكون غير المسمَّى الذي هو ذات الواحد الحقيقيِّ الذي لا تعدُّد فيه أصلًا، فإن قيل: قد ظهر أن ليس الخلاف في لفظ «الاسم» وأنَّه في اللُّغة موضوعٌ للفظ الشَّيء أو لمعناه، بل في الأسماء التي من جملتها لفظ الاسم، ولا خلاف في أنَّها أصواتٌ وحروفٌ مغايرة لمدلولاتها ومفهوماتها، وإن أريد بالاسم المدلول فلا خفاء في أنَّ مدلولَ (٨)

стр. 12729

اسمِ الشَّيء ومفهومِه نفسُ مسمَّاه من غير احتياجٍ إلى استدلالٍ، بل هو لغوٌ من الكلام بمنزلة قولنا: ذات الشَّيء ذاته، فما وجه هذا الاختلاف المستمرِّ بين كثيرٍ من العقلاء؟ قلنا: الاسم إذا وقع في الكلام قد يُراد به معناه، كقولنا: زيدٌ كاتبٌ، وقد يُراد نفس لفظه؛ كقولنا: زيدٌ اسمٌ معربٌ، حتَّى إنَّ كلَّ كلمةٍ (١) فإنَّه اسمٌ موضوعٌ بإزاء لفظٍ يعبَّر عنه، كقولنا: ضَرَبَ: فعلٌ ماضٍ، ومِن: حرف جرٍّ، ثم إذا أُريد المعنى فقد يُراد نفس ماهيَّة المسمَّى كقولنا: الحيوان جنسٌ، والإنسان نوعٌ، وقد يُراد بعض أفرادها كقولنا: جاءني إنسانٌ، ورأيت حيوانًا، وقد يُراد جزؤها كالنَّاطق، أو عارضٌ لها كالضَّاحك، فلَا يبعُد أن يقع بهذا الاعتبار اختلافٌ واشتباهٌ في أنَّ اسم الشَّيء نفس مسمَّاه أو غيره. انتهى بحروفه، وإنَّما أطلت به لأمرٍ اقتضاه، والله الموفِّق والمعين. وحديث الباب سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٠]. ٧٣٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم أبو عمرٍو الفراهيديُّ الأزديُّ مولاهم، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ رِبْعِيٍّ) بكسر الرَّاء والعين المهملة، بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، ابن حِراش -بالحاء المهملة المكسورة، وبعد الراء ألفٌ، فشينٌ معجمةٌ- الغطفانيِّ، قيل: إنَّه تكلَّم بعد الموت (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة (٢) (إِلَى فِرَاشِهِ) دخل فيه (قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ) بوصل الهمزة، أي: بذكر اسمك (أَحْيَا) ما حييت (وَ) عليه (أَمُوتُ) أو باسمك المميت أموت

стр. 12730

وباسمك المحيي أحيا؛ لأنَّ معاني الأسماء الحسنى (١) ثابتةٌ لله (٢) تعالى، فكلُّ ما ظهر في الوجود فهو صادرٌ عن تلك المقتضيات (وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) أطلق الموت على النَّوم؛ لأنَّه يزول معه العقل والحركة كالموت (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الإحياء للبعث أو المرجع في نيل الثَّواب مما نكتسبه في حياتنا هذه. والحديث سبق في «الدَّعوات» أيضًا [خ¦٦٣١٢]. ٧٣٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلحيُّ الكوفيُّ الضَّخم قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن أبو معاوية (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) الغطفانيِّ (عَنْ خَرَشَةَ) بفتح المعجمتين والرَّاء (بْنِ الحُرِّ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الرَّاء الفزاريِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جُنَادة ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الجيم (مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: بِاسْمِكَ) بذكر اسمك (نَمُوتُ وَنَحْيَا، فَإِذَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وإذا» (اسْتَيْقَظَ) من نومه (قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) ردَّ أنفسنا بعد أن قبضها عن التَّصرُّف بالنَّوم، أي: الحمد لله شكرًا لنيل نعمة التَّصرُّف في الطَّاعات بالانتباه من النَّوم الذي هو أخو الموت، وزوال المانع عن التَّقرب بالعبادات (وَإِلَيْهِ) تعالى (النُّشُورُ) الإحياء بعد الموت والبعث يوم القيامة.

