نُصِبَ بنزع الخافض، أي: بدينٍ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ، وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و (١) جملة «كان (٢) له» في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي المَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) من باب: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لعدم اللَّبس، أو الجمع بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا) ولغير الأَصيليِّ (٣) وأبي ذَرٍّ: «سمعها» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) ﵊، وللأعرج: «فمرَّ بهما» أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سَِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم، أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) ﵊: (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ
стр. 1577
وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) ﵊ له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي (١) آخره (إِلَيْهِ، أَي: الشَّطْرَ) أي: ضع عنه النِّصف كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦٢٧٠٦] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه ﷺ ، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت لدلالتها (٢) عليه (قَالَ) كعبٌ: والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا (٣) أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: «قد فعلت». (قَالَ) ﵊ لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٦] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ (٤) الأسلميِّ (٥) مالٌ فلزمه. انتهى.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧١٠] و «المُلازَمة» [خ¦٢٤٢٤]، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».
стр. 1578
(٧٢) (بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ، وَالتِقَاطِ الخِرَقِ) بكسر المُعجَمة وفتح الرَّاء، جمع خِرْقةٍ (وَ) التقاط (العِيدَانِ) بكسر العين، جمع عودٍ (وَالقَذَى) بفتح القاف والمُعجَمة: ما يسقط في العين والشَّراب، ثمَّ استُعمِل في كلِّ ما يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرًا كالقشِّ ونحوه، وفي رواية الأربعة: «القذى والعيدان» (١)، وللأَصيليِّ: «والقذى منه» أي: من المسجد، والجارُّ والمجرور مُضمَرٌ في رواية غيره، ومتعلِّقٌ بـ «الالتقاط».
٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بتصغير الأوَّل، وبالمُوحَّدة آخر الثَّاني، الأزديُّ الواشحيُّ، بشينٍ مُعجَمةٍ ثمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ، البصريُّ قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو: ابن درهمٍ الأزديُّ الحمصيُّ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ، التَّابعيِّ لا الصَّحابيِّ لأنَّ ثابتًا لم يدركه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ، أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) وعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: «امرأةً سوداء» من غير شكٍّ، وبه جزم أبو الشَّيخ في «كتاب الصَّلاة» له بسندٍ مُرسَلٍ، فالشَّكُّ هنا من ثابتٍ على الرَّاجح، وسمَّاها في رواية البيهقيِّ: أمَّ
стр. 1579
محجنٍ (كَانَ يَقُمُّ) أو كانت تقمُّ (المَسْجِدَ) بضمِّ القاف، أي: تكنسه (١)، وفي بعض طرقه: «كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد» وبذلك تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث (فَمَاتَ) أو ماتت (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ) أو عنها النَّاس (فَقَالُوا: مَاتَ) أو ماتت، وأفاد البيهقيُّ في روايته: أنَّ الَّذي أجاب النَّبيَّ ﷺ هو أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ (قَالَ) ﵊، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَفَلَا) إذا دفنتم فلا (٢) (كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي) بالمدِّ، أي: أعلمتموني (بِهِ) أو بها حتَّى أصلِّي عليه أو عليها، وعند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]: «فحقَّروا شأنه»، ولابن خزيمة: قالوا: «مات من اللَّيل فكرهنا أن نوقظك»، وحذف «كانت» بعد قوله: «كان يقمُّ (٣)» كحذف مؤنث باقيها الَّذي قدّرته للدَّلالة عليه، ثمَّ قال ﵊: (دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، أَوْ قَالَ:) عَلَى (قَبْرِهَا) على الشَّكِّ (فَأَتَى) رسول الله ﷺ (قَبْرَهُ) ولابن عساكر: «قبرها»
стр. 1580
(فَصَلَّى عَلَيْهِا) وزاد الطَّبرانيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: و (١) قال: «إنِّي رأيتها في الجنَّة تلقط القذى من المسجد» وللأَصيليِّ: «عليه» وهو حجَّةٌ على المالكيَّة حيث منعوا الصَّلاة على القبر.
وتأتي مباحث الحديث -إن شاء الله تعالى- في محالِّه (٢)، ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٦٠] و «الجنائز» [خ¦١٣٣٧]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه (٣).
(٧٣) (بابُ) ذكر (تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ) وتبيين أحكامه فيه، فالجارُّ والمجرور يتعلَّق بـ «تحريم» لا بـ «تجارة»، وليس المُراد اختصاص تحريمها بالمسجد لأنَّها حرامٌ في المسجد وغيره، أوِ المُراد: أنَّ الإعلام بتحريم تجارة الخمر كان في المسجد، كما هو ظاهر تصريح حديث الباب.
٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المُهمَلة وسكون المُوحَّدة، ابن (٤) عبد الله بن عثمان المروزيُّ، البصريُّ الأصل (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالمُهمَلة (٥) والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيْحٍ بضمِّ المُهمَلة وفتح المُوحَّدة، أبي (٦) الضُّحى الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيِّ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂
стр. 1581
(قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة وسكون النُّون وكسر الزَّاي، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «أُنزِلت» ولابن عساكر أيضًا: «نزلت» (الآيَاتُ) الَّتي (فِي (١) سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبوا) بالقصر (٢)، و (٣) إنَّما كُتِب بالواو -كالصَّلاة- للتَّفخيم على لغةٍ، وزِيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، والمُراد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى آخر العشر، وبـ «الأكل»: الأخذ، وإنَّما ذكر «الأكل» لأنَّه أعظم منافع المال، ولأنَّ الرِّبا شائعٌ في المطعومات (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ) وللإمام أحمد: فحرَّم التِّجارة في الخمر، وهو من تحريم الوسائل المفضية إلى المُحرَّمات، ومفهومه: سبق تحريم الخمر على تحريم الرِّبا، ويؤيِّده ما نُقِلَ عن عياضٍ: أنَّه كان قبل نزول آيات الرِّبا بمدَّةٍ طويلةٍ، فيحتمل وقوع الإخبار بالتَّحريم مرَّتين للتَّأكيد، أو تأخُّر التَّحريم هنا عن تحريم عينها. وتأتي مباحث هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٥٤٠] بعون الله تعالى (٤)، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٨٤] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٥٤٠]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٧٤) (بابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ) ولكريمة وأبي الوقت وابن عساكر: «في المسجد» وكان الأَوْلى ذكر هذا الباب قبل سابقه.
