← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

جبريلُ، وخصَّه بالذّكر بعد العموم، لفضله وشرفه، أو خَلْقٌ هم حفظةٌ على الملائكة، كما أنَّ الملائكةَ حفظةٌ علينا، أو أرواحُ المؤمنين عند الموت (﴿إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]) أي: إلى عرشه، أو إلى المكان الذي هو محلُّهم وهو في السماء؛ لأنَّها محلُّ بِرِّه وكرامته (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]) أي: إلى محلِّ القبول والرضا، وكلُّ ما اتَّصف بالقبول وُصِفَ بالرِّفعة والصعود. (وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء نصر بن عمران الضُّبَعيُّ، مما سبق موصولًا في «باب إسلام أبي ذرٍّ» [خ¦٣٨٦١] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لأَخِيهِ) أُنيس بضمِّ الهمزة مصغَّرًا: (اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ) وهذا موضع التّرجمة كما (١) لا يخفى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ) وقد أخرج البيهقيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ في تفسيرها: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ذِكْرُ الله، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾: أداء فرائض الله، فمن ذكر الله ولم يؤدِّ فرائضه رُدَّ كلامه، وقال الفرَّاء معناه: أنَّ العمل الصالح يرفع الكلام الطيِّب إذا كان معه عملٌ صالحٌ، وقال البيهقيُّ: صعود الكلام الطَّيِّب عبارةٌ عن القبول (يُقَالُ): معنى (ذِي المَعَارِجِ) هو (المَلَائِكَةُ) العارجات (تَعْرُجُ إِلَى اللهِ) ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «إليه» وفي قوله: «إلى الله» ما تقدَّم عن السّلف مِنَ التّفويض، وعن الخلف مِنَ التأويل، وإضافةُ المعارج إليه تعالى إضافة تشريفٍ، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان.

стр. 12777

٧٤٢٩ - وبه قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ) يتناوبون (فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) تأتي جماعة بعدَ أخرى، ثم تعود الأولى عقب الثانية، وتنكير «ملائكة» في الموضعين يُفيدُ أنَّ الثّانية غير الأولى كما هو ظاهرٌ (١) (وَيَجْتَمِعُونَ فِي) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ وَ) وقت (صَلَاةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ) الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) أيّها المصلُّون (فَيَسْأَلُهُمْ) ربُّهم سؤال تعبُّدٍ كما تعبَّدَهُم بكَتْب أعمالهم (وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: بالمصلِّين مِنَ الملائكة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «بكم» بالكاف بدل الهاء (فَيَقُولُ) : (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) وهذا آخر الجواب عن سؤالهم: «كيف تركتم» ثمَّ زادوا في الجواب؛ لإظهار فضيلة المصلِّين، والحرص على ذِكرِ ما يُوجِبُ مغفرةَ ذنوبِهِم فقالوا: (وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ). والحديث سبقَ في «باب فضل صلاة العصر» من أوائل «كتاب الصّلاة» [خ¦٥٥٥]. ٧٤٣٠ - (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ: قال» (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون المعجمة، القطوانيُّ الكوفيُّ شيخ البخاريِّ، فيما وصله أبو بكرٍ الجَوْزَقيُّ

стр. 12778

في «الجمع بين الصّحيحين»: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) ابن بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَِدْلِ تَمْرَةٍ) بفتح العين وكسرها، أي: بمثلها، أو بالفتح: ما عادل الشيءَ مِن جنسه، وبالكسر: ما ليس من جنسه (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) أي: حلالٍ (وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ) (إِلَّا الطَّيِّبُ) جملةٌ معترضةٌ بين الشّرط والجزاء تأكيدًا لتقرير المطلوب في النّفقة (فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ) وعبَّر بـ «اليمين» لأنَّها في العُرْفِ لِمَا عزَّ، والأُخرى لِمَا هَانَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يقبلها» بحذف الفوقيَّة وسكون القاف وتخفيف الموحَّدة (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) أي: لصاحب العدل، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لصاحبها» أي: لصاحب الصّدقة بمضاعفة الأجر، أو بالمزيد في الكميّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وتشديد الواو، المُهْر حين فِطامِهِ (حَتَّى تَكُونَ) الصّدقةُ التي عِدل التّمرة (مِثْلَ الجَبَلِ) لتثقُل في ميزانه، وضَرَبَ المثل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادة بيَّنةً. (وَرَوَاهُ) أي: الحديث (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ) (إِلَّا الطَّيِّبُ) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا طيِّبٌ». وهذا وصله البيهقيُّ، لكنَّه قال في آخره: «مثل أُحُد» بدل قوله في الرواية المعلَّقة: «مثل الجبل» ومراد المؤلِّف: أنَّ رواية ورقاء موافقةٌ لرواية سليمان إلَّا في شيخ شيخهما، فعند سليمان أنَّه عن أبي صالح، وعند ورقاء أنَّه عن سعيد بن يسار. ٧٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبو يحيى الباهليُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الخيَّاط أبو معاويةَ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيعٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ

стр. 12779

العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ (١) وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) قال النوويُّ: فإن قيل: فهذا (٢) ذِكْرٌ وليس فيه دعاءٌ يزيل الكرب، فجوابُه من وجهين: أحدهُما: أنَّ هذا الذِّكر يَستفتح به الدعاء، ثمَّ يدعو بما شاء (٣). والثاني: هو كما ورد: «مَن شغله ذِكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السّائلين» قيل: وهذا الحديث ليس مطابقًا للترجمة، ومحلُّه في الباب السّابق، ولعلَّ النّاسخ نقله إلى هنا، وقد سبق قريبًا [خ¦٧٤٢٦]. ٧٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة أبو عامرٍ السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن مسروقٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضمِّ النّون وسكون العين، عبد الرّحمن البَجَليِّ، أبي الحكم الكوفيِّ العابد (أَوْ أَبِي نُعْمٍ) بدون «ابن» (شَكَّ قَبِيصَةُ) بن عقبة المذكور (عَنْ أَبِي

стр. 12780

سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ ﵁» أنَّه (قَالَ: بُعِثَ) بضمِّ الموحَّدة وكسر العين (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ) بضمِّ الذّال المعجمة، والتّأنيث على إرادة القطعة مِنَ الذَّهب، وقد يؤنَّث الذّهب في بعض اللُّغات (فَقَسَمَهَا) ﷺ (بَيْنَ أَرْبَعَةٍ). قال المؤلف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد وواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيمَ بن نصرٍ السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصّنعانيُّ اليمانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيدٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) عبد الرّحمن البَجَليِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَهْوَ بِاليَمَنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في اليمن» (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا) أي: مستقرَّة فيها، وأراد بالتّربة تِبر الذَّهب، ولا يصير ذهبًا خالصًا إلَّا بعدَ السّبك (فَقَسَمَهَا) ﷺ (بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ) بالحاء والسّين المهملتين بينهما ألف، فموحَّدة مكسورة (١) (الحَنْظَلِيِّ) بالحاء المهملة والظّاء المعجمة، نسبةً إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ) بميم مضمومة فجيم فألف فشين معجمة مكسورة فعين مهملة، ابن دارم بن مالك (٢) ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ) بفتح الفاء، نسبةً إلى فزارة بن ذبيان (وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف اللَّام وبعد الألف مثلَّثة (العَامِرِيِّ) نسبةً إلى عامر بن عوف (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ) نسبةً إلى كلاب بن ربيعة (وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ) بالخاء المعجمة واللَّام، ابن مهلهل (الطَّائِيِّ) نسبةً إلى طيِّئ (ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) أسود بن عمرو، وهؤلاء الأربعة من المؤلِّفة (فَتَغَضَّبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ) بالفوقيَّة والغين والضّاد المشدَّدة المعجمتين ثم موحَّدة، من الغضب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي (٣): «فتغيّظت» بالظّاء المعجمة، مِنَ الغيظ (فَقَالُوا: يُعْطِيهِ) أي: يعطي ﷺ الذّهب (صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) أي: سادات أهل نجدٍ (وَيَدَعُنَا) فلا يُعطينا منه شيئًا (قَالَ ﷺ : إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) ليثبُتوا على الإسلام (فَأَقْبَلَ رَجُلٌ) اسمه عبد الله ذو الخُويصِرة، بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وبعد الياء الساكنة صاد مهملة (غَائِرُ العَيْنَيْنِ)

стр. 12781

داخلتين في رأسه لاصقتين بقعر حدقته (١) (نَاتِئُ الجَبِينِ) مُرتَفِعُه (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بالمثلَّثة المشدَّدة، كثير شعرها (مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ) بضمِّ الميم وسكون الشّين المعجمة وكسر الرّاء بعدها فاء، غليظُهُما، و «الوجنة» ما ارتفع من الخدِّ (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَمَنْ يُطِيعُ (٢) اللهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنِّي) بفتح الميم وتشديد النّون، ولأبي ذرٍّ: «فيأمنني» (عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي) أنتم؟ ولأبي ذرٍّ: «ولا تأمنونني» بنونين كالسّابقة (فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) زاد أبو ذرٍّ: «النبيَّ ﷺ » (قَتْلَهُ، أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة أظنُّه (خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) وقيل: عمر بن الخطَّاب، فيحتمل أن يكونا سألا (فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من قتله استئلافًا لغيره (فَلَمَّا وَلَّى) الرجل (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وسقط قوله «النبيُّ ﷺ » في الموضعين لأبي ذرٍّ (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) بضادين معجمتين مكسورتين بينهما همزة ساكنة وآخره همزة أُخرى، مِن نَسْلِه (قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حَنْجَرة: منتهى الحُلْقُوم، أي: لا يُرفَع في الأعمال الصّالحة (يَمْرُقُونَ) يَخرجون (مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ) خروجَه إذا نَفَذَ مِنَ الجهة الأخرى (مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الرّاء وكسر الميم وفتح التّحتيَّة مشدَّدةً، الصّيد المَرْمِي (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ) بفتح الدال، ويتركون (أَهْلَ الأَوْثَانِ) بالمثلَّثة (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) لأستأصلنَّهم بحيث لا أُبقي منهم أحدًا كاستئصال عادٍ، والمراد لازمه وهو الهلاك. ومطابقة الحديث للتّرجمة تُؤخَذ مِن قوله في رواية «المغازي» [خ¦٤٣٥١] «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» أي: على العرش فوق السّماء، وهذه عادة البخاريِّ في إدخال الحديث في الباب للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها قاصدًا تشحيذَ الأذهان والحثَّ على الاستحضار. والحديث سبق في «باب قول الله : ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا﴾ [الحاقة: ٦]» [خ¦٣٣٤٤] وفي «المغازي» في «باب بعث عليٍّ» [خ¦٤٣٥١] وفي تفسير «سورة براءة» [خ¦٤٦٦٧].

