٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا) أي: خمس ركعاتٍ (فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ) أي: ما سبب هذا السُّؤال؟ (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) قال: (فَثَنَى) ﵊، أي: عطف (رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، ولابن عساكر: «رجله» بالإفراد (٢) (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو.
ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان أحكام القبلة شَرَعَ في بيان أحكام المساجد، فقال:
(٣٣) (بابُ حَكِّ البُزَاقِ) بالزَّاي، لغةٌ (٣) كالصَّاد والسِّين (بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ) سواءٌ كان بآلةٍ أم لا.
٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ ﵁»: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً) بالميم مع ضمِّ النُّون، وهي ما يخرج من الصَّدر، أو من الرَّأس (فِي) الحائط الَّذي من (٤) جهة (القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) ﷺ (حَتَّى رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة وفتح الياء، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن
стр. 1472
الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى (١) رِيْء» بكسر الرَّاء وسكون الياء آخره همزةٌ، أي: شُوهِد (فِي وَجْهِهِ) أثر المشقَّة، وفي رواية النَّسائيِّ: «فغضب حتَّى احمرَّ وجهه» (فَقَامَ) ﵊ (فَحَكَّهُ) أي: أثر النُّخامة (بِيَدِهِ فَقَالَ) ﵊، ولابن عساكر: «وقال»: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ) بعد شروعه فيها (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فكأنَّه يناجيه تعالى والرَّبُّ تعالى يناجيه من جهةِ لازمِ ذلك وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز لأنَّ القرينة صارفةٌ عن إرادة الحقيقة إذ لا كلام محسوسٌ إِلَّا من جهة العبد (أَوْ أَإِنَّ) بفتح الهمزة وكسرها كما في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «وإنَّ» (رَبَّهُ) بواو العطف، أي: اطِّلاع (٣) ربِّه على ما (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) إذ ظاهره مُحالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب على المصلِّي إكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء (٤) وسوء الأدب أن تتنخَّم في توجُّهك إلى ربِّ الأرباب، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَن توجَّه إليه، قاله ابن بطَّالٍ. وقال الطِّيبيُّ: فإنَّه يناجي ربَّه، تعليلٌ للنَّهي (٥) شَبَّهَ العبد
стр. 1473
وتوجُّهه إلى الله في الصَّلاة، وما فيها من القرآن والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته ورحمته، مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويُطْرِق رأسه ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعي جهة إمامه حتَّى لا يصدر منه (١) من تلك الهيئات (٢) شيءٌ، وإن كان (٣) الله تعالى مُنزَّهًا عن الجهات لأنَّ الآداب الظَّاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها مع بعض (٤) (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، وللأَصيليِّ: «فلا (٥) يبزق (٦)» (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (قِبْلَتِهِ) الَّتي عظَّمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي (٧) للاستخفاف والاحتقار، والأصحُّ: أنَّ النَّهي للتَّحريم كما يدلُّ عليه قوله في حديث الباب: فشقّ ذلك عليه حتَّى رُئِي في وجهه، وفي رواية النَّسائيِّ -كما مرَّ بعضه-: «حتَّى احمرَّ وجهه»، وبه جزم النَّوويُّ في «التَّحقيق» و «المجموع»، وكان تمسَّك بقوله في الحديث الصَّحيح: أنه خطيئةٌ، لكن في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ: ووجدت في مساوئ أعمالها النُّخامة تكون في المسجد. بل بذلك، وببقائها غير مدفونةٍ (٨) (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي: لا عن يمينه، فإنَّ عن يمينه كاتبَ الحسنات، كما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قدمه» أي: اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي، قال النَّوويُّ: هذا في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزق إِلَّا في ثوبه (ثُمَّ أَخَذَ) ﵊ (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ
стр. 1474
بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا) عُطِفَ على المُقدَّر بعد حرف الاستدراك، أي: ولكن ليبزق عن يساره، أو يفعل هكذا، وفيه البيان بالفعل لأنَّه أوقع في النَّفس، وليست لفظة: «أو» هنا للشَّكِّ، بل للتَّنويع، أي (١): هو مُخيَّر بين هذا وهذا، لكن سيأتي أنَّ المصنِّف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البصاق، وحينئذٍ فـ «أو» للتَّنويع.
وأخرج هذا الحديث المؤلِّف في «كفَّارة البزاق في المسجد» [خ¦٤١٥] وفي «باب إذا بدره البزاق» [خ¦٤١٧] وفي غيرهما، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ.
стр. 1475
٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا) وهو ما يسيل من الفم (فِي جِدَارِ القِبْلَةِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «في جدار المسجد» (فَحَكَّهُ) أي: البصاق (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشَّريف (١) (فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: قدَّام (وَجْهِهِ) و «يبصقْ» بالجزم على النَّهي (فَإِنَّ اللهَ) أي: القصد منه تعالى، أو ثوابه ، أو عظمته (قِبَلَ وَجْهِهِ) أي: المصلِّي (إِذَا صَلَّى) وهذا التَّعليل يرشد إلى أنَّ البصاق في القبلة حرامٌ، سواءٌ أكان في المسجد أم لا، وقد أعاد هذا الحديث بسنده ومتنه في الفرع، وقال في «هامشه»: إنَّه كذلك في أصله (٢).
٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنس الأصبحيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
стр. 1476
رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا) هوالسَّائل من الأنف (أَوْ بُصَاقًا) هو السَّائل (١) من الفم (أَوْ نُخَامَةً) من الصَّدر، وهي النُّخاعة، أو النُّخاعة بالعين من الصَّدر، وبالميم من الرَّأس (فَحَكَّهُ) أي: الَّذي رآه في الجدار.
(٣٤) (بابُ حَكِّ المُخَاطِ بِالحَصَى) أو نحوه، وللأَصيليِّ: «بالحصباء» (مِنَ المَسْجِدِ) لمَّا كان المخاط فيه لُزوجةٌ يكون لها جرمٌ في الغالب يحتاج في زواله (٢) إلى معالجةٍ بنحو الحصى ترجم له.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ: (إِنْ وَطِئْتَ عَلَى قَذَرٍ) بالذَّال المعجمة، طاهرٍ أو نجسٍ (رَطْبٍ فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَلَا) تغسله لأنَّه لا يضرُّك وطؤه.
٤٠٨ - ٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: «حدَّثنا» (ابْنُ شِهَابٍ)
стр. 1477
الزُّهريُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ القرشيِّ الزُّهريِّ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ (وَأَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ ﵄ (حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ) المدنيِّ (١) (فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا) بالكاف، أي: النُّخامة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فحتَّها» بالمُثنَّاة الفوقيَّة بدل الكاف، ومعناهما واحدٌ (فَقَالَ) ﵊: (إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ) أي: رمى بالنُّخامة (فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) فإنَّ عن يمينه مَلَكًا، وعند ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ: فعن يمينه كاتب الحسنات (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى) ووجه دلالة الحديث على التَّرجمة: أنَّ المخاط والنُّخامة حكمهما واحدٌ لأنَّهما من الفضَلات الطَّاهرة.