стр. 1582
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ بمعناه في تفسير قوله تعالى، حكايةً عن حَنَّة -بفتح الحاء المهملة وتشديد النُّون- بنت فاقوذا امرأة عمران، وكانت عاقرًا، فرأت يومًا طائرًا يزقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلمَّا تحقَّقت الحمل قالت ما أخبر الله تعالى عنها: (﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]) وللأَصيليِّ: «تعني مُحرَّرًا» أي: مُعتَقًا (لِلْمَسْجِدِ) الأقصى (يَخْدُمُهُ) لا أشغله بشيءٍ غيره (١)، ولأبي ذَرٍّ: «يخدمها» أي: المساجد أو الصَّخرة أو الأرض المُقدَّسة، وكان النَّذر مشروعًا عندهم في الغلمان، فلعلَّها بَنَتِ الأمر على التَّقدير، أو طلبت ذكرًا ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] قالته تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها لأنَّها كانت ترجو أن تلد ذكرًا فتحرِّره (٢) للمسجد «فتقبَّلها ربُّها»: فرضي بها (٣) في النَّذر مكان الذَّكر «بقبولٍ حسنٍ»: بوجهٍ حسنٍ تُقبَل به (٤) النَّذائر وهو إقامتها مقام الذَّكر.
٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ وَاقِدٍ) بالقاف نسبةً (٥) لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الملك الحرَّانيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) وللأَصيليِّ: «حمَّاد
стр. 1583
ابن زيدٍ» (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً -أَوْ) قال (١) (رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ) أو: «كان» فحذف «أو (٢) كان» كما سبق [خ¦٤٥٨] فحذف من الأوَّل خبر المُؤنَّث، وهنا خبر المُذكَّر اعتبارًا بالسَّابق ليكون جاريًا على المَهْيَع (٣) الكثير، وهو الحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّل، قاله الدَّمامينيُّ. نعم في رواية أبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ المسجد» بالتَّذكير، قال أبو رافعٍ: (وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّه (إِلَّا امْرَأَةً. فَذَكَرَ) أبو هريرة (حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) السَّابق (أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «قبرها» وفي روايةٍ: «على (٤) قبرٍ» بغير ضميرٍ.
(٧٥) (بابُ) حكم (الأَسِيرِ أَوِ الغَرِيمِ) حال كونه (يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ) الإباحة، و «أو» للتَّنويع، و «الأسير»: الأخيذ، ولابن السَّكن وابن عساكر: «الأسير والغريم»، بواو العطف.
стр. 1584
٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عُبادة بضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف المُوحَّدة (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المشهور بغندر، كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيِّ الجمحيِّ، مولى آل عثمان بن مظعونٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا) أي: جنيًّا ماردًا (مِنَ الجِنِّ) بيانٌ له (١) (تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ) أي: تعرَّض لي فلتةً، أي: بغتةً في سرعةٍ في أدنى ليلةٍ مضَت، و «تَفَلَّتَ» بفتحاتٍ مع تشديد اللَّام، ونُصِب «البارحة» على الظَّرفيَّة (-أَوْ) قال ﵊ (كَلِمَةً نَحْوَهَا-) أي: كقوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في أواخر (٢) «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠]: «عرض لي فشدَّ عليَّ» فالضَّمير لجملة «تفلَّت عليَّ البارحة» (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وأردت» (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر المُوحَّدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) أي: أُسطوانةٍ من أساطينه (حَتَّى تُصْبِحُوا) تدخلوا في الصَّباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ)
стр. 1585
بالرَّفع توكيدٌ (١) للضَّمير المرفوع، والفعل تامٌّ لا يحتاج إلى خبرٍ، وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصَّلاة أو فيها لأنَّه يسير؟ احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن فيما نقله عنه في «المصابيح» (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) بن داود ﵉: (﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) من البشر مثله، فتركه ﵊ مع القدرة عليه حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان (٢)، كذا في رواية أبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾» [ص: ٣٥] ولابن عساكر: «﴿هَبْ لِي﴾» وإسقاط سابقه كما في الفرع وأصله، ولغيرهما: «﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾» وحمله في «الفتح» على التَّغيير من بعض الرُّواة، وقال الكِرمانيُّ: ولعلَّه ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنَّه قرآنٌ، وزاد في حاشية الفرع وأصله بعد قوله: ﴿مِّنْ بَعْدِي﴾ ممَّا ليس به رقم علامة أحدٍ من الرُّواة: «﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١٢١٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٠٨] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] و «صفة إبليس اللَّعين» [خ¦٣٢٨٤]، وأخرجه (٣) مسلمٌ في «الصَّلاة»، و النَّسائيُّ في «التَّفسير».
стр. 1586
(قَالَ رَوْحٌ) هو (١) ابن عبادة في روايته دون رواية رفيقه محمَّد بن جعفرٍ: (فَرَدَّهُ) ﵊، أي: العفريت حال كونه (خَاسِئًا) أي: مطرودًا. نعم وقع عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٣] عن محمَّد بن بشَّارٍ عن محمَّد بن جعفرٍ وحده بلفظ: «فرددته خاسئًا».
واستُنبِط من الحديث: إباحة ربط الأسير في المسجد، وربط الغريم بالقياس عليه.
والله الموفِّق والمعين على الإتمام، والمتفضِّل بالقبول والإقبال.