стр. 12782

٧٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بفتح العين المهملة وتشديد التّحتيَّة، الرّقَّام قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح أحد الأعلام (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ) ولأبي ذرٍّ: «أُرَاهُ» بضمِّ الهمزة، أي: أظُنُّه «عن أبيه» يزيد بن شريكٍ التَّيميِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنادةَ ﵁ أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ) : (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ) شبَّهها بمستقرِّ المسافر إذا قطع مسيره، وسبق مزيدٌ لذلك في محلِّه [خ¦٧٤٢٤] والله الموفق. وسبق الحديث في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٩] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٢] [خ¦٤٨٠٣]. (٢٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ﴾) هي وجوه المؤمنين (﴿يَوْمَئِذٍ﴾) يوم القيامة (﴿نَّاضِرَةٌ﴾) حسنةٌ ناعمةٌ (﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]) بلا كيفيَّة ولا جهة ولا ثبوت مسافةٍ، وقال القاضي: تراه مستغرقةً في مطالعة جماله، بحيث تغفُلُ عمَّا سواه، ولذلك قدَّم المفعول، وليس هذا في كلِّ الأحوال حتَّى يُنافيه نظرُها إلى غيرهِ، وحَمْلُ النّظر على انتظارها لأمر ربِّها أو لثوابه لا يصحُّ؛ لأنَّه يقال: نظرت فيه، أي: تفكرت، ونظرته: انتظرته، ولا يعدَّى بـ «إلى» إلَّا بمعنى الرؤية مع أنَّه لا يليق الانتظار في دار القرار. ٧٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، والأخير بالنّون، ابن أوسٍ السُّلَمِيُّ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الطّحان بن عبد الله الواسطيُّ (وَهُشَيْمٌ) مصغَّرٌ، ابن بشيرٍ الواسطيُّ، وللحَمُّويي والمُستملي: «أو هشيم» بالشَّكِّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ سعد أو هرمز أو كثير الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازم بالزاي والحاء المهملة، البجليِّ (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الله البَجَليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ) بسكون

стр. 12783

الذال (١) المعجمة (نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ) يوم القيامة (كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُّونَ) بضمِّ الفوقيَّة بعدها ضاد معجمة وتشديد الميم، أي: لا تتزاحمون ولا تختلفون (فِي رُؤْيَتِهِ) وقال البيهقيُّ: سمعت الشّيخ الإمام أبا الطَّيِّبِ سهل بن محمَّد الصّعلوكيَّ يقول في «إملائه» في قوله: «لا تُضامُّون» بالضَّمِّ والتّشديد معناه: لا تجتمعون لرؤيته في جهة، ولا يُضَمُّ بعضكم إلى بعضٍ، ومعناه بفتح التّاء كذلك، والأصل: لا تتضامنون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وبالتّخفيف من (٢) الضّيم ومعناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعضٍ، فإنَّكم ترونه في جهاتكم كلِّها وهو متعالٍ عن الجهة، والتّشبيه برؤية القمر للرؤيةِ دون تشبيه المرئيِّ، تعالى اللهُ عن ذلك (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن صلاة» (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) يعني: الفجر والعصر كما في «مسلمٍ» (فَافْعَلُوا) عدم المغلوبيَّة بقطع الأسباب المنافية للاستطاعة كنومٍ ونحوه. وسبق الحديث في «باب فضل صلاة العصر» من «كتاب الصلاة» [خ¦٥٥٤]. ٧٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) القطان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ) نسبةً إلى يربوع بن حنظلة، من (٣) تميم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط، بالحاء المهملة والنّون المشدَّدة (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الكوفيِّ الحافظ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) أبي عبد الله البَجَليِّ تابعيٌّ كبير فاتته الصحبة بليالٍ (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البَجَليِّ ﵁ وسقط لأبي ذرٍّ «ابن عبد الله» أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «قال خرج علينا رسول الله ﷺ ليلة البدر فقال: إنَّكم» (سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا)

стр. 12784

بكسر العين من قولك: عاينتُ الشّيء عِيانًا، إذا رأيتَه بعينك. ٧٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّفَّار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ) بن عليِّ ابن الوليد، ونسب إلى جُعْفَةَ بن سعد العشيرة بن مَذْحِج (عَنْ زَائِدَةَ) بن قُدامة أنَّه قال: (حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ) بموحَّدة مكسورة ومعجمة ساكنة بعدها راء، الأحمسيُّ، بالحاء والسين المهملتين (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) البَجَليِّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) البَجَليُّ ﵁ أنَّه (١): (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا) البدرَ (لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيتِهِ) بضمِّ أوَّله وتشديد الميم، من الازدحام، أي: لا ينضمُّ بعضكم إلى بعضٍ كما تنضمُّون في رؤية الهلال رأسَ الشهرِ لخفائه ودقَّته، بل ترونَه رؤيةً محقَّقةً لا خفاء فيها.

стр. 12785

٧٤٣٧ - ٧٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ) بالمثلَّثة، ثمَّ الجندعِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا) (يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟) بضمِّ حرف المضارعة وتشديد الرَّاء، أصله: تُضاررون (١) بالبناء للمفعول، فسكنتِ الرَّاء الأولى، وأُدغمت في الثانية، وفي نسخة بتخفيف الرَّاء، فالمشدَّدة بمعنى لا تتخالفون ولا تتجادلون في صِحَّة النظر إليه لوضوحه وظهوره، والمخفَّف من الضّير، ومعناه كالأوَّل: (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ) يحجُبُها؟ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) إذا تجلَّى لكم (كَذَلِكَ) أي: واضحًا جليًّا بلا شكٍّ ولا مشقَّةٍ ولا اختلاف (يَجْمَعُ اللهُ) (النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّْبَِعْهُ) بسكون الفوقيَّة وفتح الموحَّدة أو بتشديد الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، وكذا قوله: (فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ) بالمثنَّاة الفوقيَّة فيهما، جمع طاغوت، فَعلُوت، مِن طغى، أصله طغيوت ثم طيغوت ثم طاغوت: الشّياطين والأصنام، وفي «الصَِّحاح»: هو (٢) الكاهن وكلُّ رأس في الضّلال (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا) بالشّين المعجمة والعين المهملة أصله: شافعون، فسقطت النّون للإضافة، أي: شافعو الأُمَّة (أَوْ) قال: (مُنَافِقُوهَا، شَكَّ إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ الرَّاوي، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: والأوّل هو (٣) المعتمد (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) إتيانًا لا يكيَّف، عاريًا عن الحركة والانتقال، أو هو محمولٌ على الإتيان المعروف عندنا، لكن على معنى: أنَّ الله تعالى يخلُقهُ لمَلَكٍ مِنْ ملائكته، فأضافه إلى نفسه على جهة الإسناد المجازي مثل: قطع الأمير اللصَّ، وزاد في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «في غير الصورة التي يعرفونها» (فَيَقُولُ) لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا) وزاد فيه أيضًا: «فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا» (حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَنَا) ولغير المُستملي: «جاء» (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) فيتجلَّى لهم بعد تمييز المنافقين (فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) أي: التي هو عليها من التّعالي عن صفات الحدوث بعد أن عرَّفَهم بنفسه المقدَّسة، ورفعَ عن أبصارهم الموانعَ، وقال في

