← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

باعتبار أنَّ المراد بالرَّجل: الجنس، أي: ربطوا الأكسية (فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا) أي: الأكسية المذكورة (١)، والجمع باعتبار أنَّ الكساء جنسٌ (مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ) الواحد منهم (بِيَدِهِ) زاد الإسماعيليُّ (٢): إنَّ ذلك حال كونهم في الصَّلاة (كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ). (٥٩) (بابُ الصَّلَاةِ) في المسجد (إِذَا قَدِمَ) الرَّجل (مِنْ سَفَرٍ، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) في حديثه الطَّويل في قصَّة تخلُّفه عن غزوة تبوكٍ ممَّا هو موصولٌ عند المؤلِّف [خ¦٤٤١٨]: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ). ٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بتشديد اللَّام بوزن «فعَّالٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وفتح العين المُهمَلة (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بميمٍ مضمومةٍ بعدها حاءٌ مُهمَلةٌ ثمَّ راءٌ مكسورةٌ آخره مُوحَّدةٌ في الأولى، وكسر الدَّال المُهمَلة وبالمُثلَّثة آخره راءٌ، السَّدوسيُّ، قاضي الكوفة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ) جملةٌ حاليَّةٌ (قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: ضُحًى) هو كلامٌ مُدرَجٌ من الرَّاوي، والضَّمير

стр. 1542

المنصوب لـ «محارب» أي: أظنُّه قال بزيادة هذه اللَّفظة (فَقَالَ) لي رسول الله ﷺ : (صَلِّ رَكْعَتَيْنِ) أي: للقدوم من السَّفر، وليستا تحيَّة المسجد، قال جابرٌ: (وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ) أوقيةً (فَقَضَانِي) أي: عند قدومه من السفر (وَزَادَنِي) وللحَمُّويي في غير «اليونينيَّة» (١): «وكان له عليه دينٌ» أي: كان لجابرٍ على النَّبيِّ ﷺ دينٌ (٢)، وحينئذٍ ففي قوله بعد ذلك: «فقضاني» التفاتٌ. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في نحو عشرين موضعًا، مُطوَّلًا ومختصرًا، موصولًا ومُعلَّقًا، وفيه: أنَّه وجد النَّبيَّ ﷺ على باب المسجد قال: «الآن قدمت؟» قلت: نعم، قال: «فادخل فصلِّ ركعتين» [خ¦٢٠٩٧]. ورواته كلُّهم كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» و «البيوع»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (٦٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ) وللأَصيليِّ: «إذا دخل أحدكم المسجد»

стр. 1543

(فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية ابن عساكر: «قبل أن يجلس». ٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضمِّ السِّين (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء وبالقاف، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث -بالمُثلَّثة- ابن رِبْعِيٍّ، بكسر الرَّاء وتسكين (١) المُوحَّدة (السَّلَمِيِّ) بفتحتين وفي آخره ميمٌ كذا ضبطه الأَصيليُّ والجيَّانيُّ لأنَّه من الأنصار، قال القاضي عياضٌ: وأهل العربيَّة يفتحون اللَّام؛ لكراهة توالي الكسرات، وضبطه الأكثرون بكسر اللَّام، نسبةً إلى سَلِمة، بكسرها، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ) أي: وهو متوضِّئٌ (فَلْيَرْكَعْ) أي: فليصلِّ ندبًا (رَكْعَتَيْنِ) تحيَّة المسجد (قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) تعظيمًا للبقعة (٢)، فلو خالف وجلس هل يُشرَع له التَّدارك؟ صرَّح جماعةٌ بأنَّه لا يُشرَع له التَّدارك، ولو جلس سهوًا وقَصُرَ الفصلُ شُرِع له ذلك، كما جزم به في «التَّحقيق»، ونقله في «الرَّوضة» عن ابن عبدان

стр. 1544

واستغربه، وأيَّده بأنَّه ﷺ قال وهو قاعدٌ على المنبر يوم الجمعة لسُلَيْكٍ الغَطَفَانِيِّ لمَّا قعد قبل أن يصلِّي: (قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْن) إذ (١) مقتضاه -كما في «المجموع» - أنَّه (٢) إذا تركها جهلًا أو سهوًا شُرِع له فعلُها إن قَصُرَ الفصلُ، قال: وهو المختار، قال في «شرح المُهذَب»: فإن صلَّى أكثر من ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ جاز، وكانت كلُّها تحيَّةً لاشتمالها على الرَّكعتين، وتحصل بفرضٍ أو نفلٍ آخر، سواءٌ نُوِيت معه أم لا لأنَّ المقصود وجود صلاةٍ قبل الجلوس، وقد وُجِدت بما ذُكِر، ولا تضرُّه نيَّة التَّحيَّة لأنَّها سُنَّةٌ (٣) غير مقصودةٍ بخلاف نيَّة فرضٍ وسُنَّةٍ مقصودةٍ فلا تصحُّ، ولا تحصل بركعةٍ ولا بجنازةٍ، وسجدة تلاوةٍ وشكرٍ على الصَّحيح، ولا تُسَنُّ لداخل المسجد الحرام لاشتغاله بالطَّواف، واندراجها تحت ركعتيه، ولا إذا اشتغل الإمام بالفرض لحديث «الصَّحيحين»: «إذا أُقِيمت الصَّلاة فلا صلاة إِلَّا المكتوبة» ولا إذا شرع المؤذِّن في

стр. 1545

إقامة الصَّلاة، أو قرب إقامتها، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده المنبر على الأصحِّ (١) في «الرَّوضة»، ولو دخل وقت كراهةٍ كُرِه له أن يصلِّيَها في قول أبي حنيفة وأصحابه ومالكٍ، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيِّ عدم الكراهة. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٦١) (بابُ) حكم (الحَدَثِ) النَّاقض للوضوء، كالرِّيح ونحوه الحاصل (فِي المَسْجِدِ). ٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (٢) (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) هو (٣) بكسر الزَّاي وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: المَلَائِكَةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة» (٤):

