← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

تامًّا من رواية واحدٍ منهم، ولم يذكر جواب عمر ﵁، وليس ذلك من المؤلِّف، فقد أخرجه البيهقيُّ من طريق آدم كذلك، نعم؛ ذكر جوابه مسلمٌ من طريق يحيى بن سعيدٍ، والنَّسائيُّ من طريق حجَّاج بن محمَّدٍ، كلاهما عن شعبة، ولفظهما: «فقال: لا تصلِّ» زاد السَّرَّاج: «حتَّى تجد الماء»، وهذا مذهبٌ مشهورٌ عن عمر، وافقه عليه ابن مسعودٍ، وجرت فيه مُناظَرةٌ بين أبي موسى وابن مسعودٍ تأتي إن شاء الله تعالى في «باب التَّيمُّم ضربةٌ» [خ¦٣٤٧]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ) مبتدأٌ وصفته، والخبر قوله: (وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ (١) المَاءِ) أي: يغنيه عند عدمه حقيقةً أو حكمًا، وقد روى أصحاب «السُّنن» نحوه مع زيادة: «وإن لم يجدِ الماء عشر سنين» وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا هو موصولٌ عند عبد الرَّزَّاق بنحوه: (يُجْزِئُهُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مهموزًا، أي: يكفيه (التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: مدَّة عدم الحدث، وهو عند سعيد بن منصورٍ بلفظ: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء، إذا تيمَّمت (٢) فأنت على وضوءٍ حتَّى تُحدِث، وفي مُصنَّف حمَّاد بن سلمة عن يونس بن (٣) عبيدٍ عن الحسن قال: يصلِّي الصَّلوات كلَّها بتيمُّمٍ

стр. 1332

واحدٍ مثل الوضوء (١) ما لم يحدث، وهو مذهب الحنفيَّة لترتُّبه على الوضوء، فله حكمه، وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يصلِّي إلَّا فرضًا واحدًا لأنَّه طهارة ضرورة (٢) بخلاف الوضوء، فقد صحَّ فيما قاله البيهقيُّ عن ابن (٣) عمر: «إيجاب التَّيمُّم لكلِّ فريضةٍ»، قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصَّحابة، نعم؛ روى ابن المنذر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه لا يجب، والنَّذر كالفرض، والأصحُّ صحَّة جنائز مع فرضٍ لِشَبَهِ صلاة الجنازة بالنَّفل في جواز التَّرك، وتعيُّنها عند انفراد المُكلَّف عارضٌ، وقد أُبيح عند الجمهور بالتَّيمُّم الواحدالنَّوافل مع الفريضة، إلَّا أنَّ مالكًا اشترط تقدُّم الفريضة. (وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ) مَنْ كان متوضِّئًا، وهذا وصله البيهقيُّ وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفة والجمهور؛ خلافًا للأوزاعيِّ، قال: لضعف طهارته. نعم؛ لا تصحُّ ممَّن (٤) تلزمه الإعادة، كمقيمٍ تيمَّم لعدم الماء عند الشَّافعيَّة. (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ) بالمُهمَلة والمُوحَدة والخاء المُعجَمة المفتوحات: الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت (وَ) كذا (التَّيَمُّمِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (٥) (بِهَا) واحتجَّ ابن خزيمة لذلك بحديث عائشة ﵂: أنَّه ﷺ قال: «رأيت دار هجرتكم سبخةً ذات نخلٍ» يعني: المدينة، قال: وقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ المدينة: «طيبة» فدل على أنَّ السَّبخة داخلةٌ في الطِّيب، ولم يخالف في ذلك إلَّا إسحاق بن رَاهُوْيَه.

стр. 1333

٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي

стр. 1334

الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ

стр. 1335

كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ ﷺ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) ﵁ (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله ﵊: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) ﵊ (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره ﵊ بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع

стр. 1336

حضور (١) الشَّيطان فيه كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) ﵊ ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالوَضُوءِ) بفتح الواو (٢) (فَتَوَضَّأَ) ﷺ وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذِّن بها كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر (٣) «المواقيت» [خ¦٥٩٥] (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ) أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) أي: موجودٌ بالكليَّة، و «ماءَ» بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ، أي: معي، تعقَّبه العينيُّبأنَّ كلمة «لا» لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس» فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ» أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له (قَالَ) ﵊: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وفي رواية سَلْم (٤) بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره (٥) أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ) ﵊ (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: «ونسيه» (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) ﵊ لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من

стр. 1337

الابتغاء، وللأَصيليِّ: «فابغيا» وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ، أي: فاطلبا (المَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح (١) أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو (٢) عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط «من ماءٍ» عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَالمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ (٣) فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأ و «بالماء» متعلِّقٌ به، و «أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس» بدلُ بعضٍ من كلٍّ، أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ، أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة» فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي» لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمسُ» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و «أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر، أي: عهدي متلبِّسٌ (٤) بالماء في أمس، ولم يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ «عهدي» -كما مرَّ- قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ «العهد» مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ. انتهى. (وَنَفَرُنَا) أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب (٥)، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييعلى الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ، أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]

стр. 1338

بالنَّصب (١)، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه؟! قال: والأوجه ما قاله الكِرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: «خُلُوفٌ» بالرَّفع خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟!) بالهمز، من صبأ؛ أي (٣): خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَىبتسهيله (٤) ياءً من: صبا يصبو إذا مال (٥)، أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ لكونه ﵊ كان (٦) صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى (٧) رسول الله» (¬ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما (وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) ﵊، من التَّفريغ (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفرغ» من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِالمَزَادَتَيْنِ) جمع في موضع التَّثنية على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]

стр. 1339

(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ) أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المُهمَلة والزَّايِ وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتحالياء، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّايِ والمدِّ، أي: فم المزادتين (١) الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان (٢) من أسفلها (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ من «سقى» فتُكسَر، أو قطعٍ من «أسقى» فتُفتَح، أي: اسقوا غيركم (٣) كالدَّوابِّ (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سَقَى) ولابن عساكر: «فسقى من شاء» (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من (٤) سقى» لأنَّه (٥) لنفسه، و «سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و «استقى» (٦) قِيلَ: بمعنى سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته (٧) لماشيته (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: (أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ) (٨) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما

стр. 1340

أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنَّها كانت كافرةً حربيَّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلَّا فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: قَسَمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة، أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً (١)) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ، أي: امتلاءً (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم (٢) آياته وباهر دلائل (٣) نبوَّته ﷺ ، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا (٤) واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين (٥)، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها (٦) أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي روايةٍ: «ما بين» (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أوَّلهما، ولكريمة: «ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ» بضمِّهما (٧) مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و «الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال (٨) الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ) أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: «فجعلوها» أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله ﷺ ، وللأَصيليِّ: «قالوا لها» أي: الصَّحابة بأمره ﷺ (تَعْلَمِينَ)

стр. 1341

بفتح التَّاء (١) وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في فرع «اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من «باب عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام (٢)، أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ، أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه (٣) من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمز، ولابن عساكر: «سقانا» (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» (مَا) وللأَصيليِّ: «فقالوا لها: ما» (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ) أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: «إلى (٤) هذا الرَّجل الذي» (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان (٥) المناسب التَّعبير بـ «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض (وَقَالَتْ) أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه (٦) يُشار بهما (٧) عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة لأنَّها (٨) يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي) أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ﷺ (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقّ، فآمنت بعد ذلك (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: «بعد يُغيرون» بضمِّ الياء من «أغار»، ويجوز فتحها من «غار» وهو قليلٌ (٩) (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها

стр. 1342

(فَقَالَتْ) أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي أعتقد (١) (أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال (٢)، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا (٣) ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: «ما أَرى هؤلاء» بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: «ما أُرى» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ «إن هؤلاءِ» بكسر الهمزة، كذا في الفرع، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ما أدري أنَّ» بالدَّال بعد الألف، و «أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر (٤)، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا (٥) مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ). ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٧١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في الفرع: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف في تفسير: (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، وقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) وقال البيضاويُّ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.

стр. 1343

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ المَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ العَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه أو رفيقه ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يتيمَّم» أي: مع وجود الماء. (وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث ﵁ (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فتلا»: (﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «فَذَكَرَ ذلك» أي: عمرٌو للنَّبيِّ (¬ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عَمْرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يعنِّفه» بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر، أي: لم يلُمْه رسول الله ﷺ ، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرٍو ولم يذكر «التَّيمُّم» (١)، ولم يقل عمرٌو الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ ﷺ كما

стр. 1344

يدلُّ عليه سياق حديث أبي داود، ولفظه: فقال -أي: النَّبيُّ ﷺ : «يا عمرو؛ صلَّيت بأصحابك وأنت جنبٌ؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إنِّي سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ … ﴾ الآيةَ. وفي الحديث: جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضِّئ، والتَّيمُّم لمن يتوقَّع من استعمال الماء الهلاك. ٣٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريُّ الفرائضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) أي: ابن (١) جعفرٍ البصريُّ (هُوَ غُنْدَرٌ) وسقط ذلك عند الأَصيليِّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» ولابن عساكر: «أخبرنا شعبة» (عَنْ سُلَيْمَانَ) الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵄: (إِذَا لَمْ يَجِدِ) الجنب (المَاءَ لَا يُصَلِّي) كذا لكريمة بصيغة الغائب: «يجد ويصلِّي» فيهما (٢)، وللأَصيليِّ وغيره: «إذا لم تجد الماء لا تصلِّي» بالخطاب فيهما، فأبو موسى يخاطب عبد الله (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ، زاد في رواية ابن عساكر: «نعم» أي: لا يصلِّي (لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا) أي: في جواز التَّيمُّم للجنب (كَانَ) ولابن عساكر: «وكان» (إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ هَكَذَا) قال أبو موسى مفسِّرًا قول (٣) ابن

стр. 1345

مسعود: (يَعْنِي: تَيَمَّمَ وَصَلَّى، قَالَ) أبو موسى: (قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ) أي: ابن ياسرٍ (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁؟ أي: قوله السَّابق [خ¦٣٣٨]: «كنَّا في سفرٍ فأجنبت فتمعَّكت … » إلى آخره، (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ ﵁: (إِنِّي) وفي روايةٍ (١): «فإنيِّ» (لَمْ أَرَ (٢) عُمَرَ قَنِعَ) بكسر النُّون (بِقَوْلِ عَمَّارٍ) بن ياسرٍ (٣)، وإنَّما لم يقنع عمر بقول عمَّارٍ لأنَّه كان حاضرًا معه في تلك (٤) السَّفرة، ولم يذكر القصَّة فارتاب لذلك، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول. ٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا الأعمش» (قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ) هو أبو وائلٍ (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵄ (فَقَالَ لَهُ) أي: لابن مسعودٍ (أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن مسعودٍ (إِذَا أَجْنَبَ) الرَّجل (فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟) ولابن عساكر: «فلم يجدِ الماء» وفي روايةٍ: «إذا أجنبت فلم تجد الماء كيف تصنع؟» بتاء الخطاب في الثَّلاثة (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى) أي: لا يصلِّي الرَّجل إلى أن (٥) (يَجِدَ المَاءَ) وللأَصيليِّ: «لا

стр. 1346

تصلِّي (١) حتَّى تجد» بتاء الخطاب، وسقط عنده وابن عساكر (٢) لفظة «الماء» فاقتصرا على «حتَّى تجد» (فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : كَانَ يَكْفِيكَ) أي: مسح الوجه والكفَّين؟ (قَالَ) ابن مسعودٍ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي والأَصيليِّ وابن عساكر: «منه» أي: من عمَّار بذلك (٣) (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) له (٤): (فَدَعْنَا) أي: اتركنا (مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ) واقطع لي (٥) النَّظر عنه (كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟) أي: في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦] فانتقل في (٦) المحاجَّة من دليلٍ إلى آخر ممَّا فيه الخلاف إلى ما عليه الاتِّفاق؛ تعجيلًا لقطع خصمه وإفحامه (فَمَا دَرَى) أي: فلم يعرف (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (مَا يَقُولُ) في توجيه الآية على وفق فتواه، واستُشكِل ما ذهب إليه ابن مسعودٍ كعمر ﵄ من إبطال هذه الرُّخصة، مع ما فيها من إسقاط الصَّلاة عمَّن خُوطِب بها وهو (٧) مأمور بها (٨)، وأُجيببأنَّهما إنَّما تأوَّلا المُلامَسة في الآية؛ وهي قوله تعالى: ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ على مماسَّة (٩) البشرتين من غير جماعٍ؛ إذ لو أراد (١٠) الجماع لكان فيه مُخالَفةٌ لآيةٍ صريحةٍ؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ أي: اغتسلوا، ثمَّ قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ فجعل التَّيمُّم بدلًا عنِ الوضوء، فلا يدلُّ على جواز التَّيمُّم

