← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ إمام الأئمَّة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ) أي: قَدَّرَ الله (الصَّلَاةَ) الرُّباعيَّة (حِينَ فَرَضَهَا) حال كونها (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالتَّكرير لإفادة عموم التَّثنية لكلِّ صلاةٍ (فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ) زاد ابن إسحاق: قال: حدَّثني صالح بن كيسان بهذا الإسناد: «إِلَّا المغرب فإنَّها ثلاثٌ (١)» أخرجه أحمد (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) ركعتين ركعتين (وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ) لمَّا قدم ﵊ المدينة ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الصُّبح لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النَّهار، رواه ابنا خزيمة وحِبَّان والبيهقيُّ، وقد تمسَّك بظاهره الحنفيَّة على أنَّ القصر في السَّفر عزيمةٌ لا رخصةٌ، فلا يجوز الإتمام إذ ظاهر قولها: «أُقِرَّت» يقتضيه. وأجيب بأنَّه منها على سبيل الاجتهاد، وهو أيضًا مُعارَضٌ بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عند مسلمٍ: «فرضت الصَّلاة في الحضر أربعًا وفي السَّفر ركعتين»، وفيه نظرٌ يأتي -إن شاء الله تعالى- في «أبواب القصر» (٢) [خ¦١٠٩٠] وبأنَّ عائشة أتمَّت في السَّفر، والعبرة عندهم برأي الصَّحابيِّ لا بِمَرْوِيِّه، أو تؤوَّل الزِّيادة في قولها: «وزِيدَ في صلاة الحضر» في عدد الصَّلوات حتَّى بلغت خمسًا، لا في عدد

стр. 1367

الرَّكعات، ويكون قولها: «فُرِضَتِ الصَّلاة ركعتين» أي: قبل الإسراء، فإنَّها كانت قبل الإسراء صلاةٌ قبل المغرب، وصلاةٌ قبل طلوع الشَّمس، ويشهد له (١) قوله (٢) تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] ودليلنا كمالكٍ وأحمد قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنَّ نفي الجُنَاح لا يدلُّ على العزيمة، والقصر يُنبئ عن (٣) تمام سابقٍ، وقوله ﵊: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم» رواه مسلمٌ، فالمفروض الأربع، إِلَّا أنَّه رخَّص بأداء ركعتين. وقال الحنفيَّة: المفروض ركعتان فقط، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتمَّ المسافر يكون الشَّفع الثَّاني عندنا فرضًا، وعندهم نفلًا. لنا: أنَّ الوقت سببٌ للأربع، والسَّفر سببٌ للقصر، فيختار أيَّهما شاء، ولهم: قول ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: «إنَّ الله فرض (٤) على لسان نبيِّكم (٥) ﵊: الصَّلاة (٦) للمقيم أربعةً وللمسافر ركعتين» ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في محلِّه من (٧) «باب التَّقصير» [خ¦١٠٩٠]. ورواة هذا الحديث مابين مصريٍّ (٨) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو من مراسيل عائشة، وهو حجَّة. (٢) (بابُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ) بالجمع، على حدِّ قولهم: فلانٌ يركب الخيول ويلبس

стр. 1368

البرود، والمراد: ستر العورة، وهو عند الحنفيَّة والشَّافعيَّة -كعامَّة الفقهاء وأهل الحديث - شرطٌ في صحَّة الصَّلاة. نعم الحنفيَّة لا يشترطون السَّتر عن نفسه (١)، فلو كان محلولَ الجيب فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكيَّة: اختُلِف هل ستر العورة شرطٌ في الصَّلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنَّه (٢) شرطٌ فيها، ومن واجباتها مع العلم والقدرة، على المعروف من المذهب، وفي «القبس» المشهور: أنَّه ليس من شروطها، وقال التُّونسيُّ (٣): هو فرضٌ في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بُكَيْرٍ والشَّيخ أبو بكرٍ: هو من سُننها، وفي «تهذيب المطالب»، و «المقدِّمات»، و «تبصرة ابن محرزٍ»: اختُلِف هل ذلك فرضٌ أو سُنَّةٌ؟ انتهى. (وَ) بيان معنى (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ (٤) وابن عساكر: « »: (﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾) أي: ثيابكم لمواراة عوراتكم (﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]) لطوافٍ أو صلاةٍ، وفيه دليلٌ على وجوب ستر العورة في الصَّلاة، ففي الأوَّل: إطلاق اسم الحالِّ على المحلِّ، وفي الثَّاني: إطلاق اسم (٥) المحلِّ على الحالِّ، بوجود الاتِّصال الذَّاتيِّ بين الحالِّ والمحلِّ، وهذا لأنَّ أخذ الزِّينة نفسِها -وهي عرضٌ- مُحالٌ (٦)، فأُرِيد محلُّها، وهو الثَّوب مجازًا، لا يُقال: سبب نزولها: أنَّهم كانوا يطوفون عُراةً، ويقولون: لا نعبد الله في ثيابٍ أذنبنا فيها، فنزلت؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وهذا عامٌّ لأنَّه قال: ﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولم يقل: المسجد الحرام (٧)، فيُؤخَذ بعمومه (وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) كذا ثبت للمُستملي وحده قوله:

стр. 1369

«ومَن صلَّى … » إلى آخره، ساقطٌ عند الأربعة من طريق الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَزُرُّهُ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وتشديد الرَّاء المضمومة، أي بأن يجمع بين طرفيه كيلا (١) تُرى عورته، وللأَصيليِّ: «تزرُّه» بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي روايةٍ: «يزرُّ» بحذف الضَّمير (وَلَوْ) لم يكن ذلك إلَّا بأن يزرَّه (بِشَوْكَةٍ) يستمسك بها فليفعل، وهذا (٢) وصله المؤلِّف في «تاريخه»، وأبو داود وابنا خزيمة وحبَّان من طريق الدَّراورديِّ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن أبي ربيعة، عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله، إنِّي رجلٌ أتصيَّد، أَفأُصلِّي في القميص الواحد؟ قال: «نعم زرَّه ولو بشوكةٍ» هذا لفظ ابن حبَّان، ورواه المؤلِّف عن إسماعيل بن أبي أُويسٍ عن أبيه، عن موسى بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة، فزاد في الإسناد رجلًا، ورواه أيضًا عن (٣) مالك بن إسماعيل (٤)، عن عطاف بن خالدٍ قال: حدَّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدَّثنا سلمة، فصرَّح بالتَّحديث عن موسى وسلمة، فاحتُمِل أن تكون رواية ابن أبي أويسٍ من المزيد في متَّصل الأسانيد، أو كان التَّصريح في رواية عطافٍ وَهْمًا، فهذا وجه قول المؤلِّف: (فِي) وللأربعة: «وفي» (إِسْنَادِهِ نَظَرٌ) أو هو من جهة أنَّ موسى هو ابن محمَّدٍ التَّيميُّ المطعون فيه كما قاله ابن القطَّان، وتبعه البرماويُّ وغيره، لكن ردَّه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه نسب

стр. 1370

في رواية البخاريِّ وغيره مخزوميًّا، وهو غير التَّيميِّ بلا تردُّدٍ. نعم وقع عند الطَّحاويِّ: موسى بن محمَّد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيُحتمَل على بُعْدٍ أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدَّراورديُّ، وإِلَّا فذكرُ محمَّدٍ فيه شاذٌّ. انتهى من «الفتح». وحينئذٍ فمَن صلَّى في ثوبٍ واسعِ الجَيب -وهو القدر (١) الَّذي يدخل فيه الرَّأس- يرى عورتَه من جيبه في ركوعٍ أو سجودٍ فليزرَّه أو يشدَّ وسَطه (وَمَنْ) أي: وباب من (صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ) امرأته أو أَمَتَهُ (مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى) أي: نجاسةً، وللمُستملي والحَمُّويي: «ما لم يَر أذًى» بإسقاط: «فيه» (وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليٍّ في حجَّة أبي بكرٍ ممَّا وصله المؤلِّف قريبًا [خ¦٣٦٩] لكن بغير تصريحٍ بالأمر (ألَّا يَطُوفَ بِالبَيْتِ) الحرام (عُرْيَانٌ) وإذا منع التَّعرِّي في الطَّواف فالصَّلاة أولى، إذ يُشترَط فيها ما يُشترَط فيه وزيادةٌ. ٣٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّسْتَريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وستِّين ومئةٍ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ)

стр. 1371

نُسيبة بنت كعبٍ رضي الله تعالى عنها (قَالَتْ: أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الميم، أي: أَمَرَنَا رسول الله ﷺ كما (١) عند مسلمٍ (أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ) بضمِّ النُّون وكسر الرَّاء في الأولى، وضمِّ المُهمَلة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة (٢) في الأخرى، جمع حائضٍ (يَوْمَ العِيدَيْنِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «يوم العيد» بالإفراد (وَ) أن نخرج (ذَوَاتِ الخُدُورِ) بالدَّال المُهمَلة، أي: صواحبات السُّتور (فَيَشْهَدْنَ (٣)) كلُّهنَّ (جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ) منهنَّ (عَنْ مُصَلَّاهُنَّ) أي: عن مصلَّى النِّساء اللَّاتي لسن بحُيَّضٍ، وللمُستملي: «مصلَّاهم» بالميم بدل النُّون على التَّغليب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن المُصَلَّى» بضمِّ الميم وفتح اللَّام: موضع الصَّلاة (قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا) أي: بعضنا، مبتدأٌ خبره قوله: (لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ) بكسر الجيم: ملحفةٌ، أي: كيف تشهد ولا جلباب لها؟ وذلك بعد نزول الحجاب (قَالَ) ﵊: (لِتُلْبِسْهَا) بالجزم (صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا) أي: بأن تعيرها جلبابًا من جلابيبها، ووجه مطابقته للتَّرجمة: من جهة تأكيد الأمر باللِّبس، حتَّى بالعاريّة للخروج إلى صلاة العيد، فللصَّلاة (٤) أَوْلى، وإذا وجب ستر العورة للنِّساء فللرِّجال كذلك، وهل ستر العورة واجبٌ مطلقًا في الصَّلاة وغيرها؟ نعم هو واجبٌ مطلقًا عند الشَّافعيَّة. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون. (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالجيم والمدِّ، الغُدَانيُّ، بضمِّ المُعجَمة وتخفيف المُهمَلة وبعد الألف نونٌ، أي: ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير». قال ابن حجرٍ: ووقع عند الأَصيليِّ في عرضه (٥) على أبي زيدٍ بمكَّة: «حدَّثنا عبد الله بن رجاء». انتهى. ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ» أي: المؤلِّف: «وقال

стр. 1372

عبد الله بن رجاء»: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ) القطَّان (قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قال: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ) نسيبة، فيه تصريح ابن سيرين بتحديث أُمِّ عطيَّة له، وهو يردُّ على مَن زعم أنَّ ابن سيرين إنَّما سمعه من أُخته حفصة، عن أُمِّ عطيَّة قالت: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ … بِهَذَا) الحديث السَّابق. (٣) (بابُ) حكم (عَقْدِ) المصلِّي (الإِزَار عَلَى القَفَا) بالقصر، أي: إزاره على قفاه، وهو مؤخَّر عنقه، والحال أنَّه داخلٌ (فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينار الأعرج الزَّاهد المدنيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب الثَّوب إذا كان ضيِّقًا» [خ¦٣٦٢] (عَنْ سَهْلٍ) الأنصاريِّ، المتوفَّى سنة إحدى وتسعين، آخر مَن مات من الصَّحابة بالمدينة، وللأَصيليِّ: «عن سهل بن سعدٍ»: (صَلَّوْا) أي: الصَّحابة (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونهم (عَاقِدِي أُزْرِهِمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الزَّاي، جمع إزارٍ، وهو: الملحفة (عَلَى عَوَاتِقِهِمْ) فكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عاقدو أزرهم» بالواو، وحينئذٍ فيكون خبر مبتدأ محذوف، أي: صَلَّوا وهم عاقدو أُزْرِهم. ٣٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبَهُ إلى جدِّه لشهرته به، وإلَّا فأبوه عبدُ الله، وتُوفِّي بالكوفة سنةَ سبعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المهملة، القرشيُّ العدويُّ المدنيُّ، أخو عاصم بنِ محمَّدٍ، الرَّاوي عنه (عَنْ مُحَمَّدِ

стр. 1373

بْنِ المُنْكَدِرِ) التَّابعيِّ المشهور (قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ) هو ابنُ عبدِ الله الأنصاريُّ (فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة (قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ) بكسرِ الميم وسكونِ الشِّين المعجمة وفتحِ الجيم: عيدانٌ تُضَمُّ رؤوسُها ويُفْرَجُ بين قوائمها، تُوضَعُ عليها الثِّيابُ وغيرها، والجملةُ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (قَالَ) وللأربعة: «فقال» (لَهُ قَائِلٌ) هو عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصَّامت كما في «مسلمٍ»: (تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟!) بهمزةِ الإنكارِ المحذوفةِ (فَقَالَ) جابرٌ: (إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ) باللَّام قبلَ الكافِ، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ذاك» بإسقاطها، وللمُستملي بدلها: «هذا» أي: الَّذي فعلَه من صلاته وإزارُه معقودٌ على قفاه، وثيابُه موضوعةٌ على المِشْجَبِ (لِيَرَانِي أَحْمَقُ) بالرَّفعِ غير منصرفٍ، أي: جاهلٌ (مِثْلُكَ) فينكر علي بجهله فأظهر له جوازه، أو (١) ليقتدي بي الجاهلُ ابتداءً، و «مثلُك» بالرَّفعِ صفةُ «أحمق»؛ لأنَّها وإن أُضيفَت إلى معرفةٍ لا تتعرَّف؛ لتوغُّلها في الإبهامِ، إِلَّا إذا أُضيفَت لِمَا اشتُهِرَ بالمماثلة، وههنا ليس كذلك فلذا وقعت صفةً للنَّكرة، وهي «أحمق» (٢) (وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ؟) استفهامٌ يفيد النَّفي، وغرضُه: أنَّ الفعلَ كان مقرَّرًا (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «على عهد رسولِ الله» (¬ ﷺ ¬) وحينئذٍ فلا يُنْكَرُ، وقد كان الخلافُ في منعِ جوازِ الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحدِ قديمًا، فعن ابن مسعودٍ قال: «لا تصلِّينَّ في ثوبٍ واحدٍ وإنْ كانَ أوسعَ ممَّا بين السَّماءِ و (٣) الأرضِ» رواه ابن أبي شيبة، وعامَّةُ الفقهاءِ على خلافِهِ.

стр. 1374

ورواةُ هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: روايةُ الأخِ عن أخيه، وهما عاصمٌ وواقدٌ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، وهما واقدٌ ومحمَّد بن المنكدر، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول. ٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء المهملتين (١) وفي آخره فاءٌ (أَبُو مُصْعَبٍ) بضمِّ الميم وفتح العين، ابن (٢) عبد الله بن سليمان الأصمُّ المدنيُّ، صاحب مالكٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي) بفتح الميم على وزن «الجواري»، وفي الفرع: «الموالِ» بغير ياءٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ (٣) عَبْدِ اللهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ) أي: واحدٍ، وهذا (٤) أوقعُ في النَّفس وأصرحُ في الرَّفعِ من الطَّريق السَّابق (٥)، وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر لفظ «ابن عبد الله» (٦).

стр. 1375

(٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ) حال كون المصلِّي (مُلْتَحِفًا) أي: متغطِّيًا بِهِ. (قَالَ) وللأَصيليِّ: «وقال» (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (فِي حَدِيثِهِ) الَّذي رواه في الالتحاف ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عنه، عن سالمٍ، عن ابن عمر، أو المراد: ما وصله أحمد عنه عن سعيدٍ، عن أبي هريرة: (المُلْتَحِفُ: المُتَوَشِّحُ، وَهْوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) أي: الثَّوب (عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ) أي: منكبي المتوشِّح، قال ابن السِّكِّيت: هو أن يأخذ طرف الثَّوب الَّذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الَّذي ألقاه على منكبه (١) الأيسر من تحت يده اليمنى، ثمَّ يعقد طرفيهما على صدره. (قَالَ) أي: المؤلِّف، وهذه ساقطةٌ عند أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: (قَالَتْ) وللأربعة: «وَقَالَتْ» (أُمُّ هَانِئٍ) بالنُّون والهمزة، فاختة بنت أبي طالبٍ: (التَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ، وَخَالَفَ) وللأَصيليِّ: «في ثوبٍ» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بثوبٍ له وخالف» (بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ) وصله المؤلِّف في هذا الباب، لكنَّه لم يقل فيه: و «خالف». نعم ثبت في «مسلمٍ» من وجهٍ آخر عن أبي مرَّة عنها، وفائدة هذه المخالفة في الثَّوب -كما قال ابن بطَّالٍ- ألَّا ينظر المصلِّي إلى عورة نفسه إذا ركع، أو ألَّا يسقط عند الرُّكوع والسُّجود. ٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «أخبرنا» (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام وضمِّ العين من «عُمر» (٢)، واسم أبي سلمة: عبد الله بن

стр. 1376

عبد الأسد المخزوميُّ، ربيب النَّبيِّ ﷺ ، وأُمُّه أمُّ المؤمنين أُمُّ سَلَمة، وُلِد بالحبشة في السَّنة الثَّانية، المُتوفَّى بالمدينة سنةَ ثلاثٍ وثمانين، ووهِمَ مَن قال: إنَّه قُتِل بوقعة الجمل. نعم شهدها وتوفِّي بالمدينة في خلافةِ عبد الملك بن مروان، له في «البخاريِّ» حديثان (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ). ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وهو سندٌ عالٍ جدًّا، وله حكم الثُّلاثيَّات وإن لم يكن على صورتها؛ لأنَّ أعلى ما يقع للمؤلِّف يكون (١) بينه وبين الصَّحابي فيه اثنان، فإن كان الصَّحابيُّ يرويه عن النَّبيِّ ﷺ فصورة الثُّلاثيِّ (٢)، وإن كان عن صحابيٍّ آخر فلا، لكنَّه من حيث العلوُّ واحدٌ لصدق أنَّ بينه وبين الصَّحابيِّ اثنان، وبالجملة فهو من العلوِّ النِّسبيِّ. ٣٥٥ - وبه (٣) قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) عن أبيه (٤) عروةَ بن الزُّبير (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (أَبِي) عروةُ (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بضمِّ العين (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ المؤمنين هندٍ (٥)، ظرفٌ «ليصلِّي» (قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ) أي: طرفَي ثوبه (عَلَى عَاتِقَيْهِ ﷺ ¬). إنَّما أوردَ المؤلِّف (٦) هذا الحديثَ وإن كان أنزل من السَّابق بدرجةٍ لما وقع (٧) فيه من

стр. 1377

تصريح هشامٍ عن أبيه بأنَّ عمر أخبره، وفي السَّابق وقع بالعنعنة، وتصريح الصَّحابيِّ بأنَّه شاهدَ النَّبيَّ ﷺ يفعل ما نقل أوَّلًا بالصُّورة المحتملة مع تعيين المكان، وزيادة كون طرفي الثَّوب على عاتقيه ﷺ . ٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ) بضمِّ العين مصغَّرًا، من غير إضافةٍ (بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاري، بفتح الهاء وتشديد الموحَّدةِ، الكُوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابنِ عساكر: «أخبرنا» (أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بضمِّ العين (أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «رأيت النَّبيَّ» (¬ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) حال كونه (مُشْتَمِلًا بِهِ) وللمُستملي والحَمُّويي: «مشتملٍ» بالجرِّ على المجاورةِ، قاله ابن حجرٍ وغيره كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: الأَوْلَى أن يُجعلَ صفةً لـ «ثوبٍ»، ثمَّ أوردَ سؤالًا فقال: فإن قلت: لو كان لبرز الضَّمير؛ لجريان الصِّفة على غير مَن هي له، وأجاب بأنَّ الكوفيِّين قاطبةً لا يُوجِبون إبرازَه عند أمنِ اللَّبس، ووافقهم ابنُ مالكٍ، ومذهبهم في المسألة أقوى، واللَّبس في الحديث مُنتَفٍ. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «مشتملٌ» بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ (فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) حال كونه (وَاضِعًا طَرَفَيْهِ) بالتَّثنيةِ، أي: الثَّوب (عَلَى عَاتِقَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه، و «في بيت»: ظرفٌ لـ «يصلِّي»، أو للاشتمال، أَوْ لهما، وفي هذه الطَّريق النَّازلة السَّند أيضًا تصريح هشامٍ عن أبيه بأنَّ عمر أخبره، وفي السَّابقتين العنعنة وزيادة لفظ: «الاشتمال».

стр. 1378

٣٥٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو، مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (مَالِكٌ) وفي غير رواية ابن عساكر: «مالك بْنُ أَنَسٍ» إمامُ دارِ الهجرةِ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكونِ المعجمةِ، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل والثَّاني، المتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، يزيد (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) بالهمزة، فاختة (بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ﵂ حال كونها (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «إلى (١) النَّبيِّ» (¬ ﷺ عَامَ الفَتْحِ) في رمضان سنة ثمانٍ (فَوَجَدْتُهُ) حال كونه (يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) ﵂ (تَسْتُرُهُ) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا (قَالَتْ) أمُّ هانئٍ: (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) ﵊: (مَنْ هَذِهِ؟) قالت أُمُّ هانئٍ (٢): (فَقُلْتُ: أَنَا) وللأَصيليِّ: «قلت» (٣) (أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ) ﵊: (مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) بباء الجرِّ، ولابن عساكر: «مرحبًا يا أُمَّ هانئٍ» بياء النِّداء، أي: لقيت رحبًا وسعةً يا أُمَّ هانئٍ، (فَلَمَّا فَرَغَ) ﵊ (مِنْ غُسْلِهِ) بضمِّ الغين (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) حال كونه (مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) بكسر نون «ثمانِيَ» وفتح الياء، مفعول «فصلَّى»، ولابن عساكر: «ثمانَ» بفتح النُّون من غير ياءٍ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊

стр. 1379

من صلاته (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ) أي: قال أو ادَّعى (ابْنُ أُمِّي) عليُّ بن أبي طالبٍ، وهي شقيقته، أُمُّهما فاطمة بنت أسد بن هاشمٍ، لكن خُصَّت الأُمُّ لكونها آكد في القرابة، ولأنَّها بصددِ الشِّكاية في إخفار ذمَّتها، فذكرت ما بعثها على الشَّكوى، حيث أُصيبَت من محلٍّ يقتضي أنَّها لا تُصاب منه؛ لما جرت العادة أنَّ الأخوَّة من جهة الأُمِّ أشدُّ في اقتضاء الحنان والرِّعاية من غيرها. نعم في رواية الحَمُّويي: «زعم ابن أبي» (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا) أي: عازمٌ على مقاتلة رجلٍ (قَدْ أَجَرْتُهُ) بالرَّاء، أي: أمَّنته، هو (فُلَانَُ بْنَ هُبَيْرَةَ) بالرَّفع بتقدير: هو، كما مرَّ، أو بالنَّصب بدلًا من «رجلًا»، أو من الضَّمير المنصوب، و «هُبَيرَة» -بضمِّ الهاء وفتح الموحَّدة- ابن أبي وهب بن عمرٍو المخزوميُّ، زوج أُمِّ هانئٍ، ولدت منه أولادًا منهم هانئٌ الَّذي كُنِّيت به، هرب (١) من مكَّةَ عامَ الفتح لمَّا أسلمت هي، ولم يَزَلْ مشركًا (٢) حتَّى ماتَ، وتركَ عندها ولدَها منه جعدة، وهو مِمَّن له رؤيةٌ ولم تصحَّ له صحبةٌ، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أُمِّ هانئٍ، ونسي الرَّاوي اسمه، لكن قال ابن الجوزيِّ: إن كان المراد بـ «فلانٍ» ابنها، فهو جعدة، وردَّه ابن عبد البرِّ وغيره لصغر سنِّه إذ ذاك المقتضي لعدم مقاتلته، وحينئذٍ فلا يحتاجُ إلى الأمان، وبأنَّ عليًّا لا يقصد قتلَ ابنِ أُختِه، فكونُه من غيرها أرجح، وجزم ابنُ هشامٍ في «تهذيب السِّيرة» بأنَّ اللَّذين أجارتهما أُمُّ هانئٍ هما الحارثُ بن هشامٍ وزهير بن أبي (٣) أُميَّةَ المخزوميَّان، وعند الأزرقيِّ: عبد الله بن أبي ربيعة بدل زهيرٍ، قال في «الفتح»: والَّذي يظهر لي أنَّ في رواية الباب حذفًا، كأنَّه كان فيه: فلان ابن عمِّ هبيرة، فسقط لفظ: عمِّ، أو كان فيه: فلان قريب هبيرة، فتغيَّر لفظ «قريب» بلفظ «ابن»، وكلٌّ من الحارث بن هشامٍ وزهير

стр. 1380

بن أبي أميَّة وعبد الله بن أبي ربيعة يصحُّ وصفه بأنَّه ابن عمِّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزومٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) أي: أمَّنَّا مَن أمَّنت (يَا أُمَّ هَانِئٍ) فلا لعليٍّ قتله (قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ) وللأَصيليِّ: «وذلك» باللَّام، أي: صلاته الثَّمان ركعات (ضُحًى) أي: وقت ضحًى أو صلاة ضحًى، ويؤيِّده (١) ما (٢) في رواية ابن شاهين: قالت أُمُّ هانئٍ: يا رسول الله، ما هذه الصَّلاة؟ قال: «الضُّحى». ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار والسّماع والقول. ٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزَّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ سَائِلًا) قال الحافظُ ابن حجرٍ: ولم أقفْ على اسمِهِ، لكن ذكر شمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ الحنفيُّ في كتابه «المبسوط»: أنَّه ثوبان (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (٣) (¬ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) ولأبي الوقت: «في الثَّوبِ الواحدِ» بالتَّعريف (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ لِكُلِّكُمْ) أي (٤): أأنت سائلٌ عن مثل هذا الظَّاهر ولكلِّكم (ثَوْبَانِ؟!) فهو استفهامٌ إنكاريٌّ إبطاليٌّ، قال الخطَّابيُّ: لفظه استخبارٌ، ومعناه: الإخبار عمَّا هم عليه من قلَّةِ الثِّياب، ووقع في ضمنهِ الفتوى من طريق الفحوى لأنَّه إذا لم يكن لكلٍّ ثوبان والصَّلاة لازمةٌ فكيف لم يعلموا أنَّ الصَّلاةَ في الثَّوبِ الواحدِ السَّاتر للعورةِ جائزةٌ؟

стр. 1381

وهذا مذهبُ الجمهورِ من الصَّحابة: كابن عبَّاسٍ، وعليٍّ، ومعاوية، وأنس بن مالكٍ، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، وعائشة، وأُمِّ هانئٍ، ومن التَّابعين: الحسن (١) البصريُّ، وابن سيرين، والشَّعبيُّ، وابن المُسيَّب، وعطاءٌ، وأبو حنيفةَ، ومن الفقهاء: أبو يوسفَ، ومحمَّدٌ، والشَّافعيُّ، ومالكٌ، وأحمد في روايةٍ، وإسحاق بن رَاهُوْيَه. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ) بعضَه (عَلَى عَاتِقَيْهِ) بالتَّثنيةِ، ولابنِ عساكر: «على عاتقه» (٢) وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق. ٣٥٩ - وبالسَّندِ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلدٍ -بفتح الميم- البصريُّ (٣) النَّبيل (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنس الأصبحيِّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزَّاي المكسورة والنُّون (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو (٤): ابن هرمز (الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ) حالَ كونِهِ (لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «على عاتقه» (شَيْءٌ) زاد مسلمٌ من طريق ابن عُيَيْنَةَ عن أبي الزِّناد: «منه شيءٌ»، و «لا»: نافيةٌ، و «يصلِّي» بإثبات الياء، وهو خبرٌ بمعنى النَّهيِ، وقال ابن الأثير: كذا في الصَّحيحين بإثباتِ الياءِ، وذلك لا يجوزُ لأنَّ حذفها علامة الجزم بـ «لا» النَّاهية (٥)، فإن صحَّت الرِّواية فتُحمَل على أنَّ «لا» نافيةٌ. انتهى. وقد صحَّت

стр. 1382

الرِّواية بذلك فلا وجه للتَّردُّدِ، وقد رواه الدَّارقطني في «غرائب مالكٍ»: «لا يصلِّ» بغير ياءٍ، ومن طريق عبد الوهَّاب بن عطاءٍ عن مالكٍ بلفظ: «لا يصلِّينَّ» بزيادة نون التَّوكيد (١)، وهو عند الإسماعيليِّ بلفظ: «نهى رسول الله ﷺ »، والنَّهيُ المذكور ليس محمولًا على التَّحريم، فقد ثبت: «أنَّه ﷺ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ كان أحد طرفيه على بعض (٢) نسائه وهي نائمةٌ»، ومعلومٌ أنَّ الطَّرف الَّذي هو لابسه من الثَّوب غير متَّسعٍ لأن يتَّزر به، ويفضل منه ما كان على عاتقه، قاله الخطَّابي فيما نقلوه عنه، لكن قال في «الفتح»: إنَّ فيه نظرًا لا يخفى. نعم نقل السُّبكي وجوبه عن نصِّ الشَّافعيِّ واختاره، لكنَّ المعروف عن الشَّافعيَّة خلافه، وعن أحمد: لا تصحُّ صلاة مَن قدر على ذلك فتركه، جعله شرطًا، وعنه: تصحُّ ويأثمُ، جعله واجبًا مستقلًّا. وفي الحديث: التَّحديث والعنعنة. ٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: قال يحيى: سمعت عكرمة (أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ) بالشَّكِّ، أي: كنت سمعت منه إمَّا ابتداءً أو جواب سؤالٍ، لا أدري كيف وقع؟ (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» أي: عكرمة: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ حال كونه (يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «في ثوبٍ وَاحِدٍ» (فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ

стр. 1383

طَرَفَيْهِ) حمل الجمهورُ الأمرَ هنا على الاستحباب، وأتى بلفظ: «أشهد» تأكيدًا لحفظه، وتحقيقًا لاستحضاره. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) كيف يفعل المصلِّي؟ ٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ كما في «مسلمٍ» (١) (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله ﷺ (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي: لأجلِ بعضِ حوائجي

стр. 1384

(فَوَجَدْتُهُ) ﷺ (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵇ من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) ﵊: (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ، وهو أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه ﵇ بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره ﵇ هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثَوْبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ (١): «ثَوْبٌ» (٢) بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: «يَعْنِي: ضَاقَ» وهو ساقطٌ للأربعة (٣) (قَالَ) ﵊: (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً.

стр. 1385

٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ لا ابن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلٍ) السَّاعديِّ، وللأَصيليِّ: «عن سهل بن سعد» (قَالَ: كَانَ رِجَالٌ) أي: بعضُ الرِّجال لا كلُّهم، فالتَّنكير للتَّبعيض (يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونهم (عَاقِدِي أُزْرِهِمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الزَّاي، ونون «عاقدي» سقطت للإضافة (عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ) أي: النَّبيَّ ﷺ ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ويُقال» وهو أعمُّ من أن يكون القائل النَّبيَّ ﷺ ، أو من أمره، قال الحافظ ابن حجرٍ: ويغلب على الظَّنِّ أنَّ القائلَ بلالٌ (٢) (لِلنِّسَاءِ) اللَّاتي يصلِّين وراء الرِّجال (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوْسَكُنَّ) من السُّجود (حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ) حال كونهم (جُلُوسًا) جمع: جالسٍ، أو مصدرٌ بمعنى: جالسين، وإنَّما قيل لهنَّ ذلك لئلَّا يلمحْنَ عند رفعهنَّ من السُّجود شيئًا من عورات الرِّجال، كما وقع التَّصريح به في حديث أسماء بنت أبي بكرٍ المرويِّ عند أحمد وأبي داود بلفظ: «فلا تَرْفَعُ رَأْسَهَا حتَّى يرفع الرِّجال رؤوسَهُم كراهة أن يَرَيْنَ عورات الرِّجال». واستُنبِط منه: النَّهي عن فعلٍ مُستحَبٍّ خشيةَ ارتكاب محذورٍ لأنَّ مُتابَعة الإمام من غير تأخيرٍ مُستَحبَّةٌ، فنهى عنها لِمَا ذُكِر، وأنَّه لا يجب السَّتر من أسفل بخلاف الأعلى. وفي الإسناد: التَّحديث (٣) والعنعنة. (٧) (بابُ الصَّلَاةِ فِي الجُبَّةِ الشَّأْمِيَّةِ) الَّتي ينسجها الكفَّار، ما لم تتحقَّق نجاستها.

стр. 1386

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله نُعيمٍ (١) بن حمَّادٍ في نسخته المشهورة: (فِي الثِّيَابِ يَنْسُِجُهَا المَجُوسِيُّ) بضمِّ سين «ينسُجها» من باب: «نصَر ينصُر»، وبكسرها من باب: «ضرَب يضرِب»، والأوَّل هو الَّذي في الفرع فقط، و «المجوسيُّ» بالياء بلفظ المفرد في رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، والمراد الجنس، ولغيرهما: «المجوس» بصيغة الجمع، والجملة صفةٌ للـ «ثِّياب» لأنَّ الجملة وإن كانت نكرةً لكنَّ المعرفة بلام الجنس كالنَّكرة، ومنه قوله: ولقد أمُرُّ على اللَّئيم يسبُّني ........................ (لَمْ يَرَ بِهَا) الحسن (بَأْسًا) أي: قبل أن تُغسَل، وقد أجازه الشَّافعيُّ والكوفيُّون، وكره ذلك ابن سيرين كما رواه ابن أبي شيبة، ومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة ظاهرةٌ، ثمَّ استطرد المؤلِّف فقال: (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا (٢) وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ اليَمَنِ مَا صُبِغَ بِالبَوْلِ) أي: بعد أن يغسله، أو المراد به (٣) بول المأكول لحمه (٤)، وهو طاهرٌ عند الزُّهريِّ (وَصَلَّى عَلِيٌّ) وللأَصيليِّ: «وصلَّى عليُّ بن أبي طالبٍ» ممَّا رواه ابن سعدٍ (فِي ثَوْبٍ) خامٍ (غَيْرِ مَقْصُورٍ) قبل أن يغسله. ٣٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا (٥) يَحْيَى) هو ابن موسى، أبو زكريَّا البلخيُّ، المعروف بخَتٍّ، بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وليس هو يحيى بنَ معينٍ ولا ابنَ جعفرٍ البيْكَنْدِيَّ (قَالَ:

стр. 1387

حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالخاء والزَّاي المُعجَمتين، أو هو أبو معاوية شيبان النَّحويُّ، وجزم الحافظ ابن حجر بأنَّه الأوَّل (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيْحٍ -بضمِّ المهملة- العطارديُّ، أو هو (١) مسلم بن عمران البطين، وجزم في «فتح الباري» بأنَّه الأوَّل أيضًا (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهمدانيُّ، وسُمِّي به لأنَّه سرقه سارقٌ في صغره (عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ أنَّه (٢) (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) سنة تسعٍ في غزوة «تبوك» (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ) بكسر الهمزة، وجمعها: أَداوى، أي: المَطْهَرة (فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى) أي: غاب وخفي (عَنِّي، فَقَضَى) بالفاء، وللأَصيليِّ: «وقضى» (حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ) من نسج الكفَّار القارِّين بالشَّآم لأنَّها إذ ذاك كانت دارهم (فَذَهَبَ) ﵊ (لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ) أي: الجبَّة؛ لأنَّ الثِّياب الشَّاميَّة كانت حينئذٍ ضيِّقة الأكمام (فَأَخْرَجَ) ﵊ (يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ) الماء (فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى). ورواة هذا الحديث ما بين بلخيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا المؤلِّف (٣) في «الجهاد» [خ¦٢٩١٨] و «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٨]، ومسلمٌ في «الطَّهارة» وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (٨) (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي) نفس (الصَّلَاةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي زيادة: «وغيرها» أي: في (٤) غير الصَّلاة.

стр. 1388

٣٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو، ابن عبادة التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، الجمحيُّ (١) (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ، حال كونه (يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ) أي: مع قريشٍ (لِلْكَعْبَةِ) أي: لبنائها، وكان عمره ﵇ إذ ذاك خمسًا وثلاثين سنةً، وقِيلَ: كان قبل المبعث بخمس عشرة سنةً، وقِيلَ: كان عمره خمس عشرة سنةً (وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ) ولابن عساكر: «وعليه إزارٌ» بغير ضميرٍ، والجملة حاليَّةٌ بالواو، وفي بعض الأصول بغير واوٍ (فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ) بالرَّفع عطف بيانٍ: (يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ) لكان أسهل (٢) عليك، أو «لو» بمعنى التَّمنِّي، فلا جواب لها (فَجَعَلْتَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجعلته» بالضَّمير، أي: الإزار (عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ) أي: تحتها (قَالَ) أي (٣): جابرٌ أو مَن حدَّثه (فَحَلَّهُ) أي: حلَّ ﵊ الإزار (فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ) ﵊ حال كونه (مَغْشِيًّا) بفتح الميم وسكون الغين المُعجَمة، أي: مُغمًى (عَلَيْهِ) أي: لانكشاف عورته لأنَّه ﵊ كان مجبولًا على أحسن الأخلاق من الحياء الكامل، حتَّى كان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها؛ فلذلك غُشِي (٤) عليه، ورُوِيَ ممَّا هو في غير «الصَّحيحين»: «أنَّ الملك نزل عليه فشدَّ عليه إزاره» (فَمَا رُِئِْيَ) بضمِّ الرَّاء فهمزةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، أو بكسر الرَّاء فياءٍ ساكنةٍ فهمزةٍ مفتوحةٍ (بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا) بالنَّصب على الحال مفعولٌ لـ «رأى» (٥)، وعند الإسماعيليِّ:

стр. 1389

«فلم يتعرَّ بعد ذلك» (¬ ﷺ ¬) فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب وما ذكره ابن إسحاق من (١) أنَّه ﷺ تعرَّى وهو صغيرٌ عند حليمة، فلكمه لاكمٌ (٢) فلم يَعُدْ يتعرَّى بعد ذلك (٣)؟ أُجيب بأنَّه إن ثبت حُمِلَ النَّفي فيه (٤) على أنَّ التَّعرِّي لغير ضرورةٍ عاديَّةٍ، والَّذي في حديث الباب على الضَّرورة العاديَّة، والنَّفي فيها على الإطلاق، أو يتقيَّد بالضَّرورة الشَّرعيَّة، كحالة النَّوم مع الزَّوجة أحيانًا، واستُنبِط من الحديث: منع بدوِّ العورة إِلَّا ما رخِّص من رؤية الزَّوجات لأزواجهنَّ عُراةً. ورواة هذا الحديث مابين تنِّيسيٍّ ومروزيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع، ورواية جابرٍ له من مراسيل الصَّحابة لأنَّ ذلك كان قبل البعثة، فإمَّا أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ بعد ذلك، أو من بعض مَن حضر ذلك من الصَّحابة، وقد اتَّفقوا على الاحتجاج بمُرسَل الصَّحابيِّ إِلَّا ما تفرَّد به أبو إسحاق الإِسْفَرَايينيُّ، لكن في السِّياق ما يُستأنَس به لأخذ ذلك من العبَّاس، فلا يكون مُرسَلًا. (٩) (بابُ الصَّلَاةِ فِي القَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُوحَّدة: سراويل صغيرٌ يستر العورة المُغلَّظة فقط (وَالقَبَاءِ) بفتح القاف وتخفيف المُوحَّدة مع المدِّ والقصر، مُشتَقٌّ من القَبْو، وهو الضَّمُّ والجمع، سُمِّي به لانضمام أطرافه، وأوَّل مَن لبسه سليمان ﵊.

стр. 1390

٣٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيُّوب (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ) أي: هل تصحُّ أم لا؟ (فَقَالَ) ﵇: (أَوَكُلُّكُمْ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ الإبطاليِّ وواو العطف، وأصل الكلام: وأَكُلُّكم، لكن قُدِّم الاستفهام لأنَّ له صدر الكلام، أو الواو عاطفةٌ على محذوفٍ بين (١) الهمزة والواو (٢)، دلَّ عليه المعطوف ولا تقديمٌ ولا تأخيرٌ، فالتَّقدير هنا: أكلُّكم يجد ثوبين، وكلُّكم يجد ثوبين والأوَّل أَوْلى، والتَّقديم والتَّأخير أَوْلى (٣) من الحذف، والمعنى (٤) ليس كلُّكم (يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟!) فلذا (٥) تصحُّ الصَّلاة في الثَّوب الواحد اتِّفاقًا. نعم رُوِي عن ابن مسعودٍ ﵁: «ثوبان»، رواه ابن أبي شيبة والبيهقيُّ، والصَّحيح المشهور عنه كالجمهور (٦) (ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ أنهى عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد؟ والسَّائل يحتمل أن يكون هو ابن مسعود أو أُبيٌّ لأنَّهما اختلفا في ذلك كما رواه عبد الرَّزَّاق، فقال أُبَيٌّ: الصَّلاة في الثَّوب الواحد لا تُكرَه، وقال ابن مسعودٍ: إنَّما كان ذلك وفي الثِّياب قلَّةٌ (فَقَالَ) عمر ﵁ مجيبًا للسَّائل (٧): (إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا) فيه دليلٌ على أنَّ الثَّوب

стр. 1391

الواحد كافٍ، وأنَّ الزِّيادة استحسانٌ (جَمَعَ) أي: ليجمع (رَجُلٌ عَلَيْهِ) أي: على نفسه (١) (ثِيَابَهُ، صَلَّى) أي: ليصلِّ (رَجُلٌ فِي إِزَارٍ) وهو ما يُؤتَزر به في النِّصف الأسفل (وَرِدَاءٍ) للنِّصف الأعلى، أو (فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ) أو (فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ) أو (فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ) غير منصرفٍ على وزن «مفاعيل» (٢)، أو (فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ) أو (فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ) أو (فِي تُبَّانٍ (٣) وَقَبَاءٍ) أو (فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ) أي: أبو هريرة: (وَأَحْسِبُهُ) أي: عمر (قَالَ:) أو (فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ) وهذه تسع صورٍ، ولم يجزم أبو هريرة بل ذكره بالحسبان؛ لإمكان أنَّ عمر أهمل ذلك لأنَّ التُّبَّان (٤) لا يستر العورة كلَّها بناءً على أنَّ الفخذ من العورة، فالسَّتر به حاصلٌ مع القباء ومع القميص، وأمَّا مع الرِّداء فقد لا يحصل، ورأى أبو هريرة أنَّ انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصُّورة، والسَّتر قد يحصل (٥) بها إذا كان الرِّداء سابغًا، وقدَّم ملابس الوسط لأنَّها محلُّ ستر العورة، وهذه الجملة من قوله: «جمع … » إلى هنا من تتَّمة قول عمر، وعبَّر بصيغة الماضي، ومراده الأمر، أي: ليجمع وليصلِّ كما مرَّ، ومثله في كلام العرب: اتَّقى الله امرؤٌ فعل (٦) خيرًا يُثَب عليه، أي: ليتَّقِ الله (٧) وليفعل، وقال ابن المُنَيِّر: الصَّحيح أنَّه كلامٌ في معنى الشَّرط، كأنَّه قال: إن جمع رجلٌ عليه ثيابه فَحَسَنٌ، وحذف «أو» العاطفة في المواضع التِّسعة (٨) على قول مَن يجوِّز ذلك من النُّحاة، والأصل إثباتها، كما قاله ابن مالكٍ، وعُورِض بأنَّه لا يتعيَّن أن يكون المحذوف حرف عطفٍ، بل يحتمل أن يكون المحذوف فعلًا، أي: صلَّى في إزارٍ وقميصٍ،

стр. 1392

صلَّى في إزارٍ وقباءٍ، وكذا الباقي، أي: ليجمع عليه ثيابه ليصلِّ في كذا، لِيُصَلِّ في كذا، ليصلِّ في كذا، الحمل على هذا أَوْلى لثبوته إجماعًا، وحذفُ حرف العطف بابُه الشِّعرُ فقط، وعند بعضٍ وقوعه في الشِّعر مُختلَفٌ فيه، أو أنَّها على سبيل التَّعداد فلا حاجة للعطف. وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة. ٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن عاصم الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، نسبه إلى جدِّه لشُهرته به (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ كما في «الفتح» (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) بالفاء التَّفسيريَّة إذ هو نفس «سأل» (١)، وللأَصيليِّ: «قال» (٢): (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ) ﵇: (لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ) بفتح المُوحَّدة (٣)، و «لا» ناهيةٌ فتُكسَر السِّين، أو نافيةٌ فتُضَمُّ (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدة والنُّون: ثوبٌ معروفٌ رأسهُ ملصَقٌ فيه، أو هو قلنسوةٌ طويلةٌ كان النَّاس يلبسونها في صدر الإسلام، والسَّراويل مُفرَدٌ بلفظ الجمع، وجمعه: سراويلاتٌ (وَلَا ثَوْبًا) ويجوز رفعه بتقدير فعل مبنيٍّ للمفعول، أي: ولا يُلبَس ثوبٌ (مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «زعفران» (وَلَا وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره سينٌ (٤) مُهمَلةٌ، نبتٌ أصفرُ باليمن يُصبَغ به (فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ

стр. 1393

فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى يكون» بالإفراد، أي: كلُّ واحدٍ منهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) هو إذنٌ في ذلك لا أمرٌ؛ إذ لا يجب على مَن فقد النَّعلين لُبْس الخفَّين المقطوعين، والمراد هنا من الحديث: أنَّ الصَّلاة تجوز بدون القميص والسَّراويل وغيرهما (١) من المَخيط لأمر المُحْرِم باجتناب ذلك، وهو مأمورٌ بالصَّلاة. وفي هذا (٢) الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٤] و «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢]، وتأتي بقيَّة مباحثه فيه -إن شاء الله تعالى- بعون الله، ثمَّ عطف المؤلِّف قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) على قوله: «عن الزُّهريِّ»، كما قال (٣) الحافظ ابن حجر، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو تعليقٌ، ويحتمل أنَّه عطف على «سالمٍ» فيكون متَّصلًا، وتعقَّبه ابن حجرٍ بأنَّ التَّجويزات العقليَّة لا يليق استعمالها في الأمور النَّقليَّة، فإنَّ المؤلِّف ﵀ أخرج الحديث في آخر «كتاب العلم» [خ¦١٣٤] عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ، فقدَّم طريق نافعٍ، وعطف عليها طريق الزُّهريِّ عكس ما ههنا، وانتصر العينيُّ رحمه الله تعالى للكِرمانيِّ رادًّا على ابن حجر بأنَّه تعليقٌ بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، مع أنَّ الكِرمانيَّ لم يجزم بذلك، بل قال: ويحتمل أن يكون عطفًا على «سالمٍ»، قال: ولا فرق بين أن يقول (٤) عطفًا على «سالمٍ» أو (٥) عطفًا على الزُّهريِّ (٦)، فيكون متَّصلًا، وأجاب ابن حجرٍ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه إذا اتَّضح المراد فأيُّ وجهٍ للنُّزول؟ وبأنَّ قوله: عطفًا على «سالمٍ» يصير كأنَّ ابن أبي ذئبٍ رواه عن الزُّهريِّ عن نافعٍ، فهو عند ابن أبي ذئبٍ عن شيخين بالنُّزول عن الزُّهريِّ عن سالمٍ، وبالعلوِّ (٧) عن نافعٍ، وسالمٌ

стр. 1394

ونافعٌ (١) روياه جميعًا عن ابن عمر، قال: فمَن كان هذا مبلغ فهمه فكيف يليق به التَّصدِّي للرَّدِّ على غيره؟ انتهى. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث سالم ﵁. (١٠) (بابُ مَا يَُسْتَُرُ مِنَ العَوْرَةِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة، ويجوز الفتح والضَّمُّ، و «ما»: مصدريَّةٌ أو موصولةٌ، و «من» بيانيَّة، والعورة: السَّوءة وكلُّ ما يُستحيَا منه. ٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البلخيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمام، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «اللَّيث» بالتَّعريف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهملَة (أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بالمُهمَلة والمدِّ، قال الأصمعيُّ: هو أن يشتمل بالثَّوب حتَّى يجلِّل به جسده، لا يرفع منه جانبًا، فلا يبقى ما يخرج منه يده. انتهى. ومن ثَمَّ سُمِّيت صمَّاء -كما قال ابن قتيبة- لسدِّ (٢) المنافذ كلِّها، كالصَّخرة الصَّمَّاء ليس فيها خرقٌ، فيكون النَّهيُ مكروهًا لعدم قدرته على الاستعانة بيديه فيما يعرض له في الصَّلاة كدفع بعض الهوامِّ، وفي «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٢٠] عند المؤلِّف: والصَّمَّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد

стр. 1395

شقَّيه، وهو موافقٌ لتفسير الفقهاء، وحينئذٍ فيحرم إن انكشف منه بعض العورة، وإِلَّا فيُكرَه (١) (و) نهى ﵊ أيضًا عن (أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ) أي: وعن احتباء الرَّجل بأن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه ملتفًّا (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ) أي: من الثَّوب (شَيْءٌ) أمَّا إذا كان مستور العورة فلا يحرم. ورواة هذا الحديث ما بين بلخيٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ (٢)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٢٠] و «البيوع» [خ¦٢١٤٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. ٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين في (٣) الثَّاني، وليس عند الأَصيليِّ: «ابن عقبة» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) هو (٤) عبد الرَّحمن بن هُرْمزٍ من كبار التَّابعين (٥) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ) بفتح المُوحَّدة كما في الفرع، وهو المشهور على الألسنة، لكنِ الأحسن كسرها لأنَّ المراد به الهيئة كالرِّكبة والجِلْسة (عَنِ اللِّمَاسِ) بكسر اللَّام وهو أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمةً، ثمَّ يشتريه على أن لا خيار له إذا

стр. 1396

رآه أيضًا (١) اكتفاءً بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته فقد بِعْتُكَهُ (٢) اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس (وَ) عن (النِّبَاذِ) بكسر النُّون والمعجمة آخره، وهو أن يجعلا النَّبذ بيعًا اكتفاءً به (٣) عن الصِّيغة، فيقول أحدهما: أنبذ إليك ثوبي بعشرةٍ، فيأخذه الآخر، أو يقول: بعتك هذا بكذا على أنِّي إذا نبذته إليك لزم البيع وانقطع الخيار، والبطلان فيهما لعدم الرُّؤية، أو عدم الصِّيغة، أو للشَّرط الفاسد (وَ) نهى ﵊ أيضًا (٤) (أَنْ يَشْتَمِلَ) أي: عن اشتمال الثَّوب كاشتمال الصَّخرة (الصَّمَّاءَ) لكونها مسدودة المنافذ، فيعسر أو يتعذَّر على المشتمل إخراج يده لما يعرض له في صلاته من دفع بعض الهوامِّ ونحوها، أو لانكشاف عورته على التَّفسير السَّابق المعزوِّ للفقهاء، الموافق لما عند المؤلِّف في «اللِّباس» -كما مرَّ- (٥)، ولابن عساكر: «أن تُشْتَمَل» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «الصَّمَّاء» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (وَ) نهى (أَنْ يَحْتَبِيَ) بفتح أوَّله وكسر المُوحَّدة، ولابن عساكر: «يُحْتبَى» بضمِّ أوَّله وفتح المُوحَّدة (الرَّجُلُ) أي: عن احتباء الرَّجل القاعد على أليتيه منتصبًا ساقيه، وقوله: «الرَّجل» ساقطٌ لابن عساكر والأَصيليِّ، ملتفًّا (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) والمطلق هنا في الاحتباء محمولٌ على المُقيَّد في الحديث السَّابق [خ¦٣٦٧] بقوله: «ليس على فرجه منه شيءٌ». وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وهو ممَّا قِيلَ فيه إنَّه أصحُّ الأسانيد، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٥٨٤] و «اللِّباس» [خ¦٥٨١٩]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «التِّجارات» و «اللِّباس».

стр. 1397

٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، أو ابن منصورٍ، تردَّد فيه لأنَّهما يرويان عن يعقوب. نعم جزم بالأوَّل إمام السُّنَّة (١) وحافظها ابن حجرٍ، مستندًا إلى أنَّ في نسخته من طريق أبي ذَرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم» وهو ابن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ، سبط عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو محمَّد بن عبد الله ابن أخي ابن (٢) شهابٍ محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَمِّهِ) محمَّد بن شهابٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الميم (بْنِ عَوْفٍ) التَّابعيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فِي تِلْكَ الحَجَّةِ) الَّتي حجَّها أبو بكرٍ بالنَّاس قبل حجَّة الوداع بسنةٍ (فِي مُؤَذِّنِينَ) بكسر الذَّال والنُّون، أي: رهطٍ يؤذِّنون في النَّاس (يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ) بنونٍ فهمزةٍ (بِمِنًى أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بإدغام نون «أن» في «لا يحجَّ»، ويحتمل أن تكون تفسيريَّةً، فـ «لا» نافيةٌ و «يحجُّ» و «يطوف» رُفِع، أو «لا» ناهيةٌ كما قاله ابن حجرٍ، وردَّه العينيُّ، قال ابن الدَّمامينيِّ: لأنَّ بعده: «ولا يطوف»، ويحتمل أن تكون ناصبةً فـ «يحجُّ» و «يطوف» نُصِبَ، والظَّاهر -كما قاله الكِرمانيُّ- أنَّ قوله: «بعد العام» أي: بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله، لكن قال العينيُّ: ينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنَّظر إلى التَّعليل. انتهى. وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ألَا لا يحجَّ» بتخفيف اللَّام للاستفتاح قبل حرف النَّهي (٣).

стр. 1398

(قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ التَّابعيُّ: (ثُمَّ أَرْدَفَ) أي: أرسل (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا) وراء أبي بكر (فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةُ) بالرَّفع كما في «اليونينيَّة» على الحكاية، ويجوز الفتح على أنَّها عَلَمٌ للسُّورة، والكسر مع التَّنوين، أي: بسورة براءة، والحكمة في تخصيص عليٍّ بذلك أنَّ «براءة» تضمَّنت نقض العهد، وكان من سيرة العرب ألَّا يحلَّ العقد إِلَّا الَّذي عقده أو رجلٌ من أهل بيته، وهذا الحديث (١) مُرسَلٌ من تعاليق البخاريِّ، أو داخلٌ تحت الإسناد، وكذا قوله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ) بتشديد الذَّال (مَعَنَا) بفتح العين وإسكانها (عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ) بالرَّفع في «يحجُّ» و «يطوفُ» فقط، وفيه: إبطالُ ما كانت عليه الجاهليَّة من الطَّواف عُراةً، فستر العورة شرطٌ خلافًا للحنفيَّة، لكن يُكَره عندهم. وفي هذا الحديث: رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ (٢)، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الجزية» [خ¦٣١٧٧] والمغازي [خ¦٤٣٦٣] و «الحجِّ» [خ¦١٦٢٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٥٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (١١) (بابُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ). ٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) ابْنُ أَبِي المَوَالِي)

стр. 1399

عبد الرَّحمن (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ) حال كونه (مُلْتَحِفًا بِهِ) أي: بالثَّوب، ويجوز: ملتحفٍ بالجرِّ على الجوار، أو صفةٌ لـ «ثَّوب»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو في نسختي عن الحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «ملتحفٌ» بالرَّفع خبر مبتدٍأ محذوفٍ، أي: هو ملتحفٌ به (وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ) على الأرض، أو على المِشْجَبِ ونحوه، والجملة حاليَّةٌ اسميَّةٌ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من صلاته (قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ) هي كنية جابر ويُكنَّى أيضًا أبا عبد الرَّحمن وأبا محمَّدٍ، أقوالٌ (١) (تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟! قَالَ: نَعَمْ) أي: أصلِّي وردائي موضوعٌ (أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الجُهَّالُ مِثْلُكُمْ) بالرَّفع صفةٌ لـ «الجهَّال»، وهي وإن كانت لا تتعرَّف بالإضافة، فالموصوف -وهو الجهَّال- قريبٌ من النَّكرة لأنَّ اللَّام فيه للجنس، وكون «مثل» مُفردًا وُصِف به جمعٌ، والتَّطابق بين الصِّفة والموصوف في الإفراد والجمع شرطٌ فلأنَّه بمعنى المثيل على (٢) وزن «فعيلٍ» يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والإفراد والجمع، أو يُقال: إنَّه اكتسب الجمعيَّة من المضاف إليه، أو هو جنسٌ يُطلَق على المفرد والمُثنَّى والجمع، ويجوز النَّصب على الحال (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي كَذَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هكذا» وسبب إغلاظ جابرٍ: أنَّه فهم من السَّائل الإنكار، وأنَّه يحبُّ (٣) أن يراه الجهَّال ليتنبهوا لإفادة الحكم (٤). (١٢) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي) حكم (الفَخِذِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الفخذ» (وَيُرْوَى) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، تعليقٌ بصيغة التَّمريض، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ:

стр. 1400

«ويُروَى» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله أحمد والتِّرمذيُّ بسندٍ فيه أبو يحيى القتَّات، وهو ضعيفٌ (وَ) عن (جَرْهَدٍ) بفتح الجيم والهاء، الأسلميِّ ممَّا وصله في (١) «المُوطَّأ» وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه ابن حبَّان (وَ) عن (مُحَمَّدِ ابْنِ جَحْشٍ) نسبه إلى جدِّه لشُهرته به، وإِلَّا فاسم أبيه عبد الله الأسديُّ، وهو ابن أخي زينب أُمِّ المؤمنين، له ولأبيه صحبةٌ، قال ابن حبَّان: سمع من النَّبيِّ ﷺ ، ووصل حديثه هذا المؤلِّف في «تاريخه»، وأحمد والحاكم (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الفَخِذُ عَوْرَةٌ). (وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله المؤلِّف قريبًا، وللأَصيليِّ: «وقال أنس بن مالكٍ»: (حَسَرَ) بالمُهمَلات المفتوحة، أي: كشف (النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ) (٢) ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: وحديث أنسٍ (أَسْنَدُ) أي: أقوى وأحسن سندًا من الحديث السَّابق (وَ) هو (حَدِيثُ جَرْهَدٍ) وما معه، لكنَّ العمل به (أَحْوَطُ) من حديث أنسٍ، أي: أكثر احتياطًا في أمر السَّتر (٣) (حَتَّى يُخْرَجَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء، وفي روايةٍ: «حتَّى يَخْرُجَ» بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء، كذا في الفرع، وقال الحافظ ابن حجرٍ: في روايتنا: بفتح النُّون وضمِّ الرَّاء (مِنِ اخْتِلَافِهِمْ) أي: العلماء، فقال الجمهور من التَّابعين وأبو حنيفة ومالكٌ في أصحِّ أقواله، والشَّافعيُّ وأحمد في أصحِّ روايتيه، وأبو يوسف ومحمَّدٌ: الفخذ عورةٌ، وذهب ابن أبي ذئبٍ وداود وأحمد في إحدى روايتيه، والإصطخريُّ من الشَّافعيَّة وابن حزمٍ: إلى أنَّه ليس

стр. 1401

بعورةٍ، قال في «المُحلَّى»: لو كان عورةً ما كشفها الله تعالى من رسوله المُطهَّر المعصوم من النَّاس، ولا رآها أنسٌ ولا غيره. (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ، ممَّا هو طرفٌ من حديثٍ موصولٍ عند المؤلِّف في «مناقب عثمان ﵁» [خ¦٣٦٩٥]: (غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ) بالتَّثنية، وفي روايةٍ: «ركبته» (حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ) ﵁ أدبًا معه واستحياءً منه (١)، ولذا قال -كما في «مسلمٍ» و «البيهقيِّ» -: «ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟!» وقد كان ﵊ يفعل مع كلِّ واحدٍ من أصحابه ما هو الغالب عليه، فلمَّا كان الغالب على عثمان ﵁ الحياء عَامَلَهُ بذلك جزاءً وفاقًا، فكشفُ ركبته ﵊ قبل دخول عثمان ﵁ دليلٌ على أنَّها ليست بعورةٍ، مع أنَّ ستر (٢) العورة واجبٌ مطلقًا، ولو في خلوةٍ إِلَّا (٣) عن (٤) نفسه، ويُكرَه نظره سوءتيه، ويُباح كشفها لغسلٍ ونحوه خاليًا، وعورة الرَّجل والصَّبيِّ والأَمَة -قنَّةً أو مُبعَّضَةً أو مُكاتبَةً أو مُدبَّرةً أو مُستولَدةً- والحُرَّة عند المحارم عند الشَّافعيَّة: ما بين السُّرَّة والرُّكبة؛ لحديث: «عورة الرَّجل ما بين سرَّته إلى ركبته» رواه الحارث بن (٥) أبي أسامة، وقِيسَ بالرَّجل الأَمَة بجامع أنَّ رأس كلٍّ منهما ليس بعورةٍ، وفي «السُّنن»: أنَّ عورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتيها. نعم يجب ستر بعض السُّرَّة والرُّكبة ليحصل السَّتر، وقِيلَ: هما عورةٌ، وقِيلَ: الرُّكبة دون السُّرَّة لحديث الدَّارقُطنيِّ: «عورة الرَّجل ما دون سُرَّته حتَّى يجاوز ركبتيه»، وهو مذهب الحنفيَّة، وعورة المرأة الحُرَّة في الصَّلاة، وعند الأجنبيِّ جميع بدنها إِلَّا الوجه والكَفَّين، أي: اليدين ظاهرًا وباطنًا إلى الكوعين، كما فسَّر به ابن عبَّاسٍ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] والخنثى كالأنثى، فلو استتر كالرَّجل بأن اقتصر على ستر

стр. 1402

ما بين سرَّته وركبته وصلَّى لم تصحَّ صلاته على الأصحِّ في «الرَّوضة»، والأفقه في «المجموع» للشَّكِّ في السَّتر، وصحَّح في «التَّحقيق» صحَّتها، وأمَّا في الخلوة فالَّذي يجب ستره فيها هو العورة الكبرى، قاله الإمام، وقال أبو حنيفة في أصحِّ الرِّوايتين عنه: قدم المرأة ليس بعورةٍ لأنَّ المرأة مبتلاةٌ بإبداء قدميها في مشيها، إذ ربَّما لا تجد الخفَّ. (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ النَّجاريُّ، كتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، وتعلَّم كتاب يهود في نحو (١) نصف شهرٍ، والسِّريانيَّة في سبعة عشر يومًا بأمره ﵊، وكان من علماء الصَّحابة، وقال ﵊: «أفرضُكم زيدٌ» رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ، وتُوفِّي سنة اثنتين أو ثلاثٍ أو خمسٍ وأربعين، وقال أبو هريرة حين تُوفِّي: مات حَبْر هذه الأمَّة، وعسى الله أن يجعل في ابن عبَّاسٍ منه خلفًا، وتعليقه هذا وصله المؤلِّف (٢) في تفسير سورة «النِّساء» [خ¦٤٥٩٢]: (أَنْزَلَ اللهُ) تعالى (عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) في قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الاية [النساء: ٩٥] (وَفَخِذُهُ) بواو الحال (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فخذه» (عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ) بضمِّ القاف، أي: فخذه ﵊ (عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرَضَّ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُعجمَة؛ أي (٤): تكسر (فَخِذِي) نُصِب بفتحٍ مُقدَّرٍ، ويجوز: «تُرَضَّ فخذي» بضمِّ المُثنَّاة وفتح الرَّاء، و «فخذي» رُفِع بضمَّةٍ مُقدَّرةٍ، قيلَ: لا وجه لإدخال المؤلِّف هذا الحديث هنا لأنَّه لا دلالة فيه على حكم الفخذ نفيًا ولا إثباتًا، وأُجيب بالحمل على المسِّ من غير حائلٍ لأنَّه الأصل، وهو يقتضي النَّفي لأنَّ مسَّ العورة بلا حائلٍ حرام كالنَّظر، وتُعقِّب بأنَّه لو كان فيه تصريحٌ بعدم الحائل لدلَّ على أنَّه ليس بعورةٍ، إذ لو كان عورةً لَمَا مكَّن ﵊ فخذه على فخذ زيدٍ.

стр. 1403

٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهمَلة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة مُصغَّرًا (١)، وللأَصيليِّ: «حدَّثني ابن عُلَيَّة» وأبوه اسمه إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلة، البنانيُّ البصريُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ»: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ) وهي (٢) على ثمانية بُرْدٍ من المدينة، وكانت في جمادى الأولى سنة سبعٍ من الهجرة (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) خارجًا عنها (صَلَاةَ الغَدَاةِ) أي: الصُّبح (بِغَلَسٍ) بفتح الغين واللَّام: ظلمة آخر اللَّيل (فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) على حمارٍ مخطومٍ برسن ليفٍ، وتحته أُكافٌ من

стр. 1404

ليفٍ، رواه البيهقيُّ والتِّرمذيُّ وضعَّفه (وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو أربعٍ وثلاثين بالمدينة أو بالشَّام أو في البحر (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، أي: قال أنسٌ: وأنا رديف أبي طلحة (فَأَجْرَى) من الإجراء (نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) مركوبه (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضمِّ الزَّاي وبالقافين، أي: سكَّة خيبر (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ) الشَّريف عند سوق مركوبه ليتمكَّن من ذلك (حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ¬) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في الفرع (١): «لأنظر» بزيادة لام التَّأكيد، و «حَسَر» بفتح الحاء والسِّين المُهمَلتين كما في الفرع وغيره، أي: كشف الإزار، وصوَّب ابن حجرٍ هذا الضَّبط مستدلًّا بالتَّعليق السَّابق، وهو قوله: قال أنسٌ: «حسر النَّبيُّ ﷺ »، وقال الزَّركشيُّ: «حُسِر» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بدليل رواية مسلمٍ: «فانحسر» أي: بغير اختياره لضرورة الإجراء، وحينئذٍ (٢) فلا دلالة فيه (٣) على كون الفخذ ليس بعورةٍ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّه لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاريِّ على خلافه، وأُجيب بأنَّ اللَّائق بحاله ﵊ ألَّا يُنسَب إليه كشف فخذه قصدًا، مع ثبوت قوله ﵊: «الفخذ عورةٌ»، ولعلَّ أنسًا لمَّا رأى فخذه ﵊ مكشوفًا، وكان ﵊ سببًا في ذلك بالإجراء أسند الفعل إليه، وقد مرَّ قول المؤلِّف: وحديث أنسٍ أسند، وحديث جرهدٍ أحوط، فافهم. (فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ (القَرْيَةَ) أي: خيبر، وهو يشعر بأنَّ الزُّقاق كان خارج القرية (قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) أي: صارت خرابًا، قاله ﷺ على سبيل الإخبار، فيكون من الإنباء

стр. 1405

بالمغيبات، أو على جهة (١) الدُّعاء عليهم، أي: التَّفاؤل لمَّا رآهم خرجوا بمسَاحيهم ومَكاتلهم الَّتي هي من آلات الهدم (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ) بفتح الذَّال (٢) المُعجمَة (قَالَهَا) ﵊ (ثَلَاثًا، قَالَ) أنسٌ: (وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى) مواضع (أَعْمَالِهِمْ) كذا قدَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ، لكن قال العينيُّ: بل معناه: خرج القوم لأعمالهم الَّتي كانوا يعملونها (٣)، وكلمة «إِلَى» بمعنى: اللَّام (فَقَالُوا): هذا (مُحَمَّدٌ) أو جاء محمَّدٌ (قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيْبٍ الرَّاوي: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) هو محمَّد بن سيرين كما عند المؤلِّف من طريقه، أو ثابتٌ البنانيُّ كما أخرجه مسلمٌ من طريقه، أو غيرهما: (وَالخَمِيسُ) بالرَّفع عطفًا على «محمَّدٌ»، أو بالنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع»، قال عبد العزيز أو من دونه: (يَعْنِي: الجَيْشَ) وأشار بهذا إلى أنَّه لم يسمع: «والخميس» من أنسٍ، بل من بعض (٤) أصحابه عنه، والحاصل أنَّ عبد العزيز قال: سمعت من أنس: قالوا: جاء محمَّدٌ فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمَّدٌ والخميس، والتَّفسير مُدرَجٌ، وسُمِّي بالخميس لأنَّه خمسة أقسامٍ: مقدِّمةٌ وساقةٌ وقلبٌ وجناحان (قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا) أي: خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين وسكون النُّون، أي: قهرًا في عنفٍ، أو صلحًا في رفقٍ، ضِدٌّ، ومن ثمَّ اختُلِف هل كانت صلحًا أو عنوةً أو إجلاءً، وصحَّح المنذريُّ: أنَّ بعضها أُخِذ (٥) صلحًا، وبعضَها عنوةً، وبعضَها إجلاءً، وبهذا يندفع التَّضادُّ (٦) بين الآثار (فَجُمِعَ السَّبْيُ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول (فَجَاءَ دِحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها، ولابن عساكر: «دحية الكلبيُّ» (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً) منه، فذهب (فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) بفتح الصَّاد المُهمَلة، قِيلَ:
следующие страницы →