ورواته كلُّهم مدنيُّون، إِلَّا موسى بن إبراهيم فبصريٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤١٠]، وكذا مسلمٌ، والله أعلم (٢).
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبْصُقْ) أي: المصلِّي (عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ).
٤١٠ - ٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (٣) (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵄ (أَخْبَرَاهُ) في الحديث السَّابق [خ¦٤٠٨] [خ¦٤٠٩]: «حدّثاه» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي حَائِطِ المَسْجِدِ) وفي السَّابق: «في جدار المسجد» (فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَصَاةً فَحَتَّهَا) بالتَّاء (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ) وفي الفرع: «إذا تنخَّمنَّ … فلا يتنخمنَّ» بنونٍ مكتوب (٤) فوقهما معًا (٥) (قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى).
стр. 1478
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فلا يتنخَّم قبل وجهه ولا عن يمينِهِ»، وحكم النُّخامة والبصاق واحدٌ بدليل قوله في حديث أنسٍ الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا: «لا يتفلنَّ» (١)، بعد رؤيته ﵊ النُّخامة في القبلة.
٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن الحارث الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: «أنس
стр. 1479
بن مالكٍ» (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يَتْفِلَنَّ) بكسر الفاء في الفرع، ويجوز الضَّمُّ، أي: لا يبزقنَّ (أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ) أي: اليسرى، والتَّفل شبيهٌ بالبزق (١) لأنَّ الأوَّل البزق، ثمَّ التَّفل، ثمَّ النَّفث، ثم النَّفخ، وليس في هذا الحديث تقييدٌ بحالة الصَّلاة إِلَّا في رواية آدم الآتية [خ¦٤١٣]-إن شاء الله تعالى- وحديث أنسٍ السَّابق في «باب حكِّ البزاق باليد من المسجد» [خ¦٤٠٥] وكأنَّه جنح إلى أنَّ المُطلَق محمولٌ على المُقيَّد، وقد جزم النَّوويُّ: بالمنع منه في الجهة اليمنى داخل الصَّلاة وخارجها، سواءٌ أكان في المسجد أو غيره، ويؤيِّده ما رواه عبد الرَّزَّاق وغيره عن ابن مسعودٍ: أنَّه كره أن يبصق عن يمينِهِ وليس في صلاةٍ، وعن عمر بن عبد العزيز أنَّه نهى ابنه عنه مطلقًا، وعن معاذ بن جبلٍ أنَّه (٢) قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، ونُقِل عن مالكٍ أنَّه قال: لا بأس به، يعني: خارج الصَّلاة، وكأنَّ الَّذي خصَّه بحالة الصَّلاة أخذه من علَّة النَّهي المذكورة في رواية همَّامٍ عن أبي هريرة [خ¦٤١٦] حيث قال: «فإنَّ عن يمينه (٣) مَلَكًا»، والله أعلم (٤).
(٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لِيَبْزُقْ) بالزَّاي، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ليبصق» بالصَّاد (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى).
٤١٣ - به قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ
стр. 1480
فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) ، والمناجاة من قِبَل العبد حقيقةٌ، ومن قِبَل الرَّبِّ إقباله تعالى عليه بالرَّحمة والرِّضوان (فَلَا يَبْزُقَنَّ) بالزَّاي والنُّون (بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي: اليسرى حتَّى يطابق التَّرجمة، وقيَّد التَّرجمة السَّابقة بالصَّلاة، والقدم باليسرى، وهنا أطلق التَّرجمة والقدم في الحديث، فيُحمَل كلُّ مُطلَقٍ منهما على مُقيَّده، وفي إسناده: التَّحديث والتَّصريح بسماع قتادة من (١) أنسٍ.
٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (٢) (عَلِيٌّ) وللأَصيليِّ: «عليُّ بن عبد الله» أي: ابن المدينيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «قال: أخبرنا» (سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، لا الطَّويل (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁، ولابن عساكر كما في الفرع: «عن أبي هريرة» بدل أبي سعيدٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَحَكَّهَا) بالكاف (بِحَصَاةٍ) وللمُستملي: «بحصى» (ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى) كذا للأكثرين (٣)، ولأبي الوقت: «وتحت» بواو العطف، والأولى هي المطابقة للتَّرجمة (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْدًا) هو ابن عبد الرَّحمن السَّابق (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (نَحْوَهُ) فيه التَّصريح بسماع الزُّهريِّ من حُمَيْدٍ.
стр. 1481
(٣٧) (بابُ كَفَّارَةِ) خطيئةِ (البُزَاقِ) بالزَّاي (فِي المَسْجِدِ) بدفنه.
٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : البُزَاقُ) بالزَّاي (فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ) بالهمزة، أي: إثمٌ (وَكَفَّارَتُهَا) أي: الخطيئة (دَفْنُهَا) في تراب المسجد ورمله وحصبائه (١) إن كان، وإِلَّا فيخرجها، وقوله: «في المسجد» ظرفٌ للفعل، فلا يُشترَط كون الفاعل فيه، حتَّى لو بصق من هو خارج المسجد فيه يتناوله النَّهي، قال القاضي عياضٌ: إنَّما يكون خطيئةً إذا (٢) لم يدفنه، فمن أراد دفنه فلا، ويؤيِّده حديث أبي أمامة عند أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «من تنخَّع في المسجد فلم يدفنه فسيِّئةٌ، وإن دفنه فحسنةٌ» فلم يجعله سيِّئةً إِلَّا بقيد عدم الدَّفن، وردَّه النَّوويُّ فقال: هو خلاف صريح الحديث، فقال في «الفتح»: وحاصل النِّزاع أنَّ ههنا عمومين تعارضا، وهما قوله: «البزاق في المسجد خطيئةٌ»، وقوله: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه»، فالنَّوويُّ: يجعل الأوَّل عامًّا، ويخصُّ الثَّاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي: يجعل الثَّاني عامًّا، ويخصُّ (٣) الأوَّلَ بمن لم يُرِد دفنها، وتوسَّط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذرٌ، كأن (٤) لم يتمكَّن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذرٌ.
стр. 1482
وفي هذا الحديث: التَّحديث والقول والتَّصريح بسماع قتادة من (١) أنسٍ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة وكذا أبو داود.
(٣٨) (بابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ) جائزٌ.
٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) صاحب المؤلَّف، ابن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ، وللأَصيليِّ: «أخبرنا مَعْمَرٌ» (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّه بن كاملٍ الصَّنعانيِّ، أخو وهْبٍ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: شرع فيها (فَلَا يَبْصُقْ) بالصَّاد، والجزم على النَّهي (أَمَامَهُ) بفتح الهمزة، أي: قدَّامه
стр. 1483
(فَإِنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّه» (يُنَاجِي اللهَ) (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) ظاهره تخصيص المنع بحالة الصَّلاة، لكنَّ التَّعليل بتأذِّي المسلم يقتضي المنع مطلقًا ولولم يكن في الصَّلاة. نعم هو في الصَّلاة أشدُّ إثمًا مطلقًا، وفي جدار القبلة أشدُّ إثمًا من غيرها من جدار المسجد (وَلَا) يبصق (عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا) يكتب الحسنات لأنَّ الصَّلاة هي أمُّها، فلا دخل (١) لكاتب السَّيِّئات الكائن عن اليسار فيها، أو (٢) إنَّ لكلِّ أحدٍ قرينًا وموقفه يساره كما في «الطَّبرانيِّ»، فلعلَّ المصلِّي إذا تفل يقع على قرينه وهو الشَّيطان، ولا يصيب (٣) المَلَك منه شيءٌ (وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ) إذا كانت جهته فارغةً من المصلِّين، وفي حديث طارق بن عبد الله المحاربيِّ المرويِّ في السَّند: «ولكن تلقى يساره إذا كان فارغًا» (٤) (أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) اليسرى في غير المسجد، أمَّا في المسجد ففي ثوبه، لأنَّه قد قال: إنَّه خطيئةٌ، فلم يأذن فيه، فلو تعذَّر في جهة اليسار لوجود مصلٍّ فيها بصق تحت قدمه أو في ثوبه (فَيَدْفِنُهَا) بالرَّفع (٥)، وهو الَّذي في الفرع خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: فهو يدفنها، وبالنَّصب جواب الأمر، وبالجزم عطفًا على الأمر، أي: فيغيِّبُ البصقة بالتَّعميق في باطن أرض المسجد إذا كانت غير متنجِّسةٍ بحيث يأمن الجالس عليها (٦) من الإيذاء، فلو كان المسجد غير ترابيٍّ فليدلكها بشيءٍ حتَّى يذهب أثرها البتَّة (٧). ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاريٍّ وصنعانيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة.
стр. 1484
(٣٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَدَرَهُ) أي: غلب على المصلِّي (البُزَاقُ) بالزَّاي، ولم يقدر على دفعه (فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ) وقد أنكر الشَّمس السَّروجيُّ أن يُقال: بدره، بل بدرت إليه وبادرته (٢)، وأجاب الزَّركشيُّ والبرماويُّ والدَّمامينيُّ وابن حجرٍ نصرةً للمؤلِّف بأنَّه من باب المغالبة، أي: بادر البزاق فبدره، أي: غلبه (٣) في السَّبق، قال الدَّمامينيُّ: وهذا غير منكرٍ، وتعقَّب العينيُّ ذلك على ابن حجرٍ -كعادته- فقال: هذا كلام من لم يمسَّ شيئًا من علم التَّصريف، فإنَّ
стр. 1485
في المغالبة يقال: بادرني فبادرته (١)، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني، والفعل اللَّازم في باب المُغالَبة يُجعَل متعدِّيًا بلا حرف صلةٍ، يقال: كارمني فكرمته، وليس هنا باب المغالبة حتَّى يقال: بدره. انتهى.
٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) النَّهديُّ (٢) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتَّصغير، ابن معاوية الكوفيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ: «عن أنس ابن مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ) أي: في جهة حائطها (فَحَكَّهَا بِيَدِهِ) الشَّريفة (٣)، بالكاف، أي: النُّخامة، وللأَصيليِّ: «فحكَّه» أي: أثر النُّخامة أو البصاق (وَرُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ ثمَّ ياءٍ مفتوحةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «ورِيْءَ» بكسر الرَّاء ثمَّ ياءٍ ساكنةٍ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ (مِنْهُ) ﵊ (كَرَاهِيَةٌ -أَوْ رُئِيَ) بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ مكسورةٍ فياءٍ (٤) مفتوحةٍ (كَرَاهِيَتُهُ) ﵊ (لِذَلِكَ) أي: الفعل، والشَّكُّ من الرَّواي، و «كراهيَّةٌ» (٥): مرفوعٌ بـ «رُئِيَ» المبنيِّ للمفعول (وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ-) رُفِعَ عطفًا على «كراهيته»، أو جُرَّ عطفًا على قوله: «لذلك» (وَقَالَ) ﵊: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) بكلامه وذكره، ويناجيه ربُّه بلازم ذلك من إرادة الخير، قال النَّوويُّ: وهو إشارةٌ لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى (أَوْ رَبُّهُ) تعالى مبتدأٌ خبرُه: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) والجملة عطفٌ على الجملة
стр. 1486
الفعليَّة الَّتي (١) قبلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «وبين القبلة» (٢) وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محالٌ لتنزيه الرَّبِّ تعالى عن المكان، فيجب تأويله بنحو ما مرَّ في «باب حكِّ البزاق باليد» [خ¦٤٠٥] (فَلَا يَبْزُقَنَّ) أحدكم (فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ) أي (٣): (قَدَمِهِ) اليسرى (ثُمَّ أَخَذَ) ﵊ (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ) بالزَّاي (وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ) ﵊، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال»: (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا).
فإن قلت: ليس في الحديث مطابقةٌ للتَّرجمة لأنَّه لم يذكر في الحديث: بدره البزاق، أُجيب بأنَّه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث عند مسلمٍ من حديث جابرٍ، فإن عجلت به بادرةٌ فليقل بثوبه هكذا، ثمَّ طوى بعضه على بعضٍ.
واستُنبِط من الحديث: أنَّ على الإمام النَّظر في أحوال المساجد وتعاهدها ليصونها عن المؤذيات، وأنَّ البصق في الصَّلاة والنَّفخ والتَّنحنح غير مفسدٍ لها، لكنَّ الأصحَّ عند الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ التَّنحنح والنَّفخ إن ظهر من كلٍّ منهما حرفان، أو حرفٌ مفهمٌ كَـ «قِ» من الوقاية، أو مَدَّةٌ بعد حرفٍ بطلت الصَّلاة، وإِلَّا فلا تبطل مطلقًا لأنَّه ليس من جنس الكلام، وعن (٤) أبي حنيفة ومحمَّدٍ: تبطل بظهور ثلاثة أحرفٍ، والله أعلم (٥).
стр. 1487
(٤٠) (بابُ عِظَةِ الإِمَامِ) أي: وعظه (النَّاسَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (فِي) أي: بسبب ترك (إِتْمَامِ الصَّلَاةِ، وَذِكْرِ القِبْلَةِ) بجرِّ «ذكر» عطفًا على «عظة».
٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الدِّمشقيُّ الأصل (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وتخفيف النُّون، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي الوقت: «عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ قَالَ: هَلْ تَرَوْنَ؟!) بفتح التَّاء، والاستفهام إنكاريٌّ، أي: أتحسبون (قِبْلَتِي هَهُنَا) وأنَّني لا أرى (١) إِلَّا ما في هذه الجهة؟! (فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ) أي: في جميع الأركان، أو المراد: في سجودكم؛ لأنَّ فيه غاية الخشوع، وبالسُّجود صُرِّح في «مسلمٍ» (وَلَا) يخفى عليَّ (رُكُوعُكُمْ) إذا كنت في الصَّلاة مستدبرًا لكم فرؤيتي لا تختصُّ بجهة قبلتي هذه، وإذا قلنا: إنَّ الخشوع المراد به الأعمّ، فيكون ذكر الرُّكوع بعده من باب ذكر الأخصِّ بعد الأعمِّ (إِنِّي لأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة، بدلٌ من جواب القسم وهو قوله: «ما يخفى … » إلى آخره، أو بيانٌ له (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) رؤيةٌ حقيقيَّةٌ (٢) أختصُّ بها عليكم، والرُّؤية لا يُشتَرط لها (٣) مواجهةٌ ولا مقابلةٌ،
стр. 1488
وإنَّما تلك (١) أمورٌ عاديَّةٌ يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، أو كانت له ﵊ عينان بين كتفيه مثل سمِّ الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثِّياب، أو غير ذلك ممَّا ذكرته في «المواهب اللُّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة»، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظِيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف المُهمَلة ثمَّ مُعجمَةٍ، الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وقد جاوز السَّبعين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين ومئةٍ (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁ (قَالَ: صَلَّى بِنَا) بالمُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «صلَّى لنا» أي: لأجلنا (النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ صَلَاةً) بالتَّنكير للإبهام (ثُمَّ رَقِيَ) بفتح الرَّاء وكسر القاف
стр. 1489
وفتح الياء، ويجوز فتح القاف على لغة طيءٍ، أي: صعد (المِنْبَرَ) بكسر الميم (فَقَالَ فِي) شأن (الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ) أي: من أمامي، وأفرد الرُّكوع بالذِّكر اهتمامًا به لكونه أعظم الأركان؛ لأنَّ المسبوق يدرك الرَّكعة بتمامها بإدراكه الركوع، أو لكون التَّقصير كان فيه أكثر، وإطلاق الرُّؤية من ورائه (١) يقتضي عمومه في الصَّلاة وغيرها. نعم السِّياق يقتضي أنَّ ذلك في الصَّلاة فقط، والكاف في «كما أراكم» للتَّشبيه، فالمُشبَّه به (٢) الرُّؤية المُقيَّدة بالقدَّام، والمُشبَّه المُقيَّدة بالوراء.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «الرِّقاق» [خ¦٦٦٤٤] أيضًا.
(٤١) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) أي: هل يجوز أن يُضَاف مسجدٌ من المساجد إلى بانيه، أو ملازم الصَّلاة فيه، أو نحو ذلك، فيقال: (مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ) والجمهور على الجواز خلافًا لإبراهيم النَّخعيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وحديث الباب يردُّ عليه، وأُجيب عن الآية: بحمل الإضافة فيها إلى الله تعالى على الحقيقة، وإلى غيره على سبيل المجاز للتَّمييز والتَّعريف لا للمُلْك.
стр. 1490
٤٢٠ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ (٢): أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (٣) ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: ضُمرَت بأن أُدخِلت في بيتٍ وجُلِّل عليها بجُلٍّ ليكثر (٤) عرقها، فيذهب رهلها (٥)، ويقوى لحمها ويشتدَّ جريها، وقِيل غير ذلك ممَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- في محلِّه، وكان فرسه الَّذي سابق به يُسمَّى: السَّكْب -بالكاف- وهو أوَّل فرس ملكه، وكانت المسابقة (مِنَ الحَفْيَاءِ) بفتح المهملة وسكون الفاء مع المدِّ، قال السَّفاقسيُّ: وربَّما قُرِئ
стр. 1491
بضمِّ الحاء مع القصر، وهو موضعٌ بقرب المدينة (وَأَمَدُهَا) بفتح الهمزة والميم، أي: غايتها (ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ) بالمُثلَّثة، وبينها وبين الحفياء خمسةُ أميالٍ أو ستَّةٌ أو سبعةٌ (وَسَابَقَ) ﵊ (بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ) بفتح الضَّاد المُعجمَة وتشديد الميم المفتوحة، وفي روايةٍ: «لم تُضْمَر» بسكون الضَّاد وتخفيف الميم (مِنَ الثَّنِيَّةِ) المذكورة (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) بضمِّ الزَّاي المُعجمَة وفتح الرَّاء وسكن المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره قافٌ، ابن عامر، وإضافةُ المسجد إليهم إضافةُ تمييزٍ لا ملكٍ (١) -كما مرَّ- (٢) (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا) أي: بالخيل أو بهذه المسابقة، وهذا الكلام إمَّا من قول ابن عمر عن نفسه، كما تقول عن نفسك: العبد فعل كذا (٣)، أو هو من (٤) مقول نافعٍ الرَّاوي عنه، واستُنبِط منه: مشروعيَّة تضمير الخيل وتمرينها على الجري وإعدادها لإعزاز كلمة الله تعالى ونصرة دينه، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (٥) الآيةَ [الأنفال: ٦٠] وجواز إضافة أعمال البِّر إلى أربابها ونسبتها إليهم، ولا يكون ذلك تزكيةً لهم.
وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «المغازي» [خ¦٢٨٦٨]، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الخيل».
(٤٢) (بابُ القِسْمَةِ) للشَّيء (وَتَعْلِيقِ القِنْوِ) بكسر القاف وسكون النُّون (فِي المَسْجِدِ) اللَّام للجنس، والجارُّ متعلِّقٌ بقوله: «القسمة» و «تعليق».
стр. 1492
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ ﵀: (القِنْوُ) هو (العِذْقُ) بكسر المهملة وسكون المعجمة، وهي الكِبَاسة بشماريخه وبُسْرِه، وأمَّا بفتح العين المهملة (١) فالنَّخلة (وَالاِثْنَانِ قِنْوَانِ) كـ «فعلان» بكسر الفاء والنُّون (وَالجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ) بالرَّفع والتَّنوين، وبه يتميَّز عن المثنَّى كثبوت نونه عند إضافته بخلاف المُثنَّى فتُحذَف (مِثْلَ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ) في الحركات والسَّكنات والتَّثنية والجمع، والصَّاد فيهما ههنا (٢) مكسورةٌ، وهو أن تبرز نخلتان أو ثلاثةٌ من أصلٍ واحدٍ، فكلُّ واحدةٍ (٣) منهنَّ صنْوٌ واحدٌ، والاثنان صِنْوانِ بكسر النُّون، والجمع:
стр. 1493
صِنْوانٌ بإعرابها، ولم يذكر المؤلِّف جمعه لظهوره من الأوَّل، وهذا التَّفسير من قوله: «قال … » إلى آخره ثابتٌ عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت، ساقطٌ لغيرهم (١).