стр. 1347

للجنب، ولعلَّ مجلس المُناظَرة بين أبي موسى وابن مسعودٍ ما كان يقتضي تطويل المُناظَرة، وإلَّا فكان لابن مسعودٍ أن يجيب أبا موسى بأنَّ المُلامَسة في الآية المُرادُ بها تلاقي البشرتين بلا جماعٍ -كما مرَّ- والحاصل: أنَّ عمر وابن مسعودٍ ﵄ لا يريان تيمُّم الجنب لآية: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ ولآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣] (فَقَالَ) أي: ابن مسعودٍ (إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا) أي: في التَّيمُّم للجنب (لأَوْشَكَ) بفتح الهمزة، أي: قَرُبَ وأسرع (إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُالمَاءُ) بفتح الرَّاء وضمِّها، كذا (١) ضبطه (٢) في الفرع كأصله، لكن قال الجوهريُّ: الفتح أشهر (أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ) قال الأعمش: (فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ) أبي وائلٍ: (فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ التَّيمُّم للجنب (لِهَذَا؟) أي: لأجل احتمال أن يتيمَّم للبرد؟ (قَالَ) شقيقٌ -ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال» -: (نَعَمْ) كرهه لذلك. (٨) (باب التَّيَمُّمُ) حال كونه (ضَرْبَةٌ) واحدةٌ، كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ بإضافة «باب» لتاليه، فإن قلت: ليس هذا من الصُّور الثَّلاث التي يقع فيها الحال من المُضاف إليه؛ وهي: أن يكون المضاف جزءًا من المُضاف إليه، أو كجزئه، أو كان المضاف (٣) عاملًا في الحال، أُجيب بأنَّ المعنى: باب شرح التَّيمُّم، فالتَّيمُّم بحسب الأصل مُضافٌ إلى ما يصلح عمله في الحال، فهو من الصُّور الثَّلاث، قاله الدَّمامينيُّ (٤)، وفي رواية الأكثرين: «بابٌ» بالتَّنوين، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، و «التَّيمُّم» مبتدأٌ (٥)، «ضربةٌ» خبره.

стр. 1348

٣٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) وفي غير رواية الأَصيليِّ: «محمَّد (١) بن سَلَام» بتخفيف اللَّام وتشديدها كما في الفرع، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالمُعجَمَتين، الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أي: أبي وائل بن سلمة (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵄ (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى): تقول: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟) كذا لكريمة والأَصيليِّ؛ بالهمز، كما (٢) قاله الحافظ ابن حجرٍ، و «ما» نافيةٌ على أصلها، و «الهمزة»: إمَّا للتَّقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاءً للشَّرط، وإمَّا مُقحَمةٌ فوجودها كالعدم، وإمَّا للاستفهام وعليها (٣) فهو جواب «لو»، لكن يُقدَّر في الأوَّلين القول قبل «لو» -كما مرَّ- وفي الثَّالث قبل «أَمَا كان» أي: لو أنَّ رجلًا أجنبَ يقال في حقِّه: إمَّا يتيمَّم (٤)، ويجوز على هذا أن يكون جواب «لو» هو قوله: (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ) أي: مع قولكم: لا يتيمَّم، وفي روايةٍ: «قال: فكيف تصنعون» (٥)

стр. 1349

(بِهَذِهِ الآيَةِ) التي (فِي سُورَةِ المَائِدَةِ) وفي رواية الأكثرين: «ما كان» بإسقاط الهمزة، ولـ «مسلمٍ»: «كيف يصنع بالصَّلاة؟» (١)، وفي روايةٍ: «قال، أي: أبو موسى: فكيف»، وللأَصيليِّ كما في «الفتح»: «فما تصنعون بهذه الآية في سورة «المائدة»؟»، وفي الفرع علامةٌ للكُشْمِيْهَنِيِّ على: «بهذه»، وعلى: «الآية» (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]؟) وللأَصيليِّ زاد في الفرع وأبي ذَرٍّ: «فإن لم تجدوا»، وهو مغايرٌ للتِّلاوة، وقد قِيلَ: إنَّه كذلك كان في نسخة أبي ذَرٍّ، ثمَّ أصلحه على وفق التِّلاوة، وهو يؤيِّد ما في الفرع -كما مرَّ- وإنَّما عيَّن سورة «المائدة» لكونها (٢) أظهر في مشروعيَّة تيمُّم الجنب من آية «النِّساء» لتقُّدم (٣) حكم الوضوء في «المائدة»، ولأنَّها آخر السُّور نزولًا (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا) بفتح الهمزة، أي: لأسرعوا (إِذَا بَرَدَ) بفتح الرَّاء وضمِّها (عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا) أي: يقصدوا (الصَّعِيدَ) وللأَصيليِّ: «بالصَّعيد» قال الأعمش: (قُلْتُ) لشقيقٍ: (وَإِنَّمَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٤): «فإنَّما» (كَرِهْتُمْ هَذَا) أي: تيمُّم الجنب (لِذَا؟) أي: لأجل تيمُّم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السَّابقة: «فقلت لشقيقٍ: فإنَّما كره عبد الله لهذا» [خ¦٣٤٦] (قَالَ) أي: شقيقٌ: (نَعَمْ) وهو يردُّ على البرماويِّ كالكِرمانيِّ، حيث قال في حديث هذا الباب: قلت: وهو قول شقيقٍ (فَقَالَ) بالفاء، ولابن عساكر: «قال» (أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ) أي: في سريَّةٍ فذهبت (فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي الوقت (٥): «ولم» (٦) (أَجِدِ المَاءَ) من «وجد» المتعدِّي لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى: لم أُصِبِ الماء (٧) (فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ) وفي روايةٍ: «في

