← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنِ اقْتَطَعَ (١) مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أخذ منه قطعةً لنفسه (بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ) صفةٌ لـ «يمينٍ» (لَقِيَ اللهَ) (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) المراد به لازمه وهو العذاب (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ) «مفعالٌ» من الصِّدق، أي: ما يصدِّق هذا الحديث (مِنْ كِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ (٢)﴾) وبما حلفوا به (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاع الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾) لا نصيب لهم فيها (﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]) بما يسرُّهم (الآيَةَ) إلى آخرها: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والحديث سبق في «الأيمان» في «باب عهد الله» [خ¦٦٦٥٩] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «لقي الله». ٧٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) (يَوْمَ القِيَامَةِ) بما يسرُّهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) نظر رحمةٍ: (رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على سلعته» بهاء الضَّمير (٣) (لَقَدْ أَعْطَى بِهَا) بفتح الهمزة والطَّاء: دفع لبائعها (أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى) بفتحهما أيضًا، الذي يريد شراءها (وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ (كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ) ليس قيدًا، بل خرج مخرج الغالب؛ إذ كان مثله يقع آخر النَّهار عند فراغهم من المعاملات، أو

стр. 12812

خصَّه (١)؛ لكونه وقت ارتفاع الأعمال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ (٢) مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ) زائدًا على حاجته من يحتاج إليه، وفي «الشُّرب» [خ¦٢٣٥٨] «رجلٌ كان له فضل ماءٍ بالطَّريق فمنعه من ابن السَّبيل» (فَيَقُولُ اللهُ) (يَوْمَ القِيَامَةِ (٣): اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ) أي: ليس حصوله وطلوعه من منبعه بقدرتك، بل هو بإنعامي وفضلي. والحديث سبق في «الشُّرب» في «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨]. ٧٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى، العنزيُّ (٤) الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (٥) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- ﵁

стр. 12813

(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) يوم النَّحر بمنًى: (الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَتِهِ) مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ) (السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة وبطل النَّسيء، وذلك أنَّهم كانوا يحلُّون الشَّهر الحرام ويحرِّمون مكانه شهرًا آخر حتَّى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم، وكانوا يحرِّمون من شهور (١) العام أربعة أشهرٍ مطلقًا، وربَّما زادوا في الشُّهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، أي: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة، وبطل تغييراتهم، وصار الحجُّ مختصًّا بوقتٍ معيَّنٍ، واستقام حساب السَّنة، ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السَّموات والأرض (السَّنَةُ) العربيَّة الهلاليَّة (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظم حرمتها وحرمة الذَّنب فيها (ثَلَاثٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ثلاثةٌ» (مُتَوَالِيَاتٌ) أي: ثلاثٌ سردٌ (٢) (ذُو القَعَدَةِ وَذُو الحَجَّةِ) بفتح القاف والحاء كما في «اليونينيَّة» والمشهور فتح القاف وكسر الحاء، وحُكِي كسر القاف (وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) القبيلة المشهورة، وأُضيف إليها؛ لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضمِّ الجيم وفتح الدَّال (وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) استفهامٌ تقريريٌّ (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فيه مراعاة الأدب والتَّحرُّز عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله (فَسَكَتَ) ﵇ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ (٣) بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) ﵊: (أَلَيْسَ ذَا الحَجَّةِ؟) بنصب «ذا» خبر «ليس» أي: ليس هو اليوم ذا الحجَّة (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟) بالنَّصب خبر «ليس» زاد في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] «الحرام» بتأنيث «البلدة» وتذكير «الحرام» الذي هو صفتها، وسبق أنَّه استُشكِل وأنَّه أُجيب بأنَّه اضمحلَّ منه معنى الوصفيَّة وصار اسمًا (قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ (٤) يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى) وثبت قوله «قال: فأيُّ يومٍ … » إلى آخره للكشميهنيِّ والمُستملي، وسقط لغيرهما (قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: أبا بكرة نُفَيعًا (قَالَ:

стр. 12814

وَأَعْرَاضَكُمْ) جمع عِرضٍ -بكسر العين-: موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، أي: انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) زاد في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] «إلى يوم تلقون ربَّكم» (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) هذا موضع التَّرجمة (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا) بالتَّخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا) فلا تصيروا (بَعْدِي) بعد فراقي من موقفي هذا، أو بعد موتي (ضُلَّالًا) بضمِّ الضَّاد المعجمة وتشديد اللَّام (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب» جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لقوله: «لا ترجعوا» وهو الذي في الفرع ويجوز الجزم على تقدير شرطٍ، أي: إن (١) ترجعوا بعدي (أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) هذا المجلس (الغَائِبَ) عنه بتشديد لام «ليبلِّغ» والذي في «اليونينيَّة» تخفيفها (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ) بسكون الموحَّدة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى) أحفظ (لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «له» (فَكَانَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (إِذَا ذَكَرَهُ) أي: الحديث (قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فإنَّ كثيرًا من السَّامعين أوعى من شيوخهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟) مرَّتين، واللَّام مخفَّفةٌ، أي: بلَّغت ما فُرِض عليَّ تبليغه من الرِّسالة. والحديث سبق مُطوَّلًا ومُختَصرًا في غير ما موضعٍ كـ «العلم» [خ¦١٠٥] و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] و «المغازي» [خ¦٤٤٠٦] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨]. (٢٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]) ذكَّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرَّحمة بالرَّحم، أو التَّرحُّم، أو لأنَّه صفة موصوفٍ محذوفٍ، أي: شيءٌ قريبٌ، أو على تشبيهه بـ «فعيلٍ» الذي بمعنى مفعولٍ، أو للإضافة إلى المذكَّر، والرَّحمة في اللُّغة: رقَّة قلبٍ (٢) وانعطافٌ يقتضي (٣) التَّفضُّل والإنعام (٤) على من رقَّ له، وأسماء الله تعالى وصفاته إنَّما تُؤخَذ باعتبار الغايات التي هي أفعالٌ، دون المبادئ التي تكون انفعالاتٍ،

стр. 12815

فرحمة الله على العباد إمَّا إرادة الإنعام عليهم ودفع الضَّرر عنهم فتكون صفة ذاتٍ، أو نفس الإنعام والدَّفع فتعود (١) إلى صفة الأفعال. ٧٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ، العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) الأحول بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصريُّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيد بن حارثة أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنٌ) وفي «النُّذور» [خ¦٥٦٥٥] (٢) بنتٌ (لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (يَقْضِي) بفتح أوَّله وسكون القاف بعدها ضادٌ معجمةٌ، أي: يموت، والمراد: أنَّه كان في النَّزع، وللكشميهنيِّ: «يُفضي» بضمِّ أوَّله، بعده فاءٌ (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) ﷺ (أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَرْسَلَ) ﵊ إليها (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الذي أخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أَخَذَه أَخَذ ما هو له (وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) مُقدَّرٍ مُؤجَّلٍ (فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب؛ ليُحسَب لها ذلك من عملها الصَّالح، فرجع إليها الرَّسول فأخبرها بذلك (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ) ليأتينَّها، قال أسامة ﵁: (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقمت (٣) ومعه معاذ بن جبلٍ» (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤]: «ورجالٌ» (فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الصَّبِيَّ) أو الصَّبيَّة (وَنَفْسُهُ) أو نفسها (تُقَلْقَلُ) (٤) بضمِّ أوَّله وفتح القافين، تضطرب (فِي صَدْرِهِ) أو

стр. 12816

صدرها (حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا) أي: نفسه (شَنَّةٌ) بفتح الشِّين المعجمة والنُّون المشدَّدة، قِربةٌ يابسةٌ (١) (فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِي) يا رسول الله، وزاد أبو نُعَيمٍ وتنهى عن البكاء؟ (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ) وفي «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] «هذه رحمةٌ (٢) جعلها الله في قلوب عباده، وإنَّما يرحم الله» (مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) جمع رحيمٍ كالكرماء جمع كريمٍ، وهو من صيغ المبالغة. وسبق الحديث في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٥] و «النُّذور» [خ¦٦٦٥٥]. ٧٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم (٣) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبِّهِمَا) تعالى مجازًا عن حالهما المشابه للخصومة، أو حقيقةً بأن خلق الله تعالى فيهما الحياة والنُّطق، وقال أبو العبَّاس القرطبيُّ: يجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنَّة والنَّار؛ لأنَّه لا يُشتَرط عقلًا في الأصوات أن يكون محلُّها حيًّا على الرَّاجح، ولو سلَّمنا الشَّرط؛ لجاز أن يخلق الله في بعض

стр. 12817

أجزائها الجماديَّة حياةً لا سيَّما وقد قال بعض المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] إنَّ كلَّ ما في الجنَّة حيٌّ، ويحتمل أن يكون ذلك بلسان الحال، والأوَّل أَولى واختصامهما هو افتخار إحداهما على الأخرى بمن يسكنها، فتظنُّ النَّار أنَّها بمن أُلقِي فيها من عظماء الدُّنيا آثر (١) عند الله من الجنَّة، وتظنُّ الجنَّة (٢) أنَّها بمن يسكنها من أولياء الله تعالى آثر عند الله (فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا) مقتضى الظَّاهر أن تقول: «ما لي» ولكنَّه على طريق الالتفات (لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟) بفتح السِّين والطَّاء، الضُّعفاء السَّاقطون من أعين النَّاس؛ لتواضعهم لربِّهم تعالى وذلَّتهم له (وَقَالَتِ النَّارُ: -يَعْنِي- أُوثِرْتُ) بضمِّ الهمزة وسكون الواو والرَّاء بينهما مُثلَّثةٌ، اختصصتُ (بِالمُتَكَبِّرِينَ) المتعظِّمين بما ليس فيهم (فَقَالَ اللهُ تَعَالَى) مجيبًا لهما: بأنَّه لا فضل لإحداكما (٣) على الأخرى من طريق من يسكنكما، وفي كلاهما شائبةُ شكايةٍ إلى ربِّهما؛ إذ لم تذكر كلُّ واحدةٍ منهما إلَّا ما اختصَّت به، وقد ردَّ الله (٤) ذلك إلى مشيئته فقال تعالى (لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي) زاد في «سورة ق» [خ¦٤٨٥٠] «أرحم بك من أشاء من عبادي» وإنَّما سمَّاها رحمةً؛ لأنَّ بها تظهر رحمته تعالى (وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ) وفي «تفسير سورة ق»: «إنَّما أنت عذابٌ أعذِّب بك من أشاء من عبادي» (وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا) بكسر الميم وسكون اللَّام بعدها همزةٌ (قَالَ: فَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ) من خلقه (فَيُلْقَوْنَ فِيهَا) لأنَّ لله تعالى أن يعذِّب من لم يكلِّفه بعبادته (٥) في الدُّنيا؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ ملكه، فلو عذَّبهم لكان غير ظالمٍ لهم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (فَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ -ثَلَاثًا- حَتَّى يَضَعَ) الرَّبُّ تعالى (فِيهَا قَدَمَهُ) مَن قدَّمه لها من أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوقٌ اسمه القدم، أو هو عبارةٌ عن زجرها وتسكينها كما يُقال: جعلته تحت رجلي، ووضعته تحت قدمي (فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ) بضمِّ التَّحتيَّة (٦) وفتح الرَّاء (بَعْضُهَا إِلَى

стр. 12818

بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ) بالتَّكرار ثلاثًا؛ للتَّأكيد مع فتح القاف وسكون الطَّاء مخفَّفةً فيها، أي: حسبي. وهذا الحديث قد سبق في «تفسير سورة ق» [خ¦٤٨٥٠] بخلاف هذه الرِّواية التي هنا، فإنَّه قال هناك: «وأمَّا النَّار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله ينشئ لها خلقًا» وكذا في «صحيح مسلمٍ»: «وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله تعالى ينشئ لها خلقًا» فقال جماعةٌ: إنَّ الذي ورد هنا من المقلوب، وجزم ابن القيِّم بأنَّه غلطٌ محتجًّا بأنَّ الله تعالى أخبر بأنَّ جهنَّم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكرها البلقينيُّ واحتجَّ بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال أبو الحسن القابسيُّ: المعروف أنَّ الله ينشئ للجنَّة خلقًا، قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنَّه (١) ينشئ للنَّار خلقًا إلَّا هذا. انتهى. واحتجَّ بأنَّ تعذيب الله غير العاصي لا يليق بكرمه، بخلاف الإنعام على غير المطيع، وقال البلقينيُّ: حمله على أحجارٍ تُلقَى في النَّار أقرب من حمله على ذي روحٍ يُعذَّب بغير ذنبٍ، قال في «الفتح»: ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح، لكن لا يُعذَّبون كما في الخزنة، ويحتمل أن يُراد بالإنشاء: ابتداء إدخال الكفَّار النَّار، وعبَّر عن ابتداء الإدخال (٢) بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال، لا الإنشاء الذي بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله: «فيُلقَون فيها ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]» وقال في «الكواكب»: لا محذور في تعذيب الله من لا ذنب له؛ إذ القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلةٌ، فلو عذَّبه لكان عدلًا، والإنشاء للجنَّة لا ينافي الإنشاء للنَّار، والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم، والله أعلم.

стр. 12819

٧٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن الحارث بن سَخْبرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَالَ: لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا) من العصاة، واللَّام للتَّأكيد كالنُّون الثَّقيلة، و «أقوامًا» نَصْبُ مفعولٍ (سَفْعٌ) بفتح السِّين المهملة وسكون الفاء بعدها عينٌ مهملةٌ، أثر تغيُّر البشرة ليبقى فيها بعض سوادٍ (مِنَ النَّارِ) وقال الكِرمانيُّ: اللَّفح واللَّهب، قال العينيُّ: وهو تفسير الشَّيء بما هو أخفى منه، قال: واللَّفْح -بفتح اللَّام وسكون الفاء وبالحاء المهملة-: حرُّ النَّار ووهجها، وفي «النِّهاية» السَّفع: علامة تغيُّر ألوانهم من أثر النَّار (بِذُنُوبٍ) بسبب ذنوبٍ (أَصَابُوهَا عُقُوبَةً) لهم (ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ) (الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ) إيَّاهم (يُقَالُ لَهُمُ: الجَهَنَّمِيُّونَ). (وَقَالَ هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى، ممَّا سبق موصولًا في «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٥٩] (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط قوله «عن النَّبيِّ … ؟» إلى آخره لأبي ذرٍّ، ومراده بسياق هذا التَّعليق أنَّ العنعنة في الطَّريق السَّابق محمولةٌ على السَّماع بدليل هذا السِّياق، والله الموفِّق وبه المستعان. (٢٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]) أي: يمنعهما من أن تزولا؛ لأنَّ الإمساك منعٌ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، فـ «قولٌ» مرفوعٌ على ما لا يخفى. ٧٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) من أحبار يهود (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ:

стр. 12820

يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ) يوم القيامة (١) (يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ) وفي: «باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١٥] «إنَّ الله يمسك السَّموات على إصبعٍ والأرضين على إصبعٍ» (وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ) ممَّن لم يُذكَر هنا (عَلَى إِصْبَعٍ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ: «مرَّ يهوديٌّ بالنَّبيِّ ﷺ فقال: يا يهوديُّ حدِّثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السَّموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه؟ وأشار أبو جعفرٍ أحد رواته بخنصره (٢) أوَّلًا، ثمَّ تابع حتَّى بلغ الإبهام» قال التِّرمذيُّ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وقد جرى في أمثالهم: فلانٌ يقول كذا بإصبعه ويعمله بخنصره (ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) تعجُّبًا من قول الحبر، زاد في الباب المذكور [خ¦٧٤١٥] «حتَّى بدت نواجذه» (وَقَالَ) ﷺ : (﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]) أي: ما عرفوه حقَّ معرفته ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه، وقال المهلَّب فيما نقله عنه في «الفتح»: الآية (٣) تقتضي أنَّ السَّموات والأرض مُمسَكتان بغير آلةٍ يُعتَمد عليها، والحديث يقتضي أنَّهما مُمسَكتان بالأصبع، والجواب: أنَّ الإمساك بالأصبع محالٌ؛ لأنَّه يفتقر إلى مُمْسِكٍ، قال: وأجاب غيره بأنَّ الإمساك في الآية يتعلَّق بالدُّنيا، وفي الحديث بيوم القيامة. ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخَذ من قوله في الرِّواية السَّابقة المنبَّه عليها بلفظ: «يمسك» [خ¦٧٤١٥] وجرى المؤلِّف على عادته في الإشارة عن الإفصاح بالعبارة، فالله تعالى يرحمه. (٢٧) (بابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهمَا (٤) مِنَ الخَلَائِقِ) قال في «الفتح»: كذا في

стр. 12821

رواية الأكثرين «تخليق» وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «في خلق السَّموات» قال: وهو المطابق للآية (وَهْوَ) أي: التَّخليق أو الخلق (فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ) بقوله: كن (فَالرَّبُّ) تعالى (بِصِفَاتِهِ) كالقدرة (وَفِعْلِهِ) أي: خلقه (وَأَمْرِهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «وكلامه» فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ المراد بالأمر هنا قوله: «كن» وهو من جملة كلامه (وَهْوَ الخَالِقُ، هُوَ المُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ) بتشديد الواو المكسورة من قوله: «المكوِّن» قال في «الفتح»: لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن ورد معناه؛ وهو المصوِّر، واختُلِف في التَّكوين هل هو صفة فعلٍ قديمةٍ أو حادثةٍ؟ فقال أبو حنيفة وغيره من السَّلف: قديمةٌ، وقال الأشعريُّ في آخرين: حادثةٌ؛ لئلَّا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا، وأجاب الأوَّل: بأنَّه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق، وأجاب الأشعريُّ: بأنَّه لا يكون خلقٌ ولا مخلوقٌ كما لا يكون ضاربٌ ولا مضروبٌ، فألزموه بحدوث صفاتٍ، فيلزم حلول الحوادث بالله، فأجاب: بأنَّ هذه الصِّفات لا تُحدث في الذَّات شيئًا جديدًا، فتعقَّبوه: بأنَّه يلزم ألَّا يُسمَّى في الأزل خالقًا ولا رازقًا، وكلام الله تعالى قديمٌ، وقد ثبت فيه أنَّه الخالق الرَّازق، فانفصل بعض الأشعريَّة بأنَّ إطلاق ذلك إنَّما هو بطريق المجاز، وليس المراد بعدم التَّسمية عدمها بطريق الحقيقة، ولم يرتضِ (١) بعضهم هذا، بل قال -وهو قولٌ (٢) منقولٌ عن الأشعريِّ نفسه-: إنَّ الأسامي جاريةٌ مجرى الأعلام، والعَلم ليس بحقيقةٍ ولا مجازٍ في اللُّغة، وأمَّا في الشَّرع فلفظ الخالق والرَّازق صادقٌ عليه تعالى بالحقيقة الشَّرعيَّة، والبحث إنَّما هو فيها لا في الحقيقة اللُّغويَّة، فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل، فأجاب: بأنَّ الإطلاق هنا شرعيٌّ لا لغويٌّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وتصرُّف البخاريِّ في هذا الموضع يقتضي موافقة الأوَّل، والصَّائر إليه يسلم من الوقوع في

стр. 12822

مسألة وقوع (١) حوادث لا أوَّل لها، وبالله التَّوفيق، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «هو» من قوله: «هو المكوِّن» وسقط من بعض النُّسخ قوله «وفعله» قال الكِرمانيُّ: وهو أولى ليصحَّ لفظ «غير مخلوقٍ» قال في «فتح الباري»: سياق المؤلِّف يقتضي التَّفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل، فالأوَّل من صفات (٢) الفاعل، والباري غير مخلوقٍ، فصفاته غير مخلوقةٍ، وأمَّا مفعوله -وهو ما ينشأ عن فعله- فهو مخلوقٌ، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: (وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهْوَ مَفْعُولٌ) و (مَخْلُوقٌ) و (مُكَوَّنٌ) بفتح الواو المشدَّدة، وقال المصنِّف في كتابه «خلق أفعال العباد»: واختلف النَّاس في الفاعل والفعل (٣) والمفعول، فقالت (٤) القدريَّة: الأفاعيل كلُّها من البشر، وقالت الجبريَّة: كلُّها من الله، وقالت الجهميَّة: الفعل والمفعول واحدٌ ولذلك قالوا: «كن» مخلوقٌ، وقال السَّلف: التَّخليق فِعْل اللهِ، وأفاعيلنا مخلوقةٌ، ففِعْل اللهِ صفة الله، والمفعول من سواه من المخلوقات. ٧٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الحكم بن محمَّد الحافظ، أبو محمَّد الجمحيُّ مولاهم قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي كثير المدنيُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) المدنيُّ (عَنْ كُرَيْبٍ) أبي رشدين مولى ابن عباس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ وهي خالته (لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ ﷺ

стр. 12823

عِنْدَهَا) في نوبتها (لأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «باللَّيل» (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ) زوجته ميمونة (سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أو نصفه» (قَعَدَ) رسول الله ﷺ (فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ﴾) أي: لَأدلَّةً واضحةً على صانعٍ قديمٍ عليمٍ حكيمٍ قادرٍ (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) أي: لمن أخلص عقله عن الهوى خلوص اللُّبِّ عن القشر، فيرى أنَّ العرض المحدث في الجواهر يدلُّ على حدوث الجواهر؛ لأنَّ جوهرًا ما لا ينفكُّ عن عرضٍ حادثٍ، وما لا يخلو عن الحادث فهو حادثٌ، ثمَّ حدوثها يدلُّ على محدثها وذا قديمٌ، وإلّا لاحتاج إلى محدثٍ آخر إلى ما لا يتناهى، وحسن صنعه دلَّ على علمه، وإتقانه يدلُّ على حكمته، وبقاؤه يدلُّ على قدرته (ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ) استاك (ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وفي آخر «سورة آل عمران» [خ¦٤٥٧١] «فصلَّى ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ أوتر بواحدةٍ» والحاصل (١) أنَّها ثلاث عشرة (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ). والحديث سبق بـ «آل عمران» [خ¦٤٥٧١]. (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾) الكلمة قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وسمَّاها كلمةً -وهي كلماتٌ- لأنَّها لمَّا انتظمت في معنًى واحدٍ كانت في حكم كلمةٍ مفردةٍ، والمراد بها القضاء المتقدِّم منه قبل أن

стр. 12824

يخلق خلقه في أمِّ الكتاب الذي جرى به القلم بعلوِّ المرسلين على عدوِّهم في مقام الحِجَاج، وملاحم القتال في الدُّنيا، وعلوِّهم عليهم في الآخرة، وعن الحسن: ما غُلِب نبيٌّ في حربٍ، والحاصل أنَّ قاعدةَ أمرهم وأساسه والغالبَ منه الظَّفرُ والنُّصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوبٌ من الابتلاء والمحنة، والعبرة للغالب. ٧٤٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا قَضَى اللهُ) (الخَلْقَ) أي: لمَّا أتَّمه (كَتَبَ) أثبت في كتابٍ (عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) قال في «الكواكب»: فإن قلت: صفاته تعالى قديمةٌ فكيف يتصوَّر السَّبق بينهما؟ قلت: هما من صفات الفعل لا من صفات الذَّات، فجاز سبق أحد الفعلين الآخر، وذلك لأنَّ (٢) إيصال الخير من مقتضيات صفته، بخلاف غيره فإنَّه بسبب معصية العبد، وقال في «فتح الباري»: أشار -أي: البخاريُّ- إلى ترجيح القول: بأنَّ الرَّحمة من صفات الذَّات لكون الكلمة من صفات الذَّات، فمهما استُشكِل في إطلاق السَّبق في صفة الرَّحمة جاء مثله في صفة الكلمة، ومهما أُجيب به عن قوله: ﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات: ١٧١] حصل به الجواب عن قوله: «سبقت رحمتي» قال: وقد غفل عن مراده من قال: دلَّ وصف الرَّحمة بالسَّبق على أنَّها من صفات الفعل. والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «النُّعوت».

стр. 12825

٧٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجهنيَّ (١)، هاجر ففاتته رؤيته ﷺ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁: حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قال حدَّثنا (٢)» وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقول: حدَّثنا» (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ الصَّادِقُ) في نفسه (المَصْدُوقُ) فيما وعده به (٣) ربُّه: (إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ) قال أبو البقاء: لا يجوز في «إنَّ» إلَّا الفتح؛ لأنَّ ما قبله «حدَّثنا» قال البدر الدَّمامينيُّ: بل يجوز الأمران -الفتح والكسر- أمَّا الفتح فلِمَا قال، وأمَّا الكسر فإن بنينا على مذهب الكوفيِّين في جواز الحكاية بما (٤) فيه معنى القول دون حروفه فواضحٌ، وإن بَنَيْنا على مذهب البصريِّين وهو المنع (٥) نقدِّر قولًا محذوفًا يكون ما بعده محكيًّا به، فتُكسَر همزة «إنَّ» حينئذٍ بالإجماع، والتَّقدير حدَّثنا فقال: إنَّ خلق أحدكم (يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: ما يُخلَق منه وهو النُّطفة تقرُّ وتُخزَّن (٦) (فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ليتخمَّر فيها حتَّى يتهيَّأ (٧) للخلق (ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً) دمًا غليظًا جامدًا (مِثْلَهُ) أي: مثل ذلك الزَّمان، وهو أربعون يومًا وأربعون ليلةً (ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً) قطعة لحمٍ قدر ما يُمضَغ (مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ المَلَكُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ يبعث الله الملك» الموكَّل بالرَّحم في الطَّور الرَّابع حين يتكامل بنيانه وتتشكَّل أعضاؤه (فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) يكتبها (فَيَكْتُبُ) من القضايا المقدَّرة في الأزل (رِزْقَهُ) كلَّ ما يسوقه

стр. 12826

إليه ممَّا يُنتَفع به؛ كالعلم والرِّزق حلالًا وحرامًا، قليلًا وكثيرًا (وَأَجَلَهُ) طويلًا أو قصيرًا (وَعَمَلَهُ) أصالحٌ أم لا؟ (وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟) حسبما اقتضته حكمته وسبقت به (١) كلمته، وكان من حقِّ الظَّاهر أن يُقال: سعادته وشقاوته، فعدل عنه إمَّا حكايةً لصورة ما يكتبه؛ لأنَّه يكتب شقيٌّ أو سعيدٌ، أو التَّقدير أنَّه شقيٌّ أو سعيدٌ فعدل؛ لأنَّ الكلام مسوقٌ إليهما، والتَّفصيل واردٌ عليهما، قاله في «شرح المشكاة»، وقال في «المصابيح»: «أم» -أي: في قوله أم سعيدٌ- هي المتَّصلة، فلا بدَّ من تقدير الهمزة محذوفةً، أي: أشقيٌّ أم سعيدٌ، فإن قلت: كيف يصحُّ تسليط فعل الكتابة على هذه الفعليَّة الإنشائيَّة (٢) التي هي من كلام المَلَك، فإنَّه يسأل ربَّه عن الجنين أشقيٌّ هو أم سعيدٌ؟ فما أخبر (٣) الله به من سعادته أو شقاوته كتبه الملك، ومقتضى الظَّاهر أن يُقال: وشقاوته أو سعادته، فما وجه ما وقع هنا؟ قلت: ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ، تقديره وجواب «أشقيٌّ (٤) أم سعيدٌ» وجواب هذا اللَّفظ هو شقيٌّ أو هو سعيدٌ، فمضمون هذا الجواب هو الذي يُكتَب، وانتظم الكلام ولله الحمد، وهو نظير قولهم: علمت أزيدٌ قائمٌ، أي: جواب هذا الكلام، ولولا ذلك لم يستقم ظاهره لمنافاة الاستفهام لحصول العلم وتحقُّقه (ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) بعد تمام صورته (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) من الطَّاعة (حَتَّى لَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى ما» (يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ) هو مَثَلٌ يُضرَب لمعنى المقاربة إلى الدُّخول (فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ) (٥) الذي كتبه الملك وهو في بطن أمِّه عقب ذلك (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) من المعصية (فَيَدخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ (٦) أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا).

стр. 12827

فيه أنَّ ظاهر الأعمال من الطَّاعات والمعاصي أماراتٌ وليست بموجباتٍ، فإنَّ مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرى به القدر في السَّابقة. والحديث سبق (١) في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٨] وغيره، والله الموفِّق والمعين. ٧٤٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بضمِّ العين و «ذَرٍّ» بفتح الذَّال المعجمة وتشديد الرَّاء، الهَمْدانيُّ قال: (سَمِعْتُ أَبِي) ذرَّ بن عبد الله بن زرارة الهَمْدانيَّ (يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ (٢) النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لجبريل (٣): (يَا جِبْرِيلُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ) آية (﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾) والتَّنزُّل (٤) على معنيين: معنى النُّزول على مهلٍ، ومعنى النُّزول على الإطلاق، والأوَّل أليق هنا، يعني: أنَّ نزولنا في الأحايين وقتًا غبَّ وقتٍ ليس إلَّا بأمر الله (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [مريم: ٦٤]) أي: ما (٥) قُدَّامنا وما خلفنا من الأماكن، فلا نملك (٦) أن ننتقل من مكانٍ إلى مكانٍ إلَّا بأمر الله ومشيئته (قَالَ: هَذَا كَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ: «كان هذا» وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّ هذا كان» (الجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬).

стр. 12828

٧٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو ابن جعفرٍ، أي: الأزديّ البيكنديّ الحافظ، وقال الكِرمانيُّ: هو ابن موسى الختِّيُّ أو ابن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَرْثٍ) بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الرَّاء بعدها مثلَّثةٌ، وللكشميهنيِّ: «في خَرِبٍ» بفتح الخاء المعجمة وكسر الرَّاء بعدها مُوحَّدةٌ، أو بكسرٍ ثمَّ فتحٍ (بِالمَدِينَةِ) طَيْبَة (وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ) بالمهملتين بفتح الأوَّل وكسر الثَّاني آخره مُوحَّدةٌ بعد تحتيَّةٍ ساكنةٍ، عصًا من جريد النَّخل (فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبِّره عن مسلكه وامتزاجه به، أو ماهيَّتها، أو عن جبريل، أو القرآن، أو الوحي، أو غير ذلك (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ) عنه (فَسَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) والذي في «اليونينيَّة»: «لا تسألوه عن الرُّوح فسألوه» (فَقَامَ) ﵊ (مُتَوَكِّئًا عَلَى العَسِيبِ (٢) وَأَنَا خَلْفَهُ، فَظَنَنْتُ) فتحقَّقت (أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾) أي: ممَّا استأثر بعلمه، وعجزت الأوائل عن إدراك ماهيَّته بعد نفاق (٣) الأعمار الطَّويلة على الخوض فيه إشارةٌ إلى تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوقٍ مجاورٍ له؛ ليدلَّ على أنَّه عن إدراك خالقه أعجز (﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) والخطاب عامٌّ، أو هو خطابٌ لليهود خاصَّةً (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ قُلْنَا لَكُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ) أي: لا (٤) يستقبلكم بشيءٍ تكرهونه، وذلك أنَّهم قالوا فيما بينهم (٥): إن فسَّره فليس بنبيٍّ وذلك أنَّ في التَّوراة أنَّ الرُّوح ممَّا انفرد الله بعلمه، ولا يطلِع عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسِّره دلَّ على نبوَّته وهم يكرهونها.

стр. 12829

وقد سبق في «تفسير الإسراء» [خ¦٤٧٢١]. ٧٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، قال (١): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: تَكَفَّلَ اللهُ) (لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ) الواردة في القرآن (بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ) بفضله (أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) بلا غنيمةٍ إن لم يغنموا (أَوْ) من أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، وقوله: «تكفَّل الله» قال في «الكواكب»: هو من باب التَّشبيه، أي: هو كالكفيل، أي: كأنَّه التزم بملابسة الشَّهادة إدخال الجنَّة، وبملابسة السَّلامة الرَّجع (٢) بالأجر والغنيمة، أي: أوجب تفضُّلًا على ذاته يعني: لا يخلو من الشَّهادة أو السَّلامة، فعلى الأوَّل يدخل الجنَّة بعد الشَّهادة في الحال، وعلى الثَّاني لا ينفكُّ عن أجرٍ أو غنيمةٍ مع جواز الاجتماع بينهما؛ إذ هي قضيَّةٌ مانعة الخلوِّ لا مانعة الجمع. والحديث سبق في «الخمس» (٣) [خ¦٣١٢٣]. ٧٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (٤) (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (٥)، شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) اسمه لاحق بن ضميرة كما مرَّ في «الجهاد» [خ¦٢٨١٠]

стр. 12830

(إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (١)): يا رسول الله (الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد التَّحتيَّة، أنفةً ومحافظةً على ناموسه (وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ) أي: كلمة التَّوحيد (هِيَ العُلْيَا) بضمِّ العين (فَهْوَ) أي (٢): المقاتل (فِي سَبِيلِ اللهِ) ، لا المقاتل حميَّةً ولا للشَّجاعة ولا للرِّياء. والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨١٠] و «الخمس» [خ¦٣١٢٦]. (٢٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) أي: فهو يكون، أي: إذا أردنا وجود شيءٍ؛ فليس إلَّا أن نقول (٣) له: احدث، فهو يحدث بلا توقُّفٍ، وهو عبارةٌ عن سرعة الإيجاد، يبيِّن (٤) أنَّ مراده لا يمتنع عليه، وأنَّ وجوده عند إرادته غير متوقِّفٍ كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثمَّ، والمعنى أنَّ إيجاد كلِّ مقدورٍ على الله تعالى بهذه السُّهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات، فإن قلت: قوله: ﴿كُن﴾ إن كان خطابًا مع المعدوم فهو محالٌ، وإن كان خطابًا مع الموجود كان أمرًا بتحصيل الحاصل وهو محالٌ، أُجيب بأنَّ هذا تمثيلٌ لنفي الكلام والمعاياة، وخطابٌ مع (٥) الخلق بما يعقلون ليس هو خطاب المعدوم؛ لأنَّ ما أراد فهو كائنٌ على كلِّ حالٍ، أو على ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدُّنيا والآخرة بما فيهما من السَّموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن خاطب العباد بما يعقلون، وسقط لأبي ذرٍّ قوله (٦) «﴿أَن نَّقُولَ﴾ (٧) … » إلى آخره.

стр. 12831

٧٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بتشديد الموحَّدة بعد فتح سابقها، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، ابن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسٍ) أي: ابن أبي حازمٍ (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ) غالبين أو عالين (عَلَى النَّاسِ) بالبرهان (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ) بقيام الساعة، وأمره تعالى بقيامها هو حكمه وقضاؤه، وهو الغرض المناسب للتَّرجمة، وزاد في «الاعتصام» [خ¦٧٣١١] «وهم ظاهرون» أي: غالبون على من خالفهم. ٧٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الأمويُّ الدمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ) هو عبد الرَّحمن بن زيد بن جابرٍ الأسديُّ الشَّاميُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، و «هانئ» بالهمز آخره، الشَّاميُّ (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ) بحكمه الحقِّ (مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا» (يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولا من خذلهم» (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) بإقامة السَّاعة (وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) الواو للحال (فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح المعجمة وبعد

стр. 12832

الألف ميمٌ مكسورةٌ فراءٌ (سَمِعْتُ مُعَاذًا) يعني ابن جبلٍ (يَقُولُ: وَهُمْ) أي: الأمَّة القائمة (١) بأمر الله (بِالشَّأْمِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان: (هَذَا مَالِكٌ) يعني ابن يخامر (يَزْعُمُ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ). ٧٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسينٍ المكِّيِّ القرشيِّ النَّوفليِّ قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم ابن مُطْعِمٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ) الكذَّاب (فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ) لمَّا قال مسيلمة (٢): إن جعل لي محمَّدٌ الأمر (٣) من بعده تبعته، وكان في يد رسول الله ﷺ قطعة جريدٍ: (لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللهِ فِيكَ) أي: لن تجاوز حكمه، وثبتت الواو مفتوحةً في «تعدو» على القاعدة مثل أن تغزو (٤)، وفي بعض النُّسخ بحذف الواو، ويتخرَّج على الجزم بـ «لن» مثل لن تُرَعْ (وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ) عن الإسلام (لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ) ليهلكنَّك، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «ولن تعدو أمر الله فيك». وسبق الحديث في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٧٣].

стр. 12833

٧٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ) بن زيادٍ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ حَرْثِ المَدِينَةِ) بالحاء المهملة والمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ: «حرثٍ» -بالتَّنوين- «بالمدينة» بزيادة حرف الجرِّ، وللمستملي (١) «خِرَبٍ» بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء والتَّنوين: «بالمدينة» (وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ) من جريد النَّخل (مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وقَالَ (٢) بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) وهو إبهامه؛ إذ هو مبهمٌ في التَّوراة، وإنَّه ممَّا استأثر الله بعلمه، فإن أبهمه دلَّ على نبوَّته وهمزة «أن» مفتوحةٌ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ (٣): لَنَسْأَلَنَّهُ) عنه (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾) الجمهور: على أنَّه الرُّوح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته، فأخبر أنَّه من أمر الله، أي: ممَّا استأثر الله (٤) بعلمه، وقيل: سألوه عن خلق الرُّوح أهو مخلوقٌ أم لا؟ وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ دليلٌ على خلق الرُّوح، فكان هذا جوابًا لسؤالهم (٥) ((وَمَا أُوتُوا)) بواوٍ بعد الفوقيَّة (﴿مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان: (هَكَذَا فِي قِرِاءَتِنَا) «أوتوا» (٦) وهو خطابٌ لليهود (٧)؛ لأنَّهم قالوا: قد أوتينا التَّوراة وفيها الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فقيل لهم: إنَّ علم التَّوراة قليلٌ في جنب علم الله، فالقلَّة والكثرة من الأمور الإضافيَّة، فالحكمة التي أوتيها

стр. 12834

العبد خيرٌ كثيرٌ في نفسها إلَّا أنَّها إذا أُضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلةٌ، قال في «الفتح»: ووقع (١) في رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾» وفق القراءة المشهورة. والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٤٥٦] (٢). (٣٠) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾) أي: ماء البحر (﴿مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾) أي: لو كُتِبت كلمات (٣) علم الله وحكمته وكان البحر مدادًا لها، والمراد بـ ﴿الْبَحْرُ﴾ الجنس (﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾) بمثل البحر (﴿مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]) لنفد أيضًا، والكلمات غير نافدةٍ، و ﴿مَدَدًا﴾ تمييزٌ، والمراد (٤) مثل المداد وهو ما يُمَدُّ به ينفد (﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ [لقمان: ٢٧]) أي: ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا، وثبت البحر ممدودًا بسبعة أبحرٍ، وكان مقتضى الكلام أن يُقال: ولو أنَّ الشَّجر أقلامٌ والبحر مدادٌ، لكن أغنى عن ذكر المداد قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾ لأنَّه من قولك: مدَّ الدَّواة وأمدَّها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدَّواة، وجعل الأبحر السَّبعة مملوءةً مدادًا، فهي تصبُّ فيه مدادها أبدًا صبًّا حتَّى لا ينقطع، والمعنى ولو أنَّ أشجار الأرض أقلامٌ، والبحر ممدودٌ بسبعة أبحرٍ، وكُتِبت (٥) بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وأخرج عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» من طريق أبي الجوزاء قال: لو كان كلُّ شجرةٍ في الأرض أقلامًا والبحر مدادًا لنفد الماء وتكسَّرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله، وقال ابن أبي حاتمٍ: حدَّثني أبي: سمعت بعض أهل العلم يقول: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ

стр. 12835

خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ … الآية [الكهف: ١٠٩] يدلُّ على أنَّ القرآن (١) غير مخلوقٍ؛ لأنَّه لو كان مخلوقًا لكان له قَدْرٌ وكانت له غايةٌ، ولنفد كنفاد المخلوقين، وتلا قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلى آخر (٢) الآية. (﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾) أراد السَّموات والأرض وما بينهما، أي: من الأحد إلى الجمعة؛ لاعتبار الملائكة شيئًا فشيئًا، وللإعلام بالتَّأنِّي في الأمور، وأنَّ لكلِّ عملٍ يومًا؛ لأنَّ إنشاء شيءٍ بعد شيءٍ أدلُّ على عالمٍ مدبِّرٍ مريدٍ، يصرفه على اختياره، ويجريه على مشيئته (﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾) استولى (﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾) أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه مستوليًا على جميع المخلوقات؛ لأنَّ العرش أعظمها (٣) وأعلاها، وتفسير العرش بالسَّرير، والاستواء بالاستقرار كما يقوله المشبِّهة باطلٌ؛ لأنَّه تعالى كان قبل العرش ولا مكان، وهو الآن كما كان؛ لأنَّ التَّغيُّر من صفات الأكوان (﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾) أي: يلحق اللَّيل بالنَّهار والنَّهار (٤) باللَّيل (﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾) حالٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ أي: سريعًا، والطَّالب هو اللَّيل، كأنَّه لسرعة مضيِّه يطلب النَّهار (﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾) أي: وخلقها (﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾) حالٌ، أي: مُذلَّلاتٍ (﴿بِأَمْرِهِ﴾) هو أمر تكوينٍ (﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾) أي: هو الذي خلق الأشياء وله الأمر (﴿تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]) كثر خيره أو دام برُّه، من البركة والنَّماء. (﴿سَخَّرَ﴾ [النحل: ١٤] ذَلَّلَ) باللَّام (٥)، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿النَّهَارَ﴾: «الآية» (٦).

стр. 12836

٧٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: تَكَفَّلَ اللهُ) فضلًا منه تعالى (لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ (١) وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «وتصديق كلماته» (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ) الذي خرج منه (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) بغير غنيمةٍ إن لم يغنموا (أَوْ) من أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا. والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٤٥٧]. (٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ) فلا فرق بين المشيئة والإرادة إلَّا عند الكرَّاميَّة حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدةً أزليَّةً تتناول ما يشاء (٢) الله تعالى بها من حيث يحدث، والإرادة حادثةً متعدِّدةً بعدد المرادات، ويدلُّ لأهل السُّنَّة قوله تعالى: (﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]) قال إمامنا الشَّافعيُّ -فيما رواه البيهقيُّ عن الرَّبيع بن سليمان عنه- المشيئة إرادة الله، وقد أعلم الله خلقه أنَّ المشيئة له دونهم فقال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ فليست للخلق مشيئةٌ إلَّا أن يشاء الله تعالى (٣). انتهى. وقد دلَّت الآية على أنَّه تعالى خالقٌ أفعال العباد، وأنَّهم لا يفعلون إلَّا ما يشاء، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثمَّ أكَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فدلَّ على أنَّه (٤) فعل اقتتالهم الواقع بينهم (٥)؛ لكونه مريدًا له، وإذا كان هو الفاعل لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل، فثبت بذلك أنَّ

стр. 12837

كسب العباد إنَّما هو بمشيئة الله وإرادته، ولو لم يرد وقوعه ما وقع، وقسم بعضهم الإرادة إلى (١) قسمين: إرادة أمرٍ وتشريعٍ، وإرادة قضاءٍ وتقديرٍ، فالأولى تتعلَّق بالطَّاعة والمعصية سواءٌ وقعت أم لا، والثَّانية: شاملةٌ لجميع الكائنات، محيطةٌ بجميع الحادثات طاعةً ومعصيةً، وإلى الأوَّل (٢) الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإلى الثَّاني (٣) بقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ، فقوله: «وقول الله تعالى (٤)» رفعٌ: (﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]) وقوله (٥) تعالى: (﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) يخلق (٦) فعل الاهتداء فيمن يشاء، فدلَّت هذه الآيات على إثبات الإرادة والمشيئة لله تعالى، وأنَّ العباد لا يريدون شيئًا إلَّا وقد سبقت إرادة الله تعالى له (٧)، وأنَّه الخالق لأعمالهم طاعةً أو معصيةً. (قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ) آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (فِي أَبِي طَالِبٍ) وقد أجمع المفسِّرون على أنَّها نزلت فيه كما قاله الزَّجَّاج، وهذا التَّعليق وصله في «تفسير سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢]. وقوله تعالى: (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) تمسَّك به المعتزلة بأنَّه لا يريد المعصية، وأجيب بأنَّ معنى إرادة اليسر التَّخيير بين الصَّوم في السَّفر ومع المرض والإفطار بشرطه، وإرادة العسر المنفيَّة الإلزام بالصَّوم في السَّفر في جميع الحالات، فالإلزام هو

стр. 12838

الذي لا يقع؛ لأنَّه لا يريده، وقد تكرَّر ذكر الإرادة في القرآن، واتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّه لا يقع إلَّا ما يريده الله تعالى، وأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرًا بها، وقالت المعتزلة: لا يريد الشَّرَّ؛ لأنَّه لو أراده لطلبه، وشنَّعوا على أهل السُّنَّة (١) أنَّه يلزمهم أنَّ يقولوا: إن الفحشاء مرادةٌ لله تعالى وينبغي أن يُنزَّه عنها، وأجاب أهل السُّنَّة بأنَّ الله تعالى قد يريد الشَّيء ولا يرضاه؛ ليعاقب عليه، ولثبوت أنَّه خلق الجنَّة والنَّار وخلق لكلٍّ أهلًا، وألزموا المعتزلة بأنَّهم جعلوا أنَّه يقع في ملكه ما لا يريده (٢). ٧٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَعَوْتُمُ اللهَ) (فَاعْزِمُوا) بهمزة وصلٍ (فِي الدُّعَاءِ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨]: «فليعزم المسألة» أي: فليقطع بالسُّؤال ويجزم به حسن ظنٍّ بكرم ربِّه تعالى (وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) بهمزة قطعٍ، أي: لا يشترط المشيئة لعطائه؛ لأنَّه أمرٌ متيقَّنٌ أنَّه لا يعطي إلَّا أن يشاء، فلا معنى لاشتراط المشيئة؛ لأنَّها إنَّما تُشتَرط فيما يصحُّ أن يفعل بدونها من إكراهٍ أو غيره ولذا أشار ﵇ بقوله: (فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ) بكسر الرَّاء، وأيضًا ففي قوله: «إن شئت» نوعٌ من الاستغناء عن عطائه كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، ولا يُستعمَل هذا غالبًا إلَّا في مقامٍ يشعر بالغنى، وأمَّا مقام الاضطرار فإنَّما فيه عزم المسألة وبتُّ الطَّلب. والحديث سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٨] ومطابقته لِمَا تُرجم به (٣) هنا في (٤) قوله: «إن شئت».

стр. 12839

٧٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. (ح) للتَّحويل قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنَا أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ) وفي نسخةٍ: «حدَّثني» بالإفراد (١)، أبو بكر بن أبي أُوَيسٍ الأصبحيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) عبد الرَّحمن الصِّدِّيقيِّ التَّيميِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵉ أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةً) أي: أتاهما في ليلةٍ، ونصب «فاطمة» عطفًا على الضَّمير المنصوب في «طرقه» (فَقَالَ لَهُمْ) أي: لعليٍّ وفاطمة ومن عندهما (٢) يحضُّهم: (أَلَا) بالتَّخفيف (تُصَلُّونَ؟ قَالَ عَلِيٌّ) ﵁: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) استعارةٌ لقدرته (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) أن (٣) يوقظنا للصَّلاة أيقظنا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مدبرًا (حِينَ قُلْتُ) له (ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه (إِلَيَّ) بالتَّشديد (شَيْئًا) لم يجبني بشيءٍ (ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ) حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) بالمعجمتين تعجُّبًا من سرعة الجواب (٤) (وَيَقُولُ) والحال أنَّه يقول (٥): (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) نصبٌ على التَّمييز يعني أنَّ جدل الإنسان أكثر من جدل كلِّ شيءٍ، وقراءته (٦) الآية -كما قال في «الكواكب» - إشارةٌ إلى أنَّ الشَّخص يجب عليه

стр. 12840

متابعة أحكام الشَّريعة لا ملاحظة الحقيقة، ولذا جعل جوابه من باب الجدل، ومطابقة الحديث في قوله: «إذا شاء». وسبق في: «باب قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» من «الاعتصام» [خ¦٧٣٤٧]. ٧٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العَوَقيُّ (١) أبو بكرٍ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، ابن سليمان العدويُّ مولاهم (٢) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ) بالخاء المعجمة وتخفيف الميم، الطَّاقة الغضَّة الرَّطبة أوَّل ما تنبت على ساقٍ (يَفِيءُ) بالتَّحتيَّة المفتوحة والفاء المكسورة، بعدها همزةٌ ممدودًا (٣)، يتحوَّل ويرجع (وَرَقُهُ، مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من حيث انتهى الريح» بالنون (تُكَفِّئُهَا) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الكاف وكسر الفاء مشدَّدةً بعدها همزةٌ، تقلبها وتحوِّلها من جهةٍ إلى جهةٍ أخرى (فَإِذَا سَكَنَتِ) وفي نسخةٍ: «فإذا أمسكت (٤)» الرِّيح (اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالبَلَاءِ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف والفاء المشدَّدة، ضربه مثلًا للمؤمن، فإنَّه يُسَرُّ مرَّةً ويُبتلَى مرَّةً، وكذلك خامة الزَّرع تعتدل مرَّةً عند سكون الرِّيح، وتضطرب أخرى عند هبوبها. (وَمَثَلُ الكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ) بفتح الهمزة والزَّاي بينهما راءٌ ساكنةٌ آخرها هاء تأنيثٍ، شجر الصَّنوبر كما قاله أبو عبيدة، وقال الدَّاوديُّ: الأرزة من أعظم الشَّجر لا يميل الرِّيح أكبرها، ولا تهتزُّ من أسفلها، ورواها أصحاب الحديث بإسكان الرَّاء، ورُوِي: «كمثل الآرزة» على وزن

стр. 12841

«فاعلة» أي: كمثل الشَّجرة الثَّابتة، ورُوِيت بتحريك الرَّاء، والذي رويناه بإسكانها (صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ) (إِذَا شَاءَ) فيكون الموت أشدَّ عذابًا عليه، ومطابقة الحديث في قوله: «إذا شاء» أيضًا. والحديث سبق في أوائل «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٤٤]. ٧٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يقول»: (إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيمن» أي: إنَّما بقاؤكم بالنِّسبة إلى «ما» أو «من» (سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء (١) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا) أي: عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) الأوَّل مفعول «أُعطِي» و «قيراطًا» الثَّاني تأكيدٌ، والمراد بالقيراط هنا النَّصيب، وكُرِّر ليدلَّ على تقسيم القراريط على جميعهم (ثُمَّ أُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ) من نصف النَّهار (حَتَّى صَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا) عن العمل (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِيتُمُ القُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ) من العصر (حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتَّثنية (قَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلًا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أعمالًا» (وَأَكْثَرُ أَجْرًا؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «جزاءً» (قَالَ) الله

стр. 12842

تعالى: (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) أي: هل نقصتكم (مِنْ أَجْرِكُمْ) بالإفراد (مِنْ شَيْءٍ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من أجوركم شيئًا» (قَالُوا: لَا، فَقَالَ: فَذَلِكَ) أي: فكلُّ ما أعطيته (١) من الأجر (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) هذا (٢) موضع التَّرجمة من الحديث. وسبق (٣) في «باب من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب» [خ¦٥٥٧] من «كتاب الصَّلاة». ٧٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن محمَّدٍ (المُسْنَدِيُّ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وفتح النُّون، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالمعجمة- الخولانيِّ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) هم النُّقباء الذين بايعوا ليلة العقبة بمنًى قبل الهجرة (فَقَالَ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى) التَّوحيد (أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا) بحذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) وإنَّما خصَّهم بالذِّكر لأنَّهم كانوا غالبًا يقتلونهم خشية الإملاق (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) بكذبٍ يبهت سامعه كالرَّمي بالزِّنا (تَفْتَرُونَهُ) تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) وكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات؛ إذ معظم الأفعال بهما (وَلَا تَعْصُونِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولا تعصوا» (فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِف من الشَّارع (٤) حسنه؛ نهيًا وأمرًا (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ (٥)) بتخفيف الفاء وتُشدَّد (٦)، ثبت على

стр. 12843

العهد (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا بالجنَّة (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الكفر (فَأُخِذَ) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وفي «الإيمان» [خ¦١٨] «فعُوقِب» (بِهِ فِي الدُّنْيَا) بأن أُقيم عليه الحدُّ مثلًا (فَهْوَ) أي: العقاب (لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ) بفتح الطَّاء، أي: مطهرةٌ لذنوبه، فلا يُعاقَب عليها في الآخرة (وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ فَذَلِكَ) أي: فأمره (إِلَى اللهِ) (إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدله (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضله، والغرض منه هنا قوله: «إن شاء عذَّبه، وإن شاء (١) غفر له» على ما لا يخفى. وسبق في «كتاب الإيمان» بعد قوله: «باب علامة الإيمان» [خ¦١٨]. ٧٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو (٢) الهيثم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي) أي: لأجامعهنَّ (فَلْتَحْمِلْنَ) بسكون اللَّامين (٣) وتخفيف النُّون وقد يُفتَحان وتُشدَّد النُّون (كُلُّ امْرَأَةٍ) منهنَّ (وَلْتَلِدَْنََّ) بسكونٍ وتخفيفٍ، أو فتحٍ وتشديدٍ (٤)، وفي «الملكيَّة»: «أو لتلدنَّ» (فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ) أي: جامعهنَّ (فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ) واحدةٌ (وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ) بكسر الشِّين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «جاءت بشقِّ غلامٍ» وحكى النَّقَّاش في «تفسيره» أنَّ الشِّقَّ المذكور هو الجسد الذي أُلقِي على كرسيِّه (قَالَ

стр. 12844

نَبِيُّ اللهِ ﷺ : لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى) أي: قال: إن شاء الله (لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، ولفظ «ستُّون» لا ينافي سبعين وتسعين؛ إذ مفهوم العدد لا اعتبار له، ووقع في «الجهاد» [خ¦٢٨١٩] «مئة امرأةٍ أو تسعٌ وتسعون» بالشَّكِّ، وجُمِع بأنَّ السِّتِّين حرائر وما سواهنَّ سراري، وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٤] زيادة فوائد تُراجَع، والله الموفِّق، والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة ظاهرةٌ. ٧٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ كما قاله ابن السَّكن، أو هو ابن المثنَّى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (الثَّقَفِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذَّال المعجمة المشدَّدة، ممدودًا (١) (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ) بالدَّال المهملة، من عاد المريض إذا زاره، والأعرابيُّ -قال الزَّمخشريُّ في «ربيعه» -: هو قيس بن أبي حازمٍ (فَقَالَ) ﷺ له: (لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ) أي: مرضك مطهِّرٌ لذنوبك (إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (قَالَ الأَعْرَابِيُّ) استبعادًا لقوله ﵊: (طهورٌ؟!) وفُهِم أنَّ النَّبيَّ ﷺ ترجَّى حياته، فلم يوافق على ذلك؛ لِمَا وجده من المرض المؤْذِن بموته، فقال: (بَلْ حُمَّى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بل هي حمَّى» (تَفُورُ) بالفاء: تغلي -بالغين المعجمة- (عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الزَّاي، من أزاره إذا حمله على الزِّيارة، والضَّمير المرفوع للحمَّى، والمنصوب للأعرابيِّ، و «القبور» مفعولٌ، أي: ليس كما رجوت لي من تأخير الوفاة، بل الموت من هذا المرض هو الواقع ولا بدَّ لما أحسَّه من نفسه (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذًا) فيه دليلٌ على أنَّ قوله: «لا بأس عليك» إنَّما كان على طريق التَّرجِّي، لا على طريق الإخبار عن الغيب، كذا في «المصابيح» وذكر (٢)

стр. 12845

المؤلِّف الحديث في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٦] وذكرت ثَمَّ أنَّ الطَّبرانيَّ زاد فيه: أنَّه ﷺ قال للأعرابيِّ: «إذ أبيت فهي كما تقول، وقضاء الله كائنٌ» فما أمسى من الغد إلَّا ميِّتًا، وأنَّ الحافظ ابن حجرٍ قال: إنَّ بهذه الزِّيادة يظهر دخول الحديث في «علامات النُّبوَّة». ٧٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) هو محمَّدٌ قال: (أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء مُصغَّرًا، ابن بشيرٍ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ أبي الهُذَيل، الكوفيِّ ابن عمِّ منصورٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أبي إبراهيم السُّلَمِيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ أنَّهم (حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ) كذا أورده هنا مختصرًا بحذفٍ من أوَّله، وساقه في «باب حكم الأذان بعد ذهاب الوقت» [خ¦٥٩٥] بلفظ: «سرنا مع النَّبيِّ ﷺ ليلةً فقال بعض القوم: لو عرَّست بنا يا رسول الله، قال (١): أخاف أن تناموا عن الصَّلاة، قال بلالٌ: أنا أوقظكم، فاضطجَعوا (٢)، وأسند بلالٌ ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النَّبيُّ ﷺ وقد طلع حاجب الشَّمس، فقال: يا بلال أين ما قلت؟ قال: ما أُلقِيت عليَّ نومةٌ مثلُها قطُّ» (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ) أي: أنفسكم، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وقبضُها هنا بقطع تعلُّقها عن الأبدان، وتصرُّفها ظاهرًا لا باطنًا (حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا) عليكم عند اليقظة (حِينَ شَاءَ، فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَتَوَضَّؤُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ) بتشديد الضَّاد من غير ألفٍ، أي: صفت (فَقَامَ) النَّبيُّ ﷺ (فَصَلَّى) بالنَّاس الصُّبح الفائتة قضاءً، والمطابقة ظاهرةٌ.

стр. 12846

٧٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، المكِّيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَالأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ، واسم أبي عتيقٍ: محمَّدُ بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ المخزوميِّ، أحد الأعلام وسيِّد التَّابعين: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق كما في «جامع سفيان بن عيينة» و «البعث» (١) لابن أبي الدُّنيا، لكن في «تفسير الأعراف» [خ¦٤٦٣٨] التصريح بأنَّه من الأنصار، فيحتمل تعدُّد القصَّة (وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) قيل: إنَّه فنحاصٌ، وفيه نظرٌ سبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١١] (فَقَالَ المُسْلِمُ: وَ) الله (الَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ) من جنٍّ وإنسٍ وملائكةٍ (فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ) عقوبةً له على كذبه لِمَا فهمه من عموم لفظ «العالمين» الشَّامل للنَّبيِّ ﷺ والمقرِّر أنَّه أفضل (فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصه (٢)، أو يفضي بكم إلى الخصومة، أو قاله تواضعًا، أو

стр. 12847

قبل أن يعلم سؤدده عليهم (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ) يُغشَى عليهم من الفزع عند النَّفخ في الصُّور (يَوْمَ القِيَامَةِ) فأصعق معهم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) آخذٌ بقوَّةٍ (بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ) بهمزة الاستفهام (فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ومطابقة الحديث ظاهرةٌ. وسبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١١]. ٧٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى) جبريل، وليس له إلَّا هذه الرِّواية قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالدٍ السُّلَمِيُّ الواسطيُّ أحد الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَدِينَةُ) طابة (يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ) الأعور الكذَّاب ليدخلها (فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ) على أنقابها (يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، وهذا الاستثناء للتَّبرُّك والتَّأدُّب، وليس للشَّكِّ، والغرض منه التَّحريض على سكنى المدينة ليحترسوا بها من الفتنة. والحديث سبق في «الفتن» [خ¦٧١٣٤]. ٧٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة (١) وفتح العين المهملة، ابن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزَّاي- الحافظ أبو بِشْرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ)

стр. 12848

مقطوعٌ باستجابتها (فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللهُ) (أَنْ أَخْتَبِئَ (١)) أن أؤخِّر (٢) (دَعْوَتِي) المحقَّقة الإجابة (شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) جزاه الله عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمَّته و ﷺ . ٧٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ) بفتح التَّحتيَّة والسِّين المهملة (بْنِ جَمِيلٍ) بالجيم المفتوحة (اللَّخْمِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ مُحَمَّد) بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ﷺ (٣)، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) بضمِّ الفوقيَّة، رأيت نفسي (عَلَى قَلِيبٍ) بفتح القاف وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُوحَّدةٌ، بئرٍ (فَنَزَعْتُ) من مائها (مَا شَاءَ اللهُ) (أَنْ أَنْزِعَ، ثُمَّ أَخَذَهَا) منِّي (ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) أبو بكرٍ الصِّدِّيق (٤) ﵄ (فَنَزَعَ) من البئر (ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) دلوًا أو دلوين (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَاسْتَحَالَتْ) أي: الدَّلو في يده (غَرْبًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء، من الصِّغر إلى الكبر (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) بسكون الموحَّدة وفتح القاف، سيِّدًا (مِنَ النَّاسِ يَفْرِي) بفتح أوَّله وسكون الفاء (فَرِيَّهُ) بفتح الفاء وكسر الرَّاء (٥) وتشديد التَّحتيَّة (٦)، أي: لم أرَ سيِّدًا يعمل

стр. 12849

عمله في غاية الإجادة ونهاية الإصلاح (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ) وهو الموضع الذي تُساق إليه الإبل بعد السَّقي للاستراحة، وهذا مثالٌ لما جرى للعمرَين ﵄ في خلافتهما (١)، وانتفاع النَّاس بهما بعده ﷺ ، فكان ﵇ هو صاحب الأمر قام به أكمل قيامٍ، وقرَّر قواعد الإسلام، ومهَّد أساسه، وأوضح أصوله وفروعه، فخلفه أبو بكرٍ ﵁ وقطع دابر أهل الرِّدَّة، فخلفه عمر فاتَّسع الإسلام في زمانه، فشبَّه أمر المسلمين بالقليب لما فيها من الماء الذي به حياتهم، وأميرهم بالمستقي لهم، وليس في قوله: «وفي نزعه ضعفٌ» حطٌّ من مرتبة أبي بكرٍ وترجيحٌ لعمر (٢) عليه، إنَّما هو إخبارٌ عن قصر مدَّة ولايته، وطول مدَّة عمر، وكثرة انتفاع النَّاس به؛ لاتِّساع بلاد الإسلام، وأمَّا قوله: «والله يغفر له» فهي كلمةٌ يدعم بها المتكلِّم كلامه ونعمت الدِّعامة، وليس فيها تنقيصٌ ولا إشارةٌ إلى ذنبٍ، قاله في «الكواكب». وسبق ذلك وغيره في «المناقب» [خ¦٣٦٦٤] مع غيره، وذكرته هنا لطول العهد به. ٧٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء عامرٍ، أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ (٣) أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ قَالَ) لمن عنده من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته لديَّ (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتكم، قال في «المصابيح»: لم أتحرَّر الرِّواية في لام «فلتؤجروا» هل هي ساكنةٌ أو محرَّكةٌ؟ فإن كانت ساكنةً

стр. 12850

تعيَّن كونها لام الطَّلب، وإن كانت مكسورةً احتمل كونها للطَّلب وكونها حرف جرٍّ، وعلى الأوَّل ففيه دخول الأمر على الفاعل المخاطب وهو قليلٌ، وعلى الثَّاني فيحتمل كون الفاء زائدةً واللَّام متعلِّقةً بالفعل المتقدِّم، ويحتمل كون (١) الفاء زائدةً واللَّام متعلِّقةً بفعلٍ محذوفٍ، أي: اشفعوا، فلأجل أن تؤجروا أمرتكم بذلك. انتهى. قلت: والذي في فرع «اليونينيَّة» ورويته بسكون اللَّام (وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما يشاء» أي: يظهر الله على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدَّره في علمه أنَّه سيكون. والحديث سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥]» من «كتاب الأدب» [خ¦٦٠٢٧]. ٧٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن موسى الجعفيُّ، أو أبو جعفرٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحافظ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) اللَّهمَّ (ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ) اللَّهمَّ (ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ) ونحو ذلك، فلا يشكَّ في القبول، بل يستيقن وقوع مطلوبٍ به (٢) ولا يعلِّق ذلك بمشيئة الله (وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ) وليجزم بها حُسْن ظنٍّ بكرم (٣) أكرم الكرماء (إِنَّهُ) تعالى (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ) بكسر الرَّاء، تعالى اللهُ عن ذلك (٤) نعم لو (٥) قال: «إن شاء الله (٦)» للتَّبرُّك لا للاستثناء لم يُكرَه. والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٣٣٩] ومطابقته ظاهرةٌ.
следующие страницы →