стр. 12786

«المصابيح»: «في صورته التي يعرفون» أي: في علامةٍ (١) جعلها الله دليلًا على معرفته والتّفرِقة بينه وبين مخلوقاته، فسمَّى الدَّليل والعلامة صورةً مجازًا، كما تقول العرب: صورةُ أمرك كذا، وصورة حديثك كذا، والأمر والحديث لا صورةَ لهما، وإنَّما يريدون: حقيقة أمرك وحديثك، وكثيرًا ما يجري على ألسنة الفقهاء: صورة هذه المسألة كذا (فَيَقُولُ) لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّْبَِعُونَهُ) بالتّخفيف والتّشديد، أي: فيتبعون أمره إيَّاهم بذهابهم إلى الجنَّة، أو ملائكته التي تذهب بهم إليها (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) بضمِّ حرف المضارعة وفتح ثالثه و «الصّراط» الجسر (بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) على وسطها (فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا) أي: يجوز بأُمَّتِه على الصّراط ويقطعه، ولأبي ذرٍّ عن الأَصيليِّ وابن عساكر: «من يجيء» (وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) في حال الإجازة (إِلَّا الرُّسُلُ) لشِدَّة الأهوال (وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) مرَّتين (وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) بغير صرف، معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذ مَنْ أُمرتْ به (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السّين والدّال بينهما عين مهملات، نباتٌ ذو شوكٍ (هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟) استفهام تقريرٍ لاستحضار الصّورة المذكورة (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: َفإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَُ عِظَمِهَا) أي: الشوكة، وللكُشميهنيِّ: «ما قَدْرُ عِظَمِها» (إِلَّا اللهُ) تعالى، قال القرطبيُّ: قيَّدنا «قدرُ» عن بعض مشايخنا بضمِّ الرَّاء على أن «ما» استفهاميَّة (٢) و «قَدْرُ» مبتدأ، وبنصبِها على أنَّ «ما» زائدة و «قدرَ» مفعول «يَعْلَمُ» (تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بسبب أعمالهم القبيحة (فَمِنْهُمُ المُوبَقُ) بفتح الموحَّدة؛ الهالك (بِعَمَلِهِ) وهو الكافرُ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «المؤمن» بالميم والنّون «بَقِيَ بعمله» بالموحَّدة والقاف المكسورة، من البقاء «أو الموبَقُ بعمله» بالشَّكِّ، وللحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «فمنهم الموبَق» بالموحَّدة المفتوحة «بقِي» بالموحَّدة وكسر القاف، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «يَقِي» بالتحتيَّة مِنَ الوقاية، أي: «يسترُه عمله» وللمستملي: «أو الموثق» بالمثلثة المفتوحة من الوثاق «بعمله» والفاء في قوله: «فمنهم» تفصيل للنّاس الذين تخطَفُهُمُ الكلاليب بحسب أعمالهم (وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ (٣)) بالخاء المعجمة والدّال المهملة، المنقطع الذي تقطعه كلاليبُ الصّراط

стр. 12787

حتَّى يهوي في النَّار، وقيل: المخردل المصروع، قال السّفاقسيُّ: وهو أنسب بسياق الخبر (أَوِ المُجَازَى) بضمِّ الميم وفتح الجيم المخفَّفة والزّاي بينهما ألف مِنَ الجزاء (أَوْ نَحْوُهُ) شكٌّ من الراوي، ولمسلمٍ: «المجازى» بغير شكٍّ (ثُمَّ يَتَجَلَّى) بتحتيَّةٍ ففوقيَّةٍ فجيمٍ فلامٍ مشدَّدةٍ مفتوحاتٍ كذا في الفرع كأصله مصحَّحًا عليه، أي: يتبيَّن، قال في «الفتح»: ويَحتملُ أن يكون بالخاء المعجمة، أي: يُخلَّى عنه، فيرجع إلى معنى ينجو، وفي حديث أبي سعيدٍ [خ¦٧٤٣٩] «فناج مَسَلَّم، ومخدوشٌ ومكدوسٌ في جهنم» (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ) (مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ): أتمَّ، وقال ابن المُنيِّر: الفراغ إذا أضيف إلى الله معناه القضاء، وحلوله بالمقضي عليه، والمراد إخراج الموحِّدين وإدخالهم الجنَّة، واستقرار أهل النّار في النّار، وحاصله أنَّ معنى «يفرغ الله» أي: من القضاء بعذاب مَن يفرغ عذابه ومن لا يفرغ، فيكون إطلاق الفراغ بطريق المقابلة وإن لم يُذكَر لفظُها (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) بضمِّ أوّله وكسر ثالثه (بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ) تعالى (المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) (شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ) (أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بآثار السجود» (تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللهُ) (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) وهو موضعُه مِنَ الجبهة، أو مواضع السّجود السّبعة، ورجَّحه النَّوويُّ، لكن في «مسلمٍ»: «إلَّا دارات الوجوه» وهو كما قال القاضي (١) عياض يدُلُّ على أنَّ المراد بـ «أثر السّجود»: الوجه خاصَّةً ويؤيِّده أنَّ في بقيَّة الحديث أنَّ منهم مَن غاب في النّار إلى نصف ساقيه، وفي «مسلمٍ» من حديث سَمُرة: «وإلى ركبتيه» وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد: «وإلى حقويه» لكن حمله النوويُّ على قومٍ مخصوصينَ، ونقل بعضُهم: أنَّ علامتَهم (٢) الغرَّة، ويضاف إليها التحجيل وهو في اليدين والقدمين ممَّا يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل ممَّن قال: أعضاء السّجود؛ لدخول جميع اليدين والرجلين لا تخصيص الكفَّين والقدمين، ولكن ينقص (٣) منه الركبتان، وما استُدل به من بقية الحديث لا يمنع سلامةَ هذه الأعضاء مع الانغمار؛ لأنَّ تلك

стр. 12788

الأحوال الأُخرويَّة خارجةٌ عن قياس أحوال أهل الدنيا، ودلَّ التَّنصيص على «دارات الوجوه» أنَّ الوجه كلَّه لا تؤثِّرُ فيه النَّار إكرامًا لمحلِّ السجود، ويَحتملُ أنَّ (١) الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) حالَ كونِهِم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضمِّ الفوقيَّة والمعجمة بينهما حاء مهملة مكسورة، أو بفتح الفوقيَّة: احترق جلدهم وظهر عظمُهم (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ التحتيَّة وفتح الصّاد (مَاءُ الحَيَاةِ) ضدُّ الموت (فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، من بزور الصّحراء (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة، ما يحملُه مِن طينٍ ونحوه، وفي رواية يحيى بن عمارة: «إلى جانب السّيل» والمراد: أنَّ الغثاء الذي يجيءُ به السّيل يكون (٢) فيه الحِبَّة، فتقع في جانب الوادي، فتصبح مِن يومها نابتة، فالتّشبيه في سرعة النّبات وطراوته وحُسنه (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ) زاد أبو ذرٍّ: «منهم» (مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ) وفي حديث حذيفة في «أخبار بني إسرائيل»: أنَّه كان نباشًا [خ¦٣٤٥٢] وعند الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالكٍ»: أنَّه رجلٌ من جُهَينة، وعند السُّهيليِّ اسمه هناد (فَيَقُولُ: أَيْ) بسكون الياء (رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي) بالقاف والمعجمة والموحَّدة مفتوحات: آذاني (رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذّال وبعد الكاف همزة، ولأبي ذرٍّ: «ذكاها» بغير همزِ: شِدَّةُ حرِّها والتهابها (فَيَدْعُو اللهَ) (بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ) له: (هَلْ عَسَِيْتَ) بفتح السّين وكسرها (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «إن أعطيتك» بفتحها وبالكاف (أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «ويعطي الله» (مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللهُ) (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ) (أَنْ يَسْكُتَ) حياءً (ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي) بسكون الميم بعد كسر الدّال المشدَّدة (إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ) (لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟) أي: غير صَرْفِ وجهِكَ عن النَّار (وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ) فعلُ تعجُّبٍ مِنَ الغدر ونقض العهد وترك الوفاء (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ) (حَتَّى يَقُولَ) له: (هَلْ عَسَِيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ

стр. 12789

أَنْ تَسْأَلَ (١) غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي) الله (مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ انْفَهَقَتْ) بنونٍ ساكنةٍ ففاءٍ فهاءٍ فقافٍ مفتوحات ففوقيَّة: انفتحتْ واتَّسَعَتْ (لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الحَبْرَةِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحَّدة: من النِّعمة وسَعَةِ العيش (وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ) (أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ) : (أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ) وفي الفرع كأصله ضُبِّب على «فيقول» هذه: (وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونَنَّ) بنون التّوكيد الثّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «لا أكون» بإسقاطها (أَشْقَى خَلْقِكَ) قال في «الكواكب»: فإن قلت: هذا ليس بأشقى؛ لأنَّه خلص مِنَ العذاب، وزُحزِحَ عن النّار وإنْ لم يدخل الجنَّة، قلت: يعني أشقى أهل التّوحيد الذي هم أبناء جنسه فيه، وقال الطِّيبيُّ: فإن قلت: كيف طابق (٢) هذا الجواب قوله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك (٣)؟ قلت: كأنَّه قال: يا رب بلى أعطيت العهود والمواثيق، ولكن تأمَّلت كرمَك وعفوك ورحمتك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا (٤) تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] فوقفتُ على أنِّي لستُ مِنَ الكفَّار الذين أيسوا من رحمتك وطمعت في كرمك وسَعَة رحمتك، فسألت ذلك، وكأنَّه تعالى رضي بهذا القول فضحك كما قال: (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو) الله تعالى (حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ) (مِنْهُ) المراد: لازم الضحك وهو الرِّضا (فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ) (لَهُ: تَمَنَّهْ) بهاءِ السَّكْتِ (فَسَأَلَ (٥) رَبَّهُ) (وَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ) أي: ليُذِّكر المتمنِّي (يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ويقول له: تمنَّ» (كَذَا وَكَذَا) يسمِّي له أجناسَ ما يتمنَّى فضلًا منه ورحمةً (حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) جمع أمنيَّة (قَالَ اللهُ) : (ذَلِكَ) الذي سألت (لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) قال الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: فإن قلت: قد علم أنَّ الدّار الآخرة ليست دار تكليف، فما الحكمة في تكرير أخذ العهود والمواثيق

стр. 12790

عليه ألَّا يسأل غير ما أُعطيَه مع أنَّ إخلافه لقوله، وما تقتضيه يمينه لا إثمَ عليه فيه؟ قلت: الحكمة فيه ظاهرةٌ، وهي إظهار التمنُّنِ عليه (١) والإحسان إليه مع تكريره لنقض عهوده ومواثيقه، ولا شكَّ أنَّ للمنَّةِ في نفس العبد (٢) مع هذه الحالة التي اتَّصف بها (٣) وَقْعًا عظيمًا، وقال الكلاباذيُّ فيما نقله عنه في «الفتح»: سكوت هذا العبد أوَّلًا عن السّؤال؛ يعني: في قوله في الحديث: «فيسكتُ ما شاءَ اللهُ» حياءً من ربِّه، والله يحبُّ أن يسأل؛ لأنَّه يحبُّ صوت عبده المؤمن، فباسَطَهُ أوَّلًا بقوله: لعلَّك إن أُعطيت هذا تسأل غيره، وهذه حالة المقصِّر، فكيف حالة المطيع، وليس نَقْضُ هذا العبد عهده وتَرْكُه ما أقسم عليه جهلًا منه ولا قلَّة مبالاةٍ، بل عِلمًا منه بأنَّ نقض هذا العهد أَولى مِنَ الوفاء به؛ لأنَّ سؤاله ربَّه أولى من ترك السّؤال، وقد قال ﷺ : «من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها (٤) خيرًا منها فليكفَّر عن يمينه، وليأْتِ الذي هو خير» [خ¦٤٣٨٥] فعمل هذا العبد على وَفق هذا الخبر (٥)، والتكفير قد ارتفع عنه في الآخرة. (قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الرَّاوي: (وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) جالسٌ وهو يحدِّث بهذا الحديث (لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا) ولا يغيِّره (حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللهَ ﵎ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: أَشْهَدُ أَنِّي (٦) حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) وجُمع (٧) بينهما باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أوَّلًا قوله: «ومثله معه» ثمَّ تكرَّم الله فزاد ما في رواية أبي سعيدٍ، ولم يسمعه أبو هريرة (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ (٨)).