(٧٦) (بابُ) بيان (الاِغْتِسَالِ) للكافر (إِذَا أَسْلَمَ، وَ) بيان (رَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ويربط الأسير أيضًا» (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بالمُعجَمة أوَّله والمُهمَلة آخره مصغَّرًا، ابن الحارث الكنديُّ النَّخعيُّ، أدرك زمنه ﵊ لكنَّه لم يلقَه، وكان قاضيًا بالكوفة لعمر ﵁ ومن بعده ستِّين سنةً، وتُوفِّي قبل الثَّمانين أو بعدها (يَأْمُرُ الغَرِيمَ) أي: بالغريم كما في: أمرتك الخير أن تأتيه (أَنْ يُحْبَسَ) بضمِّ أوَّله وفتح المُوحَّدة، أو (٢) يأمر الغريم (٣)
стр. 1587
أن يحبس نفسه (إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ) وتمامه فيما وصله مَعْمَرٌ عن أيُّوب عن ابن سيرين عنه: «إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحقَّ وإلَّا أمر به إلى السِّجن»، لكنَّ هذه الجملة من قوله: «وربط الأسير … » إلى آخر قوله: «إلى سارية المسجد» ساقطةٌ (١) في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وزاد في «الفتح» وكريمة، وضُبِّب عليها في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت، كما نبَّه عليه في الفرع وأصله، ووقع عند بعضهم سقوط التَّرجمة أصلًا والاقتصار على «بابٍ» فقط، وصُوِّب نظرًا إلى أنَّ حديث الباب من جنس حديث سابقه، وفُصِل بينهما لمغايرةٍ ما.
٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالجمع، وللأربعة: «حدَّثني» (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما، المقبريُّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد «أبو هريرة» (٢) (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعشر ليالٍ خلون من المُحرَّم سنة ستٍّ، إلى القُرَطاء نفر من بني
стр. 1588
أبي بكر بن كلابٍ (خَيْلًا) فرسانًا ثلاثين (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهة (نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم (فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) بفتح الحاء المُهمَلة (يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بضمِّ أوَّل الاسمين والثَّاء المُثلَّثة فيهما، وهي مُخفَّفةٌ كالميم (فَرَبَطُوهُ) بأمر النَّبيِّ ﷺ كما صرَّح به ابن إسحاق في «مغازيه» (بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) وحينئذٍ: فيكون (١) حديث ثمامة من جنس حديث العفريت، فهناك همَّ بربطه، وإنَّما امتنع لأمرٍ أجنبيٍّ، وهنا أمر به (فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) منًّا عليه أو تألُّفًا، أو لِما علم من إيمان قلبه وأنَّه سيظهره، أو أنَّه مرَّ (٢) عليه فأسلم، كما رواه ابنا خزيمة وحبَّان من حديث أبي هريرة، وهمزة «أطلقوا»: همزة قطعٍ، فأطلقوه (فَانْطَلَقَ) وفي روايةٍ: «فذهب» (إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ) بالخاء المُعجَمة في «نخلٍ» في أكثر الرِّوايات، وفي النُّسخة المقروءة عن (٣) أبي الوقت: «إلى نجلٍ» بالجيم، وصوَّبه بعضهم، وهو: الماء القليل النَّابع، وقال ابن دريدٍ: هو الماء الجاري (فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفيه مشروعيَّة اغتسال الكافر إذا أسلم، وأوجبه الإمام أحمد.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مصريٍّ -بالميم- ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث (٤) بالجمع
стр. 1589
والإفراد، والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٦٩] و «المغازي» [خ¦٤٣٧٢]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» ببعضه، وببعضه في «الصَّلاة».
(٧٧) (بابُ) جواز نصب (الخَيْمَةِ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِمْ).
٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) البلخيُّ اللُّؤلؤيُّ الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ) هو ابن معاذٍ، سيِّد الأوس، المهتزُّ لموته عرش الرَّحمن ﵁ (يَوْمَ الخَنْدَقِ) وهو يوم الأحزاب في ذي القعدة (فِي الأَكْحَلِ) بفتح الهمزة والمُهمَلة بينهما كافٌ ساكنةٌ: عرقٌ في وسط الذِّراع. قال الخليل: هو عرق الحياة، وكان الَّذي أصابه ابن العرقة
стр. 1590
أحد بني عامر بن لؤيٍّ (فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ) لسعدٍ ﵁ (لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ) أي: لم يفزعهم (-وَفِي المَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ-) بكسر الغين المُعجَمة (إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهتكم (فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو) بغينٍ وذالٍ مُعجَمتين، أي: يسيل (جُرْحُهُ دَمًا) نُصِبَ على التَّمييز، وسابقه رفع فاعل «يغذو»، والجيم مضمومةٌ (فَمَاتَ) سعدٌ (فِيهَا) أي: في تلك المرضة أو في الخيمة، وللأربعة وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «منها» أي: من الجراحة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في «الصَّلاة» و «المغازي» [خ¦٤١٢٢] و «الهجرة» [خ¦٣٩٠١]، وأبو داود في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(٧٨) (بابُ) جواز (إِدْخَالِ البَعِيرِ فِي المَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ) أي: للحاجة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٠٧]: (طافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ) وفي روايةٍ: «على بعيره».
стр. 1591
٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الأسود (بْنِ نَوْفَلٍ) بفتح النُّون والفاء، يتيم عروة بن الزُّبير (عَنْ عُرْوَةَ) ولأبي الوقت وابن عساكر زيادة: «ابن الزُّبير» (عَنْ زَيْنَبَ) ولأبي ذَرٍّ (١): «برَّة» (بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميِّ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ بنت أبي أميَّة ﵂ (قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) أي: أتوجَّع، وهو مفعول «شكوت» (قَالَ) ﵊: (طُوفِي) أي: بالكعبة (مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) قالت: (فَطُفْتُ) راكبةً البعير (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ) الحرام (يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) أي: بسورة «الطُّور»، ومن ثَمَّ حُذِفت واو القسم لأنَّه صار علمًا عليها، وقد قِيلَ: إنَّ ناقته ﷺ كانت منوَّقةً، أي: مُعَلَّمَةً، فيُؤمَن معها ما يُحذَر من التَّلويث وهي سائرةٌ، فيحتمل أن يكون بعير أُمِّ سلمة كان كذلك.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواية (٢) تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ عن صحابيَّةٍ (٣)، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١٠/ ١٠٤ - ١٢٢٦] و «الحجِّ» [خ¦١٦١٩]، ومسلمٌ فيه.
(٧٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ.
