← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عن الصَّحابيِّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول والرُّؤية، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة». ٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) بصادٍ مُهمَلةٍ، نسبةً إلى جدِّه لشُهرته به، وأبوه إبراهيم (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادٌ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) أي: ابن صُبَيْحٍ -بضمِّ الصَّاد- المُكنَّى بأبي الضُّحى، أو هو مسلمٌ المشهور بالبطين، وكلٌّ منهما يروي عن مسروقٍ، والأعمش يروي عن كلٍّ منهما (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي: ابن الأجدع (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ (قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى) أي: فيهما. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه ثلاثةٌ: من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦٣٦٣] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٨] و «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٨]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ (٢) فيها و «الزِّينة». (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُتِمَّ) المصلِّي (السُّجُودَ) حَرُم عليه لترتُّب الوعيد الشَّديد، وهذا الباب ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ، وسقط في رواية المُستملي لأنَّ محلَّه كالباب التَّالي في أبواب صفة الصَّلاة.

стр. 1437

٣٨٩ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الخاركيُّ، بالخاء المُعجمَة والرَّاء والكاف، نسبةً إلى خارك، من سواحل البصرة، قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (مَهْدِيٌّ) هو ابن ميمونٍ الأزديُّ (عَنْ وَاصِلٍ) الأحدب (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) -بالهمز- شقيق بن سلمة (١) (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان: (أنَّه رَأَى رَجُلًا) لم أقف على اسمه (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ) جملةٌ وقعت صفةً لـ «رجلًا» (فَلَمَّا قَضَى) أي: أدَّى الرَّجل (صَلَاتَهُ) النَّاقصة الرُّكوع والسُّجود (قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ) ﵁: (مَا صَلَّيْتَ) نفى عنه الصَّلاة لأنَّ الكلَّ ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الرُّكوع يلزم منه انتفاء الرُّكوع المستلزم لانتفاء الصَّلاة، وكذا السُّجود (قَالَ) أبو وائلٍ: (وَأَحْسِبُهُ) أي: حذيفة ﵁ (قَالَ) للرَّجل: (لَوْ مُِتَّ) بضمِّ الميم، من: مات يموت، وبكسرها، من: مات يمات، وفي روايةٍ: «ولو مُتَّ» (مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: طريقته المتناولة للفرض والنَّفل، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ: «ومن لم يتمَّ خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداءُ مظلمةٌ، تقول: ضيَّعك الله كما ضيَّعتني، حتَّى إذا كانت حيث شاء الله لُفَّتْ كما يُلَفُّ الثَّوب الخَلِق، ثمَّ ضُرِبَ بها وجهه». ورُئي ابن خيثم ساجدًا كخرقةٍ ملقاةٍ وعليه عصافيرُ لا يشعر بها. ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وهو من أفراد البخاريِّ.

стр. 1438

(٢٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- من السُّنَّة (يُبْدِي) بضمِّ الياء، أي: يُظْهِر المصلِّي (ضَبْعَيْهِ) تثنية: ضَبْعٍ، بفتح الضَّاد المُعجمَة وسكون المُوحَّدة: وسط العضد، أو ما تحت الإبط، أي: لا يلصق عضديه بجنبيه (وَيُجَافِي) أي: ويباعد عضديه ويرفعهما عن جنبيه (فِي السُّجُودِ) وليست «المُفَاعَلة» في «يجافي» على بابها، وهذا الباب كالسَّابق لم يكن عند المُستملي (١)، كما سبق. ٣٩٠ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف. قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف، وضم ميم «مُضَر» وفتح ضادها، قال البرماويُّ وابن (٢) الدَّمامينيِّ والعينيُّ: غير منصرفٍ؛ للعدل والعلميَّة كعمر (عَنْ جَعْفَرٍ) المصريِّ، وللأَصيليِّ: «عن جعفر بن ربيعة» (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) بضمِّ الهاء والميم، عبد الرَّحمن (٣) الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الحاء المُهمَلة وسكون (٤) المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون، أمِّ (٥) عبد الله، وهي صفةٌ أخرى له، لا صفةٌ (٦) لـ «مالكٌ»، وحينئذٍ فتُحذَف الألف من «ابنٍ» السَّابقة لـ «مالكٍ» خطًّا لأنَّها وقعت بين علمين من غير فاصلٍ، فيُنوَّن «مالكٌ» وتثبت (٧) الألف من «ابن بحينة»؛ لأنَّه وإن كان صفةً لعبد الله، لكن وقع الفاصل

стр. 1439

(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى) أي: سجد، من إطلاق الكلِّ على الجزء (فَرَّجَ) بفتح الفاء، قال السَّفاقسيُّ: رويناه بتشديد الرَّاء، والمعروف في اللُّغة التَّخفيف، أي: فتح (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: وجنبيه، قال الكِرمانيُّ: ويحتمل أن يكون «بين يديه» على ظاهره، يعني: قدَّامه، وأراد يبعد (١) قدَّامه من الأرض (حَتَّى يَبْدُوَ) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: يظهر (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) وفي رواية اللَّيث: إذا سجد فرج يديه عن إبطيه، وإذا فرج بين يديه لا بدَّ من إبداء ضبعيه، وعند الحاكم وصحَّحه من حديث عبد الله بن أقرم: فكنت أنظر إلى عفرتَي إبطيه. وفي حديث ميمونة: «إذا سجد لو شاءت بهيمةٌ (٢) أن تمرَّ بين يديه لمرَّت»، والحكمة فيه: أنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكُسَالى، وأمَّا المرأة فتضمُّ بعضها إلى بعضٍ لأنَّه أستر لها وأحوط، وكذا الخنثى (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله مسلمٌ في «صحيحه»، وهو (٣) عطفٌ على «بكرٍ»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ) أي: نحو حديث بكرٍ، لكنَّه رواه بالتَّحديث، وبكرٌ رواه (٤) بالعنعنة. ورواة هذا الحديث مابين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٦٤]، ومسلمٌ (٥) والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

