بعورةٍ، قال في «المُحلَّى»: لو كان عورةً ما كشفها الله تعالى من رسوله المُطهَّر المعصوم من النَّاس، ولا رآها أنسٌ ولا غيره.
(وَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ، ممَّا هو طرفٌ من حديثٍ موصولٍ عند المؤلِّف في «مناقب عثمان ﵁» [خ¦٣٦٩٥]: (غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ) بالتَّثنية، وفي روايةٍ: «ركبته» (حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ) ﵁ أدبًا معه واستحياءً منه (١)، ولذا قال -كما في «مسلمٍ» و «البيهقيِّ» -: «ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟!» وقد كان ﵊ يفعل مع كلِّ واحدٍ من أصحابه ما هو الغالب عليه، فلمَّا كان الغالب على عثمان ﵁ الحياء عَامَلَهُ بذلك جزاءً وفاقًا، فكشفُ ركبته ﵊ قبل دخول عثمان ﵁ دليلٌ على أنَّها ليست بعورةٍ، مع أنَّ ستر (٢) العورة واجبٌ مطلقًا، ولو في خلوةٍ إِلَّا (٣) عن (٤) نفسه، ويُكرَه نظره سوءتيه، ويُباح كشفها لغسلٍ ونحوه خاليًا، وعورة الرَّجل والصَّبيِّ والأَمَة -قنَّةً أو مُبعَّضَةً أو مُكاتبَةً أو مُدبَّرةً أو مُستولَدةً- والحُرَّة عند المحارم عند الشَّافعيَّة: ما بين السُّرَّة والرُّكبة؛ لحديث: «عورة الرَّجل ما بين سرَّته إلى ركبته» رواه الحارث بن (٥) أبي أسامة، وقِيسَ بالرَّجل الأَمَة بجامع أنَّ رأس كلٍّ منهما ليس بعورةٍ، وفي «السُّنن»: أنَّ عورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتيها. نعم يجب ستر بعض السُّرَّة والرُّكبة ليحصل السَّتر، وقِيلَ: هما عورةٌ، وقِيلَ: الرُّكبة دون السُّرَّة لحديث الدَّارقُطنيِّ: «عورة الرَّجل ما دون سُرَّته حتَّى يجاوز ركبتيه»، وهو مذهب الحنفيَّة، وعورة المرأة الحُرَّة في الصَّلاة، وعند الأجنبيِّ جميع بدنها إِلَّا الوجه والكَفَّين، أي: اليدين ظاهرًا وباطنًا إلى الكوعين، كما فسَّر به ابن عبَّاسٍ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] والخنثى كالأنثى، فلو استتر كالرَّجل بأن اقتصر على ستر
стр. 1402
ما بين سرَّته وركبته وصلَّى لم تصحَّ صلاته على الأصحِّ في «الرَّوضة»، والأفقه في «المجموع» للشَّكِّ في السَّتر، وصحَّح في «التَّحقيق» صحَّتها، وأمَّا في الخلوة فالَّذي يجب ستره فيها هو العورة الكبرى، قاله الإمام، وقال أبو حنيفة في أصحِّ الرِّوايتين عنه: قدم المرأة ليس بعورةٍ لأنَّ المرأة مبتلاةٌ بإبداء قدميها في مشيها، إذ ربَّما لا تجد الخفَّ.
(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ النَّجاريُّ، كتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، وتعلَّم كتاب يهود في نحو (١) نصف شهرٍ، والسِّريانيَّة في سبعة عشر يومًا بأمره ﵊، وكان من علماء الصَّحابة، وقال ﵊: «أفرضُكم زيدٌ» رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ، وتُوفِّي سنة اثنتين أو ثلاثٍ أو خمسٍ وأربعين، وقال أبو هريرة حين تُوفِّي: مات حَبْر هذه الأمَّة، وعسى الله أن يجعل في ابن عبَّاسٍ منه خلفًا، وتعليقه هذا وصله المؤلِّف (٢) في تفسير سورة «النِّساء» [خ¦٤٥٩٢]: (أَنْزَلَ اللهُ) تعالى (عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ¬) في قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الاية [النساء: ٩٥] (وَفَخِذُهُ) بواو الحال (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فخذه» (عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ) بضمِّ القاف، أي: فخذه ﵊ (عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرَضَّ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُعجمَة؛ أي (٤): تكسر (فَخِذِي) نُصِب بفتحٍ مُقدَّرٍ، ويجوز: «تُرَضَّ فخذي» بضمِّ المُثنَّاة وفتح الرَّاء، و «فخذي» رُفِع بضمَّةٍ مُقدَّرةٍ، قيلَ: لا وجه لإدخال المؤلِّف هذا الحديث هنا لأنَّه لا دلالة فيه على حكم الفخذ نفيًا ولا إثباتًا، وأُجيب بالحمل على المسِّ من غير حائلٍ لأنَّه الأصل، وهو يقتضي النَّفي لأنَّ مسَّ العورة بلا حائلٍ حرام كالنَّظر، وتُعقِّب بأنَّه لو كان فيه تصريحٌ بعدم الحائل لدلَّ على أنَّه ليس بعورةٍ، إذ لو كان عورةً لَمَا مكَّن ﵊ فخذه على فخذ زيدٍ.
стр. 1403
٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهمَلة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة مُصغَّرًا (١)، وللأَصيليِّ: «حدَّثني ابن عُلَيَّة» وأبوه اسمه إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلة، البنانيُّ البصريُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ»: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ) وهي (٢) على ثمانية بُرْدٍ من المدينة، وكانت في جمادى الأولى سنة سبعٍ من الهجرة (فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا) خارجًا عنها (صَلَاةَ الغَدَاةِ) أي: الصُّبح (بِغَلَسٍ) بفتح الغين واللَّام: ظلمة آخر اللَّيل (فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) على حمارٍ مخطومٍ برسن ليفٍ، وتحته أُكافٌ من
стр. 1404
ليفٍ، رواه البيهقيُّ والتِّرمذيُّ وضعَّفه (وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو أربعٍ وثلاثين بالمدينة أو بالشَّام أو في البحر (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، أي: قال أنسٌ: وأنا رديف أبي طلحة (فَأَجْرَى) من الإجراء (نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) مركوبه (فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) بضمِّ الزَّاي وبالقافين، أي: سكَّة خيبر (وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ) الشَّريف عند سوق مركوبه ليتمكَّن من ذلك (حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ¬) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في الفرع (١): «لأنظر» بزيادة لام التَّأكيد، و «حَسَر» بفتح الحاء والسِّين المُهمَلتين كما في الفرع وغيره، أي: كشف الإزار، وصوَّب ابن حجرٍ هذا الضَّبط مستدلًّا بالتَّعليق السَّابق، وهو قوله: قال أنسٌ: «حسر النَّبيُّ ﷺ »، وقال الزَّركشيُّ: «حُسِر» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بدليل رواية مسلمٍ: «فانحسر» أي: بغير اختياره لضرورة الإجراء، وحينئذٍ (٢) فلا دلالة فيه (٣) على كون الفخذ ليس بعورةٍ، وتعقَّبه في «فتح الباري» بأنَّه لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم ألَّا يقع عند البخاريِّ على خلافه، وأُجيب بأنَّ اللَّائق بحاله ﵊ ألَّا يُنسَب إليه كشف فخذه قصدًا، مع ثبوت قوله ﵊: «الفخذ عورةٌ»، ولعلَّ أنسًا لمَّا رأى فخذه ﵊ مكشوفًا، وكان ﵊ سببًا في ذلك بالإجراء أسند الفعل إليه، وقد مرَّ قول المؤلِّف: وحديث أنسٍ أسند، وحديث جرهدٍ أحوط، فافهم.