٤٢١ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) يعني: (ابن طَهْمَان) بفتح الطَّاء المُهمَلة وسكون الهاء، ابن شعبة الخراسانيُّ، وسقط اسم أبيه في رواية الأربعة، وإثباته هو الصَّواب -كما قاله ابن حجرٍ- ليزول (٢) الاشتباه، وقد وصله أبو نُعيمٍ في «المستخرج»، والحاكم في «المستدرك» من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله النَّيسابوريِّ عن إبراهيم بن طَهْمان (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد وفتح الهاء (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ همزة (٣) «أُتِي» مبنيًّا للمفعول (بِمَالٍ) وكان مئة ألفٍ كما عند ابن أبي شيبة من طريق حُمَيْدٍ مُرسَلًا، وكان خراجًا (٤) (مِنَ البَحْرَيْنِ)
стр. 1494
بلدةٌ بين البصرة وعُمَان (فَقَالَ) ﵊: (انْثُرُوهُ) بالمُثلَّثة، أي: صبُّوه (فِي المَسْجِدِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ) أي: إلى المال (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ) منه (إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ) عمُّه ﵁، قال في «المصابيح»: المعنى -والله أعلم-: فبينما هو على ذلك إذ جاءه العبَّاس (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي) مِنْهُ (فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي) يوم بدرٍ (وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين المُهمَلة (١) وكسر القاف، ابن أخي، أي: حين أسرنا يوم بدرٍ (فَقَالَ لَهُ) أي: للعبَّاس (رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذْ، فَحَثَا) بالمهملة والمُثلَّثة، من الحثية، وهي ملء اليد (فِي ثَوْبِهِ) أي: حثى العبَّاس في ثوب نفسه (ثُمَّ ذَهَبَ) ﵁ (يُقِلُّهُ) بضمِّ الياء، أي: يرفعه (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) حمله (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ) بياء المضارعة والجزم، جوابًا للأمر، أي: فإن تأمره يرفعه، أو بالرَّفع استئنافًا، أي: هو يرفعه، والضَّمير المستتر فيه
стр. 1495
يرجع إلى البعض، والبارز إلى المال الَّذي حثاه في ثوبه، واُؤْمر: بهمزةٍ مضمومة فأخرى ساكنةٍ، وتُحذَف الأولى عند الوصل، وتصير الثَّانية ساكنةً، وهذا جارٍ على الأصل، وللأَصيليِّ: «مُرْ» على وزن (١) «عُلْ» فحُذِف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أوَّل كلمةٍ، وهو مؤدٍّ إلى الاستثقال، فصار: اُمُرْ، فاستُغنِي عن همزة الوصل لتحرُّك ما بعدها فحُذِفت، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «برفعه» بالمُوحَّدة المكسورة وسكون الفاء (قَالَ) ﵊: (لَا) آمر أحدًا يرفعه (قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: لَا) أرفعه، وإنَّما فعل ﵇ ذلك معه؛ تنبيهًا له على الاقتصاد، وترك الاستكثار من المال (فَنَثَرَ) العبَّاس (مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ) فلم يقدر أن (٢) (يُقِلّهُ) أي (٣): فلم يستطع حمله (فَقَالَ) العبَّاس: (يَا رَسُولَ اللهِ، اُؤْمُرْ) وللأَصيليِّ: «مُرْ» (بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عليَّ) بالجزم أو الرَّفع (قَالَ: لَا) آمر (قَالَ) سقط لفظ «قال» لغير الأربعة (٤): (فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ) ﵊: (لَا) أرفعه (فَنَثَرَ مِنْهُ) العبَّاس (ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ) ما بين كتفيه (ثُمَّ انْطَلَقَ) ﵁ (فَمَا زَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُتْبِعُهُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه من الإتباع، أي: مازال النَّبيُّ ﷺ يتبع العبَّاس (بَصَرَهُ حَتَّى خَفِي عَلَيْنَا عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ) بفتح العين والنَّصب مفعولًا مطلقًا (فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من ذلك المجلس (وَثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، أي: وهناك (مِنْهَا) أي: من الدَّراهم (دِرْهَمٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مبتدأٍ مُؤخَّرٍ، وهو «درهمٌ» وخبره: «منها» ومرادُه: نفيُ أن يكون هناك درهمٌ، فالحالُ قيدٌ للمنفيِّ لا للنَّفي، فالمجموع منتفٍ بانتفاء
стр. 1496
القيد لانتفاء المُقيَّد، وإن كان ظاهره نفي القيام حالة ثبوت الدَّراهم (١)، قاله البرماويُّ، والعينيُّ نحوه، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا في تعليق القِنْو، لكن قال ابن المُلقِّن: أخذه من جواز وضع المال في المسجد بجامع أنَّ كلًّا منهما وُضِع لأخذ المحتاجين منه (٢)، وأشار بذلك إلى حديث عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ عند النَّسائيِّ بإسنادٍ (٣) قويٍّ: «أنَّه ﷺ خرج وبيده عصًا، وقد علَّق رجلٌ قِنْو حَشَفٍ، فجعل يطعن في ذلك القِنْوِ ويقول: لو شاء ربُّ هذه الصَّدقة لتصدَّق بأطيبَ من هذا» وليس على شرطه.
(٤٣) (بابُ مَنْ دَعَا) بفتح الدَّال والعين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «من دُعي» بضمِّ الدَّال وكسر العين (لِطَعَامٍ فِي المَسْجِدِ) الجارُّ متعلِّقٌ بـ «دعا»، وعُدِّي «دعا» هنا باللَّام؛ لإرادة الاختصاص، فإذا أُرِيد الانتهاء عُدِّي بـ «إلى» نحو: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أو معنى الطَّلب عُدِّي بالباء، نحو: دعا هِرَقْل بكتاب رسول الله ﷺ ، فتختلف صلة الفعل بحسب اختلاف (٤) المعاني المرادة (وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ) أي: في المسجد، وللأربعة: «منه» بدل «فيه»، فـ «من» للابتداء، والضَّمير للـ «مسجد»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة» (٥): «إليه» أي: إلى (٦) الطَّعام.
стр. 1497
٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طلحة» كما في الفرع وأصله (١)، وهو ابن أخي أنسٍ لأمِّه (سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «أنَّه سمع» (أَنَسًا) وفي روايةٍ: «أنس بن مالك ﵁».