стр. 1440

ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من بيان أحكام ستر العورة شَرَعَ في بيان استقبال القبلة لأنَّ الَّذي يريد الشُّروع في الصَّلاة يحتاج أوَّلًا إلى ستر العورة، ثمَّ إلى استقبال القبلة وما يتبعها من أحكام المساجد، فقال: (٢٨) (بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، يَسْتَقْبِلُ) المصلِّي (بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ) (١) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يستقبل القبلة بأطراف رجليه» أي: برؤوس أصابعهما (٢) نحو (القِبْلَةَ، قَالَه) في الفرع: «قال» من غير هاءٍ (٣) (أَبُو حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن بن سعدٍ السَّاعديُّ المدنيُّ الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في صفة صلاته ﵊، كما سيأتي [خ¦٨٢٨] إن شاء الله تعالى، وسقط في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر من قوله: «يستقبل … » إلى آخر (٤) قوله: «وسلَّم». ٣٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين فيهما وتشديد المُوحَّدة في الثَّاني، الأهوازيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المَهْدِيِّ) بفتح الميم وكسر الدَّال مع التَّعريف، ابن حسان

стр. 1441

البصريُّ اللُّؤلؤيُّ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا ابن مهديٍّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، البصريُّ (عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ) بكسر السِّين المُهمَلة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الألف هاءٌ مُنوَّنةٌ، أو غير مصروفٍ للعلميَّة والعجمة، ورُدَّ بأنَّه غير علمٍ في العجم، ومعناه بالفارسيَّة: الأسود (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا) أي: من صلَّى صلاةً كصلاتنا المتضمِّنة لإقرارٍ بالشَّهادتين (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) المخصوصة بنا (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا) وإنَّما أفرد ذكر استقبال القبلة تعظيمًا لشأنها، وإِلَّا فهو داخلٌ في الصَّلاة لكونه من شروطها، أو من (١) عطفه على الصَّلاة لأنَّ اليهود لمَّا تحوَّلت القبلة شنَّعوا بقولهم: ما ولَّاهم عن قبلتهم الَّتي كانوا عليها، وهم الَّذين يمتنعون من أكل ذبيحتنا، أي: صلَّى صلاتنا وترك المُنازَعة في أمر القبلة والامتناع عن أكل الذَّبيحة، فهو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ (٢)، فلمَّا ذكر الصَّلاة عطف ما كان الكلام فيه وما هو مهتمٌّ بشأنه عليها (فَذَلِكَ) مبتدأٌ، خبره: (المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ) بكسر الذَّال المُعجمَة، مرفوعٌ مبتدأٌ، خبرُه: «له»، والموصولُ صفةُ «المسلم»، والجملة صلته (وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «وذمَّة رسول الله ﷺ » أي: أمان الله ورسوله أو عهدهما (فَلَا تُخْفِرُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وإسكان المُعجمَة وكسر الفاء، أي: لا تخونوا (اللهَ) أي: ولا رسوله (فِي ذِمَّتِهِ) أي: ذمَّة الله أو ذمَّة المسلم، أي: لا تخونوا في تضييع مَن هذا سبيله، يُقال: خفرت الرَّجل، إذا حميته، وأخفرته إذا نقضت عهده، والهمزة فيه للسَّلب، أي: أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلتُ شكواه، واكتفى بذكر «الله» وحده دون ذكر الرَّسول لاستلزامه عدم إخفار ذمَّة الرَّسول، وإنَّما ذكره أوَّلًا للتَّأكيد. واستُنبِط من هذا الحديث: اشتراطُ استقبال عين الكعبة لصلاة القادر عليه، فلا تصحُّ الصَّلاة

стр. 1442

بدونه إجماعًا بخلاف العاجز عنه كمريضٍ لا يجد من يوجِّهه إلى القبلة، ومربوطٍ على خشبةٍ، فيصلِّي على حاله ويعيد، ويُعتبَر الاستقبال بالصَّدر لا بالوجه أيضًا لأنَّ الالتفات به لا يبطل الصَّلاة. نعم لا يُشترَط الاستقبال في شدَّة الخوف ونفل السَّفر والفرض استقبال عين الكعبة يقينًا لمن بمكَّة وظنًّا لمن هو غائبٌ (١) عنها، فلا يكفي إصابة الجهة لحديث الصَّحيحين: أنَّه ﷺ ركع ركعتين قُبُل الكعبة (٢)، وقال: «هذه القبلة»، و «قُبُل» بضمِّ القاف والباء، ويجوز إسكانها، ومعناه: مقابلها أو ما استقبلك منها، وعند عامَّة الحنفيَّة فرضُ الغائب عن مكَّة استقبالُ جهة الكعبة لا عينها. ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون (٣)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ. ٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وحدَّثنا» بالواو (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ الخزاعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله، فهو موصولٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وحدَّثنا نُعَيْمٌ» قال ابن المُبارَك. وفي رواية حمَّاد بن شاكرٍ عن المؤلِّف: قال نُعَيْمُ بن حمَّادٍ، فيكون المؤلِّف علَّقه عنه (٤)،

стр. 1443

وللأَصيليِّ وكريمة: «وقال ابن المُبارَك» فيكون المؤلِّف علَّقه عنه، ولابن عساكر: «قال محمَّد بن إسماعيل: وقال ابن المبارك» وقد وصله الدَّارقطنيُّ من طريق نُعَيْمٍ عن ابن المُبَارَك (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم، أي: أمرني الله (أَنْ) أي: بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بقتل المشركين (١) (حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع محمَّدٍ رسول الله، واكتفى بالأولى لاستلزامها الثَّانية عند التَّحقيق، أو أنَّها شعارٌ للمجموع كما في: قرأت «الحمد» أي: كلَّ السُّورة (فَإِذَا قَالُوهَا) أي: كلمة الإخلاص، وحقَّقوا معناها بموافقة الفعل لها (وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا) أي: بالرُّكوع (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا) الَّتي هدانا الله لها (وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا) أي: ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا، «فعيلٌ (٢)» بمعنى المفعول، لكنَّه استُشكِل دخول التَّاء فيه لأنَّه إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، فلا

