٧٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، المكِّيُّ المؤذِّن قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَالأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز.
قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ، واسم أبي عتيقٍ: محمَّدُ بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ المخزوميِّ، أحد الأعلام وسيِّد التَّابعين: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق كما في «جامع سفيان بن عيينة» و «البعث» (١) لابن أبي الدُّنيا، لكن في «تفسير الأعراف» [خ¦٤٦٣٨] التصريح بأنَّه من الأنصار، فيحتمل تعدُّد القصَّة (وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) قيل: إنَّه فنحاصٌ، وفيه نظرٌ سبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١١] (فَقَالَ المُسْلِمُ: وَ) الله (الَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ) من جنٍّ وإنسٍ وملائكةٍ (فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ) عقوبةً له على كذبه لِمَا فهمه من عموم لفظ «العالمين» الشَّامل للنَّبيِّ ﷺ والمقرِّر أنَّه أفضل (فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى) تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصه (٢)، أو يفضي بكم إلى الخصومة، أو قاله تواضعًا، أو
стр. 12847
قبل أن يعلم سؤدده عليهم (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ) يُغشَى عليهم من الفزع عند النَّفخ في الصُّور (يَوْمَ القِيَامَةِ) فأصعق معهم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) آخذٌ بقوَّةٍ (بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ) بهمزة الاستفهام (فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ومطابقة الحديث ظاهرةٌ.
وسبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١١].
٧٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي عِيسَى) جبريل، وليس له إلَّا هذه الرِّواية قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالدٍ السُّلَمِيُّ الواسطيُّ أحد الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَدِينَةُ) طابة (يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ) الأعور الكذَّاب ليدخلها (فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ) على أنقابها (يَحْرُسُونَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، وهذا الاستثناء للتَّبرُّك والتَّأدُّب، وليس للشَّكِّ، والغرض منه التَّحريض على سكنى المدينة ليحترسوا بها من الفتنة.
والحديث سبق في «الفتن» [خ¦٧١٣٤].
٧٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة (١) وفتح العين المهملة، ابن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزَّاي- الحافظ أبو بِشْرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ)
стр. 12848
مقطوعٌ باستجابتها (فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللهُ) (أَنْ أَخْتَبِئَ (١)) أن أؤخِّر (٢) (دَعْوَتِي) المحقَّقة الإجابة (شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) جزاه الله عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمَّته و ﷺ .
٧٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ) بفتح التَّحتيَّة والسِّين المهملة (بْنِ جَمِيلٍ) بالجيم المفتوحة (اللَّخْمِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ مُحَمَّد) بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ﷺ (٣)، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) بضمِّ الفوقيَّة، رأيت نفسي (عَلَى قَلِيبٍ) بفتح القاف وكسر اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مُوحَّدةٌ، بئرٍ (فَنَزَعْتُ) من مائها (مَا شَاءَ اللهُ) (أَنْ أَنْزِعَ، ثُمَّ أَخَذَهَا) منِّي (ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) أبو بكرٍ الصِّدِّيق (٤) ﵄ (فَنَزَعَ) من البئر (ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) دلوًا أو دلوين (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَاسْتَحَالَتْ) أي: الدَّلو في يده (غَرْبًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء، من الصِّغر إلى الكبر (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) بسكون الموحَّدة وفتح القاف، سيِّدًا (مِنَ النَّاسِ يَفْرِي) بفتح أوَّله وسكون الفاء (فَرِيَّهُ) بفتح الفاء وكسر الرَّاء (٥) وتشديد التَّحتيَّة (٦)، أي: لم أرَ سيِّدًا يعمل
стр. 12849
عمله في غاية الإجادة ونهاية الإصلاح (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ) وهو الموضع الذي تُساق إليه الإبل بعد السَّقي للاستراحة، وهذا مثالٌ لما جرى للعمرَين ﵄ في خلافتهما (١)، وانتفاع النَّاس بهما بعده ﷺ ، فكان ﵇ هو صاحب الأمر قام به أكمل قيامٍ، وقرَّر قواعد الإسلام، ومهَّد أساسه، وأوضح أصوله وفروعه، فخلفه أبو بكرٍ ﵁ وقطع دابر أهل الرِّدَّة، فخلفه عمر فاتَّسع الإسلام في زمانه، فشبَّه أمر المسلمين بالقليب لما فيها من الماء الذي به حياتهم، وأميرهم بالمستقي لهم، وليس في قوله: «وفي نزعه ضعفٌ» حطٌّ من مرتبة أبي بكرٍ وترجيحٌ لعمر (٢) عليه، إنَّما هو إخبارٌ عن قصر مدَّة ولايته، وطول مدَّة عمر، وكثرة انتفاع النَّاس به؛ لاتِّساع بلاد الإسلام، وأمَّا قوله: «والله يغفر له» فهي كلمةٌ يدعم بها المتكلِّم كلامه ونعمت الدِّعامة، وليس فيها تنقيصٌ ولا إشارةٌ إلى ذنبٍ، قاله في «الكواكب».
وسبق ذلك وغيره في «المناقب» [خ¦٣٦٦٤] مع غيره، وذكرته هنا لطول العهد به.
٧٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء عامرٍ، أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ (٣) أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ قَالَ) لمن عنده من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته لديَّ (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتكم، قال في «المصابيح»: لم أتحرَّر الرِّواية في لام «فلتؤجروا» هل هي ساكنةٌ أو محرَّكةٌ؟ فإن كانت ساكنةً
стр. 12850
تعيَّن كونها لام الطَّلب، وإن كانت مكسورةً احتمل كونها للطَّلب وكونها حرف جرٍّ، وعلى الأوَّل ففيه دخول الأمر على الفاعل المخاطب وهو قليلٌ، وعلى الثَّاني فيحتمل كون الفاء زائدةً واللَّام متعلِّقةً بالفعل المتقدِّم، ويحتمل كون (١) الفاء زائدةً واللَّام متعلِّقةً بفعلٍ محذوفٍ، أي: اشفعوا، فلأجل أن تؤجروا أمرتكم بذلك. انتهى. قلت: والذي في فرع «اليونينيَّة» ورويته بسكون اللَّام (وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما يشاء» أي: يظهر الله على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدَّره في علمه أنَّه سيكون.
والحديث سبق في «باب قول الله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥]» من «كتاب الأدب» [خ¦٦٠٢٧].
٧٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن موسى الجعفيُّ، أو أبو جعفرٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحافظ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) اللَّهمَّ (ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ) اللَّهمَّ (ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ) ونحو ذلك، فلا يشكَّ في القبول، بل يستيقن وقوع مطلوبٍ به (٢) ولا يعلِّق ذلك بمشيئة الله (وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ) وليجزم بها حُسْن ظنٍّ بكرم (٣) أكرم الكرماء (إِنَّهُ) تعالى (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ) بكسر الرَّاء، تعالى اللهُ عن ذلك (٤) نعم لو (٥) قال: «إن شاء الله (٦)» للتَّبرُّك لا للاستثناء لم يُكرَه.
والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٣٣٩] ومطابقته ظاهرةٌ.
стр. 12851
٧٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن أبي سلمة التِّنِّيسيُّ -بكسر الفوقيَّة والنُّون المشدَّدة- قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ) أي: ابن عبَّاسٍ (تَمَارَى) تنازع وتجادل (هُوَ وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ﵇ (أَهُوَ خَضِرٌ (١)؟ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ) له: (إِنِّي تَمَارَيْتُ) تجادلت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ) موسى (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أبيٌّ (٢): (نَعَمْ إِنِّي (٣) سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (مُوسَى فِي مَلأ بَنِي) ولأبي ذرٍّ: «في ملأ من بني» (إِسْرَائِيلَ) أي: من أشرافهم، أو في (٤) جماعةٍ منهم (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ): يا موسى (هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلم منِّي (فَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة،
стр. 12852
ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فأوحى الله» (إِلَى مُوسَى) ﵇ (بَلَى) بفتح اللَّام كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ (١)) أعلم منك بما أعلمته من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا (٢) لا يعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا (٣) به (فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ) الطَّريق (إِلَى لُقِيِّهِ فَجَعَلَ اللهُ) (لَهُ الحُوتَ) المملوح الميت (آيَةً) علامةً على مكان الخضر ولقيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ) بسكون الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى) يوشع بن نونٍ (لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) أي: الصَّخرة التي رقد عندها موسى، أو التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ الحوت اضطرب ووقع في البحر (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾)؟ (قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ﴾) أي: فَقْد الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه علامةً على وجدان الخضر (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) يقصَّان (﴿قَصَصًا. فَوَجَدَا﴾ [الكهف: ٦٣ - ٦٥] خَضِرًا) ﵇ (فَكَانَ (٤) مِنْ شَأْنِهِمَا) الخضر وموسى (مَا قَصَّ اللهُ) في سورة الكهف، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (٥) بقيَّة الآية: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف: ٨٢].