стр. 1546

«إنَّ الملائكة» والجمع المُحلَّى بـ «ال» يفيد الاستغراق (تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: ما دام في المكان (الَّذِي صَلَّى فِيهِ) يحتمل أنَّه قبل صلاة الفرض أو بعد الفراغ منه، بوَّب عليه البيهقيُّ في التَّرغيب في مكث المصلِّي في مُصلَّاه الَّذي صلَّى فيه لإطالة ذكر الله تعالى، قال في «شرح التَّقريب»: وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ الجلوسُ بعد الفراغ من الفرض، وهو ظاهرُ قوله: «في مصلَّاه الَّذي صلَّى فيه» ويكون المرادُ بجلوسه انتظارَ صلاةٍ أخرى لم تأتِ، وهو مُصرَّحٌ به في بعض طرق أبي هريرة عند الإمام أحمد، ولفظه: «منتظر الصَّلاة بعد الصَّلاة كفارسٍ اشتدَّ به فرسه على كشحه، تصلِّي عليه ملائكة الله » (١) (مَا لَمْ يُحْدِثْ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه، أي: ما لم يحصل منه ما ينقض الطَّهارة، فإن أحدث حُرِم استغفارهم ولو استمرَّ جالسًا معاقبةً له لإيذائه لهم برائحته الخبيثة، وهو يدلُّ على أنَّه أشدُّ من (٢) النُّخامة لأنَّ لها كفَّارةً وهي الدَّفن بخلافه، وصلاة الملائكة (تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) ذنوبه (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ). ومباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في «باب من جلس ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٥٩] وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٧]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ. (٦٢) (بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ.

стр. 1547

(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٢٧]: (كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي (١): الَّذي يُجرَد عنه الخُوص، فإن لم يُجرَد فَسَعَفٌ. (وَأَمَرَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَقَالَ) للصَّانع: (أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ) بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النُّون المُشدَّدة على صيغة (٢) الأمر من الإكنان، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر، وهو ما يسترهم من (٣) الشَّمس، وهي رواية الأَصيليِّ لكن بزيادة الواو (٤)، وهي الأظهر، وفي روايةٍ: «وأَكِنِّ» كذلك لكن مع كسر النُّون، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أُكِنُّ» بضمِّ الهمزة والنُّون المُشدَّدة بلفظ المتكلِّم من الفعل المضارع المرفوع، وضبطه بعضهم: كِنَّ بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النُّون على صيغة الأمر، على أنَّ أصله: «أَكِنَّ» فحُذِفت الهمزة تخفيفًا، قال القاضي: وهو صحيحٌ، وجوَّز ابن مالكٍ: «كُنَّ» بضمِّ الكاف وحذف الهمزة على أنَّه من «كُنَّ» فهو مكنونٌ أي: صانه، قال العينيُّ كغيره: وهذا له وجهٌ، ولكنَّ الرِّواية: كُنَّ، بضمِّ الكاف وحذف الهمزة (٥) لا تساعده (وَإِيَّاكَ) خطابٌ للصَّانع (أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ) أي: إيَّاك وتحمير المسجد وتصفيره (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بفتح

стр. 1548

المُثنَّاة الفوقيَّة وتسكين الفاء وفتح النُّون، من: فتن يفتن، كضرب يضرب، وضبطه الزَّركشيُّ بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (١) على أنَّه من «أفتن»، وأنكره الأصمعيُّ. (وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله أبو يعلى الموصليُّ (٢) في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه»: (يَتَبَاهَوْنَ) بفتح الهاء من المباهاة، أي: يتفاخرون (بِهَا) أي: بالمساجد (ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا) بالصَّلاة والذِّكر (إِلَّا قَلِيلًا) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدل من ضمير الفاعل. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله أبو داود (٣) وابن حبَّان: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بفتح «لام القسم» وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح الزَّاي وسكون الخاء المُعجَمة وكسر الرَّاء وضمِّ الفاء دلالةً على واو الضَّمير المحذوفة عند اتِّصال نون التَّوكيد، من الزَّخرفة، وهي الزِّينة بالذَّهب ونحوه (كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى) كنائسهم وبِيَعَهم لمَّا حرَّفوا الكتب وبدَّلوها، وضيَّعوا الدِّين وعرَّجوا على الزَّخارف والتَّزيين (٤). واستُنبِط منه: كراهية زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلِّي بذلك، أو (٥) لصرف المال في غير وجهه، نعم إذا وقع ذلك على سبيل التَّعظيم للمساجد، ولم يقع الصَّرف عليه من بيت المال فلا بأس به، ولو أوصى بتشييد مسجدٍ وتحميره وتصفيره نُفِذت وصيِّته لأنَّه قد حدث

стр. 1549

للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين (١) الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و (٢) بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا لبقاء العلَّة. ٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) (٣) بن جعفر بن نُجَيْحٍ، المشهور بابن المدينيِّ (٤)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) وللأَصيليِّ: «ابن (٥) إبراهيم بْنِ سَعْدٍ» أي: ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ الأصل، العراقيُّ الدَّار (قَالَ: حدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعدٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عمر» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (كَانَ عَلَى عَهْدِ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ) ﷺ وأيَّامه، وللأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» (¬ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة، وهو الطُّوب النَّيِّء (وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعَُمَُدُهُ) بضمِّ العين والميم، وبفتحهما (خَُشَُبُ النَّخْلِ) بفتح الخاء

стр. 1550

والشِّين، وبضمِّهما (فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) ﵁، أي: لم يغيِّر فيه (شَيْئًا) بالزِّيادة والنُّقصان (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ في الطُّول والعرض (وَ) لم يغيِّر (٢) في بنيانه، بل (بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ، وَأَعَادَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو (٣) بفتحتين (خَشَبًا) لأنَّها بَلِيَت (ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ من جهة التَّوسيع (٤) وتغيير الآلات (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ) بدل اللَّبِن (٥) (وَالقَصَّةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: الجصُّ بلغة أهل الحجاز. يُقال: قصَّص داره إذا (٦) جصَّصها، وللحَمُّويي والمُستملي في غير «اليونينيَّة» (٧): «بحجارةٍ منقوشةٍ» بالتَّنكير (وَجَعَلَ عَُمَُدَهُ) بضمَّتين، أو بفتحتين (مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ) بفتح القاف والفاء، بلفظ الماضي عطفًا على «جعل»، وفي فرع «اليونينيَّة» (٨): «وسَقْفَه» من الشَّجر، بإسكان القاف وفتح الفاء عطفًا على «عُمُدَه»، وضبطه البرماويُّ: «وسقَّفه» بتشديد القاف، والسَّاج بالجيم، ضربٌ من الشَّجر يُؤتَى به من الهند، الواحدة ساجةٌ.

стр. 1551

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١) ومدنيٍّ، وفيه: رواية الأقران: صالحٍ عن نافعٍ لأنَّهما من طبقةٍ واحدةٍ، وتابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة». (٦٣) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع (﴿مَا كَانَ﴾) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «وقول الله : ﴿مَا كَانَ﴾» ولابن عساكر: «قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾» (﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾) أي: ما صحَّ لهم (﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد (٣) (﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول ﷺ ، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ ﵁ في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: (﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾) الَّتي (٤) يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها (﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾) لأجله (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ

стр. 1552

مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ (١) له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض (٢) المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» (﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾) في أبواب الدِّين (﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في (٣) زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و «لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا (٤) في الفرع وأصله (٥)، لكنَّه

стр. 1553

رُقِم على قوله: ﴿شَاهِدِينَ﴾ علامة السُّقوط إلى آخرها (١)، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ: «﴿أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾» الآيةَ، ولفظ (٢) الأَصيليِّ: «﴿مَسَاجِدَ الله﴾ … إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾». ٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) الدَّبَّاغ الأنصاريُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الذَّال المعجمة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله (٣) ﵄ (وَلاِبْنِهِ) أي: لابن عبد الله بن عبَّاسٍ (عَلِيٍّ) أبي الحسن العابد الزَّاهد، المُتوفَّى بعد العشرين والمئة، وكان مولده يوم قُتِل عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁، فسُمِّي باسمه، وكان -فيما قِيلَ- أجملَ قرشيٍّ (٤) في الدُّنيا: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ (فَاسْمَعَا) ولأبي ذَرٍّ: «واسمعا» (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ) أي: أبو سعيدٍ (فِي حَائِطٍ) أي: بستانٍ (يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) بالحاء المهملة والمُوحَّدة، أي: جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه (ثُمَّ أَنْشَأَ) أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ) وللأربعة وكريمة: «حتَّى إذا أتى على ذكر» وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٥) والكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى أتى على ذكر» (بِنَاءِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَقَالَ) أبو سعيدٍ:

стр. 1554

(كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة: الطُّوب النِّيء (وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ، وأمُّه سميَّة (١)، يحمل (لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ) ذكرهما مرَّتين كلبنةٍ، وزاد مَعْمَرٌ في روايته (٢) في «جامعه»: لَبِنَةً عنه ولبنةً عن رسول الله ﷺ (فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) الضَّمير المنصوب لعمَّارٍ ﵁ (فَيَنْفُضُ) بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السَّامع كأنَّه يشاهده، ولأبي الوقت وابن عساكر: «فنفض» بصيغة الماضي، وللأَصيليِّ وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «فجعل ينفض» (٣) (التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ) في تلك الحالة: (وَيْحَ عَمَّارٍ) بفتح الحاء والإضافة، كلمةُ رحمةٍ لمن وقع في هَلَكَةٍ لا يستحقُّها، كما أنَّ «ويل» كلمةُ عذابٍ لمن يستحقُّها (تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ) أي: يدعو عمَّارٌ الفئةَ الباغية، وهم أصحاب

стр. 1555

معاوية ﵁ الَّذين قتلوه في وقعة صفِّين (إِلَى) سبب (الجَنَّةِ) وهو طاعة عليّ بن أبي طالبٍ (١) ﵁، الإمام الواجب الطَّاعة إذ ذاك (وَيَدْعُونَهُ إِلَى) سبب (النَّارِ) لكنَّهم معذورون للتَّأويل (٢) الَّذي ظهر لهم؛ لأنَّهم كانوا مجتهدين ظانِّين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم؛ فإنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وأُعِيد الضَّمير عليهم وهم غير مذكورين صريحًا، لكن وقع في رواية ابن السَّكن وكريمة وغيرهما، وثبت في نسخة الصَّغانيِّ المقابلة على نسخة الفَِرَبْريِّ الَّتي بخطِّه -وهو الَّذي ثبت في أصل «اليونينيَّة» - وسقط عنده لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (٣) «ويح عمَّارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم» والفئة: هم أهل الشَّام، وهذه الزِّيادة حذفها المؤلِّف لنكتةٍ، وهي أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ ﵁ لم يسمعها من النَّبيِّ ﷺ ، كما بيَّن ذلك في رواية البزَّار من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ ﵁، ولفظه: قال أبو سعيدٌ: فحدَّثني أصحابي ولم أسمعه من النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يا ابن سميَّة، تقتلك الفئة الباغية» وإسناده على شرط مسلمٍ

стр. 1556

لا المؤلِّف، ومن ثمَّ اقتصر على القدر الَّذي سمعه أبو سعيدٍ من الرَّسول ﷺ دون غيره (قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ). واستُنبِط منه: استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء أنَّه يتمسَّك فيها بالحقِّ لأنَّها قد تفضي إلى ما لا يرى وقوعه، وفيه ردٌّ على ما اشتُهِر على الألسنة ممَّا لا أصل له: لا تستعيذوا من الفتن أو لا تكرهوا الفتن فإنَّ فيها حصاد المنافقين. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨١٢] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٩]. (٦٤) (بابُ الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ) بضمِّ الصَّاد وتشديد النُّون، من عطف العامِّ على الخاصِّ (فِي أَعْوَادِ المِنْبَرِ وَالمَسْجِدِ) جوَّز الحافظ ابن حجرٍ أنَّ (١) في التَّرجمة لفًّا ونشرًا مُرتَّبًا، فقوله: «في أعواد المنبر» يتعلَّق بـ «النَّجَّار»، وقوله: «والمسجد» يتعلَّق بـ «الصُّنَّاع» أي: في بنائه، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ النَّجَّار داخلٌ في الصُّنَّاع، وشرط اللَّفِّ والنَّشر أن يكون من متعدِّدٍ. ٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) وللأَصيليِّ: «قتيبة بن سعيدٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن أبي حازمٍ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد «أبو حازمٍ» (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ

стр. 1557

السَّاعديُّ ﵁ (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ) من الأنصار، واسمها عائشة (أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ) باقوم أو ميمون أو مِينا -بكسر الميم- أو قبيصة أو غير ذلك، و «أنْ»: مفسِّرةٌ (١) بمنزلة «أي» كهي في قوله تعالى: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] وضُبِّب في «اليونينيَّة» على لفظ: «أَنْ» (٢) (يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا) أي: منبرًا مُركَّبًا منها (أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ) أي: على (٣) الأعواد، و «أجلسُ» بالرَّفع لأنَّ الجملة صفةٌ لـ «أعواد»، و «يعمل» بالجزم جواب الأمر. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بلخيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا (٤) في «الصَّلاة» [خ¦٩١٧]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. ٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادٌ) هو ابن يحيى بن صفوان السَّلميُّ الكوفيُّ نزيل مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الميم آخره نونٌ، الحبشيُّ مولى بني مخزومٍ (عَنْ أَبِيهِ) أيمن (عَنْ جَابِرٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن عبد الله» (أَنَّ امْرَأَةً) هي

стр. 1558

المذكورة في حديث سهلٍ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا) بتخفيف لام «لا» النَّافية بعد همزة الاستفهام (أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟) إذا خطبت النَّاس (فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّ لي غلام نجَّار» (قَالَ) ﷺ لها (١): (إِنْ شِئْتِ) عملت (فَعَمِلَتِ) المرأة (المِنْبَرَ) وهذا إسنادٌ مجازيٌّ كإضافتها الجعل لأنَّ العامل هو الغلام، وأُجيب عمَّا في هذين الحديثين من التَّعارض لأنَّ في حديث سهلٍ [خ¦٤٤٨] أنَّه ﵊ سأل المرأة، وفي حديث جابرٍ أنَّها السَّائلة باحتمال أنَّها بدأت بالسُّؤال، فلمَّا أبطأ الغلام استنجزها إتمامه لِما علم من طيب قلبها بما بذلت من صنعة غلامها، أو أرسل إليها ليعرِّفها (٢) ما يصنعه الغلام بصفةٍ للمنبر مخصوصةٍ، أو أنَّه لمَّا فوَّض إليها الأمر بقوله لها: «إن شئت» كان ذلك سبب البطء، لا أنَّ الغلام كان شرَع وأبطأ، ولا أنَّه جهل الصِّفة. ورواة هذا الحديث الأربعة مابين كوفيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٤]. (٦٥) (بابُ) بيان فضل (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا).

стр. 1559

٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المُلقَّب بدرَّة الغوَّاص (أَنَّ بُكَيْرًا) بضمِّ المُوحَّدة بالتَّصغير، وهو ابن عبد الله بن الأشجِّ، مدنيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ) وللأَصيليِّ: «أخبره» (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريَّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين ومئةٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ) بتصغير العبد، ابن الأسود (الخَوْلَانِيَّ) بفتح الخاء (١) المعجمة، ربيب أمِّ المؤمنين ميمونة ﵂ (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁¬) حال كونه (يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي: في (٢) إنكارهم عليه (حِينَ بَنَى) أي: حين (٣) أراد أن يبني (٤) (مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ ¬) بأن يبنيه (٥) بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، ويجعل عُمُدَه من الحجارة، ويسقفه (٦) بالسَّاج، وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، ولم يبنِ المسجد إنشاءً، وإنَّما وسَّعه وشيَّده: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) أي: الكلام في الإنكار على ما فعلته (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٧): «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: مَنْ

стр. 1560

بَنَى) حقيقةً أو مجازًا (مَسْجِدًا) كبيرًا كان أو صغيرًا، ولابن خزيمة: «كمَفْحَص (١) قطاةٍ أو أصغر» ومَفْحَصها (٢) بفتح الميم والحاء المهملة كمَقْعَدٍ، هو مجثمها (٣) لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنَّها تفحص عنه التُّراب، أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، ولا ريب أنَّه لا يكفي مقداره للصَّلاة فيه، فهو محمولٌ على المبالغة لأنَّ الشَّارع يضرب المثل في الشَّيء بما لا يكاد يقع كقوله: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًّا» وقد ثبت أنه ﷺ قال: «الأئمَّة من قريشٍ»، أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون تلك الزِّيادة هذا (٤) القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجدٍ فتقع حصَّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر، أو المراد بالمسجد موضع السُّجود وهو ما يسع الجبهة، فأطلق عليه البناء مجازًا، لكنَّ الحمل على الحقيقة أَوْلى، وخصَّ القطاة بهذا لأنَّها لا تبيض في (٥) شجرةٍ ولا على رأس جبلٍ، بل (٦) إنَّما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطَّير فلذلك شبَّه به المسجد، ولأنَّها تُوصَف بالصِّدق، فكأنَّه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه (٧)، كما قال الشَّيخ أبو الحسن الشَّاذليُّ: خالص العبوديَّة الاندماج في طيِّ الأحكام من غير شُهرةٍ ولا إرادةٍ، وهذا شأن هذا الطَّائر، وقِيلَ: لأنَّ أفحوصها (٨)

стр. 1561

يشبه (١) محراب المسجد في استدارته وتكوينه. (قَالَ بُكَيْرٌ) المذكور: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: شيخه عاصمًا (قَالَ) بالإسناد السَّابق: (يَبْتَغِي بِهِ) أي: ببناء المسجد (وَجْهَ اللهِ) ، أي: ذاته تعالى طلبًا لمرضاته تعالى (٢)، لا رياءً ولا سُمْعةً، ومن كتب اسمه على المسجد الَّذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص، قاله ابن الجوزيِّ، وجملة «يبتغي» في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النَّبيِّ، وإنَّما لم يجزم بُكَيْرٌ بهذه الزِّيادة لأنَّه نسيها، فذكرها بالمعنى متردِّدًا في اللَّفظ الَّذي ظنَّه، والجملة اعتراضٌ بين الشَّرط -وهو قوله: «من بنى» - وجوابه وهو قوله: (بَنَى اللهُ) (لَهُ) -مجازًا- بناءً (مِثْلَهُ) في مُسمَّى البيت، حال كونه (فِي الجَنَّةِ) لكنَّه في السَّعة أفضل، مما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وروى الإمام أحمد بإسنادٍ ليِّنٍ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه»، أو المراد بالجزاء أبنيةٌ متعدِّدةٌ، أي: بنى الله له عشرة أبنيةٍ مثله، إذ الحسنة بعشر أمثالها، والأصل: أنَّ جزاء الحسنة الواحدة واحدٌ (٣)

стр. 1562

بحكم العدل، والزِّيادة عليه بحكم الفضل. ورواة هذا الحديث السَّبعة ثلاثةٌ مصريُّون، بالميم، وثلاثةٌ مدنيُّون، والرَّابع بينهما مدنيٌّ سكن مصر، وهو بُكَيْرٌ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار به والسَّماع، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ. (٦٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ عند الأَصيليِّ (يَأْخُذُ) الشَّخص (بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ) والنَّبْل: بفتح النُّون وسكون المُوحَّدة، السِّهام العربيَّة، لا واحد لها من لفظها (١)، ولابن عساكر: «يأخذ بنصال النَّبل» ولأبي ذَرٍّ: «يأخذ نصول النَّبل». ٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بضمِّ القاف، وللأربعة: «ابْنُ سَعِيدٍ» أي: ابن جَميلٍ بفتح الجيم، ابن طريفٍ، الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجَمة (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ الكوفيُّ ثمَّ المكِّيُّ، تغيَّر حفظه بأخرةٍ، وربَّما دلَّس لكن عن الثِّقات (قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ بحاءٍ مُهمَلةٍ وراءٍ، الأنصاريَّ ثمَّ

стр. 1563

السَّلَمِيَّ بفتحتين، حال كونه (يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ) لم أقف (١) على اسمه (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَمَعَهُ سِهَامٌ) قد أُبدِي نصولها، ولـ «مسلمٍ» من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ: أنَّ المارَّ المذكور كان يتصدَّق بالنَّبل في المسجد (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا) كي لا تخدش مسلمًا، وهذا من كريم خلقه ﷺ ، ولم يذكر قتيبة في هذا السِّياق جواب عمرو بن دينارٍ عن (٢) استفهام سفيان. نعم ذكر في رواية الأَصيليِّ أنَّه قال في آخره: «فقال: نعم» وكذا ذكرها المؤلِّف في (٣) غير رواية قتيبة في (٤) «الفتن» [خ¦٧٠٧٣] والمذهب الرَّاجح الَّذي عليه الأكثرون -وهو مذهب المؤلِّف- أنَّ قول الشَّيخ: نعم، لا (٥) يُشترَط، بل يُكتفى بالسُّكوت إذا كان متيقِّظًا. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٧٣]، ومسلمٌ في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الجهاد»، وابن ماجه في «الأدب». (٦٧) (بابُ) جواز (المُرُورِ فِي المَسْجِدِ) بالنَّبل إذا أمسك بنصالها. ٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَرِيُّ بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، التَّبُوذَكِيُّ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ المُوحَّدة وسكون الواو وفتح المُعجَمة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ مولاهم البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون

стр. 1564

الرَّاء، بُرَيْدٌ بمُوحَّدةٍ وراءٍ مُصَغَّرًا (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بُرْدَةَ بن أبي موسى الأشعريُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ) جدِّي (أَبَا بُرْدَةَ) عامرًا (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريِّ عبد الله (١) بن قيسٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ) معه، و «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ (٢) من الرَّاوي، و «مَنْ»: موصولٌ في موضع (٣) رفعٍ على الابتداء، خبره: قوله: (فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا) زاد الأَصيليُّ: «بكفِّه» ضمَّن كلمة «الأخذ» هنا معنى الاستعلاء للمُبالَغة، فعُدِّيت بـ «على»، وإِلَّا فالوجه تعديته بالباء، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «يأخذ» أي: فليأخذ على نصالها بكفِّه (لَا يَعْقِرْ) جُزِمَ (٤) بـ «لا» النَّاهية، ويجوز الرَّفع، أي: لا يجرح (بِكَفِّهِ

стр. 1565

مُسْلِمًا) وللأصيليِّ: «بكفِّه لا يعقر مسلمًا» بسبب ترك أخذ النِّصال، ولـ «مسلمٍ» من رواية أبي أسامة: «فليمسك على نصالها بكفِّه أن يصيب أحدًا من المسلمين». ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الفتن» [خ¦٧٠٧٥]، ومسلمٌ في «الأدب»، وأبو داود في «الجهاد»، وابن ماجه في «الأدب». (٦٨) (بابُ) حكم إنشاد (الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ). ٤٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) البَهْرانيُّ -بفتح المُوحَّدة- الحمصيُّ، وسقط «أبو اليمان» للأَصيليِّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة بالحاء المُهمَلة والزَّايِ، الأمويُّ، واسم أبي حمزة دينارٌ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) عبد الله أو إسماعيل (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريُّ المدنيُّ،

стр. 1566

وعند المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٢١٢] من طريق سفيان بن عُيَيْنَةَ عن الزُّهريِّ: فقال: عن سعيد بن المُسيَّب بدل «أبي سلمة» وهو غير قادحٍ لأنَّ الرَّاجح أنَّه عنده عنهما معًا، فكان يحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا (أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ) أي: ابن المنذر بن حَرَامٍ بفتح الحاء (١) المُهمَلة والرَّاء (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجيَّ شاعر رسول الله ﷺ حال كونه (يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي: يطلب منه الشَّهادة، أي: الإخبار، فأطلق عليه الشَّهادة مبالغةً في تقوية الخبر (أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين، والجلالة الشَّريفة نُصِبَ، أي: سألتك بالله (٢) (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ أَجِبْ) دافعًا، وليس من إجابة السُّؤال، أوِ المعنى: أجب الكفَّار (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) إذ هجَوه وأصحابه، وفي رواية سعيد بن المُسيَّب: «أجب عنِّي» فعبَّر عنه بما هنا تعظيمًا، أو أنَّه ﵊ قال ذلك كذلك (٣) تربيةً للمهابة، وتقويةً لداعي المأمور كما في قوله: الخليفة رسم بكذا، بدل قوله (٤): أنا رسمت (٥) (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) أي: قوِّه (بِرُوحِ القُدُسِ) جبريل صلوات الله عليه وسلامه. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (نَعَمْ) سمعته يقول ذلك، فإن قلت: ليس في حديث الباب أنَّ حسَّانًا أنشد شعرًا في المسجد بحضرته ﵊، وحينئذٍ فلا تطابق بينه

стр. 1567

وبين التَّرجمة، أجيب بأنَّ غرض المؤلِّف تشحيذ الأذهان بالإشارات، ووجه ذلك هنا: أنَّ هذه المقالة منه ﷺ دالَّةٌ على أنَّ للشِّعر حقًّا يتأهَّل صاحبه لأن يُؤيَّد في النُّطق به بجبريل صلوات الله عليه وسلامه، وما هذا شأنه يجوز قوله (١) في المسجد قطعًا، والَّذي يحرم إنشاده فيه ما كان من الباطل المنافي لِما اتُّخِذت له المساجد من الحقِّ، أو أنَّ روايته في «بدء الخلق» تدلُّ على أنَّ قوله ﵊ لحسَّان: «أجب عنِّي» كان في المسجد، وأنَّه أنشد فيه ما أجاب به المشركين، ولفظه مرفوعًا: «مرَّ عمر ﵁ في المسجد وحسَّان ينشد فزجره، فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خيرٌ منك، ثمَّ التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله .... » الحديثَ. ورواة حديث هذا (٢) الباب السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالإفراد (٣) والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٣٢١٢]، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» وفي «اليوم واللَّيلة». (٦٩) (بابُ) جواز دخول (أَصْحَابِ الحِرَابِ فِي المَسْجِدِ) ونصال حرابهم مشهورةٌ، والحِراب بالكسر، جمع: حَرْبةٍ بفتحها. ٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا

стр. 1568

إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن كيسان» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام بن خويلدٍ الأسديُّ المدنيُّ (أَنَّ) أمَّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ) أي: والله لقد أبصرت (رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ) للتَّدريب على مواقع الحروب والاستعداد للعدُوِّ، ومن ثمَّ جاز فعله في المسجد لأنَّه من منافع الدِّين (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ) وآلاتهم، لا إلى ذواتهم إذ نظر الأجنبيَّة إلى الأجنبيِّ غير جائزٍ شرعًا (١)، وهذا يدلُّ على أنَّه كان بعد نزول آية الحجاب، ولعلَّه ﵊ تركها تنظر إلى لعبهم لتضبطه وتنقله؛ لتعلِّمه بعد، واللَّعِب بفتح اللَّام وكسر العين، أو (٢) بالكسر ثمَّ السُّكون، والجمل كلُّها أحوالٌ. ٤٥٥ - (زَادَ) ولأبي الوقت: «وزاد» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله الأسديُّ الحِزَاميُّ (٣) فقال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر وأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد، وفي روايةٍ: «حدَّثه» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن مسلمٍ القرشيُّ مولاهم المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ

стр. 1569

شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ) هذه اللَّفظة الأخيرة هي الَّتي زادها ابن المنذر في رواية يونس، وبها تحصل المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، ورواته السِّتَّة (٢) ما بين مدنيٍّ ومصريٍّ -بالميم- وأيليٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٨٨] و «مناقب قريشٍ» [خ¦٣٥٣٠]، ومسلمٌ في «العيدين». (٧٠) (بابُ ذِكْرِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ) أي: في الإخبار عن وقوعهما (٣) (عَلَى المِنْبَرِ فِي المَسْجِدِ) لا عن وقوعهما على المنبر، ولأبي ذَرٍّ: «على المنبر والمسجد» أي: وعلى المسجد، فضمَّن «على» معنى «في»، عكس ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. ٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جعفرٍ السَّعديُّ مولاهم، المدينيُّ (٤) البصريُّ (قَالَ:

стр. 1570

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (١) (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وفي «مُسنَد الحميديِّ» عن سفيان: حدَّثنا يحيى (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ) أي: عائشة: (أَتَتْهَا بَرِيرَةُ) بعدم الصَّرف لأنَّه منقولٌ من بريرة واحدة البَرِير وهو ثمر (٢) الأراك، وهي بنت صفوان فيما نُقِلَ عن النَّوويِّ في «التَّهذيب»، قال الجلال البُلقينيُّ: لم يقُلْه غيره، وفيه نظرٌ، وفيه التفاتٌ إذِ الأصل أن تقول: أتتني أو القائلة ذلك عمرة، وحينئذ فلا التفات (تَسْأَلُهَا) (٣) أي: حال كونها تستعين بها (فِي كِتَابَتِهَا) عبَّر بـ «في» دون «عن» لأنَّ السُّؤال للاستعطاء لا للاستخبار (فَقَالَتْ) عائشة لها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ) أي: مواليك بقيَّة ما عليك، فحُذِف مفعول «أعطيت» الثَّاني لدلالة الكلام عليه (وَيَكُونُ الوَلَاءُ) بفتح الواو، عليك (لِي) دونهم (وَقَالَ أَهْلُهَا) مواليها لعائشة ﵂: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا) أي: بريرة (مَا بَقِيَ) عليها من النُّجوم،

стр. 1571

وموضع هذه الجملة النَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ «أعطيتها»، ومفعوله الأوَّل الضَّمير المنصوب في «أعطيتها». (وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (مَرَّةً) ومفهومه: تحديثه به على وجهين، وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق: (إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا (١)) هي (٢) بدل «أعطيتها» (وَيَكُونُ الوَلَاءُ) عليها (لَنَا) وكان المتأخِّر على بريرة من الكتابة خمس أواقٍ، نُجِّمت عليها في خمس سنين، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الكتابة» [خ¦٢٥٦٠] (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ) بتشديد كاف «ذكَّرتْه» وسكون تائها كما في الفرع وأصله، أو بضمِّها مع سكون الرَّاء بلفظ المتكلِّم (٣)، فعلى الأوَّل: يكون من كلام الرَّاوي بمعنى ما وقع منها، وعلى الثَّاني: يكون من كلام عائشة ﵂، وقال الزَّركشيُّ: صوابه: «ذكرت ذلك (٤) له». انتهى. وهو الَّذي وقع في رواية مالكٍ وغيره، وعلَّله بأنَّ التَّذكير يستدعي سبق علمٍ بذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا يتَّجه تخطئة الرِّواية، لاحتمال السَّبق أوَّلًا على وجه الإجمال. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يبيِّن أحدٌ

стр. 1572

ههنا (١) راوي التَّشديد ولا راوي التَّخفيف، واللَّفظ يحتمل أربعة أوجهٍ «ذكَّرته» بالتَّشديد والضَّمير المنصوب، و «ذكَّرت» (٢) بالتَّشديد من غير ضميرٍ، و «ذَكَرَتْ» على صيغة المُؤنَّثة الواحدة بالتَّخفيف بدون الضَّمير، و «ذَكَرَتْه» بالتَّخفيف والضَّمير لأنَّ «ذكرت» -بالتَّخفيف- يتعدَّى، يُقال: ذكرت الشَّيء بعد النِّسيان، وذكَّرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنى. انتهى. وقال الدَّمامينيُّ متعقِّبًا لكلام الزَّركشيِّ (٣): وكأنَّه فهم أنَّ الضَّمير المنصوب عائدٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وذلك: مفعولٌ، فاحتاج إلى تقدير الحرف ضرورة أنَّ «ذكر» إنَّما يتعدَّى بنفسه، وليس الأمر كما ظنَّه، بل الضَّمير المنصوب عائدٌ إلى الأمر المتقدِّم، و «ذلك»: بدلٌ منه، والمفعول الَّذي يتعدَّى إليه هذا الفعل بحرف الجرِّ حُذِف مع الحرف الجارِّ له لدلالة ما تقدَّم عليه، فآل الأمر إلى أنَّها قالت: فلمَّا جاء رسول الله ﷺ ذكرت ذلك الأمر له، وليت شعري ما المانع من حمل هذه الرِّواية الصَّحيحة على الوجه السَّائغ (٤) ولا غبار عليه؟! (فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ ¬) لعائشة ﵂: (ابْتَاعِيهَا) ولغير أبي ذَرٍّ: «فقال: ابتاعيها» (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة القطع في الثَّاني، والوصل في الأوَّل (فَإِنَّ الوَلَاءَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فإنَّما الولاء» (لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) النَّبويِّ (٥).

стр. 1573

(-وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ) بدل: «ثمَّ قام» (١) (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ- فَقَالَ: مَا بَالُ) أي: ما شأن (أَقْوَامٍ) كنَّى به (٢) عن الفاعل إذ من خُلُقِه العظيم ﷺ أنَّه (٣) لا يواجه أحدًا بما يكرهه (٤) (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ) أي: الاشتراط، أو (٥) التَّذكير باعتبار جنس الشَّرط، وللأَصيليِّ: «ليست» أي: الشُّروط (فِي كِتَابِ اللهِ) ، أي: في حكمه، سواءٌ ذُكِرَ (٦) في القرآن أم في السُّنَّة، أوِ المُراد بـ «الكتاب»: المكتوب (٧) وهو: اللَّوح المحفوظ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ) ذلك الشَّرط (لَهُ) أي: لا يستحقُّه (وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ) للمُبالَغة لا لقصد (٨) التَّعيين، ولا يُستَدلُّ به على أنَّ ما ليس في القرآن باطلٌ لأنَّ قوله: «إنَّما الولاء لمن أعتق» ليس في كتاب الله، بل من لفظ الرَّسول، إلَّا أن يُقال: لمَّا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] كان ما قاله ﵊ كالمذكور في كتاب الله تعالى. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى، ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وكوفيٍّ ومدينيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٣] و «العتق» [خ¦٢٥٣٦] و «البيوع» [خ¦٢١٥٦] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٨] و «الفرائض» [خ¦٦٧٥١] و «الطَّلاق» [خ¦٥٢٧٩] و «الشُّروط» [خ¦٢٧١٧] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٣٠] و «كفَّارة الأيمان» [خ¦٦٧١٧]، ومسلمٌ مُختصَرًا ومُطوَّلًا وأبو داود في «العتق»، والتِّرمذيُّ في «الوصايا»، والنَّسائيُّ في «البيوع» و «العتق» و «الفرائض» و «الشُّروط»، وابن ماجه في «العتق». (قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (وَعَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد

стр. 1574

الثَّقفيُّ، ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله»، يعني: البخاريَّ: «قال يحيى وعبد الوهَّاب» أي: فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن بشَّارٍ عنهما (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) المذكورة. زاد الأَصيليُّ: «نحوه» يعني: نحو (١) رواية مالكٍ من صورة الإرسال وعدم ذكر المنبر وعائشة. (وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وبالنُّون ممَّا وصله النَّسائيُّ و (٢) الإسماعيليُّ: (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) أفادت هذه الطَّريق التَّصريح بسماع كلٍّ من يحيى وعمرة، فأُمِنَ من (٣) الإرسال بخلاف السَّابق، فإنَّه بالعنعنة مع إسقاط عائشة، وإنَّما أفرد المؤلِّف رواية سفيان لمُطابَقتها للتَّرجمة (٤) بذكر «المنبر» فيها، ويؤيِّده أنَّ التَّعليق عن مالكٍ متأخِّرٌ في رواية كريمة عن (٥) طريق جعفر بن عونٍ، قاله في «الفتح». (رَوَاهُ) كذا في الفرع تأخير: «رواه مالكٌ» عن قوله: «قال عليٌّ: قال يحيى» وفي غيره: تقديمه (٦)، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «ورواه» أي: حديث الباب (٧) (مَالِكٌ) الإمام (٨) فيما (٩) وصله المؤلِّف في «كتاب (١٠) المكاتب» [خ¦٢٥٦٤] (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن المذكورة (أَنَّ بَرِيرَةَ) فذكره، لكنَّه لم يسنده إلى عائشة ﵂ (وَلَمْ يَذْكُرْ) فيه قوله: (صَعِدَ (١١) المِنْبَرَ) وفي روايةٍ: «على المنبر» فصورة سياقه الإرسال.

стр. 1575

(٧١) (بابُ) حكم (التَّقَاضِي) أي: مطالبة الغريم بقضاء الدَّين (وَ) حكم (المُلَازَمَةِ) للغريم لأجل طلب الدَّين (فِي المَسْجِدِ). ٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد (١) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن عبد الله بن جعفرٍ المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلميِّ المدنيِّ (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) الشَّاعر، أحد الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة «تبوك» (أَنَّهُ تَقَاضَى) بوزن «تفاعل» أي: أنَّ كعبًا طالب (٢) (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمُهمَلاتٍ، مفتوح الأوَّل ساكن الثَّاني، صحابيٌّ على الأصحِّ، واسمه عبد الله بن سلامة، كما ذكره المؤلِّف في إحدى رواياته، قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ» بتكرير العين غير «حدردٍ» (٣) (دَيْنًا)

стр. 1576

نُصِبَ بنزع الخافض، أي: بدينٍ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ، وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و (١) جملة «كان (٢) له» في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي المَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) من باب: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لعدم اللَّبس، أو الجمع بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا) ولغير الأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ: «سمعها» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) ﵊، وللأعرج: «فمرَّ بهما» أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سَِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم، أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) ﵊: (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ

стр. 1577

وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) ﵊ له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي (١) آخره (إِلَيْهِ، أَي: الشَّطْرَ) أي: ضع عنه النِّصف كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦٢٧٠٦] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه ﷺ ، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت لدلالتها (٢) عليه (قَالَ) كعبٌ: والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا (٣) أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: «قد فعلت». (قَالَ) ﵊ لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٦] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ (٤) الأسلميِّ (٥) مالٌ فلزمه. انتهى. وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧١٠] و «المُلازَمة» [خ¦٢٤٢٤]، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».

стр. 1578

(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط». ٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ

стр. 1579

محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ ﷺ هو أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (قَالَ) ﵊، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال ﵊: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله ﷺ (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»

стр. 1580

(فَصَلَّى عَلَيْهِا) وزاد الطَّبرانيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: و (١) قال: «إنِّي رأيتها في الجنَّة تلقط القذى من المسجد» وللأَصيليِّ: «عليه» وهو حجَّةٌ على المالكيَّة حيث منعوا الصَّلاة على القبر. وتأتي مباحث الحديث -إن شاء الله تعالى- في محالِّه (٢)، ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٦٠] و «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه (٣). (٧٣) (بابُ) ذكر (تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ) وتبيين أحكامه فيه، فالجارُّ والمجرور يتعلَّق بـ «تحريم» لا بـ «تجارة»، وليس المُراد اختصاص تحريمها بالمسجد لأنَّها حرامٌ في المسجد وغيره، أوِ المُراد: أنَّ الإعلام بتحريم تجارة الخمر كان في المسجد، كما هو ظاهر تصريح حديث الباب. ٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المُهمَلة وسكون المُوحَّدة، ابن (٤) عبد الله بن عثمان المروزيُّ، البصريُّ الأصل (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالمُهمَلة (٥) والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيْحٍ بضمِّ المُهمَلة وفتح المُوحَّدة، أبي (٦) الضُّحى الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيِّ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂
следующие страницы →