(فَلَمَّا دَخَلَ) ﵊ (القَرْيَةَ) أي: خيبر، وهو يشعر بأنَّ الزُّقاق كان خارج القرية (قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) أي: صارت خرابًا، قاله ﷺ على سبيل الإخبار، فيكون من الإنباء
стр. 1405
بالمغيبات، أو على جهة (١) الدُّعاء عليهم، أي: التَّفاؤل لمَّا رآهم خرجوا بمسَاحيهم ومَكاتلهم الَّتي هي من آلات الهدم (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ) بفتح الذَّال (٢) المُعجمَة (قَالَهَا) ﵊ (ثَلَاثًا، قَالَ) أنسٌ: (وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى) مواضع (أَعْمَالِهِمْ) كذا قدَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ، لكن قال العينيُّ: بل معناه: خرج القوم لأعمالهم الَّتي كانوا يعملونها (٣)، وكلمة «إِلَى» بمعنى: اللَّام (فَقَالُوا): هذا (مُحَمَّدٌ) أو جاء محمَّدٌ (قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيْبٍ الرَّاوي: (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) هو محمَّد بن سيرين كما عند المؤلِّف من طريقه، أو ثابتٌ البنانيُّ كما أخرجه مسلمٌ من طريقه، أو غيرهما: (وَالخَمِيسُ) بالرَّفع عطفًا على «محمَّدٌ»، أو بالنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع»، قال عبد العزيز أو من دونه: (يَعْنِي: الجَيْشَ) وأشار بهذا إلى أنَّه لم يسمع: «والخميس» من أنسٍ، بل من بعض (٤) أصحابه عنه، والحاصل أنَّ عبد العزيز قال: سمعت من أنس: قالوا: جاء محمَّدٌ فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا: محمَّدٌ والخميس، والتَّفسير مُدرَجٌ، وسُمِّي بالخميس لأنَّه خمسة أقسامٍ: مقدِّمةٌ وساقةٌ وقلبٌ وجناحان (قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا) أي: خيبر (عَنْوَةً) بفتح العين وسكون النُّون، أي: قهرًا في عنفٍ، أو صلحًا في رفقٍ، ضِدٌّ، ومن ثمَّ اختُلِف هل كانت صلحًا أو عنوةً أو إجلاءً، وصحَّح المنذريُّ: أنَّ بعضها أُخِذ (٥) صلحًا، وبعضَها عنوةً، وبعضَها إجلاءً، وبهذا يندفع التَّضادُّ (٦) بين الآثار (فَجُمِعَ السَّبْيُ) بضمِّ الجيم مبنيًّا للمفعول (فَجَاءَ دِحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها، ولابن عساكر: «دحية الكلبيُّ» (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً) منه، فذهب (فَأَخَذَ صَفِيَّةَ) بفتح الصَّاد المُهمَلة، قِيلَ:
стр. 1406
وكان اسمها زينب (بِنْتَ حُيَيٍّ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وكسرها وفتح المُثنَّاة الأولى مُخفَّفَةً وتشديد الثَّانية، ابن أخطب من بنات هارون ﵇، المُتوفَّاة سنة ستٍّ وثلاثين، أو ستٍّ وخمسين، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، قُتِل عنها بخيبر، وإنَّما أذن ﷺ لدحية في أخذ الجارية قبل القسمة لأنَّ له ﵊ صفيَّ المغنم يعطيه لَمن يشاء، أو تنفيلًا له من أصل الغنيمة (٢)، أو من خمس الخمس بعدأن تميَّز، أو قبل على أن يحسب منه إذا تميَّز، أو أذن (٣) له في أخذها لتُقوَّم عليه بعد ذلك وتُحسَب من سهمه (فَجَاءَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء والظَّاء المُعجَمة (وَالنَّضِيرِ) بفتح النُّون وكسر الضَّاد المُعجمَة السَّاقطة: قبيلتان من يهود خيبر (لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ) لأنَّها من بيت النُّبوَّة من ولد هارون ﵇، والرِّياسة لأنَّها من بيت سيِّد (٤) قريظة والنَّضير، مع الجمال العظيم، والنَّبيُّ ﷺ أكمل الخَلْق في هذه الأوصاف، بل في سائر الأخلاق الحميدة (قَالَ) ﵊: (ادْعُوهُ) أي: دحية (بِهَا) أي: بصفيَّة، فدعَوه (فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ) له: (خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا) وارتجعها منه لأنَّه إنَّما كان أذن له في جاريةٍ من حشو السَّبي لا من أفضلهنَّ، فلمَّا رآه أخذ أَنْفَسَهُنَّ نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها لئلَّا يتميَّز دحية بها على سائر الجيش، مع أنَّ فيهم مَن هو (٥) أفضل منه، وأيضًا: لِمَا فيه من انتهاكها (٦) مع علوِّ مرتبتها، وربَّما ترتَّب على ذلك شقاقٌ أو غيره ممَّا لا يخفى، فكان (٧) اصطفاؤه لها قاطعًا لهذه المفاسد، وفي «فتح الباري» نقلًا عن الشَّافعيِّ في «الأُمِّ» عن «سيرة الواقديِّ»: أنَّه ﵊ أعطى دحية أُخت كنانة بن الرَّبيع بن أبي
стр. 1407
الحقيق زوج صفيَّة، أي: تطييبًا (١) لخاطره، وفي «سيرة ابن سيِّد النَّاس»: أنَّه أعطاه ابنتي عمِّ صفيَّة (قَالَ: فَأَعْتَقَهَا) أي: صفيَّةَ (النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ) البنانيُّ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء المُهملَة والزَّاي، كنية أنسٍ (مَا أَصْدَقَهَا) ﵊؟ (قَالَ) أنسٌ: أصدقها (نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا) بلا عوضٍ (وَتَزَوَّجَهَا) بلا مهرٍ، أو أعتقها وشرط أن ينكحها، فلزمها الوفاء، أو جعل نفس العتق صَدَاقًا، وكلُّها من خصائصه (٢)، وأخذ الإمام أحمد والحسن وابن المُسيَّب وغيرهم بظاهره فجوَّزوا ذلك لغيره أيضًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) ﵊ (بِالطَّرِيقِ) في سدِّ الرَّوحاء على نحو أربعين ميلًا من المدينة أو نحوها (جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين، وهي أُمُّ أنسٍ (فَأَهْدَتْهَا) أي: زفَّتها (لَهُ) ﵊ (مِنَ اللَّيْلِ) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها -أي: النُّسخ أو الرِّوايات-: «فهدتها» أي: بغير همزٍ، وصُوِّب (٣) لقول الجوهريِّ: الهِدَاء مصدر هديتُ أنا المرأة إلى زوجها (فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ عَرُوسًا) على وزن «فَعُول» يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث ما داما في إعراسهما، وجمعه: عُرُسٌ، وجمعها: عرائسُ (فَقَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ، وَبَسَطَ) بفتحات (نِطَعًا) بكسر النُّون وفتح الطَّاء المُهمَلة، وعليها اقتصر ثعلبٌ في «فصيحه»، وكذا في الفرع وغيره من الأصول، ويجوز: فتح النُّون وسكون الطَّاء، وفتحهما، وكسر النُّون وسكون الطَّاء، وقال الزَّركشيُّ: فيه سبع لغاتٍ، وجمعه: أنطاعٌ ونطوعٌ (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ - قَالَ) عبد العزيز بن صُهَيْبٍ: (وَأَحْسِبُهُ) أي: أنسًا (قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ) نعم في رواية عبد الوارث الجزم بذكر السَّويق (قَالَ: فَحَاسُوا) بمُهمَلتين، أي: خلطوا أو (٥) اتَّخذوا (حَيْسًا) بفتح الحاء والسِّين المُهمَلتين، بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وهو الطَّعام المُتَّخَذ من التَّمر والأَقِط والسَّمن،
стр. 1408
وربَّما (١) عوَّض بالدَّقيق عن الأَقِط (فَكَانَتْ) بالفاء، وفي روايةٍ: «وكانت (٢)» أي: الثَّلاثة المصنوعة حَيْسًا (وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: طعام عرسه، من الولم (٣) وهو الجمع، سُمِّي به لاجتماع الزَّوجين. واستُنبِط منه (٤): مشروعيَّة مطلوبيَّة الوليمة للعرس، وأنَّها بعد الدُّخول، وجوَّز النَّوويُّ كونها قبله أيضًا، وأنَّ السُّنَّة تحصل بغير اللَّحم، ومساعدة الأصحاب بطعامٍ من عندهم.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٥] و «المغازي» [خ¦٤٢٠٠]، وأبو داود في «الخراج»، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» و «الوليمة»، والله الموفِّق (٥).
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي كَمْ) ثوبًا (تُصَلِّي المَرْأَةُ مِنْ الثِّيَابِ؟) ولغير الأربعة: «في الثِّياب» و «كم» لها صدر الكلام، فلا يقدح تأخُّرها عن «في» الجارَّة لأنَّ الجارَّ والمجرور ككلمةٍ واحدةٍ.