стр. 1592
٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) من التَّثنية (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ الدَّستوائيُّ البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ الأعمى البصريِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هما عبَّاد بن بشرٍ وأُسَيْد بن حُضَيْرٍ، كما عند المؤلِّف في «المناقب» [خ¦٣٨٠٥] (خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بعدما كانا معه في المسجد (فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) بكسر اللَّام، من: أَظْلَم اللَّيل يُظْلِم (وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيئانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا) إكرامًا لهما ببركة نبيِّهما آيةً له ﵊، إذ خُصَّ بعض أصحابه (١) بمثل هذه الكرامة عند حاجتهم إلى النُّور (٢)، وإظهارًا لسرِّ قوله: «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنُّور التَّامِّ يوم القيامة» فعجَّل (٣) لهما ممَّا (٤) ادَّخر في الأخرى (فَلَمَّا
стр. 1593
افْتَرَقَا، صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) نورٌ (وَاحِدٌ) يضيء له (حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ).
ويأتي مزيدٌ لما ذكرته في هذا الحديث في «علامات النُّبوَّة» -إن شاء الله تعالى- بعونه وقوَّته، ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٩] و «منقبة أُسيْد بن حضيرٍ وعبَّاد بن بشرٍ» في «مناقب الأنصار» [خ¦٣٨٠٥].
(٨٠) (بابُ الخَوْخَةِ) بفتح الخاء المُعجَمة: الباب الصَّغير (وَالمَمَرِّ) الكائنين (فِي المَسْجِدِ).
٤٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلة ثمَّ نونين بينهما ألفٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، ابن سليمان (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمة، سالم بن أبي أميَّة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضمِّ العين والحاء المُهمَلتين فيهما، وفتح النُّون في الثَّاني، مُصغَّرين، المدنيِّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان المُهمَلة وكسر العين في الثَّاني، المدنيِّ العابد، مولى ابن الحضرميِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «عن أبي زيدٍ عن عبيد بن حنينٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ» فأسقطا (١) «بسر بن سعيدٍ»، وكذا وُجِد تصويبه على الأصل المسموع على الحافظ أبي ذَرٍّ، وأنَّ الفَِرَبْريَّ قال: إنَّ
стр. 1594
الرِّواية هكذا، أي: بإسقاطه، ونقل ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ عن البخاريِّ أنَّه قال: هكذا حدَّث به محمَّد بن سنانٍ عن فليحٍ، وهو خطأٌ، وإنَّما هو عن عُبَيْد بن حُنَيْنٍ، وعن بسر بن سعيدٍ، يعني: بواو العطف، قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا يكون أبو النَّضر سمعه من شيخين، حدَّثه كلٌّ منهما به عن أبي سعيدٍ، فحذْفُ العاطف خطأٌ من محمَّد بن سنانٍ أو من فُلَيْحٍ، وحينئذٍ فانتقاد الدَّارقُطنيِّ على المؤلِّف هذا الحديث مع إفصاحه بما ذكر لا وجه له، وليست هذه بعلَّةٍ قادحةٍ، والله أعلم. (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَ عَبْدًا) من التَّخيير (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) أي: عند الله في الآخرة (فَاخْتَارَ) العبد (مَا عِنْدَ اللهِ) سقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله: «فاختار ما عند الله» وضُرِبَ عليه عند أبي الوقت (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) وللأَصيليِّ: «أبو بكر الصِّدِّيق» قال أبو سعيدٍ: (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ) نُصِبَ على المفعوليَّة، وكلمة «ما»: استفهاميَّةٌ (إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا) كذا في رواية الأكثرين (١)، وهو بكسر همزة «إن» الشَّرطية، و «يكن»: فعل الشَّرط مجزومٌ كُسِرَ لالتقاء الساكنين، أي: أيُّ شيءٍ يبكيه من كون الله خيَّر عبدًا؟ وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة»: «إن يكن لله عبدٌ خُيِّر» بكسر «إن»، و «يكن»: مجزومٌ به كذلك، و «عبدٌ»: مُبتدَأٌ وخبره «لله» مُقدَّمًا، و «خُيِّر» بضمِّ الخاء مبنيًّا للمفعول في موضع رفعٍ صفةٌ لـ «عبدٌ»، وفي بعض النُّسخ -كما في «اللَّامع» -: «أن» بالفتح، وجعله الزَّركشيُّ من تجويز السَّفاقسيِّ، أي: لأجل أن، لكن يشكل الجزم حينئذٍ في «يكن»، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّه (٢) يُقال فيه ما قِيلَ في حديث: «لن
стр. 1595