стр. 12791

والحديث سبق في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣].

стр. 12792

٧٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكيرٍ، بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمامُ، وثبت: «ابن سعدٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) الجُمحيِّ (١) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ مولاهم (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أسلم مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁ أنَّه (٢) (قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) ﵊: (هَلْ تُضَارُّونَ) بضمِّ أوّله وتشديد الرَّاء (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ)؟ وسقط قوله «والقمر» لأبي ذرٍّ، ويروى: «تضارون» بالتَّخفيف (إِذَا كَانَتْ) أي: السَّماء (صَحْوًا؟) أي: ذات صحوٍ، أي: انقشع عنها الغيم (قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُّونَ) لا تُخالفون أحدًا ولا تُنازعونه (٣) (فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ) يوم القيامة (إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا) أي: الشَّمس والقمر، ولأبي ذرٍّ: «في رؤيتها» أي: الشَّمس، والتَّشبيه المذكور هنا (٤) إنَّما هو في الوضوح وزوال الشَّكِّ، لا في المقابلة والجهة، وسائر الأمور العاديَّة عند رؤية المُحْدَثات، وقال في «المصابيح»: هذا مِن باب (٥) تأكيد المدح بما يشبه الذَّمَّ، وهو مِن أفضل ضَرْبيه؛ وذلك أنَّه استثنى من صفة ذمٍّ منفيَّةٍ عن الشَّيء صفةَ مَدْحٍ لذلك الشَّيء بتقدير دخولها فيها، أي: إلَّا كما تضارُّون في رؤية الشَّمس في حال صحو السَّماء أي: إن كان ذلك ضيرًا، فأثبت شيئًا من العيب على تقدير كون رؤية الشَّمس في وقت الصَّحو من العيب، وهذا التَّقدير المفروضُ

стр. 12793

محالٌ؛ لأنَّه من كمال التَّمكُّن من الرُّؤية دون ضررٍ يلحق الرَّائي، فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال، فالتَّأكيد فيه من جهة أنَّه كدعوى الشَّيء ببيِّنةٍ؛ لأنَّه علَّق نقيض المدَّعى وهو إثبات شيءٍ من العيب بالمحال، والمعلَّق بالمحال محالٌ، فعدم العيب مُحقَّقٌ، ومن جهة أنَّ الأصل في مُطلق الاستثناء الاتِّصال، أي: كون المستثنى منه بحيث يدخُل فيه المستثنى على تقدير السُّكوت عنه، وذلك لِمَا تقرَّر في موضعه من أنَّ الاستثناء المنقطع مجازٌ، وإذا كان الأصل في الاستثناء الاتِّصال فَذِكْرُ أداته قبل ذكر ما بعدها يُوهِم إخراج الشَّيء ممَّا قبله، فإذا وليها صفةَ مدحٍ وتحوَّل الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع جاء (١) التَّأكيد لِمَا فيه من المدح على المدح، والإشعار بأنَّه لم يجد صفة ذمِّ يستثنيها، فاضطُرَّ إلى استثناء صفة مدحٍ، وتحوَّل الاستثناء إلى الانقطاع (ثُمَّ قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ) النَّصارى (مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ) المشركون (مَعَ أَوْثَانِهِمْ) بالمثلَّثة فيهما (وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مع إِلههم» بكسر الهمزة وإسقاط الفوقيَّة بلفظ الإفراد (حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) (مِنْ بَرٍّ) -بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء- مُطيعٍ لربِّه (أَوْ فَاجِرٍ) مُنهمكٍ في المعاصي والفجور (وَغُبَّرَاتٌٍ) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الموحَّدة بعدها راءٌ فألفٌ ففوقيَّةٌ، والجرِّ عطفًا على المجرور، أو مرفوع عطفًا على مرفوع «يبقى» أي: بقايا (مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء (كَأَنَّهَا سَرَابٌ) بالسِّين المهملة، وهو ما يتراءى وسط النَّهار في الحرِّ الشَّديد يلمع كالماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «السَّراب» بالتَّعريف (فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ (٢) ابْنَ اللهِ) قال الجوهريُّ: منصرفٌ لخفَّته وإن كان أعجميًا، مثل نوحٍ ولوطٍ؛ لأنَّه تصغير عزر (فَيُقَالُ) لهم: (كَذَبْتُمْ) في كون عزيرٍ ابن الله (لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلت: إنَّهم كانوا صادقين في عبادة عُزير، قلت: كذبوا في كونه ابنَ الله، فإن قلت: المرجع هو الحُكم الموقَع لا الحكم المُشار إليه، فالصِّدق والكذب راجعان إلى الحكم بالعبادة، لا إلى الحكم بكونه ابنًا، قلت: إنَّ الكذب راجعٌ إلى الحكم بالعبادة المقيَّدة، وهي مُنتفيةٌ في الواقع باعتبار انتفاء قيدها، أو هو في حكم القضيَّتين كأنَّهم قالوا: عزيرٌ هو ابن الله، ونحن كنَّا نعبده، فكذبهم في القضيَّة

стр. 12794

الأولى. انتهى. وقال البدر الدَّمامينيُّ: صرَّح أهل البيان بأنَّ مورد الصِّدق والكذب هو النِّسبة التي يتضمَّنُها (١) الخبر، فإذا قُلت: زيدُ بن عمرٍو قائمٌ؛ فالصِّدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى بنوَّة زيدٍ، وهذا الحديث يردُّ عليهم، وحاول بعض المتأخِّرين الجواب بأن قال (٢): يراد كَذبتُم في عبادتكم لعُزيرٍ أو مسيحٍ (٣) موصوفٍ بهذه الصِّفة (فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ) لهم: (اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ (٤) فِي جَهَنَّمَ) وفي «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٨١] «فماذا تبغون؟ فقالوا: عَطِشْنَا ربَّنا فاسقنا، فيشار ألا تَرِدون، فيُحشرون إلى النَّار كأنَّها سرابٌ يحطم بعضُها بعضًا، فيتساقطون في النَّار» (ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ) في كون المسيح ابنَ الله (لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ) زاد أبو ذرٍّ: «في جهنَّم» (حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) (مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: ما يَحْبِسُكُمْ) عنِ الذَّهاب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما يُجلِسُكم» بالجيم واللَّام (وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ) أي: النَّاس الَّذي زاغوا عن الطَّاعة في الدُّنيا (وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ) قال البِرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: أي: فارقنا النَّاس في الدنيا، وكنَّا في ذلك الوقت أحوج إليهم منَّا في هذا اليوم، فكلُّ واحدٍ هو المفضَّل والمفضَّل عليه، لكن باعتبار زمانين، أي: نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممَّن كانوا يُحتاج إليهم في المعاش لزومًا لطاعتك، ومقاطعةً لأعدائك أعداء الدِّين، وغَرضُهُم فيه التَّضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشِّدَّة خوفًا من

стр. 12795

المصاحَبَة في النَّار، يعني: كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا؛ لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة (وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ) بالجزم على الأمر (كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا) زاد في «النِّساء» (١) [خ¦٤٥٨١] «الَّذي كنَّا نعبدُ» (قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ) تعالى إتيانًا منزَّهًا عن الحركة وسمات الحدوث (فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّل مَرَّةٍ) وقوله (٢): «في صورةٍ» أي: علامة وَضَعَها لهم دليلًا على معرفته، أو في صفةٍ، أو هي (٣) صورة الاعتقاد، أو خرج على وجه المشاكلة، وقوله: «غير صورته» قيل: يُشير به إلى ما عرفوه حين أخذ ذرِّيَّة آدم من صلبه، ثمَّ أنساهم ذلك في الدُّنيا، ثمَّ يذكِّرهم بها في الآخرة (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا؟ فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ فَيَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقال»: (هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ) علامةٌ (تَعْرِفُونَهُ) بها؟ (فَيَقُولُونَ: السَّاقُ) بالسِّين المهملة والقاف، ويَحتمل أنَّ الله عرَّفهم على ألسنة الرُّسل (٤) من الأنبياء أو الملائكة أنَّ الله جعل لهم علامةَ تجلِّيه (٥): السَّاق، وهو كما قال ابن عبَّاسٍ في تفسير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] الشِّدَّة من الأمر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساقٍ إذا اشتدَّت، أو هو النُّور العظيم كما رُوِيَ عن أبي موسى الأشعريِّ، أو ما يتجدَّد للمؤمنين من الفوائد والألطاف كما قال ابن فورك، أو رحمةٌ للمؤمنين نقمةٌ لغيرهم قاله المهلَّب (فَيَكْشِفُ) تعالى (عَنْ سَاقِهِ) وقيل: «السَّاق» يأتي بمعنى النَّفس، أي: تتجلَّى لهم ذاته المقدَّسة (٦) (فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِله رِيَاءً) ليراه النَّاس (وَسُمْعَةً) ليسمعهم (فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ) قال العينيُّ: «كي» هنا بمنزلة لام التَّعليل في المعنى والعمل، دخلت على «ما» المصدريَّة، بعدها «أن» مضمرةٌ، تقديره يذهب لأجل السُّجود، قال النَّوويُّ: وهذا السُّجود امتحانٌ من الله تعالى لعباده (فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) كالصَّحيفة (٧) فلا يَقْدِر على السُّجود (ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَِسْرِ؟) بكسر الجيم في الفرع وتفتح، والفتح