(وَجَدْتُ) أي: يقول: وجدت، ولابن عساكر: «قال: وجدت» أي: أصبت (النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (٢) حال كونه (مَعَهُ نَاسٌ) ولأبي الوقت: «ومعه» بالواو (فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي) ﷺ : (أأرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) زيد بن سهلٍ، أحد النُّقباء ليلة العقبة، زوج أمِّ أنسٍّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصحِّ، وقول ابن الملقِّن: آرسلك، بالمدِّ، وهو علمٌ من أعلام نبوَّته لأنَّ أبا طلحة أرسله بغتةً، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا يظهر هذا (٣) مع وجود الاستفهام إذ ليس فيه إخبارٌ البتَّة، وفي بعض الأصول: «أرسلك» بغير همزة الاستفهام (قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقلت»: (نَعَمْ) أرسلني (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (لِطَعَامٍ؟) بالتَّنكير، وفي روايةٍ: «للطَّعام» (قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ) بفاءٍ قبل القاف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال» (لِمَنْ معه) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «لمن حَوْلَهُ» بالنَّصب
стр. 1498
على الظَّرفيَّة، أي: لمن كان حوله: (قُومُوا، فَانْطَلَقَ) ﵊ إلى بيت أبي طلحة، وفي بعض الأصول: «فانطلقوا» أي: النَّبيُّ ﷺ ومن معه (وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ).
وهذا الحديث أخرجه في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٨]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» و «الأطعمة»، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٤٤) (بابُ) حكم (القَضَاءِ وَ) حكم (اللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ) زاد في غير رواية المُستملي: (بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) وهو الَّذي في الفرع وأصله (١) من غير عَزْوٍ، وسقطت في رواية المُستملي إذ هي حشوٌ -كما لا يخفى- وقوله: «واللِّعان» بعد قوله: «القضاء» من عطف الخاصِّ على العامِّ لأنَّ القضاء أعمُّ من أن يكون في اللِّعان وغيره، وسُمِّي لِعانًا لأنَّ فيه لعن نفسه في الخامسة، فهو من باب تسمية الكلِّ باسم البعض.
٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) الخَتِّيُّ (٢)، بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يحيى بن موسى» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وللأصيلِيِّ: «أخبرنا» (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديِّ الخزرجيِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) هو عويمر بن عامرٍ العجلانيُّ، أو هلال بن أميَّة، أو سعد بن عبادة، وتُعقِّب بأنَّ هذا الحديث فيه: «فتلاعنا» ولم يتَّفق لسعدٍ ذلك، أو هو عاصمٌ العجلانيُّ،
стр. 1499
وتُعقِّب أيضًا بأنَّ عاصمًا رسولُ هذه الواقعة لا سائلٌ لنفسه لأنَّ عويمرًا قال له: سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ ، فجاء عاصمٌ فسأل، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، فجاء عويمرٌ بعد ذلك وسأل لنفسه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) أي: يزني بها (أَيَقْتُلُهُ) أم كيف يفعل؟ فأنزل الله تعالى في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النَّبيُّ (١) ﷺ : «قد قضى الله فيك وفي امرأتك» قال: (فَتَلَاعَنَا) أي: الرَّجل والمرأة
стр. 1500
اللِّعان المذكور في سورة «النُّور» (فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ) وهذا (١) الحديث أورده المؤلِّف هنا مختصرًا لينبِّه على جواز القضاء في المسجد، وهو جائزٌ عند عامَّة الأئمَّة، وعن (٢) مالكٍ أنَّه من الأمر القديم المعمول به، وعن ابن المُسيَّب كراهته، وعن الشَّافعيِّ كراهته إذا أعدَّه لذلك دون ما إذا اتَّفقت له فيه (٣) حكومةٌ، وتأتي بقيَّة مباحث الحديث إن شاء الله تعالى في «كتاب اللِّعان» [خ¦٥٣٠٩] بحول الله وقوَّته.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بلخيٍّ وصنعانيٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥٩] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٠٤] و «الأحكام» [خ¦٧١٦٦] و «المحاربين» [خ¦٦٨٥٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٦]، ومسلمٌ في «اللِّعان» وأبو داود في «الطَّلاق»، وكذلك النَّسائيُّ وابن ماجه.
(٤٥) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا دَخَلَ) الرَّجل (بَيْتًا) لغيره بإذنه هل له أن (يُصَلِّي) فيه (حَيْثُ شَاءَ) اكتفاءً بالإذن العامِّ في الدُّخول (٥) (أَوْ) يصلِّي (حَيْثُ أُمِرَ) لأنَّه ﵊ استأذن في موضع الصَّلاة، ولم يصلِّ حيث شاء، كما في حديث الباب، وحينئذٍ فيبطل حكم: «حيث شاء» ويؤيِّده قوله: (وَلَا يَتَجَسَّسُ) بالجيم أو الحاء المُهمَلة، وبالضَّمِّ أو بالجزم، أي: ولا يتفحَّص موضعًا يصلِّي فيه، لكن قال ابن المُنَيِّر: والظَّاهر الأوَّل، وإنَّما استأذن ﵊ لأنَّه دُعِيَ إلى الصَّلاة ليتبرَّك صاحب البيت بمكان صلاته، فسأله ﵊ ليصلِّي في البقعة الَّتي يحبُّ تخصيصها بذلك، وأمَّا من
стр. 1501
صلَّى لنفسه فهو على عموم الإذن (١)، إِلَّا أن يخصِّص صاحب البيت ذلك العموم فيختصُّ به (٢).
٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، سبط عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، وفي مُسنَد أبي داود الطَّيالسيِّ: التَّصريحُ بسماع إبراهيم بن سعدٍ له من (٣) ابن شهابٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء، الخزرجيِّ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ، وللمؤلِّف من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه قال: أخبرني محمودٌ (عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين وضمِّها، الأنصاريِّ السَّالميِّ المدنيِّ الأعمى، وصرَّح في رواية يعقوب بسماع محمودٍ من عِتْبان (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ: «أنّ رسول الله» (¬ ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ) يوم السَّبت، ومعه أبو بكرٍ الصِّدِّيق (٤) وعمر كما عند «الطَّبرانيِّ»، وفي لفظ: «أنَّ عِتْبان لقي النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي أحبُّ أن تأتيني»، وعند ابن حبَّان «في صحيحه» (٥) من حديث أبي هريرة: «أنَّ رجلًا من الأنصار»، وفيه: «وذلك بعد ما عَمِيَ» (فَقَالَ) ﷺ : (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة» (٦): «في بيتك» والإضافة في «لك» (٧) باعتبار الموضع المخصوص، وإِلَّا فالصَّلاة لله (قَالَ) عِتْبان: (فَأَشَرْتُ لَهُ) ﵊ (إِلَى مَكَانٍ)
стр. 1502
من بيتي (فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) تكبيرة الإحرام (وَصَفَفْنَا) بالواو (١)، أي: جعلنا صفًّا (خَلْفَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «فصففنا» بالفاء بدل الواو (٢)، ولأبي ذَرٍّ أيضًا وابن عساكر: «وصفَّنا» بالواو والإدغام (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٣] و «المغازي» [خ¦٤٠٠٩] و «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٣٨] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٠١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» و (٣) «الإيمان»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».