стр. 1350

التُّراب» (كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ) برفع الغَيْن وحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا كـ ﴿تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] و «الكاف» للتَّشبيه، وموضعها مع مجرورها نصبٌ على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، فيُقدَّر: تمرُّغًا (١) كتمرُّغ الدَّابَّة، ومذهب سيبويه في هذا كلِّه: النَّصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدِّم المحذوف، بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، فيكون التَّقدير: فتمرَّغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المُستثناة، قال عمَّارٌ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ) بالتُّراب (٢) (هَكَذَا، فَضَرَبَ) بالفاء، وللأربعة: «وضرب» (بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «بكفَّيه» (ضَرْبَةً) واحدةً (عَلَى الأَرْضِ) وفي غير هذه الطَّريق: «ضربتان»، وهو الذي رجَّحه النَّوويُّ وقال: إنَّه الأصحُّ المنصوص عليه (٣) كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (ثُمَّ نَفَضَهَا) أي: تخفيفًا للتُّراب (ثُمَّ مَسَحَ بِهَا) أي: بالضَّربة (ظَهْرَ كَفِّهِ) اليمنى (٤) (بِشِمَالِهِ أَوْ) مسح (ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ) اليمنى (٥)؛ بالشَّكِّ في جميع الرِّوايات. نعم؛ هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شكٍّ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، ولأبي الوقت وابن عساكر: «بها» أي: بالضَّربة (وَجْهَهُ؟) فيه الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ، وتقديم مسح الكفِّ على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدةٍ وعدم مسح الذِّراعين، ومسح الوجه بالتُّراب المُستعمَل في الكفِّ، ولا يخفى ما في ذلك كلِّه، وقد تعسَّف الكِرمانيُّ فأجاببأنَّ الضَّربة الواحدة لأحد ظهري الكفِّ، والتَّقدير: ثمَّ ضرب ضربةً أخرى، ثمَّ مسح بها يديه للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح

стр. 1351

إحدى اليدين، فيكون المسح الأوَّل ليس لكونه من التَّيمُّم، بل فعله ﵊ خارجًا عنه لتخفيف التُّراب. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ حديث عمَّارٍ لم يزد فيه على ضربةٍ، والأصل عدم التَّقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرَّافعيُّ وهو مذهب أحمد، وقال النَّوويُّ: الأصحُّ المنصوص وجوب ضربتين، وأمَّا عدم التَّرتيب فيتَّجه على مذهب الحنفيَّة، أما عند الشَّافعيَّة فواجبٌ. نعم؛ لا يُشترَط ترتيب نقل التُّراب للعضو في الأصحِّ، بل يُستحَّبُّ لأنَّه وسيلةٌ، فلو ضرب بيديه دفعةً واحدةً ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز؛ لأنَّ الفرض المسح، والنَّقل وسيلةٌ، وقد روى أصحاب «السُّنن»: «أنَّه ﵊ تيمَّم فمسح وجهه وذراعيه»، و «الذِّراع»: اسمٌ للسَّاعد إلى المرفق، وعن «القديم»: إلى الكوعين لحديث عمَّارٍ هذا، قال في «المجموع»: وهو الأقوى دليلًا، وفي «الكفاية» تعيين ترجيحه، وذكر في «المُحرَّر» كيفيَّة التَّيمُّم، وجزم في «الرَّوضة» باستحبابها، فإذا مسح اليمنى (١) وضع بطون أصابع يساره غير الابهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبِّحة اليسرى، ولا تحاذي مسبِّحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى، ويُمِرُّها (٢) على ظهر الكفِّ، فإذا بلغ الكوع ضمَّ أطراف أصابعه على حرف (٣) الذِّراع ويمرُّها إلى المرفق، ثمَّ يدير بطن كفِّه إلى بطن الذِّراع، ويمرُّها عليه وإبهامه مرفوعةٌ، فإذا بلغ الكوع أمرَّها على إبهام اليمنى (٤)، ثم يمسح اليسار باليمنى (٥) كذلك، ثمَّ يمسح إحدى الرَّاحتين بالأخرى ويخلِّل أصابعهما، ولم تثبت هذه الكيفيَّة في السُّنَّة، بل في «الكفاية» عن «الأمِّ» أنَّه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثمَّ يمرُّ الماسحة وهي من تحت لأنَّه أحفظ للتُّراب (فَقَالَ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولكريمة والأَصيليِّ وهو في متن الفرع من غير عزوٍ: «أفلم ترَ عمر بن الخطَّاب» (لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ) وعند «مسلمٍ» من رواية عبد الرَّحمن بن أَبْزَى: «اتَّقِ الله يا عمَّار» أي: فيما ترويه، وتثبَّت فلعلَّك نسيت أو اشتبه عليك، فإنِّي كنت معك ولا أتذكَّر شيئًا من هذا! (وَزَادَ)

стр. 1352

بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «زاد» (يَعْلَى) بن عبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ الحنفيُّ الكوفيُّ ممَّا وصله أحمد وغيره (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) لعبد الله: (أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيلي: «إنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ ، بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ) لا يُقال: كان الوجه بعثني إيَّاي وإيَّاك؛ لأنَّ «أنا» ضمير رفعٍ، فكيف وقع تأكيدًا للضَّمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؛ لأنَّ الضَّمائر تتقارض فيُحمَل بعضها على بعضٍ، وتجري بينها (١) المُناوَبة (فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ ، فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا» (وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) مسحةً (وَاحِدَةً؟) أو ضربةً واحدةً (٢)، وهو المناسب لقول المؤلِّف في التَّرجمة (٣) «باب التَّيمُّم ضربةٌ». (٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، ولفظ: «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، فيكون داخلًا في التَّرجمة السَّابقة. ٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين (٤) المُهمَلة وسكون المُوحَّدة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ)