стр. 1409
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنه بمعناه: (لَوْ وَارَتْ) أي: سترت المرأة (جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ) واحدٍ (لأَجَزْتُهُ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ بفتح لام التَّأكيد والجيم وسكون الزَّاي، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «جاز».
٣٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ): والله (لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ) أي: فيحضر (مَعَهُ) وفي روايةٍ: «فشهد» أي: فحضر معه (نِسَاءٌ) جمع امرأةٍ، لا واحد له من لفظه (مِنَ المُؤْمِنَاتِ) حال كونهنَّ (مُتَلَفِّعَاتٍ) بعينٍ مُهمَلةٍ بعد الفاء المُشدَّدة، أي: مغطِّياتٍ الرُّؤوسَ والأجساد (فِي مُرُوطِهِنَّ) جمع مِرْطٍ بكسر أوَّله، كساءٌ من خَزٍّ أو صوفٍ أو غيره، أو هي (١) الملحفة أو الإزار أو الثَّوب الأخضر، وللأَصيليِّ: «متلفِّعاتٌ» بالرَّفع، صفةٌ للنِّساء، وله في غير الفرع: «متلفِّفات» بفاءين، قال ابن حبيبٍ: التَّلفُّع -أي: بالعين- لا يكون إِلَّا بتغطية الرَّأس والتَّلفُّف: بتغطية الرَّأس (٢) وكشفه (ثُمَّ يَرْجِعْنَ) من المسجد (إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) أي: من الغلس، كما عند المؤلِّف في «المواقيت» [خ¦٥٧٨] وقد اعتُرض على المؤلِّف في استدلاله بهذا الحديث على جواز صلاة المرأة في الثَّوب الواحد بأنَّ (٣) الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى، وأُجيب بأنَّه تمسُّكٌ بأنَّ الأصل عدم الزِّيادة على ما أشار إليه، على أنَّه لم يصرِّح بشيءٍ، إِلَّا أنَّ اختياره يُؤخَذ في العادة من الآثار الَّتي يوردها في التَّرجمة، قاله في «الفتح».
стр. 1410
ورواة هذا الحديث ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار (١)، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٥٧٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَلَّى) الشَّخص (٢) (فِي ثَوْبٍ) أي: وهو لابسٌ ثوبًا (لَهُ أَعْلَامٌ، وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا) (٣) أُنِّث بالنَّظر إلى الخميصة الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦٣٧٣].
٣٧٣ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، ولابن عساكر: «عن ابن شهاب» (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) بفتح الخاء المُعجمَة وكسر الميم وبالصَّاد المُهمَلة: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ (لَهَا أَعْلَامٌ) جملةٌ وقعت صفةً لـ «خميصةٍ» (فَنَظَرَ) ﵊ (إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ) من صلاته (قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء، عامر بن حذيفة العدويِّ القرشيِّ المدنيِّ، أسلم يوم الفتح، وتُوفِّي في آخر خلافة معاوية (وَائْتُونِي
стр. 1411
بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ) بفتح الهمزة وسكون النُّون وكسر المُوحَّدة وتخفيف الجيم، وبعد النُّون ياءُ نسبةٍ مشدَّدةٍ: كساءٌ غليظٌ لا عَلَم له، ويجوز كسر الهمزة وسكون النُّون (١) وفتح المُوحدَّة وتخفيف المُثنَّاة، قال ابن قرقولٍ: نسبةً إلى مَنْبِجٍ -بفتح الميم وكسر المُوحَّدة- موضعٌ بالشَّام، وقِيلَ (٢): نسبةً إلى موضعٍ يُقال له: أنبجان، وفي هذه قال ثعلبٌ: يُقَال: كساءٌ أنبجانيٌّ، وهذا هو الأقرب إلى الصَّواب في لفظ الحديث. انتهى. (فَإِنَّهَا) أي: الخميصة (٣) (أَلْهَتْنِي) من لهي بالكسر، لا من «لها لهوًا» إذا لعب، أي: شغلتني (آنِفًا) أي: قريبًا (عَنْ صَلَاتِي) وعند مالكٍ في «المُوطَّأ»: «فإنِّي نظرت إلى عَلَمِها في الصَّلاة فكاد يفتنني (٤)» وفي التَّعليق الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا: «فأخاف أن تفتنني (٥)» فيُحمَل قوله: «ألهتني» على قوله: «كاد»، فيكون الإطلاق للمُبالَغة في القرب، لا لتحقُّق (٦) وقوع الإلهاء، ولا يُقال: إنَّ المعنى شغلتني عن كمال الحضور في صلاتي لأنَّا نقول: قوله في التَّعليق الآتي: «فأخاف أن تفتنني» يدلُّ على نفي (٧) وقوع ذلك، وقد يُقال: إنَّ له ﵊ حالَّتين: حالةً بشريَّةً، وحالةً يختصُّ بها خارجةً عن
стр. 1412
ذلك فبالنَّظر إلى الحالة البشريَّة قال: ألهتني، وبالنَّظر إلى الحالة الثَّانية لم يجزم به (١) بل قال: أخاف، ولا يلزم من ذلك الوقوع، ونزع الخميصة ليُسْتَنَّ به في ترك كلِّ شاغلٍ، وليس المراد: أنَّ أبا جَهْمٍ يصلِّي في الخميصة لأنَّه ﵊ لم يكن ليبعث إلى غيره بما (٢) يكرهه لنفسه، فهو كإهداء الحُلَّة لعمر ﵁ مع تحريم لباسها عليه لينتفع بها ببيعٍ أو غيره.
واستُنبِط من الحديث: الحثُّ على حضور القلب في الصَّلاة، وترك ما يؤدِّي إلى شغله كزخرفة المساجد، وعند ابن ماجه من حديث عمر ﵁ مرفوعًا: «ما ساء عمل قوم إلَّا (٣) زخرفوا مساجدهم» (٤)، وقد شهد القرآن بالفَلَاح للمُصلِّين الخاشعين، والفلاح أجمعُ اسمٍ لسعادة الآخرة، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، فالمصلِّي يناجي ربَّه، فعظِّم في نفسك قدر مناجاته، وانظر مَن تناجي؟ وكيف تناجي؟ وبماذا تناجي؟ فاعلم واعمل تَسْلَم.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيِّين، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث والعنعنة.
(وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير: (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ ممَّا رواه مسلمٌ وغيره بالمعنى. قالت: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا) أي: الخميصة (وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ) جملةٌ حاليَّةٌ (فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الثَّانية وبالنُّونين، من
стр. 1413
باب «ضرَب يضرِب»، وفي روايةٍ: «يفتنني» (١) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة في أوَّله بدل الفوقيَّة.
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِنْ صَلَّى) الشَّخص حال كونه (فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ) بفتح اللَّام المُشدَّدة، أي: فيه صلبان (٢) منقوشةٌ أو منسوجةٌ (أَوْ) في ثوبٍ ذي (تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) أم لا؟ (وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ) ولابن عساكر في نسخةٍ وأبي الوقت والأَصيليِّ: «وما يُنهَى عنه» بالضَّمير، ولأبي ذَرٍّ: «وما يُنهَى (٣) من ذلك» بدل «عن».
٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وإسكان الميم (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ» قال: (كَانَ قِرَامٌ) بكسر القاف وتخفيف الرَّاء، سترٌ رقيقٌ من صوفٍ، ذو ألوانٍ أو رقمٍ ونقوشٍ (لِعَائِشَةَ) ﵂ (سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لها: (أَمِيطِي) أمرٌ من أماط يُميط، أي: أَزِيلي (عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُ) بغير ضميرٍ، و «الهاء» في «فإنَّه» ضمير الشَّأن، وفي روايةٍ: «تصاويره» بإضافته إلى الضَّمير، فضمير «إنَّه» للثَّوب (تَعْرِضُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء، أي: تلوح لي (فِي صَلَاتِي) ولم يُعِدْ الصَّلاة ولم يقطعها، نعم تُكرَه الصَّلاة حينئذٍ لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوِّت للخشوع، ووجه إدخال حديث القِرَام في التَّرجمة لأنَّه إذا نهى عنه في التَّجمُّل كان النَّهي عن لباسه في الصَّلاة بطريق الأَوْلى،
стр. 1414
ويلحق المُصلَّب بالمُصوَّر لاشتراكهما في كون كلٍّ منهما قد عُبِد من دون الله، وفي حديث عائشة عند المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٩٥٢] قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصليبٌ إِلَّا نقضه، وأمرُه ﷺ بالإماطة في حديث الباب يستلزم النَّهيَ عن الاستعمال. واستنبط منه الشَّافعيَّة: كراهة الصُّور مُطلَقًا، واستثنى الحنفيَّة من ذلك ما يُبسَط، وبه قال المالكيَّة وأحمد في روايةٍ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «اللِّباس» [خ¦٥٩٥٢] أيضًا والنَّسائيُّ.
(١٦) (بابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ) بفتح الفاء وتشديد الرَّاء المضمومة وتخفيفها وآخره جيمٌ، وحُكِيَ ضمُّ أوَّله وخفَّة الرَّاء (١) على وزن خروجٍ، قباءٌ مشقوقٌ (٢) من خلفه، وهو من لباس الأعاجم (ثُمَّ نَزَعَهُ).
٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «عن يزيد بن أبي حبيبٍ» ولابن عساكر والأَصيليِّ في نسخةٍ: «هو (٣) ابن أبي حبيب» (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَدٍ -بفتح الميم والمُثلَّثة- اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ ﵁، كان قارئًا فصيحًا شاعرًا كاتبًا، وهو أحد مَن جمع القرآن في المصحف، وكان
стр. 1415
مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان، وشهد صِفِّين مع معاوية، وأمَّره على مصر، وتُوفِّي في خلافة معاوية على الصَّحيح، وروى عن النَّبيِّ ﷺ كثيرًا، وله في البخاريِّ أحاديث (قَالَ: أُهْدِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الدَّال (إِلَى النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ) بالإضافة كثوب خزٍّ وخاتم فضَّةٍ، وكان الَّذي أهداه له أُكَيْدر بن عبد الملك، صاحب دُومة الجندل (فَلَبِسَهُ) ﵊ قبل تحريم الحرير (فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالكَارِهِ لَهُ) وفي حديث جابرٍ عند مسلمٍ: صلَّى في قباء ديباجٍ ثمَّ نزعه، وقال: «نهاني جبريل ﵊» فالنَّهي سبب نزعه له، وذلك ابتداء تحريمه (وَقَالَ ﷺ : لَا يَنْبَغِي) استعمال (هَذَا) الحرير (لِلْمُتَّقِينَ) عن الكفر وهم المؤمنون، وعبّر بجمع المُذكَّر ليخرج النِّساء لأنَّه حلالٌ لهنَّ، فإن قلت: يدخلن (١) تغليبًا. أُجيب بأنَّهنَّ خرجن (٢) بدليلٍ آخر، قال ﵊: «أُحِلَّ الذَّهب والحرير لإناث أمَّتي وحُرِّم على ذكورها» وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. نعم الأصحُّ عند الرَّافعيِّ تحريم افتراشها إيَّاه لأنَّه ليس في الفرش ما في اللُّبس من التَّزيُّن للزَّوج المطلوب، وصحَّح النَّوويُّ حلَّه، قال: وبه قطع العراقيُّون
стр. 1416
وغيرهم لإطلاق الحديث السَّابق، وبه قال أبو حنيفة، وكرهه صاحباه، فلو صلَّى فيه الرَّجل أجزأته صلاته، لكنَّه ارتكب حرامًا، وقال الحنفيَّة: تُكرَه وتصحُّ، وقال المالكيَّة: يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في «باب اللِّباس».
ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٠١]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(١٧) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ).
٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بالعينين المُهمَلتين وسكون الرَّاء الأولى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) بضمِّ العين، الكوفيُّ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلة، وهب بن عبد الله السَّوَائيِّ -بضمِّ السِّين المُهمَلة وتخفيف الواو- الكوفيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أَبِي جحيفة ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وهو بالأبطح (فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ) بفتح الهمزة والدَّال: جِلْدٌ (وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بفتح الواو، أي: الماء الَّذي يتوضَّأ به (وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ) أي: يتسارعون ويتسابقون إلى (ذَاكَ) بغير لامٍ،
стр. 1417
وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ذلك» (الوَضُوءَ) تبرُّكًا بآثاره الشَّريفة (فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ) وفي روايةٍ: «من بَلالِ» بفتح الباء وكسرها (ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً) بفتح العين المُهمَلة والنُّون والزَّاي، مثل نصف الرُّمح أو أكبر، لها سنانٌ كسنان الرُّمح، وفي روايةٍ: «عنزةً له» (فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) بُرْدَين -إزارٌ ورداءٌ- (١) يمانيَّين منسوجين بخطوطٍ حُمْرٍ مع الأسود حال كونه (مُشَمِّرًا) ثوبه -بكسر الميم الثَّانية- قد كشف شيئًا من ساقيه، قال في «مسلمٍ»: «كأنِّي أنظر إلى بياض ساقيه» (صَلَّى) و «لمسلمٍ»: تقدَّم فصلَّى (إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ) الظُّهر (رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «من بين يدي العنزة» وفيه استعمال المجاز، وإِلَّا فالعَنَزة لا يد لها.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (٢) وكوفيِّين، وفيه: التحديث والعنعنة والقول (٣)، وأخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٩]، ومسلمٌ (٤) في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزِّينة»، وابن ماجه في «الصَّلاة».
(١٨) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ) بضمِّ السِّين، جمع سطحٍ (وَالمِنْبَرِ) بكسر الميم وفتح
стр. 1418
المُوحَّدة (وَالخَشَبِ) بفتحتين أو بضمَّتين (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ: (وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ) البصريُّ (بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى) بضمِّ الياء وفتح اللَّام المُشدَّدة (عَلَى الجَُمْدِ) بفتح الجيم وضمِّها وسكون الميم ثمَّ دالٍ مُهمَلةٍ (١)، وللأَصيليِّ -فيما ذكره ابن قرقول- بفتح الميم، وحكى ابن التِّين ضمَّها، لكن قال القاضي عياضٌ: الصَّواب السُّكون، وهو الماء الجامد من شدَّة البرد (وَالقَنَاطِرِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «والقناطير» وهو ما ارتفع من البنيان، وفي «اليونينيَّة» ممَّا لم يُرقّم له علامةٌ: «على الخندق» (وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا) أي: القناطر، وهمزة «أمامها» مفتوحةٌ، أي: قدَّامها (إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا) أي: بين المصلِّي وأمام القناطر (سُتْرَةٌ) مانعةٌ من ملاقاة النَّجاسة.
(وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا (٢) وصله ابن أبي شيبة (عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ» (بِصَلَاةِ الإِمَامِ) وهو أسفل، لكن (٣) في رواية ابن أبي شيبة: صالحٌ مولى التَّوأمة، وتُكلِّم فيه، لكنَّه (٤) تقوَّى برواية سعيد بن منصورٍ من وجهٍ آخر. نعم يُكرَه عندنا والحنفيَّة ارتفاع كلٍّ من الإمام والمأموم على الآخر إِلَّا لحاجةٍ كتعليم الإمام المأمومين صفة الصَّلاة، وكتبليغ المأمومين تكبير الإمام، فيُستحَبُّ ارتفاعهما لذلك (وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (٥) (عَلَى الثَّلْجِ) بالمُثلَّثة والجيم.
стр. 1419
٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديَّ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ) النَّبويُّ المدنيُّ؟ ولأبي داود: إنَّ رجالًا أتوا سهل بن سعد السَّاعديَّ وقدِ امتَروا في المنبر ممَّ عُوده؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ) وفي روايةٍ: «من النَّاس» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «في النَّاس» (أَعْلَمُ مِنِّي) أي: بذلك (هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ) بالغين المُعجمَة والمُوحَّدة، موضعٌ قرب المدينة من العوالي، والأَثْل بفتح الهمزة وسكون المُثلَّثة: شجرٌ كالطَّرفاء (١) لا شوك له، وخشبُه جيِّدٌ، يُعمَل منه القِصَاع والأواني، وورقه أشنانٌ يغسل به القَصَّارون (عَمِلَهُ) أي: المنبر (فُلَانٌ) -بالتَّنوين- هو ميمونٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الأقرب فيما قاله الصَّغانيُّ (٢)، أو باقُوم -فيما قاله الغافقيُّ- وهو بمُوحَّدةٍ فألفٍ فقافٍ فواوٍ فميمٍ، الرُّوميُّ مولى سعيد بن العاص، أو باقولٌ -باللَّام- فيما رواه عبد الرَّزَّاق، أو قبيصة المخزوميُّ (مَوْلَى فُلَانَةَ) بعدم الصَّرف، للتَّأنيث والعلميَّة، أنصاريَّةٌ، وهي عائشة -فيما قاله البرماويُّ
стр. 1420
كالكِرمانيِّ- ورواه الطَّبرانيُّ بلفظ: وأمرت عائشة فصنعت له منبره، لكنَّ سندَه ضعيفٌ، وقِيلَ: مِينا -بكسر الميم- أو هو صالحٌ مولى العبَّاس، ويحتمل أن يكون الكلُّ اشتركوا في عمله (لِرَسُولِ اللهِ) أي: لأجله (¬ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ) أي: على المنبر (رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ) بالبناء للمفعول فيهما (فَاسْتَقْبَلَ) ﵇ (القِبْلَةَ كَبَّرَ) بغير واو، جوابٌ عن سؤالٍ، كأنَّه قِيلَ: ما عمل به بعد الاستقبال؟ قال: كبَّر، وفي بعض الأصول: «وكبَّر» بالواو (١)، وفي أخرى: «فكبَّر» بالفاء (وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ) ﵇ (وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى) نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ، بمعنى الرُّجوع إلى خلفٍ، أي: رجع الرُّجوع الَّذي يُعرَف بذلك، وإنَّما فعل ذلك لئلَّا يولِّيَ ظهرَه القبلةَ (فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ (٢)) ولاحظ في قوله: «على الأرض» معنى الاستعلاء، وفي قوله: «بالأرض» معنى الإلصاق.
وفي هذا الحديث: جواز ارتفاع الإمام على المأمومين، وهو مذهب الحنفيَّة والشَّافعيَّة وأحمد واللَّيث، لكن مع الكراهة، وعن مالكٍ: المنع، وإليه ذهب الأوزاعيُّ، وأنَّ العمل اليسير غير مبطلٍ للصَّلاة، قال الخطَّابيُّ: وكان المنبر ثلاث مراقٍ، فلعلَّه إنَّما قام على الثَّانية منها، فليس في نزوله وصعوده إِلَّا خطوتان، وجواز الصَّلاة على الخشب، وكرهه الحسن وابن سيرين كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، وأنَّ ارتفاع الإمام لغرض التَّعليم غير مكروهٍ.
ورواته مابين بصريٍّ (٣) ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٩١٧]، وكذا مسلمٌ وابن ماجه.
(قَالَ) وللأَصيليِّ: «وقال» (أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ: (قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قال عليُّ بن المدينيِّ»: (سَأَلَنِي أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الجليل، الَّذي وصفه ابن رَاهُوْيَه بأنَّه
стр. 1421
حجَّةٌ بين الله وبين عباده في أرضه، المُتوفَّى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومئتين ﵀ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ) وفي روايةٍ: «فقال»: (فَإِنَّمَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «وإنَّما» (أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلَا) ولابن عساكر: «ولا» (بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الحَدِيثِ) (١) أي: بدلالة هذا الحديث.
(قَالَ) أي: عليُّ بن المدينيِّ (فَقُلْتُ) أي: لابن حنبل، وفي روايةٍ: «قلت»: (إِنَّ سُفْيَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «فإنَّ سفيان (٢)» (بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (عَنْ هَذَا كَثِيرًا، فَلَمْ) أي: أفلم (تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا) صريحٌ في أنَّ أحمد ابن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عُيَيْنة.
٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) بضمِّ الحاء (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسٍ) في ذي الحجَّة سنة خمسٍ من الهجرة، وفي روايةٍ: «عن فَرَسِهِ» (فَجُحِشَتْ سَاقُهُ) بضمِّ الجيم وكسر الحاء المُهمَلة والشِّين المُعجمَة، أي: خُدِشت، أو (٣) أشدَّ منه قليلًا (أَوْ) جُحِشت (كَتِفُهُ) شكَّ الرَّاوي، وفي رواية الزُّهريِّ عن أنسٍ عند الشَّيخين: «فجُحِش شقُّه الأيمن» وهو أشمل،
стр. 1422
وعند الإسماعيليِّ من رواية بشر بن المُفضَّل عن حُمَيْدٍ: «انفكَّت قدمه» (وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ) أي: حلف لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) لا أنَّه حلف لا يقربهنَّ أربعة أشهرٍ فصاعدًا (فَجَلَسَ) ﵊ (فِي مَشْرُبَةٍ) بفتح الميم وسكون المُعجمَة والتَّنوين (١) وضمِّ الرَّاء وفتحها، في غرفةٍ (لَهُ) مُعلَّقةٍ (دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ) بضمِّ الجيم والمعجمة والتَّنوين بغير إضافة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من جذوع النَّخل» أي: ساقها (فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ) بالدَّال المُهمَلة (فَصَلَّى بِهِمْ) حال كونه (جَالِسًا، وَهُمْ قِيَامٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَلَمَّا سَلَّمَ) من الصَّلاة (٢) (قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ) إمامًا (لِيُؤْتَمَّ) أي (٣): ليُقتَدى (بِهِ) وتُتَّبَع أفعالُه، والمفعول الأوَّل -وهو قوله: «الإمام» - قائمٌ مقام الفاعل (فَإِذَا كَبَّرَ) الإمام (فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) بفاء التَّعقيب المقتضية لمشروعيَّة مُتابعَة المأمومِ الإمامَ في الأفعال (وَإِنْ صَلَّى) وللأَصيليِّ: «وإذا صلَّى» (قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) مفهومه: وإن صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا، وهو محمولٌ على العجز، أي: إذا كنتم عاجزين عن القيام كالإمام، والصَّحيح: أنَّه منسوخٌ بصلاتهم في آخر عمره ﵊ قيامًا خلفه وهو قاعدٌ خلافًا لأحمد في مباحث تأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعها (٤) (وَنَزَلَ) ﵊ من المُشْرُبَة (لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) يومًا (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّهْرَ) أي: المحلوف عليه (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) يومًا، وفي روايةٍ: «تسعةٌ وعشرونَ» واستُنبِط منه (٥): أنَّه لو نذر صوم شهرٍ مُعيَّنٍ أو اعتكافه فجاء تسعًا وعشرين لم يلزمه أكثر من
стр. 1423
ذلك (١)، بخلاف ما لو قال: شهرًا فعليه ثلاثون إن قصد عددًا، وإِلَّا فشهرٌ بالهلال.
ورواة هذا الحديث الأربعة مابين بغداديٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «المظالم» [خ¦٢٤٦٩] و «الصَّوم» [خ¦١٩١١] و «النُّذور» [خ¦٦٦٨٤] و «النِّكاح» [خ¦٥١٩١] و «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٩]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ المُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ) فهل تفسد صلاته أم لا؟
٣٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ) التَّابعيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ) هو ابن الهاد، وسقط لفظ «ابن شدَّادٍ» عند الأَصيليِّ (عَنْ) أُمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ) بكسر المُهمَلة وبالمُعجمَة، وبالنَّصب -كما في «اليونينيَّة» - على الظَّرفيَّة، وفي غيرها: «حذاؤه» بالرَّفع على الخبريَّة (وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ).
(قَالَتْ) ميمونة: (وَكَانَ) ﵊ (يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ) بضمِّ الخاء المُعجمَة وسكون الميم، سجَّادةٌ صغيرةٌ من سعف النَّخل تُرْمَلُ (٢) بخيوطٍ صغيرةٍ (٣)، وسُمِّيت خُمْرَةً لأنَّها تستر وجه المصلِّي عن الأرض كتسمية الخمار لستره الرَّأس.
واستُنبِط منه: جواز الصَّلاة على الحصير، لكن رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنَّه كان يُؤتَى
стр. 1424
بترابٍ فيُوضَع على الخُمْرة فيسجد عليه مُبالَغةً في التَّواضع والخشوع، وأنَّ بدن الحائض وثوبها طاهران، وأنَّ الصَّلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة.
ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيَّة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦٣٣٣]-كما سبق- وفي «الصَّلاة» [خ¦٥١٨]، وكذا مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه.
(٢٠) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى الحَصِيرِ) وهي ما اتُّخِذ من سَعَف النَّخل وشبهه، قدر طول الرَّجل وأكبر (٢)، والنُّكتةُ في هذه التَّرجمة الإشارةُ إلى ضعف حديث ابن أبي شيبة وغيره عن يزيد بن المقدام عن أبيه عن (٣) شريح بن هانئٍ: أنَّه سأل عائشة: أكان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي على الحصير، والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت له: لم يكن يصلِّي على الحصير، لضعف يزيد بن المقدام، أو ردَّه لمعارضة ما هو أقوى منه.
(وَصَلَّى جَابِرٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «جابر بن عبد الله» (وَأَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ممَّا وصله
стр. 1425
ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (فِي السَّفِينَةِ) كلٌّ منهما حال كونه (قَائِمًا) كذا في الفرع، وفي غيره: «قيامًا» بالجمع، وأراد التَّثنية، وأدخل المؤلِّف هذا الأثر هنا لِمَا بينهما من المُناسبَة بجامع الاشتراك في الصَّلاة على غير الأرض؛ لئلَّا يُتوهَّم من قوله ﵊ لمعاذٍ: «عفِّر وجهك في التُّراب» اشتراطُ مُباشرةِ المصلِّي الأرض.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ أيضًا خطابًا لمن سأله عن الصَّلاة في السَّفينة: هل يصلِّي قائمًا أو قاعدًا؟ فأجابه: (تُصَلِّي) حال كونك (قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ) بالقيام (تَدُورُ مَعَهَا) أي: مع السَّفينة حيثما دارت (وَإِلَّا) بأن كان يشقُّ عليهم (فَقَاعِدًا) أي: فصلِّ حال كونك قاعدًا لأنَّ الحرج مرفوعٌ، نعم جوَّز أبو حنيفة الصَّلاة في السَّفينة قاعدًا مع القدرة على القيام، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يصلِّي» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وكذا: «يشقُّ على أصحابه» بضمير الغائب، «يدور» بالتَّحتيَّة كذلك، وفي متن الفرع: «وقال الحسن: قائمًا .... » إلى آخره، فأسقط لفظ «يصلِّي».
٣٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: التِّنِّيسيُّ، وللأربعة: «عبد الله بن يوسف» (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن إسحاق ابن أبي طلحة» فأسقط أباه ونسبه لجدِّه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ) أي: جدّة إسحاق لأبيه، وبه (١) جزم ابن عبد البرِّ وعياضٌ وعبد الحقِّ
стр. 1426
وصحَّحه النَّوويُّ، واسمها (مُلَيْكَة) بضمِّ الميم، بنت مالك بن عَدِيٍّ، وهي والدة أُمِّ أنسٍ لأنَّ أمَّه أمَّ سُلَيمٍ أمُّها مُلَيْكَة المذكورة، أو الضَّمير في جدَّته يعود على أنسٍ نفسِه، وبه جزم ابن سعدٍ وابن منده وابن الحصَّار، وهو مقتضى ما في النِّهاية لإمام الحرمين لحديث إسحاق ابن أبي طلحة عن أنسٍ عند (١) أبي الشَّيخ في «فوائد العراقيِّين» قال: أرسلتني جدَّتي (دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ) أي: لأجل طعامٍ (صَنَعَتْهُ) مُلَيْكَةُ جدَّة إسحاق، أو ابنتها أُمُّ سُلَيمٍ والدة أنسٍ (لَهُ) ﵊ (فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ) بكسر اللَّام وضمِّ الهمزة وفتح الياء، على أنَّها لام «كي»، والفعل بعدها منصوبٌ بأنْ «مُضمَرةً»، واللَّامُ ومصحوبُها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: قوموا فقيامكم لأن أصلِّي لكم، ويجوز أن تكون الفاء (٢) زائدةً على رأي الأخفش، واللَّام متعلِّقةً بـ «قوموا»، وفي روايةٍ: «فلأصلِّي» بكسر اللَّام على أنَّها لام «كي»، وسكون الياء على لغة التَّخفيف، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح، وللأربعة: «فلَأصلِّيْ» بفتح اللَّام مع سكون الياء، على أنَّ اللَّام لام ابتداءٍ للتَّأكيد، أو هي لام الأمر فُتِحت على لغة بني سليمٍ، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمُعتَلِّ مجرى الصَّحيح (٣) كقراءة قنبل: ﴿مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] أو «اللَّامُ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ، و «الفاء» جوابُ شرطٍ محذوفٍ، أي: إن قمتم فوالله لأصلِّي لكم، وتعقَّبه ابن السِّيْد، فقال: وغلط مَن توهَّم أنَّه قسمٌ لأنَّه (٤) لاوجه للقسم، ولو أُريد ذلك لقال: لأصلِّينَّ، بالنُّون، وفي رواية الأَصيليِّ: «فلأصلِّ» بكسر اللَّام وحذف الياء، على أنَّ اللَّام للأمر، والفعل مجزومٌ بحذفها، ولم يَعْزُها في الفرع لأحدٍ، وفي روايةٍ حكاها ابن قرقول: «فلنْصلِّ» بكسر اللَّام وبالنُّون والجزم، وحينئذٍ فاللَّام للأمر، وكسرُها لغةٌ
стр. 1427
معروفةٌ، وفي روايةٍ قِيلَ إنَّها للكُشْمِيْهَنِيِّ -قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف عليها في نسخةٍ صحيحةٍ-: «فأصلِّيْ» بغير لامٍ مع سكون الياء، على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أصلِّي (لَكُمْ) أي: لأجلكم، وإن كان الظَّاهر أن يقول: بكم، بالمُوحَّدة، والأمر في قوله: «قوموا»، قال السُّهيليُّ -فيما حكاه في «فتح الباري» -: بمعنى الخبر. كقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أو هو أمرٌ لهم بالائتمام، لكن أضافه إلى نفسه لارتباط تعليمهم (١) بفعله. انتهى. فإن قلت: لِمَ بدأ في قصَّة عتبان بن مالكٍ بالصَّلاة قبل الطَّعام [خ¦٤٢٥] وهنا بدأ به قبل الصَّلاة؟ أُجيب بأنَّه بدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دُعِي لأجله أو دُعِي لهما، ولعلَّ مُلَيْكَة كان غرضها الأعظم الصَّلاة، ولكنها جعلت الطَّعام مقدِّمةً لها.
(قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بضمِّ اللَّام وكسر الباء المُوحَّدة، أي: استُعمِل، ولُبْسُ كلِّ شيءٍ بحسبه (فَنَضَحْتُهُ) أي: رششته (بِمَاءٍ) تليينًا له أو تنظيفًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) على الحصير (وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ) هو ضُمَيْرة بن أبي
стр. 1428
ضُمَيْرة بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وفتح الميم، مولى رسول الله ﷺ كما في «تجريد الصَّحابة» للذَّهبيِّ، وفي رواية غير المُستملي والحَمُّويي: «وصففت أنا واليتيم» بزيادة ضمير الرَّفع المنفصل لتأكيد المتصل (١) ليصحَّ العطف عليه، نحو: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ورواية المُستملي والحَمُّويي جاريةٌ على مذهب الكوفيِّين في جواز عدم التَّأكيد، و «اليتيمُ»: بالرَّفع في رواية أبي ذَرٍّ عطفًا على الضَّمير المرفوع، وبالنَّصب في نفس متن الفرع مُصحَّحًا عليه على المفعول معه (٢)، أي: وصففت أنا مع اليتيم (وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ) أي (٣): أُمُّ سُلَيمٍ المذكورة (مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا (رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة وذهب إلى بيته. وقد استنبط المالكيَّة من هذا الحديث: الحنث بافتراش الثَّوب المحلوف على لبسه، وأجاب الشَّافعيَّة بأنَّه لا يُسمَّى لبسًا عُرْفًا، والأيمان منوطةٌ بالعُرْف، وحمل اللُّبس هنا على الافتراش إنَّما هو للقرينة، ولأنَّه المفهوم منه، وفيه: مشروعيَّة تأخُّر (٤) النِّساء عن صفوف الرِّجال، وقيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم يكن معها امرأةٌ غيرها، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٨٦٠]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢١) (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُمْرَةِ) بضمِّ الخاء، كما سبق.
٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن
стр. 1429
الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ) التَّابعيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ) هو ابن الهادِ (عَنْ) أُمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ) وقد سبق هذا الحديث قريبًا بغير سنده السَّابق (١) مع الاختصار [خ¦٣٣٣]، كما رواه عن شيخه أبي الوليد مع اختلاف استخراج الحكم منه.
(٢٢) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى الفِرَاشِ) من أيِّ نوعٍ كان هو جائزٌ، سواءٌ كان ينام عليه مع امرأته أم لا.
(وَصَلَّى أَنَسٌ) هو ابن مالك (عَلَى فِرَاشِهِ) وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن ابن المبارك عن حُمَيْدٍ عنه (وَقَالَ أَنَسٌ) (٢) ممَّا وصله في الباب اللَّاحق [خ¦٣٨٥]: (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا) أي: بعضنا (عَلَى ثَوْبِهِ) أي (٣): الَّذي لايتحرَّك بحركته لأنَّ المتحرِّك بحركته كالجزء منه، وسقط لفظ «أنسٍ» من رواية الأَصيليِّ، وهو يُوهِم أنَّه بقيَّة الَّذي قبله، وليس كذلك، وسقط هذا التَّعليق كلُّه من روايته كما في الفرع.
٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عبد الله بن أبي أُويس المدنيُّ، ابن أُخت الإمام مالك بن
стр. 1430
أنسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجمَة، سالمٍ (مَوْلَى عُمَرَ) بضمِّ العين (بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي (١): في موضع سجوده (فَإِذَا سَجَدَ) ﵊ (غَمَزَنِي) بيده (٢)، أي: مع حائلٍ (فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ) بفتح اللَّام وتشديد ياء (٣) التَّثنية، وللمُستملي والحَمُّويي: «رجلِي (٤)» بكسر اللَّام، بالإفراد (فَإِذَا قَامَ) ﵊ (بَسَطْتُهُمَا) بالتَّثنية، وللمُستملي والحَمُّويي: «بسطتها» بالإفراد أيضًا (قَالَتْ) عائشة ﵂ معتذرةً عن نومها على هذه الهيئة: (وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ) أي: وقتئذٍ (لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) أي: إذ لو كانت لقبضت رِجْلَيها عند إرادته السُّجود، ولَمَا أحوجته للغمز، واستنبط الحنفيَّة من هذا الحديث: عدم نقض الوضوء بلمس المرأة، وأُجيب باحتمال أن يكون بينهما حائلٌ من ثوبٍ أو غيره أو بالخصوصيَّة، وأجيب بأنَّ الأصل عدم الحائل في الرِّجل واليد عُرْفًا، وبأنَّ دعوى الخصوصيَّة دعوى بلا دليلٍ، وبأنَّه ﵊ في مقام التَّشريع لا الخصوصيَّة.
ورواته الخمسة مدنيُّون، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالد بن عَقيلٍ، بفتح العين، ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثني»
стр. 1431
بالإفراد «عُقَيْلٌ» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي) في حجرتها (١) (وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) أي (٢): والحال أنَّ عائشة بينه ﵊ وبين موضع سجوده (عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ) وهي معترضةٌ بينه وبين موضع (٣) القبلة (اعْتِرَاضَ الجِنَازَةِ) بكسر الجيم، وقد تُفتَح، وهي الَّتي في الفرع فقط، أي: اعتراضًا كاعتراض الجنازة بأن تكون نائمةً بين يديه من جهة يمينه إلى جهة يساره، كما تكون الجنازة بين يدي المصلِّي عليها.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مابين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه.
٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ) ابن أبي (٤) حبيبٍ (عَنْ عِرَاكٍ) بكسر العين، ابن مالكٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ) ﵂ (مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ) ﵊ (وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى الفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ) فيه تقييد الفراش بكونه الَّذي (٥) ينامان عليه، بخلاف الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٨٣] فإنَّها بلفظ: «فراش أهله»، وهي أعمُّ من أن يكون هو الَّذي ناما عليه أو غيره، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حديث أبي داود عن عائشة: «كان النَّبيُّ (٦) ﷺ لا يصلِّي في لحفنا» لم
стр. 1432
يثبت عنده. واستُنبِط (١) منه: أنَّ الصَّلاة إلى النَّائم لا تُكرَه، وأنَّ المرأة لا تُبطِل صلاة من صلَّى إليها، أو مرَّت (٢) بين يديه، كما ذهب إليه مالكٌ وأبو حنيفة والشَّافعيُّ وغيرهم من جمهور السَّلف والخلف، لكن يُكرَه عند خوف الفتنة بها، واشتغال القلب بالنَّظر إليها.
ورواته ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية ثلاثةٍ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وصورته صورة المُرسَل، لكنَّه محمولٌ على أنَّه سمع ذلك من عائشة بدليل الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٨٣].
(٢٣) (بابُ السُّجُودِ عَلَى) طرف (الثَّوْبِ) كالكُمِّ والذَّيل (فِي شِدَّةِ الحَرِّ) أي: والبرد
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق: (كَانَ القَوْمُ) أي: الصَّحابة (يَسْجُدُونَ عَلَى العِمَامَةِ) بكسر العين (وَالقَلَنْسُوَةِ) بفتح القاف واللَّام وإسكان النُّون وضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الواو، من ملابس الرَّأس كالبرنس الواسع يغطِّي بها العمائم من الشَّمس والمطر (وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ) جملةٌ حاليَّةٌ، مبتدأٌ وخبرٌ، أي: ويد كلِّ واحدٍ في كمِّه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ويديه» بتقدير: ويجعل (٤) كلُّ واحدٍ يديه في كمَّيه (٥). واستنبط منه أبو حنيفة جواز السُّجود على كور
стр. 1433
العمامة، وكرهه مالكٌ، ومنعه الشَّافعيَّة (١) محتجِّين بأنَّه كما لم يقم المسح عليها مقام الرَّأس وجب أن يكون السُّجود كذلك، ولأنَّ القصد من السُّجود التَّذلُّل، وتمامه بكشف الجبهة.
٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجمَة في الأوَّل، وبضمِّ الميم وفتح الفاء والضَّاد المُعجمَة، الرَّقاشيُّ، بفتح الرَّاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (غَالِبٌ) بالغين المُعجمَة وكسر اللَّام، ابن خُطَّاف، بضمِّ الخاء المُعجمَة وفتحها وتشديد الطَّاء المُهمَلة آخره فاءٌ (٢) (القَطَّانُ) بالقاف (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف (٣)، المزنيِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ) أي: المنفصل أو المتَّصل الَّذي لا يتحرَّك بحركته (مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ) وعند ابن أبي شيبة: كنَّا نصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ في شدَّة الحرِّ والبرد فيسجد على ثوبه، واحتجَّ بذلك أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد وإسحاق على جواز السُّجود على الثَّوب في شدَّة الحرِّ والبرد، وبه قال عمر بن الخطَّاب وغيره، وأَوَّلَهُ الشَّافعيَّة بالمنفصل أو المتَّصل الَّذي لا يتحرَّك بحركته -كما مرَّ-، فلو سجد
стр. 1434
على متحرِّكٍ بحركته عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته لأنَّه كالجزء منه، أو جاهلًا أو ساهيًا لم تبطل صلاته ويجب إعادة السُّجود، قاله (١) في «شرح المُهذَّب». نعم، استثنى في «المهمَّات»: ما لو كان بيده عودٌ أو نحوه، فسجد عليه فإنَّه يجوز كما في «شرح المُهذَّب» في نواقض الوضوء.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦١٢٠٨] أيضًا (٢)، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ) أي: على النِّعال أو بها لأنَّ الظَّرفيَّة غير صحيحةٍ.
٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) وليس عند الأَصيليِّ: «ابن أبي إياسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو مَسْلَمَةَ) بفتح الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بكسر العين (الأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ) أي: عليهما أو بهما؟ (قَالَ: نَعَمْ) أي: إذا لم يكن فيهما نجاسةٌ، والاستفهام على سبيل الاستفسار، واختُلِف فيما إذا كان فيهما نجاسةٌ: فعند الشَّافعيَّة لا يطهِّرها إِلَّا الماء، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: إن كانت يابسةً أجزأ حكُّها (٣)، وإن كانت رطبةً (٤) تعيَّن الماء.
ورواة هذا الحديث الأربعة مابين عسقلانيٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٠]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا التَّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
стр. 1435
(٢٥) (بابُ الصَّلَاةِ فِي الخِفَافِ) بالخاء المعجمة (١)، أي: بها.
٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ) بفتح الهاء وتشديد الميم، والحارث (٢)، بالمُثلَّثة (قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بفتح الجيم، البجليَّ الصَّحابيَّ (بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) أي: في خفَّيه (فَسُئِلَ) بضمِّ السِّين مبنيًّا للمفعول، أي: سُئِل جريرٌ عن المسح على الخفَّين والصَّلاة فيهما، والسَّائل له عن ذلك (٣) هَمَّامٌ كما في «الطَّبرانيِّ» (فَقَالَ) أي: جريرٌ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا) أي: من المسح والصَّلاة فيهما.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (فَكَانَ) حديث جريرٍ (يُعْجِبُهُمْ) أي: القوم، وفي طريق عيسى (٤) ابن يونس: فكان أصحاب عبد الله، أي: ابن مسعودٍ يعجبهم (٥) (لأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ) ولابن عساكر: «لأنَّ جريرًا من آخر» (مَنْ أَسْلَمَ) ولـ «مسلمٍ»: لأنَّ إسلام جريرٍ كان بعد نزول «المائدة»، ووجه إعجابهم بقاء الحُكْم، فلا نسخ بآية المائدة خلافًا لما ذهب إليه بعضهم؛ لأنَّه لمَّا كان إسلامه في السَّنة الَّتي تُوفِّي فيها الرَّسول ﵊ علمنا أنَّ حديثه معمولٌ به، وهو يبيِّن أنَّ المراد بآية المائدة: غير صاحب الخفِّ، فتكون السُّنَّةُ مخصِّصةً للآية.
ورواة هذا الحديث مابين بغداديٍّ وكوفيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعض
стр. 1436
عن الصَّحابيِّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول والرُّؤية، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة».
٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) بصادٍ مُهمَلةٍ، نسبةً إلى جدِّه لشُهرته به، وأبوه إبراهيم (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادٌ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) أي: ابن صُبَيْحٍ -بضمِّ الصَّاد- المُكنَّى بأبي الضُّحى، أو هو مسلمٌ المشهور بالبطين، وكلٌّ منهما يروي عن مسروقٍ، والأعمش يروي عن كلٍّ منهما (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي: ابن الأجدع (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ (قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى) أي: فيهما.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه ثلاثةٌ: من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٣] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٨] و «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٨]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ (٢) فيها و «الزِّينة».
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُتِمَّ) المصلِّي (السُّجُودَ) حَرُم عليه لترتُّب الوعيد الشَّديد، وهذا الباب ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ، وسقط في رواية المُستملي لأنَّ محلَّه كالباب التَّالي في أبواب صفة الصَّلاة.
стр. 1437
٣٨٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الخاركيُّ، بالخاء المُعجمَة والرَّاء والكاف، نسبةً إلى خارك، من سواحل البصرة، قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (مَهْدِيٌّ) هو ابن ميمونٍ الأزديُّ (عَنْ وَاصِلٍ) الأحدب (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) -بالهمز- شقيق بن سلمة (١) (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان: (أنَّه رَأَى رَجُلًا) لم أقف على اسمه (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) جملةٌ وقعت صفةً لـ «رجلًا» (فَلَمَّا قَضَى) أي: أدَّى الرَّجل (صَلَاتَهُ) النَّاقصة الرُّكوع والسُّجود (قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ) ﵁: (مَا صَلَّيْتَ) نفى عنه الصَّلاة لأنَّ الكلَّ ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الرُّكوع يلزم منه انتفاء الرُّكوع المستلزم لانتفاء الصَّلاة، وكذا السُّجود (قَالَ) أبو وائلٍ: (وَأَحْسِبُهُ) أي: حذيفة ﵁ (قَالَ) للرَّجل: (لَوْ مُِتَّ) بضمِّ الميم، من: مات يموت، وبكسرها، من: مات يمات، وفي روايةٍ: «ولو مُتَّ» (مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: طريقته المتناولة للفرض والنَّفل، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ: «ومن لم يتمَّ خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداءُ مظلمةٌ، تقول: ضيَّعك الله كما ضيَّعتني، حتَّى إذا كانت حيث شاء الله لُفَّتْ كما يُلَفُّ الثَّوب الخَلِق، ثمَّ ضُرِبَ بها وجهه». ورُئي ابن خيثم ساجدًا كخرقةٍ ملقاةٍ وعليه عصافيرُ لا يشعر بها.
ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وهو من أفراد البخاريِّ.
стр. 1438
(٢٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- من السُّنَّة (يُبْدِي) بضمِّ الياء، أي: يُظْهِر المصلِّي (ضَبْعَيْهِ) تثنية: ضَبْعٍ، بفتح الضَّاد المُعجمَة وسكون المُوحَّدة: وسط العضد، أو ما تحت الإبط، أي: لا يلصق عضديه بجنبيه (وَيُجَافِي) أي: ويباعد عضديه ويرفعهما عن جنبيه (فِي السُّجُودِ) وليست «المُفَاعَلة» في «يجافي» على بابها، وهذا الباب كالسَّابق لم يكن عند المُستملي (١)، كما سبق.
٣٩٠ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف. قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف، وضم ميم «مُضَر» وفتح ضادها، قال البرماويُّ وابن (٢) الدَّمامينيِّ والعينيُّ: غير منصرفٍ؛ للعدل والعلميَّة كعمر (عَنْ جَعْفَرٍ) المصريِّ، وللأَصيليِّ: «عن جعفر بن ربيعة» (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) بضمِّ الهاء والميم، عبد الرَّحمن (٣) الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الحاء المُهمَلة وسكون (٤) المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون، أمِّ (٥) عبد الله، وهي صفةٌ أخرى له، لا صفةٌ (٦) لـ «مالكٌ»، وحينئذٍ فتُحذَف الألف من «ابنٍ» السَّابقة لـ «مالكٍ» خطًّا لأنَّها وقعت بين علمين من غير فاصلٍ، فيُنوَّن «مالكٌ» وتثبت (٧) الألف من «ابن بحينة»؛ لأنَّه وإن كان صفةً لعبد الله، لكن وقع الفاصل
стр. 1439
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى) أي: سجد، من إطلاق الكلِّ على الجزء (فَرَّجَ) بفتح الفاء، قال السَّفاقسيُّ: رويناه بتشديد الرَّاء، والمعروف في اللُّغة التَّخفيف، أي: فتح (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: وجنبيه، قال الكِرمانيُّ: ويحتمل أن يكون «بين يديه» على ظاهره، يعني: قدَّامه، وأراد يبعد (١) قدَّامه من الأرض (حَتَّى يَبْدُوَ) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: يظهر (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) وفي رواية اللَّيث: إذا سجد فرج يديه عن إبطيه، وإذا فرج بين يديه لا بدَّ من إبداء ضبعيه، وعند الحاكم وصحَّحه من حديث عبد الله بن أقرم: فكنت أنظر إلى عفرتَي إبطيه.
وفي حديث ميمونة: «إذا سجد لو شاءت بهيمةٌ (٢) أن تمرَّ بين يديه لمرَّت»، والحكمة فيه: أنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكُسَالى، وأمَّا المرأة فتضمُّ بعضها إلى بعضٍ لأنَّه أستر لها وأحوط، وكذا الخنثى (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله مسلمٌ في «صحيحه»، وهو (٣) عطفٌ على «بكرٍ»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ) أي: نحو حديث بكرٍ، لكنَّه رواه بالتَّحديث، وبكرٌ رواه (٤) بالعنعنة.
ورواة هذا الحديث مابين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٦٤]، ومسلمٌ (٥) والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
стр. 1440
ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من بيان أحكام ستر العورة شَرَعَ في بيان استقبال القبلة لأنَّ الَّذي يريد الشُّروع في الصَّلاة يحتاج أوَّلًا إلى ستر العورة، ثمَّ إلى استقبال القبلة وما يتبعها من أحكام المساجد، فقال:
(٢٨) (بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، يَسْتَقْبِلُ) المصلِّي (بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ) (١) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يستقبل القبلة بأطراف رجليه» أي: برؤوس أصابعهما (٢) نحو (القِبْلَةَ، قَالَه) في الفرع: «قال» من غير هاءٍ (٣) (أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن بن سعدٍ السَّاعديُّ المدنيُّ الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في صفة صلاته ﵊، كما سيأتي [خ¦٨٢٨] إن شاء الله تعالى، وسقط في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر من قوله: «يستقبل … » إلى آخر (٤) قوله: «وسلَّم».
٣٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين فيهما وتشديد المُوحَّدة في الثَّاني، الأهوازيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المَهْدِيِّ) بفتح الميم وكسر الدَّال مع التَّعريف، ابن حسان