стр. 12731

٧٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) بالكاف، ولأبي ذرٍّ: «أحدهم» (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) يجامع امرأته أو سُرِّيَّته (فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) وجواب «لو» الشَّرطية محذوفٌ، أي: لَسَلِمَ من الشَّيطان، يدلُّ له قوله: (فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ) بفتح الدَّال المشدَّدة (بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ) الإتيان (لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ) بإضلاله وإغوائه (أَبَدًا) بل يكون من جملة من لا سبيل للشَّيطان عليه، و «شيطانٌ» في قوله: «لم يضرُّه شيطانٌ» بدون «أل» وفي «الكواكب»: فإن قلت: التَّقدير أزليٌّ فما وجه أن يقدَّر؟ وأجاب: بأنَّ المراد به تعلُّقه، وقال في «الفتح»: أي: إن كان قُدِّر؛ لأنَّ التَّقدير أزليٌّ، لكن عبَّر بصيغة المضارعة بالنِّسبة للتَّعلُّق. والحديث سبق في «باب التَّسمية على كلِّ حالٍ وعند الوقاع» من «كتاب الوضوء» [خ¦١٤١] وفي «النِّكاح» أيضًا [خ¦٥١٦٥]. ٧٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، القَعْنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، ابن عياضٍ التَّميميُّ الزَّاهد الخراسانيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم، بعدها ميمٌ أخرى، ابن الحارث النَّخعيِّ (١) (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ، ولد الجواد المشهور، أسلم في سنة تسعٍ أو سنة عشرٍ، وكان قبل ذلك نصرانيًّا، قال مُحِلُّ (٢) بنُ (٣) خليفة عنه: إنَّه قال: ما أُقيمَت الصَّلاة

стр. 12732

منذ أسلمت إلَّا وأنا على وضوءٍ، وقد أسنَّ، قال خليفة (١): بلغ مئةً وعشرين سنةً، وقال أبو حاتمٍ السِّجستانيُّ: بلغ مئةً وثمانين ﵁ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ): يا رسول الله (أُرْسِلُ كِلَابِي المُعَلَّمَةَ) بفتح اللَّام المشدَّدة، التي تنزجر بالزَّجر وتسترسل بالإرسال ولا تأكل من الصَّيد، وفي «كتاب الصَّيد» في «بابِ ما جاء في التَّصيُّد» (٢) [خ¦٥٤٨٧] من وجهٍ آخر قال: «سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنَّا قومٌ نتصيَّد بهذه الكلاب» (قَالَ) ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ) بأن قلت: بسم الله (فَأَمْسَكْنَ) عليك (فَكُلْ) ممَّا صادته (وَإِذَا رَمَيْتَ بِالمِعْرَاضِ) بكسر الميم وسكون العين المهملة آخره ضادٌ معجمةٌ: خشبةٌ في رأسها كالزُّجِّ يلقيها على الصَّيد (فَخَزَقَ) بالخاء المعجمة والزَّاي والقاف، أي: جرح الصَّيد بحدِّه (فَكُلْ) فإنَّه حلالٌ، وإن قتل بعرضه فهو وقيذٌ لا يحلُّ؛ لأنَّ عرضه لا يسلك إلى داخله. وسبق الحديث في «الصَّيد» [خ¦٥٤٨٧]. ٧٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (٣) (الأَحْمَرُ) الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) عروة ابن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هُنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ههنا» (أَقْوَامًا حَدِيثًا) بالنَّصب منوَّنًا، ولأبي ذرٍّ: «حديثٌ» بالرَّفع والتَّنوين (عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ) برفع «عهدهم» (يَأْتُونَا) ولأبي ذرٍّ: «يأتوننا» بنونين، والأوَّل على لغة من يحذف نون الجمع بدون ناصبٍ وجازمٍ (بِلُحْمَانٍ) بضمِّ اللَّام جمع لحمٍ (لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا) عند الذَّبح (أَمْ لَا؟ قَالَ) ﵊: (اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللهِ) على الأكل (وَكُلُوا).