стр. 1444

تدخله التَّاء، وأُجيب بأنَّه لمَّا زال عنه معنى الوصفيَّة وغلبت عليه الاسميَّة دخلت التَّاء، أو إنَّما يستوي الأمران فيه (١) عند ذكر الموصوف (فَقَدْ حَرُمَتْ) بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء كما في الفرع، وجوَّز البرماويُّ -كغيره (٢) - ضمُّ الأوَّل وتشديد الثَّاني، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرَ في شيءٍ من الرِّوايات تشديد الرَّاء (عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) أي: إلَّا بحقِّ الدِّماء والأموال، وفي حديث ابن عمر: «فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلَّا بحقِّ الإسلام» [خ¦٢٥] (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ) وهو على سبيل التشبيه، أي: هو كالواجب على الله في تحقُّق (٣) الوقوع، وإلَّا فلا يجب على الله تعالى شيءٌ. وقد استنبط من الحديث ابن المُنَيِّر من قوله: «فإذا قالوها وصلَّوا صلاتنا حرمت دماؤهم» قتل تارك الصَّلاة لأنَّ مفهوم الشَّرط: إذا قالوها وامتنعوا من الصَّلاة لم تحرم دماؤهم، منكرين للصَّلاة كانوا أو مقرِّين لأنَّه رتَّب (٤) استصحاب سقوط العصمة على ترك الصَّلاة، لا ترك الإقرار بها، لا يُقال (٥): الذَّبيحة لا يُقتَل تاركها لأنَّا نقول: إذا أخرج الإجماع بعضًا لم يخرج الكلَّ. انتهى من «المصابيح». فإن قلت: لِمَ خصَّ الثَّلاثة بالذِّكر من بين الأركان وواجبات الدِّين، أُجيب بأنَّها (٦) أظهر وأعظم وأسرع علمًا لأنَّ في اليوم تُعرَف صلاة الشَّخص وطعامه غالبًا بخلاف الصَّوم والحجِّ كما لا يخفى. وهذا الحديث رواه أبو داود في «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «المُحاربَة».

стр. 1445

٣٩٣ - (وقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم المصريُّ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) وللأربعة: «يحيى بن أيُّوب الغافقيُّ» قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل، ولابن عساكر: «وقال محمَّدٌ» أي: المؤلِّف: «قال ابن أبي مريم: حدَّثني» بالإفراد «حُمَيْدٌ» (١) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد وصله محمَّد بن نصرٍ وابن منده في «الإيمان» من طريق ابن أبي مريم، وقد ذكره المؤلِّف استشهادًا وتقويةً (٢)، وإِلَّا فيحيى بن أيُّوب مطعونٌ فيه، قال أحمد: سيِّئ الحفظ. (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: المدينيُّ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الجُهيميُّ (٣) البصريُّ (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السِّين المُهمَلة آخره هاءٌ (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال» وسقطت هذه الكلمة بالكليَّة عند الأَصيليِّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء والزَّاي، كنية أنسٍ (ومَا يُحَرِّمُ) بواو العطف على معطوفٍ محذوفٍ، كأنَّه سأل عن شيْءٍ مثل هذا وغير هذا (٥)، وقول ابن حجرٍ: أو الواو استئنافيَّةٌ. تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الاستئنافَ كلامٌ مُبتدَأٌ، وحينئذٍ لا يبقى مقولٌ لـ «قال» فيحتاج إلى تقديرٍ، وفي رواية كريمة والأَصيليِّ: «ما يحرِّم» (دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ) أنسٌ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا (٦)، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ

стр. 1446

المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) من النَّفع (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ) من المضرَّة. ووجه مطابقة جواب أنسٍ للسُّؤال عن سبب التَّحريم أنَّه يتضمَّنه لأنَّه لمَّا ذكر الشَّهادة وما عُطِف عليها علِم أنَّ الَّذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إِلَّا بحقِّه، فهو مطابقٌ له وزيادة. (٢٩) (بابُ) حكم (قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّأمِ وَ) قبلة أهل (١) (المَشْرِقِ) أي: وأهل المغرب في (٢) استقبالها واستدبارها المنهيِّ عنه، و «أهلِ» بالجرِّ، عطفًا على المضاف إليه، و «المشرِق» عطفًا على المجرور قبله، والمراد بـ «المشرِق»: مشرق الأرض كلِّها، المدينة والشَّام وغيرهما، ولم يذكر المؤلِّف المغرب -مع أنَّ العلَّة فيهما مشتركةٌ- اكتفاءً بذلك عنه كما في: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وخصَّ المشرق بالذِّكر لأنَّ أكثر بلاد الإسلام في جهته، ولمَّا ذكر المؤلِّف ذلك كأنَّ سائلًا سأله فقال (٣): كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: (لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) أي: ليس في التَّشريق والتَّغريب في المدينة والشَّام ومَن يلحق بهم ممَّن هو على سَمْتهم قبلةٌ، فأطلق المشرق والمغرب على التَّشريق والتَّغريب، والجملة استئنافيَّةٌ من تفقُّه المؤلِّف، جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر كما مرَّ، وفي رواية الأربعة بإسقاط: «قبلةٌ» هذه،

стр. 1447

وحينئذٍ يتعيَّن تنوين بابٍ، بتقدير: هذا بابٌ، ورفع «قبلة أهل المدينة» على الابتداء، وجرُّ «أهل» عطفًا على المضاف إليه، وكذا «المشرق» و «المغرب» عطفًا على المجرور، وخبر المبتدأ قوله: «ليس في المشرق»، لكن بتأويل «قبلة» بلفظِ مُستقبَلٍ لأنَّ التَّطابق في التَّذكير والتَّأنيث بين المبتدأ والخبر واجبٌ، والمشرقِ بالتَّشريق والمغرب بالتَّغريب، أي: هذا بابٌ -بالتَّنوين- مُستقبَل (١) أهل المدينة وأهل الشَّام ليس في التَّشريق ولا في التَّغريب منه (٢)، وقد سقطت التَّاء من «ليس»، فلا تطابق بينه وبين قبلةٍ، فلذا أُوِّل بمُستقبَل ليتطابقا تذكيرًا، وحكى الزَّركشيُّ ضمَّ قاف «مشرقٍ» للأكثرين عن عياضٍ، عطفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثمَّ حذف من الثَّاني «باب» و «حكم»، وأُقِيم المشرق مقام الأوَّل، وصوَّبه الزَّركشيُّ لِمَا في الكسر من إشكالٍ وهو إثبات قبلةٍ لهم، أي: لأهل المشرق، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ فقال: إثبات قبلةٍ لأهل المشرق في الجملة لا إشكال فيه لأنَّهم لا بدَّ لهم أن يصلُّوا إلى الكعبة، فلهم قبلةٌ يستقبلونها قطعًا، إنَّما الإشكال لو جُعِل المشرق نفسه قبلةً مع استدبار الكعبة، وليس في جرِّ المشرق ما يقتضي أن يكون المشرق (٣) نفسه قبلةً، وكيف يُتوهَّم هذا والمؤلِّف قد ألصق بهذا الكلام قوله: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلةٌ، ثمَّ إنَّ ما وُجِّه به الرَّفع يمكن أن يُوجَّه به الكسر، وذلك بأن يكون المشرق معطوفًا على ما أُضيف إليه الباب، وهو «قبلةٌ» لا على المدينة ولا على الشَّام، فكأنَّه قال: باب حكم قبلة أهل المدينة وحكم المشرق، ولا إشكال البتَّة. انتهى. ومراده بالمشرق والمغرب -كما مرَّ- اللَّذان (٤) من ناحية المدينة والشَّام بخلاف مشرق مكّة ومغربها، وكلِّ البلاد الَّتي تحت الخطِّ المارِّ عليها من مشرقها إلى مغربها، فإنَّها