стр. 1353

ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران بن ملحان العطارديِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى) أي: أبصر (١) (رَجُلًا مُعْتَزِلًا) أي: منفردًا (٢) عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ فَقَالَ) ﵊: (يَا فُلَانُ) هو كنايةٌ عن علم المُذكَّر، ويحتمل (٣) أن يكون ﷺ خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الرَّاوي لنسيان اسمه، أو لغير ذلك (مَا مَنَعَكَ) ولابن عساكر: «ما يمنعك» (أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟) مفعولٌ ثانٍ لـ «منع»، أو على إسقاط الخافض، أي: من أن تصلِّي، ففي محلِّه المذهبان المشهوران هل هو نصبٌ أو جرٌّ؟ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) بالفتح -كما مرَّ- والمُراد عموم النَّفيِ إظهارًا لتمام العذر، فكأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة (قَالَ) ﵊: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في التَّنزيل، قال ابن عبَّاسٍ: المُراد به (٤): التُّراب، ولمَّا صحَّ: «وترابها طهورٌ» تعلَّق (٥) الحكم به (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) عن الماء، و «الفاء» في «فإنَّه» سببيَّةٌ (٦). فإن قلت: ما المُطابَقة بين التَّرجمة وبين هذا على رواية الأَصيليِّ المُسقِطة (٧) للفظ (٨): «بابٍ»؟ أُجيببأنَّه لم يقيّد بضربةٍ ولا غيرها، وأقلُّه ضربةٌ واحدةٌ، فيدخل هذا (٩) في التَّرجمة من (١٠) ثمَّ. وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو مُختَصَرٌ من الحديث السَّابق في باب «الصَّعيد الطَّيِّب» [خ¦٣٤٤].

стр. 1354

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر أحكام الطَّهارة التي هي من (١) شروط الصَّلاة (٢) شَرَعَ في بيان الصَّلاة التي هي المشروطة فقال: ((٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي ساقطةٌ عند ابن عساكر. هذا (كِتَابُ الصَّلَاةِ) (٣) أو: خذ كتاب الصَّلاة، واشتقاقها من الصَّلي، وهو عرض خشبةٍ معوجَّةٍ على نارٍ لتقويمها (٤)، وبالطَّبع عوجٌ فالمصلِّي من وهج السَّطوة يتقوَّم اعوجاجه ثمَّ يتحقَّق معراجه، ومن اصطلى بنار الصَّلاة وزال عوجه لا يدخل النَّار، وهي صلةٌ بين العبد وربِّه تعالى، وجامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة، من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والنُّطق بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا ليُجمَع للعبد فيها ذكر السِّرِّ وذكر العلانية، فالمصلِّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السَّامعين، وهو ما يجهر به من القراءة فيها، قال الله في الحديث الثَّابت عنه: «إن ذكرني في نفسه ذكرته في

стр. 1355

نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه» وقد يريد بذلك الملأ (١): الملائكة المقرَّبين، والكَروبيِّين (٢) خاصَّةً الَّذين اختصَّهم لحضرته (٣)، فلهذا الفضل (٤) شرع لهم في الصَّلاة (٥) الجهر بالقراءة والسِّرَّ، وهي لغةً: الدُّعاء بخيرٍ (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتحةٌ بالتَّكبير، مُختَتمةٌ بالتَّسليم. (١) (بابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «كيف فُرِضَت الصَّلوات» (فِي) ليلة (الإِسْرَاءِ) بجسده وروحه ﵊ يقظةً إلى السَّموات، وقد اختلفوا -مع اتِّفاقهم على أنَّ فرْضيَّة (٧) الصَّلوات كانت ليلة الإسراء- في وقته، فقِيلَ: قبل الهجرة بسنةٍ، وعليه الأكثرون، أو وخمسة أشهرٍ، أو وثلاثةٍ، أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربيُّ: في سابع عشْري (٨) ربيع الآخر، وكذا قال النَّوويُّ في «فتاويه»، لكن قال في «شرح مسلمٍ»: ربيع الأوَّل، وقِيلَ: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ المقدسيُّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله المؤلِّف أوائلَ الكتاب: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ) الطَّويل (فَقَالَ) أبو سفيان: (يَأْمُرُنَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ) وقد أخرجه المؤلِّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلمٌ وأصحاب

стр. 1356

«السُّنن» الأربعة (١) إلَّا ابن ماجه.

стр. 1357

٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ «ابن مالكٍ» لابن عساكر (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) ﵁ (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء، أي: فُتِح (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) أضافه لنفسه؛ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى مُلابَسةٍ، وإِلَّا فهو بيت أُمِّ هانئٍ، كما ثبت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) ﵇ من الموضع المفروج في السَّقف، مبالغةً في المفاجأة (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: شقَّ (صَدْرِي) ولأبي ذَرٍّ: «عن صدري» (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) (١) لفضله على غيره من المياه، أو لأنَّه يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملة، وهي مؤنَّثةٌ، وتُذَكَّر على معنى الإناء (مِنْ ذَهَبٍ) لا يُقال: فيه استعمال آنية الذَّهب لنا (٢)؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك كان قبل التَّحريم؛ لأنَّه إنَّما وقع بالمدينة (مُمْتَلِئٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «طستٍ»، وذُكِّرَ على معنى: الإناء (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنَّصب فيهما على التَّمييز، أي: شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأُطْلِقا عليه تسميةً للشَّيء باسم مُسبَّبه، أو هو تمثيلٌ لينكشفَ بالمحسوس ما هو معقولٌ، كمجيءِ الموت في هيئة كبشٍ أملحَ، والحكمة -كما قاله النَّوويُّ-: عبارةٌ عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوبةِ بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، وقِيلَ: هي النُّبوَّة، وقِيلَ: هي (٣) الفهم عن الله تعالى. (فَأَفْرَغَهُ) أي: ما في الطَّست (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: الصَّدرَ الشَّريفَ، فختم عليه كما يُختَم على الوعاء (٤) المملوء،

стр. 1358

فجمع الله تعالى له أجزاءَ النُّبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيِّين، وختم عليه فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم عليه (١) محروسٌ، وإنَّما فُعِل به ذلك ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثُّبوت في المقام الأسنى، كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق، وعند المبعث ليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ. قال ﵇: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ) أي: صعِد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «به» على الالتفات أو التَّجريد، جرَّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وبينها وبين الأرض خمس مئة عامٍ، كما بين كلِّ سماءين إلى السَّابعة، وسقط لفظ «الدُّنيا» عند الأربعة (٢) (قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ) أي: بابها، وفي رواية شريك عند المؤلِّف: «فضرب بابًا من أبوابها» (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) ولغير أبي ذَرٍّ: «قال: هذا جبريل» لم يقل: أنا؛ للنَّهي عنه (قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ (٣)، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ وليس السُّؤال عن أصل (٤) رسالته؛ لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذَرٍّ: «أَأُرسل إليه؟» بهمزتين، الأولى للاستفهام وهي مفتوحةٌ، والأخرى للتَّعدية وهي مضمومةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كما في «الفتح»: «أَوَأُرْسِلَ إليه؟ (٥)» بواوٍ مفتوحةٍ بين الهمزتين، وفي رواية شريكٍ: «قال: وقد (٦) بُعِثَ إليه؟»