стр. 12733

والحديث سبق في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٠٧]. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا خالدٍ الأحمر (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الطُّفَاويُّ، فيما أخرجه المؤلِّف موصولًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥٧] (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّدٍ، فيما وصله العدنيُّ عنه (وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ) فيما وصله المؤلِّف في «بابِ ذبيحة الأعراب» من «الصَّيد» [خ¦٥٥٠٧] قال في «الفتح»: وقع قوله: «تابعه … » إلى آخره، هنا عقب حديث أبي هريرة المبدأ بذكره في هذا الباب [خ¦٧٣٩٣] عند كريمة والأَصيليِّ وغيرهما، والصَّواب ما وقع عند أبي ذرٍّ وغيره أنَّ محلَّ ذلك عقب حديث عائشة، وهو سادس أحاديث الباب. ٧٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الأزديُّ أبو عمر الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عبد الله الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ) يتعلَّق بـ «ضحَّى» حال كونه (يُسَمِّي) الله تعالى (وَيُكَبِّرُ) فقال (١): «باسم الله والله أكبر». والحديث أخرجه أبو داود. ٧٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديِّ -ويقال: العجليّ- الكوفيِّ (عَنْ جُنْدَُبٍ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، ابن عبد الله البجليِّ ﵁ (أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى) صلاة العيد (ثُمَّ خَطَبَ) النَّاس (٢) (فَقَالَ) في خطبته: (مَنْ ذَبَحَ) أضحيته (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) العيد (فَلْيَذْبَحْ

стр. 12734

مَكَانَهَا) أي: مكان التي (١) ذبحها ذبيحةً (أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ) بسُنَّة الله أو تبرُّكًا باسم الله. والحديث سبق في «بابِ كلام الإمام والنّاس في خطبة العيد» من «كتاب العيد» [خ¦٩٨٥]. ٧٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو، وسكون الرَّاء، بعدها قافٌ، ممدودًا، ابن عمر الخوارزميُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم، أبي عبد الرَّحمن المدنيِّ مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) لأنَّ في الحلف تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة لا تكون إلَّا لله (وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ) أي: من كان مريدًا للحلف فليحلف بالله لا بغيره من الآباء وغيرهم، وخصَّ الآباء؛ لوروده على سببٍ، وهو أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يحلفون بآبائهم وآلهتهم، وفي حديث التِّرمذيِّ وصحَّحه الحاكم عن ابن عمر: «لا يُحلَف بغير الله، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد كفر» والمراد به: الزَّجر والتَّغليظ، وفيه مباحث سبقت مع الحديث في «الأيمان» [خ¦٦٦٤٨] (٢). (١٤) (بابُ مَا يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (فِي الذَّاتِ) الإلهيَّة (وَالنُّعُوتِ) أي: والصِّفات القائمة بها (وَأَسَامِي اللهِ) ، قال القاضي عياضٌ: ذات الشَّيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام «الذَّات» بالألف واللَّام، وغلَّطهم النُّحاة وجوَّزه بعضهم؛ لأنَّها تَرِدُ بمعنى النَّفس وحقيقة الشَّيء، وجاء في الشِّعر، ولكنَّه شاذٌّ، واستعمال البخاريِّ لها على ما تقدَّم من أنَّ المراد بها نفس الشَّيء، على طريقة المتكلِّمين في حقِّ الله تعالى، ففرَّق بين النُّعوت والذَّوات، وقال