стр. 1448

مخالفةُ المشرقِ والمغربِ للمدينة والشَّام، وما كان من (١) جهتهما في حكم اجتناب الاستقبال والاستدبار بالتَّشريق والتَّغريب، فإنَّ أولئك إذا شرَّقوا أو غرَّبوا لا يكونون مستقبلي الكعبة ولا مستدبريها، ومشرق مكَّة ومغربها وما بينهما متى شرَّقوا استدبروا الكعبة (٢)، أو غرَّبوا استقبلوها، فينحرفون (٣) حينئذٍ للجنوب أو الشَّمال، وهو معنى قول المؤلِّف: (لَيْسَ (٤) فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله النَّسائيُّ، والمؤلِّف في الباب غيره: (لَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) ظاهره التَّسوية بين الصَّحارى والأبنية، فيكون مطابقًا للتَّرجمة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في روايةٍ عنه، وقال مالك والشَّافعيُّ: يحرم في الصَّحراء لا في البنيان لحديث الباب، ولأنَّه ﵊ قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشَّام مستدبر الكعبة، فجمع الشَّافعيُّ ﵀ بينهما بحمل حديث الباب المفيد (٥) للتَّحريم على الصَّحراء لأنَّها لسعتها لا يشقُّ فيها اجتناب الاستقبال والاستدبار، بخلاف البنيان فقد يشقُّ فيه اجتناب ذلك، فيجوز فعله كما فعله ﵇ لبيان الجواز، وإن كان الأَوْلى لنا تركُه، وتقدَّم مزيدٌ لذلك في «كتاب الوضوء» [خ¦١٤٤].

стр. 1449

٣٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت زيادة: «اللَّيثيِّ» (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ) اسمٌ للأرض المطمئنَّة لقضاء الحاجة (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) احترامًا لها وتعظيمًا، وهل هو من جهة خروج الخارج المُستقذَر، أو من جهة كشف العورة؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ (١) على جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علَّل بالخارج أباح، ومن علَّل بالعورة منع (وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) مخصوصٌ بأهل المدينة لأنَّهم المُخاطَبون، ويلحق بهم: من كان على سَمْتهم ممَّن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريُّ: (فَقَدِمْنَا (٢) الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) بفتح الميم وكسر الحاء

стр. 1450

المُهمَلة والضَّاد المُعجمَة، جمع: مِرْحاضٍ، بكسر الميم (بُنِيَتْ) لقضاء حاجة الإنسان (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: مقابل (القِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ) عن (١) جهة القبلة، من الانحراف، وفي روايةٍ: «فنتحرَّف» (وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى) لمن بناها، فإنَّ الاستغفار للمؤمنين سُنَّةٌ، أو من الاستقبال، ولعلَّ أبا أيُّوبَ ﵁ لم يبلغه حديث ابن عمر في ذلك، أو لم يرَه مُخصِّصًا، وحمل ما رواه على العموم. ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ (٢) ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية الأكابر عن الأصاغر (٣)، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة». ثمَّ عطف المؤلِّف على قوله: حدَّثنا سفيان قوله: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) بالإسناد المذكور (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن يزيد (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاريَّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، والحاصل: أنَّ سفيان حدَّث به عليًّا مرَّتين: مرَّةً صرَّح بتحديث الزُّهريِّ له وفيه عنعنةُ عطاءٍ، ومرَّةً أتى بالعنعنة عن الزُّهريِّ وبتصريح عطاءٍ بالسَّماع. (٣٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾) بكسر الخاء على الأمر، أي: وقلنا لهم: اتِّخذوا (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) مُدَّعًى يُدَّعَى عنده، وقال البرماويُّ: موضع صلاةٍ، وتُعقِّب

стр. 1451

بأنَّه لا يُصلَّى فيه بل عنده، ويترجَّح القول الأوَّل بأنَّه جارٍ على المعنى اللُّغويِّ، والغرض (١) البيت لا المقام لأنَّ مَن صلَّى إلى الكعبة لغير جهة المقام فقد أدَّى فرضه، والأمر في: ﴿وَاتَّخِذُواْ﴾ للاستحباب كما لا يخفى، ومقام إبراهيم هو الحجر الَّذي فيه أثر قدميه (٢)، وقال مجاهدٌ: المراد بـ «مقام إبراهيم»: الحرم (٣) كلُّه، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ: ﴿وَاتَّخَذُواْ﴾ بفتح الخاء بلفظ الماضي عطفًا على ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخَذُواْ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ٣٩٥ - ٣٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، المكِّيُّ (قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ العُمْرَةَ) بالنَّصب للمُستملي والحَمُّويي، أي: طواف العمرة، ثمَّ حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وللأربعة: «للعمرة» بلام الجرِّ، أي: لأجل العمرة (وَلَمْ يَطُفْ) أي: لم يسعَ (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي)

стр. 1452

أي: هل حلّ من إحرامه حتَّى يجوز له أن يجامع (امْرَأَتَهُ) ويفعل غير ذلك من محرَّمات الإحرام أم لا؟ (فَقَالَ) عبد الله بن عمر مجيبًا له: (قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ) بضمِّ الهمزة وكسرها: قدوةٌ (١) (حَسَنَةٌ) فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتِّباعه ﷺ ، لاسيَّما وقد قال ﵊: «خذوا عنِّي مناسككم». قال عمرو بن دينار: (وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ عن ذلك (فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا) جملةٌ فعليَّةٌ مُؤكَّدةٌ بالنُّون الثَّقيلة (حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) فأجاب بصريح النَّهي، ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «الحجِّ». ورواة هذا الحديث الثَّلاثة مكِّيُّون، وفيه: التَّحديث والسُّؤال، وهو من مسند ابن عمر لا من مسند جابر لأنَّه لم يرفعه، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٦٢٤]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 1453

٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ سَيْفٍ) بفتح السِّين، زاد ابن عساكر: «يعني (١): ابن أبي سليمان» كما في الفرع، المخزوميِّ المكِّيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) الإمام المفسّر (قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَقِيلَ لَهُ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسم هذا (٢) القائل: (هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ) من الكعبة (وَأَجِدُ بِلَالًا) حال كونه (قَائِمًا بَيْنَ البَابَيْنِ) أي: مصراعي الباب إذ لم يكن للكعبة يومئذٍ إِلَّا بابٌ، وفي رواية الحَمُّويي: «بين النَّاس» بالنُّون والسِّين المُهمَلة بدل «البابين»، قال في «الفتح»: وهي أوضح، وعبَّر بالمضارع في قوله: «وأجد» حكايةً عن الحال الماضية، أو استحضارًا لتلك الصُّورة حتَّى كأنَّ المُخاطَب يشاهدها، وإِلَّا فكان المناسب للسِّياق أن يقول: ووجدت (فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَصَلَّى) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «صلَّى» بإسقاطها (النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ وحده: «رسول الله» (¬ ﷺ فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى (رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ) تثنية: ساريةٍ، وهي الأسطوانة (اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ) أي: الدَّاخل، أو يسار البيت، أو هو من الالتفات، ولأبي ذرٍّ

стр. 1454

عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يسارك» بالكاف، وهي أنسب لقوله: (إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ) من البيت (فَصَلَّى فِي وَجْهِ) مواجهة (١) (الكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ) عند مقام إبراهيم، وبذلك تحصل المطابقة للتَّرجمة، أو جهة الباب عمومًا، وقد أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال لأنَّه مُثْبِتٌ ومعه زيادة علمٍ، فوجب ترجيح روايته على النَّافي كأسامة، وسبب نفيه اشتغاله بالدُّعاء في ناحيةٍ من نواحي البيت غير الَّتي كان فيها الرَّسول ﷺ مع غلق الباب، وكان بلالٌ قريبًا منه ﵊، فخفي على أسامة لبعده واشتغاله ولم يشاهد ما شاهده بلالٌ لقربه، وجاز له النَّفيُ عملًا بالظَّنِّ، أو أنَّه ﵊ دخل البيت مرَّتين: مرَّةً صلَّى، ومرَّةً دعا ولم يصلِّ. ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٥٩٩] و «الصَّلاة» [خ¦٤٦٨] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٨]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 1455

٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه لشهرته به (١) وإِلَّا فأبوه إبراهيم السَّعديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «حدّثنا» (ابْنُ جُرَيْجٍ) نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسمُه عبدُ الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا) جمع: ناحيةٍ، وهي الجهة (وَلَمْ يُصَلِّ) فيه (حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ) ورواية بلالٍ المثبِت [خ¦٣٩٧] أرجحُ من نفي ابن عبَّاسٍ هذا، لاسيَّما أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يدخل، وحينئذٍ فيكون مرسلًا لأنَّه أسنده عن غيره ممَّن دخل مع النَّبيِّ ﷺ الكعبة، فهو مُرسَل صحابيٍّ (فَلَمَّا خَرَجَ) ﵊ منه (رَكَعَ) أي: صلَّى (رَكْعَتَيْنِ) فأطلق الجزء وأراد به الكلَّ (فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ) هو (٢) ما استقبله منها وهو وجهها، و «قُبُل» (٣) بضمِّ القاف والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن (وَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) أي: الكعبة هي (القِبْلَةُ) الَّتي استقرَّ (٤) الأمر على استقبالها، فلا تُنسَخ كما نُسِخ بيت المقدس، أو علَّمهم بذلك سنَّةَ موقف الإمام في وجهها دون أركانها وجوانبها الثَّلاثة وإن كان الكلُّ جائزًا، أو أنَّ مِنْ (٥) حكم مَنْ (٦) شاهد البيت وجوبَ مواجهة عينه (٧) جزمًا بخلاف الغائب، أو أنَّ الَّذي أُمِرتم باستقباله ليس هو الحرم كلُّه ولا مكَّة ولا المسجد حول الكعبة، بل الكعبة نفسها.

стр. 1456

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وصنعانيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك» والنَّسائيُّ. (٣١) (بابُ التَّوَجُّهِ) في صلاة الفرض (نَحْوَ القِبْلَةِ) أي: إلى (١) جهتها (حَيْثُ كَانَ) أي: وُجِد المصلِّي في سفرٍ أو حضرٍ. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٥١] من جملة حديث المسيء صلاته: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ) حيث كنت (وَكَبِّرْ) بكسر الباء المُوحَّدة فيهما (٢) على الأمر، «وكبِّر» بالواو، وللأربعة: «فكبِّر» وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر (٣): «قام النَّبيُّ ﷺ استقبل فكبَّر» بالفاء (٤) وفتح المُوحَّدة فيهما.

стр. 1457

٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَانيُّ، بضمِّ الغين المُعجمَة (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (١)، عمرو بن عبد الله الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو ابن عبد الله السَّبِيعيِّ الكوفيِّ (٢)، جدِّ إسرائيل (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄¬) ثبت: «ابن عازبٍ» عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٣) (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النِّبيُّ» (¬ ﷺ صَلَّى نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له، قاله الطَّبريُّ، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه ﷺ كان يصلِّي بمكَّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه بحمل (٤) الأمر في المدينة على الاستمرار (٥) باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطَّبريِّ من طريق (٦) ابن جريجٍ قال: أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ صُرِف إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فصلَّى ثلاث حججٍ، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ وجَّهه الله تعالى إلى الكعبة (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بضمِّ أوَّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول، أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه (إِلَى الكَعْبَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند (٧) الطَّبريِّ: وكان يدعو

стр. 1458

و (١) ينظر إلى السَّماء (فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤]) تردُّد وجهك في جهة السَّماء تطلُّعًا للوحي، وكان ﵊ يقع في روعه، ويتوقَّع من ربِّه أن يحوِّله إلى الكعبة لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلُّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاويُّ. (فَتَوَجَّهَ) ﷺ بعد نزول الآية (نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ -وَهُمُ اليَهُودُ-: ﴿مَا وَلاَّهُمْ﴾) أي: ما صرفهم (﴿عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾؟) يعني: بيت المقدس، والقبلة في الأصل: الحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المُتوجَّه إليه للصَّلاة (﴿قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾) لا يختصُّ به مكانٌ دون مكانٍ بخاصَّةٍ (٢) ذاتيَّةٍ تمنع إقامة غيره مقامه، وإنَّما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان (﴿يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]) وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التَّوجُّه إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة تارةً (٣) أخرى (فَصَلَّى) الظُّهر (٤) (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) اسمه عبَّاد بن بشرٍ كما قاله ابن بَشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيكٍ، بفتح النُّون وكسر الهاء (ثُمَّ خَرَجَ) أي: الرَّجل (بَعْدَمَا صَلَّى) أي: بعد صلاته، أو بعد الَّذي صلَّى، وللمُستملي والحَمُّويي: «فصلَّى مع النَّبيِّ ﷺ رجالٌ» بالجمع «ثم خرج» أي: بعض أولئك الرجال، أي «بعد ما

стр. 1459

صلَّى» (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ العَصْرِ نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في صلاة العصر، يصلُّون نحو بيت المقدس» (فَقَالَ) الرَّجل: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ) ﵊ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ) وللأربعة: «وأنَّه نحو الكعبة» (فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ) وعنى بقوله: «هو يشهد» نفسَه على طريق التَّجريد بأن جرَّد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الرَّاوي كلامه بالمعنى، وعند ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّه ﵊ صلَّى ركعتين من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِر أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام (١)، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويُقال: إنَّه ﵊ زار أُمَّ بِشْرِ بن البراء ابن معرورٍ في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظُّهر، فصلَّى ﷺ بأصحابه ركعتين، ثمَّ أُمِر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعدٍ (٢): قال الواقديُّ: هذا أَثْبَتُ عندنا، ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «صلاة العصر» وبين ثبوت الرِّواية عن ابن عمر في الصُّبح بقباء المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦٤٠٣] والنَّسائيِّ؛ لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه بالمدينة، والصُّبح لأهل قباء في اليوم

стр. 1460

الثَّاني لأنَّهم خارجون عن المدينة من سوادها. واستُنبِط من حديث الباب: قبول خبر الواحد، وجواز النَّسخ، وأنَّه لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه. ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه (١) المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٦] أيضًا، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. ٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) وللأَصيليِّ: «مسلم (٢) بن إبراهيم» (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ، وللأَصيليِّ: «هشام بن أبي (٣) عبد الله» (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن ثوبان العامريِّ المدنيِّ، وليس له في «البخاريِّ» عن جابرٍ غير هذا الحديث، وفي طبقته محمَّد بن عبد الرَّحمن بن نوفل، ولم يُخرِج له البخاريُّ عن جابرٍ شيئًا، قاله الحافظ ابن حجرٍ (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ ﵁، وللأَصيليِّ: «جابر بن عبد الله» (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأربعة: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ يُصَلِّي) النَّفل (عَلَى رَاحِلَتِهِ) ناقته الَّتي تصلح لأن ترحل (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) (٤) أي: الرَّاحلة، زاد ابن عساكر وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «به» والمراد: توجُّه صاحب الرَّاحلة لأنَّها تابعةٌ لقصد توجُّهه، وفي حديث ابن عمر عند مسلمٍ وأبي داود والنَّسائيِّ: رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي على حمارٍ وهو متوجِّهٌ لخيبر، وعند أبي داود والتِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ

стр. 1461

صحيحٌ- من حديث جابرٍ: «بعثني النَّبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فجئت وهو يصلِّي على راحلته نحو المشرق السُّجود أخفض» (فَإِذَا أَرَادَ) ﷺ أن يصلِّي (الفَرِيضَةَ نَزَلَ) عن راحلته (فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) وصلَّى، وهذا يدلُّ على عدم ترك استقبال القبلة في الفريضة، وهو إجماعٌ. نعم رُخِّص في شِدَّة الخوف، كما سيأتي في محلِّه [خ¦٤٥٣٥] إن شاء الله تعالى. ورواة هذا الحديث الخمسة مابين بصريٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ (١)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «تقصير الصَّلاة» [خ¦١٠٩٩] وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٠]، ومسلمٌ (٢). ٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النَّخعيِّ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ، ولأبي ذَرٍّ: «عن عبد الله» لكنَّه ضُبِّب عليه في الفرع: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ¬) الظُّهر أو العصر (-قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا أَدْرِي زَادَ) النَّبيُّ ﷺ في صلاته، ولابن عساكر: «أزاد» بالهمزة (أَوْ نَقَصَ- فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ) بهمزة الاستفهام وفتح الحاء والدَّال، أي: أَوَقَعَ (فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ) من الوحي يوجب تغييرها بزيادةٍ أو نقصٍ؟ (قَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟) سؤال مَن لم يشعر بما وقع منه (قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) كنايةٌ عمَّا وقع إمَّا

стр. 1462

زائدٌ على المعهود أو (١) ناقصٌ عنه (٢) (فَثَنَى) ﵊، بتخفيف النُّون، أي: عطف (رِجْلَهُ) بالإفراد بأن جلس كهيئة قعود المتشهِّد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «رِجْلَيْهِ» بالتَّثنية (وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ) لم يكن سجوده ﵊ عملًا بقولهم لأنَّ المصلِّي لا يرجع إلى قول غيره، بل لمَّا سألهم بقوله: وما ذاك؟ تذكَّر فسجد، أو أنَّ قول السَّائل (٣): أَحَدَثَ شيءٌ أَحْدَثَ شكًّا، فسجد لحصول الشَّكِّ الَّذي طرأ له (٤)، لا لمُجرَّد إخبارهم (فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ) أي: لأخبرتكم (بِهِ) أي: بالحدوث، وحُذِف (٥) لدلالة قوله: «لو حدث في الصَّلاة»، واللَّام في: «لَنبَّأتكم» لام الجواب،

стр. 1463

ومفعوله (١) الأوَّل: ضمير المخاطبين، والثَّاني: «به»، والثَّالث محذوفٌ، وفيه: أنَّه كان يجب عليه تبليغ الأحكام إلى الأمَّة (وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي: بالنِّسبة إلى الاطِّلاع على بواطن (٢) المخاطبين، لا بالنِّسبة إلى كلِّ شيءٍ (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مُهْمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، قال الزَّركشيُّ: ومن قيَّده بضمِّ أوَّله وتشديد ثالثه لم يناسب التَّشبيه (فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) في الصَّلاة بالتَّسبيح ونحوه (وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ) بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل (فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ) أي: فلْيجتهد، وعن الشَّافعيِّ: «فليقصد الصَّواب» أي: فليأخذ باليقين وهو البناء على الأقلِّ (٣)، وقال أبو حنيفة: معناه البناء على غالب الظَّنِّ، ولا يلزم بالاقتصار على الأقلِّ، ولـ «مسلمٍ»: «فلينظر أقرب ذلك إلى الصَّواب» (فَلْيُتِمَّ) بناءً (عَلَيْهِ، ثُمَّ يُسَلِّمْ) أي (٤): وجوبًا (ثُمَّ يَسْجُدْ) للسَّهو، أي: ندبًا (سَجْدَتَيْنِ) لا واحدةً كالتِّلاوة، وعبَّر بلفظ الخبر في هذين الفعلين، وبلفظ الأمر في السَّابقين وهما «فليتحرَّ» و «ليتمَّ» لأنَّهما كانا ثابتين يومئذٍ، بخلاف التَّحرِّي والإتمام فإنَّهما (٥) ثبتا بهذا الأمر، ولأبي ذَرٍّ: «يسلِّم» بغير لام الأمر، وللأَصيليِّ: «وليسجد» بلام الأمر، وهو محمولٌ على النَّدب، وعليه الإجماع في المسألتين، ودلالة الحديث على التَّرجمة من قوله: «فثنى رجليه واستقبل القبلة». واستُنبِط منه (٦): جواز النَّسخ عند الصَّحابة، وأنَّهم كانوا يتوقَّعونه، وعلى جواز وقوع السَّهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في

стр. 1464

الأفعال، وعليه عامَّة العلماء والنُّظَّار كما قاله الشَّيخ تقيُّ الدِّين. ورواته السِّتَّة كلُّهم كوفيُّون أئمَّةٌ أَجِلَّاء، وإسناده من أصحِّ الأسانيد، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «النُّذور» [خ¦٦٦٧١]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه. ولمَّا فرغ المؤلِّف من حكم التَّوجُّه إلى القبلة شَرَعَ يذكر حكم مَن سها فصلَّى إلى غير القبلة، فقال: (٣٢) (بابُ مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ) غير ما ذُكِرَ (وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ومن لم يرَ الإعادة» (عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ) الفاء تفسيريَّةٌ لأنَّه تفسيرٌ (١) لقوله: «سها»، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه بُعْدٌ، والأَوْلى أن تكون للسَّببيَّة كقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا صلَّى به فتيقَّن الخطأ في الجهة في الوقت أو بعده فإنَّه يقضي على الأظهر،

стр. 1465

والثَّاني لا يجب القضاء لعذره بالاجتهاد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإبراهيم النَّخعيُّ والثَّوريُّ لأنَّ جهة تحرِّيه هي الَّتي خُوطِب بها، أي (١): باستقبالها حالة الاشتباه (٢)، فأتى بالواجب عليه فلا يعيدها، وقال المالكيَّة: يعيد في الوقت المختار، وهو مذهب المُدوَّنة، وقال أبو الحسن المَرْدَاوِيُّ من الحنابلة في «تنقيح المقنع»: ومَن صلَّى بالاجتهاد سفرًا فأخطأ لم يُعِدْه (٣). انتهى. فلو تيقَّن الخطأ وهو (٤) في الصَّلاة وجب استئنافها عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة، ويستدير إلى جهة القبلة ويبني على ما مضى عند الحنفيَّة، وهو قولٌ للشَّافعيَّة لأنَّ أهل قباء لمَّا بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصَّلاة إليها. (وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ) وللأَصيليِّ: «في ركعتين من الظُّهر» (وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ) من الرَّكعتين الأخيرتين، وهذا التَّعليق قطعةٌ من حديث أبي هريرة في قصَّة ذي اليدين المشهور [خ¦٤٨٢] ووجه ذكره في التَّرجمة: أنَّه ﵊ بانصرافه وإقباله على النَّاس بوجهه بعد سلامه كان وهو عند نفسه الشَّريفة في غير صلاةٍ، فلمَّا مضى على (٥) صلاته كان وقت استدبار القبلة في حكم المصلِّي، فيُؤخَذ منه: أنَّ من اجتهد ولم يصادف القبلة لا يعيد.

стр. 1466

٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، أبو عثمان الواسطيُّ البزَّاز -بزايَين- نزيل البصرة، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المُعجمَة وسكون المُثنَّاة، ابن بَشِيرٍ، بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجمَة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب، وللأَصيليِّ «﵁»: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ) أي: وافقني ربِّي فيما أردت (١) أن يكون شرعًا، فأُنزِل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند المُوافقَة إلى نفسه، كذا قال العينيُّ كابن حجرٍ وغيره، لكن قال صاحب «اللَّامع»: لا يحتاج إلى ذلك، فإنَّ (٢) مَن وافقك فقد وافقته. انتهى. قال في «الفتح»: أو أشار به إلى حدوث (٣) رأيه وقِدَم الحكم. انتهى. في التَّفسير في سورة «البقرة»: وافقت ربِّي في ثلاثٍ، أو وافقني ربِّي في ثلاثٍ (٤)، وقوله: «في ثلاثٍ» أي: قضايا أو أمورٍ، ولم يُؤنِّث مع أنَّ الأمر مُذكَّرٌ لأنَّ التَّمييز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التَّذكير والتَّأنيث، وليس في تخصيصه العدد بالثَّلاث ما ينفي الزِّيادة، فقد رُوِي عنه موافقاتٌ بلغت الخمسة عشر: كقصَّة (٥) أسارى بدرٍ، وقصَّة

