لحمٌ يُقطَع (١) صغارًا يُطبَخ بماءٍ، يُذرُّ عليه بعد النُّضج من دقيقٍ، وإن عَرَتْ عن اللَّحم فَعَصِيدَةٌ، وقال النَّضر: هي من (٢) النُّخَالة والحَرِيرَة، بالمُهمَلات: دقيقٌ يُطبَخ بلبنٍ (قَالَ) عِتْبان: (فَثَابَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة بينهما ألفٌ، أي: جاء (فِي البَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي: المحلَّة (ذَوُو عَدَدٍ) بعضهم إثر بعض لمَّا سمعوا بقدومه ﵊ (فَاجْتَمَعُوا) «الفاء» للعطف، ومن ثمَّ لا يحسن تفسير: «ثاب رجالٌ» بـ «اجتمعوا» لأنَّه يلزم منه عطف الشَّيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأَوْلى تفسيره بـ «جاء بعضهم إثر بعض» كما مرَّ، ونبَّه عليه في «المصابيح» (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وفتح الخاء المُعجمَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الشِّين المُعجمَة آخره نونٌ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «الدُّخَيْش» بغير نونٍ (٣) (أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟) بضمِّ أوَّله وثالثه وسكون ثانيه، شكَّ الرَّاوي هل هو مُصغَّرٌ أو مُكبَّرٌ؟ لكن عند المؤلِّف ﵀ في «المحاربين» [خ¦٦٥٣٩] من رواية مَعْمَرٍ، مُكبَّرًا من غير شكٍّ، وفي رواية لـ «مسلمٍ»: الدُّخشم، بالميم، ونقل الطَّبرانيُّ عن أحمد بن صالحٍ أنَّه الصَّواب (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: هو عِتْبان بن مالكٍ راوي الحديث: (ذَلِكَ) باللَّام، أي: ابن الدُّخَيْشِن، أو ابن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخشم (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ) لكونه يودُّ (٤) أهل النِّفاق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) رادًّا على القائل مقالته هذه:
(لَا تَقُلْ ذَلِكَ) عنه (أَلَا تَرَاهُ) بفتح المُثنَّاة (قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع قول محمَّدٍ رسول الله (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟!) أي: ذات الله تعالى، فانتفت عنه الظُّنَّة (٥) بشهادة الرَّسول له بالإخلاص، ولله المنَّة ولرسوله (قَالَ) القائل: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك، وعند مسلمٍ: «أليس
стр. 1507
يشهد أن لا إله إِلَّا الله» وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولذا (قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ) أي: توجُّهه (وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي) أي: يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ) ، إذا أدَّى الفرائض واجتنب المناهي، وإِلَّا فمجرَّد التَّلفُّظ بكلمة الإخلاص لا يُحرَّم (١) على النَّار لما ثبت من دخول أهل المعاصي فيها، أو المراد من التَّحريم هنا: تحريم التَّخليد جمعًا بين الأدلَّة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، أي: بالسَّند الماضي: (ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة» (٢): «ثمَّ سألت بعد ذلك الحصين» (بْنَ مُحَمَّدٍ) بحاءٍ مضمومةٍ وصادٍ مفتوحةٍ مهملتين ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، وضبطه القابسيُّ بضادٍ مُعجمَةٍ، وغلَّطوه (الأَنْصَارِيَّ) المدنيَّ، من ثقات التَّابعين (وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السِّين المُهمَلة، أي: خيارهم (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) ولابن عساكر زيادة: «الأنصاريِّ» (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي: بالحديث المذكور.
(٤٧) (بابُ التَّيَمُّنِ) أي: البداءة باليمين (فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) أي: غير الدُّخول، أو غير
стр. 1508
المسجد كالبيت (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا دخل المسجد (يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ) منه (بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى) قال الحافظ (١) ابن حجرٍ: ولم أره -أي: هذا الأثر- موصولًا عنه، أي: عن ابن عمر.
٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بالمُعجمَة ثمَّ المُهمَلة ثمَّ المُثلَّثة (بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيْمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أي: البداءة باليمين (مَا اسْتَطَاعَ) أي: مادام مستطيعًا، واحترز به عمَّا لا يُستطاع فيه التَّيمُّن شرعًا: كالخروج من المسجد، والدُّخول للخلاء، وتعاطي المستقذرات كالاستنجاء والتَّمخُّط، أو «ما»: موصولةٌ، بدلٌ من «التَّيمُّن»، و «المحبَّة» وإن كانت من الأمور الباطنة فلعلَّها فهمت بالقرائن حبَّه لذلك، أو أخبرها ﵊ به (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء، أي: طهره (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) بالجيم (وَ) في (تَنَعُّلِهِ) بتشديد العين، أي: تمشيطه الشَّعر ولبسه النَّعل، وعمَّ (٣) بقوله: «في شأنه كلِّه» ثمَّ خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر اهتمامًا بشأنها (٤)،
стр. 1509
والجارُّ وتاليه بدلٌ من «شأنه» بدل البعض من الكلِّ، و «في شأنه»: متعلِّقٌ بـ «التَّيمُّن»، أو بالمحبَّة، أو بهما، فيكون من باب التَّنازع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١]، وكذا (١) أخرجه غيره -كما مرَّ- في «باب التَّيمُّن في الوضوء والغسل» [خ¦١٦٨].
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ) الاستفهام للتَّقريرِ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أي: يجوز نبشها لأنَّه لا حرمة لهم (وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ؟) بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ «يُتَّخَذ» المبنيَّ للمفعول، و «مكانَها»: المفعول الأوَّل، وهو مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل، وفي روايةٍ: «مساجدُ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل في «يُتَّخَذ»، و «مكانَها»
стр. 1510
نُصِب على الظَّرفيَّة، فـ «يُتَّخذ» متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ) أي: لأجل قوله (¬ ﷺ ¬) الموصول عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٤١]، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ) أي لأجل كونهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) سواء نُبِشت -لما فيه من الاستهانة- أو لم تُنبَش لِمَا فيه (١) من المغالاة في التَّعظيم بعبادة قبورهم والسُّجود لها، وكلاهما مذمومٌ، ويلتحق بهم (٢) أتباعهم، وحينئذٍ فيجوز (٣) نبش قبور المشركين الَّذين لا ذمَّة لهم، واتِّخاذ المساجد مكانها (٤) لانتفاء العلَّتين المذكورتين إذ لا حرج في استهانتها بالنَّبش واتِّخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا لها، وإنَّما هومن قبيل تبديل السَّيِّئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله ﵊ في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده (٥) مكانها، وبين لعنه ﵊ مَنِ اتَّخذ قبور الأنبياء مساجد لِمَا ذكر من الفرق.
وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود، فيكون قوله: «اتَّخذوا قبور أنبيائهم (٦) مساجد» واضحًا، فإنَّ النَّصارى لا يزعمون نبوَّة عيسى، بل يدَّعون فيه (٧) إمَّا (٨) أنَّه ابنٌ، أو إلهٌ، أو غير ذلك على اختلاف مِلَلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وأمَّا (٩) من قال منهم: إنَّه قُتِل فلهم (١٠) في ذلك كلامٌ مشهورٌ في موضعه، فتُشكِل حينئذٍ الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي لباب «الصَّلاة في البيعة» [خ¦٤٣٥] وفي أواخر (١١) «المغازي» [خ¦٤٤٤١] بلفظ:
стр. 1511
«لعن الله اليهود والنَّصارى»، وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا» ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى- (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ) سواءٌ كانت عليها أو إليها أو بينها والجملة عطفٌ على: «هل تُنبَش» أي: بابٌ في حكم الأمرين: اتِّخاذ المساجد مكان القبور، واتِّخاذها بينها (١)، فإن قلت: كيف عطف هذه الجملة الخبريَّة على جملة الاستفهام الطَّلبيَّة؟ أُجيب بأنَّ جملة الاستفهام التَّقريريِّ في حكم الخبريَّة.
(وَرَأَى عُمَرُ) أي: «ابن الخطَّاب ﵁» كما في رواية الأَصيليِّ (٢) (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ) بالنَّصب فيهما على التَّحذير، محذوف العامل وجوبًا (٣)، أي: اتَّق (٤)، أو اجتنب القبر (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته (٥) تلك، فدلَّ على الجواز لكن مع الكراهة لكونه صلَّى على نجاسةٍ ولو كان بينهما حائلٌ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، أوْ لا كراهة لكونه صلّى (٦) مع الفرش على النَّجاسة مُطلَقًا، كما قاله القاضي حُسَيْنٌ، وقال ابن الرِّفْعَة: الَّذي دلَّ عليه كلام القاضي أنَّ الكراهة لحرمة الميت، أمَّا لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميتٌ ولا نجاسةٌ فلا كراهة إِلَّا في المنبوشة، فلا تصحُّ الصَّلاة فيها. قال في «التَّوشيح»: ويُستثنَى مقبرة الأنبياء، فلا كراهة فيها لأنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنَّهم (٧) أحياء في قبورهم يصلُّون، ولا يشكل بحديث: «لعن الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لأنَّ اتِّخاذها مساجد أخصُّ من مُجرَّد (٨) الصَّلاة فيها،
стр. 1512
والنَّهيُ عن الأخصِّ لا يستلزم النَّهيَ عن الأعمِّ، قال في «التَّحقيق»: ويحرم أن يصلِّي متوجِّهًا إلى قبره ﵊، ويُكرَه إلى غيره مستقبل آدميٍّ لأنَّه يشغل القلب غالبًا، ويُقاس بما ذُكِر في قبره ﷺ سائر قبور الأنبياء صلَّى الله عليهم وسلَّم، ولم يرَ مالكٌ بالصَّلاة في المقبرة بأسًا، وذهب أبو حنيفة إلى الكراهة مُطلقًا، وقال في «تنقيح المقنع»: ولا تصحُّ الصَّلاة تعبُّدًا في مقبرةٍ غير صلاة الجنازة، ولا يضرُّ قبران ولا ما دُفِنَ بداره.
٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة ثمَّ فتح النُّون المُشدَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، ولابن عساكر: «عن عائشة أُمِّ المؤمنين» (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان بن حرب (١) (وَأُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة ﵄ (ذَكَرَتَا) بلفظ التَّثنية للمُؤنَّث، وللمُستملي والحَمُّويي: «ذكرا» بالتَّذكير، ولعلَّه سبقُ قلمٍ من النَّاسخ كما (٢) لا يخفى (كَنِيسَةً) بفتح الكاف، أي: معبدًا للنَّصارى (رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ) بنون الجمع على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو على أنَّه كان معهما غيرهما من النِّسوة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «رأتاها» بالمُثنَّاة الفوقيَّة بضمير التَّثنية على الأصل، وفي روايةٍ: «رأياها» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (فِيهَا تَصَاوِيرُ) أي: تماثيل، والجملة في موضع
стр. 1513
نصبٍ صفةٌ لـ «كنيسة» (فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط ذلك لغير أبي ذَرٍّ (١) (فَقَالَ: إِنَّ أُولَئِكِ) بكسر الكاف لأنَّ الخطاب لمُؤنَّثٍ، وقد تُفتَح (إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ) عُطِف على قوله: «كان»، وجواب «إذا» قوله: (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيْكَ الصُّوَرَ) بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، كذا في رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ كما في الفرع وأصله (٢)، وعزاها في «الفتح» للمُستملي، وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر كما في الفرع وأصله (٣): «تلك» باللَّام بدل المُثنَّاة التَّحتيَّة (فَأُولَئِكِ) بكسر الكاف، وقد تُفتَح (شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بكسر الشِّين المُعجمَة، جمع: شَرٍّ كبحرٍ وبحارٍ، وأمَّا أشرارٌ فقال السَّفاقسيُّ: جمع: شِرٍّ كزِنْدٍ وأزنادٍ، وإنَّما فعل سلفهم (٤) ذلك ليتأنَّسوا برؤية تلك الصُّور، ويتذكَّروا أحوالهم الصَّالحة ليجتهدوا كاجتهادهم، ثمَّ خلف من بعدهم خلْفٌ جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشَّيطان أنَّ أسلافهم (٥) كانوا يعبدون هذه (٦) الصُّور ويعظِّمونها فعبدوها، فحذَّر ﵊ عن مثل ذلك سدًّا للذَّريعة المؤدِّية إلى ذلك، أمَّا مَن اتَّخذ مسجدًا
стр. 1514
في جوارِ صالحٍ وقصد التَّبرُّك بالقرب منه، لا للتَّعظيم له ولا للتَّوجُّه إليه، فلا يدخل في الوعيد المذكور.
ورجال هذا الحديث بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «هجرة الحبشة» [خ¦٣٨٧٣]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ.
٤٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلة، يزيد بن حُمَيْدٍ الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى) وللأَصيليِّ: «في أعلى» (المَدِينَةِ فِي حَيٍّ) بتشديد الياء، قبيلةٌ (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما (فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ:
стр. 1515
«أربعًا وعشرين» وصوَّب الحافظ ابن حجرٍ الأولى، قال: وكذا رواه أبو داود عن مُسدَّدٍ شيخ المؤلِّف فيه (١) (ثُمَّ أَرْسَلَ) ﵊ (إِلَى بَنِي النَّجَّارِ) أخواله ﵊ (فَجَاؤُوا) حال كونهم (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالجرِّ وحذف نون «متقلِّدين» للإضافة، كذا في رواية كريمة، وفي روايةٍ: «متقلِّدين» بإثبات النُّون، فلا إضافة، و «السُّيوف» نُصب بـ «متقلِّدين» أي: جعلوا نجاد (٢) السَّيف على المنكب خوفًا من اليهود، ولِيُروه ما أعدُّوه لنصرته ﵊ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ) أي: ناقته القصواء (وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رِدْفُهُ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال المهملة (٣)، جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، أي: راكبٌ خلفه، ولعلَّه ﵊ أراد تشريف أبي بكرٍ بذلك وتنويهًا بقدره، وإِلَّا فقد كان له ﵁ ناقةٌ (وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ) أي: أشرافهم أو جماعتهم يمشون (حَوْلَهُ) ﵊ أدبًا، والجملة حاليَّةٌ (حَتَّى أَلْقَى) أي: طرح رحله (بِفِنَاءِ) بكسر الفاء والمدِّ، أي: بناحيةٍ متَّسعةٍ أمام دار (أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريِّ (وَكَانَ) رسول الله ﷺ (يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) جمع: مربضٍ،
стр. 1516
أي: مأواها (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفي فرع «اليونينيَّة» بفتحها، أي: النَّبيُّ ﷺ (أَمَرَ) بفتح الهمزة (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) بكسر الجيم، وقد تُفتَح (فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ) وللأربعة: «إلى ملأ بني النَّجَّار» بإسقاط: «من» (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمُثلَّثة، أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) أي: ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) ، أي: «من الله» كما وقع عند الإسماعيليِّ (فَقَالَ) ولابن عساكر: «قال» (أَنَسٌ) ﵁: (فَكَانَ فِيهِ) أي: في الحائط (مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ المُشْرِكِينَ) بالرَّفع بدلٌ، أو بيانٌ لقوله: ما أقول لكم (وَفِيهِ خَرِبٌ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الرَّاء، اسم جمع وَاحِدُهُ خِرْبَةٌ، كَكَلِمٍ وكِلْمةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «خِرَب» بكسر الخاء وفتح الرَّاء، جمع: خِرَبَةٍ كعِنَبٍ وعِنَبةٍ (وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) وبالعظام فغُيِّبت (١) (ثُمَّ بِالخَرِبِ) بفتح الخاء وكسر الرَّاء (فَسُوِّيَتْ) بإزالة ما كان في تلك الخِرَب (وَ) أمر (بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ) أي: في جهتها (وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ) تثنية عِضادةٍ، بكسر العين، قال صاحب «العين»: أعضاد كلِّ شيءٍ: ما يشدُّه من حواليه، وعِضادتا الباب: ما كان عليهما يُغلَق الباب إذا أُصفِق (وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ) أي: يتعاطون الرَّجز تنشيطًا لنفوسهم ليسهل عليهم
стр. 1517
العمل (وَالنَّبِيُّ ﷺ ¬) يرتجز (مَعَهُمْ) جملةٌ حاليَّةٌ كقوله (١): (وَهُوَ) ﵊ (يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ) الأوس والخزرج الَّذين نصروه على أعدائه (وَالمُهَاجِرَهْ) الَّذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة محبَّةً فيه ﵊ -بسكون الهاء الأخيرة من المُهاجِرَهْ في «اليونينيَّة» (٢) - وطلبًا للأجْر، وللمُستملي: «فاغفر الأنصار» على تضمين «اغفر» معنى: «استر»، واستُشكِل قوله ﵊ هذا مع قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] وأُجيب بأنَّ الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشِّعر لا إنشاده، على أنَّ الخليل ما عدَّ المشطور من الرَّجز (٣) شعرًا، هذا وقد قِيلَ: إنَّه ﵊ قالهما بالتَّاء متحرِّكةً، فخرج عن وزن الشِّعر.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٩] و «الوصايا» [خ¦٢٧٧١] و «الهجرة» [خ¦٣٩١١] و «الحجِّ» [خ¦١٧٦٩] و «البيوع» [خ¦١٧٦٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه، وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى.
(٤٩) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) جمع مَربِضٍ، بكسر الباء، أي: مأواها، وقال العينيُّ: وضبط بعضهم المِربض، بكسر الميم، وهو غلطٌ.
стр. 1518
٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، يزيد بن حُمَيْدٍ (٢) الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن (٣) أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) مطلقًا (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) أي: قال أبو التَّيَّاح: سمعت أنسًا، أو قال شعبة: سمعت أبا التَّيَّاح (بَعْدُ) أي: بعد ذلك القول (يَقُولُ: كَانَ) ﵊ (يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ) النَّبويُّ المدنيُّ، ويُفهَم من هذه الزِّيادة: أنَّه ﷺ لم يصلِّ في مرابض الغنم بعد بناء المسجد، ثمَّ (٤) ثبت إذنه في ذلك مع السَّلامة من الأبوال والأبعار، وسبق في «كتاب الطَّهارة» مزيد لذلك، فليراجع. وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول.
(٥٠) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ) أي: معاطنها، وهي مباركها لتشرب عللًا بعد نهل، وكره الصَّلاة فيها مالك والشَّافعي لنفارها السَّالب للخشوع، أو لكونها خلقت من الشَّياطين،
стр. 1519
كما في حديث عبد الله بن مغفَّل المرويِّ في ابن ماجه، وعند مسلم من حديث جابر بن سمرة أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أصلّي في مبارك الإبل؟! قال: «لا» وعند التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «صلّوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان (١) الإبل»، وعند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» (٢): من حديث (٣) أُسَيد بن حُضَيْرٍ: «ولا تصلُّوا في مُناخها»، وهو بضمِّ الميم، وليس كلُّ مبركٍ عطنًا، والمبرك أعمُّ، وعبَّر المصنِّف بالمواضع لأنَّها أشمل.
٤٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، منصرفٌ وغير منصرفٍ، ابن خالدٍ الأحمر الأزديُّ الجعفريُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، وَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ) أي: يصلِّي والبعير في طرف قبلته، فإن قلت: لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة لأنَّه لا يلزم من الصَّلاة إلى البعير وجعله سترة عدم كراهة الصَّلاة في مبركه، أُجيب بأنَّ مراده الإشارة إلى ما ذكر من علَّة النَّهي عن ذلك وهي كونها من الشَّياطين (٤)، كأنَّه يقول: لو كان ذلك مانعًا من صحَّة الصَّلاة لامتنع مثله في جعلها أمام المصلِّي، وكذلك صلاة راكبها، وقد ثبت أنَّه ﵊ كان يصلِّي النَّافلة على بعيره، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما أبعد هذا الجواب عن موقع (٥)
стр. 1520
الخطاب، فإنَّه متى ذكر علَّة النَّهي (١) عن الصَّلاة في معاطن الإبل حتَّى يشير إليه؟! انتهى.
ورواة هذا الحديث مابين مروزيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(٥١) (بابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (تَنُّورٌ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون المضمومة، وهو ما يُوقَد فيه النَّار، للخبز وغيره، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و «تنُّورٌ»: مبتدأٌ خبرُه الظَّرف، أي: بينه وبين القبلة، وعطف المؤلِّف على قوله: «تنُّورٌ» قوله: (أَوْ نَارٌ) وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ اهتمامًا به لأنَّ عَبَدَةَ النَّار من المجوس لا يعبدونها إلَّا إذا كانت متوقِّدة بالجمر (أَوْ) صلَّى وقدَّامه (شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ) كالأصنام والأوثان (فَأَرَادَ) المصلِّي الَّذي قدَّامه شيءٌ من هذه الأشياء (بِهِ) أي: بفعله (اللهَ تَعَالَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وجه الله تعالى» أي: ذاته تعالى، وحينئذٍ فلا كراهة. نعم كرهه الحنفيَّة لِمَا فيه من التَّشبُّه (٢) بعبدة المذكورات ظاهرًا.
(وَقَالَ) ابن شهاب (الزُّهْرِيُّ) ممَّا وصله المؤلِّف في «باب وقت الظُّهر» [خ¦٥٤٠]: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَالَ (٣) النَّبِيُّ ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ
стр. 1521
النَّارُ) الجهنَّميَّة (وَأَنَا أُصَلِّي).
٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُهمَلة المخفَّفة، القاضي (١) المدنيِّ الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) أي: انكسفت، أي: تغيَّر لونها، أو ذهب ضوؤُها (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) صلاة الكسوف (ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: أبصرت (النَّارَ) في الصَّلاة رؤية عينٍ (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ) أي: رؤيةً مثل رؤية اليوم (قَطُّ) بضمِّ الطَّاء (أَفْظَعَ) منه، بفاءٍ وظاءٍ مُعجمَةٍ، ونصب «العين» صفةً لـ «منظرٍ»، أو صلة «أفعل» التَّفضيل محذوفةٌ، أي: منه كـ «الله أكبر» أي: من كلِّ شيءٍ، أو بمعنى: فظيعٍ كـ «أكبر» بمعنى: كبيرٍ، والفظيع: الشَّنيع الشَّديد المجاوز المقدار، قال السَّفاقسيُّ: ولا حجَّة في الحديث على ما بُوِّب له لأنَّه ﵊ لم يفعل ذلك مختارًا، وإنَّما عرض عليه ذلك لمعنًى أراده الله تعالى تنبيهًا لعباده. انتهى. وأُجيب بأنَّ الاختيار وعدمه في ذلك سواءٌ منه لأنَّه ﵊ لا يقرُّ على باطلٍ، فدلَّ على أنَّ مثله جائزٌ، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلم التَّسوية، فإنَّ الكراهة تتأكَّد عند الاختيار، وأمَّا عند عدمه فلا كراهة لعدم العلَّة الموجبة للكراهة، وهي التَّشبُّه (٢) بعبدة النار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون. نعم عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وفيه: التَّحديث
стр. 1522
والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الكسوف» (١) [خ¦١٠٥٢] و «الإيمان» [خ¦٢٩] و «النِّكاح» [خ¦٥١٩٧] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٢]، ومسلمٌ (٢) وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(٥٢) (بابُ) ذكر (كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ) في حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ عند أبي داود والتِّرمذيِّ بسندٍ رجالُه ثقاتٌ مرفوعًا: «الأرضُ كلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرة والحمَّام» وليس هو على شرط المؤلِّف.
٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات، ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، وللأَصيليِّ: «عن عبيد الله (٣) بن عمر» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ) النَّافلة، وفي «الصَّحيحين» [خ¦٧٣١] حديث (٤): «صلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم؛ فإنَّ أفضل صلاةِ
стр. 1523
المرءِ في بيته إِلَّا المكتوبة» وإنَّما شرع ذلك لكونه أبعد من الرِّياء، ولتنزل الرَّحمة فيه والملائكة، لكن استثنى منه نفل يوم الجمعة قبل صلاتها، فالأفضل كونه في الجامع لفضل البكور، وركعتا الطَّواف والإحرام، وكذا التَّراويح للجماعة، وعن بعضهم -فيما حكاه عياضٌ- أنَّ المعنى: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوةٍ وغيرهنَّ، لكن قال النَّوويُّ: لا يجوز حمله على الفريضة (وَلَا تَتَّخِذُوهَا) أي: البيوت (قُبُورًا) أي: كالقبور مهجورةً من الصَّلاة، وهو من التَّشبيه البليغ البديع بحذف حرف التَّشبيه للمبالغة، وهو تشبيه البيت الَّذي لا يُصلَّى فيه بالقبر الَّذي لا يتمكَّن (١) الميت من العبادة فيه، وقد حمل المؤلِّف هذا الحديث على منع الصَّلاة في المقابر، ولهذا (٢) ترجم به، وتُعقِّب بأنَّه ليس فيه تعرُّضٌ لجواز الصَّلاة في المقابر ولا منعها، بل المراد منه: الحثُّ على الصَّلاة في البيت فإنَّ الموتى لا يصلُّون في بيوتهم، وكأنَّه قال: لا تكونوا كالموتى في القبور حيث انقطعت عنهم الأعمال وارتفعت التَّكاليف، ولو أُرِيد ما تأوَّله المؤلِّف لقال: المقابر، وأجيب بأنَّه قد ورد في «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة بلفظ: «المقابر»، وتُعقِّب بأنَّه كيف يُقال: حديثٌ يرويه غيره بأنَّه مطابقٌ لما ترجم به؟!
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه، والله أعلم (٣).
стр. 1524
(٥٣) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ) بالجمع، وللأَصيليِّ: «في موضع» بالإفراد (وَ) موضع نزول (العَذَابِ) من باب عطف العامِّ على الخاصِّ لأنَّ الخسف من جملة العذاب (وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة (أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ) بعدم الصَّرف، قال الأخفش: لتأنيثه، وقال البيضاويُّ: والمشهور أنَّه بلدٌ من سواد الكوفة. انتهى. وقِيلَ: المراد بالخسف المذكور ما في قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ الاية [النحل: ٢٦] وذلك أنَّ نمروذ بن كنعان بنى الصَّرح ببابل -سُمْكه خمسةُ آلافِ ذراعٍ- ليترصَّد أمر السَّماء، فأهبَّ الله الرِّيح، فخرَّ عليه وعلى قومه فهلكوا، قِيلَ: وبات النَّاس ولسانهم سريانيٌّ، فأصبحوا وقد تفرَّقت لغاتهم (١) على اثنين وسبعين لسانًا، كلٌّ يبلبل بلسانه، فسُمِّي الموضع بابل.
стр. 1525
٤٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) لأصحابه لمَّا مرُّوا معه بالحجر ديار ثمود في حال توجُّههم إلى تبوك: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ) بفتح الذَّال المُعجمَة، وهم قوم صالحٍ، أي: لا تدخلوا ديارهم (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ) شفقةً وخوفًا من حلول مثل ذلك (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ) وعند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨١]: «أن يصيبكم» أي: خشية أن يصيبكم (مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب، و «يصيبُكم» بالرَّفع على الاستئناف، ولا تَنَافِيَ بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأنَّ الآية محمولةٌ على عذاب يوم القيامة، ووجه الخوف هنا: أنَّ البكاء يبعثه على التَّفكُّر والاعتبار، فكأنَّه أمرهم بالتَّفكُّر في أحوالٍ تُوجِب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدَّة طويلةً، ثمَّ إيقاع (٢) نقمه بهم وشدَّة عذابه، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكَّر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال (٣)، ودلَّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن مِن أن يجرَّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، قاله ابن حجرٍ ومن قبله الخطَّابيُّ، وقد تشاءم ﵊ بالبقعة الَّتي نام فيها عن الصَّلاة ورحل عنها ثمَّ صلَّى، فكراهية الصَّلاة في مواضع الخسف أَوْلى لأنَّ إباحة الدُّخول فيها إنَّما هو على وجه
стр. 1526
الاعتبار والبكاء، فمن صلَّى هناك لا تفسد صلاته، لأنَّ الصَّلاة موضع البكاء والاعتبار.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤١٩] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٠٢].
(٥٤) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ) بكسر الباء (١) المُوحَّدة، معبد النَّصارى، كالكنائس والصَّلوات لليهود، والصَّوامع للرُّهبان، والمساجد للمسلمين، و (٢) الكنائس أيضًا للنَّصارى كالبِيعة، كما قاله الجوهريُّ، وبه تحصل المطابقة بين التَّرجمة وذكر الكنائس الآتي -إن شاء الله تعالى- في قوله: (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق من طريق أسلمَ مولى عمر قال: لمَّا قدم عمر الشَّام صنع له رجلٌ من النَّصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أحبُّ أن تجيبني (٣) وتكرمني، فقال له عمر: (إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ) بكاف الخطاب، وللأَصيليِّ: «كنائسهم» بضمير الجمع الغائب (مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَ) جملةٌ اسميَّةٌ لأنَّ الصُّور مبتدأٌ مرفوعٌ، خبرُه: «فيها» أي: في الكنائس، والجملة صلة الموصول وقعت صفةً للكنائس، لا للتَّماثيل لفساد المعنى؛ لأنَّ التَّماثيل هي الصُّور، كذا قاله العينيُّ (٤)، وهذه رواية أبي ذَرٍّ كما
стр. 1527
في الفرع، ووجَّهه في «المصابيح» بأن يكون خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والصِّلة جملةٌ فعليَّةٌ، أي: الَّتي استقرَّت فيها، ووجَّهه الحافظ ابن حجرٍ بقوله: أي أنَّ التَّماثيل مُصوَّرةٌ، قال: والضَّمير على هذا للتَّماثيل، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا توجيه مَن لا (١) يعرف من العربيَّة شيئًا، وفي بعض الأصول: «الصُّور» بالجرِّ على البدل من التَّماثيل، أو عطف بيانٍ، ويكون الموصول مع صلته صفةً للتَّماثيل، وصرَّح ابن مالكٍ بجوازه عطفًا بواوٍ محذوفةٍ، وللأَصيليِّ: «والصُّورَ» بواو العطف على التَّماثيل، والمعنى: ومن أجل (٢) الصُّور الَّتي فيها، وفي روايةٍ صُحِّح عليها في الفرع وأصله (٣): «الصُّورَ» بالنَّصب على إضمار «أعني»، والتَّماثيل: جمع تمثالٍ، بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فمُثلَّثةٍ، وبينه وبين الصُّورة (٤) عمومٌ وخصوصٌ مُطلَقٌ، فالصُّورة
стр. 1528
أعمُّ من التِّمثال (١).
(وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله البغويُّ في «الجعديَّات» (يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إِلَّا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ) فلا يصلِّي فيها، وكرهه الحسن البصريُّ، والمعنى فيه: أنَّها مأوى الشَّياطين.
٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولابن عساكر: «محمَّد بن سلام» وعزاها في «الفتح» لابن السَّكن، وهو البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) بالجمع، وللأَصيليِّ: «أخبرني» (عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة، واسمه عبد الرَّحمن بن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) ﵄ (ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ) بالرَّاء وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة والرَّفع (فَذَكَرَتْ لَهُ) ﵊ (مَا رَأَتْ فِيهَا) أي: في الكنيسة (مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُولَئِكِ) بكسر الكاف خطابًا بالمُؤنَّث، ويجوز فتحها (قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ) نبيٌّ أو غيره (أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ) أي: في المسجد (تِلْكَ الصُّوَرَ) ليتأنَّسوا بها، وفي روايةٍ: «تيك» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بدل «اللَّام» في «تلك»، والكاف فيهما (٢) تُكسَر وتُفتَح، ويُؤخَذ منه المطابقة لما ترجم له (٣) لأنَّ فيه إشارةً إلى نهي المسلم
стр. 1529
عن (١) أن يصلِّيَ في الكنيسة فيتَّخذها بصلاته مسجدًا (أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) ، زاد في «باب هل تُنبَش قبور مشركي الجاهليَّة» [خ¦٤٢٧]: «يوم القيامة»، وفي كاف «أولئك» الكسرُ والفتح.
(٥٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من الباب السَّابق، وسقط لفظ «بابٍ» في رواية الأَصيليِّ.
٤٣٥ - ٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهاب ٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ) الصِّدِّيقة (عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵃ (قَالَا: لَمَّا نَزَلَ (٢)) الموت (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) حُذِف الفاعل للعلم به، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «نُزِل» بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول (طَفِقَ) بكسر الفاء جواب لمَّا، أي: جعل (يَطْرَحُ خَمِيصَةً) بالنَّصب مفعول «يطرح» أي: كساءً له أعلامٌ (لَهُ عَلَى وَجْهِهِ) الشَّريف (فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا) بالغين المعجمة، أي: تسخن (٣) بالخميصة وأخذ
стр. 1530
بنفسه من شدّة الحرِّ (كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ) ﵊ (وَهْوَ كَذَلِكَ) أي: في حالة (١) الطَّرح والكشف: (لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) وكأنَّه ﷺ سُئِل ما سبب لعنهم؟ فقال: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) وكأنَّه قِيلَ للرَّاوي: ما حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت؟ فقال: (يُحَذِّرُ) ﷺ أمَّته أن يصنعوا بقبره مثل (مَا صَنَعُوا) أي: اليهود والنَّصارى بقبور أنبيائهم، والحكمة فيه: أنَّه ربَّما يصير بالتَّدريج شبيهًا بعبادة الأوثان، فإن قلت: إنَّ النَّصارى ليس لهم إِلَّا نبيٌّ واحدٌ، وليس له قبرٌ، أُجيب بأنَّ الجمع بإزاء المجموع من اليهود والنَّصارى، فإنَّ اليهود لهم أنبياء، أو المراد: الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، وفي «مسلم» ما يؤيِّد ذلك حيث قال في طريق جندب: «كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (٢)» أو أنَّه كان فيهم أنبياء أيضًا لكنَّهم غير مُرسَلين كالحواريِّين ومريم في قولٍ، أو الضَّمير راجعٌ إلى اليهود فقط، أو المراد: من أُمِروا بالإيمان بهم كنوحٍ وإبراهيم وغيرهما (٣).
ورواة هذا الحديث ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية: صحابيٍّ وصحابيَّةٍ (٤)، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨١٥] و «المغازي» [خ¦٤٤٤٣] و «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٣]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
٤٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ
стр. 1531
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المُثنَّاة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ) أي: قتلهم الله لأنَّ «فَاعَلَ» يأتي بمعنى «فَعَلَ»، أو المعنى (١): أبعد الله اليهود بسبب أنَّهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) وخصَّص اليهود هنا لأنَّهم الَّذين ابتدؤوا بابتداع هذا الاتِّخاذ واتَّبعتهم (٢) النَّصارى، فاليهود أظلم.
ورواة هذا الحديث مدنيُّون وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الوفاة».
(٥٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) فتجوز الصَّلاة على أيِّ جزءٍ كان من أجزائها، وطاءُ «طَهورًا» مفتوحةٌ.
٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العَوْقِيُّ -بفتح العين المُهمَلة والواو بعدها قافٌ-
стр. 1532
الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن بشير (١) بوزن عظيمٍ، الفقيه الثَّبت، لكنَّه (٢) كثير التَّدليس والإرسال الخفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (هُوَ أَبُو الحَكَمِ) بفتحتين، العَنَزِيُّ الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بن صُهَيْبٍ (الفَقِيرُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُعْطِيتُ خَمْسًا) بضمِّ الهمزة، أي: عطاني الله خمس خصالٍ (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ) قال الدَّاوديُّ: أي: لم تجتمع لأحدٍ (مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) يُقذَف في قلوب أعدائي (مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا) أي: موضع سجودٍ، قال ابن بطَّالٍ: فدخل في العموم المقابر والمرابض والكنائس ونحوها. انتهى. نعم تُكرَه الصَّلاة فيها للتَّنزيه، كما مرَّ (وَ) جُعِل لي ترابها (طَهُورًا، وَأَيُّمَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «طهورًا ومسجدًا» (٣) وللأَصيليِّ: «فأيُّما» (رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ) حيث أدركته الصَّلاة، أو بعد أن يتيمَّم (وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ) ولم تحلَّ لأحدٍ من الأنبياء قبلي (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) أي: جميعًا، ونصبُه على الحاليَّة لازمٌ له
стр. 1533
(وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) العظمى، أو (١) غيرها ممَّا ذكر اختصاصه بها.
ورواة هذا الحديث ما بين واسطيٍّ وكوفيٍّ، والله أعلم.
(٥٧) (بابُ نَوْمِ المَرْأَةِ فِي المَسْجِدِ) وإقامتها فيه (٢)، إذا لم يكن لها مسكنٌ غيره.
٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، القرشيُّ الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، وفي بعض الأصول: «عبد الله» (٣)، وهو اسمه في الأصل، وعُبَيْدٌ هو (٤) لقبٌ غلب عليه، وعُرِفَ به (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة القرشيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) (٥) ﵂ (أَنَّ
стр. 1534
وَلِيدَةً) بفتح الواو، أي: أَمَةً (كَانَتْ سَوْدَاءَ) أي: كانت امرأةً كبيرةً سوداء (لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ) لم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسمها (١) (فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ) أي: الوليدة (٢): (فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ) أي: لهؤلاء الحيِّ، وكانت الصَّبيَّة عروسًا، فدخلت مغتسلها وكان (عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ) بكسر الواو وتُضَمُّ، وقد تُبدَّل همزةً مكسورةً (مِنْ سُيُورٍ) جمع سَيْر، وهو ما يقدُّ من الجلد، وقال الجوهريُّ: الوشاح يُنسَج عريضًا من أديمٍ ويُرصَّع بالجواهر، وتشدُّه المرأة بين عاتقها وكشحها، وقال السَّفاقسيُّ: خيطان من لؤلؤٍ يخالف بينهما، وتتوشَّح به المرأة، وقال الدَّاوديُّ: ثوبٌ كالبُرْد أو نحوه (قَالَتْ) أي: عائشة: (فَوَضَعَتْهُ) أي: الوشاح (أَوْ وَقَعَ مِنْهَا) شكَّ الرَّاوي (فَمَرَّتْ بِهِ) أي: بالوشاح (حُدَيَّاةٌ) بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المهملتين وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، والأصل أن يُقال (٣): حُدَيْأَةٌ، بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد الياء السَّاكنة لأنَّه تصغير حِدَأَةٍ -بالهمز- بوزن «عِنَبَةٍ»، لكن أُبدِلت الهمزة ياءً وأُدغِمت الياء في الياء، ثمَّ أُشبِعت الفتحة فصارت ألفًا، وللأربعة: «فمرَّت حُدَيَّاةٌ» بإسقاط «به» (وَهْوَ مُلْقًى) أي: مُرْمًى، والجملة حاليَّةٌ (فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا) سمينًا؛ لأنَّه كان من جلدٍ أحمرٍ وعليه اللُّؤلؤ (فَخَطِفَتْهُ) بكسر الطَّاء المُهمَلة لا بفتحها على اللُّغة الفصيحة (قَالَتْ: فَالتَمَسُوهُ) أي: طلبوه وسألوا عنه (فَلَمْ يَجِدُوهُ،
стр. 1535
قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ) عائشة: (فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يفتِّشوني» (حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا) بضمِّ القاف والمُوحَّدة، أي: فرجها، وعبَّر بضمير الغيبة لأنَّه (١) من كلام عائشة، وإلَّا فمقتضى السِّياق أن تقول: قبلي، كما عند المؤلِّف في أيَّام الجاهليَّة [خ¦٣٨٣٥] أو هو من (٢) كلام الوليدة على طريقة الالتفات أو التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا وأخبرت عنه (قَالَتْ: وَاللهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ) زاد ثابتٌ في «دلائله» (٣): فدعوت الله أن يبرِّئني (إِذْ مَرَّتِ الحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ) أنِّي أخذته، حذف مفعول «زعمتم» (٤) (وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (وَهُوَ ذَا هُوَ) حاضرٌ، الضَّمير الأوَّل ضمير الشَّأن، و «ذا» مبتدأٌ، والإشارة إلى «ما ألقته الحُدَيَّاة»، والضَّمير الثَّاني إلى «الَّذي اتَّهمتموني به»، لكنَّ خبر الثَّاني محذوفٌ، أي: حاضرٌ كما مرَّ، والأوَّل مبتدأٌ و «ذا» خبره، والضَّمير الثَّاني خبرٌ بعد خبرٍ، أو الثَّاني تأكيدٌ للأوَّل، أو تأكيدٌ لـ «ذا»، أو بيانٌ له، أو «ذا» مبتدأٌ ثانٍ، وخبره الضَّمير الثَّاني، والجملة خبر الأوَّل (قَالَتْ) عائشة: (فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂:
стр. 1536
(فَكَانَت) أي: المرأة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فكان» (لَهَا خِبَاءٌ) بكسر الخاء المُعجَمة وفتح المُوحَّدة وبالمدِّ: خيمةٌ من صوفٍ أو وبرٍ (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (أَوْ حِفْشٌ) بحاءٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ ثمَّ فاءٍ ساكنةٍ ثمَّ شينٍ مُعجمَةٍ، بيتٌ صغيرٌ وفيه يبيت من لا مسكن له في المسجد، سواءٌ كان رجلًا أو امرأةً عند أمن الفتنة، وإباحة الاستظلال فيه بالخيمة ونحوها (قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَتْ) أي: المرأة (تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي) أصله: تتحدَّث بتاءين، فحُذِفت إحداهما تخفيفًا (قَالَتْ) عائشة: (فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلَّا قَالَتْ: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة قبل العين، كذا لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، جمع: أعجوبةٍ، قال الزَّركشيُّ كابن سِيدَه: لا واحد له من لفظه، ومعناه: عجائب، قال الدَّمامينيُّ: وكذا هو في «الصِّحاح»، لكن لا أدري لِمَ لا (١) يُجعَل جمعًا لـ «تعجيبٍ» مع أنَّه ثابتٌ في اللُّغة، يُقال: عجبت فلانًا تعجيبًا؛ إذا جعلته يتعجَّب، وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع، وفي رواية غير المذكورين: «من أعاجيب ربِّنا» بالهمز بدل التَّاء (أَلَا) بتخفيف اللَّام
стр. 1537
(إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي) همزة «إنَّه» مكسورةٌ، والبيت من «الطَّويل»، وأجزاؤه ثمانيةٌ، وزنه «فعولن مفاعيلن» أربع مرَّاتٍ، لكن دخل البيتَ المذكورَ القبضُ في الجزء الثَّاني، وهو حذف الخامس السَّاكن (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ لَهَا) أي: للمرأة: (مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا) البيت (١)؟! (قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الحَدِيثِ) أي: المتضمِّن للقصَّة المذكورة.
(٥٨) (بابُ) جواز (نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ) وفي بعض الأصول: «نوم الرَّجل» بالإفراد (وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللَّام، عبد الله بن زيدٍ فيما وصله المؤلِّف في «المحاربين» [خ¦٦٨٠٢] وفي «قصَّة العرنيِّين» [خ¦٤١٩٣]: (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن (٢) أنس بن مالكٍ» (قَدِمَ رَهْطٌ) هو ما دون العشرة من الرِّجال (مِنْ عُكْلٍ) بضمِّ العين المُهمَلة وسكون الكاف، قبيلةٌ من العرب (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ) بضمِّ الصَّاد وتشديد الفاء، موضعٌ مُظلَّلٌ في أَُخريات (٣) المسجد النَّبويِّ يأوي إليه المساكين (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ)
стр. 1538
وللأَصيليِّ: «ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق» ممَّا وصله في حديثٍ طويلٍ يأتي -إن شاء الله تعالى- بعونه في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨١] قال: (كَانَ أَصْحَابَُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَُ) بالنَّصب خبر «كان»، أو بالرَّفع على أنَّه اسمها، و «أصحابَ»: خبرٌ مُقدَّمٌ لأنَّهما معرفتان، وللأربعة: «فقراء» بالتَّنكير، وحينئذٍ يتعيَّن خبريَّته.
٤٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، وسقط لغير أبي ذَرٍّ «ابن عمر» (١) (أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (أَعْزَبُ) بهمزةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ فزايٍ، وهي لغةٌ قليلةٌ، بل أنكرها القزَّاز، ولأبي ذَرٍّ (٢): عَزَبٌ، بفتح العين والزَّاي من غير همزةٍ، وهي اللُّغة الفصيحة، وضبطها البرماويُّ وابن حجرٍ في «الفتح» بكسر الزَّاي، وقال: إنَّه المشهور، لكن حكى في المقدِّمة الفتحَ، وكذا ضبطه الدَّمامينيُّ (٣) بخطِّه (لَا أَهْلَ لَهُ) أي: لا زوجة له، وهو وإن كان مفهومًا من أعزب لكنَّه ذكره تأكيدًا، أو هو من العامِّ بعد الخاصِّ، فيشمل الأقارب والزَّوجة (فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بقوله: «ينام».
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه.
стр. 1539
٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن جميلٍ الثَّقفيُّ، اسمه يحيى، وقتيبةُ لقبٌ غلب عليه وعُرِف به (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، الموصوف بأنَّه لم يكن بالمدينة (١) أفقه منه بعد مالكٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي حَازِم) سَلَمة -بفتح اللَّام- ابن دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ (قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَ) ابنته (فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا) ابن عمِّه ابن أبي طالبٍ (فِي البَيْتِ فَقَالَ) لها: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟) ولم يقل: أين زوجك؟ ولا ابن عمِّ أبيك؟ استعطافًا لها على تذكُّر القرابة القريبة بينهما لأنَّه فهم أنَّه جرى بينهما شيءٌ (قَالَتْ) ولابن عساكر: «وقالت» وللأَصيليِّ (٢): «فقالت» أي: فاطمة ﵂: (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي) من باب (٣) «المُفَاعَلة» الموضوع لمشاركة (٤) اثنين (فَخَرَجَ، فَلَمْ) بالفاء، وللأَصيليِّ: «ولم» (يَقِلْ عِنْدِي) بفتح أوَّله وكسر القاف، مضارعُ «قال» من القيلولة، وهي نوم نصف النَّهار، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يُقِل» بضمِّ أوَّله (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ) وعند الطَّبرانيِّ: فأمر إنسانًا معه، قال الحافظ ابن حجرٍ: يظهر لي أنَّه سهلٌ (٥) راوي الحديث لأنَّه لم يذكر أنَّه كان معه غيره، وهذا لا ينافي ما وقع عنده في «الأدب» [خ¦٦٢٠٤]: فقال النَّبيُّ ﷺ لفاطمة: «أين ابن عمِّك؟» قالت: في المسجد؛ لأنَّه يحتمل أن يكون المرادُ من
стр. 1540
قوله: «انظر أين هو» المكانَ المخصوص من المسجد (فَجَاءَ) ذلك الإنسان (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إلى المسجد ورآه (وَهْوَ مُضْطَجِعٌ) جملةٌ وقعت حالًا، وكذا قوله: (وقَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ) بكسر الشِّين، أي: جانبه (وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُهُ (١) عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ) يا (أَبَا تُرَابٍ، قُمْ) يا (أَبَا تُرَابٍ) بحذف حرف النِّداء المُقدَّر. واستُنبِط منه: الملاطفة بالأصهار، ونوم غير الفقراء في المسجد، وغير ذلك من وجوه الانتفاعات المباحة، وجواز التَّكنية بغير الولد.
ورواته الأربعة مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف فبلخيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٨٠] وفي «فضل عليٍّ» [خ¦٣٧٠٣]، ومسلمٌ في «الفضائل».
٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) المروزيُّ، السَّابق في «باب مَن توضَّأ من الجنابة» [خ¦٢٧٤] (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح المُعجَمة مُصغَّرًا، وهو محمَّد بن فُضَيْلٍ بن غزوان الكوفيُّ (عَنْ أَبِيهِ) فُضَيْلٍ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة والزَّاي، سلْمان -بسكون اللَّام- الأشجعيِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ، وهو غير الرَّاوي في الحديث السَّابق [خ¦٤٤١] والمميِّز بينهما: أنَّ الرَّاوي في الحديث السَّابق (٢) عن سهلٍ هو سلمة بن دينارٍ، والرَّاوي عن أبي هريرة سلمانُ الأشجعيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ) وللأربعة: «قال: لقد رأيت» (سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ) هم غير السَّبعين الَّذين استُشهِدوا ببئر معونة لأنَّهم استُشهِدوا قبل إسلام أبي هريرة (مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ) بكسر الرَّاء، وهو ما يستر أعالي البدن فقط (إِمَّا إِزَارٌ) فقط (وَإِمَّا كِسَاءٌ) على الهيئة المذكورة في قوله: (قَدْ رَبَطُوا) بحذف الضَّمير العائد على الكساء، والجمع
стр. 1541
باعتبار أنَّ المراد بالرَّجل: الجنس، أي: ربطوا الأكسية (فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا) أي: الأكسية المذكورة (١)، والجمع باعتبار أنَّ الكساء جنسٌ (مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ) الواحد منهم (بِيَدِهِ) زاد الإسماعيليُّ (٢): إنَّ ذلك حال كونهم في الصَّلاة (كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ).
(٥٩) (بابُ الصَّلَاةِ) في المسجد (إِذَا قَدِمَ) الرَّجل (مِنْ سَفَرٍ، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) في حديثه الطَّويل في قصَّة تخلُّفه عن غزوة تبوكٍ ممَّا هو موصولٌ عند المؤلِّف [خ¦٤٤١٨]: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ).
٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بتشديد اللَّام بوزن «فعَّالٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وفتح العين المُهمَلة (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بميمٍ مضمومةٍ بعدها حاءٌ مُهمَلةٌ ثمَّ راءٌ مكسورةٌ آخره مُوحَّدةٌ في الأولى، وكسر الدَّال المُهمَلة وبالمُثلَّثة آخره راءٌ، السَّدوسيُّ، قاضي الكوفة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ) جملةٌ حاليَّةٌ (قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: ضُحًى) هو كلامٌ مُدرَجٌ من الرَّاوي، والضَّمير
стр. 1542
المنصوب لـ «محارب» أي: أظنُّه قال بزيادة هذه اللَّفظة (فَقَالَ) لي رسول الله ﷺ : (صَلِّ رَكْعَتَيْنِ) أي: للقدوم من السَّفر، وليستا تحيَّة المسجد، قال جابرٌ: (وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ) أوقيةً (فَقَضَانِي) أي: عند قدومه من السفر (وَزَادَنِي) وللحَمُّويي في غير «اليونينيَّة» (١): «وكان له عليه دينٌ» أي: كان لجابرٍ على النَّبيِّ ﷺ دينٌ (٢)، وحينئذٍ ففي قوله بعد ذلك: «فقضاني» التفاتٌ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في نحو عشرين موضعًا، مُطوَّلًا ومختصرًا، موصولًا ومُعلَّقًا، وفيه: أنَّه وجد النَّبيَّ ﷺ على باب المسجد قال: «الآن قدمت؟» قلت: نعم، قال: «فادخل فصلِّ ركعتين» [خ¦٢٠٩٧].
ورواته كلُّهم كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» و «البيوع»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
(٦٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ) وللأَصيليِّ: «إذا دخل أحدكم المسجد»
стр. 1543
(فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية ابن عساكر: «قبل أن يجلس».
٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضمِّ السِّين (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء وبالقاف، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث -بالمُثلَّثة- ابن رِبْعِيٍّ، بكسر الرَّاء وتسكين (١) المُوحَّدة (السَّلَمِيِّ) بفتحتين وفي آخره ميمٌ كذا ضبطه الأَصيليُّ والجيَّانيُّ لأنَّه من الأنصار، قال القاضي عياضٌ: وأهل العربيَّة يفتحون اللَّام؛ لكراهة توالي الكسرات، وضبطه الأكثرون بكسر اللَّام، نسبةً إلى سَلِمة، بكسرها، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ) أي: وهو متوضِّئٌ (فَلْيَرْكَعْ) أي: فليصلِّ ندبًا (رَكْعَتَيْنِ) تحيَّة المسجد (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) تعظيمًا للبقعة (٢)، فلو خالف وجلس هل يُشرَع له التَّدارك؟ صرَّح جماعةٌ بأنَّه لا يُشرَع له التَّدارك، ولو جلس سهوًا وقَصُرَ الفصلُ شُرِع له ذلك، كما جزم به في «التَّحقيق»، ونقله في «الرَّوضة» عن ابن عبدان
стр. 1544
واستغربه، وأيَّده بأنَّه ﷺ قال وهو قاعدٌ على المنبر يوم الجمعة لسُلَيْكٍ الغَطَفَانِيِّ لمَّا قعد قبل أن يصلِّي: (قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْن) إذ (١) مقتضاه -كما في «المجموع» - أنَّه (٢) إذا تركها جهلًا أو سهوًا شُرِع له فعلُها إن قَصُرَ الفصلُ، قال: وهو المختار، قال في «شرح المُهذَب»: فإن صلَّى أكثر من ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ جاز، وكانت كلُّها تحيَّةً لاشتمالها على الرَّكعتين، وتحصل بفرضٍ أو نفلٍ آخر، سواءٌ نُوِيت معه أم لا لأنَّ المقصود وجود صلاةٍ قبل الجلوس، وقد وُجِدت بما ذُكِر، ولا تضرُّه نيَّة التَّحيَّة لأنَّها سُنَّةٌ (٣) غير مقصودةٍ بخلاف نيَّة فرضٍ وسُنَّةٍ مقصودةٍ فلا تصحُّ، ولا تحصل بركعةٍ ولا بجنازةٍ، وسجدة تلاوةٍ وشكرٍ على الصَّحيح، ولا تُسَنُّ لداخل المسجد الحرام لاشتغاله بالطَّواف، واندراجها تحت ركعتيه، ولا إذا اشتغل الإمام بالفرض لحديث «الصَّحيحين»: «إذا أُقِيمت الصَّلاة فلا صلاة إِلَّا المكتوبة» ولا إذا شرع المؤذِّن في
стр. 1545
إقامة الصَّلاة، أو قرب إقامتها، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده المنبر على الأصحِّ (١) في «الرَّوضة»، ولو دخل وقت كراهةٍ كُرِه له أن يصلِّيَها في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالكٍ، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيِّ عدم الكراهة.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٦١) (بابُ) حكم (الحَدَثِ) النَّاقض للوضوء، كالرِّيح ونحوه الحاصل (فِي المَسْجِدِ).
٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (٢) (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) هو (٣) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المَلَائِكَةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة» (٤):