стр. 12735

ابن برهان: إطلاق المتكلِّمين الذَّات في حقِّ الله تعالى من جهلهم؛ لأنَّ «ذات» تأنيث «ذو» وهو جلَّت عظمته لا يصحُّ له إلحاق تاء التَّأنيث، قال: وقولهم: «الصِّفات الذَّاتيَّة» جهلٌ منهم أيضًا؛ لأنَّ النَّسب إلى «ذات» ذويٌّ، وأجيب: بأنَّ الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أمَّا إذا قُطِعَت عن هذا المعنى، واستُعمِلَت بمعنى الاسميَّة فلا محذور، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] أي: بنفس الصُّدور. (وَقَالَ خُبَيْبٌ) بضمِّ الخاء المعجمة، وفتح الموحَّدة، ابن عديٍّ الأنصاريُّ: (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ) متلبِّسًا (١) (بِاسْمِهِ تَعَالَى) أو ذكر حقيقة الله تعالى بلفظ الذَّات، قال في «الفتح»: ظاهر لفظه (٢) أنَّ مراده أنَّه أضاف لفظ «ذات» إلى اسم الله تعالى، وسمعه النَّبيُّ ﷺ فلم يُنكِره، فكان جائزًا، وقد ترجم البيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات»: «ما جاء في الذَّات» وأورد حديث أبي هريرة المتَّفق عليه في ذكر إبراهيم ﵇: «إلَّا ثلاث كذباتٍ: ثنتين في ذات الله» [خ¦٣٣٥٨] وحديث: «ولا تفكَّروا (٣) في ذات الله» ومعنى ذلك: من أجل، أو بمعنى (٤) حقّ، فالظَّاهر أنَّ المراد جواز إطلاق لفظ «ذات» لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلِّمون، ولكنَّه غير مردودٍ؛ إذ (٥) عُرِف أن المراد به النَّفس؛ لثبوت لفظ النَّفس في القرآن.

стр. 12736

٧٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح العين (بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ) بفتح الهمزة وكسر السِّين، و «جارية» بالجيم (الثَّقَفِيُّ) بالمثلَّثة (حَلِيفٌ) بالحاء المهملة (لِبَنِي (١) زُهْرَةَ) بضمِّ الزَّاي، أي: معاهدٌ لهم (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا قدم بعد أُحُدٍ رهطٌ من عَضَلٍ (٢) والقَارَة فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّ فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهوننا (عَشْرَةً: مِنْهُمْ: خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ) فلمَّا كانوا بالهَدَأَة ذُكِروا لبني لَحْيان، فنفروا لهم قريبًا من مئتي رجلٍ، فلمَّا رأوهم لجؤوا إلى فَدْفَدٍ، أي: رابيةٍ، فأحاط بهم القوم ورموهم بالنَّبْل، وقتلوا عاصمًا أميرهم في سبعةٍ من العشرة ونزل إليهم ثلاثةٌ: منهم: خُبيبٌ، وابن دَثِنَة، وعبد الله بن طارقٍ فأوثقوهم بأوتار قِسيِّهم، وباعوا خُبيبًا وابن دثنة بمكَّة، فاشترى خُبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ، فلبث خُبيب عندهم أسيرًا، قال ابن شهابٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين آخره ضادٌ معجمةٌ، القاريُّ، من القارة: (أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ) زينب (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا) أي: لقتله (اسْتَعَارَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاستعار» (مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا) يحلق بها شعر عانته؛ لئلَّا يظهر عند قتله (فَلَمَّا خَرَجُوا) به (مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ) في الحلِّ (قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ: وَلَسْتُ أُبَالِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ما أبالي» (حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ) بكسر المعجمة (كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي) أي: مطرحي على الأرض (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ) في طلب ثوابه (وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى

стр. 12737

أَوْصَالِ شِلْوٍ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام، أي: أوصال جسدٍ (مُمَزَّعِ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية والزَّاي المشدَّدة بعدها عينٌ مهملةٌ، أي: مُقطَّع مفرَّق (فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ) عُقبةُ بالتَّنعيم، وصلبه ثَمَّ (فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا). والحديث سبق في «الجهاد» بأتمَّ من هذا في «باب هل يستأسر (١) الرَّجل» [خ¦٣٠٤٥]. (١٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]) مفعولٌ ثانٍ لـ «يحذِّر» (٢)؛ لأنَّه في الأصل متعدٍّ لواحدٍ، فازداد بالتَّضعيف آخر، وقدَّر بعضهم حذف مضافٍ، أي: عقاب نفسه، وصرَّح بعضهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء، قال في «الدُّرِّ»: وليس بشيءٍ؛ إذ لا بدَّ من تقدير هذا المضاف لصحَّة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه، نحو قولك: حذَّرتك نفس زيد، أنَّه لا بدَّ من شيءٍ يُحذَّر منه كالعقاب والسَّطوة؛ لأنَّ الذَّوات لا يُتَصوَّر الحذر منها نفسها، إنَّما يُتصَوَّر من أفعالها وما يصدر عنها، وقال أبو مسلمٍ: المعنى ويحذِّركم الله نفسه أن تعصوه فتستحقُّوا عقابه، وعبَّر هنا بالنَّفس عن الذَّات جريًا على عادة العرب، كما قال الأعشى: يومًا بأجود نائلًا منه إذا … نفسُ الجبانِ تحمَّدت سُؤَّالها وقال بعضهم: الهاء في ﴿نَفْسَهُ﴾ تعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ (٣) أي: ويحذِّركم الله نفس الاتِّخاذ، والنَّفس عبارةٌ عن وجود الشَّيء وذاته، وقال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ النَّفس في القرآن بمعنى العلم بالشَّيء والشَّهادة كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] يعني: علمه فيكم وشهادته عليكم، وبمعنى البدن، قال تعالى: ﴿كُلُّ

стр. 12738

نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وبمعنى الهوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يعني الهوى، وبمعنى: الرُّوح، قال تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: أرواحكم. انتهى. والفائدة في ذكر النَّفس أنَّه لو قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ﴾ كان لا يفيد أنَّ الذي أُرِيد التَّحذير منه هو عقابٌ يصدر من الله (١) تعالى أو من غيره، فلمَّا ذكر النَّفس زال ذلك، ومعلومٌ أنَّ العقاب الصَّادر عنه يكون أعظم العقاب؛ لكونه قادرًا على ما لا نهاية له. (وَقَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله» (جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾) ذاتي (﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]) ذاتك، فنفس الشَّيء ذاته وهويته، والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وقال في «اللُّباب»: لا يجوز أن تكون ﴿تَعْلَمُ﴾ (٢) عرفانيَّةً؛ لأنَّ العرفان يستدعي سبق جهلٍ، أو يُقتصر به على معرفة الذَّات دون أحوالها، فالمفعول الثَّاني محذوفٌ، أي: تعلم ما في نفسي كائنًا وموجودًا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيءٌ، وقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ﴾ فهي (٣) وإن كان يجوز أن تكون عرفانيَّةً إلَّا أنَّها لمَّا صارت مقابلةً لِمَا قبلها كانت مثلها. انتهى. وقال البيهقيُّ: والنَّفس في كلام العرب على أوجهٍ: منها: الحقيقة كما يقولون: في نفس الأمر، وليس للأمر نفسٌ منفوسةٌ (٤)، ومنها: الذات، قال: وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾: إنَّ معناه ما أُكِنُّه وأُسرُّه، ولا أعلم ما تسرُّه عنِّي، وقيل: ذكر النَّفس هنا للمقابلة والمشاكلة، وعُورِض بالآية التي في أوَّل الباب؛ إذ ليس فيها مقابلةٌ. ٧٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث

стр. 12739

قاضي الكوفة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ (١)) أبي وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ) والمراد بالغيرة هنا -والله أعلم-: لازمها، وهو الغضب، ولازم الغضب: إرادة إيصال العقوبة، وقيل: غيرة الله: كراهة إتيان الفواحش، أي: عدم رضاه بها لا التَّقدير (وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ بالرَّفع (إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللهِ) و «أحبَّ» بالنَّصب، و «المدحُ» بالرَّفع فاعله، وليس في الحديث ما يدلُّ على مطابقته للتَّرجمة صريحًا. نعم في رواية «تفسير سورة الأنعام» [خ¦٤٦٣٤] زيادة قوله: «ولذلك مدح نفسه» وساقه هنا على الاختصار بدون هذه الزِّيادة؛ تشحيذًا للأذهان على عادته، ولمَّا لم يستحضر الكِرمانيُّ هذه الزِّيادة عند شرحه ذلك قال: لعلَّه أقام استعمال «أحدٌ» مقام النَّفس لتلازمهما في صحَّة استعمال كلِّ واحدٍ منهما مقام الآخر. والحديث سبق في تفسير «الأنعام» [خ¦٤٦٣٤] وفي «باب الغيرة» من «النِّكاح» [خ¦٥٢٢٠]. ٧٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان المروزيُّ، وعبدان لقبه (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللهُ) (الخَلْقَ كَتَبَ) أَمَرَ القلمَ أن يكتب (فِي كِتَابِهِ (٢)، هُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ) بيانٌ لقوله: «كتب» ولأبي ذرٍّ: «وهو يكتب» فالجملة حاليَّةٌ (وَهْوَ وَضْعٌ) بفتح الواو وسكون الضَّاد المعجمة أي: موضوعٌ،

стр. 12740

وفي رواية أبي ذرٍّ على ما حكاه عياضٌ: «وَضَعَ» بفتح الضَّاد، فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للفاعل، وفي نسخةٍ معتمدةٍ: «وضِعٌ» بكسر الضَّاد مع التَّنوين (عِنْدَهُ) أي: علم ذلك عنده (عَلَى العَرْشِ) مكنونًا عن سائر الخلق، مرفوعًا عن حيِّز الإدراك، والله تعالى منزَّه عن الحلول في المكان؛ لأنَّ الحلول عَرَضٌ يَفْنى، وهو حادثٌ، والحادث لا يليق به تعالى، وليس الكَتْبُ لئلَّا ينساه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، بل لأجل الملائكة الموكَّلين بالمكلَّفين، وفي «بدء الخلق»: [خ¦٣١٩٤] «فوق العرش» وفيه: تنبيهٌ على تعظيم الأمر وجلالة القدر، فإنَّ اللَّوح المحفوظ تحت العرش، والكتاب المشتمل على هذا الحكم فوق العرش، ولعلَّ السَّبب في ذلك -والعلم عند الله تعالى- أنَّ ما تحت العرش عالم الأسباب والمسبَّبات، واللَّوح يشتمل على تفاصيل ذلك، ذكره في «شرح المشكاة» والمكتوب هو قوله: (إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) والمراد بالغضب لازمه، وهو إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب؛ لأنَّ السَّبق والغلبة باعتبار التَّعلُّق، أي: تعلُّق الرَّحمة سابقٌ على تعلُّق الغضب؛ لأنَّ الرّحمة مقتضى ذاته المقدَّسة، وأمَّا الغضب فإنَّه متوقّفٌ على سابقةِ عملٍ من العبد الحادث. والحديث سبق في أوائل «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٤] وأخرجه مسلمٌ. ٧٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) إن ظنَّ أنِّي أعفو عنه وأغفر فله ذلك، وإن ظنَّ أنِّي أعاقبه وأؤاخذه فكذلك، وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرَّجاء على الخوف، وقيَّده بعض أهل التَّحقيق بالمُحْتَضَر، وأمَّا قبل ذلك فأقوال: ثالثها: الاعتدال، فينبغي للمرء أن يجتهد بقيام وظائف العبادات، موقنًا بأنَّ الله يقبله ويغفر له؛ لأنَّه وعده (١) بذلك، وهو لا يخلف الميعاد،

стр. 12741

فإن اعتقد أو ظنَّ خلاف ذلك فهو آيسٌ من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك؛ وُكِلَ إلى ظنِّه، وأمَّا ظنُّ المغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغرَّة (وَأَنَا مَعَهُ) بعلمي (إِذَا ذَكَرَنِي) وهي معيَّة خصوصيَّةٍ، أي: معه بالرَّحمة والتَّوفيق والهداية والرِّعاية والإعانة، فهي غير المعيَّة المعلومة من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فإنَّ معناها المعيَّة بالعلم والإحاطة (فَإِنْ ذَكَرَنِي) بالتَّنزيه والتَّقديس سرًّا (فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب والرَّحمة سرًّا (١) (فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ) بفتح الميم واللَّام مهموزٌ (٢)، في جماعةٍ جهرًا (ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب (فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) وهم الملأ الأعلى، ولا يلزم منه تفضيل الملائكة على بني آدم؛ لاحتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خيرٌ من ملأ الذَّاكرين الأنبياء والشُّهداء، فلم ينحصر ذلك في الملائكة، وأيضًا فإنَّ الخيريَّة إنَّما حصلت بالذَّاكر والملأ معًا، فالجانب الذي فيه ربُّ العزَّة خيرٌ من الجانب الذي ليس فيه بلا ارتيابٍ، فالخيريَّة حصلت (٣) على المجموع، وهذا قاله الحافظ ابن حجرٍ مبتكرًا، لكن قال: إنَّه سبقه إلى معناه الكمال بن الزَّملكانيِّ في الجزء الذي جمعه في الرَّفيق الأعلى (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (بِشِبْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «شبرًا» بإسقاط الخافض والنَّصب، أي: مقدار شبرٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا) بكسر الذَّال المعجمة، أي: بقدر ذراعٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «منه» (بَاعًا) أي: بقدر (٤) باعٍ، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره (وَإِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومن» (أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) إسراعًا، يعني: من تقرَّب إليَّ بطاعةٍ قليلةٍ جازيته بمثوبةٍ كثيرةٍ، وكلَّما زاد في الطَّاعة زدت في ثوابه، وإن كان كيفيَّة إتيانه بالطَّاعة على التَّأني، فإتياني بالثَّواب له على السُّرعة، والتَّقرُّب والهرولة: مجازٌ على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو قصد إرادة لوازمها، وإلَّا فهذه الإطلاقات وأشباهها لا يجوز إطلاقها على الله تعالى إلَّا على المجاز؛ لاستحالتها عليه تعالى.

стр. 12742

وفي الحديث: جواز إطلاق «النَّفس» على الذَّات، فإطلاقه في الكتاب والسُّنَّة إذنٌ شرعيٌّ فيه، أو يقال: هو بطريق المشاكلة، لكن يعكِّر على هذا الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. والحديث من أفراده (١). (١٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: إلَّا إيَّاه، فالوجه يعبَّر به عن الذَّات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التَّعبير بالأشرف عن الجملة، ومن جَعَل «شيئًا» يُطلَق على البارئ تعالى -وهو الصَّحيح- قال: هذا استثناءٌ متصلٌ، ومن لم يطلقه عليه جعله متَّصلًا أيضًا، وجعل «الوجه» ما عُمِل لأجله، أو يجعله منقطعًا، أي: لكن هو لم يهلك، ويجوز رفع ﴿وَجْهَهُ﴾ على الصِّفة، وفُسِّر الهلاك بالعدم، أي: إنَّ الله تعالى يُعدِم كلَّ شيءٍ، وفُسِّر أيضًا بإخراج الشَّيء عن كونه منتفعًا به، إمَّا بالإماتة، أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقيةً، كما يقال: هلك الثَّوب، وقيل: معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته، وقال مجاهدٌ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: عِلْمَ العلماء إذا أريد به وجه الله. انتهى. وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ. ٧٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) وسقط «بن زيدٍ» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) أي: الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي: كما أمطر (٢) على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)

стр. 12743

أي: بذاتك (فَقَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أو يخلطكم فِرَقًا مختلفين على أهواءٍ شتّى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين أهون من عذاب الله، وفي رواية ابن السَّكن ممَّا ذكره في «فتح الباري»: «هذه أيسر» قال: وسقط لفظ الإشارة من رواية الأَصيليِّ، قال الزَّركشيُّ: ورواية غيره هي الصَّحيحة، وبها يستقلُّ الكلام، قال (١) في «المصابيح»: وروايته (٢) أيضًا صحيحةٌ، وقُصَارى ما فيها حذف المبتدأ الذي ثبت في الرِّوايتين، وذلك جائزٌ، فكيف يحكم بعدم صحَّتها ولا شاهدَ يستند إليه هذا الحكم (٣)؟ انتهى. والمراد منه قوله: «أعوذ بوجهك» قال البيهقيُّ: تكرَّر ذكر الوجه (٤) في الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة، وهو في بعضها صفة ذاتٍ، كقوله: «إلَّا برداء الكبرياء على وجهه» وفي بعضها من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرِّضا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٥) [الروم: ٣٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠] وليس المراد الجارحة جزمًا. والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام [خ¦٤٦٢٨] وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» في قوله: «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾» [خ¦٧٣١٣]. (١٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] تُغَذَّى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الغين والذَّال المشدَّدة (٦) المعجمتين، من التَّغذية، قاله قتادة، وفي نسخة الصَّغانيِّ: بالدَّال المهملة ولا يُفتَح أوَّله على حذف إحدى التَّاءين، فإنَّه تفسير «تُصْنَع» وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، يعني: أجعله في بيت المَلِك، يَنْعَم ويترف غذاؤه عندهم، وقال أبو عمران الجونيُّ: قال: تُربَّى بعين الله، وقال معمر بن المثنَّى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: بحيث أرى، وقيل: لتُربَّى بمرأًى