стр. 12796

هو الذي في «اليونينيَّة» (فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظَّاء المعجمة وسكون (١) الهاء والياء (٢) (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الجَسْرُ)؟ بفتح الجيم في الفرع كأصله (قَالَ) ﵊: (مَدْحَضَةٌ) بفتح الميم وسكون الدَّال وفتح الحاء المهملتين والضَّاد المعجمة المفتوحة (مَزَِلَّةٌ) بفتح الميم وكسر الزَّاي ويجوز فتحها، وتشديد اللَّام، و «الدَّحض» ما يكون عند الزَّلَق، و «المزلَّة» موضع زَلَلِ الأقدام، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «الدَّحض هو الزَّلق ليُدحِضُوا» بضمِّ التَّحتيَّة، أي: ليُزلِقُوا زَلَقًا لا يَثبُتُ قدمٌ (عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ) جمع «خُطَّاف» بضمِّ الخاء المعجمة، الحديدة المعوجَّة كالكلُّوب، يُختَطَفُ بها الشَّيء (وَكَلَالِيبُ) جمع «كلُّوب» (وَحَسَكَةٌ) بالحاء والسِّين المهملتين وفتحاتٍ: نباتٌ مغروسٌ (٣) في الأرض ذو شوكٍ ينشبك (٤) فيه كلُّ مَن مرَّ به، وربَّما اتُّخِذ مثلُه مِن حديدٍ، وهو مِن آلات الحرب (مُفَلْطَحَةٌ) بضمِّ الميم وفتح الفاء وسكون اللَّام وفتح الطَّاء والحاء المهملتين فهاء تأنيثٍ، فيها عَرْضٌ واتِّساعٌ، وقال الأصمعيُّ: واسعةُ الأعلى دقيقةُ الأسفل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مُطَحْلَفَةٌ» بتقديم الطَّاء والحاء على اللَّام وتأخير الفاء بعد اللَّام (لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ) بضمِّ العين المهملة وفتح القاف والفاء، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، مهموزٌ ممدودٌ: مُعْوَجَّةٌ، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «عَقِيْفَةٌ» بفتح العين وكسر القاف وسكون التَّحتيَّة وفتح الفاء بعدها هاء تأنيث، بوزن كَريْمِةٌ (تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ) يمرُّ (المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ) بفتح الطَّاء وسكون الرَّاء، أي: كلمح البصر (وَكَالبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ) جمع «أجواد» و «أجواد» جمع «جواد» وهي الفرس السَّابق الجيِّد (وَالرِّكَابِ) بكسر الرَّاء: الإبل واحدتها «الرَّاحلة» من غير لفظها (فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ) بفتح اللَّام المشدَّدة (وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة آخره شين معجمةٌ، مخموش مُمَزَّقٌ (وَمَكْدُوسٌ) بميمٍ مفتوحةٍ فكافٍ ساكنةٍ فدالٍ مهملةٍ مضمومةٍ بعدها واوٌ ساكنةٌ فسينٌ مهملةٌ، مصروعٌ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) والحاصل أنَّهم ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ مسلَّمٌ لا يناله شيءٌ أصلًا، وقسمٌ يُخدَشُ ثمَّ يَسْلمَ ويخلُص، وقسمٌ يسقط في جهنَّم (حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ) أي: آخر النَّاجين (يُسْحَبُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ)

стр. 12797

خبر «ما» والخطاب للمؤمنين (لِي مُنَاشَدَةً) نصبٌ على التَّمييز، أي: مُطالبةً (فِي الحَقِّ) ظرفٌ له (قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) جملةٌ حاليَّةٌ من «أشدَّ» وقوله (١): (مِنَ المُؤْمِنِ) صلة «أشدَّ» (يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ) متعلِّقٌ بـ «مناشدةً» (وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ «فإذا» (رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ) متعلِّقٌ أيضًا بـ «مناشدة» كـ «الجبار» قال في «الكواكب»: أي: ليس طلبكُم منِّي في الدُّنيا في شأن حقٍّ يكون ظاهرًا لكم أشدَّ من طلب المؤمنين من الله في الآخرة من شأن نجاة إخوانهم من النَّار، والغرضُ شدَّة اعتناء المؤمنين بالشَّفاعة لإخوانهم، وجَمع الضَّمير والمؤمن مفردٌ باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وبقي إخوانهم» قال الكِرمانيُّ: وظاهر السِّياق يقتضي أن يكون قوله: «وإذا رأَوا» بدون الواو، ولكن قوله: «في إخوانهم» مقدَّمٌ (٢) عليه حُكمًا، وهذا خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: وذلك إذا رأَوا نجاة أنفُسِهِم، وما بعده استئناف كلامٍ، وهو قوله: (يَقُولُونَ) وقال العينيُّ: الذي يظهر من حَلِّ التَّركيب أنَّ «يقولون» جوابُ (٣) «إذا» أي: إذا رأَوا نجاة أنفسهم يقولون: (رَبَّنَا إِخْوَانُنَا الَّذينَ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا) (٤) وقال الطِّيبيُّ: هذا بيانٌ لمناشدتهم في الآخرة (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ) بقطع الهمزة من «النَّار» (وَيُحَرِّمُ اللهُ) (صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تكريمًا لها للسُّجود (فَيَأْتُونَهُمْ) سقطت «فيأتونهم» لأبي ذرٍّ (وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ (٥) وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ (٦)، فَيُخْرِجُونَ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الرَّاء (مَنْ عَرَفُوا) مِنَ النَّار (ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ) الله تعالى لهم (٧): (اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ) -فيه أنَّ الإيمان يزيد وينقص- (فَأَخْرِجُوهُ) منها (٨) (فَيُخْرِجُونَ) منها (مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ) تعالى لهم: (اذْهَبُوا

стр. 12798

فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ) بفتح الذَّال المعجمة وتشديد الرَّاء، قيل: إنَّ مئة نملةٍ وزنُ حبَّة، والذَّرَّةُ واحدةٌ منها، وقيل: الذَّرَّةُ ليس لها وزنٌ، ويراد بها ما يرى في شعاع الشَّمس (فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا) منها (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁: (فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا لم تصدقوني» (فَاقْرَؤُوْا ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]) يُضاعِف ثوابَها، وأنَّث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنَّثٍ، والتَّجزؤ المذكور هنا، شيءٌ زائدٌ على مجرَّد الإيمان الَّذي هو التَّصديق الَّذي لا يتجزَّأ، فالزَّائد عليه يكون بعمَلٍ صالحٍ كذِكرٍ خفيٍّ، أو عمل ٍمن أعمال القلوب، من شفقةٍ على مسكينٍ، أو خوفٍ منه تعالى، أو نيَّةٍ صالحةٍ، أو غير ذلك (فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ) تعالى، قال الحافظ ابن حجرٍ: قرأت في «تنقيح الزَّركشيِّ»: إنَّ قوله: «فيقول الله (١)» زيادةٌ ضعيفةٌ؛ لأنَّها غير متَّصلةٍ، قال: وهذا غلطٌ منه؛ فإنَّها متَّصِلَةٌ هنا، ثمَّ إنَّ لفظ حديث أبي سعيدٍ هنا ليس كما ساقه الزَّركشيُّ، وإنَّما فيه: «فيقول الجبَّار»: (بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ) تعالى (أَقْوَامًا) وهم الذين معهم مجرَّد الإيمان، ولم يأذن فيهم بالشَّفاعة حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الحاء (٢) المهملة بعدها معجمةٌ: احترقوا (فَيُلْقَوْنَ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون اللَّام وفتح القاف (فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الجَنَّةِ) جمع «فُوَّهَة» بضمِّ الفاء وتشديد الواو المفتوحة، سُمِعَ من العرب على غير قياسٍ، وأفواه الأزقَّةٍ والأنهار: أوائلُها، والمراد هنا مُفْتَتَح مسالك قُصور الجنَّة (يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «ماء» (فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ) تثنية «حافة» بتخفيف الفاء، أي: جانبي النَّهر

стр. 12799

(كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة: اسمٌ جامعٌ لحبوب البقول (١) (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) ما يحمله من نحو طين، فإذا اتفقت فيه الحبَّة واستقرت على شطِّ مجرى السَّيل نبتت في يومٍ وليلةٍ، فشُبِّه به؛ لسرعة نباته وحُسنِه (قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «وإلى» (جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى) جهة (الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى) جهة (الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ) بياضًا ونَضارةً (فَيُجْعَلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح العين (فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ): شيءٌ من ذهبٍ أو غيره علامةً يُعرفون بها (فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ) في الدُّنيا (وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ) فيها بل برحمته تعالى ومجرَّد الإيمان، دون أمرٍ زائدٍ من عملٍ صالحٍ (فَيُقَالُ لَهُمْ) إذا نظروا في الجنَّة إلى أشياء ينتهي إليها بصرهم: (لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ). وفيه: أنَّ جماعةً من مذنبي هذه الأمَّة يعذَّبون بالنَّار، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة والرَّحمة، خلافًا لمن نفى ذلك عن هذه الأمَّة، وتأوَّل ما ورد بضروبٍ متكلَّفةٍ، والنُّصوص الصَّريحة متضافرةٌ متظاهرةٌ بثبوت ذلك، وإنَّ تعذيب الموحِّدين بخلاف تعذيب الكفَّار؛ لاختلاف مراتبهم: من أخذ النَّار بعضهم إلى السَّاق، وأنَّها لا تأكل أثر السُّجود، وأنَّهم يموتون على ما ورد في حديث أبي سعيدٍ بلفظ: «يموتون فيها إماتةً» فيكون عذابهم فيها إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنَّة سريعًا كالمسجونين، بخلاف الكفَّار الذين لا يموتون أصلًا ليذوقوا العذاب، ولا يحيون حياةً يستريحون بها، على أنَّ بعض أهل العلم أَوَّلَ حديث أبي سعيدٍ بأنَّه

стр. 12800

ليس المراد أنَّه يحصل لهم الموت حقيقةً، وإنَّما هو كنايةٌ عن غَيبةِ إحساسهم، وذلك للرِّفق (١)، أو كنَّى عن النَّوم بالموت، وقد سَمَّى اللهُ النَّوم: وفاةً. والحديث سبق في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٨١] لكن باختصارٍ في آخره. قال البخاريُّ بالسَّند إليه:

стр. 12801

٧٤٤٠ - (وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، وهو أحد مشايخ المؤلِّف، ولعلَّه سمعه منه في المذاكرة ونحوها: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الهاء وتشديد الميم، العَوذِيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدوسيُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا) بضمِّ أوَّله وكسر الهاء، ولأبي ذرٍّ بفتح الياء وضمِّ الهاء، يحزنوا (بِذَلِكَ) الحبس، وقول الزَّركشيِّ: «هذه الإشارة إلى المذكور بعده وهو حديث الشَّفاعة» تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هو تكلُّفٌ لا داعي له، والظَّاهر: أنَّ الإشارة راجعةٌ إلى الحبس المذكور بقوله: «يُحبَس المؤمنون حتَّى يهمُّوا» (فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) لو طلبنا من يشفع لنا (إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا) برفع «فيريحنا» في الفرع، وقال الدَّمامينيُّ: بالنَّصب؛ لوقوعه في جواب التَّمنِّي (١) المدلول عليه بـ «لو» أي: ليت لنا استشفاعًا فإراحةً فيخلِّصنا ممَّا نحن فيه من الحبس والكرب (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ) له: (أَنْتَ آدَمُ) من باب قوله: أنا أبو النَّجم وشِعْري شِعْري وهو مبهمٌ فيه معنى الكمال، لا يُعلَم ما يراد منه، ففسَّره بقوله: (أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) زيادةً في الخصوصيَّة، والله تعالى منزَّهٌ عن الجارحة (وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) وضع «شيءٍ» موضع أشياء، أي: المسميَّات؛ إرادةً للتَّقصِّي واحدًا فواحدًا حتَّى يستغرق المسميَّات كلَّها (لِتَشْفَعْ) بلام الطَّلب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «اشفع» (لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ: فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) أي: لست في مقام الشَّفاعة (قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) والرَّاجع إلى الموصول محذوفٌ، أي: التي أصابها (أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ) بنصب «أكله» بدلًا من «خطيئته» ويجوز أن يكون

стр. 12802

بيانًا للضَّمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] (وَقَدْ نُهِيَ (١) عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ) تعالى (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) الموجودين بعد الطُّوفان (فَيَأْتُونَ نُوحًا) فيسألونه (فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ (٢) سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يشير إلى قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] (وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ (فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «كَذَبَاتٍ» بفتحاتٍ (كَذَبَهُنَّ) إحداها: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] والأخرى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] والثَّالثة: قوله لسارة [خ¦٢٢١٧]: «هي أختي» والحقُّ أنَّها معاريض (٣)، لكن لمَّا كانت صورتها صورة (٤) الكذب أشفق منها، ومن كان أعرف فهو أخوف (وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا) مناجيًا (قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى) ﵇ (عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ) التي ألقاها إلى مريم (قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) وإنَّما لم يُلهَموا إتيان نبيِّنا ﷺ وسؤاله في الابتداء؛ إظهارًا لشرفه وفضله، فإنَّهم لو سألوه ابتداءً لاحتمل أنَّ غيره يقوم بذلك، ففي ذلك دلالةٌ على تفضيله على جميع المخلوقين -زاده الله تشريفًا وتكريمًا- قال ﷺ : (فَيَأْتُونِي (٥)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «فيأتونني» (٦) (فَأَسْتَأْذِنُ) في الدُّخول (عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ) أي: جنَّته التي اتَّخذها لأوليائه، والإضافة للتَّشريف، وقال في «المصابيح»: أي: أستأذن ربِّي في حال كوني في جنَّته، فأضاف الدَّار إليه تشريفًا (فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ) تعالى (وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي) وفي «مُسنَد أحمد»: أنَّ هذه السَّجدة مقدار جمعةٍ من جمع الدُّنيا (فَيَقُولُ) تعالى: (ارْفَعْ مُحَمَّدُ)

стр. 12803

رأسك (وَقُلْ: يُسْمَعْ) لقولك (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي: تُقبَل شفاعتك (وَسَلْ تُعْطَ) سؤلك (قَالَ) رسول الله ﷺ : (فَأَرْفَعُ رَأْسِي) من السُّجود (فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ) قَالَ: (ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا) أي: فيعيِّن لي طائفةً معيَّنةً (فَأَخْرُجُ) من داره (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ) بعد أن أخرجهم من النَّار. (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة بالسَّند السَّابق: (وَ) قد (١) (سَمِعْتُهُ أَيْضًا (٢)) أي: أنسًا (يَقُولُ: فَأَخْرُجُ) من داره (فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ) بضمِّ الهمزة فيهما (ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي (٣): «ثمَّ أعود الثَّانية فأستأذن» (عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ) الجنَّة (فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ) تعالى (وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ) تعالى: (ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ) بهاء السَّكت في هذه دون الأولى، لكن الذي في «اليونينيَّة» بإسقاط الهاء فيهما (قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ) بفتح الهمزة (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ). (قَالَ قَتَادَةُ) بالسَّند: (وَسَمِعْتُهُ) أي: أنسًا، وللكشميهنيِّ: «أيضًا» (يَقُولُ:

стр. 12804

فَأَخْرُجُ) بفتح الهمزة (١) (فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ) بفتح الهمزة (فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ). (قَالَ قَتَادَةُ) بالسَّند (٢): (وَقَدْ سَمِعْتُهُ) أي: سمعت أنسًا، زاد الكُشْمِيهَنيُّ: «أيضًا» (يَقُولُ: فَأَخْرُجُ) بفتح الهمزة (فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ) بنصِّ القرآن وهم الكفَّار (قَالَ: ثُمَّ تَلَا الآيَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «هذه الآية»: (﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ) بضمِّ الواو (٣) وكسر العين (نَبِيُّكُمْ ﷺ ¬). وهذا الحديث وقع هنا معلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق بن إبراهيم وأبو نُعيمٍ من طريق محمَّد بن أسلم الطُّوسيِّ، قالا: حدَّثنا حجَّاج بن منهالٍ، فذكره بطوله، وساقوا الحديث كلَّه إلَّا أبا ذرٍّ فقال بعد قوله: «حتَّى يُهِمُّوا بذلك»: «وذكر الحديث بطوله» وعنده «يَهُموا» بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الهاء، وساق النَّسفيُّ منه إلى قوله: «خلقك الله بيده» ثمَّ قال: «فذكر الحديث» وثبت من قوله: «فيقولون: لو استشفعنا» إلى آخر قوله: «المحمود الذي وُعِده نبيُّكم ﷺ » للمستملي والكُشْمِيهَنيِّ. ٧٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكونها، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي) يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم (٤) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا أفاء الله عليه ما أفاء من أموال هوازن طفق ﷺ يعطي رجالًا من قريشٍ، وبلغه قول الأنصار: «يعطيهم ويدعنا» (أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمُ: اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: حتَّى تموتوا (فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ) وفيه ردٌّ على المعتزلة في إنكارهم الحوض، وفي أوائل «الفتن» [خ¦٧٠٥٧] من رواية أنسٍ عن أُسَيد بن الحُضَير في قصَّةٍ فيها: «سترون (٥)

стр. 12805

بعدي أثرةً، فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» والغرض من الحديث هنا قوله: «حتَّى تلقوا الله» فإنَّها زيادةٌ لم تقع في بقيَّة الطُّرق، قاله الحافظ ابن حجرٍ. ٧٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بالمثلَّثة والموحَّدة، أبو إسماعيل العابد الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ) بن أبي مسلمٍ المكِّيِّ (عَنْ طَاوُسٍ) أبي عبد الرَّحمن بن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الذي يقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا (١) عليه، تؤتي كلًّا ما به قوامه، وتقوم على كلِّ شيءٍ مِنْ خَلْقِك بما تراه من التَّدبير (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) فهو ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وكافله ومغذِّيه ومصلحه، العوَّاد عليه بنعمه (٢) (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) أي: منوِّر ذلك، والعرب تسمِّي الشَّيء باسم الشَّيء إذا كان منه تسبَّب، فهو بمعنى اسمه الهادي؛ لأنَّه يهدي بالنُّور الظَّاهر الأبصار إلى المبصَرات الظَّاهرة، ويهدي بالنُّور الباطن البصائر الباطنة إلى المعارف الباطنة، فهو إذًا منوِّر السَّموات والأرض، وهو النُّور الذي أنار كلَّ شيءٍ ظاهرًا وباطنًا، وإذًا كان هو (٣) النُّور؛ لأنَّ منه النُّور وبالنُّور نوَّر البصائر، وأنار الآفاق والأقطار، فهو صفة فعلٍ

стр. 12806

(أَنْتَ الحَقُّ) المتحقِّق وجوده (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) لا يدخله خُلْفٌ ولا شكٌّ في وقوعه (وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ) أي: رؤيتك في الآخرة حيث لا مانع (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) كلٌّ منهما موجودٌ (وَالسَّاعَةُ) أي: قيامها (حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت أمري إليك (وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ) مَن خاصمني مِن الكفَّار (وَبِكَ) وبما آتيتني من البراهين والحجج (حَاكَمْتُ) مِن خاصمني مِن الكفَّار (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ (١) وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) قاله تواضعًا وإجلالًا لله تعالى وتعليمًا لأمَّته. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ: (قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) وسقط لأبي ذرٍّ «قال أبو عبد الله» وأثبت الواو في قوله: «وقال قيس بن سعدٍ» بسكون العين، المكِّيُّ الحنظليُّ فيما وصله مسلمٌ وأبو داود (وَأَبُو الزُّبَيْرِ) محمَّد بن مسلم بن تدرس القرشيُّ الأسديُّ، ممَّا وصله مالكٌ في «موطَّئه» (عَنْ طَاوُسٍ: قَيَّامُ) بفتح التَّحتيَّة المشدَّدة فألفٌ بوزن «فعَّال» بالتَّشديد، صيغة مبالغةٍ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ: (﴿الْقَيُّومُ﴾) هو (القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وقال في «شرح المشكاة»: ﴿الْقَيُّومُ﴾: «فيعولٌ» للمبالغة كالدَّيُّور والدَّيُّوم (٢)، ومعناه: القائم بنفسه، المقيم لغيره، وهو على الإطلاق والعموم، لا يصحُّ إلَّا لله، فإنَّ (٣) قوامه بذاته لا يتوقَّف بوجهٍ مّا على غيره، وقوام كلِّ شيء به؛ إذ لا يُتصوَّر للأشياء وجودٌ ودوامٌ إلَّا بوجوده، قال الشيخ أبو القاسم (٤): فمن عرف أنَّه القيَّوم بالأمور استراح عن كدِّ التَّدبير وتعب الاشتغال وعاش براحة التَّفويض، فلم يضنَّ بكريمةٍ، ولم يجعل في قلبه للدُّنيا كثرة قيمةٍ. (وَقَرَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: ((القَيَّامُ)) من قوله: ﴿اللّهُ (٥) لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] بوزن «فعَّالٍ» بالتَّشديد (وَكِلَاهُمَا) أي: ﴿الْقَيُّومُ﴾ و (القيَّام) (مَدْحٌ) لأنَّهما من صيغ المبالغة، ولا يُستعمَلان في غير المدح بخلاف «القيِّم» فإنَّه يُستعمَل في الذَّمِّ أيضًا.

стр. 12807

٧٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيُّ (عَنْ خَيْثَمَةَ) بخاءٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مثلَّثةٌ، ابن عبد الرَّحمن الجعفيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بالحاء المهملة والفوقيَّة، الطَّائيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْكُمْ) خطابٌ للصَّحابة، والمراد العموم (مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ) (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَُرْجُمَانٌ) بفتح الفوقيَّة وضمِّ الجيم أو ضمِّهما، يترجم عنه (وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ) عن رؤية ربِّه تعالى، والمراد بالحجاب نفي المانع من الرُّؤية؛ لأنَّ من شأن الحجاب المنع من الوصول إلى المراد، فاستُعير نفيه لعدم المنع، وكثيرٌ من أحاديث الصِّفات تُخرَّج على (١) الاستعارة التَّخييليَّة؛ وهي أن يشترك شيئان في وصفٍ، ثمَّ يعتمد لوازم أحدهما بحيث تكون جهة الاشتراك وصفًا، فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيءٍ آخر، فيثبت ذلك للمستعار مبالغةً في إثبات المشترك، وبالحمل (٢) على هذه الاستعارة التَّخييليَّة يحصل التَّخلُّص من مهاوي التَّجسيم، ويحتمل أن يُراد بالحجاب استعارة محسوسٍ لمعقولٍ؛ لأنَّ الحجاب حسِّيٌّ، والمنع عقليٌّ، والله تعالى مُنزَّهٌ عمَّا يحجبه، فالمراد بالحجاب منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء كيف شاء، فإذا شاء كشف ذلك عنهم. انتهى. ملخَّصًا ممَّا حكاه في «الفتح» عن الحافظ الصَّلاح العلائيِّ. والحديث سبق في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٣٩].

стр. 12808

٧٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) العمِّيُّ (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ الجونيِّ، من علماء البصرة (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيسٍ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: جَنَّتَانِ) مبتدأٌ (مِنْ فِضَّةٍ) خبرُ قولِه: (آنِيَتُهُمَا) والجملة خبر المبتدأ الأوَّل، ومتعلَّق «من فضَّةٍ» محذوفٌ، أي: آنيتهما كائنةٌ من فضَّةٍ (وَمَا فِيهِمَا) عطفٌ على «آنيتهما» وكذا قوله: (وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا) وفي رواية حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال (١) حمَّادٌ: لا أعلمه إلَّا قد رفعه، قال: «جنَّتان من ذهبٍ للمقرَّبين، ومن دونهما جنَّتان من وَرِقٍ لأصحاب اليمين» رواه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ ورجاله ثقاتٌ، واستُشكِل ظاهره، إذ مقتضاه أنَّ الجنَّتين من فضَّةٍ لا ذَهَبَ فيهما وبالعكس بحديث أبي هريرة ﵁: قلنا: يا رسول الله حدِّثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ قال: «لَبِنةٌ من ذهبٍ ولَبِنةٌ من فضَّةٍ» رواه أحمد والتِّرمذيُّ وصحَّحه ابن حبَّان، وأُجيب بأنَّ الأوَّل: صفةُ ما في كلِّ جنةٍ من آنيةٍ وغيرها، والثَّاني: صفة حوائط الجنان كلِّها (وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِ) بكسر الكاف وسكون الموحَّدة، وفي نسخةٍ: «الكبرياء» (عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ) أي: جنَّة إقامةٍ، وهو ظرفٌ لـ «القوم» لا لله (٣) تعالى؛ إذ لا تحويه الأمكنة، وقال القرطبيُّ: متعلِّقٌ بمحذوفٍ في موضع الحال من القوم، مثل كائنين في جنَّة عدنٍ، وقال في «شرح المشكاة»: «على وجهه» حالٌ من «رداء الكبرياء» والعامل معنى «ليس» وقوله: «في الجنَّة» متعلِّقٌ بمعنى الاستقرار في الظَّرف، فيفيد بالمفهوم (٤) انتفاء هذا الحصر في غير الجنَّة، وإليه أشار الشَّيخ التُّوربشتيُّ بقوله: يريد أنَّ العبد المؤمن إذا تبوَّأ مقعده من الجنَّة تبوَّأ والحجب مرتفعةٌ، والموانع التي تحجبه عن النَّظر إلى ربِّه مضمحلَّةٌ إلَّا ما يصدُّهم من هيبة الجلال، وسبحات الجمال، وأبَّهة الكبرياء، فلا يرتفع ذلك منهم (٥) إلَّا برأفته ورحمته تفضُّلًا

стр. 12809

منه على عباده، قال الطِّيبيُّ: وأنشد في المعنى: أشتاقه فإذا بدا … أطرقت من إجلاله لا خيفةً بل هيبةً … وصيانةً لجماله وأصدُّ عنه تجلُّدًا … وأروم طيف خياله انتهى. والحديث من المتشابه؛ إذ لا وجه حقيقةً ولا رداءٌ، فإمَّا أن يُفوَّض أو يُؤوَّل؛ كأن يُقال: استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها (١) لذلك رداء الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته، وقال أبو العبَّاس القرطبيُّ: الرِّداء استعارةٌ كنَّى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» وليس المراد الثِّياب المحسوسة، لكنَّ المناسبة أنَّ الرِّداء والإزار لمَّا كانا ملازمين للمخاطب من العرب عبَّر عن العظمة والكبرياء بهما. انتهى. واستُشكِل في «الكواكب» ظاهر الحديث: بأنَّه يقتضي أنَّ رؤية الله غير واقعةٍ، وأجاب بأنَّ مفهومه بيان قرب النَّظر؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرُّؤية، فعبَّر عن زوال المانع عن الأبصار بإزالة الرِّداء، قال الحافظ ابن حجرٍ: وحاصله أنَّ رداء الكبرياء مانعٌ من الرُّؤية، فكأنَّ في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: «إلَّا رداء الكبرياء» فإنَّه يمنُّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنَّظر إليه، فكأنَّ المراد أنَّ المؤمنين إذا تبوَّؤوا مقاعدهم من الجنَّة لولا ما عندهم من هيبة الجلال لما حال بينهم وبين الرُّؤية حائلٌ، فإذا أراد إكرامهم حفَّهم برأفته، وتفضَّل عليهم بتقويتهم على النَّظر إليه . انتهى. وهو معنى قول التُّوربشتيِّ السَّابق، والحاصل: أنَّ رؤية الله تعالى واقعةٌ يوم القيامة في الموقف لكلِّ أحدٍ من (٢) الرِّجال والنِّساء، وقال قومٌ من أهل السُّنَّة: تقع أيضًا للمنافقين، وقال آخرون: وللكافرين أيضًا، ثمَّ يُحجَبون بعد ذلك لتكون عليهم (٣) حسرةً، وأمَّا الرُّؤية في الجنَّة فأجمع أهل السُّنَّة على أنَّها حاصلةٌ للأنبياء والرُّسل والصِّدِّيقين من كلِّ أمَّةٍ ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمَّة، واختُلِف في نساء هذه

стр. 12810

الأمَّة فقيل: لا يرين؛ لأنَّهنَّ مقصوراتٌ في الخيام، ولم يَرِد في أحاديث الرُّؤية تصريحٌ برؤيتهنَّ، وقيل: يرين؛ أخذًا من عمومات النُّصوص الواردة في الرُّؤية، أو يرين في مثل أيَّام الأعياد لأهل الجنَّة تجلِّيًّا عامًّا، فيرينه لحديث أنسٍ عند الدَّارقطنيِّ مرفوعًا: «إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربَّهم ، فأحدثهم عهدًا بالنَّظر إليه في كلِّ جمعةٍ، ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النَّحر» وذهب الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام إلى أنَّ الملائكة لا يرون ربَّهم؛ لأنَّهم لم يثبت لهم ذلك كما ثبت للمؤمنين من البشر، وقد قال تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] خرج منه مؤمنو البشر بالأدلَّة الثَّابتة، فبقي على عمومه في الملائكة، ولأنَّ للبشر طاعاتٍ لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصَّبر على البلايا والمحن وتحمُّل المشاقِّ في العبادات لأجل الله، وقد ثبت أنَّهم يرون ربَّهم ويسلِّم عليهم ويبشِّرهم بإحلال رضوانه عليهم أبدًا، ولم يثبت مثل هذا (١) للملائكة. انتهى. وقد نقله عنه جماعةٌ ولم يتعقَّبوه بنكيرٍ، منهم: العزُّ ابنُ جماعةٍ، ولكنَّ الأقوى أنَّهم يرونه كما نصَّ عليه أبو الحسن الأشعريُّ في كتابه «الإبانة» فقال: أفضل لذَّات الجنَّة رؤية الله تعالى، ثمَّ رؤية نبيِّه ﷺ ، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقرَّبين وجماعة المؤمنين والصِّدِّيقين النَّظر إلى وجهه الكريم، ووافقه على ذلك البيهقيُّ وابن القيِّم والجلال البلقينيُّ. والحديث سبق في تفسير «سورة الرَّحمن» [خ¦٤٨٧٨]. ٧٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكُ بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ آخره نونٌ، الكوفيُّ (وَجَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الصَّيرفيُّ الكوفيُّ، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ)

стр. 12811

بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنِ اقْتَطَعَ (١) مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أخذ منه قطعةً لنفسه (بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ) صفةٌ لـ «يمينٍ» (لَقِيَ اللهَ) (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) المراد به لازمه وهو العذاب (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ) «مفعالٌ» من الصِّدق، أي: ما يصدِّق هذا الحديث (مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ (٢)﴾) وبما حلفوا به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾) لا نصيب لهم فيها (﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]) بما يسرُّهم (الآيَةَ) إلى آخرها: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والحديث سبق في «الأيمان» في «باب عهد الله» [خ¦٦٦٥٩] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «لقي الله». ٧٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) (يَوْمَ القِيَامَةِ) بما يسرُّهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) نظر رحمةٍ: (رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على سلعته» بهاء الضَّمير (٣) (لَقَدْ أَعْطَى بِهَا) بفتح الهمزة والطَّاء: دفع لبائعها (أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى) بفتحهما أيضًا، الذي يريد شراءها (وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ (كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ) ليس قيدًا، بل خرج مخرج الغالب؛ إذ كان مثله يقع آخر النَّهار عند فراغهم من المعاملات، أو

стр. 12812

خصَّه (١)؛ لكونه وقت ارتفاع الأعمال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ (٢) مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ) زائدًا على حاجته من يحتاج إليه، وفي «الشُّرب» [خ¦٢٣٥٨] «رجلٌ كان له فضل ماءٍ بالطَّريق فمنعه من ابن السَّبيل» (فَيَقُولُ اللهُ) (يَوْمَ القِيَامَةِ (٣): اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ) أي: ليس حصوله وطلوعه من منبعه بقدرتك، بل هو بإنعامي وفضلي. والحديث سبق في «الشُّرب» في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨]. ٧٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى، العنزيُّ (٤) الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (٥) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- ﵁

стр. 12813

(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) يوم النَّحر بمنًى: (الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَتِهِ) مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ) (السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة وبطل النَّسيء، وذلك أنَّهم كانوا يحلُّون الشَّهر الحرام ويحرِّمون مكانه شهرًا آخر حتَّى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم، وكانوا يحرِّمون من شهور (١) العام أربعة أشهرٍ مطلقًا، وربَّما زادوا في الشُّهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، أي: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة، وبطل تغييراتهم، وصار الحجُّ مختصًّا بوقتٍ معيَّنٍ، واستقام حساب السَّنة، ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السَّموات والأرض (السَّنَةُ) العربيَّة الهلاليَّة (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظم حرمتها وحرمة الذَّنب فيها (ثَلَاثٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ثلاثةٌ» (مُتَوَالِيَاتٌ) أي: ثلاثٌ سردٌ (٢) (ذُو القَعَدَةِ وَذُو الحَجَّةِ) بفتح القاف والحاء كما في «اليونينيَّة» والمشهور فتح القاف وكسر الحاء، وحُكِي كسر القاف (وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) القبيلة المشهورة، وأُضيف إليها؛ لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضمِّ الجيم وفتح الدَّال (وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) استفهامٌ تقريريٌّ (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فيه مراعاة الأدب والتَّحرُّز عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله (فَسَكَتَ) ﵇ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ (٣) بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ ذَا الحَجَّةِ؟) بنصب «ذا» خبر «ليس» أي: ليس هو اليوم ذا الحجَّة (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟) بالنَّصب خبر «ليس» زاد في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] «الحرام» بتأنيث «البلدة» وتذكير «الحرام» الذي هو صفتها، وسبق أنَّه استُشكِل وأنَّه أُجيب بأنَّه اضمحلَّ منه معنى الوصفيَّة وصار اسمًا (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ (٤) يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى) وثبت قوله «قال: فأيُّ يومٍ … » إلى آخره للكشميهنيِّ والمُستملي، وسقط لغيرهما (قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: أبا بكرة نُفَيعًا (قَالَ:

стр. 12814

وَأَعْرَاضَكُمْ) جمع عِرضٍ -بكسر العين-: موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، أي: انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] «إلى يوم تلقون ربَّكم» (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) هذا موضع التَّرجمة (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا) بالتَّخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا) فلا تصيروا (بَعْدِي) بعد فراقي من موقفي هذا، أو بعد موتي (ضُلَّالًا) بضمِّ الضَّاد المعجمة وتشديد اللَّام (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب» جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «لا ترجعوا» وهو الذي في الفرع ويجوز الجزم على تقدير شرطٍ، أي: إن (١) ترجعوا بعدي (أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) هذا المجلس (الغَائِبَ) عنه بتشديد لام «ليبلِّغ» والذي في «اليونينيَّة» تخفيفها (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ) بسكون الموحَّدة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى) أحفظ (لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «له» (فَكَانَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (إِذَا ذَكَرَهُ) أي: الحديث (قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فإنَّ كثيرًا من السَّامعين أوعى من شيوخهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟) مرَّتين، واللَّام مخفَّفةٌ، أي: بلَّغت ما فُرِض عليَّ تبليغه من الرِّسالة. والحديث سبق مُطوَّلًا ومُختَصرًا في غير ما موضعٍ كـ «العلم» [خ¦١٠٥] و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨]. (٢٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]) ذكَّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرَّحمة بالرَّحم، أو التَّرحُّم، أو لأنَّه صفة موصوفٍ محذوفٍ، أي: شيءٌ قريبٌ، أو على تشبيهه بـ «فعيلٍ» الذي بمعنى مفعولٍ، أو للإضافة إلى المذكَّر، والرَّحمة في اللُّغة: رقَّة قلبٍ (٢) وانعطافٌ يقتضي (٣) التَّفضُّل والإنعام (٤) على من رقَّ له، وأسماء الله تعالى وصفاته إنَّما تُؤخَذ باعتبار الغايات التي هي أفعالٌ، دون المبادئ التي تكون انفعالاتٍ،

стр. 12815

فرحمة الله على العباد إمَّا إرادة الإنعام عليهم ودفع الضَّرر عنهم فتكون صفة ذاتٍ، أو نفس الإنعام والدَّفع فتعود (١) إلى صفة الأفعال. ٧٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ، العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) الأحول بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصريُّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيد بن حارثة أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنٌ) وفي «النُّذور» [خ¦٥٦٥٥] (٢) بنتٌ (لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (يَقْضِي) بفتح أوَّله وسكون القاف بعدها ضادٌ معجمةٌ، أي: يموت، والمراد: أنَّه كان في النَّزع، وللكشميهنيِّ: «يُفضي» بضمِّ أوَّله، بعده فاءٌ (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) ﷺ (أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَرْسَلَ) ﵊ إليها (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الذي أخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أَخَذَه أَخَذ ما هو له (وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) مُقدَّرٍ مُؤجَّلٍ (فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب؛ ليُحسَب لها ذلك من عملها الصَّالح، فرجع إليها الرَّسول فأخبرها بذلك (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ) ليأتينَّها، قال أسامة ﵁: (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقمت (٣) ومعه معاذ بن جبلٍ» (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤]: «ورجالٌ» (فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الصَّبِيَّ) أو الصَّبيَّة (وَنَفْسُهُ) أو نفسها (تُقَلْقَلُ) (٤) بضمِّ أوَّله وفتح القافين، تضطرب (فِي صَدْرِهِ) أو
следующие страницы →