تُرَعْ»، فإنَّه سُكِّن مع النَّاصب -وهو «لن» - للوقف، فأشبه المجزوم فحُذِفت (١) الألف كما تُحذَف في المجزوم، ثمَّ أجرى الوصل مجرى الوقف. انتهى. والجزاء محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، وفيه ورود الشَّرط مضارعًا مع حذف الجزاء، أو (٢) الجزاء قوله: «فاختار»، وفي «اليونينيَّة» من غير علامةٍ: «أن يكون عبدًا خُيِّر» (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) تعالى (فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ؟! فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ العَبْدَ) المُخيَّر، وسقط قوله: «فاختار ما عند الله» للأَصيليِّ وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَعْلَمَنَا) حيث فَهِمَ أنَّه -رسول الله ﷺ يفارق الدُّنيا، فبكى حزنًا على فراقه، وعبَّر بقوله: «عبدًا» بالتَّنكير ليظهر نباهة أهل العرفان في تفسير هذا المُبهَم، فلم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، فبكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأولادنا، فسكَّن الرَّسول ﷺ جزعه (فقَالَ) ولغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ «قال»: (يَا أَبَا بَكْرٍ، لَا تَبْكِ) ثمَّ خصَّه بالخصوصيَّة العظمى فقال: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النُّون من أَمَنَّ، أي: أكثرهم جودًا بنفسه وماله، أي: بلا استثابةٍ، ولم يُرِد به (٣) المنَّة لأنَّها تفسد الصَّنيعة (٤)، ولأنَّه
стр. 1596
لا منَّة لأحدٍ (١) عليه ﵊، بل منَّته والله على جميع الخلائق (٢)، وقال القرطبيُّ: هو من الامتنان، يعني: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ له من الحقوق ما لو كان لغيره لامتنَّ بها، وذلك لأنَّه بادر بالتَّصديق ونفقة الأموال، وبالمُلازَمة والمُصاحَبة (٣) إلى غير ذلك بانشراح صدرٍ ورسوخ علمٍ بأنَّ الله ورسوله لهما المنَّة في ذلك، لكنَّ الرَّسول ﵊ بجميل أخلاقه وكرم أعراقه (٤) اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «ما لأحدٍ عندنا يدٌ إِلَّا كافأناه، ما خلا أبا بكرٍ، فإنَّ (٥) له -واللهِ- عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة» (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) أي: أختار وأصطفي (مِنْ أُمَّتِي) كذا للأربعة، ولغيرهم: «ولو كنت متَّخذًا من أمَّتي خليلًا» (لَاتَّخَذْتُ) منهم (أَبَا بَكْرٍ) لكونه متأهِّلًا لأن يتَّخذه ﵊ خليلًا، لولا المانع وهو أنَّه ﵊ امتلأ قلبه بما تخلَّله من معرفة الله تعالى ومحبَّته ومُراقَبته، حتَّى كأنَّها مُزِجَت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتَّسع قلبه لخلَّةٍ غير الله ، وعلى هذا
стр. 1597
فلا يكون الخليل إِلَّا واحدًا، ومن لم ينتهِ إلى ذلك ممَّن تعلَّق القلب به فهو حبيبٌ، ولذلك أثبت ﵊ لأبي بكرٍ وعائشة ﵂ أنَّهما أحبُّ النَّاس إليه، ونفى عنهما الخلَّة الّتي هي فوق المحبَّة، وللأَصيليِّ: «لاتَّخذت أبا بكرٍ، يعني: خليلًا» (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ) أفضل، وللأَصيليِّ: «ولكن خُوَّة الإسلام» بحذف الهمزة، ونقل حركة الهمزة إلى النُّون وحذف (١) الهمزة، فتُضَمُّ فيُنطَق (٢) بها كذلك، ويجوز تسكينها تخفيفًا، فتحصَّل فيها (٣) ثلاثة أوجهٍ: سكون النُّون مع ثبوت الهمزة على الأصل، ونقل ضمَّة الهمزة للسَّاكن قبلها وهو النُّون، والثَّالثة كذلك، لكن استُثِقلت ضمَّةٌ بين كسرةٍ وضمَّةٍ فسكنت تخفيفًا، فهذه فرع الفرع. انتهى. (وَمَوَدَّتُهُ) أي: مودَّة الإسلام، وهي بمعنى الخلَّة، والفرق بينهما باعتبار المُتعلَّق، فالمُثبَتة ما كان (٤) بحسب الإسلام، والمنفيَّة بجهةٍ أخرى، يدلُّ عليه قوله في الحديث الآخر: «ولكن خلَّة الإسلام أفضل»، والمودَّة الإسلاميَّة متفاوتةٌ بحسب التَّفاوت في إعلاء كلمة الله تعالى، وتحصيل كثرة الثَّواب، ولا ريب أنَّ الصِّدِّيق ﵁ كان أفضل الصَّحابة ﵃ من هذه الحيثيَّة
стр. 1598
(لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ) بالبناء للفاعل، والنُّون مُشدَّدةٌ للتَّأكيد، و «بابٌ» رُفِع على الفاعليَّة، والنَّهيُ راجعٌ إلى المُكلَّفين (١) لا إلى «الباب» فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء لأنَّه لازمٌ له، كأنَّه قال (٢): لا يبقيه أحدٌ حتَّى لا يبقى، وفي بعض النُّسخ (٣): «لا يُبقيَنَّ» مبنيًّا للمفعول، فلفظ «بابٌ» نائبٌ عن الفاعل، أي: لا يُبْقِ أحدٌ في المسجد بابًا (إِلَّا) بابًا (سُدَّ) بحذف المُستثنَى المُقدَّر بـ «بابًا»، والفعل صفته، وحينئذٍ فلا يُقال: الفعل وقع مُستثنًى ومُستثنًى منه، ثمَّ استثنى من هذا فقال: (إِلَّا بَابَُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، بنصب «باب» على الاستثناء، أو برفعه على البدل، وفيه دلالةٌ على الخصوصيَّة لأبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ بالخلافة بعده ﵊ والإمامة دون سائر النَّاس، فأبقى خوخته دون خوخة (٤) غيره، وهو يدلُّ على أنَّه يخرج منها إلى المسجد دون غيره (٥) للصَّلاة، كذا قرَّره ابن المُنَيِّر، وعُورِض بما في «التِّرمذيِّ» من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «سدُّوا الأبواب إلَّا باب عليٍّ»، وأُجيب بأنَّ التِّرمذيَّ قال: إنَّه غريبٌ، وقال ابن عساكر: إنَّه وهمٌ، لكن للحديث طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا، بل قال الحافظ ابن حجرٍ في بعضها: إسناده قويٌّ، وفي بعضها: رجاله ثقاتٌ، وفيه: أنَّ المساجد تُصان عن تطرُّق النَّاس إليها في خوخاتٍ ونحوها، إِلَّا من أبوابها إِلَّا لحاجةٍ مهمَّةٍ، وسيكون لنا عودةٌ إن شاء الله تعالى إلى ما (٦) في ذلك من البحث في الفضائل.
وفي الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ ﵁» [خ¦٦٢/ ٣ - ٥٥١٠]، ومسلمٌ في «الفضائل».
стр. 1599
٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) بضمِّ الجيم وسكون العين، المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) جرير بن حازمٍ -بالحاء المُهمَلة والزَّايِ- العتكيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين وفتح اللَّام في الأوَّل، وفتح الحاء وكسر الكاف في الثَّاني، الثَّقفيَّ المكِّيَّ ثمَّ البصريَّ (١)، الشَّامي المدنيَّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «خرج النَّبيُّ» (¬ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) حال كونه (عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ) ولغير الأربعة: «عاصبٌ» بالرَّفع، أي: وهو عاصبٌ، لكنَّه ضُبِّب عليها في الفرع وأصله (فَقَعَدَ) ﵊ (عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ) تعالى على وجود الكمال (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) على عدم النُّقصان (ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ) أي: الشَّأن (لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ) أي: أبذل لنفسه وماله (٢) (مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف، عثمان ﵄ (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ) منهم (خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ) أي: فاضلةٌ إذِ المقصود: أنَّ الخلَّة بالمعنى (٣) الأوَّل أعلى مرتبةً وأفضل من كلِّ خلَّةٍ (سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا (٤) في «الفتح» «إِلَّا» بدل «غيرَ خوخة» بالفتح (٥).
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه في «الفرائض» [خ¦٦٧٣٨] بزيادةٍ، وأخرجه النَّسائيُّ في «المناقب».
стр. 1600
(٨١) (بابُ) اتِّخاذ (الأَبْوَابِ وَالغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَ) لغيرها من (المَسَاجِدِ) لأجل صونها.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك عند ابن عساكر والأَصيليِّ (١) (وَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله التَّيميُّ (٢) الأحول المكِّيُّ: (يَا عَبْدَ المَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا) لرأيت عجبًا أو (٣) حسنًا لإتقانها، فحُذِفَ الجواب.
стр. 1601
٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ البصريُّ (وَقُتَيْبَةُ) ولأبي ذَرٍّ: «وقتيبة بن سعيدٍ» (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (١) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ) عام الفتح (فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ) الحجبيَّ (فَفَتَحَ البَابَ) أي: باب الكعبة (فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيها (وَ) دخل معه (بِلَالٌ) مؤذِّنه وخادم أمر صلاته (وَ) دخل معه أيضًا (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) خادمه فيما يحتاج إليه (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبيُّ حتَّى لا يتوهَّم النَّاس عزله عن سدانة البيت (ثُمَّ أُغْلِقَ البَابُ) لئلَّا يزدحم النَّاس عليه لتوفُّر (٢) دواعيهم على مُراعاة أفعاله ﷺ ليأخذوها عنه، و «أُغلِق» بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، وفي روايةٍ: «ثمَّ أَغلَق» بفتح الهمزة واللَّام مبنيًّا للفاعل، و «البابَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (فَلَبِثَ) ﵊ (فِيهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجُوا) كلُّهم (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَبَدَرْتُ) أي: أسرعت (فَسَأَلْتُ بِلَالًا): هل صلَّى النَّبيُّ ﷺ فيه (٣) أم لا؟ (فَقَالَ: صَلَّى فِيهِ، فَقُلْتُ: فِي أَيٍّ) بالتَّنوين، أي: في أيِّ نواحيه؟ (قَالَ: بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ) بضمِّ الهمزة.
(قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى) أي: فاتني سؤال الكميَّة.
стр. 1602
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٨٩] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٨]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٨٢) (باب دُخُولِ المُشْرِكِ المَسْجِدَ).
٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا) فرسانًا (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهتها، و «نجدٌ»: ما ارتفع من تهامة إلى العراق (فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم في الأوَّل، وضمِّ الهمزة وتخفيف المُثلَّثة في الثَّاني (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ) لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيرقَّ قلبه.
وهذا الحديث سبق قريبًا في «باب الاغتسال إذا أسلم» [خ¦٤٦٢] واختصره هنا مقتصرًا منه على مراد التَّرجمة، وهو دخول المشرك المسجد، وعند الشَّافعيَّة: التَّفصيل بين المسجد الحرام وغيره، فيُمنَع (١) من دخوله لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]
стр. 1603
بخلاف سائر المساجد، فإنَّه لا يُمنَع منه لهذا الحديث، ولأنَّ ذات المشرك ليست بنجسةٍ (١)، فيدخل بإذن المسلم، وعن (٢) الحنفيَّة: الجواز مُطلَقًا، وعن المالكيَّة والمزنيِّ: المنع مُطلَقًا تعظيمًا لشعائر الله تعالى، ويأتي الحديث بتمامه إن شاء الله تعالى بعونه (٣) في «المغازي» [خ¦٤٣٧٢].
(٨٣) (بابُ) حكم (٤) (رَفْعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ) هل هو ممنوعٌ أم لا؟ ولأبي ذَرٍّ: «في (٥) المسجد» بالإفراد
٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ) بضمِّ الجيم وفتح العين المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره دالٌ مُهمَلةٌ مُصغَّرًا، ويُقال له: الجعد (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أوسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ ابْنُ خُصَيْفَةَ) بخاءٍ
стр. 1604
مُعجَمةٍ مضمومةٍ وصادٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ وبالفاء، نسبةً لجدِّه، واسم أبيه عبد الله (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) بالسِّين المُهمَلة، الكنديِّ الصَّحابيِّ، وهو عمُّ يزيد بن خُصَيْفَةَ (قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا) بالقاف، وفي نسخةٍ: «نائمًا» بالنُّون، ويؤيِّده رواية حاتمٍ عند الإسماعيليِّ عن الجُعَيْد بلفظ: «كنت مضطجعًا» (فِي المَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي) أي: رماني بالحصباء (رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ) إليه (١) (فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ حاضرٌ أو واقفٌ (فَقَالَ) أي: عمر للسَّائب: (اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ) الشَّخصين، وكانا ثقفيَّين كما في رواية عبد الرَّزَّاق (فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ) أي: عمر ﵁، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت «فقال»: (مَنْ) ولأبي الوقت وابن عساكر: «ممَّن» (أَنْتُمَا؟ -أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ - قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ) عمر ﵁: (لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ) أي: المدينة (لأَوْجَعْتُكُمَا) جلدًا (تَرْفَعَانِ) جوابٌ عن سؤالٍ مُقدَّرٍ، كأنَّهما قالا: لِمَ توجعنا؟ قال: لأنَّكما ترفعان (أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «في مسجد النَّبيِّ» (¬ ﷺ ؟!) عبَّر بـ «أصواتكما» بالجمع دون «صوتيكما» بالتَّثنية لأنَّ المُضاف المُثنَّى، يعني: إذا (٢) كان جزءَ ما أُضِيف إليه فالأصحُّ (٣) أن يُذكَر بالجمع كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإن
стр. 1605
لم يكن جزأه فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية نحو: سلَّ الزَّيدان سيفيهما، فإن أَمِنَ اللَّبس جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع كقوله ﵊: «يُعذَّبان في قبورهما»، وإنَّما قال عمر ﵁ لهما: «من أين أنتما» ليعلم أنَّهما إن كانا من أهل البلد وعلما أنَّ رفع الصَّوت باللَّغط في المسجد غير جائزٍ زجرهما وأدَّبهما، فلمَّا (١) أخبراه أنَّهما من غير أهل البلد عذرهما بالجهل.
ورواة هذا الحديث ما بين مدينيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ. نعم ما في رواية أبي عليِّ بن شَبُّويه عن الفَِرَبْريِّ: «حدَّثنا أحمد بن صالحٍ» وبه جزم ابن السَّكن، وهو مصريٌّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «أخبرنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ)
стр. 1606
الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ) أباه (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ السَّلميَّ المدنيَّ الشَّاعر (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَقَاضَى) أي: طَالَبَ (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بالحاء المُهمَلة المفتوحة والدَّالين المُهمَلتين السَّاكنة أولاهما بينهما راءٌ، عبد الله بن سلامة (دَيْنًا) أي: بدينٍ (لَهُ عَلَيْهِ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «كان له عليه (١)» (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا) أي: أصواتهما، وللأَصيليِّ: «حتَّى سمعهما» أي: كعبًا وابن أبي حَدْرَدٍ (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ، ولم ينكر عليهما رفع أصواتهما في المسجد لأنَّ ذلك لطلب (٢) حقٍّ، ولا بدَّ فيه من رفع الصَّوت كما (٣) لا يخفى، وقال مالكٌ: لا يرفع الصَّوت في المسجد سواءٌ كان ذلك لطلب (٤) حقٍّ أو غيره (٥)، وأجازه أبو حنيفة ﵀ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سَِجْفَ حُجْرَتِهِ) بكسر السِّين المُهمَلة وسكون الجيم وبالفاء، أي: ستر بيته (وَنَادَى: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ) الأوَّل: مضمومٌ
стр. 1607
منادى مُفرَدٌ، والثَّاني: منصوبٌ (١) منادى مُضافٌ، ولأبوي ذَرٍّ وَالوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ونادى كعب بن مالكٍ» (قَالَ) وللأَصيليِّ: «فقال يا كعب» قال: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ) الكريمة المُبارَكة (أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ) ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مخاطبًا لابن أبي حَدْرَدٍ وآمرًا له: (قُمْ فَاقْضِهِ) دينه.
(٨٤) (بابُ) جواز (الحِلَقِ) للعلم وقراءة القرآن والذِّكروغيرها، وهي بكسر الحاء المُهمَلة وفتح اللَّام، ولابن عساكر: «الحَلَق» بفتحهما (٢) (وَ) جواز (الجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ).
٤٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمة في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح الفاء وتشديد الضَّاد المُعجَمة المفتوحة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين ابن عمر العمريِّ، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا عُبيد الله» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وللأَصيليِّ: «عن عبد الله بن
стр. 1608
عمر» (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (وَهْوَ عَلَى المِنْبَرِ) جملةٌ حاليَّةٌ (مَا تَرَى) أي: ما رأيك (١)، أو من: «رأى» بمعنى «علم»، والمُراد: لازِمُه إذ العالم يحكم بما علم شرعًا (فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ) ﵊: (مَثْنَى مَثْنَى) أي: صلاة اللَّيل مثنى مثنى، فالمبتدأ محذوفٌ، و «مَثْنى» غير منصرفٍ للعدل والوصف، أي: اثنين اثنين، وكرَّره للتَّأكيد، قال الزَّركشيُّ ﵀ في «تعليق العمدة»: استشكل بعضهم التَّكرار، فإنَّ القاعدة فيما عُدِل من أسماء الأعداد ألَّا (٢) يُكرَّر، فلا يُقال: جاء القوم مثنى مثنى، وأُجيب بأنَّه تأكيدٌ لفظيٌّ، لا لقصد التَّكرار، فإنَّ ذلك مُستفادٌ من الصِّيغة، ثمَّ قال: وأقول: إنَّ أصل السُّؤال فاسدٌ، بل لا بدَّ من التَّكرار إذا كان العدل في لفظٍ واحدٍ كمَثْنى مَثْنى، وثُلَاث ثُلَاث. قال الشَّاعر:
هنيئًا لأربابِ البيوتِ بيوتُهم … وللآكلينَ التَّمرَ مَخْمَسَ مَخْمسًا
стр. 1609
ومنه الحديث: «مَثْنى مَثْنى»، فإن وقعت بين لفظين أو ألفاظٍ مختلفةٍ لم يَجُزْ التَّكرار كمَثْنى وثُلَاث ورُبَاع، والحكمة في ذلك: أنَّ ألفاظ العدد المعدولة مشروطةٌ بسبق ما يقع فيه التَّفصيل تحقيقًا نحو: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى (١)﴾ [فاطر: ١] أو تقديرًا نحو: «صلاة اللَّيل مَثْنى مَثْنى»، فإذا أُرِيد (٢) تفصيله من نوعٍ واحدٍ وجب تكريره لأنَّ وقوعه بعده إمَّا هو (٣) على جهة الخبريَّة، أو الحاليَّة، أو الوصفيَّة، فحمله عليه يقتضي مُطابَقته له، فلا بدَّ من تكريره (٤) لتحصل المُوافَقة له إذ لا يحسن وصف الجماعة باثنين، وإن كان من ألفاظٍ مُقدَّرةٍ (٥) متعدِّدةٍ، فالمجموع تفصيلٌ للمجموع، فكان وافيًا به، فلأجل ذلك لم يُكرَّر، نحو (٦) قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وإنَّما كان العدل في هذه الألفاظ من غير تكرارٍ ليصيب كلُّ ناكحٍ ما شاء من هذه الأعداد، إذ لو كان من لفظٍ واحدٍ لاقتصر النَّاكحون على ذلك العدد. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا يعرف أحدًا من النُّحاة ذهب إلى هذا التَّفصيل الَّذي ذكره، وفي «الصِّحاح»: إذا قلت (٧): جاءت الخيل مثنى (٨)، فالمعنى: اثنين اثنين (٩)، أي:
стр. 1610