стр. 1467

الصَّلاة على المنافقين، وتحريم الخمر، ويحتمل أن يكون ذلك قبل الموافقة في غير الثَّلاث، ونُوزِع فيه لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موته ﷺ ، فلا يتَّجه ما ذكر من ذلك. (قُلْتُ) ولغير الأربعة: «فَقُلْتُ»: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، بحذف جواب «لو»، أو هي للتَّمنِّي فلا تفتقر لجوابٍ (١)، وعند ابن مالكٍ: هي «لو» المصدريَّة أغنت عن فعل التَّمنِّي (فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَآيَةُ الحِجَابِ) برفع «آيةُ» على الابتداء، والخبر محذوفٌ، أي: كذلك، أو على العطف على مُقدَّرٍ، أي: اتِّخاذ مُصلًّى وآيةُ الحجاب، وبالنَّصب على الاختصاص، وبالجرِّ عطفًا على مقدَّر، أي: اتخاذ مصلًّى من مقام إبراهيم، وهو بدلٌ من قوله: «ثلاثٍ» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ) بفتح المُوحَّدة صفةٌ مُشبَّهةٌ (وَالفَاجِرُ) الفاسق، وهو مقابل البَرِّ (فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] (وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ) بفتح الغين المُعجمَة، وهي الحميَّة والأَنَفة (فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) ليس فيه ما يدلُّ على أنَّ في

стр. 1468

النِّساء خيرًا منهنَّ لأنَّ المُعلَّق بما لم يقع لا يجب وقوعه (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) (١). وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) «سعيد بن محمَّد بن الحكم» كذا في رواية كريمة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: «وحدَّثنا ابن أبي مريم» ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ» أي: المؤلِّف أيضًا، وللأصيِليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقال ابن أبي مريم»: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) أي: ابن مالكٍ (بِهَذَا) أي: بالحديث المذكور سندًا ومتنًا، وفائدة إيراد هذا الإسناد: ما فيه من التَّصريح بسماع حُمَيْدٍ من أنسٍ، فحصل الأمن من تدليسه، واستُشكِل بأنَّ يحيى بن أيُّوب لم يحتجَّ به البخاريُّ، وإن خرَّج له في المتابعات، وأُجيب بأنَّ هذا من جملة المتابعات، ولم ينفرد يحيى بن أيُّوب بالتَّصريح المذكور فقد أخرجه الإسماعيليُّ من رواية يوسف القاضي عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ عن هُشَيْمٍ: أخبرنا حُمَيْدٌ حدَّثنا أنسٌ، قاله في «الفتح».

стр. 1469

٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط قوله: «ابن أنس» عند الأَصيليِّ وابن عساكر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بالمدِّ والتَّذكير والصَّرف على الأشهر، أي: بينا النَّاس بمسجد قباءٍ وهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولا منافاة بين قوله هنا: «الصُّبح» وقوله في حديث البراء [خ¦٤٠]: «العصر» إذ المجيء (١) إلى بني حارثة داخل المدينة، وإلى بني عمرو بن عوفٍ بقُبَاءٍ وقت الصُّبح، وقوله: «بينا» أُضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إِذْ جَاءَهُمْ) أي: أهل قُبَاءٍ (آتٍ) بالمدِّ، هو عبَّاد بن بِشْرٍ، بتشديد المُوحَّدة الأولى وكسر الثَّانية (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ) بالتَّنكير لأنَّ القصد البعض، وفي رواية الأَصيليِّ: «القرآن» بـ «ال» الَّتي للعهد، أي: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات، وأطلق اللَّيلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا (وَقَدْ أُمِرَ) رسول الله ﷺ ، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنْ)

стр. 1470

أي: بأن (يَسْتَقْبِلَ) أي: باستقبال (الكَعْبَة، فَاسْتَقْبَِلُوهَا) بفتح المُوحَّدة عند جمهور الرُّواة على أنَّه فعلٌ ماضٍ، ويُكسَر عند البعض على أنَّه أمرٌ (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي للتَّحوُّل المذكور، والضَّمير في: «فاستقبلوها» و «وجوههم» لأهل قباءٍ، أو للنَّبيِّ ﷺ ومَن معه، وفي رواية الأَصيليِّ: «فاستقبِلوها» بكسر المُوحَّدة، بصيغة الأمر لأهل قباءٍ، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]: «وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها» (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ) بأن تحوَّل الإمام من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّره؛ قال في «الفتح» لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار -كما هو في مكانه- لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصفوف، ثمَّ تحوَّلت الرِّجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النِّساء حتَّى صِرْنَ خلف الرِّجال، واستُشكِل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصَّلاة، وأُجيب باحتمال وقوعه قبل التَّحريم، أو لم تتوالَ الخُطَا عند التَّحويل، بل وقعت مُفرَّقةً. واستُنبِط من الحديث: أنَّ الَّذي يُؤمَر به ﵊ يلزم أمَّته، وأنَّ أفعاله يُؤتَسى بها كأقواله، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وأنَّ حكم النَّاسخ لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه، وقبول (١) خبر الواحد، ووجه استدلال المؤلِّف به: أنَّهم صلَّوا إلى القبلة المنسوخة الَّتي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبها، ولم يُؤمَروا بالإعادة. ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أجلَّاء مشهورون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٤٨٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ (٢) في «الصَّلاة».

стр. 1471

٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ﵊، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو. ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال: (٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا. ٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ ﵁»: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) ﷺ (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن

стр. 1472

الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) ﵊ (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ﵊، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد

стр. 1473

وتوجُّهه إلى الله في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) ﵊ (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ

стр. 1474

بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع. وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 1475

٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا) وهو ما يسيل من الفم (فِي جِدَارِ القِبْلَةِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «في جدار المسجد» (فَحَكَّهُ) أي: البصاق (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشَّريف (١) (فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: قدَّام (وَجْهِهِ) و «يبصقْ» بالجزم على النَّهي (فَإِنَّ اللهَ) أي: القصد منه تعالى، أو ثوابه ، أو عظمته (قِبَلَ وَجْهِهِ) أي: المصلِّي (إِذَا صَلَّى) وهذا التَّعليل يرشد إلى أنَّ البصاق في القبلة حرامٌ، سواءٌ أكان في المسجد أم لا، وقد أعاد هذا الحديث بسنده ومتنه في الفرع، وقال في «هامشه»: إنَّه كذلك في أصله (٢). ٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنس الأصبحيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
следующие страницы →