والحديث سبق في «باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر» [خ¦٧٤] من «كتاب العلم».
стр. 12853
٧٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ.
قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ فيما رواه عنه مذاكرةً: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) في حجَّة الوداع: (نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا) أي: تحالف قريشٌ (عَلَى الكُفْرِ) أي (١): من أنَّهم لا (٢) يناكحوا بني هاشمٍ وبني المطَّلب ولا يبايعوهم ولا يساكنوهم (٣) بمكَّة حتَّى يسلموا إليهم النَّبيَّ ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في الكعبة، قال البخاريُّ: (يُرِيدُ) ﷺ بخيف بني كنانة: (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المشدَّدة المهملتين آخره مُوحَّدةٌ، موضعٌ بين مكَّة ومنًى، والخيف في الأصل ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء.
والحديث سبق في «الحجِّ» في «باب نزول النَّبيِّ ﷺ مكَّة» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٨٩] ومطابقته لا خفاء بها.
٧٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) السَّائب بن فرَّوخ، الشَّاعر المكِّيِّ الأعمى (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁، وفي رواية أبي ذرٍّ عن غير الحَمُّويي والمُستملي: «عن عبد الله بن عَمْرٍو» بفتح العين وسكون الميم، أي: ابن العاص، وصوَّب الأوَّل الدَّارقطنيُّ
стр. 12854
وغيره أنَّه (قَالَ: حَاصَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ) ثمانية عشر يومًا (فَلَمْ يَفْتَحْهَا) وفي «المغازي» [خ¦٤٣٢٥] «فلم يَنَلْ منهم شيئًا» (فَقَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ) أي: راجعون إلى المدينة (إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: نَقْفُلُ) بضمِّ الفاء بعد سكون القاف، أي: نرجع (وَلَمْ نَفْتَحْ) حصنهم؟ (قَالَ) ﷺ : (فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ) بالغين المعجمة، أي: سيروا أوَّل النَّهار لأجل القتال (فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ (١) جِرَاحَاتٌ) لأنَّ أهل الطَّائف رموهم من أعلى السُّور، فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السِّهام إليهم؛ لكونهم أعلى السُّور ولم يُفتَح لهم، فلمَّا رأوا ذلك ظهر لهم تصويب الرُّجوع (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ، فَكَأَنَّ) بتشديد النُّون (ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬).
والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٢٥].
(٣٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٢) تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾) أي: أذن الله تعالى؛ يعني: إلَّا مَن (٣) وقع الإذن للشَّفيع (٤) لأجله، وهي اللَّام الثَّانية في قولك: أذن لزيدٍ لعمرٍو، أي: لأجله (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾) أي: كُشِف الفزع عن قلوب الشَّافعين والمشفوع لهم بكلمةٍ
стр. 12855
يتكلَّم بها ربُّ العزَّة في إطلاق الإذن، والتَّفزيع إزالة الفزع، و ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ لما فُهِم من أنَّ ثَمَّ انتظارًا للإذن، وتوقُّفًا وفزعًا من الرَّاجين للشَّفاعة والشُّفعاء هل يُؤذَن لهم أو لا يُؤذَن لهم؟ كأنَّه قيل: يتربَّصون ويتوقَّفون مليًّا فزعين حتَّى إذا فُزِّع عن قلوبهم (﴿قَالُوا﴾) سأل بعضهم بعضًا (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾) قال: (﴿الْحَقَّ﴾) أي: القول الحقَّ، وهو الإذن بالشَّفاعة لمن ارتضى (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) ذو العلوِّ والكبرياء، ليس لملكٍ ولا نبيٍّ أن يتكلَّم في (١) ذلك اليوم إلَّا بإذنه، وأن يشفع إلَّا لمن ارتضى، وقال في «الفتح»: وأظنُّ البخاريَّ أشار بهذا إلى ترجيح قول من قال: إنَّ الضَّمير في قوله: ﴿عَن قُلُوبِهِمْ﴾ للملائكة، وإنَّ فاعل الشَّفاعة في قوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ هم الملائكة، بدليل قوله بعد وصف الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] بخلاف قول من زعم أنَّ الضَّمير للكفَّار المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠] كما نقله بعض المفسِّرين، وزعم أنَّ المراد بالتَّفزيع حالة مفارقة الحياة، ويكون اتِّباعهم إيَّاه مستصحبًا إلى يوم القيامة على طريق المجاز، والجملة من قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا (٢) … ﴾ إلى آخره [سبأ: ٢٢] معترضةٌ، وحمل هذا القائل على هذا الزَّعم أنَّ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ غايةٌ لابدَّ لها من مغيًّا، فادَّعى أنَّه ما ذكره، وقال بعض المفسِّرين من المعتزلة: المراد بالزَّعم الكفر في قوله: ﴿زَعَمْتُم﴾ أي: تماديتم في الكفر إلى غاية التَّفزيع، ثمَّ تركتم زعمكم وقلتم: قال: ﴿الْحَقَّ﴾ وفيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ويُفهَم من سياق الكلام أنَّ هناك فزعًا ممَّن يرجو الشَّفاعة هل يُؤذَن له في الشَّفاعة أو لا؟ فكأنَّه قال: يتربَّصون زمانًا فزعين حتَّى إذا كُشِف الفزع عن الجميع بكلامٍ يقوله الله في إطلاق الإذن تباشروا بذلك، وسأل بعضهم بعضًا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: القولَ الحقَّ، وهو الإذن في الشَّفاعة لمن ارتضى.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وجميع ذلك مخالفٌ لهذا الحديث الصَّحيح، ولأحاديث كثيرةٍ تؤيِّده، والصَّحيح في إعرابها (٣) ما قاله ابن عطيَّة وهو أنَّ المغيَّا محدودٌ (٤) كأنَّه قيل: ولا هم
стр. 12856
شفعاء كما تزعمون، بل هم عنده ممسكون لأمره إلى أن يزول الفزع عن قلوبهم، والمراد بهم الملائكة، وهو المطابق للأحاديث الواردة في ذلك، فهو المعتمد. وغرض المؤلِّف من ذكر هذه الآية بل من الباب كلِّه: إثبات كلام الله القائم بذاته تعالى، ودليله أنَّه قال: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ (وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ؟) وهذا أوَّل بابٍ ذكره المؤلِّف في مسألة الكلام، وهي مسألةٌ طويلةٌ، وقد تواتر القول -بأنَّه تعالى متكلِّمٌ- عن الأنبياء، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أرباب المِلَل والمذاهب، وإنَّما الخلاف في معنى كلامه وقِدَمه وحدوثه، فعند أهل الحقِّ (١) أنَّ كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف، بل صفةٌ أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته تعالى منافيةٌ للسُّكوت الذي هو ترك التَّكلُّم مع القدرة عليه، والآفة التي هي عدم مطاوعة الآلة، إمَّا بحسب الفطرة كما في الخرس، أو بحسب صفتها وعدم بلوغها حدَّ القوَّة كما في الطُّفوليَّة، هو بها آمرٌ ناهٍ مخبرٌ وغير ذلك، يدلُّ عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة، فإذا عبَّر عنها بالعربيَّة فقرآنٌ وبالسِّريانيَّة فإنجيلٌ، وبالعبرانيَّة فتوراةٌ، والاختلاف على العبارات دون المسمَّى كما إذا ذُكِر الله بألسنةٍ متعدِّدةٍ ولغاتٍ مختلفةٍ، والحاصل أنَّه صفةٌ واحدةٌ تتكثَّر (٢) باختلاف التَّعلُّقات، كالعلم والقدرة وسائر الصِّفات، فإنَّ كلًّا منها واحدةٌ قديمةٌ، والتَّكثُّر والحدوث إنَّما هو في التَّعلُّقات والإضافات لما أنَّ ذلك أليق بكمال التَّوحيد، ولأنَّه لا دليل على تكثُّر كلٍّ منها في نفسها، وقد خالف جميع الفرق، وزعموا أنَّه لا معنى للكلام إلَّا المنتظم من الحروف المسموعة الدَّالَّة على المعاني المقصودة، وأنَّ الكلام النَّفسيَّ غير معقولٍ، ثمَّ قالت الحنابلة والحشويَّة: إنَّ تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتُّب بعضها على بعضٍ، وكون الحرف الثَّاني من كلِّ كلمةٍ مسبوقًا بالحرف المتقدِّم عليه، كانت ثابتةً في الأزل قائمةً بذات الباري -تعالى وتقدَّس- وإنَّ المسموع من أصوات القرَّاء والمرئيَّ من أسطر الكتاب نفس كلام الله، في كلامٍ طويلٍ، وتحقيق الكلام بينهم وبين أهل السُّنَّة يرجع إلى إثبات الكلام النَّفسيِّ ونفيه، وإلَّا فأهل السُّنَّة لا يقولون بقِدَم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث كلامٍ نفسيٍّ، واستدلَّ أهل السُّنَّة على قِدَم كلامه تعالى وكونه نفسيًّا لا حسِّيًّا: بأنَّ المتكلِّم مَن
стр. 12857
قام به الكلام، لا مَن أوجد الكلام ولو في محلٍّ آخر، للقطع بأنَّ موجد الحركة في جسمٍ آخر لا يُسمَّى متحرِّكًا، وأنَّ الله تعالى لا يُسمَّى بخلق الأصوات مصوِّتًا، وأمَّا إذا سمعنا قائلًا يقول: أنا قائمٌ فنسمِّيه متكلِّمًا وإن لم نعلم أنَّه الموجد لهذا الكلام، بل وإن علمنا أنَّ موجده هو الله تعالى كما هو رأي أهل الحقِّ، وحينئذٍ فالكلام القائم بذات الباري تعالى لا يجوز أن يكون هو الحسِّيَّ أعني المنتظم من الحروف المسموعة؛ لأنَّه حادثٌ ضرورة أنَّ له ابتداءً وانتهاءً، وأنَّ الحرف الثَّاني من كلِّ كلمةٍ مسبوقٌ بالأوَّل ومشروطٌ بانقضائه، وأنَّه يمتنع اجتماع أجزائه في الوجود وبقاء شيءٍ منها بعد الحصول، والحادث يمتنع قيامه بذات الباري تعالى، فتعيَّن النَّفسيُّ القديم، وقال البيهقيُّ في «كتاب الاعتقاد»: القرآن كلام الله، وكلام الله صفةٌ من صفات ذاته، وليس شيءٌ من صفات ذاته مخلوقًا ولا محدثًا ولا حادثًا، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣] فخصَّ القرآن بالتَّعليم لأنَّه كلامه وصفته، وخصَّ الإنسان بالتَّخليق لأنَّه خلقه ومصنوعه، ولولا ذلك لقال: خلق القرآن والإنسان، في آياتٍ أوردها دالَّةٍ على ذلك لا نطيل بها.
(وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]) أي: ليس لأحدٍ أن يشفع عنده لأحدٍ إلَّا بإذنه، و ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها استفهامًا فمعناها (١) النَّفي؛ ولذا دخلت «إلَّا» في قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ و ﴿عِنْدَهُ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يَشْفَعُ﴾ أو بمحذوفٍ؛ لكونه [حالًا] (٢) من الضَّمير في ﴿يَشْفَعُ﴾ أي: يشفع مستقرًّا عنده، وقويَ هذا الوجه بأنَّه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريبٌ منه فشفاعة غيره أبعد، وهذا بيانٌ لملكوته وكبريائه، وأنَّ أحدًا لا يتمالك أن يتكلَّم يوم القيامة إلَّا إذا أذن له في الكلام، وفيه ردٌّ لزعم الكفَّار أنَّ الأصنام تشفع لهم.
(وَقَالَ مَسْرُوقٌ) هو ابن الأجدع ممَّا وصله البيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيحٍ وهو (٣) أبو الضُّحى، عن مسروقٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁: (إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا) ولفظ البيهقيِّ وهو عند أحمد:
стр. 12858
«سمع أهل السَّماء صلصلةً كجرِّ السِّلسلة على الصَّفا فيُصعَقون، فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم» (فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ) بالنُّون بعد الكاف الخفيفة: الصَّوت المخلوق لإسماع (١) أهل السَّموات، والأدلَّة ناطقةٌ (٢) بتنزيه الباري جلَّ وعلا عن الصَّوت المستلزم للحدوث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وثبت الصَّوت» بمُثلَّثةٍ فمُوحَّدةٍ ففوقيَّةٍ (عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) بالكاف، وسقطت لغير أبي ذرٍّ (وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾)؟ لأنَّهم سمعوا قولًا ولم يفهموا معناه كما ينبغي لفزعهم (﴿قَالُوا﴾): قال: (﴿الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣]) وفي رواية أحمد: «ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربُّكم؟ (٣) قال (٤): فيقول: الحقَّ» قال: فيُنادون: الحقَّ الحقَّ، قال البيهقيُّ: ورواه أحمد بن أبي سُرَيجٍ (٥) الرَّازي وعليُّ بن إشكاب وعليُّ بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعًا، أخرجه أبو داود في «السُّنن» عنهم، ولفظه مثله إلَّا أنَّه قال: «فيقولون: ماذا قال ربُّك»؟
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله بصيغه التَّمريض، وفي «كتاب العلم» [خ¦٣/ ١٩ - ١٤٢] بصيغة الجزم (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله الأنصاريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون، الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللهُ) (العِبَادَ) يوم القيامة (فَيُنَادِيهِمْ) يقول لهم (بِصَوْتٍ) مخلوقٍ غير قائمٍ بذاته، أو يأمر تعالى مَن ينادي، ففيه مجاز الحذف، وقال البيهقيُّ: الكلام ما ينطق به المتكلِّم وهو مستقرٌّ في نفسه، ومنه قول عمر في حديث السَّقيفة: «وكنت هيَّأت في نفسي كلامًا» فسمَّاه كلامًا قبل التَّكلُّم به، فإن كان المتكلِّم ذا مخارج سُمِع كلامه ذا حروفٍ وأصواتٍ، وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك، والبارئ تعالى ليس بذي مخارج فلا يكون كلامه بحروفٍ وأصواتٍ، فإذا فهمه السَّامع تلاه بحروفٍ وأصواتٍ، وأمَّا حديث ابن أنيسٍ فاختلف الحفَّاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيلٍ لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصَّوت في حديثٍ
стр. 12859
صحيحٍ مرفوعٍ غير حديثه هذا (١)، فإن ثبت رجع إلى حديث ابن مسعودٍ يعني: أنَّ الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون صوت السَّماء، أو الملَك الآتي بالوحي، أو صوت أجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة، أو أنَّ الرَّاوي أراد فينادي نداءً، فعبَّر عنه بقوله: بصوتٍ، قال في «الفتح»: وهذا يلزم منه أنَّ الله لم يُسمِع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامه بل ألهمهم إيَّاه، وحاصل الاحتجاج للنَّفي الرُّجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنَّها التي عُهِد أنَّها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه إذ الصَّوت قد يكون من غير مخارج؛ كما أنَّ الرُّؤية قد تكون من غير اتِّصال أشعَّةٍ كما تقرَّر، سلَّمنا لكن نمنع القياس المذكور، وصفة الخالق لا تُقاس على صفة المخلوقين، وإذا ثبت ذكر الصَّوت بهذه الأحاديث الصَّحيحة وجب الإيمان به ثَمَّ التَّفويض، وأمَّا (٢) التَّأويل وقوله: (يَسْمَعُهُ) أي: الصَّوت (مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ) فيه خرق العادة؛ إذ في سائر الأصوات التَّفاوتُ ظاهرٌ بين القريب والبعيد، وليُعلَم أنَّ المسموع كلام الله كما أنَّ موسى لمَّا كلَّمه الله كان يسمعه من جميع الجهات، ومقول قوله تعالى: (أَنَا المَلِكُ) ذو الملك (أَنَا الدَّيَّانُ) لا مالك إلَّا أنا ولا مُجازيَ إلَّا أنا، وهو من حصر المبتدأ (٣) في الخبر، وقال الحَليميُّ: هو مأخوذٌ من قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو المحاسب المجازي لا يضيع عمل عاملٍ، وقال في «الكواكب»: واختار هذا اللَّفظ؛ لأنَّ فيه إشارةً إلى الصِّفات السَّبعة -الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسَّمع والبصر والكلام- ليمكن المجازاة على الكلِّيَّات والجزئيَّات قولًا وفعلًا.
стр. 12860
٧٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) وعند الطَّبرانيِّ من حديث النَّوَّاس بن سمعان مرفوعًا: «إذا تكلَّم الله بالوحي» (ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) حال كونها (خُضْعَانًا) بضمِّ الخاء وسكون الضَّاد المعجمتين، خاضعين طائعين (لِقَوْلِهِ) جلَّ وعلا: (كَأَنَّهُ) أي: القول المسموع (سِلْسِلَةٌ) صوت سلسلةٍ (عَلَى صَفْوَانٍ) حجرٍ أملس (قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير سفيان بن عيينة: (صَفَوَانٍ) بفتح الفاء مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله كالسُّكون في الأوَّل (يَنْفُذُهُمْ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه بينهما نونٌ ساكنةٌ والذَّال المعجمة (ذَلِكَ) فالاختلاف في فتح فاء «صفوان» وسكونها، وأمَّا «ينفذهم» فغير مختصٍّ بالغير، بل مشتركٌ بين سفيان وغيره، فقد أخرجه ابن أبي حاتمٍ عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة بهذه الزِّيادة، وسقط لغير أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «ينفذهم (١)» (فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ﴾) كُشِف (﴿عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾) قال: (﴿الْحَقَّ﴾) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قالوا: للذي» وللكُشْمِيهَنيِّ: «الذي قال: الحقَّ (٢)» (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]) ذو العلوِّ والكبرياء.
(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ: (وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (بِهَذَا) الحديث، أي: أنَّ سفيان حدَّثه عن عمرٍو بلفظ التَّحديث لا بالعنعنة كما في الطَّريق الأولى (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة أيضًا: (قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن دينارٍ أيضًا (٣): (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) يقول: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ عَلِيٌّ) بن (٤)
стр. 12861
المدينيِّ أيضًا: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (قَالَ) عمرٌو (١): (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ) ومراده أنَّ ابن عيينة كان يسوق السَّند مرَّةً بالعنعنة، ومرَّةً بالتَّحديث والسَّماع، فاستثبته عليُّ بن المدينيِّ عن ذلك فقال: نعم، قال عليٌّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ (أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فُزِّعَ﴾ [سبأ: ٢٣]) بالزَّاي والعين المهملة في الفرع وأصله، وقال ابن حجرٍ: «فُرِّغ» بالرَّاء المهملة والغين المعجمة بوزن القراءة المشهورة، قال: ووقع للأكثر هنا كالقراءة المشهورة، قال: والسِّياق يدلُّ للأوَّل (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو) أي: ابن دينارٍ (فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا) من عكرمة (أَمْ لَا؟) أي: قرأها كذلك من قِبل نفسه بناءً على أنَّها قراءته (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَهْيَ قِرَاءَتُنَا) يريد نفسه ومن تابعه، وظاهره أنَّه أراد قراءة الزَّاي والعين المهملة (٢)، وحُكِي عن الحافظ أبي ذرٍّ أنَّها الصَّواب هنا، قلت: وهي قراءة الحسن، والقائم مقام الفاعل الجارُّ بعده، و «فُعِّل» بالتَّشديد معناها السَّلب هنا نحو قرَّدت البعير، أي: أزلت قراده كذا هذا، أي: أُزِيل (٣) الفزع عنها، قراءة (٤) ابن عامرٍ بفتح الفاء والزَّاي، مبنيًّا للفاعل.
٧٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ
стр. 12862
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا أَذِنَ اللهُ) (لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ) بكسر المعجمة المخفَّفة فيهما، ما استمع لشيءٍ ما استمع (لِلنَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لنبيٍّ» (¬ ﷺ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ) واستماع الله تعالى مجازٌ عن تقريب القارئ وإجزال ثوابه أو قبول قراءته (وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ) أي: لأبي هريرة (يُرِيدُ) بالتَّغنِّي (أَنْ يَجْهَرَ بِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يريد يجهر به» وله عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يريد أن يجهر بالقرآن» قال في «المصابيح»: قال ابن نُباتة في كتاب (١) «مطلع الفوائد ومجمع الفرائد»: وجدت في كتاب «الزَّاهر»: يُقال: تغنَّى الرَّجل، إذا جهر صوته فقط، قال: وهذا نقلٌ غريبٌ لم أجده في أكثر الكتب في اللُّغة، وقال الكِرمانيُّ: فَهِمَ البخاريُّ من الإذن القول لا الاستماع به بدليل أنَّه أدخل هذا الحديث في هذا الباب، كذا قال.
وسبق الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٣].
٧٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَقُولُ اللهُ) يوم القيامة: (يَا آدَمُ، فَيَقُولُ): يا ربَّنا (لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى) بفتح الدَّال مُصحَّحًا عليها بالفرع (٢) وأصله (٣) (بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) بفتح الموحَّدة وسكون العين، أي: مبعوثًا، أي: طائفةً شأنهم أن يُبعَثوا إليها فابعثهم.
والحديث سبق في «تفسير سورة الحجِّ» [خ¦٤٧٤١] بأتمَّ من سياقه هنا.
стр. 12863
٧٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين من غير إضافةٍ، وكان اسمه عبيد الله، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) ﵂ (وَلَقَدْ أَمَرَهُ) أي: أمر النَّبيَّ ﷺ (رَبُّهُ) ﵎، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولقد أمره الله» (أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من الجنَّة» والحديث مرَّ في «المناقب» (١) [خ¦٣٨١٦].
(٣٣) (باب كَلَامِ الرَّبِّ) (مَعَ جِبْرِيلَ) ﵇ (وَنِدَاءِ اللهِ) (المَلَائِكَةَ) ﵈.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن المثنَّى أبو عبيدة -لا معمر بن راشدٍ- في قوله تعالى: (﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] أَيْ: يُلْقَى عَلَيْكَ) مبنيٌّ (٢) للمجهول (وَتَلَقَّاهُ) بفتح الفوقيَّة واللَّام والقاف المشدَّدة (أَنْتَ، أَيْ: تَأْخُذُهُ عَنْهُ (٣)) ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] قالوا: إنَّ جبريل يتلقَّى، أي: يأخذ من الله تلقِّيًا روحانيًّا، ويلقي على محمَّدٍ ﷺ تلقِّيًا جسمانيًّا (وَمِثْلُهُ) قوله تعالى: (﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]) و «تلقَّى»: «تفعَّل» قال القفَّال: أصل التَّلقِّي هو التَّعرُّض للِّقاء، ثمَّ وُضِع في موضع الاستقبال للمتلقِّي، ثمَّ (٤) موضع القبول والأخذ، وكان النَّبيُّ ﷺ يتلقَّى الوحي، أي: يستقبله ويأخذه.
стр. 12864
٧٤٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ) هو ابن منصور بن بهرام الكوسج، قال الحافظ ابن حجرٍ: وتردَّد أبو عليٍّ الجيَّانيُّ بينه وبين إسحاق بن رَاهُوْيَه، وإنَّما جزمت بأنَّه ابن منصورٍ؛ لأنَّ ابن رَاهُوْيَه لا يقول إلَّا «أخبرنا» وهنا قال: «حدَّثنا». انتهى. ورأيت في حاشية الفرع وأصله ما نصُّه: هو ابن رَاهُوْيَه وفوقه حاءٌ ممدودةٌ، فالله أعلم، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ) نصبٌ على المفعوليَّة: (إِنَّ اللهَ) تعالى (قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ) بفتح الهمزة وكسر الحاء المهملة وفتح الموحَّدة مُشدَّدةً (فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي) بكسر الدَّال (جِبْرِيلُ) رفعٌ على الفاعليَّة (فِي السَّمَاءِ) وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤٠] «في أهل السَّماء» (إِنَّ اللهَ) (قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي) قلوب (أَهْلِ الأَرْضِ) فيحبُّونه، فمحبَّة النَّاس علامةٌ على (١) محبَّة الله، ووجه المطابقة ظاهرٌ.
والحديث سبق في «باب ذكر الملائكة» من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٩]، و «باب المِقَة من الله تعالى» من «كتاب الأدب» [خ¦٦٠٤٠].
٧٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ
стр. 12865
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ) يتناوبون في الصُّعود والنُّزول (فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ) لرفع أعمالكم (بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ) لرفع أعمالكم (بِالنَّهَارِ) وقوله: «يتعاقبون» على لغة: «أكلوني البراغيث» (وَيَجْتَمِعُونَ فِي) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ وَ) وقت (صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ) الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ) ربُّهم تعبُّدًا لهم كما تعبَّدهم بكتب أعمالهم (وَهْوَ أَعْلَمُ) زاد أبو ذرٍّ: «بهم من الملائكة» (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ).
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٥٥] مع ما فيه من المباحث، ومطابقته ظاهرةٌ.
٧٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) الأحدب بن حيَّان، بالحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة (عَنِ المَعْرُورِ) بالمهملات بوزن «مفعولٍ» ابن سويدٍ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جنادة ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ) ﵇ وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٣] «عرض لي في جانب الحرَّة» (فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ) من أمَّتي (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) وجواب الشَّرط قوله: (دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ): يا جبريل (وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى) يدخل الجنَّة؟ ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «وإن زنى» بالياء خطًّا بدل الألف (قَالَ) جبريل: (وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وزنى» أي: يدخل الجنَّة.
وسبق الحديث بزيادةٍ ونقصانٍ في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٨] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٨] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٣] قال في «الفتح» وفي مناسبته للتَّرجمة هنا غموضٌ، وكأنَّه (١) من جهة أنَّ جبريل إنَّما يبشِّر النَّبيَّ ﷺ بأمرٍ يتلقَّاه عن (٢) ربِّه تعالى، فكأنَّ الله تعالى قال له: بشِّر محمَّدًا بأنَّ من مات من أمَّته لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، فبشَّره بذلك.
стр. 12866
(٣٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾) أي: أنزله (١)، وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ لإنزاله (٢) إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم (﴿وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]) لك بالنُّبوَّة، قال ابن بطَّالٍ: المراد بالإنزال إفهام العباد معاني الفروض، وليس إنزاله له (٣) كإنزال الأجسام المخلوقة؛ لأنَّ القرآن ليس بجسمٍ ولا مخلوقٍ.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ المفسِّر في قوله تعالى: (﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «من السَّماء» وهذا وصله الفريابيُّ.
٧٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بالحاء والصَّاد المهملتين، سلَّامٌ -بتشديد اللَّام- ابن سُلَيمٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرٌو السَّبيعيُّ (الهَمْدَانِيُّ) بسكون الميم بعدها مهملةٌ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا فُلَانُ) يريد البراء بن عازبٍ (إِذَا أَوَيْتَ) بالقصر (إِلَى فِرَاشِكَ) أي: مضجعك لتنام (فَقُلِ) بعد أن تنام على شقِّك الأيمن: (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي) ذاتي (إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي) أي: قصدي (إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي) أي: رددته (إِلَيْكَ) إذ لا قدرة لي ولا
стр. 12867
تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفع ضرٍّ، فأمري (١) مفوَّضٌ إليك (وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي) أي: أسندته (إِلَيْكَ) كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) خوفًا من عقابك (لَا مَلْجَأَ) بالهمز (٢) واللَّام (وَلَا مَنْجَى) بالنُّون من غير همزٍ (مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) أي: لا ملجأ منك إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (آمَنْتُ) صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك ﷺ ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله (وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذف ضمير المفعول، أي: الذي أرسلته (٣) (فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ فِي) (٤) ولأبي ذرٍّ: «من» (لَيْلَتِكَ مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم ملَّة إبراهيم (وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا) بالجيم السَّاكنة بعد الهمزة، أي: أجرًا عظيمًا فالتَّنكير للتَّعظيم (٥)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «خيرًا» بالخاء المعجمة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ بدل «أجرًا».
والحديث سبق آخر «الوضوء» [خ¦٢٤٧] وفي «الدَّعوات» في «باب استحباب النَّوم على الشِّقِّ الأيمن» [خ¦٦٣١٥].
٧٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الكوفيِّ الحافظ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ) يوم اجتمع قبائل العرب على مقاتلته ﷺ يدعو عليهم: (اللَّهُمَّ) يا (مُنْزِلَ الكِتَابِ) القرآن يَا (سَرِيعَ) زمان (الحِسَابِ) أو سريعًا في الحساب (اهْزِمِ الأَحْزَابَ وَزَلْزِلْ بِهِمْ)
стр. 12868
ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «وزلزلهم» فلا يثبتون عند اللِّقاء بل تطيش عقولهم (زَادَ الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير فقال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ) إسماعيل قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بن أبي أوفى ﵁ قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وغرضه بسياق هذه الزِّيادة التَّصريح في رواية سفيان بالتَّحديث والتَّصريح بالسَّماع في رواية ابن أبي خالدٍ، وبالسَّماع في رواية ابن أبي أوفى، بخلاف رواية قتيبة فإنَّها بالعنعنة.
والحديث سبق في «باب الدُّعاء على المشركين بالهزيمة» من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٩٣٣].
٧٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ بن مسربلٍ الأسديُّ البصريُّ الحافظ أبو الحسن (عَنْ هُشَيْمٍ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابنِ بُشَيرٍ (١)، مُصغَّرًا كأبيه (٢)، أبو معاوية السَّلَمِيِّ حافظ بغداد (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة واسمه إياس البصريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة، الوالبيِّ مولاهم أحد الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَوَارٍ) وفي «تفسير (٣) سورة الإسراء» [خ¦٤٧٢٢]: «مُخْتَفٍ» (بِمَكَّةَ) أي: في أوَّل الإسلام (فَكَانَ إِذَا) صلَّى بأصحابه (٤) (رَفَعَ صَوْتَهُ) بالقرآن (سَمِعَ المُشْرِكُونَ) قراءته (فَسَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ) جبريل (وَمَنْ جَاءَ بِهِ) محمَّدٌ (٥) صلوات الله وسلامه عليه (وَقَالَ اللهُ
стр. 12869
تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فقال الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾» فيه حذف مضافٍ، أي: بقراءة صلاتك (﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾) لا تخفض صوتك (﴿بِهَا﴾) أي: (لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) بقراءتها، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ «﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾» ولأبي ذرٍّ (١) وحده: «﴿لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾» (حَتَّى يَسْمَعَ المُشْرِكُونَ) فيسبُّوا، واستُشكِل بأنَّ القياس أن يُقال: حتَّى لا يسمع المشركون. وأجاب في «الكواكب»: بأنَّه غايةٌ للمنهيِّ لا للنَّهي (﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ) برفع العين (﴿وَابْتَغِ﴾) اطلب (﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]) وسطًا بين الأمرين، لا الإفراط ولا التَّفريط (أَسْمِعْهُمْ وَلَا تَجْهَرْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ القُرْآنَ) قال الحافظ أبو ذرٍّ: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: أسمعهم حتَّى يأخذوا عنك القرآن ولا تجهر، والمراد من الحديث قوله: «أنزلت» والآيات المصرِّحة بلفظ الإنزال والتَّنزيل في القرآن كثيرةٌ، والفرق بينهما في وصف القرآن والملائكة كما قال (٢) الرَّاغب: إنَّ التَّنزيل يختصُّ بالموضع الذي يشير إلى إنزاله متفرِّقًا مرَّةً بعد أخرى، والإنزال أعمُّ من ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] فعبَّر بالإنزال دون التَّنزيل؛ لأنَّ القرآن نزل دفعةً واحدةً إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نزل بعد ذلك شيئًا فشيئًا، ومن الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦] ويؤيِّد التَّفصيل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] فإنَّ المراد بالكتاب الأوَّل القرآن، وبالثَّاني ما عداه، والقرآن نزل نجومًا إلى الأرض بحسب الوقائع؛ بخلاف غيره من الكتب، لكن يَرِدُ على التَّفصيل المذكور قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وأُجيب بأنَّه أطلق ﴿نُزِّلَ﴾ موضع «أَنْزل» قال: ولولا هذا التَّأويل لكان متدافعًا لقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وهذا بناه على القول: بأنَّ ﴿نُزِّلَ﴾ المشدَّد يقتضي التَّفريق، فاحتاج إلى ادِّعاء ما ذُكِر، وإلَّا فقد قال غيره: إنَّ التَّضعيف لا يستلزم حقيقة التَّكثير بل يَرِدُ للتَّعظيم وهو في حكم التَّكثير يعني: فبهذا يندفع الإشكال. انتهى. من «كتاب فتح الباري» (٣) وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ من قوله «﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾» إلى قوله: «لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ».
стр. 12870
وسبق الحديث آخر «سورة الإسراء» [خ¦٤٧٢٢].
(٣٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥]) قال المفسِّرون -واللَّفظ «للمدارك» -: أي: يريدون أن يغيِّروا مواعد (١) الله لأهل الحديبية، وذلك أنَّه وعدهم أن يعوِّضهم من مغانم مكَّة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئًا، وقال ابن بطَّالٍ: أراد البخاريُّ بهذه التَّرجمة وأحاديثها ما أراد في الأبواب قبلها: أنَّ كلام الله صفةٌ قديمةٌ (٢) قائمةٌ به، وأنَّه لم يزل متكلِّمًا ولا يزال، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي يظهر لي أنَّ غرضه أنَّ كلام الله لا يختصُّ بالقرآن، فإنَّه ليس نوعًا واحدًا، وأنَّه وإن كان غير مخلوقٍ وهو صفةٌ قائمةٌ به، فإنَّه يُلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشَّرعيَّة وغيرها من مصالحهم، قال: وأحاديث الباب كالمصرِّحة بهذا المراد.
وقوله تعالى: (﴿لَقَوْلٌ﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ﴾» (﴿فَصْلٌ﴾) أي: (حَقٌّ ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤]) أي: (بِاللَّعِبِ) وهذا مأخوذٌ من قول أبي عبيدة في كتابه «المجاز»: ومن حقِّ القرآن وقد وصفه الله تعالى بهذا أن يكون مهيبًا في الصُّدور، مُعظَّمًا في القلوب، يترفَّع به قارئه وسامعه أن يلمَّ بهزلٍ أو يتفكَّه بمزاحٍ.
٧٤٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) سيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ) أي: بأن (٣) ينسب إليَّ ما لا يليق بجلالي (٤)،
стр. 12871
وهذا من المتشابهات، والله تعالى مُنزَّهٌ عن أن يلحقه أذًى؛ إذ هو محالٌ عليه، فهو من التَّوسُّع في الكلام، والمراد أنَّ من وقع ذلك منه تعرَّض لسخط الله تعالى (يَسُبُّ الدَّهْرَ) اللَّيل والنَّهار، فيقول إذا أصابه مكروهٌ: بؤسًا للدَّهر وتبًّا له، ونحو ذلك (وَأَنَا الدَّهْرُ) أي: خالقه (بِيَدِي الأَمْرُ) الذي ينسبونه إلى الدهر (أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) فإذا سبَّ ابنُ آدمَ الدَّهرَ من أجل أنَّه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ لأنِّي فاعلها، وإنَّما الدَّهر زمانٌ جعلته ظرفًا لمواقع الأمور.
ومطابقته لِمَا ترجم في إثبات إسناد القول إلى الله تعالى، وهو من الأحاديث القدسيَّة.
وسبق في «تفسير سورة الجاثية» [خ¦٤٨٢٦].
٧٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان، كذا للجميع «أبو نُعيمٍ عن الأعمش» إلَّا لأبي عليِّ بن السَّكن، فقال: «حدَّثنا أبو نُعيمٍ: حدثنا سفيان -وهو الثَّوريُّ (١) - حدَّثنا الأعمش» فزاد فيه «الثَّوريُّ» لكن قال أبو عليٍّ الجيَّانيُّ: الصَّواب قول من خالفه من سائر الرُّواة (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقُولُ اللهُ : الصَّوْمُ لِي) خصَّه الله (٢) تعالى به (٣) لأنَّه لم يُعبَد به أحدٌ غيره، بخلاف السُّجود وغيره (وَأَنَا أَجْزِي) صاحبه (بِهِ) وقد عُلِم أنَّ الكريم إذا تولَّى الإعطاء بنفسه كان في ذلك إشارةٌ إلى تعظيم ذلك العطاء، ففيه مضاعفة الجزاء من غير عددٍ ولا حسابٍ (يَدَعُ) يترك الصَّائم (شَهْوَتَهُ) الجماع (٤) (وَ) يدع (أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي) أي: خالصًا (وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ) بضمِّ الجيم وتشديد النُّون: وقايةٌ من النَّار أو المعاصي لأنَّه يكسر الشَّهوة ويضعف القوَّة (وَلِلصَّائِمِ
стр. 12872
فَرْحَتَانِ) يفرحهما: (فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ) حين انتهاء صومه في الدُّنيا (وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ) يوم القيامة (وَلَخُلُوفُ) بفتح اللَّام وضمِّ الخاء المعجمة: رائحة (فَمِ الصَّائِمِ) المتغيِّرة (١) لخلاء معدته من الطَّعام (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ) أي: أذكى عند الله منه؛ إذ إنَّه تعالى لا يُوصَف بالشَّمِّ. نعم هو عالمٌ به كبقيَّة المدركات المحسوسات ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾؟ [الملك: ١٤].
والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٩٠٤] بمباحثه وما فيه، ومطابقته لِمَا تُرجم به في قوله: «يقول الله».
٧٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحافظ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء والميم المشدَّدة، ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَيُّوبُ) ﵇ (يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ) بكسر الرَّاء وسكون الجيم، جماعةٌ كثيرةٌ منه (مِنْ ذَهَبٍ) وسُمِّي جرادًا لأنَّه يجرد الأرض فيأكل ما عليها (فَجَعَلَ) أيُّوب (يَحْثِي) بفتح أوَّله وسكون الحاء المهملة بعدها مُثلَّثةٌ، يأخذ بيده ويرمي (فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاه) فقال له (رَبُّهُ) تعالى: (يَا أَيُّوبُ) كلَّمه كموسى أو بواسطة المَلَك: (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أُغْنِكَ» بضمِّ الهمزة وبعد المعجمة السَّاكنة نونٌ مكسورةٌ فكافٌ (عَمَّا تَرَى) من جراد الذَّهب؟ (قَالَ: بَلَى، يَا رَبِّ) أغنيتني (وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي (٢) عَنْ بَرَكَتِكَ) أي: عن خيرك، و «غنى» بكسر الغين المعجمة مقصورٌ من غير تنوينٍ، و «لا» نافيةٌ للجنس.
وسبق الحديث في «باب من اغتسل عريانًا» من «الطَّهارة» [خ¦٢٧٩].
стр. 12873
٧٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ) بالغين المعجمة المفتوحة والرَّاء المشدَّدة، واسمه سلمان الجهنيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَتَنَزَّلُ) بتحتيَّةٍ ففوقيَّةٍ وتشديد الزَّاي من «باب التَّفعُّل» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ينزل» (رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) أي: ينزل مَلَكٌ بأمره، وتأوَّله ابن حزمٍ (١): بأنَّه فعلٌ يفعله الله في سماء الدُّنيا كالفتح لقبول الدُّعاء، وأنَّ تلك السَّاعة من مظانِّ الإجابة، وهذا معهودٌ (٢) في اللُّغة، يُقال (٣): فلانٌ نزل لي عن حقِّه، بمعنى وهبه لي، لكن في حديث أبي هريرة عند النَّسائيِّ وابن خزيمة في «صحيحه» «إذا ذهب ثلث اللَّيل … » فذكر الحديث وزاد فيه: «فلا يزال بها حتَّى يطلع الفجر، فيقول: هل من داعٍ فيستجاب له؟» وهو من رواية محمَّد بن إسحاق واختُلِف فيه، وفي حديث ابن مسعودٍ عند ابن خزيمة: «فإذا طلع الفجر صعد إلى العرش» وهو من رواية إبراهيم الهجريِّ، وفيه مقالٌ، وفي أحاديث أُخر مُحصَّلها ذكر الصُّعود بعد النُّزول، وكما يُؤوَّل النُّزول فلا مانع من تأويل الصُّعود بما يليق -كما مرَّ- والتَّسليم أسلم، والغرض من الحديث هنا قوله: (فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ) بالنَّصب على جواب الاستفهام، وليست السِّين للطلب بل «أستجيب» بمعنى أجيب (لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ) سؤله؟ (مَنْ) وللأَصيليِّ: «ومن» (يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ذنوبه؟
وسبق الحديث مع مباحثه بـ «التَّهجد» من أواخر «الصَّلاة» [خ¦١١٤٥] وكذا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢١].
стр. 12874
٧٤٩٥ - ٧٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة، ابن أبي حمزة الحافظ أبو بِشْرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبدَ الرَّحمن بن هرمز (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ).
(وَبِهَذَا الإِسْنَادِ) المذكور وهو: «حدَّثنا أبو اليمان … » إلى آخره، قال (١): (قَالَ اللهُ) : (أَنْفِقْ) على عباد الله، و «أَنفِق» بفتح الهمزة وكسر الفاء مجزومٌ على الأمر (أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بضمِّ الهمزة مجزومٌ جوابًا، أي: أعطك خَلَفه، بل أكثر منه أضعافًا مضاعفةً، ويُحكَى ممَّا ذكره في «الكواكب» عن بعض الصُّوفيَّة: أنَّه قد (٢) تصدَّق برغيفين محتاجًا إليهما، فبعث بعض أصحابه إليه سُفْرَةً فيها إدامٌ وثمانية عَشَر رغيفًا، فقال لحاملها: أين الرَّغيفان الآخران؟ قال: كنت محتاجًا فأخذتهما في الطَّريق منها (٣)، فقيل له: بِمَ عرفت أنَّها كانت عشرين؟ قال: من قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: «نحن الآخرون السَّابقون يوم القيامة» ذكره في «الدِّيات» [خ¦٦٨٨٧]. وقوله: «أَنفِق أُنفق عليك» طرفٌ من حديثٍ أورده تامًّا في «تفسير سورة هودٍ» [خ¦٤٦٨٤] والمراد منه هنا نسبة القول إلى الله تعالى في قوله: «أنفق».
٧٤٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، و «حَرْبٍ» بالحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، النَّسائيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح المعجمة، محمَّدٌ
стр. 12875
الضَّبِّيُّ مولاهم الحافظ أبو عبد الرَّحمن (عَنْ عُمَارَةَ) بن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضمِّ الزَّاي وسكون الرَّاء، هرمٍ البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَقَالَ: هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «تأتيك» وسبق في «باب تزويج النَّبيِّ ﷺ خديجة وفضلها» [خ¦٣٨٢٠] من طريق قتيبة بن سعيدٍ عن محمَّد بن فضيلٍ إلى أبي هريرة قال: «أتى جبريلُ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت» (بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ، أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ) بالشَّكِّ، وللأَصيليِّ: «أو شرابٌ» ولأبي ذرٍّ: «أو إناءٌ أو شرابٌ» كذا بالرَّفع في الفرع وأصله (١) شكَّ هل قال: «فيه طعامٌ» أو قال: «إناءٌ» فقط، لم يذكر ما فيه، ويجوز الرَّفع والجرُّ في قوله: «أو شرابٌ» (فَأَقْرِئْهَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد الفاء وأخرى ساكنةٍ بعد الرَّاء (مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ) في الجنَّة (مِنْ قَصَبٍ) «لؤلؤةٍ مُجوَّفةٍ» كما في «المعجم الكبير» للطَّبرانيِّ (لَا صَخَبَ) بالصَّاد المهملة والخاء المعجمة والموحَّدة المفتوحات (٢)، لا صياح (فِيهِ وَلَا نَصَبَ) ولا تعب ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] لأنَّه ﷺ لمَّا دعا النَّاس إلى الإسلام أجابت (٣) من غير منازعةٍ ولا تعبٍ، بل أزالت عنه كلَّ تعبٍ وآنسته من كلِّ وحشةٍ، فناسب أن يكون بيتها في الجنَّة بالصِّفة المقابلة لفعلها، قاله السُّهيليُّ في «الرَّوض» (٤).
وسبق الحديث في الباب المذكور [خ¦٣٨٢٠].
٧٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أبو عبد الله المروزيُّ، نزل البصرة (٥) قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا»
стр. 12876
(مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة المشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (١)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ اللهُ) : (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ) والإضافة للتَّشريف، أي: هيَّأت لهم في الجنَّة (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ) أي: ما رأت العيون كلُّهنَّ ولا عينٌ واحدةٌ، فالعين في سياق النَّفي، فتفيد الاستغراق، ومثله قوله: (وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ).
وسبق الحديث في «سورة السَّجدة» [خ¦٤٧٧٩].
٧٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن أبي مسلمٍ (الأَحْوَلُ) المكِّيُّ (أَنَّ طَاوُسًا) اليمانيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) منوِّرهما (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الذي يقوم بحفظهما (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ) المتحقِّق وجوده (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الذي لا يدخله خُلْفٌ (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) الثَّابت مدلوله اللَّازم (وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ) وللأَصيليِّ: «حقٌّ» بلا ألفٍ ولامٍ، أي: رؤيتك في الآخرة حيث لا مانع (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) أي: كلٌّ منهما موجودٌ (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: قيامها (اللَّهُمَّ؛ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت أمري إليك (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) رجعت (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي: بما آتيتني من البراهين خاصمت من خاصمني من الكفَّار
стр. 12877
(وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من أبى قبول ما أرسلتني به (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «وقولك الحقُّ».
وسبق في «التَّهجُّد» [خ¦١١٢٠] وغيره.
٧٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (النُّمَيْرِيُّ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ) بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة وكسر اللام (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) اللَّيثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ) ابن عتبة بن مسعودٍ، أربعتهم (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ) (مِمَّا قَالُوا) بما أنزل في القرآن (وَكُلٌّ) من الأربعة (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً) قطعةً (مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي) به منه (عَنْ) حديث (عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ) بعد أن ذكرت سفرها معه ﷺ في غزوةٍ غزاها … الحديث بطوله في قصَّة الإفك السَّابقة في غير ما موضعٍ، وقولها: «والله يعلم أنِّي حينئذٍ بريئةٌ وأنَّ الله مبرِّئي ببراءتي» (وَلَكِنْ) (١) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «ولكنِّي» (وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ) ﵎ (يُنْزِلُ) بضمِّ الياء، من أنزل (فِي بَرَاءَتِي) ممَّا نسبه لي أهل الإفك (وَحْيًا يُتْلَى) يُقرَأ (وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ) (فِيَّ) بتشديد الياء (بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ
стр. 12878
بِهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ (١)) في براءتي.
ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «من أن يتكلَّم الله فيَّ بأمرٍ يُتلَى» وسبق الحديث في (٢) غير مرَّةٍ [خ¦٢٦٦١] [خ¦٤١٤١] [خ¦٤٧٥٠].
٧٥٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ قال: (حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللهُ) : (إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى (٣) يَعْمَلَهَا) بفتح الميم (فَإِنْ عَمِلَهَا) بكسرها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا عملها» (فَاكْتُبُوهَا) عليه (بِمِثْلِهَا) من غير تضعيفٍ (وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي) أي: خوفًا منِّي (فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) واحدةً غير مضاعفةٍ، وزاد في رواية ابن عبَّاسٍ في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩١] «كاملةً» (وَإِذَا أَرَادَ) عبدي (أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) زاد ابن عبَّاسٍ: «كاملةً» أي: لا نقص فيها (فَإِنْ عَمِلَهَا) بكسر الميم (فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى سبع مئة ضعفٍ» زاد في الرِّواية المذكورة «إلى أضعافٍ كثيرةٍ» أي: بحسب الزِّيادة في الإخلاص، والغرض من الحديث قوله: «يقول الله».
وسبق نحوه في «باب مَن همَّ بحسنةٍ» [خ¦٦٤٩١] من حديث ابن عبَّاسٍ.
стр. 12879
٧٥٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) وسقط «ابن بلالٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي وكسر الرَّاء المشدَّدة، والذي في «اليونينيَّة» فتحها بعدها دالٌ مهملةٌ، واسمه عبد الرَّحمن بن يسارٍ -بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة- (عَنْ) عمِّه (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خَلَقَ اللهُ) (الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي: أتمَّه وقضاه (قَامَتِ الرَّحِمُ) حقيقةً بأن تجسَّمت (١)، زاد في «تفسير سورة القتال» [خ¦٤٨٣٠] «قامت الرَّحم فأخذت بحقْوِ الرَّحمن» وهو استعارةٌ؛ إذ من عادة المستجير أن يأخذ بذيل المُستَجار به أو بطرف ردائه، وربَّما أخذ بحقو إزاره مبالغةً في الاستجارة (فَقَالَ) تعالى لها: (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، أي: اكففي (قَالَتْ) بلسان الحال أو بلسان القال (٢) وفي حديث عبد الله بن عمرٍو وعند أحمد «أنَّها تكلَّم بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ» وللأَصيليِّ: «فقالت»: (هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) أي: قيامي هذا قيام المستجير (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ فَقَالَ) جلَّ وعلا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قال»: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّف عليه (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أتعطَّف عليه؟ (قَالَتْ: بَلَى) رضيت (يَا رَبِّ، قَالَ) تعالى: (فَذَلِكِ لَكِ) بكسر الكاف فيهما (ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) وفي «الأدب» [خ¦٥٩٨٧] قال رسول الله ﷺ : «فاقرؤوا ما شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾» (﴿إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).
وهذا (٣) الحديث سبق في «تفسير سورة القتال» [خ¦٤٨٣٠] وفي «كتاب الأدب» [خ¦٥٩٨٧].
стр. 12880
٧٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الميم وكسر الطَّاء، أي: حصل المطر بدعائه ﷺ (فَقَالَ) ﵊: (قَالَ اللهُ) : (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي) وهو من قال: مُطِرنا بنوء كذا (وَمُؤْمِنٌ بِي) وهو من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته كما وقع مبيَّنًا في الحديث الآخر السَّابق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٨] ومطابقته هنا ظاهرةٌ.
٧٥٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) : (إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي) أي: الموت، وقال ابن الأثير: المراد باللِّقاء المصير إلى الدَّار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس المراد به الموت؛ لأنَّ كلًّا يكرهه، فَمن ترك الدُّنيا وأبغضها أحبَّ لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله (أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) أي: إرادة الخير له والإنعام عليه (وَإِذَا كَرِهَ) عبدي (لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ) فيه: أنَّ محبة لقاء الله لا تدخل في النَّهي عن تمنِّي الموت؛ لأنَّها ممكنةٌ مع عدم تمنِّيه؛ لأنَّ النَّهي محمولٌ على حال الحياة المستمرَّة، أمَّا عند المعاينة والاحتضار فلا تدخل تحت النَّهي، بل هي مستحبَّةٌ.
وسبقت مباحث الحديث في «باب من أحبَّ لقاء الله» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٧] (١).
стр. 12881
٧٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي (١): ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) : (أَنَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٢): «لَأنا» (عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) إن ظنَّ خيرًا فله، أو غيره فله.
وسبق في «بابِ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]» [خ¦٧٤٠٥] من «كتاب التَّوحيد».
٧٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (٣) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ (٤) رَجُلٌ) كان نبَّاشًا في بني إسرائيل (لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ) لأهله أو لبَنِيْه: (فَإِذَا) ولأبي ذرٍّ: «إذا» (مَاتَ) كان مقتضى السِّياق أن يقول: إذا متُّ، لكنَّه على طريق الالتفات (فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا) بالذَّال المعجمة (نِصْفَهُ فِي البَرِّ وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ) بتخفيف الدَّال، أي: ضيَّق الله (عَلَيْهِ) كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق عليه، وليس شكًّا في القدرة على إحيائه (لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ) زاد في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨١]: «فلمَّا مات فُعِل به ذلك» (فَأَمَرَ اللهُ) (البَحْرَ فَجَمَعَ) بالفاء ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ليجمع» (مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ) وزاد أيضًا «فإذا هو قائمٌ» أي: بين يدي الله تعالى (ثُمَّ قَالَ) تعالى له: (لِمَ فَعَلْتَ) هذا؟ (قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ) يا ربِّ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) جملةٌ حاليَّةٌ أو معترضةٌ (فَغَفَرَ لَهُ).
стр. 12882
وسبق الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨١].
٧٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحصين بن جابرٍ، السَِّرْماريُّ -بفتح السِّين المهملة الأولى (١) وكسرها وسكون الرَّاء- الكلَّابيُّ (٢) نسبةً إلى سرمارة قريةٍ من قرى بخارى، قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الكلاباذي البصريُّ، حدَّث عنه البخاريُّ بلا واسطةٍ في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٧٥] وغيره (٣) قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريُّ التَّابعيُّ المشهور قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، التَّابعيَّ الجليل المدنيَّ، واسم أبيه كنيته، وهو أنصاريٌّ صحابيٌّ، وقيل: إنَّ لعبد الرَّحمن (٤) رؤيةً (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا-) بالشَّكِّ (فَقَالَ): يا (رَبِّ أَذْنَبْتُ) ذنبًا (٥) (وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ) أي: ذنبًا (فَاغْفِرْ) ذنبي، ولأبي ذرٍّ: «فاغفره» وللكشميهنيِّ: «فاغفر لي» (فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي) بهمزة الاستفهام والفعل الماضي، وللأَصيليِّ: «علم» بحذف الهمزة (أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أي: يعاقب
стр. 12883
عليه، وللأَصيليِّ: «يغفر الذُّنوب ويأخذ بها» (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) ذنبه، أو قال (١): ذنوبه (ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ) من الزَّمان (ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا) آخر، وفي رواية حمَّادٍ عند مسلمٍ: «ثمَّ عاد فأذنب» (أَوْ) قال: (أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ): يا (رَبِّ أَذْنَبْتُ -أَوْ) قال: (أَصَبْتُ-) ذنبًا (آخَرَ فَاغْفِرْهُ) لي، وللأَصيليِّ: «فاغفر لي» (فَقَالَ) ربُّه: (أَعَلِمَ) وللأَصيليِّ: «علم» (عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ) ويعاقب فاعله عليه؟ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ) من الزَّمان (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) آخر (-وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا- قَالَ) (٢): يا (رَبِّ أَصَبْتُ، أَوْ قَالَ) سقط لفظ «قال» لغير أبي ذرٍّ: (أَذْنَبْتُ) ذنبًا (آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي) كذا بالشَّكِّ في هذه المواضع المذكورة كلِّها في هذا الحديث من هذا الوجه، ورواه حمَّاد بن سلمة عن إسحاق عند مسلمٍ بلفظ: «عن النَّبيِّ ﷺ فيما يروي عن ربِّه قال: أذنب عبدي ذنبًا» ولم يشكَّ، وكذا في بقيَّة المواضع (فَقَالَ) ربُّه (٣): (أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي -ثَلَاثًا-) أي: الذُّنوب الثَّلاثة، وسقط لفظ «ثلاثًا» لأبي ذرٍّ كقوله: (فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) إذا كان هذا دأبه يذنب الذَّنب فيتوب منه ويستغفر، لا أنَّه يذنب الذَّنب ثمَّ يعود إليه، فإنَّ هذه توبة الكذَّابين، ويدلُّ له قوله: «أصاب ذنبًا آخر» كذا قرَّره المنذريُّ، وقال أبو العبَّاس في «المفهم»: هذا الحديث يدلُّ على عظم فائدة الاستغفار، وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكنَّ هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في القلب مقارنًا للِّسان؛ لتنحلَّ به عقدة الإصرار ويحصل مع النَّدم، ويشهد له حديث: «خياركم كل مُفتَنٍ توَّابٍ» أي: الذي يتكرَّر منه الذَّنب والتَّوبة، فكلَّما وقع في ذنبٍ عاد إلى التَّوبة، لا من قال: أستغفر الله، بلسانه، وقلبُه مُصِرٌّ على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفارٍ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن أبي الدُّنيا مرفوعًا: «التَّائب من الذَّنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذَّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربِّه» لكنَّ الرَّاجح أنَّ قوله: «والمستغفر … » إلى آخره موقوفٌ، وقال ابن بطَّالٍ في هذا الحديث: إنَّ المصرَّ على المعصية في مشيئة الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له مغلِّبًا لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقاد أنَّ له ربًّا خالقًا يعذِّبهُ ويغفر له، واستغفاره إيَّاه على ذلك
стр. 12884
يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التَّوحيد، فإن قيل: إنَّ استغفاره ربَّه توبةٌ منه قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلبها المصرُّ والتَّائب، ولا دليل (١) في الحديث على أنَّه تاب ممَّا سأل الغفران عنه؛ لأنَّ حدَّ التَّوبة الرُّجوع عن الذَّنب والعزم ألَّا يعود إليه والإقلاع عنه، والاستغفار بمجرَّده لا يُفهَم منه ذلك، وقال السُّبكيُّ في «الحلبيَّات»: الاستغفار طلب المغفرة إمَّا باللِّسان أو بالقلب أو بهما، فالأوَّل: فيه نفعٌ لأنَّه خيرٌ من السُّكوت، ولأنَّه يعتاد قول الخير، والثَّاني: نافعٌ جدًّا، والثَّالث: أبلغ منه، لكن لا يمحِّصان الذَّنب حتَّى توجد التَّوبة منه (٢)، فإنَّ العاصي المصرَّ يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التَّوبة إلى أن قال: والذي ذكرته من أنَّ معنى الاستغفار غير معنى التَّوبة هو بحسب وضع اللَّفظ، لكنَّه غلب عند كثيرٍ من النَّاس أنَّ لفظ «أستغفر الله» معناه التَّوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التَّوبة لا محالة، ثمَّ قال: وذكر بعضهم أنَّ التَّوبة لا تتمُّ إلَّا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] والمشهور أنَّه لا يُشتَرط، وقال بعضهم: يكفي في التَّوبة تحقُّق النَّدم على وقوعه منه، فإنَّه يستلزم الإقلاع عنه والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن النَّدم لا أصلان معه، ومن ثمَّ جاء (٣) الحديث: «النَّدم توبةٌ» وهو حديثٌ حسنٌ من حديث ابن مسعودٍ، أخرجه ابن ماجه وصحَّحه الحاكم، وأخرجه ابن حبَّان من حديث أنسٍ وصحَّحه (٤). انتهى. ملخَّصًا من «فتح الباري».
وسقط للأَصيليِّ «فقال: أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا» الثَّالثة إلى آخر الحديث، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فقال (٥) ربُّه» وفي قوله: فقال: «أَعَلِمَ عبدي؟».
وأخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
стр. 12885
٧٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميَّ البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (فِيمَنْ سَلَفَ) في جملتهم (أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: في بني إسرائيل، والشَّكُّ من الرَّاوي، وللأَصيليِّ: «قبلهم» «بالهاء» بدل: «الكاف» (قَالَ) ﵊: (كَلِمَةً يَعْنِي) معنى الكلمة: (أَعْطَاهُ اللهُ) وسبق في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨]: «رَغَسَه اللهُ» وهو معنى «أعطاه الله» (مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ (١)) أي: حضرته الوفاة، ولأبي ذرٍّ: «فلمَّا حضره الوفاة» (قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ) قال أبو البقاء: هو بنصب «أيٍّ» على أنَّه خبر «كنت» وجاز تقديمه لكونه استفهامًا، ويجوز الرَّفع، قلت: وهو الذي في الفرع وصُحِّح عليه، و «خير أبٍ» قال أبو البقاء: الأجود فيه النَّصب على تقدير: كنتَ خيرَ أبٍ، فيوافق (٢) ما هو جوابٌ