стр. 1359

(قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرْسِل إليه (فَلَمَّا فَتَحَ) الخازن (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ضمير الجمع فيه يدلُّ على أنَّه كان معهما ملائكةٌ آخرون، ولعلَّه كان كلَّما عَدَيَا سماءً تُشيُّعهما الملائكة حتَّى يصلا إلى سماءٍ أخرى، و «الدُّنيا» صفة «السَّماء» في موضع نصبٍ (فَإِذَا) بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا» (رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ، جمع سوادٍ، كأزمنةٍ جمع زمانٍ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوَحَّدة، أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ) أي: جهة (يَسَارِهِ بَكَى) وللأربعة: «شماله» (فَقَالَ) أي: الرَّجل القاعِد: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) أي: أصبت رَحْبًا (١) لا ضيقًا، وهي كلمةٌ تُقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحدٌ (٢): مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّادق؛ لأنَّ الصَّلاح شاملٌ لسائر الخصال المحمودة الممدوحة (٣) من الصِّدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنَّه قال: مرحبًا بالنَّبيِّ التَّامِّ في نبوَّتِه، والابنِ البارِّ في بنوَّتِه (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) ﵇: (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ) ﵇ (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النُّون والسِّين المهملة،

стр. 1360

جمع نَسَمةٍ؛ وهي نفس الرُّوح، أي: أرواح بنيه (فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ) يُحتمَل أنَّ النَّار كانت في جهة شماله، ويُكشَفُ له عنها حتَّى ينظرَ إليهم، لا أنَّها في السَّماء؛ لأنَّ أرواحَهم في سِجِّين الأرض السَّابعة، كما أنَّ الجنَّة فوق السَّماء السَّابعة في جهة يمينه كذلك (فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ (١) بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي) جبريل، ولابن عساكر: «به» (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ (٢)، فَفَتَحَ). (قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال» (أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أبو ذَرٍّ (أَنَّهُ) أي: النَّبيُّ ﷺ (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَلَمْ يُثْبِتْ) من الإثبات (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: لم يعيِّن أبو ذَرٍّ لكلِّ نبيٍّ سماءً (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) نعم في حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند الشَّيخين: «أنَّه وجد آدم في السَّماء الدُّنيا -كما مرَّ-، وفي الثَّانية: يحيى وعيسى، وفي الثَّالثة: يوسف، وفي الرَّابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السَّادسة: موسى، وفي السَّابعة: إبراهيم» وفيه بحثٌ يأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦٣٢٠٧]. (قَالَ أَنَسٌ) ظاهره: أنَّ أنسًا لم يسمع من أبي ذَرٍّ هذه القطعة الآتية (٣)، وهي: (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: مصاحبًا بالنَّبيِّ ﷺ (بِإِدْرِيسَ) ﵇، يتعلَّق الجارُّ والمجرور في

стр. 1361

الموضعين بـ «مرَّ»، إلَّا أنَّ الباء الأولى للمصاحبة -كما مرَّ-، والثَّانية للإلصاق، أو بمعنى: «على» (قَالَ) إدريس (١): (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) لم يقل: والابن كآدم (٢)؛ لأنَّه لم يكن من (٣) آبائه ﷺ (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال»: (هَذَا إِدْرِيسُ) ﵇، قال ﵇ (٤): (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) سقط قوله «وَالأَخِ الصَّالِحِ» في رواية الأربعة كما في الفرع، قال ﵇: (قُلْتُ) وفي رواية (٥): «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قال ﵇: (قُلْتُ) وفي روايةٍ: «فقلت»: (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا عِيسَى) وسقطت لفظة «هذا» عند أبي ذرٍّ، وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، إِلَّا إنْ قيل بتعدُّدِ المعراج لأنَّ الرِّوايات قد اتَّفقت على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسى، قال ﵇: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) ﵇ (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ¬). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ عن أربعٍ وثمانين سنةً (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة على المشهور، البدريَّ (الأَنْصَارِيَّ) وعند القابسيِّ: «وأبا حَيَّة» بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وغلط، ورواية أبي بكر بن حزمٍ عن أبي حبَّة منقطعةٌ لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد أبي بكرٍ بدهرٍ، بل قبل مولد أبيه محمَّدٍ أيضًا، ففي هذه الرِّواية وهمٌ لأنَّه إمَّا أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو

стр. 1362

أبوه (١) محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا (٢) أنْ يُقال: إنَّ أبا بكرٍ رواه (٣) عنه مُرسَلًا إذ قال: «أنَّ»، ولم يقل: «سمعت» ولا: «أخبرني» وحينئذٍ فلا وَهَمَ، واختُلِف في اسم أبي حبَّة بالموحَّدة (٤)، فقيل: عامر بن عبد عمرو (٥) بن عُمَير بن ثابتٍ، وقيل: مالكٌ، وأنكر الواحديُّ أن يكون في البدريِّين مَن يُكنَّى أبا حبَّة بالموحَّدة، قال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمَّار (٦) بن أبي عمَّار، وحديثه عنه في «مسند ابن أبي شيبة وأحمد» وصحَّحه الحاكم وصرَّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الَّذي ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشْهِدَ بأُحدٍ، وله في «الطَّبراني» آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قويٌّ، إِلَّا أنَّ عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزمٍ: (كَانَا) أي: ابن عبَّاسٍ وأبو حبَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ عَُرَِجَ بِي) بفتحاتٍ، أو بضمِّ الأوَّل وكسر الثَّاني (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يُستوَى عليه، وهو المصعد، واللَّام فيه للعلَّة أي: علوت لاستعلاء مستوًى، وفي بعض الأصول: «بمستوًى» بموحَّدةٍ بدل اللَّام (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى ممَّا تنسخه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيٌّ عن الاستذكار بتدوين الكتب؛ إذ علمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.

стр. 1363

(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه: (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا جزم به (١) أصحاب «الأطراف»، ويُحتَمل أن يكون مُرْسَلًا من جهة ابن حزمٍ، ومن رواية أنسٍ بلا واسطةٍ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللهُ) زاد الأَصيليُّ: « » (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) أي: في كلِّ يومٍ وليلةٍ كما عند مسلمٍ من حديث ثابتٍ عن أنس، لكن بلفظ: «ففرض الله عليَّ» وذِكْرُ الفرض عليه يستلزم الفرض على أمَّته وبالعكس، إِلَّا ما يُستثنَى من خصائصه (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) ﵊ (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ) موسى: (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى الموضع الَّذي ناجيتَه فيه (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) سقطت لفظة «ذلك» في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (فَرَاجَعَنِي) و «للأربعة» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فراجعت» والمعنى واحدٌ (فَوَضَعَ) أي: ربِّي (شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابتٍ: «فحطَّ عنِّي خمسًا»، وزاد فيها: أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي زيادةٌ معتمدةٌ يتعيَّن حملُ ما في الرِّوايات عليها (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «فقلت»: (وَضَعَ (٢) شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال»: (رَاجِعْ رَبَّكَ) وفي روايةٍ: «ارجع إلى ربِّك» (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك (فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر «فرجعت» (فَوَضَعَ) عنِّي (شَطْرَهَا) فيه شيءٌ على تفسير الشَّطر بالنِّصف؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشْرة صلاةً ونصف صلاةٍ، وهو باطلٌ، فتفسيره بجزءٍ منها أولى، وأحسنُ منه الحمل على ما زاده ثابتٌ: «خمسًا خمسًا» كما مرَّ (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ (٣)، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهْيَ خَمْسُونَ)

стр. 1364

بحسب الثَّواب، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (١)، ونسبها في «الفتح» لغير أبي ذَرٍّ: «هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون» واستدلَّ به على عدم فرضيَّة ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه: جواز النَّسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة، قال ابن المُنَيِّر: لكنَّ الكلَّ متَّفقون على أنَّ النَّسخ لا يُتصوَّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء، فأشكل على الطَّائفتين، وتُعقِّب بأنَّ الخلاف مأثورٌ، نصَّ عليه ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» وغيره. نعم هو نسخٌ بالنِّسبة إلى النَّبيِّ ﷺ لأنَّه كُلِّفَ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسِخَ بعد أن بلَّغَه وقبل أن يفعل، فالنَّسخ في حقِّه صحيح التَّصوير. (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لَدَيَّ) أو لا يُبدَّل القضاء المُبرَم، لا المعلَّق الَّذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأمَّا مراجعته ﵊ ربَّه في ذلك فللعلم بأنَّ الأمر الأَوَّل ليس على وجه القطع والإبرام، قال ﵊: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) وللأَصيليِّ: «ارجع إلى ربِّك» (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قلت:» (اسْتَحْيَيْتُ) وللأَصيليِّ: «قد استحييت» (مِنْ رَبِّي) وجه استحيائه: أنَّه لو سأل الرَّفع بعد الخمس لكان كأنَّه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولاسيَّما وقد سمع قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) بفتح الطَّاء واللَّام، وفي بعض النُّسخ: إسقاط «بي» والاقتصار على: «ثمَّ انطلق» (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى) و «للأربعة»: «إلى السِّدرة المنتهى» (٢) وهي في أعلى السَّموات، وفي «مسلمٍ»: «أنَّها في السَّماء (٣) السَّادسة». فيحتمل أنَّ أصلها فيها ومعظمها في السَّابعة، وسمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ (٤) إِلَّا رسول الله ﷺ ، أو لأنَّه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشُّهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلِّي عليهم الملائكة المقرَّبون

стр. 1365

(وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ، وبعد الألف مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ثمَّ لامٌ، كذا هنا في جميع الرِّوايات، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة» ثمَّ ضُرِب على التَّضبيب، وصُحِّح على لفظ «حبايل» ثلاث مرَّاتٍ، قِيلَ: معناه: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ، ورُدَّ بأنَّ الحبائل إنَّما تكون جمع حبالةٍ أو حبيلةٍ، وذكر غير واحدٍ من الأئمَّة: أنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هي (١): «جنابذ» كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ مُعجَمةٌ، جمع: جنبذةٍ، وهي: القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ) أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك (٢). ورواة هذا الحديث الستَّة ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» مُختصَرًا [خ¦١٦٣٦] وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٧] وفي «الأنبياء» [خ¦٣٣٤٢] وفي (٣) «باب ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]»، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

стр. 1366

٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ إمام الأئمَّة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ) أي: قَدَّرَ الله (الصَّلَاةَ) الرُّباعيَّة (حِينَ فَرَضَهَا) حال كونها (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالتَّكرير لإفادة عموم التَّثنية لكلِّ صلاةٍ (فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ) زاد ابن إسحاق: قال: حدَّثني صالح بن كيسان بهذا الإسناد: «إِلَّا المغرب فإنَّها ثلاثٌ (١)» أخرجه أحمد (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) ركعتين ركعتين (وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ) لمَّا قدم ﵊ المدينة ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الصُّبح لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النَّهار، رواه ابنا خزيمة وحِبَّان والبيهقيُّ، وقد تمسَّك بظاهره الحنفيَّة على أنَّ القصر في السَّفر عزيمةٌ لا رخصةٌ، فلا يجوز الإتمام إذ ظاهر قولها: «أُقِرَّت» يقتضيه. وأجيب بأنَّه منها على سبيل الاجتهاد، وهو أيضًا مُعارَضٌ بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عند مسلمٍ: «فرضت الصَّلاة في الحضر أربعًا وفي السَّفر ركعتين»، وفيه نظرٌ يأتي -إن شاء الله تعالى- في «أبواب القصر» (٢) [خ¦١٠٩٠] وبأنَّ عائشة أتمَّت في السَّفر، والعبرة عندهم برأي الصَّحابيِّ لا بِمَرْوِيِّه، أو تؤوَّل الزِّيادة في قولها: «وزِيدَ في صلاة الحضر» في عدد الصَّلوات حتَّى بلغت خمسًا، لا في عدد

стр. 1367

الرَّكعات، ويكون قولها: «فُرِضَتِ الصَّلاة ركعتين» أي: قبل الإسراء، فإنَّها كانت قبل الإسراء صلاةٌ قبل المغرب، وصلاةٌ قبل طلوع الشَّمس، ويشهد له (١) قوله (٢) تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] ودليلنا كمالكٍ وأحمد قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنَّ نفي الجُنَاح لا يدلُّ على العزيمة، والقصر يُنبئ عن (٣) تمام سابقٍ، وقوله ﵊: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم» رواه مسلمٌ، فالمفروض الأربع، إِلَّا أنَّه رخَّص بأداء ركعتين. وقال الحنفيَّة: المفروض ركعتان فقط، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتمَّ المسافر يكون الشَّفع الثَّاني عندنا فرضًا، وعندهم نفلًا. لنا: أنَّ الوقت سببٌ للأربع، والسَّفر سببٌ للقصر، فيختار أيَّهما شاء، ولهم: قول ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: «إنَّ الله فرض (٤) على لسان نبيِّكم (٥) ﵊: الصَّلاة (٦) للمقيم أربعةً وللمسافر ركعتين» ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه من (٧) «باب التَّقصير» [خ¦١٠٩٠]. ورواة هذا الحديث مابين مصريٍّ (٨) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو من مراسيل عائشة، وهو حجَّة. (٢) (بابُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ) بالجمع، على حدِّ قولهم: فلانٌ يركب الخيول ويلبس

стр. 1368

البرود، والمراد: ستر العورة، وهو عند الحنفيَّة والشَّافعيَّة -كعامَّة الفقهاء وأهل الحديث - شرطٌ في صحَّة الصَّلاة. نعم الحنفيَّة لا يشترطون السَّتر عن نفسه (١)، فلو كان محلولَ الجيب فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكيَّة: اختُلِف هل ستر العورة شرطٌ في الصَّلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنَّه (٢) شرطٌ فيها، ومن واجباتها مع العلم والقدرة، على المعروف من المذهب، وفي «القبس» المشهور: أنَّه ليس من شروطها، وقال التُّونسيُّ (٣): هو فرضٌ في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بُكَيْرٍ والشَّيخ أبو بكرٍ: هو من سُننها، وفي «تهذيب المطالب»، و «المقدِّمات»، و «تبصرة ابن محرزٍ»: اختُلِف هل ذلك فرضٌ أو سُنَّةٌ؟ انتهى. (وَ) بيان معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ (٤) وابن عساكر: « »: (﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾) أي: ثيابكم لمواراة عوراتكم (﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]) لطوافٍ أو صلاةٍ، وفيه دليلٌ على وجوب ستر العورة في الصَّلاة، ففي الأوَّل: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ، وفي الثَّاني: إطلاق اسم (٥) المحلِّ على الحالِّ، بوجود الاتِّصال الذَّاتيِّ بين الحالِّ والمحلِّ، وهذا لأنَّ أخذ الزِّينة نفسِها -وهي عرضٌ- مُحالٌ (٦)، فأُرِيد محلُّها، وهو الثَّوب مجازًا، لا يُقال: سبب نزولها: أنَّهم كانوا يطوفون عُراةً، ويقولون: لا نعبد الله في ثيابٍ أذنبنا فيها، فنزلت؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وهذا عامٌّ لأنَّه قال: ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولم يقل: المسجد الحرام (٧)، فيُؤخَذ بعمومه (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) كذا ثبت للمُستملي وحده قوله:

стр. 1369

«ومَن صلَّى … » إلى آخره، ساقطٌ عند الأربعة من طريق الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَزُرُّهُ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وتشديد الرَّاء المضمومة، أي بأن يجمع بين طرفيه كيلا (١) تُرى عورته، وللأَصيليِّ: «تزرُّه» بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي روايةٍ: «يزرُّ» بحذف الضَّمير (وَلَوْ) لم يكن ذلك إلَّا بأن يزرَّه (بِشَوْكَةٍ) يستمسك بها فليفعل، وهذا (٢) وصله المؤلِّف في «تاريخه»، وأبو داود وابنا خزيمة وحبَّان من طريق الدَّراورديِّ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ أتصيَّد، أَفأُصلِّي في القميص الواحد؟ قال: «نعم زرَّه ولو بشوكةٍ» هذا لفظ ابن حبَّان، ورواه المؤلِّف عن إسماعيل بن أبي أُويسٍ عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة، فزاد في الإسناد رجلًا، ورواه أيضًا عن (٣) مالك بن إسماعيل (٤)، عن عطاف بن خالدٍ قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدَّثنا سلمة، فصرَّح بالتَّحديث عن موسى وسلمة، فاحتُمِل أن تكون رواية ابن أبي أويسٍ من المزيد في متَّصل الأسانيد، أو كان التَّصريح في رواية عطافٍ وَهْمًا، فهذا وجه قول المؤلِّف: (فِي) وللأربعة: «وفي» (إِسْنَادِهِ نَظَرٌ) أو هو من جهة أنَّ موسى هو ابن محمَّدٍ التَّيميُّ المطعون فيه كما قاله ابن القطَّان، وتبعه البرماويُّ وغيره، لكن ردَّه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه نسب

стр. 1370

في رواية البخاريِّ وغيره مخزوميًّا، وهو غير التَّيميِّ بلا تردُّدٍ. نعم وقع عند الطَّحاويِّ: موسى بن محمَّد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيُحتمَل على بُعْدٍ أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدَّراورديُّ، وإِلَّا فذكرُ محمَّدٍ فيه شاذٌّ. انتهى من «الفتح». وحينئذٍ فمَن صلَّى في ثوبٍ واسعِ الجَيب -وهو القدر (١) الَّذي يدخل فيه الرَّأس- يرى عورتَه من جيبه في ركوعٍ أو سجودٍ فليزرَّه أو يشدَّ وسَطه (وَمَنْ) أي: وباب من (صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ) امرأته أو أَمَتَهُ (مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى) أي: نجاسةً، وللمُستملي والحَمُّويي: «ما لم يَر أذًى» بإسقاط: «فيه» (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليٍّ في حجَّة أبي بكرٍ ممَّا وصله المؤلِّف قريبًا [خ¦٣٦٩] لكن بغير تصريحٍ بالأمر (ألَّا يَطُوفَ بِالبَيْتِ) الحرام (عُرْيَانٌ) وإذا منع التَّعرِّي في الطَّواف فالصَّلاة أولى، إذ يُشترَط فيها ما يُشترَط فيه وزيادةٌ. ٣٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّسْتَريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وستِّين ومئةٍ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ)
следующие страницы →