(٤٦) (بابُ) اتِّخاذ (المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ، وَصَلَّى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﵁ (فِي مَسْجِدِهِ) وللأربعة: «في مسجد» (فِي دَارِهِ جَمَاعَةً) كما رواه ابن أبي شيبة بمعناه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «في داره في جماعةٍ».
стр. 1503
٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، نسبه إلى جدِّه لشهرته به (١)، وأبوه كَثِيرٌ، وعين «سعيد» مكسورةٌ، وهو مصريٌّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) الأعمى، وعين «عِتبان» بالكسر والضَّمِّ، وعند أبي عَوانة من رواية الأوزاعيِّ عن ابن شهابٍ التَّصريح بتحديث (٢) عِتْبان لمحمودٍ، كما عند المؤلِّف التَّصريح بسماع محمودٍ من عِتْبان (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ) ﵃ (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ) ولـ «مسلمٍ»: أنَّه بعث إلى رسول الله (¬ ﷺ ¬) وجمع بينهما بأنَّه جاء إليه مرَّةً بنفسه، وبعث إليه أخرى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) أراد به: ضعف بصره كما لـ «مسلمٍ»، أو عَمَاه كما عند غيره، والأَوْلى أن يكون أطلق العمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصِّحَّة (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) أي: لأجلهم، يعني (٣): أنَّه كان يؤمُّهم (فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ) أي: وُجِدت (سَالَ) الماء في (الوَادِي الَّذِي بَيْنِي
стр. 1504
وَبَيْنَهُمْ) فيحول بيني وبين الصَّلاة معهم لأنِّي (لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ) ولابن عساكر: «المسجد» (فَأُصَلِّيَ بِهِمْ) بالمُوحَّدة، ونُصِب «أصلِّيَ» عطفًا على «آتي»، وللأَصيليِّ: «فأصلّي لهم» أي: لأجلهم (وَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، أي: تمنَّيت (يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ) بالسُّكون أو بالنَّصب كما في الفرع وأصله (١) جوابًا للتَّمنِّي (فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَُهُ مُصَلًّى) برفع «فأتَّخذُه» على الاستئناف، أو بالنَّصب أيضًا -كما في الفرع وأصله (٢) - عطفًا على الفعل (٣) المنصوب، كذا قرَّره الزَّركشيُّ وغيره (٤)، وتعقَّبه البدر (٥) الدَّمامينيُّ فقال: إن ثبتت الرِّواية بالنَّصب فالفعل منصوبٌ بـ «أنْ» مُضمَرةً، وإضمارها هنا جائزٌ لا لازمٌ، وأنْ والفعل بتقدير مصدرٍ معطوفٍ على المصدر المسبوك من «أنَّك تأتيني» أي: وددت إتيانك فصلاتك (٦) فاتِّخاذي مكان صلاتك مُصلًّى، وهذا ليس في شيءٍ من جواب التَّمنِّي الَّذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت «أنْ» هنا لم يمتنع، وهناك يمتنع، ولو رُفِع «تصلِّي» (٧) وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدِّم، وهو (٨) قولك: «تأتيني» لَصَحَّ، والمعنى بحاله. انتهى.
(قَالَ) الرَّاوي: (فَقَالَ لَهُ) أي: لعِتْبان (رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَأَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) علَّقه بمشيئة الله تعالى لآية الكهف، لا لمُجرَّد التَّبرُّك لأنَّ ذاك حيث كان الشَّيء مجزومًا به، قاله
стр. 1505
البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وجوَّز العينيُّ -كابن حجرٍ- كونه للتَّبرُّك لأنَّ اطِّلاعه ﷺ بالوحي على الجزم بأنَّ ذلك سيقع غير مُستبعَدٍ.
(قَالَ عِتْبَانُ) يحتمل أن يكون محمودٌ أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك لطول الحديث (فَغَدَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «فغدا عليَّ رسول الله» (¬ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁. زاد الإسماعيليُّ: «بالغد» وللطَّبرانيِّ: أنَّ السُّؤال كان يوم الجمعة، والمجيء إليه يوم السَّبت (حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في الدُّخول (فَأَذِنْتُ لَهُ) وفي رواية الأوزاعيِّ: «فاستأذنَا فأذنت لهما» أي: للنَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ، وفي رواية أبي أُويسٍ: ومعه أبو بكرٍ وعمر، ولـ «مسلمٍ» من طريق أنسٍ عن عِتْبان: فأتاني ومَن شاء الله من أصحابه، وجُمِع بينهما بأنَّه كان عند ابتداء التَّوجُّه هو وأبو بكرٍ، ثم عند الدُّخول اجتمع عمر وغيره، فدخلوا معه ﵊ (فَلَمْ يَجْلِسْ) ﵊ (حِينَ دَخَلَ البَيْتَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى دخل» أي: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتَّى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه (ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «في بيتك» (قَالَ) عِتْبان: (فَأَشَرْتُ لَهُ) ﵊ (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ) يصلِّي فيها (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا) بالفكِّ للأربعة، و «نا» فاعلٌ، ولغيرهم: «فَصَفَّنَا» بالإدغام و «نا»: مفعولٌ (فَصَلَّى) ﵊ (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ) من الصَّلاة. واستُنْبِط منه: مشروعيَّة صلاة النَّافلة في جماعةٍ بالنَّهار. (قَالَ) عِتبان: (وَحَبَسْنَاهُ) أي: منعناه بعد الصَّلاة عن (١) الرُّجوع (عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء آخره هاء (٢) تأنيثٍ،
стр. 1506
لحمٌ يُقطَع (١) صغارًا يُطبَخ بماءٍ، يُذرُّ عليه بعد النُّضج من دقيقٍ، وإن عَرَتْ عن اللَّحم فَعَصِيدَةٌ، وقال النَّضر: هي من (٢) النُّخَالة والحَرِيرَة، بالمُهمَلات: دقيقٌ يُطبَخ بلبنٍ (قَالَ) عِتْبان: (فَثَابَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة بينهما ألفٌ، أي: جاء (فِي البَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي: المحلَّة (ذَوُو عَدَدٍ) بعضهم إثر بعض لمَّا سمعوا بقدومه ﵊ (فَاجْتَمَعُوا) «الفاء» للعطف، ومن ثمَّ لا يحسن تفسير: «ثاب رجالٌ» بـ «اجتمعوا» لأنَّه يلزم منه عطف الشَّيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأَوْلى تفسيره بـ «جاء بعضهم إثر بعض» كما مرَّ، ونبَّه عليه في «المصابيح» (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وفتح الخاء المُعجمَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الشِّين المُعجمَة آخره نونٌ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «الدُّخَيْش» بغير نونٍ (٣) (أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟) بضمِّ أوَّله وثالثه وسكون ثانيه، شكَّ الرَّاوي هل هو مُصغَّرٌ أو مُكبَّرٌ؟ لكن عند المؤلِّف ﵀ في «المحاربين» [خ¦٦٥٣٩] من رواية مَعْمَرٍ، مُكبَّرًا من غير شكٍّ، وفي رواية لـ «مسلمٍ»: الدُّخشم، بالميم، ونقل الطَّبرانيُّ عن أحمد بن صالحٍ أنَّه الصَّواب (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: هو عِتْبان بن مالكٍ راوي الحديث: (ذَلِكَ) باللَّام، أي: ابن الدُّخَيْشِن، أو ابن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخشم (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ) لكونه يودُّ (٤) أهل النِّفاق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) رادًّا على القائل مقالته هذه:
(لَا تَقُلْ ذَلِكَ) عنه (أَلَا تَرَاهُ) بفتح المُثنَّاة (قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع قول محمَّدٍ رسول الله (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟!) أي: ذات الله تعالى، فانتفت عنه الظُّنَّة (٥) بشهادة الرَّسول له بالإخلاص، ولله المنَّة ولرسوله (قَالَ) القائل: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك، وعند مسلمٍ: «أليس
стр. 1507
يشهد أن لا إله إِلَّا الله» وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولذا (قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ) أي: توجُّهه (وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي) أي: يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ) ، إذا أدَّى الفرائض واجتنب المناهي، وإِلَّا فمجرَّد التَّلفُّظ بكلمة الإخلاص لا يُحرَّم (١) على النَّار لما ثبت من دخول أهل المعاصي فيها، أو المراد من التَّحريم هنا: تحريم التَّخليد جمعًا بين الأدلَّة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، أي: بالسَّند الماضي: (ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة» (٢): «ثمَّ سألت بعد ذلك الحصين» (بْنَ مُحَمَّدٍ) بحاءٍ مضمومةٍ وصادٍ مفتوحةٍ مهملتين ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، وضبطه القابسيُّ بضادٍ مُعجمَةٍ، وغلَّطوه (الأَنْصَارِيَّ) المدنيَّ، من ثقات التَّابعين (وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السِّين المُهمَلة، أي: خيارهم (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) ولابن عساكر زيادة: «الأنصاريِّ» (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي: بالحديث المذكور.
(٤٧) (بابُ التَّيَمُّنِ) أي: البداءة باليمين (فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) أي: غير الدُّخول، أو غير
стр. 1508
المسجد كالبيت (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا دخل المسجد (يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ) منه (بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى) قال الحافظ (١) ابن حجرٍ: ولم أره -أي: هذا الأثر- موصولًا عنه، أي: عن ابن عمر.
٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بالمُعجمَة ثمَّ المُهمَلة ثمَّ المُثلَّثة (بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيْمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أي: البداءة باليمين (مَا اسْتَطَاعَ) أي: مادام مستطيعًا، واحترز به عمَّا لا يُستطاع فيه التَّيمُّن شرعًا: كالخروج من المسجد، والدُّخول للخلاء، وتعاطي المستقذرات كالاستنجاء والتَّمخُّط، أو «ما»: موصولةٌ، بدلٌ من «التَّيمُّن»، و «المحبَّة» وإن كانت من الأمور الباطنة فلعلَّها فهمت بالقرائن حبَّه لذلك، أو أخبرها ﵊ به (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء، أي: طهره (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) بالجيم (وَ) في (تَنَعُّلِهِ) بتشديد العين، أي: تمشيطه الشَّعر ولبسه النَّعل، وعمَّ (٣) بقوله: «في شأنه كلِّه» ثمَّ خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر اهتمامًا بشأنها (٤)،
стр. 1509
والجارُّ وتاليه بدلٌ من «شأنه» بدل البعض من الكلِّ، و «في شأنه»: متعلِّقٌ بـ «التَّيمُّن»، أو بالمحبَّة، أو بهما، فيكون من باب التَّنازع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١]، وكذا (١) أخرجه غيره -كما مرَّ- في «باب التَّيمُّن في الوضوء والغسل» [خ¦١٦٨].
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ) الاستفهام للتَّقريرِ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أي: يجوز نبشها لأنَّه لا حرمة لهم (وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ؟) بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ «يُتَّخَذ» المبنيَّ للمفعول، و «مكانَها»: المفعول الأوَّل، وهو مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل، وفي روايةٍ: «مساجدُ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل في «يُتَّخَذ»، و «مكانَها»
стр. 1510
نُصِب على الظَّرفيَّة، فـ «يُتَّخذ» متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ) أي: لأجل قوله (¬ ﷺ ¬) الموصول عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٤١]، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ) أي لأجل كونهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) سواء نُبِشت -لما فيه من الاستهانة- أو لم تُنبَش لِمَا فيه (١) من المغالاة في التَّعظيم بعبادة قبورهم والسُّجود لها، وكلاهما مذمومٌ، ويلتحق بهم (٢) أتباعهم، وحينئذٍ فيجوز (٣) نبش قبور المشركين الَّذين لا ذمَّة لهم، واتِّخاذ المساجد مكانها (٤) لانتفاء العلَّتين المذكورتين إذ لا حرج في استهانتها بالنَّبش واتِّخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا لها، وإنَّما هومن قبيل تبديل السَّيِّئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله ﵊ في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده (٥) مكانها، وبين لعنه ﵊ مَنِ اتَّخذ قبور الأنبياء مساجد لِمَا ذكر من الفرق.
وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود، فيكون قوله: «اتَّخذوا قبور أنبيائهم (٦) مساجد» واضحًا، فإنَّ النَّصارى لا يزعمون نبوَّة عيسى، بل يدَّعون فيه (٧) إمَّا (٨) أنَّه ابنٌ، أو إلهٌ، أو غير ذلك على اختلاف مِلَلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وأمَّا (٩) من قال منهم: إنَّه قُتِل فلهم (١٠) في ذلك كلامٌ مشهورٌ في موضعه، فتُشكِل حينئذٍ الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي لباب «الصَّلاة في البيعة» [خ¦٤٣٥] وفي أواخر (١١) «المغازي» [خ¦٤٤٤١] بلفظ: