٧٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي (١): ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) : (أَنَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٢): «لَأنا» (عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) إن ظنَّ خيرًا فله، أو غيره فله.
وسبق في «بابِ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]» [خ¦٧٤٠٥] من «كتاب التَّوحيد».
٧٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (٣) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ (٤) رَجُلٌ) كان نبَّاشًا في بني إسرائيل (لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ) لأهله أو لبَنِيْه: (فَإِذَا) ولأبي ذرٍّ: «إذا» (مَاتَ) كان مقتضى السِّياق أن يقول: إذا متُّ، لكنَّه على طريق الالتفات (فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا) بالذَّال المعجمة (نِصْفَهُ فِي البَرِّ وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ) بتخفيف الدَّال، أي: ضيَّق الله (عَلَيْهِ) كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق عليه، وليس شكًّا في القدرة على إحيائه (لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ) زاد في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨١]: «فلمَّا مات فُعِل به ذلك» (فَأَمَرَ اللهُ) (البَحْرَ فَجَمَعَ) بالفاء ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ليجمع» (مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ) وزاد أيضًا «فإذا هو قائمٌ» أي: بين يدي الله تعالى (ثُمَّ قَالَ) تعالى له: (لِمَ فَعَلْتَ) هذا؟ (قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ) يا ربِّ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) جملةٌ حاليَّةٌ أو معترضةٌ (فَغَفَرَ لَهُ).
стр. 12882
وسبق الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨١].
٧٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحصين بن جابرٍ، السَِّرْماريُّ -بفتح السِّين المهملة الأولى (١) وكسرها وسكون الرَّاء- الكلَّابيُّ (٢) نسبةً إلى سرمارة قريةٍ من قرى بخارى، قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الكلاباذي البصريُّ، حدَّث عنه البخاريُّ بلا واسطةٍ في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٧٥] وغيره (٣) قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة الأنصاريُّ التَّابعيُّ المشهور قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، التَّابعيَّ الجليل المدنيَّ، واسم أبيه كنيته، وهو أنصاريٌّ صحابيٌّ، وقيل: إنَّ لعبد الرَّحمن (٤) رؤيةً (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا-) بالشَّكِّ (فَقَالَ): يا (رَبِّ أَذْنَبْتُ) ذنبًا (٥) (وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ) أي: ذنبًا (فَاغْفِرْ) ذنبي، ولأبي ذرٍّ: «فاغفره» وللكشميهنيِّ: «فاغفر لي» (فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي) بهمزة الاستفهام والفعل الماضي، وللأَصيليِّ: «علم» بحذف الهمزة (أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟) أي: يعاقب
стр. 12883
عليه، وللأَصيليِّ: «يغفر الذُّنوب ويأخذ بها» (غَفَرْتُ لِعَبْدِي) ذنبه، أو قال (١): ذنوبه (ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ) من الزَّمان (ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا) آخر، وفي رواية حمَّادٍ عند مسلمٍ: «ثمَّ عاد فأذنب» (أَوْ) قال: (أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ): يا (رَبِّ أَذْنَبْتُ -أَوْ) قال: (أَصَبْتُ-) ذنبًا (آخَرَ فَاغْفِرْهُ) لي، وللأَصيليِّ: «فاغفر لي» (فَقَالَ) ربُّه: (أَعَلِمَ) وللأَصيليِّ: «علم» (عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ) ويعاقب فاعله عليه؟ (غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ) من الزَّمان (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) آخر (-وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا- قَالَ) (٢): يا (رَبِّ أَصَبْتُ، أَوْ قَالَ) سقط لفظ «قال» لغير أبي ذرٍّ: (أَذْنَبْتُ) ذنبًا (آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي) كذا بالشَّكِّ في هذه المواضع المذكورة كلِّها في هذا الحديث من هذا الوجه، ورواه حمَّاد بن سلمة عن إسحاق عند مسلمٍ بلفظ: «عن النَّبيِّ ﷺ فيما يروي عن ربِّه قال: أذنب عبدي ذنبًا» ولم يشكَّ، وكذا في بقيَّة المواضع (فَقَالَ) ربُّه (٣): (أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي -ثَلَاثًا-) أي: الذُّنوب الثَّلاثة، وسقط لفظ «ثلاثًا» لأبي ذرٍّ كقوله: (فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) إذا كان هذا دأبه يذنب الذَّنب فيتوب منه ويستغفر، لا أنَّه يذنب الذَّنب ثمَّ يعود إليه، فإنَّ هذه توبة الكذَّابين، ويدلُّ له قوله: «أصاب ذنبًا آخر» كذا قرَّره المنذريُّ، وقال أبو العبَّاس في «المفهم»: هذا الحديث يدلُّ على عظم فائدة الاستغفار، وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكنَّ هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في القلب مقارنًا للِّسان؛ لتنحلَّ به عقدة الإصرار ويحصل مع النَّدم، ويشهد له حديث: «خياركم كل مُفتَنٍ توَّابٍ» أي: الذي يتكرَّر منه الذَّنب والتَّوبة، فكلَّما وقع في ذنبٍ عاد إلى التَّوبة، لا من قال: أستغفر الله، بلسانه، وقلبُه مُصِرٌّ على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفارٍ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند ابن أبي الدُّنيا مرفوعًا: «التَّائب من الذَّنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذَّنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربِّه» لكنَّ الرَّاجح أنَّ قوله: «والمستغفر … » إلى آخره موقوفٌ، وقال ابن بطَّالٍ في هذا الحديث: إنَّ المصرَّ على المعصية في مشيئة الله إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له مغلِّبًا لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقاد أنَّ له ربًّا خالقًا يعذِّبهُ ويغفر له، واستغفاره إيَّاه على ذلك
стр. 12884
يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التَّوحيد، فإن قيل: إنَّ استغفاره ربَّه توبةٌ منه قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلبها المصرُّ والتَّائب، ولا دليل (١) في الحديث على أنَّه تاب ممَّا سأل الغفران عنه؛ لأنَّ حدَّ التَّوبة الرُّجوع عن الذَّنب والعزم ألَّا يعود إليه والإقلاع عنه، والاستغفار بمجرَّده لا يُفهَم منه ذلك، وقال السُّبكيُّ في «الحلبيَّات»: الاستغفار طلب المغفرة إمَّا باللِّسان أو بالقلب أو بهما، فالأوَّل: فيه نفعٌ لأنَّه خيرٌ من السُّكوت، ولأنَّه يعتاد قول الخير، والثَّاني: نافعٌ جدًّا، والثَّالث: أبلغ منه، لكن لا يمحِّصان الذَّنب حتَّى توجد التَّوبة منه (٢)، فإنَّ العاصي المصرَّ يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التَّوبة إلى أن قال: والذي ذكرته من أنَّ معنى الاستغفار غير معنى التَّوبة هو بحسب وضع اللَّفظ، لكنَّه غلب عند كثيرٍ من النَّاس أنَّ لفظ «أستغفر الله» معناه التَّوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التَّوبة لا محالة، ثمَّ قال: وذكر بعضهم أنَّ التَّوبة لا تتمُّ إلَّا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] والمشهور أنَّه لا يُشتَرط، وقال بعضهم: يكفي في التَّوبة تحقُّق النَّدم على وقوعه منه، فإنَّه يستلزم الإقلاع عنه والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن النَّدم لا أصلان معه، ومن ثمَّ جاء (٣) الحديث: «النَّدم توبةٌ» وهو حديثٌ حسنٌ من حديث ابن مسعودٍ، أخرجه ابن ماجه وصحَّحه الحاكم، وأخرجه ابن حبَّان من حديث أنسٍ وصحَّحه (٤). انتهى. ملخَّصًا من «فتح الباري».
وسقط للأَصيليِّ «فقال: أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا» الثَّالثة إلى آخر الحديث، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فقال (٥) ربُّه» وفي قوله: فقال: «أَعَلِمَ عبدي؟».
وأخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
стр. 12885
٧٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميَّ البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (فِيمَنْ سَلَفَ) في جملتهم (أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: في بني إسرائيل، والشَّكُّ من الرَّاوي، وللأَصيليِّ: «قبلهم» «بالهاء» بدل: «الكاف» (قَالَ) ﵊: (كَلِمَةً يَعْنِي) معنى الكلمة: (أَعْطَاهُ اللهُ) وسبق في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨]: «رَغَسَه اللهُ» وهو معنى «أعطاه الله» (مَالًا وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ (١)) أي: حضرته الوفاة، ولأبي ذرٍّ: «فلمَّا حضره الوفاة» (قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ) قال أبو البقاء: هو بنصب «أيٍّ» على أنَّه خبر «كنت» وجاز تقديمه لكونه استفهامًا، ويجوز الرَّفع، قلت: وهو الذي في الفرع وصُحِّح عليه، و «خير أبٍ» قال أبو البقاء: الأجود فيه النَّصب على تقدير: كنتَ خيرَ أبٍ، فيوافق (٢) ما هو جوابٌ
стр. 12886
عنه، ويجوز الرَّفع بتقدير: أنت خيرُ أبٍ (قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الموحَّدة وفتح الفوقيَّة بعدها همزةٌ مكسورةٌ فراءٌ مهملةٌ، قال في «المصابيح» (١): وهو المعروف في اللُّغة (أَوْ) قال: (لَمْ يَبْتَئِزْ) «بالزَّاي المعجمة» بدل: «الرَّاء المهملة»، وقال في «المطالع»: وقع للبخاريِّ في «كتاب التَّوحيد» على الشَّكِّ في الرَّاء والزَّاي، وفي بعضها: «لم (٢) يأتبر» أي: لم يقدِّم (عِنْدَ اللهِ خَيْرًا) ليس المراد نفي كلِّ خيرٍ على العموم، بل نفي ما عدا التَّوحيد ولذلك غُفِر له، وإلَّا فلو كان التَّوحيد منتفيًا أيضًا لتحتَّم عقابه سمعًا ولم يُغفَر له (وَإِنْ يَقْدِرِ اللهُ) يضيِّق الله (عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ) بالجزم، وسقط «عليه» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطعٍ (٣) (حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي -أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي-) بالكاف بدل القاف وهما بمعنًى والشَّكُّ من الرَّاوي (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِي فِيهَا) بهمزة قطعٍ وبإسقاطها في «اليونينيَّة» وبمعجمةٍ، يُقال: ذرى الرِّيحُ الشَّيءَ وأذرته: أطارته وأذهبته (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي) قَسَمٌ من المخبر بذلك عنهم تأكيدًا لصدقه، وإن كان محقَّق الصِّدق صادقًا قطعًا (فَفَعَلُوا) ما قال لهم، وأخذ عليهم مواثيقهم بعد موته من الإحراق والسَّحق (ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) ريحُه (فَقَالَ اللهُ له (٤): (كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ) زاد أبو عَوانة في «صحيحه»: «في أسرع من طرفة العين» (قَالَ اللهُ) له: (أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أَوْ فَرَقٌ) وللأَصيليِّ: «مخافتَك (٥) أو فَرَقًا» بالنَّصب فيهما (مِنْكَ) بفتح الفاء والرَّاء، والشَّكُّ من الرَّاوي، ومعناهما واحدٌ، و «مخافتك» ومعطوفه رفعٌ، قال البدر الدَّمامينيُّ: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الحامل (٦) لي مخافتك، أو فَرَقٌ منك، فإن قلت: هلَّا جعلته فاعلًا بفعلٍ مُقدَّرٍ، أي: حملني على ذلك مخافتك أو فَرَقٌ منك؟ قلت: يمتنع (٧) لوجهين:
стр. 12887
أحدهما: أنَّه إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلًا والباقي فاعلًا، وكونه مبتدأً والباقي خبرًا؛ فالثَّاني أولى؛ لأنَّ المبتدأ عين الخبر، فالمحذوف عين الثَّابت، فيكون حذفًا كَلَا حذفٍ، وأمَّا الفعل فإنَّه غير الفاعل.
الوجه الثَّاني: أنَّ التَّشاكل بين جملتي السُّؤال والجواب مطلوبٌ، ولا خفاء بأنَّ قوله: «ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟» جملةٌ اسميَّةٌ، فليكن جوابها كذلك؛ لمكان المناسبة، ولك على هذا أن تجعل «مخافتك» مبتدأً والخبر محذوفٌ، أي: حَمَلَتْنِي (١). انتهى.
(قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ) بالفاء (أَنْ) بفتح الهمزة، أي: بأن (رَحِمَهُ عِنْدَهَا) قال في «الكواكب»: مفهومه عكس المقصود، ثمَّ أجاب بأنَّ «ما» موصولةٌ، أي: الذي تلافاه هو الرَّحمة، أو نافيةٌ وكلمة الاستنثاء محذوفةٌ عند من جوَّز حذفها، قال البدر الدَّمامينيُّ: وهو رأي السُّهيليِّ، والمعنى فما تلافاه إلَّا برحمته، ويؤيِّد هذا قوله: (وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) قال سليمان التَّيميُّ: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) بهذا الحديث (أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديَّ (فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا) الحديث (مِنْ سَلْمَانَ) الفارسيِّ الصَّحابيِّ كما رويته (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: أَذرُونِي (٢) فِي البَحْرِ) أي: ذروه في يوم عاصف في البحر (أَوْ كَمَا حَدَّثَ).
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان (وَقَالَ) في روايته: (لَمْ يَبْتَئِرْ) بالرَّاء المهملة. (وَقَالَ خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ الشَّيخ المصنِّف: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) المذكور (وَقَالَ: لَمْ يَبْتَئِزْ) بالزَّاي المعجمة (فَسَّرَهُ قَتَادَةُ) بن دعامة: (لَمْ يَدَّخِرْ) خرَّجه الإسماعيليُّ، قال في «المصابيح»: قال السَّفاقسيُّ: وعند المعتزلة أنَّ هذا الرَّجل إنَّما غُفِر له من أجل توبته التي تابها؛ لأنَّ قبول التَّوبة واجبٌ عقلًا، والأشعريُّ: قطع بها سمعًا، وغيره: جوَّز القبول كسائر الطَّاعات، وقال ابن المنيِّر: قبول التَّوبة عند المعتزلة واجبٌ على الله تعالى عقلًا، وعندنا واجبٌ بحكم الوعد والتَّفضُّل والإحسان، لنا وجوهٌ:
الأوَّل: الوجوب لا يتقرَّر (٣) معناه إلَّا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل استحقَّ الذَّمَّ، فلو
стр. 12888
وجب القبول على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبل لصار مستحقًّا للذَّمِّ، وهو محالٌ؛ لأنَّ من كان كذلك فإنَّه يكون مستكملًا بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقصٌ لذاته، وذلك في حقِّ الله تعالى محالٌ.
الثَّاني: أنَّ الذَّمَّ إنَّما يمنع من الفعل من كان يتأذَّى بسماعه، وينفر عنه طبعه، ويظهر له (١) بسببه نقصان حالٍ، أمَّا من كان متعاليًا عن الشَّهوة والنُّفرة والزِّيادة والنُّقصان لم يُعقَل تحقُّق الوجوب في حقِّه بهذا المعنى.
الثَّالث: أنَّه تعالى تمدَّح بقبول التَّوبة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] ولو كان ذلك واجبًا لما تمدَّح به؛ لأنَّ أداء الواجب لا يفيد المدح والثَّناء والتَّعظيم، قال بعض المفسِّرين: قبول التَّوبة من الكفر يُقطَع به على الله تعالى إجماعًا، وهذه نازلة (٢) هذه الآية، وأمَّا المعاصي فيُقطَع بأنَّ الله تعالى يقبل التَّوبة منها من طائفةٍ من الأمَّة، واختُلِف (٣) هل يقبل توبة الجميع؟ وأمَّا إذا عُيِّن إنسانٌ تائبٌ فيُرجَى (٤) قبول توبته ولا يُقطَع به على الله تعالى، وأمَّا إذا فرضنا تائبًا غير مُعيَّنٍ صحيح التَّوبة فقيل: يُقطَع على الله بقبول توبته، وعليه طائفة، فيها (٥) الفقهاء والمحدِّثون؛ لأنَّه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن يقبل توبة جميع التَّائبين، وذهب أبو المعالي وغيره إلى أنَّ ذلك (٦) لا يُقطَع به على الله بل يقوى في الرَّجاء، والقول الأوَّل أرجح، ولا فرق بين التَّوبة من الكفر والتَّوبة من المعاصي بدليل أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، والتَّوبة تجبُّ ما قبلها. انتهى.
والحديث سبق في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨١].
стр. 12889
(٣٦) (بابُ كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ).
٧٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هو يوسف بن موسى بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ، نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) اليربوعيُّ روى عنه المصنِّف بغير واسطةٍ في «الوضوء» [خ¦١٩٧] وغيره [خ¦٢٦] [خ¦٦٢١] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتَّحتيَّة المشدَّدة والمعجمة القارئ راوي عاصمٍ أحد القرَّاء (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، الطَّويل أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ شُفِّعْتُ) بضمِّ المعجمة وكسر الفاء المشدَّدة، من التَّشفيع وهو تفويض الشَّفاعة إليه والقبول منه، قاله في «الكواكب»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «شَفَعْتُ (١)» بفتح المعجمة والفاء مع التَّخفيف (٢) (فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلِ الجَنَّةَ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة، من الإدخال (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ) من إيمانٍ، وفي الرِّواية الآتية بعد هذه [خ¦٧٥١٠] إنَّ الله تعالى هو الذي يقول له ذلك، وهو المعروف في سائر الأخبار (فَيَدْخُلُونَ) الجنَّة (ثُمَّ أَقُولُ) بالهمزة (٣): يا ربِّ (أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ) من إيمان، وهو التَّصديق الذي لا بدَّ منه (فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حيث يقلِّله عند قوله: «أدنى شيءٍ» ويشير إلى رأس أصبعه بالقلَّة، وقال (٤) في «الفتح»: كأنَّه يضمُّ أصابعه ويشير بها، وقال الدَّاوديُّ: قوله: «ثمَّ أقول» خلاف سائر الرِّوايات، فإنَّ فيها أنَّ الله أمره أن يُخرِج، وتعقَّبه في «الفتح» فقال: فيه
стр. 12890
نظرٌ، والموجود عند أكثر الرُّواة: «ثمَّ أقول» بالهمز، والذي أظنُّ أنَّ البخاريَّ أشار إلى ما في بعض طرقه كعادته، ففي «مُستَخرج أبي نُعَيمٍ» من طريق أبي عاصمٍ أحمد بن جَوَّاسٍ -بفتح الجيم وتشديد الواو آخره سينٌ مهملةٌ- عن أبي بكر بن عيَّاشٍ: أشفع يوم القيامة فيُقال لي: لك من في قلبه شعيرةٌ، ولك من في قلبه خردلةٌ (١)، ولك من في قلبه شيءٌ، فهذا من كلام الرَّبِّ مع النَّبيِّ ﷺ قال: ويمكن التَّوفيق بينهما بأنَّه ﷺ يسأل ذلك أوَّلًا، فيُجاب إلى ذلك ثانيًا، فوقع في إحدى الرِّوايتين ذكر السُّؤال، وفي البقيَّة ذكر الإجابة.
стр. 12891
٧٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء، الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمام أبو إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ) بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (العَنَزِيُّ) بفتح العين المهملة وكسر الزَّاي (قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ) بيانٌ لقوله: «اجتمعنا» وهو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اجتمعنا نحن ناسٌ (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ) أي: ليس فيهم أحدٌ من غير أهلها (فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَذَهَبْنَا مَعَنَا) بفتح العين (بِثَابِتٍ إِلَيْهِ) إلى أنسٍ (يَسْأَلُهُ) و «ثابتٌ» بالمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بثابتٍ البُنانيِّ» نسبةً إلى بُنَانة -بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّون- أَمَةٌ لسعد بن لؤيٍّ كانت تحضنه، أو زوجته ونُسِب إليها، أو لأنَّه كان ينزل سكَّة (١) بُنانة بالبصرة، قال السَّفاقسيُّ: فيه تقديم الرَّجل الذي هو من خاصَّة العالم ليسأله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فسأله» أي: ثابتٌ (لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ) بالزَّاوية على نحو فرسخين من البصرة (فَوَافَقْنَا) بسكون القاف وحذف الضَّمير، وللكشميهنيِّ: «فوافقناه» (يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَّا) في الدُّخول عليه (فَأَذِنَ لَنَا، وَهْوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ) قال الكِرمانيُّ: أي: أسبق، وفيه إشعارٌ بأنَّه «أفعل» لا «فوعل» وفيه اختلافٌ بين علماء التَّصريف (فَقَالَ) ثابتٌ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) وهي كنية أنسٍ (هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ) معبدٌ وأصحابه (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوكَ) وسقط الكاف من «جاؤوك» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ) أنسٌ ﵁: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ) بالجيم (بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) أي: اضطربوا من هول ذلك اليوم، يُقال: ماج
стр. 12892
البحر إذا اضطربت أمواجه (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) (١) ليريحنا ممَّا نحن فيه، وسقط «لنا» لأبي ذرٍّ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا) أي: ليست لي هذه المرتبة (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ وفي الأحاديث السَّابقة: «فيقول آدم: عليكم بنوحٍ» [خ¦٣٣٤٠] ولم يذكر هنا نوحًا (فَيَقُولُ) إبراهيم: (لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ) ولأبي ذرٍّعن الكُشْمِيهَنيِّ: «فإنَّه كلَّم الله» بلفظ الماضي (فَيَأْتُونَ مُوسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي) ولأبي ذرٍّ: «فيأتونني» (فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا) أي: للشَّفاعة (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي) أي: في الشَّفاعة الموعود بها في فصل القضاء، ففيه حذفٌ، وفي «مُسنَد البزَّار» أنَّه ﷺ يقول: «يا ربِّ عجّل على الخلق الحساب». انتهى. ثمَّ تذهب كلُّ أمةٍ مع من كانت تعبد، ويُؤتَى بجهنَّم والموازين والصِّراط وتتناثر الصُّحف وغير ذلك، ثمَّ من هنا ابتدأ ببيان الشَّفاعة الأخرى الخاصَّة بأمَّته ﷺ (٢) (وَيُلْهِمُنِي) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فيلهمني» أي: الله (مَحَامِدَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لمحامد (٣)» (أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ) سؤلك، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «تعطهْ» بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أي: شفِّعني في أمَّتي، فيتعلَّق بمحذوفٍ حُذِف لضيق المقام وشدَّة الاهتمام. قال الدَّاوديُّ: قوله: «أمَّتي أمَّتي» لا أراه محفوظًا؛ لأنَّ الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمَّة خاصَّةً لم تذهب إلى غير نبيِّها (٤)، فدلَّ على أنَّ المراد الجميع، وإذا كانت الشَّفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصُّها بقوله: «أمَّتي» ثمَّ قال: وأوَّل الحديث ليس متَّصلًا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشَّفاعة وبين قوله: «فاشفع» أمورٌ كثيرةٌ (٥). انتهى. وأُجيب بأنَّه وقع في حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله: «فيأتون محمَّدًا فيقوم ويُؤذَن له في الشَّفاعة، ويرسل الأمانة
стр. 12893
والرَّحم فيقومان جنبي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلهم كالبرق … » الحديث، فبهذا يتَّصل الكلام؛ لأنَّ الشَّفاعة التي يلجأ (١) النَّاس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثمَّ تجيء الشَّفاعة في الإخراج فيقول ﷺ : «يا ربِّ أمَّتي أمَّتي» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ منْها) أي: من النَّار (من كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ) ما أُمِرت به من الإخراج (ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ) تعالى (بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بالذَّال المعجمة والرَّاء المشدَّدة (أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ) ولأبي ذرٍّ: «فأخرجه» بالجزم على الأمر (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ: «فيُقال»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ) منها (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى) مرَّتين، وللكشميهنيِّ: «أدنى» مرَّةً ثالثةً، وفائدة التَّكرار التَّأكيد (مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ (٢) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ (٣)) فهي ثلاث تأكيداتٍ لفظيَّةٍ، فهو بالغٌ أقصى المبالغة باعتبار الأدنى البالغ هذا المبلغ في الإيمان الذي هو التَّصديق، ويحتمل أن يكون التَّكرار للتَّوزيع على الحبَّة والخردلة، أي: أقلَّ حبَّةٍ من أقلِّ خردلةٍ من الإيمان، ويُستفاد منه صحَّة القول بتجزُّؤ الإيمان وزيادته ونقصانه، ولأبي ذرٍّ: «من النَّار من النَّار من النَّار (٤)» بالتَّكرير ثلاثًا كقوله: «أدنى أدنى أدنى» (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ).
قال معبدٌ: (فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا) البصريِّين: (لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ) البصريِّ (وَهْوَ مُتَوَارٍ) مختفٍ (فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ) الطَّائيِّ البصريِّ خوفًا من الحجَّاج بن يوسف الثَّقفيِّ (بِمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فحدَّثنا» وللكشميهنيِّ والأَصيليِّ: «فحدَّثناه بما» (حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ:
стр. 12894
يَا أَبَا سَعِيدٍ) وهي كنية الحسن (جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ) في الدِّين (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهِ) بكسر الهاءين (١) من غير تنوينٍ وقد تُنوَّن، كلمة استزادةٍ، أي: زيدوا من الحديث (فَحَدَّثْنَاهُ) بسكون المثلَّثة (بِالحَدِيثِ) الذي حدَّثنا به أنسٌ (فَانْتَهَى (٢) إِلَى هَذَا المَوْضِعِ فَقَالَ: هِيهِ) أي: زيدوا (فَقُلْنَا: لَمْ) وللأَصيليِّ: «فقلنا له: لم» (يَزِدْ لَنَا) أنسٌ (عَلَى هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي) بالإفراد، أنسٌ (وَهْوَ جَمِيعٌ) أي: وهو مجتمعٌ، أي: حين كان شابًّا مجتمع العقل، وهو إشارةٌ إلى أنَّه كان حينئذٍ لم يدخل في الكِبَر الذي هو مظنَّة تفرُّق الذِّهن وحدوث اختلاط الحفظ (مُنْذُ) بالنُّون (عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا) على الشَّفاعة فتتركوا العمل (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقلنا»: (يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا) بسكون المثلَّثة (فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ) لكم (إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ: حَدَّثَنِي) أنسٌ (كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ) ﵊: (ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بتلك المحامد، ثمَّ» (أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ) لك (وَسَلْ تُعْطَهْ) بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقُولُ) : (وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ) بضمِّ الهمزة (مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع: محمَّدٍ رسول الله، وفي «مسلمٍ»: «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي (٣) لأخرجنَّ من قال: لا إله إلى الله»، أي: ليس هذا لك، وإنَّما أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي، وإجلالًا لتوحيدي.
وفي الحديث: الإشعار بالانتقال من التَّصديق القلبيِّ إلى اعتبار المقال من قوله ﷺ : «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله» واستُشكِل؛ لأنَّه (٤) إن اعتُبِر تصديق القلب اللِّسان فهو كمال الإيمان (٥)، فما وجه التَّرقِّي من الأدنى المؤكَّد، وإن لم يُعتَبر التَّصديق القلبيُّ بل مجرَّد
стр. 12895
اللَّفظ فيدخل المنافق، فهو موضع إشكالٍ على ما لا يخفى؟ وأُجيب: بأن يُحمَل هذا على من أوجد هذا اللَّفظ وأهمل العمل (١) بمقتضاه، ولم يتخالج قلبه فيه بتصميمٍ عليه ولا منافٍ له، فيخرج المنافق لوجود التَّصميم منه على الكفر؛ بدليل قوله (٢) في آخر الحديث كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٧٤١٠] «فأقول: يا ربِّ ما بقي في النَّار إلَّا من حبسه القرآن» أي: من وجب عليه الخلود وهو الكافر، وأجاب الطِّيبيُّ: بأنَّ ما يختصُّ بالله تعالى هو التَّصديق المجرَّد عن الثَّمرة، وما يختصُّ بالنَّبيِّ ﷺ هو الإيمان مع الثَّمرة من ازدياد اليقين أو العمل. انتهى. قال البيضاويُّ: وهذا الحديث مخصِّصٌ لعموم قوله ﷺ في حديث أبي هريرة [خ¦٩٩] «أسعد النَّاس بشفاعتي يوم القيامة» ويحتمل أن يجري على عمومه ويُحمَل على حالٍ أو مقامٍ. انتهى. لكن قال في «شرح المشكاة»: إذ قلنا: إنَّ المختصَّ بالله تعالى هو التَّصديق المجرَّد عن الثَّمرة، وإنَّ (٣) المختصَّ بالنَّبيِّ ﷺ الإيمان معها فلا اختلاف، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ لا خفاء فيها.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
٧٥١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ كما جزم به الحاكم والكلاباذيُّ وأبو مسعود (٤)، وقيل: هو محمَّد بن خالد بن جبلة الرَّافقيُّ، وجزم به أبو أحمد ابن عديٍّ وخلفٌ في أطرافه، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «محمَّد
стр. 12896
بن مخلدٍ» والأوَّل هو الصَّواب، ولم يذكر أحدٌ ممَّن صنَّف في رجال البخاريِّ ولا في رجال الكتب السِّتَّة أحدًا اسمه: محمَّد بن مخلدٍ، والمعروف محمَّد بن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ مُوسَى) الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن موسى بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحَّدة، زحفًا (فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ) تعالى: (ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ) وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧١] «فيأتيها فيُخيَّل إليه أنَّها ملأى فيرجع فيقول»: (رَبِّ) وللأَصيليِّ: «أيْ ربِّ» (الجَنَّةُ مَلأَى، فَيَقُولُ) تعالى (لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ) بالفاء، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كلُّ ذلك» (يُعِيدُ) العبد (عَلَيْهِ) تعالى: (الجَنَّةُ مَلأَى، فَيَقُولُ) : (إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ) وللكشميهنيِّ: «مرَّاتٍ».
والحديث سبق في «صفة الجنَّة» في (١) «الرِّقاق» مُطوَّلًا [خ¦٦٥٧١].
٧٥١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم، السَّعديُّ المروزيُّ حافظ مَرْوَ قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان ابن مهران (عَنْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة وبالمثلَّثة، ابن عبد الرَّحمن الجعفيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ الجواد ابن الجواد ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ) وللأَصيليِّ: «من أحدٍ» (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَُرْجُمَانٌ) بفتح الفوقيَّة
стр. 12897
وتُضَمُّ، يترجم له (فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ثمَّ ينظر» (أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) من عمله (وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) لأنَّها تكون في ممرِّه، فلا يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ لا بدَّ له (١) من المرور على الصِّراط (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بكسر المعجمة بنصفها، أي: فاحذروا النَّار فلا تظلموا أحدًا ولو بمقدار (٢) شقِّ تمرةٍ، أو فاجعلوا الصَّدقة جُنَّةً بينكم وبين النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ.
(قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ) بن عبد الرَّحمن الجعفيِّ، عن عديِّ بن حاتمٍ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق (وَزَادَ فِيهِ: وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) كالدَّلالة على هدًى، والصُّلح بين اثنين، أو بكلمةٍ طيِّبةٍ يردَ بها السَّائل ويطيِّب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النَّار.
والحديث سبق بزيادةٍ ونقصٍ في أوائل «الزَّكاة» [خ¦١٤١٣] وكذا في «الرِّقاق» (٣) [خ¦٦٥٣٩].
٧٥١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ) وللأَصيليِّ: «إلى النَّبيِّ ﷺ فقال»: (إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ جَعَلَ اللهُ) (السَّمَوَاتِ) السَّبع (عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ) السَّبع (عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى) بالمثلَّثة (عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) أي: يحرِّكهن إشارةً إلى حقارتهنَّ؛ إذ لا يثقل
стр. 12898
عليه إمساكها ولا تحريكها (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) مرَّتين (فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ) ظهرت (نَوَاجِذُهُ) بالذَّال المعجمة، أنيابه التي تبدو عند الضَّحك (تَعَجُّبًا) من قول الحبر (وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) والتَّعبير بالإصبع والضَّحك من المتشابهات كما سبق، فيتأوَّل على نوعٍ من المجاز، وضربٍ من التَّمثيل ممَّا جرت (١) عادة الكلام بين النَّاس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى إنَّ قدرته تعالى على طيِّها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئًا في كفِّه فاستخفَّ حمله، فلم يشتمل عليه بجميع كفِّه، بل أقلَّه ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسان في الأمر الشَّاقِّ (٢) إذا أُضيف إلى القويِّ: إنَّه يأتي عليه بإِصبعٍ أو إنَّه يقلُّه بخنصره، والظَّاهر أنَّ هذا -كما مرَّ- من تخليط اليهود وتحريفهم، وأنَّ ضحكه ﷺ إنَّما كان على وجه (٣) التَّعجُّب والنَّكير (٤) له، والعلم عند الله، قاله الخطَّابيُّ فيما (٥) نقله عنه في «الفتح» ومطابقة الحديث في قوله: «ثمَّ يقول: أنا الملك، أنا الملك».
وسبق في «باب قوله (٦) تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١٤].
٧٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الرَّاء
стр. 12899
المكسورة زايٌ، المازنيِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ فقال له: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى) التي تقع بين الله وبين عبده يوم القيامة؟ (قَالَ) ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) أي: يقرب منه تعالى قرب رحمةٍ (حَتَّى يَضَعَ) الله تعالى (كَنَفَهُ عَلَيْهِ) بفتح الكاف والنُّون، أي: يحفظه (١) ويستره عن أهل الموقف فضلًا منه، حيث يذكر له معاصيه سرًّا (فَيَقُولُ) له: (أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ) العبد: (نَعَمْ) يا ربِّ (وَيَقُولُ) له: (عَمِلْتَ) وللأَصيليِّ: «أعملت» (كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ) يا ربِّ (فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبه ليعرِّفه منَّته عليه في ستره عليه (٢) في الدُّنيا وعفوه عنه (٣) في الآخرة (ثُمَّ يَقُولُ) تعالى: (إِنِّي سَتَرْتُ) ذنوبك (عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فيقول» في الموضعين.
وأخرجه في «باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» من «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٤١].
(وَقَالَ آدَمُ) بن أبي إياسٍ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا صَفْوَانُ) بن محرزٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ذكره لتصريح قتادة فيه (٤) بقوله: «حدَّثنا صفوان»، وليس في أحاديث هذا الباب كلام الرَّبِّ مع الأنبياء إلَّا في حديث أنسٍ، وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه معهم أولى، والله الموفِّق (٥).
(٣٧) (بابُ قَوْلِهِ) : (﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) الجمهور على رفع الجلالة الشَّريفة، و ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ رافعٌ للمجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما يُوصَل إلى
стр. 12900
الإنسان كلامًا بأيِّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقِّق (١) بالمصدر لم يكن إلَّا حقيقة الكلام، وقال القرطبيُّ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناه التَّأكيد، وهذا يدلُّ على بطلان قول من يقول:
خلق الله (٢) لنفسه كلامًا في شجرةٍ (٣) يسمعه (٤) موسى، بل هو الكلام الحقيقيُّ الذي يكون به المتكلِّم متكلِّمًا، قال النَّحَّاس: وأجمع النَّحويُّون على أنَّك إذا أكَّدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا، وأنَّه لا يجوز في قول الشَّاعر:
امتلأ الحوض وقال: قَطْني
أن يقول: وقال قولًا، وكذا لمَّا قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة. قال في «المصابيح» بعد أن ذكر نحو ما ذكرته: واعتُرِض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقول الشَّاعر:
بكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكر جلده … وعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفُ
стр. 12901
فإنَّ ذلك كلَّه مجازٌ مع وجود التَّأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العامِّ؛ يريد الغالب، قال: وكان الشَّيخ بهاء الدِّين بن عقيلٍ يقول: الجواب عن هذا البيت يؤيِّد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدِّين القونويِّ فيقول: لا تخلو الجملة التي أُكِّد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحةً لأن (١) تُستعمَل لكلٍّ من المعنيين، يريد الحقيقة والمجاز، أو لا يصلح استعمالها إلَّا في المعنى المجازيِّ فقط، فإن كان الأوَّل كان التَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز، وإن كان الثَّاني لم يكن التَّأكيد رافعًا له، فمثال الأوَّل قولك: ضربت زيدًا ضربًا، ومثال الثَّاني البيت المذكور؛ لأنَّ عجيج المطارف لا يقع إلَّا مجازًا. انتهى. واختُلِف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعريُّ: كلام الله تعالى القائم
стр. 12902
بذاته يُسمَع عند تلاوة كلِّ تالٍ وقراءة كلِّ قارئٍ، وقال الباقلانيُّ: إنَّما تسمع (١) التَّلاوة دون المتلوِّ، والقراءة دون المقروء، ولم يذكر في هذه الآية المتكلِّم به، نعم في سورة الأعراف: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: وبتكليمي إيَّاك، ووقع في رواية أبي ذرٍّ: «باب ما جاء في ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى (٢)﴾» وقال في «فتح الباري»: في رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «باب ما جاء في قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ﴾» [النساء: ١٦٤].
٧٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرني» بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أي: تحاجَّا (فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي (٣) أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ: أَنْتَ) ولغير أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «قال آدم: أنت» (مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ) تعالى (بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ (٤)، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ) بضمِّ القاف وكسر الدَّال المشدَّدة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) بضمِّ الهمزة (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي: غلب عليه بالحجَّة في قوله: «أنت آدم … » إلى آخره (٥)، بأن ألزمه أنَّ ما صدر عنه لم يكن هو مستقلًّا به متمكِّنًا من
стр. 12903
تركه، بل كان أمرًا مقضيًّا وليس معنى قوله: «تلومني على أمرٍ قد قُدِّر عليَّ» أنَّه لم يكن له فيه كسبٌ واختيارٌ، بل المعنى: أنَّ الله أثبته في أمِّ الكتاب قبل كوني، وحكم بأنَّ ذلك كائنٌ لا محالة لعلمه (١) السَّابق، فهل يمكن أن يصدر عنِّي خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السَّابق، وتذكر الكسب (٢) الذي هو السَّبب، وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممَّن اصطفاك الله من المصطفَين الذين يشاهدون سرَّ الله من وراء الأستار؟! قاله (٣) التُّوربشتيُّ، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «اصطفاك الله برسالاته وبكلامه».
وسبق في «القدر» [خ¦٦٦١٤].
٧٥١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : يُجْمَعُ المُؤْمِنُونَ) بضمِّ الياء من «يُجمَع» و «المؤمنون» نائب الفاعل (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا (٤) مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) لما ينالهم من الكرب (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) أي: بقدرته، وخصَّه بالذِّكر إكرامًا وتشريفًا له، أو أنَّه خلق إبداعٍ من غير واسطةِ رحمٍ (وَأَسْجَدَ لَكَ المَلَائِكَةَ) بأن أمرهم أن يخضعوا لك، والجمهور على أنَّ المأمور به وضع الوجه على الأرض
стр. 12904
وكان تحيَّةً له؛ إذ لو كان لله لما امتنع عنه إبليس، وكان سجود التَّحيَّة (١) جائزًا فيما مضى، ثمَّ نُسِخ بقوله ﷺ لسلمان حين أراد أن يسجد له: «لا ينبغي لمخلوقٍ أن يسجد لأحدٍ إلَّا لله تعالى» (وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) أي: أسماء المسميَّات، فحذف المضاف إليه لكونه (٢) معلومًا مدلولًا عليه بذكر الأسماء؛ إذ الاسم يدلُّ على المسمَّى (فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا (٣)) ممَّا نحن فيه من الكرب (فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) بضمِّ الهاء (٤)، أي: لست في المنزلة التي تحسبونني وهي مقام الشَّفاعة (فَيَذْكُرُ (٥) لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) أي: التي أصابها وهي أكله من الشَّجرة التي نُهِي عنها، قاله تواضعًا وإعلامًا بأنَّها لم تكن له.
وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا، ولم يذكر فيه ما ترجم له على عادته في الإشارة، وقد سبق في تفسير «سورة البقرة» [خ¦٤٤٧٦] عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا بتمامه، وفيه «ائتوا موسى عبدًا كلَّمه الله تعالى وأعطاه التَّوراة … » الحديث، وساقه أيضًا في «كتاب التَّوحيد» في «باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١٠] وفيه (٦): «ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التَّوراة وكلَّمه تكليمًا».
стр. 12905
٧٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي نَمِرٍ - بفتح النُّون وكسر الميم بعدها راءٌ- المدنيِّ التَّابعيِّ (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «سمعت أنس بن مالكٍ ﵁» (يَقُولُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ) بضمِّ الهمزة (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ: إِنَّهُ جَاءَهُ) بكسر الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنَّه» بفتح الهمزة «جاء» بإسقاط الضَّمير (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) كذا في الفرع كأصله، وقال في «الفتح»: في رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «إذ جاءه» بدل «إنَّه» قال: والأوَّل أولى، والنَّفر الثَّلاثة لم أقف على أسمائهم صريحًا، لكنَّهم من الملائكة، لكن في رواية ميمون بن سياهٍ عن أنسٍ عند الطَّبريِّ (١): «فأتاه جبريل وميكائيل» (قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهْوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ) محمَّدٌ؟ وقد رُوِي أنَّه كان نائمًا معه حينئذٍ عمُّه حمزة بن عبد المطَّلب وابن عمِّه جعفر بن أبي طالبٍ (فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقال أحدهم» أي: أحد النَّفر الثَّلاثة: (خُذُوا خَيْرَهُمْ) للعروج به إلى السَّماء (فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) أي: فكانت تلك القصَّة الواقعة تلك اللَّيلة ما ذُكِر هنا، فالضَّمير المستتر في «كانت» لمحذوفٍ، وكذا خبر «كان» (فَلَمْ يَرَهُمْ) ﷺ بعد ذلك (حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى) لم يعيّن المدَّة بين المجيئين، فيُحمَل على أنَّ المجيء الثَّاني كان بعد أن أُوحِي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدَّةٌ فلا فرق بين أن تكون تلك المدَّة ليلةً واحدةً، أو ليالي كثيرةً، أو عدَّة (٢) سنين، وبهذا يحصل الجواب عمَّا استشكله الخطَّابيُّ وابن حزمٍ وعبد الحقِّ وعياضٌ والنَّوويُّ من قوله: «قبل أن يُوحَى إليه» ونسبتهم رواية شريكٍ إلى الغلط؛ لأنَّ المُجمَع عليه أنَّ فرض الصَّلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أن
стр. 12906
يُوحَى إليه؟ وإنَّ شريكًا تفرَّد بذلك، فارتفع الإشكال؛ كذا (١) قرَّره الحافظ ابن حجرٍ ﵀، وقيل: المراد قبل أن يُوحَى إليه في بيان الصَّلاة، ومنهم من أجراه على ظاهره ملتزمًا أنَّ الإسراء كان مرَّتين قبل النُّبوَّة (٢) وبعدها كما حكاه في «المصابيح» ونقلته عنه في كتابي (٣) «المواهب اللَّدنيَّة» وأمَّا دعواهم تفرُّد شريكٍ فقال الحافظ أيضًا: إنَّه قد وافقه كثير بن خُنَيسٍ -بالخاء المعجمة ونونٍ مُصغَّرًا (٤) - عن أنسٍ كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيدٍ الأمويُّ في «كتاب المغازي» من طريقه، وكان مجيء الملائكة له ﷺ (فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ) الثَّابت في الرِّوايات أنَّه كان في اليقظة، فإن قلنا بالتَّعدُّد فلا إشكال، وإلَّا فيُحمَل هذا مع قوله آخر الحديث: «واستيقظ وهو في المسجد الحرام» على (٥) أنَّه كان في طرفي القصَّة نائمًا، وليس في ذلك ما يدلُّ على كونه نائمًا فيها كلِّها (فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ) ﷺ (حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ) ﵇ (فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ) بفتح اللَّام والموحَّدة المشدَّدة، موضع القلادة من الصَّدر ومنها تُنحَر الإبل (حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ) بيد جبريل (حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ) ليتهيَّأ للتَّرقِّي إلى الملأ الأعلى، ويثبت في المقام الأسنى، ويتقوَّى لاستجلاء الأسماء الحسنى، وكذا وقع شقُّ صدره الشَّريف (٦) في صغره عند حَلِيمة وعند النُّبوَّة، ولكلٍّ حكمةٌ، بل ذكر الشَّقِّ مرَّةً أخرى نبَّهتُ عليها مع غيرها في «المواهب» تبعًا للحافظ ابن حجرٍ.
(ثُمَّ أُتِيَ) ﵊ (بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ) وكان إذ ذاك لم يحرم استعماله (فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة من «تورٍ» وهو إناءٌ يُشرَب فيه، وهو يقتضي أن يكون غير الطَّست، وأنَّه كان داخل الطَّست (مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً) قال في «الفتح»: قوله: «محشوًّا» حالٌ من الضَّمير في الجارِّ والمجرور، والتَّقدير بطستٍ كائنٍ من ذهبٍ، فنقل الضَّمير من اسم الفاعل إلى الجارِّ
стр. 12907
والمجرور، وأمَّا «إيمانًا» فعلى التَّمييز، وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه نظرٌ، والذي يُقال: إنَّ «محشوًّا» حالٌ من التَّور الموصوف بقوله: «من ذهبٍ» وأمَّا «إيمانًا» فمفعول قوله: «محشوًّا» لأنَّ اسم المفعول يعمل عمل فعله، و «حكمةً» عطفٌ عليه، ويحتمل أن يكون أحد الإناءين -أعني الطَّست والتَّور- فيه ماء زمزم والآخر المحشوُّ بالإيمان، وأن يكون التَّور ظرف الماء وغيره، والطَّست لمَّا يصبَّ فيه عند الغسل صيانةً له عن التَّبدُّد في الأرض، والمراد: أنَّ الطَّست كان فيه شيءٌ يحصل به كمال الإيمان (١)، فالمراد سببهما مجازًا (فَحَشَا بِهِ) بفتح الحاء المهملة والشِّين المعجمة (صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ) بالغين المعجمة والمهملتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فحُشِي» -بضمِّ الحاء وكسر الشِّين- «به (٢) صدرُه ولغاديدُه» برفعهما، وفسَّر اللَّغاديد بقوله: (يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) ثمَّ أركبه البراق إلى بيت المقدس (ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) بفتح العين والجيم (فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ) ﷺ (قَالَ) قائلهم: (وَقَدْ بُعِثَ إليه) للإسراء وصعود السَّموات؟ وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرِّسالة، فإنَّ ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدَّة، ولأنَّ أمر نبوَّته كان مشهورًا في الملكوت الأعلى، وهذا هو الصَّحيح (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ) وسقطت الفاء من «فيستبشر» للأَصيليِّ، وزاد -أي: الأَصيليُّ-: «الدُّنيا» (لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما» (يُرِيدُ اللهُ) (بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ) أي (٣): على لسان من شاء كجبريل ﵇ (فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ) ﵇ (فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ (٤)) وللأَصيليِّ: «أبوك آدم فسلِّم» (عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ) السَّلامَ (فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الاِبْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ) بفتح الهاء (يَطَّرِدَانِ) بتشديد الطَّاء المهملة، يجريان (فَقَالَ) ﷺ
стр. 12908
لجبريل: (مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا (١) النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا) بضمِّ العين والصَّاد المهملتين، أي: أصلهما (ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ) أي: الدُّنيا (فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ) أي: في النَّهر، وللأَصيليِّ: «بيده» (فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مسكٌ أذفر» بالذَّال المعجمة، جيِّد الرَّائحة (قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ) «خبأ» بالخاء المعجمة والموحَّدة المفتوحتين مهموزٌ، أي: ادَّخر لك (رَبُّكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حَبَاك» بفتح الحاء المهملة والموحَّدة وبعد الألف كافٌ «به ربُّك» هذا ممَّا يستشكل (٢) من رواية شريكٍ، فإنَّ الكوثر في الجنَّة، والجنَّة في السَّماء (٣) السَّابعة، ويحتمل أن يكون هنا حذفٌ تقديره: ثمَّ مضى به في السَّماء الدُّنيا إلى السَّابعة فإذا هو بنهرٍ (ثُمَّ عَرَجَ (٤) إِلَى السَّمَاءِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ثمَّ عرج به إلى السَّماء» (الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ) التي فيها (٥) (لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى الرَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ فَقَالُوا) له (مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّادِسَةِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى السَّماء السَّادسة» (فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ) بفتح الهمزة والعين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فوعيت» (مِنْهُمْ إِدْرِيسَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد سمَّاهم منهم إدريس» (فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ (٦) كَلَامِ اللهِ) ، أي: بسبب أنَّ له فضل كلام الله إيَّاه، وهذا موضع التَّرجمة من الحديث.
стр. 12909
(فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ؛ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَلَيَّ) بتشديد الياء (أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم أظنَّ أن ترفع عليَّ أحدًا» (ثُمَّ عَلَا بِهِ) جبريل (فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ) (حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى) إليها ينتهي علم الملائكة ولم يجاوزها أحدٌ إلَّا نبيُّنا ﷺ (وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ) دنوَّ قربٍ ومكانةٍ لا دنوَّ مكانٍ ولا قرب زمانٍ إظهارًا لعظيم (١) منزلته وحظوته عند ربِّه تعالى، ولأبي ذرٍّ: «ودنا للجبَّار» (فَتَدَلَّى) طلب زيادة القرب، وحكى مكِّيٌّ والماورديُّ عن ابن عبَّاسٍ: هو الرَّبُّ دنا من محمَّدٍ فتدلَّى إليه، أي: أَمْرُه وحُكْمه (حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ) قدر قوسين: ما بين مقبض القوس والسِّية بكسر السِّين المهملة والتَّحتيَّة الخفيفة، وهي ما عُطِف من طرفيها، ولكلِّ قوسٍ قابان، وقاب قوسين بالنِّسبة له ﷺ عبارةٌ عن نهاية القرب ولطف المحلِّ وإيضاح المعرفة، وبالنِّسبة إلى الله إجابةٌ ورفع درجةٍ (٢) (أَوْ أَدْنَى) أي: (٣) أقرب (فَأَوْحَى اللهُ) زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إليه» (فِيمَا أَوْحَى) ولغير أبي ذرٍّ: «إليه» ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «فيما يوحِي» بكسر الحاء (خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ) صلوات الله وسلامه عليه (حَتَّى بَلَغَ مُوسَى) ﵇ (فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ) له: (يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟) أي: ماذا أمرك أو أوصاك (قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ) أن أصلِّيَ (خَمْسِينَ صَلَاةً (٤) كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) وآمر بها أمَّتي (قَالَ) له موسى: (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ) إلى ربِّك (فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ) وعن أمَّتك (فَالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ) الذي قاله موسى من الرُّجوع للتَّخفيف (فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون مفسِّرةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أي: نعم» بالتَّحتيَّة بدل النُّون، وهما بمعنًى (إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ) جبريل (إِلَى الجَبَّارِ) تعالى (فَقَالَ) ﵊: (وَهْوَ مَكَانَهُ) أي: في مقامه الأوَّل الذي قام فيه قبل هبوطه (يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا) المأمور به من (٥) الخمسين صلاةً (فَوَضَعَ) تعالى (عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ) من الخمسين (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ)
стр. 12910
تعالى (حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ) أي: راجعت (بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى) أي (١): أقلَّ (مِنْ هَذَا) القدر (فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من هذه الصَّلوات الخمس فضعفوا فتركوها (٢)» وفي تفسير ابن مردويه من رواية يزيد (٣) بن أبي مالكٍ عن أنسٍ: «فُرِض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما» (فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا) و «الأجسام» بالميم و «الأجساد» بالدَّال سواءٌ، والجسم والجسد جميع الشَّخص، والأجسام أعمُّ من الأبدان؛ لأنَّ البدن من الجسد ما سوى الرَّأس والأطراف، وقيل: البدن أعالي الجسد دون أسافله (فَارْجِعْ) إلى ربِّك (فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ) أي: في كلِّ ذلك (يَلْتَفِتُ) بتحتيَّةٍ فلامٍ ساكنةٍ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يتلفَّت» بفوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة وتشديد الفاء (النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ) المرَّة (الخَامِسَةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ؛ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم» (فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقَالَ الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ) ربِّ (وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فرضته» (عَلَيْكَ) أي: وعلى أمَّتك (فِي أُمِّ الكِتَابِ) وهو اللَّوح المحفوظ (قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهْيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ) أي: وعلى أمَّتك (فَرَجَعَ) ﷺ (إِلَى مُوسَى فَقَالَ) له: (كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ) ربُّنا (عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللهِ رَاوَدْتُ) راجعتُ (بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى) أقلَّ (مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ) وقوله: «راودت» يتعلَّق (٤) بـ «قد» والقَسَم بينهما مقحمٌ لإرادة التَّأكيد (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا مُوسَى قَدْ وَاللهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ) بهمزة وصلٍ وفتح اللَّام وسكون الفاء بعدها فوقيَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مما أَخْتَلِفُ» بهمزة قطعٍ وكسر اللَّام وحذف الفوقيَّة (قَالَ) له جبريل: (فَاهْبِطْ بِسْمِ اللهِ) وليس القائل
стр. 12911
«اهبط» موسى وإن كان هو ظاهر السِّياق (قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ) ﷺ (وَهْوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بغير ألفٍ ولامٍ في الأوَّل، أي: استيقظ من نومةٍ نامها بعد الإسراء، أو أنَّه أفاق ممَّا كان فيه ممَّا خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى، فلم يرجع إلى حال (١) بشريَّته إلَّا وهو نائمٌ.
تنبيهٌ: قال الخطَّابيُّ: هذه القصَّة كلُّها إنَّما هي حكايةٌ يحكيها أنسٌ من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النَّبيِّ ﷺ ولا نقلها (٢) عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصل النَّقل: أنَّها من جهة الرَّاوي إمَّا من أنسٍ، وإمَّا من شريكٍ، فإنَّه كثير التَّفرُّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرُّواة. انتهى. وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ ما نفاه من أنَّ أنسًا لم يسند هذه القصَّة إلى النَّبيِّ ﷺ لا تأثير له، فأدنى أمره أن يكون مُرسَل صحابيٍّ، وإمَّا أن يكون تلقَّاها عن النَّبيِّ ﷺ ، أو عن صحابيٍّ تلقَّاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه هذه القصَّة لا يُقال بالرَّأي، فله حكم الرَّفع، ولو كان لما ذكره تأثيرٌ لم يُحمَل حديث أحدٍ روى مثل ذلك على الرَّفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدِّثين قاطبةً، فالتَّعليل بذلك مردودٌ، وقال أبو الفضل بن طاهرٍ: تعليل الحديث بتفرُّد شريكٍ، ودعوى ابن حزمٍ أنَّ الآفة منه، شيءٌ لم يُسبَق إليه، فإنَّ شريكًا قَبِله أئمَّة الجرح والتَّعديل، ووثَّقوه ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجُّوا به، قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلالٍ، وهو ثقةٌ، وعلى تقدير تفرُّده بقوله: «قبل أن يُوحَى إليه» لا يقتضي طرح حديثه، فوهمُ الثِّقةِ في موضعٍ من الحديث لا يُسقِط جميع الحديث، ولا سيَّما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذورٍ، ولو ترك حديث من وهم في تاريخٍ لتُرِك حديث جماعةٍ من أئمَّة المسلمين، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريكٍ غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك، وهي أمكنة الأنبياء في السَّموات، وقد أفصح بأنَّه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزُّهريُّ في بعض ما ذكر كما (٣) في أوَّل «الصَّلاة» [خ¦٣٤٩] وكون المعراج قبل البعثة وسبق الجواب عنه، وكونه منامًا وسبق ما فيه، ومحلُّ سدرة المنتهى وأنَّها فوق السَّابعة بما لا يعلمه إلَّا الله، والمشهور أنَّها في السَّابعة أو السَّادسة، ومخالفته في
стр. 12912
النَّهرين -النِّيل والفرات- وأنَّ عنصرهما في السَّماء الدُّنيا والمشهور أنَّهما في السَّابعة، وشقُّ الصَّدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السَّماء الدُّنيا، والمشهور أنَّه في الجنَّة، ونسبة (١) الدُّنوِّ والتَّدلِّي إلى الله تعالى والمشهور في الحديث أنَّه جبريل، وتصريحه بامتناعه (٢) ﷺ من الرُّجوع إلى سؤال ربِّه التَّخفيف كان عند الخامسة (٣) فخالف ثابتًا عن أنسٍ، وأنَّه وضع عنه في كلِّ مرَّةٍ خمسًا، وأنَّ المراجعة كانت تسع مرَّاتٍ، وقوله: «فعلا به إلى الجبَّار فقال: وهو مكانه (٤)»، وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث: أنَّ موسى ﵇ أمره بالرُّجوع بعد أن انتهى التَّخفيف إلى الخمس فامتنع، وزيادته ذكر التَّور في الطَّست وسبق ما فيه. انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «بتفضيل كلام الله» كما نبَّهت عليه ثَمَّ (٥).
(٣٨) (بابُ كَلَامِ الرَّبِّ) تعالى (مَعَ أَهْلِ الجَنَّةِ) فيها.
٧٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ
стр. 12913
(الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ) وهم فيها: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ) يا (رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) خصَّه رعايةً للأدب (فَيَقُولُ) تعالى لهم: (هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ) ﷻ : (أَلَا) بالتَّخفيف (أُعْطِيكُمْ) بضمِّ الهمزة (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟) الذي أعطيتكم من نعيم الجنَّة (فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ) جلَّ وعزَّ: (أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) ومفهومه أنَّ لله أن يسخط على أهل الجنَّة؛ لأنَّه متفضِّلٌ عليهم بالإنعامات كلِّها، سواءٌ كانت دنيويَّةً أو أخرويَّةً، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي إلَّا جزاءً متناهيًا؟ وفي الجملة لا يجب على الله شيءٌ أصلًا، قاله الكِرمانيُّ، وهو مأخوذٌ من كلام ابن بطَّالٍ، وظاهر الحديث أيضًا: أنَّ الرِّضا أفضل من اللِّقاء، وأُجِيب بأنَّه لم يقل: أفضل من كلِّ شيءٍ، بل أفضل من الإعطاء، واللِّقاء يستلزم (١) الرِّضا، فهو من باب إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم كذا نقله في «الكواكب» قال في «الفتح»: ويحتمل أن يُقال: المراد: حصول أنواع الرِّضوان، ومن جملتها اللِّقاء، وحينئذٍ فلا إشكال، والمطابقة ظاهرةٌ.
وأخرجه في «الرِّقاق» في «باب صفة الجنَّة والنَّار» [خ¦٦٥٤٩].
стр. 12914
٧٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون الأولى، العَوقيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء مُصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ: (أَنَّ رَجُلًا) هو مفعول «يحدِّث» (٢) (مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «يستأذن» (رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ) وللكشميهنيِّ: «فقال له: أولست» (فِيمَا شِئْتَ؟) من المشتهيات (قَالَ: بَلَى) يا ربِّ (وَلَكِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة (فَتَبَادَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء، منصوبٌ مفعولٌ لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ) جمعه في البيدر (أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: نبت واستوى إلى آخره قبل طرفة العين (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ) خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) أي: لِمَا طُبِع عليه؛ لأنَّه لا يزال يطلب الازدياد إلَّا من شاء الله، وقوله: لا «يُشْبِعك»؛ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة بعدها مُوحَّدةٌ مكسورةٌ، واستُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وأُجيب بأنَّ نفي الشِّبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة وهي الكفاية، وأكل أهل الجنَّة لا عن جوعٍ فيها أصلًا لنفي الله له عنهم، واختُلِف في الشِّبع فيها، والمختار أن لا شبع؛ لأنَّه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذِّ، وإنَّما أراد الله تعالى بقوله: «لا يشبعك شيءٌ» ذمَّ ترك تلك القناعة بما (٤) كان، وطلب الزِّيادة (٥) عليه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا يسَعك» بفتح التَّحتيَّة والسِّين المهملة، من الوسع (فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَجِدُ هَذَا) الذي زرع في الجنَّة (إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ) أهل البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ (٦)
стр. 12915
زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ومطابقة الحديث ظاهرٌ.
وسبق في «كتاب المزارعة» في بابٍ مجرَّدٍ عقب: «باب كراء الأرض بالذَّهب» [خ¦٢٣٤٨].
(٣٩) (بابُ ذِكْرِ اللهِ) تعالى لعباده يكون (بِالأَمْرِ) لهم والإنعام عليهم إذا أطاعوه، أو بعذابه إذا عصوه (وَذِكْرِ العِبَادِ) له تعالى (بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «والبلاغ» لغيرهم من الخلق ما وصل إليهم من العلوم (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]) الذِّكر يكون بالقلب والجوارح، فذكر اللِّسان: الحمد والتَّسبيح والتَّمجيد (١) وقراءة القرآن، وذكر القلب: التَّفكُّر في الدَّلائل الدَّالَّة على ذاته وصفاته، والتَّفكُّر في الجواب عن الشُّبه العارضة في تلك الدَّلائل، والتفكُّر في الدَّلائل (٢) الدَّالَّة على كيفيَّة تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفيَّة التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي التَّرك من الوعيد سَهُل فعله عليهم والتَّفكُّر في أسرار مخلوقاته تعالى، وأمَّا الذِّكر بالجوارح فهو عبارةٌ عن كون الجوارح مستغرقةً في الأعمال التي أُمِروا بها، وخاليةً عن الأعمال التي نُهوا عنها، فقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ تضمَّن جميع الطَّاعات، ولهذا قال سعيد بن جبيرٍ: «اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي» فأجملَه حتَّى يُدخِل الكلَّ فيه، وقال ابن عبَّاسٍ (٣) فيما ذكره السَّفاقسيُّ: «ما من عبدٍ يذكر الله تعالى إلَّا ذكره الله تعالى، لا يذكره مؤمنٌ إلَّا ذكره برحمته، ولا يذكره كافرٌ
стр. 12916
إلَّا ذكره بعذابه»، وقيل: المراد ذكره باللِّسان وذكره بالقلب عندما يهمُّ العبد بالسَّيِّئة، فيذكر مقام ربِّه، وقال قومٌ: إنَّ هذا الذِّكر أفضل، وليس كذلك، بل ذكره بلسانه وقوله: «لا إله إلَّا الله» مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب (١) دون اللِّسان، وذكر البدر الدَّمامينيُّ أنَّه سمع شيخه وليَّ الدِّين بن خلدون يذكر أنَّه كان بمجلس شيخه ابن عبد السَّلام شارح ابن الحاجب الفرعيِّ وهو يتكلَّم على آيةٍ وقع فيها الأمر بذكر الله، ورجَّح أن يكون المراد بالذِّكر فيها: الذِّكر اللِّسانيَّ لا القلبيَّ، فقال له الشَّريف التِّلمسانيُّ: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ النِّسيان، وتقرَّر في محلِّه أنَّ الضِّدَّ إذا تعلَّق بمحلٍّ وجب تعلُّق ذلك الضَّدِّ الآخر بعين ذلك (٢) المحلِّ، ولا نزاع في أنَّ النِّسيان محلُّه القلب، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السَّلام على الفور: يمكن أن يُعارَض هذا بمثله فيُقال: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ الصَّمت، ومحلُّ الصَّمت اللِّسان، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة. انتهى.
وقوله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) أي: خبره مع قومه (٣) (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ﴾) عظم وشقَّ (٤) (﴿عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾) مكاني، يعني نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وهو من باب الإسناد المجازيِّ كقولهم: ثقل عليَّ ظلُّه (﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾) لأنَّهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم؛ ليكون مكانهم بيِّنًا وكلامهم مسموعًا (﴿فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ﴾) جواب الشَّرط، وتاليه عطفٌ عليه وهو قوله: (﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾) أي: مع شركائكم (﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾) فُسِّر بالسُّترة، من غمَّه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿وَلَا تُنظِرُونِ﴾) ولا تمهلونِ (﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فَمَا سَأَلْتُكُم (٥) مِّنْ أَجْرٍ﴾) فأوجب التَّولِّي (﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ﴾) وهو الثَّواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلَّا لله لا لغرضٍ من أغراض الدُّنيا (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
стр. 12917
الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]) أي: من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾ … » إلى آخره، وقال: «إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾».
وقوله: (﴿غُمَّةً﴾) فسَّره بقوله: (هَمٌّ وَضِيقٌ) وقال في «اللُّباب»: يُقال: غمٌّ وغمَّةٌ نحو كَرْبٍ وكُربةٍ، قال أبو الهيثم: غُمَّ علينا الهلال فهو مغمومٌ إذا التُمِس فلم يُرَ، قال طرفة بن العبد:
لعمرك (١) ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ … نهاري، ولا ليلي عليَّ بسرمدي
وقال اللَّيث: هو في غمَّةٍ من أمره إذا لم يتبيَّن له.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في «تفسيره» عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿اقْضُواْ إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]) أي: (مَا فِي (٢) أَنْفُسِكُمْ) وقال غير مجاهدٍ: (يُقَالُ: افْرُقِ) أي: (اقْضِ).
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضا بالسَّند السَّابق: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ) من المشركين (يَأْتِيهِ) ﷺ (فَيَسْتَمِعُ (٣) مَا يَقُولُ) من كلام الله (وَمَا أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «وما (٤) يَُنزَِل» (عَلَيْهِ) بتحتيَّةٍ بدل الهمزة مضمومةً (٥) مع فتح الزَّاي أو مفتوحةً مع كسرها (فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) ﵊ (فَيَسْمَعَ) منه (٦) (كَلَامَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حين يأتيه فيسمعُ كلام الله» (وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ (٧) حَيْثُ جَاءَ) يعني: إن أراد مشركٌ سماع كلام الله فاعْرِض عليه القرآن وبلِّغه إليه وأمِّنه عند السَّماع، فإن أسلم فذاك، وإلَّا فردَّه إلى مأمنه من حيث أتاك.
стр. 12918
وقال مجاهدٌ أيضًا فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]) هو (القُرْآنُ) وقوله: (﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]) أي: قال: (حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) فإنَّه يُؤذَن له يوم القيامة بالتَّكلُّم وللأَصيليِّ: «وعملًا» بدل قوله: «وعملٌ» واستطرد المصنِّف بذكره هنا على عادته في المناسبة، والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب: أنَّه ﷺ مذكورٌ بأنَّه أُمِر بالتِّلاوة على الأمَّة والتَّبليغ إليهم، وأنَّ نوحًا كان يذكِّرهم بآيات الله وأحكامه كما أنَّ المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدُّعاء، ولم (١) يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعلَّه كان بيَّض له فأدمجه النُّسَّاخ كغيره ممَّا بيَّضه (٢).
(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]) أي: اعبدوا ربَّكم فلا تجعلوا له أندادًا (٤)؛ لأنَّ أصل العبادة وأساسها التَّوحيد، وألَّا يُجعَل لله ندٌّ ولا شريكٌ، والنِّدُّ: المثل، ولا يُقال إلَّا للمثل المخالف المناوئ.
(وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذَلِكَ﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رَبُّ
стр. 12919
الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع.
(وَقَولِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يشركون.
(﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾) من الأنبياء ﵈ (﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾) وحَّد ﴿أَشْرَكْتَ﴾ والموحَى إليهم جماعةٌ؛ لأنَّ المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللَّام الأولى موطِئةٌ للقَسَم المحذوف، والثَّانية لام الجواب، وهذا الجواب سادٌّ مسدَّ الجوابين، أعني: جوابَي القَسَم والشَّرط، وإنَّما صحَّ هذا الكلام مع علمه تعالى بأنَّ رسله لا يشركون به (١) لأنَّ الخطاب للنَّبيِّ ﷺ والمراد به غيره، أو لأنَّه على سبيل الفرض، والمحالات يصحُّ فرضها، والغرض تشديد الوعيد على من أشرك، وأنَّ للإنسان عملًا يُثاب عليه إذا سلم من الشِّرك، ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾) ردٌّ لما أَمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله «﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾».
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾) وللأَصيليِّ: «لئن تسألهم» ولأبي ذرٍّ: «قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾» (﴿مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]) بتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فيقولون (٢)» بالتَّخفيف وزيادة واوٍ وفاءٍ بدل اللَّام (٣) (فَذَلِكَ) القول (إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ) تعالى من الأصنام ونحوها.
(وَ) بابُ (مَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَاد) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعمال العباد» (وَاَكْتِسَابِهِمْ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) أي: أحدث كلَّ شيءٍ وحده (﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيَّأهُ لما يصلح له بلا خللٍ فيه، وهو يدلُّ على أنَّه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما: أنَّ قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها: أنَّه
стр. 12920
تعالى نفى الشَّريك فكأنَّ قائلًا قال (١): هنا أقوامٌ معترفون بنفي الشُّركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون: بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم، ولا شبهة فيها لمن لا يقول: الله شيءٌ، ولا لمن يقول بخلق القرآن؛ لأنَّ الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ ِّ﴾ [الحجر: ٨]) أي: (بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ) وقال في «الكواكب»: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بالنُّون ونصب ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ استشهادٌ لكون نزول الملائكة بخلق الله، وبالتَّاء المفتوحة والرَّفع لكون نزولهم بكسبهم.
(﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]) أي: (المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ) بكسر اللَّام والدَّال المشدَّدتين فيهما (مِنَ الرُّسُلِ) أي: الأنبياء المبلِّغين المؤدِّين الرِّسالة عن تبليغهم، والتَّفسير بهم إنَّما هو بقرينة السَّابق عليه (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصِّدق إليهم والميثاق ونحوه.
(وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «﴿لَحَافِظُونَ﴾» [الحجر: ٩] (عِنْدَنَا) هو أيضًا من قول مجاهدٍ أخرجه الفريابيُّ، وقال مجاهدٌ (٣) أيضًا ممَّا وصله الطَّبريُّ: (﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القُرْآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾) هو (المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وهو أيضًا للكسب إذا أُضيف التَّصديق (٤) إلى المؤمن لا سيَّما وأضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: «عملت» والكسب له جهتان فأثبتهما بالآيات، وقد اجتمعا (٥) في كثيرٍ من الآيات نحو: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] قاله في «الكواكب» قال ابن بطَّالٍ: غرض البخاريِّ في هذا الباب: نسبة الأفعال كلِّها لله تعالى، سواءٌ كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله خلقٌ وللعباد كسبٌ، ولا يُنسَب شيءٌ من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في