فإن اعتقد أو ظنَّ خلاف ذلك فهو آيسٌ من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك؛ وُكِلَ إلى ظنِّه، وأمَّا ظنُّ المغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغرَّة (وَأَنَا مَعَهُ) بعلمي (إِذَا ذَكَرَنِي) وهي معيَّة خصوصيَّةٍ، أي: معه بالرَّحمة والتَّوفيق والهداية والرِّعاية والإعانة، فهي غير المعيَّة المعلومة من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فإنَّ معناها المعيَّة بالعلم والإحاطة (فَإِنْ ذَكَرَنِي) بالتَّنزيه والتَّقديس سرًّا (فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب والرَّحمة سرًّا (١) (فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ) بفتح الميم واللَّام مهموزٌ (٢)، في جماعةٍ جهرًا (ذَكَرْتُهُ) بالثَّواب (فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) وهم الملأ الأعلى، ولا يلزم منه تفضيل الملائكة على بني آدم؛ لاحتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خيرٌ من ملأ الذَّاكرين الأنبياء والشُّهداء، فلم ينحصر ذلك في الملائكة، وأيضًا فإنَّ الخيريَّة إنَّما حصلت بالذَّاكر والملأ معًا، فالجانب الذي فيه ربُّ العزَّة خيرٌ من الجانب الذي ليس فيه بلا ارتيابٍ، فالخيريَّة حصلت (٣) على المجموع، وهذا قاله الحافظ ابن حجرٍ مبتكرًا، لكن قال: إنَّه سبقه إلى معناه الكمال بن الزَّملكانيِّ في الجزء الذي جمعه في الرَّفيق الأعلى (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (بِشِبْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «شبرًا» بإسقاط الخافض والنَّصب، أي: مقدار شبرٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا) بكسر الذَّال المعجمة، أي: بقدر ذراعٍ (تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «منه» (بَاعًا) أي: بقدر (٤) باعٍ، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره (وَإِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومن» (أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) إسراعًا، يعني: من تقرَّب إليَّ بطاعةٍ قليلةٍ جازيته بمثوبةٍ كثيرةٍ، وكلَّما زاد في الطَّاعة زدت في ثوابه، وإن كان كيفيَّة إتيانه بالطَّاعة على التَّأني، فإتياني بالثَّواب له على السُّرعة، والتَّقرُّب والهرولة: مجازٌ على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو قصد إرادة لوازمها، وإلَّا فهذه الإطلاقات وأشباهها لا يجوز إطلاقها على الله تعالى إلَّا على المجاز؛ لاستحالتها عليه تعالى.
стр. 12742
وفي الحديث: جواز إطلاق «النَّفس» على الذَّات، فإطلاقه في الكتاب والسُّنَّة إذنٌ شرعيٌّ فيه، أو يقال: هو بطريق المشاكلة، لكن يعكِّر على هذا الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
والحديث من أفراده (١).
(١٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: إلَّا إيَّاه، فالوجه يعبَّر به عن الذَّات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التَّعبير بالأشرف عن الجملة، ومن جَعَل «شيئًا» يُطلَق على البارئ تعالى -وهو الصَّحيح- قال: هذا استثناءٌ متصلٌ، ومن لم يطلقه عليه جعله متَّصلًا أيضًا، وجعل «الوجه» ما عُمِل لأجله، أو يجعله منقطعًا، أي: لكن هو لم يهلك، ويجوز رفع ﴿وَجْهَهُ﴾ على الصِّفة، وفُسِّر الهلاك بالعدم، أي: إنَّ الله تعالى يُعدِم كلَّ شيءٍ، وفُسِّر أيضًا بإخراج الشَّيء عن كونه منتفعًا به، إمَّا بالإماتة، أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقيةً، كما يقال: هلك الثَّوب، وقيل: معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته، وقال مجاهدٌ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: عِلْمَ العلماء إذا أريد به وجه الله. انتهى. وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
٧٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) وسقط «بن زيدٍ» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) أي: الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي: كما أمطر (٢) على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)
стр. 12743
أي: بذاتك (فَقَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أو يخلطكم فِرَقًا مختلفين على أهواءٍ شتّى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين أهون من عذاب الله، وفي رواية ابن السَّكن ممَّا ذكره في «فتح الباري»: «هذه أيسر» قال: وسقط لفظ الإشارة من رواية الأَصيليِّ، قال الزَّركشيُّ: ورواية غيره هي الصَّحيحة، وبها يستقلُّ الكلام، قال (١) في «المصابيح»: وروايته (٢) أيضًا صحيحةٌ، وقُصَارى ما فيها حذف المبتدأ الذي ثبت في الرِّوايتين، وذلك جائزٌ، فكيف يحكم بعدم صحَّتها ولا شاهدَ يستند إليه هذا الحكم (٣)؟ انتهى. والمراد منه قوله: «أعوذ بوجهك» قال البيهقيُّ: تكرَّر ذكر الوجه (٤) في الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة، وهو في بعضها صفة ذاتٍ، كقوله: «إلَّا برداء الكبرياء على وجهه» وفي بعضها من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرِّضا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٥) [الروم: ٣٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠] وليس المراد الجارحة جزمًا.
والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام [خ¦٤٦٢٨] وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» في قوله: «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾» [خ¦٧٣١٣].
(١٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] تُغَذَّى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الغين والذَّال المشدَّدة (٦) المعجمتين، من التَّغذية، قاله قتادة، وفي نسخة الصَّغانيِّ: بالدَّال المهملة ولا يُفتَح أوَّله على حذف إحدى التَّاءين، فإنَّه تفسير «تُصْنَع» وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، يعني: أجعله في بيت المَلِك، يَنْعَم ويترف غذاؤه عندهم، وقال أبو عمران الجونيُّ: قال: تُربَّى بعين الله، وقال معمر بن المثنَّى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: بحيث أرى، وقيل: لتُربَّى بمرأًى
стр. 12744
منِّي، قال الواحديُّ: قوله: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأًى منِّي؛ صحيحٌ، ولكن لا يكون في هذا تخصيصٌ لموسى ﵇، فإنَّ جميع الأشياء (١) بمرأًى منه تعالى، والصَّحيح: لتُغذَّى على محبَّتي وإرادتي، قال: وهذا قول قتادة واختيار أبي عبيدة وابن الأنباريِّ، قال في «فتوح الغيب»: هذا الاختصاص للتَّشريف كاختصاص عيسى بـ «كلمة الله» والكعبة بـ «بيت الله» فإنَّ الكلَّ موجودٌ بـ «كُن» وكلُّ البيوت بيت الله، على أنَّ خلاصة الكلام وزبدته تفيد مزيد الاعتناء بشأنه، وأنَّه من الملحوظين بسوابق إنعامه، وقوله: «تُغذَّى» ثبت في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ فاللَّاحق مرفوعٌ استئنافًا.
(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالرَّفع والجرِّ (٢) عطفًا على سابقه: (﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]) أي: بمرأًى منَّا أو بحفظنا، أو ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ حالٌ من الضَّمير في ﴿تَجْرِي﴾ أي: محفوظةً بنا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] أي: نحن نراك ونحفظك و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بالمكان المحفوظ (٣) بالكلاءة والحفظ والرِّعاية، يقال: فلانٌ بمرأًى من المَلِك ومسمعٍ، إذا كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته، ونحو ذلك ممَّا ورد به الشَّرع، وامتنع حمله على معانيه الحقيقيَّة، وعند الأشعريِّ أنَّها صفاتٌ زائدةٌ، وعند الجمهور -وهو أحد قولي الأشعريِّ- أنَّها مجازاتٌ، فالمراد بالعين البصر.
٧٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ) بضمِّ المعجمة (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ) (لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَشَارَ) ﷺ (بِيَدِهِ) المقدَّسة (إِلَى عَيْنِهِ) فيه إيماءٌ إلى الرَّدِّ على من يقول: معنى رؤيته تعالى ووصفه بأنَّه بصيرٌ: العلم والقدرة،
стр. 12745
فالمراد التمثيل والتَّقريب للفهم لا إثبات الجارحة، ولا دلالة فيه للمجسِّمة؛ لأنَّ الجسم حادثٌ، وهو قديمٌ، فالمراد نفي النَّقص والعور عنه، وأنَّه ليس كمن لا يَرَى ولا يُبْصِر، بل منتَفٍ عنه جميع النَّقائص والآفات، وسُئِل الحافظ ابن حجرٍ: هل لقارئ هذا الحديث أن يشير بيده عند قراءة (١) هذا الحديث إلى عينه كما صنع ﷺ ؟ فأجاب بأنَّه إن حضر عنده من يوافقه على معتقده، وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفة الحدوث، وأراد التَّأسي به محضًا جاز، والأَولى به التَّرك خشية أن يدخل على من يراه شبهة التَّشبيه، تعالى الله عن ذلك (وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ) بكسر الهمزة (أَعْوَرُ العَيْنِ (٢) اليُمْنَى) من إضافة الموصوف إلى صفته، ولأبي ذرٍّ: «أعور عين (٣) اليمنى» (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بالياء، أي: ناتئة بارزة وهي غير الممسوحة، وقد تُهمَز لكن أنكره بعضهم، وسبق ما فيه في (٤) «الفتن» في «باب ذكر الدجال» [خ¦٧١٢٣].
٧٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ) (مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وإنَّ الله» (لَيْسَ بِأَعْوَرَ) لتعاليه عن كلِّ نقصٍ، واقتصر في وصف الدَّجَّال على العور؛ لكون كلِّ أحدٍ يُدرِكه، فدعواه الرُّبوبيَّة مع ذلك كاذبةٌ (٥) (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ) زاد أبو أُمامة فيما رواه ابن ماجه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ (٦)».
وسبق الحديث في «الفتن» [خ¦٧١٣١].
стр. 12746
(١٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ: هُوَ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: سقوط «الباب» وقال: «﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤]» كذا في الفرع وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «هو» وقال في «فتح الباري»: «باب قول الله تعالى: هو الخالق» كذا للأكثر، والتِّلاوة: ﴿هُوَ اللهُ الْخَالِقُ … ﴾ إلى آخره، وثبت كذلك في بعض النُّسخ من رواية كريمة. و «الخالق»: هو (١) المقدِّر، و «البارئ»: المنشئ المخترع، وقُدِّم ذكر ﴿الْخَالِقُ﴾ على ﴿الْبَارِئُ﴾ لأنَّ الإرادة مقدَّمة على تأثير القدرة، وهو الإحداث على الوجه المقدَّر، ثمَّ التَّصوير، فالتَّصوير مرتَّبٌ على الخلق والبراءة تابعٌ (٢) لهما؛ لأنَّ إيجاد (٣) الذَّوات مقدَّمٌ على إيجاد الصِّفات، و ﴿الْخَالِقُ﴾ من الخلق، ويستعمل بمعنى: الإبداع؛ وهو إيجاد الشَّيء من غير أصلٍ؛ كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وبمعنى التَّكوين؛ كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] والخلَّاق: مبالغة من (٤) «خالق»، والخلق: فِعْلُه، والخليقة: جماعة المخلوقين (٥)، وقد يعبَّر عن المخلوقات بالخلق تجوُّزًا، فمن علم أنَّه الخالق فعليه أن يُنْعِم (٦) النَّظر في إتقان خَلقه؛ لتلوح له دلائل حكمته في صنعه، فيعلم أنَّه خلقه من ترابٍ ثمَّ من نطفةٍ وركَّب أعضاءه ورتَّب (٧) أجزاءه، فقسَّم تلك القطرة، فجعل (٨) بعضها مخًّا، وبعضها عظمًا، وبعضها عروقًا، وبعضها أنيابًا، وبعضها شحمًا، وبعضها لحمًا، وبعضها جلدًا، وبعضها شعرًا، ثمَّ رتَّب كلَّ عضوٍ على ترتيبٍ يخالف مجاوره، ثمَّ مدَّ من تلك القطرة معانيَ صفاتِ المخلوق، وأسمائه، وأخلاقه من علمٍ، وقدرةٍ، وإرادةٍ، وعقلٍ، وحلمٍ، وكرم، ونحو
стр. 12747
هذا وأضداد (١) هذا، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأمَّا ﴿الْبَارِئُ﴾ فقالوا: معناه الخالق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا وبروءًا، أي: خلقهم، والبريَّة: الخلق، بالهمز وبغيره، قالوا: والبريئة: من البرا، وهو التُّراب، وقد جاء هذا الاسم بين اسمي فعلٍ، وقد جاءت الرِّوايات بتعداد (٢) الأسماء وذكر الاسمين معًا في العدد، فلو كان مفهومهما واحدًا لاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر، فلا بدَّ من فارقٍ يفرِّق بينهما وإن تقاربت الأشباه، فالإيجاد والإبداع اسمٌ عامٌّ لما تناوله (٣) معنى الإيجاد، ومعنى الإيجاد إخراج ذات المكوَّن من العدم إلى الوجود، واسم الخلق: يتناول جميع الموادِّ الظَّاهرة للمصنوع الظَّاهر، وهذا حدٌّ خاصٌّ في الخلق، واسم البرء: يتناول إيجاد البواطن من باطن ما خلق منه ذوات المقادير، وهي الأجسام، وجعل الذَّوات ذواتًا في الكون، محمولة في الأجسام، محجوبةً في الهياكل، وأمَّا ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ فهو مبدع صور المخلوقات على وجوه تتميَّز بها عن غيرها، من تقديرٍ وتخطيطٍ واختصاصٍ بشكلٍ، ونحو هذا، فالله تعالى خالق كلِّ شيءٍ، بمعنى أنَّه مقدِّره أو موجده من أصلٍ ومن غير أصلٍ، وبارئه حسبما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوتٍ واختلالٍ (٤)، ومصوِّره بصورةٍ يترتَّب عليها خواصُّه ويتمُّ بها كماله.
стр. 12748
٧٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أو ابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، ابن خالدٍ، قال (١): (حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ) وسقط لأبي ذرٍّ «هو ابن عقبة» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة بعدها راءٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فزايٌ، الجمحيِّ القرشيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ) بكسر اللَّام: (أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا) جمع سبيئةٍ، بالهمز، وهي المرأة تُسبَى، مثل: خطيئة وخطايا، أي: جواريَ أُخِذُوا من الكفَّار أسرًا (فَأَرَادُوا) لمَّا طالت عليهم العزبة (أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ) في الجماع (وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ العَزْلِ) وهو نزع الذَّكر من الفرج وقت الإنزال (فَقَالَ) ﵊: (مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا) أي: ليس عليكم ضررٌ في ترك العزل، أو ليس عدم العزل واجبًا عليكم، أو «لا» زائدةٌ، كما قاله المبرِّد (فَإِنَّ اللهَ) (قَدْ كَتَبَ) أي: أمر من كتب (مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) فلا فائدة في عزلكم، فإنَّه تعالى إن كان قد خلقها؛ سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرص.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (٢)، فيما وَصَلَهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي المفتوحتين: (سَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: سألت» (أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ عن العزل (فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ) مقدَّرة الخلق (إِلَّا اللهُ) (خَالِقُهَا) أي: مُبرِزُها من العدم إلى الوجود.
(١٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) يريد قوله تعالى لإبليس لمَّا لم يسجد لآدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ امتثالًا لأمري، أي: خلقته بنفسي من غير توسُّطٍ كأبٍ وأمٍّ، والتَّثنية (٣) لِمَا في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقيل: المراد باليد القدرة،
стр. 12749
وتُعقِّب: بأنَّه لو كان اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ؛ لتشاركهما فيما خُلِق كلٌّ منهما به، وهي قدرته، وفي كلام المحقِّقين من علماء البيان أنَّ قولنا: اليد مجازٌ عن القدرة إنَّما هو لنفي وَهْمِ التَّشبيه والتَّجسيم بسرعةٍ، وإلَّا فهي تمثيلاتٌ وتصويراتٌ للمعاني العقليَّة بإبرازها في الصُّور الحسِّيَّة، ولأنَّه عُهِدَ أنَّه من اعتنى بشيءٍ باشره بيديه (١)، فيستفاد من ذلك أنَّ العناية بخلق آدم أتمُّ من العناية بخلق غيره، وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
стр. 12750
٧٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف الضَّاد المعجمة، أبو زيد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَجْمَعُ اللهُ) (المُؤْمِنِينَ) من الأمم الماضية والأمَّة المحمَّديَّة، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «يُجْمَعُ المؤمنون» بضمِّ التَّحتيَّة، مبنيًّا للمفعول، و «المؤمنون» مفعولٌ ناب عن فاعله (يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ) بالكاف في أوَّله للجميع، قال البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: أي: مثل الجمع الذي نحن عليه، وقال في «فتح الباري»: وأظنُّ أنَّ (١) أوَّل هذه الكلمة لامٌ، والإشارة إلى يوم القيامة، أو لِمَا يُذَكَر بَعْدُ، قال: وقد وقع عند مسلمٍ من رواية معاذ بن هشامٍ عن أبيه: «يجمع إليه المؤمنين يوم القيامة فيهتمُّون لذلك» (فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا) أحدًا فيشفع لنا (حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) أي: من الموقف لنُحَاسَب ونخلص من حرِّ الشَّمس والغمِّ الذي لا طاقة لنا به (فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ) فيما هم فيه من الكرب؟ (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) وهذا موضع التَّرجمة (وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) وضع «كلِّ (٢) شيء» موضع «أشياء» أي: المسمَّيات؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أي: أسماء المسمَّيات إرادةً للتَّقصِّي واحدًا فواحدًا حتَّى يستغرق المسمَّيات كلَّها (شَفِّعْ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الفاء المشدَّدة، مجزومٌ على الطَّلب، قال في «الكواكب»: من التَّشفيع، وهو قبول الشَّفاعة، وهو لا يناسب المقام إلَّا أن يقال: هو «تفعيلٌ» للتَّكثير والمبالغة، ولأبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «اشفع» (لَنَا إِلَى رَبِّنَا (٣) حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ) أي: ليست لي هذه المرتبة، بل لغيري (وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابـ) ها وهي أكله من الشَّجرة (وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ) بالإنذار (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) الموجودين بعد هلاك النَّاس بالطُّوفان، وليست أصل بعثته عامَّةً؛ فإنَّه من خصوصيات نبيِّنا ﷺ ، وكانت رسالة آدم لبنيه بمنزلة التَّربية والإرشاد (فَيَأْتُونَ نُوحًا) فيسألونه (فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) بالميم بعد الكاف، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «هناك» بإسقاطها (وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابـ) ها، وهي
стр. 12751
سؤاله نجاة ولده من الغرقُ (وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) فيسألونه (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) وللمستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «هناك» (وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا) وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ (١)﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنَّها أختي (وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى) فيسألونه (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) ولأبي ذرٍّ: «أصابها» وهي قتله النَّفس بغير حقٍّ (وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ) نفيٌ لقول النَّصارى: ابن الله (وَكَلِمَتَهُ) لأنَّه وُجِد بأمره (٢) تعالى من غير أبٍ (وَرُوحَهُ) المنفوخة في مريم (فَيَأْتُونَ عِيسَى) فيسألونه (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ¬) وسقطت «الصَّلاة» لأبي ذرٍّ (عَبْدًا غُفِرَ لَهُ) بضمِّ الغين وكسر الفاء، ولأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ: «غفر الله له» (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) عن سهوٍ وتأويلٍ (وَمَا تَأَخَّرَ) بالعصمة (فَيَأْتُونِي) ولأبي ذرٍّ (٣): «فيأتونني» (فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) أي: في الشَّفاعة للإراحة من هول الموقف (فَيُؤْذَنُ لِي) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ويؤذن لي» (عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي؛ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي) أي: يتركني (٤) ما شاء أن يتركني (ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ مُحَمَّدُ) رأسك (وَقُلْ) ولأبي ذرٍّ: «قل» بإسقاط الواو (يُسْمَعْ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون السِّين المهملة وفتح الميم، لك، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «تُسمَع» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة (وَسَلْ) بغير همزٍ (تُعْطَهْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٥): «تعط» بغير هاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الفاء مشدَّدة، تُقبَل شفاعتك (فَأَحْمَدُ رَبِّي) تعالى (بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا) زاد أبو ذرٍّ: «ربِّي» وفي «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٧٦] «يعلمنيها» بلفظ المضارع (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي) تعالى (حَدًّا) أي: يعيِّن لي قومًا مخصوصين (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي) تعالى (وَقَعْتُ) له (سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ) رأسك (وَقُلْ يُسْمَعْ) لقولك،
стр. 12752
ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «تُسمَع» بالفوقيَّة (وَسَلْ تُعْطَهْ) وللمستملي: «تعط» بدون هاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا) زاد أبو ذرٍّ (١): «ربِّي» (ثُمَّ أَشْفَعُ) فيهم، فيشفِّعني تعالى، ثمَّ أستأذنه تعالى في الشَّفاعة لإخراج قومٍ من النَّار (فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ) له (سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ) رأسك (قُلْ يُسْمَعْ) لك، ولأبي ذرٍّ: «وقل» بالواو «تُسمع» بالفوقيَّة (وَسَلْ تُعْطَهْ) بالهاء (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا) ولأبي ذرٍّ: «علَّمنيها ربِّي» (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ) فيها ممَّن أشرك (وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ) بنحو قوله فيه (٢): ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مع: محمَّدٌ رسول الله (وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ) زيادة على أصل التَّوحيد (مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً) حبَّةً من الحنطة (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً) بفتح الذَّال المعجمة وتشديد الرَّاء: واحدة الذَّرِّ، وهو النَّمل الصِّغار، أو الهباء الذي يظهر في عين الشَّمس، أو غير ذلك.
وفي الحديث: الرَّدُّ على المعتزلة في نفيهم الشَّفاعة لأصحاب الكبائر، وبيان أفضليَّة (٣) نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ على جميع الأنبياء، وأمَّا ما نُسِب إلى الأنبياء من الخطايا فمن باب التَّواضع، وأنَّ حسناتِ الأبرار سيِّئاتُ المقرَّبين، وإلَّا فَهُم صلوات الله وسلامه عليهم معصومون مطلقًا.
وسبق الحديث قي تفسير «سورة البقرة» [خ¦٤٤٧٦].
стр. 12753
٧٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (أَبُو الزِّنَادِ) ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَدُ اللهِ) (مَلأَى) بفتح الميم وسكون اللَّام بعدها همزةٌ (لَا يَغِيضُهَا) بفتح التَّحتيَّة وكسر الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة بعدها ضادٌ معجمةٌ، ولأبي ذرٍّ: «لا تغيضها» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة، أي: لا ينقصها (نَفَقَةٌ) والمراد من قوله: «ملأى» لازِمُه، وهو أنَّه في غاية الغِنى، وعنده من الرِّزق ما لا نهاية له، هي (سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بفتح السِّين والحاء المشدَّدة المهملتين وبالمدِّ والرَّفع خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ كما مرَّ، وبالنَّصبِ منوَّنًا على المصدر، أي: تسحُّ سحًّا، و «اللَّيل والنَّهار» نصبٌ على الظَّرفيَّة، والمعنى أنَّها دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء، و «اليد» هنا كنايةٌ عن محلِّ عطائه، ووصفها بالامتلاء؛ لكثرة منافعها وكمال فوائدها، فجعلها كالعين التي لا يَغِيُضها الاستقاء (وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ) (مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: ما أنفق في (١) زمان خلق السَّموات والأرض حين كان عرشه على الماء إلى يومنا، ولأبي ذرٍّ: «منذ خلق الله السَّموات والأرض» (فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ) بفتح التَّحتيَّة وكسر المعجمة، لم يَنقُص (مَا فِي يَدِهِ (٢)) قال الطِّيبيُّ: يجوز أن يكون «أرأيتم» استئنافًا فيه معنى التَّرقِّي، كأنَّه لمَّا قيل: «ملأى» أَوْهَمَ جواز النُّقصان، فأُزِيل بقوله: «لا يغيضها نفقةٌ (٣)» وقد يمتلئ الشَّيء ولا يفيض، فقيل: «سحَّاء» إشارةً إلى الفيض، وقرنَه بما يدُلُّ على الاستمرار من ذكر اللَّيل والنَّهار، ثمَّ أتبعه بما يدُلُّ على أنَّ ذلك ظاهرٌ غيرُ خافٍ على ذِي بَصَرٍ وبصيرة بعد أن اشتمل (٤) من ذكر اللَّيل والنَّهار بقوله: «أرأيتم» على تطاول المدَّة؛ لأنَّه خطابٌ عامٌّ، والهمزة فيه للتَّقرير، قال: وهذا الكلام إذا أخذتَه بجملته من غير نظرٍ إلى مفرداته أبان زيادة المعنى وكمال السَّعة والنِّهاية في الجود والبسط في العطاء (وَقَالَ) وفي نسخةٍ: «وكان»: (عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ) أي: قبل خلق السَّموات والأرض (وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ) العدل بين الخلق (يَخْفِضُ) مَن يشاء (وَيَرْفَعُ) مَن يشاء،
стр. 12754
ويوسِّع الرِّزق على من يشاء، ويضيِّقه على من يشاء، والميزان -كما قاله الخطَّابيُّ- مَثَلٌ، والمراد: القِسمة بين الخلق، أو المراد يخفض الميزان ويرفعه، فإنَّ الذي يُوزَن بالميزان يخفُّ ويرجح، وفي حديث أبي موسى عند مسلمٍ وابن حبَّان: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له (١) أن ينام، يخفض القسط ويرفعه» وظاهره أنَّ المراد بـ «القسط» الميزان، وهو ممَّا يؤيِّد أنَّ الضَّمير المستتر (٢) في قوله: «يخفض ويرفع»: لـ «الميزان» وأشار بقوله: «بيده الأخرى» إلى أنَّ عادة المخاطَبين تعاطي الأسباب باليدين معًا، فعبَّر عن قدرته على التَّصرُّف بذكر اليدين؛ ليُفهم المعنى المراد ممَّا (٣) اعتادوه.
والحديث سبق بهذا الإسناد والمتن في «تفسير سورة هود» [خ¦٤٦٨٤] وفيه زيادةٌ في أوَّله، وهي: «قال: قال الله : أنفق أُنفق عليك».
٧٤١٢ - ٧٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الهلاليُّ الواسطيُّ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «بن يحيى» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى) بن عطاءٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَقْبِضُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَرْضَ) أي: الأرضين السَّبع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «الأرضين» بالجمع (وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ) السَّبع (بِيَمِينِهِ) أي: مطويَّاتٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فالمراد بهذا الكلام إذا أخذتَه كما هو بجملته ومجموعه تصويرُ
стр. 12755
عظمته تعالى، والتَّوقيفُ على حكم جلاله لا غير، من غير ذهابٍ بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقةٍ أو جهة مجازٍ (١) يعني: أنَّ الأرضين السَّبع مع عِظَمِهنَّ وبسطهنَّ لا يبلُغْنَ إلَّا قبضةً واحدةً من قبضاته (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ) ولمسلمٍ من حديث ابن عمر: «أين الجبَّارون أين المتكبِّرون؟».
والحديث سبق في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١١].
(رَوَاهُ) أي: الحديث (سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ داود بن أبي زَنْبَرٍ -بفتح الزَّاي والموحَّدة بينهما نونٌ ساكنةٌ، آخره راءٌ- المدنيُّ، سكن بغداد، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الموضع (عَنْ مَالِكٍ) الإمام، وصله الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ.
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر: (سَمِعْتُ سَالِمًا) هو ابن عبد الله بن عمر عمُّ عمرَ (٢) المذكور يقول: (سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) عبد الله ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … ) الحديث، ووصله مسلمٌ وأبو داود.
(وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد ابن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقْبِضُ اللهُ) (الأَرْضَ) وهذا سبق قريبًا في «باب قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]» [خ¦٧٣٨٢].
٧٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ أنَّه (سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ)
стр. 12756
الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (وَسُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش، كلاهما (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، ابن عمرٍو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (أَنَّ يَهُودِيًّا) لم يعرف اسمه، وفي «مسلمٍ» من رواية فضيل بن عياضٍ: «جاء حَبْرٌ» وزاد في رواية شيبان [خ¦٤٨١١] «من الأحبار» (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ) زاد فضيلٌ: «يوم القيامة» (عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ) زاد في رواية شيبان [خ¦٤٨١١]: «الماء والثَّرى» وفي رواية فضيل بن عياضٍ [خ¦٤٨١١]: «الجبال والشَّجر على إصبعٍ، والماء والثَّرى على إصبعٍ» (وَالخَلَائِقَ) ممَّن لم يتقدم له ذِكْرٌ (عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ) تعالى: (أَنَا المَلِكُ) وفي رواية [خ¦٤٨١١] [خ¦٧٤١٥] «أنا الملك» بالتِّكرار مرَّتين (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ) ظهرتْ (نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذَّال المعجمة: أنيابه التي تبدو عند الضَّحِك (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: وما عظَّموه حقَّ تعظيمه.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان رواي الحديث عن الثَّوريِّ بالسَّند المذكور: (وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابنِ المُعتَمِر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حالَ كونِ ضَحِكِه (تَعَجُّبًا) من قول اليهوديِّ (وَتَصْدِيقًا لَهُ) ووصله مسلمٌ عن أحمد ابن يونس عن فضيلٍ، وقد سبق في «تفسير سورة الزمر» [خ¦٤٨١١] أنَّ الخطَّابيَّ ذكر الإصبع وقال: إنَّه لم يقع في القرآن ولا في حديثٍ مقطوعٍ به، وقد تقرَّر أنَّ اليد ليست جارحة حتَّى يُتوهَّم من ثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيفٌ أطلقه الشَّارع فلا يُكيَّف ولا يشبَّه، ولعلَّ ذكر الأصابع من تخليط اليهود، فإنَّ اليهود مشبِّهةٌ، وقول من قال من الرُّواة: «وتصديقًا له» أي: لليهود ظنٌّ وحسبانٌ، وقد رَوَى هذا الحديث غير واحدٍ من أصحاب عبد الله، فلم يذكروا فيه: «تصديقًا له» ثمَّ قال: ولو صحَّ الخبر حملناه على تأويل قوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. انتهى. وتعقَّبه بعضهم: بورود الأصابع في عدَّة أحاديث، منها: ما أخرجه مسلمٌ: «إنَّ قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرَّحمن» ولكنَّ هذا لا يَرِدُ عليه؛ لأنَّه إنَّما نفى القطع، نعم ذهب الشَّيخ أبو عمرو بن الصَّلاح إلى أنَّ ما اتَّفق عليه الشَّيخان بمنزلة المتواتر، فلا ينبغي التَّجاسر على
стр. 12757
الطَّعن في ثقات الرُّواة وردّ الأخبار الثَّابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الرَّاوي بالظَّنِّ لَلَزم منه تقريره ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار، وحاشَ لله من ذلك، وقد اشتدَّ إنكار ابن خزيمة على من ادَّعى أنَّ الضَّحك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في «صحيحه» في «كتاب التَّوحيد» بطرقه: قد أجلَّ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يُوصَفَ ربُّه بحضرتِه بما ليس هو مِن صفاته، فيجعل بدل الإنكار والغضب على الوصف ضحكًا، بل لا يصف النَّبيَّ ﷺ بهذا الوصف من يؤمن (١) بنبوَّته. انتهى.
٧٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) سقط لأبي ذرٍّ «بن غياثٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ) ابن قيسٍ (يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) من اليهود (فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ) أي: الذين لم يُذكَروا فيما مرَّ (عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) قالها مرَّتين، قال ابن مسعودٍ: (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ) أي: تعجُّبًا كما مرَّ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والمعجمة (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) قال القرطبيُّ في «المفهم»: ضَحِكُه ﷺ إنَّما هو للتَّعجُّب من جَهْلِ اليهوديِّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فهذه الرِّواية هي الصَّحيحة المحقَّقة، وأمَّا من زاد: «وتصديقًا له» فليست بشيءٍ؛ فإنَّها من قول الرَّاوي وهي باطلةٌ؛ لأنَّه ﷺ لا يصدِّق المُحال، وهذه الأوصاف في حقِّ الله تعالى محالٌ؛ إذ لو كان ذا يدٍ وأصابع (٢) وجوارح
стр. 12758
لكان كواحدٍ منَّا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا، فقول اليهوديِّ محالٌ وكذبٌ، ولذلك أنزل الله في الرَّدِّ عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. انتهى. وهذا يردُّه ما سبق قريبًا، والله الموفِّق والمعين لا ربَّ سواه (١).
(٢٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) «لا» الجنسيَّة، و «أَغْيَر» «أفعل» تفضيلٍ مرفوعٌ خبرها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «باب» فالتَّالي مرفوعٌ.
٧٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكيُّ) وثبت لفظ: «التبوذكيُّ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والرَّاء المشدَّدة (كَاتِبِ المُغِيرَةِ) بن شعبة ومولاه (عَنِ المُغِيرَةِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرج ﵁: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي) غيرَ مَحْرَمٍ لها (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ) بفتح الصَّاد والفاء المشدَّدة وبسكون الصَّاد وتخفيف الفاء، وهو الذي في «اليونينيَّة» أي: غيرَ ضاربٍ بعَرْضِه بل بحدِّه (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الذي قاله سعدٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعْجَبُونَ) ولأبي ذرٍّ: «أتعجبون» (مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللهِ) مجرورٌ بواو القَسَم (لأَنَا) مبتدأٌ دخلت عليه لام التَّأكيد المفتوحة، خبرُه: (أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن دقيق العيد: المنزِّهون لله إمَّا ساكتون عن التَّأويل، وإمَّا مؤوِّلون، والثَّاني يقول: المراد بالغَيرة: المنع من الشَّيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأُطلِقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة وغيرها من الأوجه الشَّائعة (٢) في
стр. 12759
لسان العرب، فالمراد الزَّجرُ عن الفواحش، والتَّحريم لها، والمنع منها، وقد بيَّن ذلك بقوله: (وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ) (حَرَّمَ الفَوَاحِشَ) جمع فاحشةٍ، وهي كلُّ خصلةٍ قبيحةٍ من الأقوال والأفعال (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) كنكاح الجاهليَّة الأمهات (وَمَا بَطَنَ) كالزِّنا (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ) بالرَّفع خبرُ «لا» ولأبي ذرٍّ: «ولا أحدٌ» بالرَّفع منَّونًا «أحبُّ» (إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ) برفع «أحبُّ» أيضًا في الفرع كأصله، أو بالنَّصب خبر «لا» على الحجازيَّة، و «العذر» رفعٌ فاعل «أحبُّ» والعُذر: الحُجَّة (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ) بكسر الشِّين والذَّال المعجمتين، أي: بعث الرُّسل لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة، وفي غير رواية أبي ذرٍّ: تقديم «المنذرين» على «المبشرين» وفي مسلمٍ: «بعث المرسلين مبشرين ومنذرين» (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ) بكسر الميم وسكون الدَّال المهملة مرفوعٌ فاعلٌ «أحبُّ» والمدح: الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال (مِنَ اللهِ) (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ) من (١) أطاعه، وحذف أحد مفعولي «وعد» وهو «مَن أطاعه» للعلم به، قال القرطبيُّ: ذكر المدح مقرونًا بالغيرة والعذر بينهما (٢) لسعدٍ على ألَّا يعمل بمقتضى غيرته ولا يعجَل، بل يتأنَّى ويترفَّق ويتثبَّت (٣) حتَّى يحصل على وجه الصَّواب، فينال كمال الثَّناء والمدح والثَّواب؛ لإيثاره الحقَّ، وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها، وهو نحو قوله: «الشَّديد مَن يملك نفسه عند الغضب» [خ¦٦١١٤] وهو حديثٌ صحيحٌ متَّفقٌ عليه (٤).
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَمْرٍو) بفتحها، ابن أبي الوليد الأسديُّ مولاهم الرَّقيُّ، فيما وصله الدَّارميُّ عن زكريا بن عديِّ عن عبيد الله بن عمرٍو (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عمير بن سويدٍ الكوفيِّ، عن ورَّادٍ مولى المغيرة، عن المغيرة قال: يبلغ به النَّبيَّ ﷺ : (لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) قال الخطَّابيُّ: إطلاق الشَّخص في صفات الله غير جائزٍ؛ لأنَّ الشَّخص لا يكون إلَّا جسمًا مؤلَّفًا، فخليقٌ ألَّا تكون هذه (٥) اللَّفظة صحيحة، وأن تكون تصحيفًا من
стр. 12760
الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك -يعني في هذا الباب- فلم يذكرها، فمَن لم يُمعِن (١) في الاستماع؛ لم يأمَنِ الوهم، وليس كلُّ الرُّواة يراعي لفظ الحديث حتَّى لا يتعدَّاه، بل كثيرٌ منهم يُحدِّث بالمعنى، وليس كلُّهم فَهِمًا، بل في كلام بعضهم جفاء (٢) وتعجرفٌ، فلعلَّ لفظ «شخص» جرى على هذا السَّبيل إن لم يكن غلطًا من قبيل التَّصحيف؛ يعني السَّمعيَّ، قال: ثمَّ إنَّ عبيد الله بن عمرٍو انفرد عن عبد الملك ولم يُتابَع عليه، واعتراه (٣) الفساد من هذه الوجوه. انتهى. وقال ابن فوركٍ: لفظ «الشَّخص» غير ثابتٍ من طريق السَّند، والإجماع على المنع منه؛ لأنَّ معناه الجسم المركَّب، وكذا قال نحوه الدَّاوديُّ والقرطبيُّ، وطَعْنُهم في السَّند بَنَوه على تفرُّد عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك، فقد أخرجه (٤) الإسماعيليُّ من طريق عبيد الله بن عمر القواريريِّ وأبي كاملٍ فضيل بن حسينٍ الجَحْدَريِّ ومحمَّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، ثلاثتهم عن أبي عَوانة الوضَّاح بالسَّند الذي أخرجه به البخاريُّ، لكن قال في المواضع الثَّلاثة: «لا شخص» بدل «لا أحد» ثمَّ ساقه من طريق زائدة بن قُدامة عن عبد الملك كذلك، فكأنَّ (٥) هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاريِّ في حديث أبي عَوانة عن عبد الملك؛ فلذلك علَّقها عن عبيد الله بن عمرو. انتهى. وقد أخرجه مسلمٌ عن القواريريِّ وأبي كاملٍ كذلك، ومن طريق زائدة أيضًا، فكأنَّ الطَّاعنين لم يستحضروا إذ (٦) ذاك «صحيح مسلمٍ» ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللَّفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرٍو، ورَدُّ (٧) الرِّوايات الصَّحيحة والطَّعن في أئمَّة الحديث الضَّابطين مع إمكان توجيه ما رَوَوا من الأمور التي أقدم عليها كثيرٌ من غير أهل الحديث، وهو يقتضي
стр. 12761
قصور فَهْمِ من فعل ذلك منهم، ومن ثمَّ قال الكِرمانيُّ: لا حاجة لتخطئة الرُّواة الثِّقات، بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات، إمَّا التَّفويض وإمَّا التَّأويل. انتهى. من «الفتح». وقال في «المصابيح»: هذا ظاهرٌ؛ إذ ليس في هذا اللَّفظ ما يقتضي إطلاق الشَّخص على الله، وما هو إلَّا بمثابة قولك: لا رجلَ أشجعُ من الأسد، وهذا لا يدلُّ على إطلاق الرَّجل على الأسد بوجهٍ من الوجوه، فأيُّ داعٍ بعد ذلك إلى توهيم الرَّاوي في ذكر «الشَّخص» أنَّه تصحيفٌ من قوله: «لا شيءَ (١) أغير من الله» كما صنعه الخطَّابيُّ.
(٢١) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾؟ [الأنعام: ١٩] وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا) إثباتًا لوجوده، ونفيًا لعدمه، وتكذيبًا للزَّنادقة والدَّهريَّة (٢) في قول الله : (﴿قُلِ اللّهِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ فسمَّى الله تعالى نفسه شيئًا» قال في «المدارك»: ﴿أَيُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأٌ، و ﴿أَكْبَرُ﴾ خبرُه، و ﴿شَهَادةً﴾ تمييزٌ، و «أيُّ» كلمةٌ يُراد بها بعضُ ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهامًا كان جوابها (٣) مسمًّى باسم ما أُضِيفَت إليه، وقوله: ﴿قُلِ اللّهِ﴾ جوابٌ، أي: الله أكبر شهادةً، فـ ﴿اللّهِ﴾ مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ، فيكون دليلًا على أنَّه يجوز إطلاق اسم «الشَّيء» على الله تعالى؛ وهذا لأنَّ الشَّيء اسمٌ للموجود ولا يُطلَق على المعدوم، والله تعالى موجودٌ فيكون شيئًا، ولذا تقول: الله تعالى شيءٌ لا كالأشياء (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ شَيْئًا) في الحديث الذي بعده (وَهْوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ) تعالى، أي: من صفات (٤) ذاته (وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) فيه: أنَّ الاستثناء متَّصلٌ، فإنَّه يقتضي اندراج المستثنى في المستثنى منه، وهو الرَّاجح، فيدلُّ (٥) على أنَّ لفظ «شيءٍ» يطلَق عليه تعالى،
стр. 12762
وقيل: الاستثناء منقطعٌ، والتَّقدير: لكن هو سبحانه لا يهلك.
٧٤١٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ، لمَّا قال له في المرأة الواهبة نفسَها له ولم يُرِدْها ﵊: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوِّجنيها، فقال: «وهل عندك من شيءٍ؟» قال: لا، قال: «انظر ولو خاتمًا من حديدٍ» فقال: ولا خاتمًا من حديدٍ، فقال له: (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته عن أبي هريرة: «البقرة» والتي تليها (١)، وعند الدَّارقطني: «البقرة» وسورٌ (٢) من المفصَّل، وقد أُجِمعَ على أنَّ لفظ «شيء» يقتضي إثبات موجودٍ، ولفظ «لا شيء» يقتضي نفي موجودٍ (٣)، وأمَّا قولهم: فلانٌ ليس بشيء؛ فإنَّه على طريق المبالغة في الذَّمِّ، فوُصِفَ لذلك بصفة المعدوم.
وحديث الباب مختصرٌ من حديثٍ سبق في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٥].
(٢٢) (بَابٌ) قوله تعالى: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) أي: فوقه، أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السَّموات والأرض إلَّا الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السَّموات والأرض، وروى الحافظ محمَّد بن عثمان ابن أبي شيبة في «كتاب صفة
стр. 12763
العرش» عن بعض السَّلف: أنَّ العرش مخلوقٌ من ياقوتةٍ حمراءَ بُعْدُ ما بين قُطْرَيه ألف سنةٍ، واتِّساعه خمسون ألفَ سنةٍ، إنَّه أبعد ما بين العرش إلى الأرض السَّابعة مسيرة خمسين ألف سنةٍ، وقيل -ممَّا ذكره في «المدارك» -: إنَّ الله خلق ياقوتةً خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماءً، ثمَّ خلق ريحًا، فأقرَّ الماء على متنه، ثمَّ وضع عرشه على الماء، وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبارٍ لأهل الأفكار.
(﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]) روى ابن مردويه في «تفسيره» مرفوعًا: «إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع عند الكرسيِّ كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وإنَّ فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة».
(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيع بن مهران الرِّياحيُّ في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾) معناه: (ارْتَفَعَ) وهذا وصله الطَّبريُّ، وقال أبو العالية أيضًا في قوله تعالى: (﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]) أي: (خَلَقَهُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فسوَّى» أي: «خَلَقَ».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى﴾) ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: (عَلَا عَلَى العَرْشِ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح عنه، قال ابن بطَّال: وهذا صحيحٌ، وهو المذهب الحقُّ، وقولُ أهل السُّنَّة؛ لأنَّ الله وصف نفسه بالعلي، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي صفة من صفات الذات، قال في «المصابيح»: وما قاله مجاهد مِن أنَّه بمعنى علا، ارتضاه غير واحد من أئمَّة أهل السُّنَّة، ودفعوا اعتراض مَن قال: علا بمعنى ارتفع من غير فَرْق، وقد أبطلتموه؛ لِمَا في ظاهره مِنَ الانتقال مِنْ سُفْل إلى علْوٍ، وهو محالٌ على الله، فليكن علا كذلك؟ ووجه الدفع أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالعلوِّ، ولم يصف نفسه بالارتفاع. وقال المعتزلة معناه: الاستيلاء بالقهر والغلبة ورُدَّ: بأنَّه تعالى لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنَّه كان مغالَبًا فيه، فاستولى عليه بقهرِ مَن غالبه، وهذا منتفٍ عن الله، وقالت (١) المجسِّمة معناه: الاستقرار، ودُفع: بأنَّ الاستقرار من صفات الأجسام ويَلزمُ منه الحُلُولُ، وهو محالٌ في حقِّه تعالى، وعند أبي القاسم اللَّالكائيِّ في «كتاب السنة» من طريق
стр. 12764
الحسن البصريِّ عن أمِّه عن أمِّ سلمة أنَّها قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر»، ومن طريق ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن أنَّه سُئِلَ: كيف استوى على العرش؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»: (﴿الْمَجِيدُ﴾) من قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أي: (الكَرِيمُ) والمجد النهاية في الكرم (و ﴿الْوَدُودُ﴾) أي: من (١) قوله تعالى: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أي: (الحَبِيبُ) قال في «اللباب»: و ﴿الْوَدُودُ﴾ مبالغةٌ في الودِّ. وقال ابن عبَّاسٍ: هو المتودِّد لعباده بالعفو (٢)، وقال في «الفتح»: وقدَّم المصنِّف ﴿الْمَجِيدُ﴾ على ﴿الْوَدُودُ﴾ لأنَّ غرضَه تفسير لفظ ﴿الْمَجِيدُ﴾ الواقع في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فلمَّا فسَّره استطرد لتفسير (٣) الاسم الذي قبله إشارةً إلى أنَّه قرئ مرفوعًا اتِّفاقًا، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ بالرَّفع صفةٌ له، واختلف القرَّاء في ﴿الْمَجِيدُ﴾ فبالرفع يكون من صفات الله، وبالجرِّ من صفات العرش.
(يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيلٌ) أي: كأنَّ «مجيدًا» على وزن «فعيل» أُخذ (مِنْ مَاجِدٍ) و (مَحْمُودٌ) أُخذ (مِنْ حَمِيدٍ) وللكشميهنيِّ: «مِن حَمِدَ» بغير ياء فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع، وقال في «الفتح»: كذا لهم بغير ياء، ولغير أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «محمودٌ من حميد» وأصل هذا قول أبي عُبيدة في «المجاز» في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] أي: محمودٌ ماجد، وقال الكِرمانيُّ: غرضه منه أنَّ مَجِيدًا فعيل بمعنى فاعل كقدير بمعنى قادر، وحميدًا فعيل بمعنى مفعول (٤)، فلذلك قال: مجيد من ماجد، وحميد من محمود، قال: وفي بعض النسخ: «محمود من حميد» وفي أخرى: «محمود من حمِدَ» مبنيًّا للفاعل والمفعول أيضًا، وإنَّما قال: كأنَّه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، ومجيد بمعنى ممجَّد، ثم قال: وفي عبارة البخاريِّ تعقيدٌ، قال في «الفتح»: التعقيد هو في قوله: «محمود من حَمِدَ»، وقد
стр. 12765
اختلف الرّواة فيه، والأَولى فيه ما وُجِدَ في أصله، وهو كلام أبي عبيدة. انتهى. قال العينيُّ: قوله: التعقيد في قوله: «محمود من حَمِدَ»، هو كلام مَن لم يَذُقْ مِن علم التصريف شيئًا، بل لفظ محمود مشتقٌّ من حَمِدَ، والتعقيد الذي ذكره الكِرمانيُّ ونسبه إلى البخاريِّ هو قوله: «ومحمودٌ أُخذ من حميد» لأنَّ محمودًا لم يؤخذ من حميد (١)، وإنَّما كلاهما أخذ (٢) من «حَمِدَ» الماضي. انتهى.
٧٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو (٣) عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد العَتَكيُّ المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمَّد بن ميمون، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخبرنا أبو حمزة» (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) بفتح الشين المعجمة والدال المهملة المشدَّدة، أبي صخرة المحاربيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الراء زاي، البصريِّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بالحاء والصاد المهملتين مُصغَّرًا، ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ) قال في «فتح الباري»: المراد بهذه البِشارة أنَّ مَن أسلم نجا من الخلود في النار، ثمَّ بعد ذلك يترتَّب جزاؤه على وَفق عملِهِ إلَّا أن يعفوَ الله، ولمَّا كان جُلُّ قصدِهِم الاهتمام بالدنيا والاستعطاء (قَالُوا: بَشَّرْتَنَا) بالنّجاة (٤) من النّار، وقد جئنا للاستعطاء
стр. 12766
من المال (فَأَعْطِنَا) منه، زاد في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٠] «فتغيَّر وجهه» (فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) وهم الأشعريُّون قوم أبي موسى (فَقَالَ) ﷺ لهم: (اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ، قَالُوا: قَبِلْنَا) ذلك، وزاد ابن حِبَّان من رواية شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش (١) عن جامع: «يا رسول الله» (جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن أوَّل هذا» (الأَمْرِ) أي: ابتداءِ خَلْق العالم (مَا كَانَ) قال الحافظ ابن حَجَرٍ: ولم أعرف اسمَ قائل ذلك من أهل اليمن (قَالَ) ﵊ مُجيبًا لهم: (كَانَ اللهُ) في الأزل منفردًا متوحِّدًا (وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ) وفي رواية أبي معاويةَ: «كان الله قبلَ كلِّ شيءٍ» وقال الطِّيبيُّ: قوله: «ولم يكن شيء قبلَه» حالٌ، وفي المذهب الكوفي خبر، والمعنى يساعدُه؛ إذِ التقديرُ: كان الله منفردًا، وقد جوَّز الأخفش دخول الواو في خبر «كان» وأخواتها نحو: كان زيد وأبوه قائم، على جعل الجملة خبرًا مع الواو تشبيهًا للخبر بالحال، ومال التُّوربشتيُّ إلى أنَّهما جملتان مستقلَّتان (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ) قال الطِّيبيُّ: «كان» في الموضعين بحسب حال مدخولها، فالمراد (٢) بالأول: الأزليَّة والقِدَم، وبالثَّاني (٣) الحدوث بعد العدم، ثم قال: والحاصل أنَّ عطف قوله: «وكان عرشه على الماء» على قوله: «كان الله» من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود، وتفويض الترتيب إلى الذهن، فالواو فيه بمنزلة «ثم» وقال في «الكواكب» قوله: «وكان عرشه على الماء» معطوف على قوله: «كان الله» ولا يلزم منه المعيَّة؛ إذِ اللازم من الواو العاطفة الاجتماع في أصل الثبوت وإن كان هناك تقديم وتأخير، قال غيره: ومن ثَمَّ جاء قوله: «ولم يكن شيء غيره» لنفي توهُّم المعيَّة، ولذا ذكر المؤلِّف ﵀ الآية الثَّانية في أوَّل الباب عقب الآية الأُولى؛ ليردَّ توهُّمَ مَن توهَّم من قوله: «كان الله ولم يكن شيء قبله (٤)، وكان عرشه على الماء»: أنَّ العرش لم يزل مع الله (ثُمَّ) بعدَ خلق العرش والماء (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ) أي: قدَّر (فِي) محلِّ (الذِّكْرِ) وهو اللوح المحفوظ (كُلَّ شَيْءٍ) من الكائنات، قال عِمرانُ بن حُصَينٍ: (ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ
стр. 12767
ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ) الذي يُرَى في شدَّة القَيْظ كأنَّه ماءٌ (يَنْقَطِعُ دُونَهَا) أي: يحول بيني وبين رؤيتها (وَايْمُ اللهِ) وفي «بدء الخلق» [خ¦٣١٩١] «فو الله» (لَوَدِدْتُ) بكسر الدّال الأولى وسكون الثّانية (أَنَّهَا) أي: ناقتي (قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ) قبل تمام الحديث، تأسَّفَ على ما فاته منه.
وسبق الحديث في «بدء الوحي» [خ¦٣١٩٠] [خ¦٣١٩١].
٧٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، ابن منبِّه أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ يَمِينَ اللهِ) (مَلأَى) بفتح الميم وسكون اللَّام بعدها همزة (لَا يَغِيضُهَا) بالتَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: بالفوقيَّة، لا ينقصها (نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بالسّين والحاء المهملتين بالمدِّ والرّفع؛ دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء (أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ) ولأبي ذرٍّ: «ما أنفق الله منذ» (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ) بالقاف والصاد المهملة (مَا فِي يَمِينِهِ) وفي الرّواية السَّابقة في «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١١] «فإنَّه لم يغض» بالغين والضّاد المعجمتين «ما في يده» وهما بمعنًى (وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ) الذي تحتَه، لا ماء البحر (وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الفَيْضُ) بالفاء والضاد المعجمة، أي: فيضُ الإحسان بالعطاء (١) (أَوِ القَبْضُ) بالقاف والموحَّدة والمعجمة، أي: قبض الأرواح بالموت، وقد يكون «الفيض» بالفاء بمعنى الموت، يقال: فاضت نفسه إذا مات، و «أو» للشَّكِّ كما في «الفتح» وقال الكِرمانيُّ: ليست للتّرديد بل للتّنويع، ويَحتمل أن يكون شكًّا من الرّاوي، قال: والأوَّل هو الأولى (يَرْفَعُ) أقوامًا (وَيَخْفِضُ) آخرين.
وسبق قريبًا [خ¦٧٤١١] ومطابقة الحديث في قوله: «وعرشه على الماء».
стр. 12768
٧٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) هو أحمد بن سيَّار المروزيُّ فيما قاله أبو نصرٍ الكلاباذيُّ، أو أحمد بن النّضر النّيسابوريُّ فيما قاله الحاكم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بضمِّ الميم وفتح القاف والدّال المهملة المفتوحة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمامُ أبو إسماعيلَ الأزرقُ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) مولى رسول الله ﷺ (يَشْكُو) له مِن أخلاق زوجتِه زينبَ بنتِ جحشٍ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا أراد زيدٌ طلاقَها وكان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يطلِّقَها (يَقُولُ) له: (اتَّقِ اللهَ) يا زيدُ (وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) فلا تطلِّقْها (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ بالسند السابق، ولأبي ذرٍّ: «قال أنس» بدل «قالت عائشة»: (لَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا) ممَّا أنزل الله عليه (١) (لَكَتَمَ هَذِهِ) الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (قَالَ) أنسٌ: (فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «وكانت» «بالواو» بدل: «الفاء» «تفخر» بإسقاط «زينب» (تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ) به ﷺ (وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى) به (مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ).
(وَعَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ بالسّند السّابق: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾) أي: مظهِرُه، وهو ما أعلمه الله بأنَّ زيدًا سيطلِّقُها ثم تنكِحُها (٢) (﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي: مقالة الناس إنَّه نكح امرأةَ ابِنِه (نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) ﵄.
стр. 12769
٧٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام، السُّلَمِيُّ -بضمِّ السِّين وفتح اللام- الكوفيُّ ثمَّ المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطّاء المهملة وسكون الهاء، البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: نَزَلَتْ آيَةُ (١) الحِجَابِ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣] (فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) ﵂ (وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا) أي: على وليمتِها (يَوْمَئِذٍ) الناسَ (خُبْزًا وَلَحْمًا) كثيرًا (وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللهَ) (أَنْكَحَنِي) به ﷺ (فِي السَّمَاءِ) حيث قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وذات الله تعالى منزَّهة عن المكان والجهة، فالمراد بقولها: «في السماء» الإشارةُ إلى علوِّ الذّات والصّفات، وليس ذلك (٢) باعتبار أنَّ محلَّه تعالى في السّماء، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وعند ابن سعد عن أنس: قالت زينب: يا رسول الله لستُ كأحدٍ مِن نسائك؛ ليست منهنَّ امرأة إلَّا زوَّجها أبوها أو أخوها أو أهلُها، ومِن حديث أمِّ سلمة: قالت زينب: ما أنا كأحدٍ من نساء النَّبيِّ ﷺ إنَّهنَّ زُوِّجْنَ بالمهورِ وزوَّجَهُنَّ الآباء، وأنا زوَّجني اللهُ رسولَه، وأنزل فيَّ القرآن (٣)، وفي مرسل الشَّعبيِّ ممَّا أخرجه الطبريُّ وأبو القاسم الطلحيُّ (٤) في «كتاب الحجّة والبيان» قال: كانت زينب تقول للنّبيِّ ﷺ : «أنا أعظم نسائك عليك حقًّا، أنا خيرهُنَّ مَنْكَحًا، وأكرمُهُنَّ سفيرًا، وأقربُهُنَّ رَحِمًا، زَوَّجَنِيكَ الرَّحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السّفيرَ بذلك، وأنا ابنة عمَّتِك (٥) وليس لك من نسائك قريبةٌ غيري».
وهذا الحديث آخر ما وقع في «البخاريِّ» من ثلاثيَّاتِهِ وهو الثّالث والعشرون، وأخرجه النَّسائيُّ في «عِشْرة النّساء» وفي «النّكاح» و «النّعوت».
٧٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ قال:
стр. 12770
(حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ) (لَمَّا قَضَى (١) الخَلْقَ) أتمَّه وأنفذَه (كَتَبَ) أثبت في كتابٍ (عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ) صفة «الكتاب»: (إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) قال في «الكواكب»: فإن قلت: صفات الله تعالى قديمة، والقِدَم هو عدم المسبوقيَّة بالغير فما وجه السّبْقِ؟ قلت: الرّحمة والغضب من صفات الفعل، والسَّبْقُ باعتبار التعلُّق، والسِّرُّ فيه: أنَّ الغضب بعد صدور المعصية من العبد، بخلاف تعلُّق الرّحمة فإنَّها فائضة على الكلِّ دائمًا أبدًا (٢)، والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٤٠٤] [خ¦٣١٩٤].
٧٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزاميُّ أحدُ الأعلام المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضمِّ الفاء آخره مهملة مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُليح ابن سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتّحتيَّة والمهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) المكتوبة (وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فإنَّ» (حَقًّا عَلَى اللهِ) بحسب وعده الصّادق وفضله العميم (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَبِّئُ) بضمِّ النّون الأُولى وفتح الثّانية وكسر الموحَّدة المشدَّدة بعدَها همزة؛ نخبرُ (النَّاسَ بِذَلِكَ؟) وفي «الجهاد» [خ¦٢٧٩٠] «أفلا نُبَشِّر النّاس» (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وفي
стр. 12771
«التِّرمذيِّ» أنَّه مئة عام، وفي «الطَّبرانيِّ»: «خمس مئة عام» وعند ابن خزيمة في «التّوحيد» من «صحيحه» وابن أبي عاصم في «كتاب السُّنَّة» عن ابن مسعود: «بين السّماء الدّنيا والتي تليها خمس مئة عام، وبين كل سماء وسماء (١) خمس مئة عامٍ» وفي رواية: «وغِلَظُ كلِّ سماءٍ مسيرة خمس مئة عام، وبين السّابعة وبين الكرسيّ خمس مئة عام، وبين الكرسيّ وبين الماء خمس مئة عام (٢)، والكرسيّ فوق الماء، والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم» (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ) (فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ) بكسر الفاء وفتح الدّال (فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ) و «الأوسطُ»: الأفضل، فلا منافاة بين قوله: أوسط وأعلى (وَفَوْقَهُ) أي: فوق الفردوس (عَرْشُ الرَّحْمَنِ) بنصب «فوقَه» على الظّرفيَّة، كذا في الفرع وقال القاضي عياض: قيَّده الأَصيليُّ بالضَّمِّ، وأنكره ابنُ قُرْقُول، وقال: إنَّما قيَّده الأَصيليُّ بالنّصب، قال في «المصابيح»: ولإنكار الضمِّ وجهٌ ظاهرٌ، وهو أنَّ «فوق» مِنَ الظروف العادمة للتّصرف (٣)، وذلك ممَّا يأبى رفعه بالابتداء كما وقع في هذه الرّواية (وَمِنْهُ) من الفردوس ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ومنها» أي (٤): من جنَّة الفردوس (تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ) بفتح الفوقيَّة والجيم المشدَّدة، بحذف أحد المِثْلَين.
والحديثُ سبقَ في «باب درجات المجاهدين في سبيل الله» من «كتاب الجهاد» (٥) [خ¦٢٧٩٠].
стр. 12772
٧٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أعين البخاريُّ البِيكَنْدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّدُ بن (١) خازم، بالخاء والزاي المعجمتين بينهما ألفٌ آخره ميم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيدَ بنِ شريكٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جنادَةَ ﵁ أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ) فيه (فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ) لي: (يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ) الشّمس؟ (قَالَ) أبو ذرٍّ: (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ) بأنْ يخلُقَ الله تعالى فيها حياةً يوجَدُ القولُ عندَها، أو أسندَ الاستئذانَ إليها مجازًا، أو المرادُ: المَلَكُ الموكَّلُ بها، ولأبي ذرٍّ: «فتستأذن» (٢) (فِي السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا) زاد أبو ذرٍّ: «في السجود» (وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: ((ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا) فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ) ابنِ مسعودٍ، وفي «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٩] «فإنَّها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش فتستأذن (٣) فيؤذَن لها، ويُوشِكُ أن تسجدَ فلا يُقبَلَ منها، وتستأذنَ فلا يؤذن (٤) لها فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» [يس: ٣٨].
стр. 12773
٧٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ سبط عبد الرحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضمِّ العين من غير إضافة (١) لشيءٍ، و «السَّبَّاق»: بفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف قاف، الثقفيِّ (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) وسقط لأبي ذرٍّ «أن زيد (٢) بن ثابت» (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفَهْمِيُّ والي مصرَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ) عُبيدٍ: (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصديق ﵁، أي: فأمرني (٣) أن أتتبع القرآن (٤) (فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) أجمعه من الرِّقاع والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) بالجرِّ (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ ﴿بَرَاءةٌ﴾) وهو ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إذ هو أعظمُ خَلْقِ الله تعالى، خُلِقَ مطافًا لأهل السماء، وقِبلةً للدُّعاء.
وهذا التعليقُ وصله أبو القاسم البغويُّ في «فضائل القرآن».
وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكير المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (بِهَذَا) الحديث السابق (وَقَالَ) فيه: (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) كما في الأولى، ووقع في «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٩] من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزُّهريِّ «مع خزيمة الأنصاريِّ» بإسقاط «أبي» وفي متابعةِ يعقوبَ بن إبراهيم لموسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم بن سعدٍ، وقال: «مع خزيمة أو أبي خزيمة» بالشَّكِّ، لكن قال في «فتح الباري»: والتّحقيقُ أنَّ آية التّوبة مع أبي خُزيمة بالكنية، وآية (٥) الأحزاب مع خُزيمة.
стр. 12774
٧٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ، أبو الهيثم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء (١) ابن خالد (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ) أي: عند حلوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ) الشاملُ علمه لجميع المعلومات المحيط بها، لا تخفى عليه خافية، ولا تعزب (٢) عنه قاصية ولا دانية، ولا يَشْغَلُه علمٌ عن علمٍ (الحَلِيمُ) الذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إلَّا هو» (رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إلَّا هو» (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) و «العرش»: أرفع المخلوقات وأعلاها، وهو قِوامُ كلِّ شيءٍ من المخلوقات، والمحيط به، وهو مكان العظمة، ومِن فوقه تنبعث الأحكام والحكمة التي بها كوَّن كلِّ شيءٍ، وبها يكون الإيجاد والتدبير، قال الكِرمانيُّ: ووصف العرش بـ «العظيم» أي: من جهة الكم، وبـ «الكريم» (٣)، أي: الحسن من جهة الكيف، فهو ممدوح ذاتًا وصفةً، وقال غيره: وصفه بـ «الكرم»؛ لأنَّ الرحمةَ تنزل منه، أو لنسبته (٤) إلى أكرم الأكرمين.
والحديث ذكر في «كتاب الدعوات» [خ¦٦٣٤٥] [خ¦٦٣٤٦].
стр. 12775
٧٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح العين (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١): يَصْعَقُونَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (٢): «النَّاس يصعقون» (يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: يغشى عليهم، وسقطت التّصلية الثّانية لأبي ذرٍّ (٣) (فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى) ﵇ (آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ).
٧٤٢٨ - (وَقَالَ المَاجِشُونُ) بكسر الجيم في الفرع كأصله ويجوز الضَّمُّ والفتح بعدها شين معجمة مضمومة آخرُه نونٌ مرفوعٌ؛ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمونٍ المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ) بسكون الضاد المعجمة ابن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ) وفي رواية أبي سعيد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٩٨] «أوَّل من يُفِيقُ» (فَإِذَا مُوسَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا بموسى» (آخِذٌ بِالعَرْشِ).
والحديث سبق في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٨].
(٢٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾) تصعدُ في المعارج التي جعلها الله لهم (﴿وَالرُّوحُ﴾)
стр. 12776
جبريلُ، وخصَّه بالذّكر بعد العموم، لفضله وشرفه، أو خَلْقٌ هم حفظةٌ على الملائكة، كما أنَّ الملائكةَ حفظةٌ علينا، أو أرواحُ المؤمنين عند الموت (﴿إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]) أي: إلى عرشه، أو إلى المكان الذي هو محلُّهم وهو في السماء؛ لأنَّها محلُّ بِرِّه وكرامته (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]) أي: إلى محلِّ القبول والرضا، وكلُّ ما اتَّصف بالقبول وُصِفَ بالرِّفعة والصعود.
(وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء نصر بن عمران الضُّبَعيُّ، مما سبق موصولًا في «باب إسلام أبي ذرٍّ» [خ¦٣٨٦١] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لأَخِيهِ) أُنيس بضمِّ الهمزة مصغَّرًا: (اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ) وهذا موضع التّرجمة كما (١) لا يخفى.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ) وقد أخرج البيهقيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ في تفسيرها: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ذِكْرُ الله، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾: أداء فرائض الله، فمن ذكر الله ولم يؤدِّ فرائضه رُدَّ كلامه، وقال الفرَّاء معناه: أنَّ العمل الصالح يرفع الكلام الطيِّب إذا كان معه عملٌ صالحٌ، وقال البيهقيُّ: صعود الكلام الطَّيِّب عبارةٌ عن القبول (يُقَالُ): معنى (ذِي المَعَارِجِ) هو (المَلَائِكَةُ) العارجات (تَعْرُجُ إِلَى اللهِ) ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إليه» وفي قوله: «إلى الله» ما تقدَّم عن السّلف مِنَ التّفويض، وعن الخلف مِنَ التأويل، وإضافةُ المعارج إليه تعالى إضافة تشريفٍ، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان.
стр. 12777
٧٤٢٩ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ) يتناوبون (فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) تأتي جماعة بعدَ أخرى، ثم تعود الأولى عقب الثانية، وتنكير «ملائكة» في الموضعين يُفيدُ أنَّ الثّانية غير الأولى كما هو ظاهرٌ (١) (وَيَجْتَمِعُونَ فِي) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ وَ) وقت (صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ) الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) أيّها المصلُّون (فَيَسْأَلُهُمْ) ربُّهم سؤال تعبُّدٍ كما تعبَّدَهُم بكَتْب أعمالهم (وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: بالمصلِّين مِنَ الملائكة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «بكم» بالكاف بدل الهاء (فَيَقُولُ) : (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) وهذا آخر الجواب عن سؤالهم: «كيف تركتم» ثمَّ زادوا في الجواب؛ لإظهار فضيلة المصلِّين، والحرص على ذِكرِ ما يُوجِبُ مغفرةَ ذنوبِهِم فقالوا: (وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ).
والحديث سبقَ في «باب فضل صلاة العصر» من أوائل «كتاب الصّلاة» [خ¦٥٥٥].
٧٤٣٠ - (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ: قال» (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون المعجمة، القطوانيُّ الكوفيُّ شيخ البخاريِّ، فيما وصله أبو بكرٍ الجَوْزَقيُّ
стр. 12778
في «الجمع بين الصّحيحين»: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) ابن بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَِدْلِ تَمْرَةٍ) بفتح العين وكسرها، أي: بمثلها، أو بالفتح: ما عادل الشيءَ مِن جنسه، وبالكسر: ما ليس من جنسه (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) أي: حلالٍ (وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ) (إِلَّا الطَّيِّبُ) جملةٌ معترضةٌ بين الشّرط والجزاء تأكيدًا لتقرير المطلوب في النّفقة (فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ) وعبَّر بـ «اليمين» لأنَّها في العُرْفِ لِمَا عزَّ، والأُخرى لِمَا هَانَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يقبلها» بحذف الفوقيَّة وسكون القاف وتخفيف الموحَّدة (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) أي: لصاحب العدل، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لصاحبها» أي: لصاحب الصّدقة بمضاعفة الأجر، أو بالمزيد في الكميّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وتشديد الواو، المُهْر حين فِطامِهِ (حَتَّى تَكُونَ) الصّدقةُ التي عِدل التّمرة (مِثْلَ الجَبَلِ) لتثقُل في ميزانه، وضَرَبَ المثل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادة بيَّنةً.
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ) (إِلَّا الطَّيِّبُ) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا طيِّبٌ».
وهذا وصله البيهقيُّ، لكنَّه قال في آخره: «مثل أُحُد» بدل قوله في الرواية المعلَّقة: «مثل الجبل» ومراد المؤلِّف: أنَّ رواية ورقاء موافقةٌ لرواية سليمان إلَّا في شيخ شيخهما، فعند سليمان أنَّه عن أبي صالح، وعند ورقاء أنَّه عن سعيد بن يسار.
٧٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبو يحيى الباهليُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الخيَّاط أبو معاويةَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيعٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ
стр. 12779
العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ (١) وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) قال النوويُّ: فإن قيل: فهذا (٢) ذِكْرٌ وليس فيه دعاءٌ يزيل الكرب، فجوابُه من وجهين:
أحدهُما: أنَّ هذا الذِّكر يَستفتح به الدعاء، ثمَّ يدعو بما شاء (٣).
والثاني: هو كما ورد: «مَن شغله ذِكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السّائلين» قيل: وهذا الحديث ليس مطابقًا للترجمة، ومحلُّه في الباب السّابق، ولعلَّ النّاسخ نقله إلى هنا، وقد سبق قريبًا [خ¦٧٤٢٦].
٧٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة أبو عامرٍ السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضمِّ النّون وسكون العين، عبد الرّحمن البَجَليِّ، أبي الحكم الكوفيِّ العابد (أَوْ أَبِي نُعْمٍ) بدون «ابن» (شَكَّ قَبِيصَةُ) بن عقبة المذكور (عَنْ أَبِي
стр. 12780
سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ ﵁» أنَّه (قَالَ: بُعِثَ) بضمِّ الموحَّدة وكسر العين (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ) بضمِّ الذّال المعجمة، والتّأنيث على إرادة القطعة مِنَ الذَّهب، وقد يؤنَّث الذّهب في بعض اللُّغات (فَقَسَمَهَا) ﷺ (بَيْنَ أَرْبَعَةٍ).
قال المؤلف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد وواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيمَ بن نصرٍ السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصّنعانيُّ اليمانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيدٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) عبد الرّحمن البَجَليِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَهْوَ بِاليَمَنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في اليمن» (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا) أي: مستقرَّة فيها، وأراد بالتّربة تِبر الذَّهب، ولا يصير ذهبًا خالصًا إلَّا بعدَ السّبك (فَقَسَمَهَا) ﷺ (بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ) بالحاء والسّين المهملتين بينهما ألف، فموحَّدة مكسورة (١) (الحَنْظَلِيِّ) بالحاء المهملة والظّاء المعجمة، نسبةً إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ) بميم مضمومة فجيم فألف فشين معجمة مكسورة فعين مهملة، ابن دارم بن مالك (٢) ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ) بفتح الفاء، نسبةً إلى فزارة بن ذبيان (وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مثلَّثة (العَامِرِيِّ) نسبةً إلى عامر بن عوف (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ) نسبةً إلى كلاب بن ربيعة (وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ) بالخاء المعجمة واللَّام، ابن مهلهل (الطَّائِيِّ) نسبةً إلى طيِّئ (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) أسود بن عمرو، وهؤلاء الأربعة من المؤلِّفة (فَتَغَضَّبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ) بالفوقيَّة والغين والضّاد المشدَّدة المعجمتين ثم موحَّدة، من الغضب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي (٣): «فتغيّظت» بالظّاء المعجمة، مِنَ الغيظ (فَقَالُوا: يُعْطِيهِ) أي: يعطي ﷺ الذّهب (صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) أي: سادات أهل نجدٍ (وَيَدَعُنَا) فلا يُعطينا منه شيئًا (قَالَ ﷺ : إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) ليثبُتوا على الإسلام (فَأَقْبَلَ رَجُلٌ) اسمه عبد الله ذو الخُويصِرة، بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وبعد الياء الساكنة صاد مهملة (غَائِرُ العَيْنَيْنِ)