стр. 12744

منِّي، قال الواحديُّ: قوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأًى منِّي؛ صحيحٌ، ولكن لا يكون في هذا تخصيصٌ لموسى ﵇، فإنَّ جميع الأشياء (١) بمرأًى منه تعالى، والصَّحيح: لتُغذَّى على محبَّتي وإرادتي، قال: وهذا قول قتادة واختيار أبي عبيدة وابن الأنباريِّ، قال في «فتوح الغيب»: هذا الاختصاص للتَّشريف كاختصاص عيسى بـ «كلمة الله» والكعبة بـ «بيت الله» فإنَّ الكلَّ موجودٌ بـ «كُن» وكلُّ البيوت بيت الله، على أنَّ خلاصة الكلام وزبدته تفيد مزيد الاعتناء بشأنه، وأنَّه من الملحوظين بسوابق إنعامه، وقوله: «تُغذَّى» ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ فاللَّاحق مرفوعٌ استئنافًا. (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالرَّفع والجرِّ (٢) عطفًا على سابقه: (﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]) أي: بمرأًى منَّا أو بحفظنا، أو ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ حالٌ من الضَّمير في ﴿تَجْرِي﴾ أي: محفوظةً بنا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] أي: نحن نراك ونحفظك و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بالمكان المحفوظ (٣) بالكلاءة والحفظ والرِّعاية، يقال: فلانٌ بمرأًى من المَلِك ومسمعٍ، إذا كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته، ونحو ذلك ممَّا ورد به الشَّرع، وامتنع حمله على معانيه الحقيقيَّة، وعند الأشعريِّ أنَّها صفاتٌ زائدةٌ، وعند الجمهور -وهو أحد قولي الأشعريِّ- أنَّها مجازاتٌ، فالمراد بالعين البصر. ٧٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ) بضمِّ المعجمة (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ) (لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَشَارَ) ﷺ (بِيَدِهِ) المقدَّسة (إِلَى عَيْنِهِ) فيه إيماءٌ إلى الرَّدِّ على من يقول: معنى رؤيته تعالى ووصفه بأنَّه بصيرٌ: العلم والقدرة،

стр. 12745

فالمراد التمثيل والتَّقريب للفهم لا إثبات الجارحة، ولا دلالة فيه للمجسِّمة؛ لأنَّ الجسم حادثٌ، وهو قديمٌ، فالمراد نفي النَّقص والعور عنه، وأنَّه ليس كمن لا يَرَى ولا يُبْصِر، بل منتَفٍ عنه جميع النَّقائص والآفات، وسُئِل الحافظ ابن حجرٍ: هل لقارئ هذا الحديث أن يشير بيده عند قراءة (١) هذا الحديث إلى عينه كما صنع ﷺ ؟ فأجاب بأنَّه إن حضر عنده من يوافقه على معتقده، وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفة الحدوث، وأراد التَّأسي به محضًا جاز، والأَولى به التَّرك خشية أن يدخل على من يراه شبهة التَّشبيه، تعالى الله عن ذلك (وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ) بكسر الهمزة (أَعْوَرُ العَيْنِ (٢) اليُمْنَى) من إضافة الموصوف إلى صفته، ولأبي ذرٍّ: «أعور عين (٣) اليمنى» (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بالياء، أي: ناتئة بارزة وهي غير الممسوحة، وقد تُهمَز لكن أنكره بعضهم، وسبق ما فيه في (٤) «الفتن» في «باب ذكر الدجال» [خ¦٧١٢٣]. ٧٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ) (مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وإنَّ الله» (لَيْسَ بِأَعْوَرَ) لتعاليه عن كلِّ نقصٍ، واقتصر في وصف الدَّجَّال على العور؛ لكون كلِّ أحدٍ يُدرِكه، فدعواه الرُّبوبيَّة مع ذلك كاذبةٌ (٥) (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ) زاد أبو أُمامة فيما رواه ابن ماجه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ (٦)». وسبق الحديث في «الفتن» [خ¦٧١٣١].
следующие страницы →