جاؤوا مزدوجين، فهذا ممَّا يقدح في إيجاب التَّكرير في اللَّفظ الواحد، ثمَّ بناء (١) ما ذكره على الحكمة (٢) الَّتي أبداها بناءٌ واهٍ لأنَّ المُطابَقة حاصلةٌ بدون تكرير اللَّفظ المعدول من جهة المعنى، وذلك أنَّك إذا قلت: جاء القوم مَثْنى، إنَّما معناه: اثنين اثنين وهكذا، فهو بمعنى: مزدوجين، كما قال الجوهريُّ، ولا شكَّ في صحَّة حمل مزدوجين على القوم، ثمَّ تكرير (٣) اللَّفظ المعدول لا يوجب المُطابَقة لأنَّ الثَّاني كالأوَّل سواءٌ، وليس ثَمَّ حرفٌ يقتضي الجمع حتَّى تحسن (٤) المُطابَقة الَّتي قصدها، فلا يظهر وجهٌ صحيحٌ لما قاله وبناه. انتهى. (فَإِذَا خَشِيَ) المصلِّي (الصُّبْحَ صَلَّى) ركعةً (وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ) تلك الرَّكعة (لَهُ مَا صَلَّى) احتجَّ به الشَّافعيَّة على أنَّ أقلَّ الوتر ركعةٌ واحدةٌ، مع حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «الوتر ركعةٌ من آخر اللَّيل»، وقال المالكيَّة: أي: ركعةٌ مع شفعٍ تقدَّمها، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى، قال نافعٌ: (وَإِنَّهُ) أي: ابن عمر (كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا
стр. 1611
آخِرَ صَلَاتِكُمْ وِتْرًا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت في نسخةٍ عنهما وابن عساكر: «آخر صلاتكم باللَّيل» فزاد لفظ: «باللَّيل» وعزاها في «الفتح» لرواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ (١) فقط (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ) أي: بالوتر، أو بالجعل الَّذي يدلُّ عليه قوله: «اجعلوا»، فإن قلت: ما وجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ كونه ﵊ على المنبر يدلُّ على جماعةٍ جالسين في المسجد، ومنهم الرَّجل الَّذي سأل عن صلاة اللَّيل.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) وللأربعة: «حمَّاد (٢) بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَخْطُبُ) على المنبر (فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا (٣) خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُْ) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجزم جواب الأمر، وزاد في رواية أبي الوقت في نسخةٍ: «لَكَ» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ (مَا قَدْ صَلَّيْتَ) وإسناده الإيتار إلى الصَّلاة مجازٌ.
(قَالَ) (٤) وفي روايةٍ: «وقال» (الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، القرشيُّ المخزوميُّ المدنيُّ، ثمَّ الكوفيُّ ممَّا وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) العمريُّ (أَنَّ)
стр. 1612
أباه عبد الله (١) (ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ) قِيلَ: ليس فيه ما يدلُّ على الحِلَق، وأُجيب بأنَّه (٢) شبَّه جلوس الرِّجال في المسجد حوله ﵊ وهو يخطب بالتَّحلُّق حول العالم لأنَّ الظَّاهر أنَّه ﵊ لا يكون في المسجد وهوعلى المنبر، وعنده جمعٌ جلوسٌ، إِلَّا محدِّقين به كالمتحلِّقين.
٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم، يزيد (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف والدَّال المُهمَلة، الحارث بن عوفٍ (اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ (٣): «بينما النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) جالسٌ حال كونه (فِي المَسْجِدِ) زاد في «كتاب (٤) العلم» [خ¦٦٦]: «والنَّاس معه» (فَأَقْبَلَ
стр. 1613
ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) من الطَّريق، ودخلوا المسجد مارِّين فيه، وفيه زيادة الفاء على (١) جواب «بينما»، وللأَصيليِّ: «فأقبل نفرٌ ثلاثةٌ» فـ (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) من الثَّلاثة الَّذين أقبلوا من الطَّريق (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ) عُطِفَ على: «فأقبل اثنان» (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) «أمَّا» للتَّفصيل، و «أحدُهما» رُفِع بالابتداء، والخبر قوله: (فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ) هذا موضع التَّرجمة، وأدخل الفاء في «فرأى» لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، وفي «فجلس» للعطف، وللأَصيليِّ: «فرجةً في الحلْقة» بإسكان اللَّام «فجلس» (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء أي: الثَّاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الآخَرُ فَأَدْبَرَ ذاهبًا) وهذه ساقطةٌ من (٢) «اليونينيَّة» (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ممَّا كان مشتغلًا به من الخطبة، أو تعليم العلم، أو غير ذلك (قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ) وللأَصيليِّ: «عن النَّفر الثَّلاثة» (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بالقصر أي: لجأ (إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ) ، بالمدِّ (وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا) ترك المُزاحَمة (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ) جازاه بمثل فعله بأن رحمه ولم يعاقبه (وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ) عن مجلس النَّبيِّ ﷺ (فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ)
стр. 1614
أي: جازاه بأن غضب عليه، فهو من باب ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم لأنَّ نسبة الإيواء والاستحياء والإعراض في حقِّه تعالى مُحالٌ، فالمُراد لازم ذلك وهو إرادة إيصال الخير وترك العقاب.
وفي الحديث: التَّحلُّق للعلم والذِّكر، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، والحديث سبق في «باب من قعد حيث ينتهي به المجلس» من «كتاب العلم» [خ¦٦٦].
(٨٥) (بابُ) جواز (الاِسْتِلْقَاءِ فِي المَسْجِدِ، وَمَدِّ الرِّجْلِ) سقط قوله «و (١) مدِّ الرِّجل» عند الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، وثبت في نسخةٍ عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر كما في الفرع، و (٢) كذا ثبت في نسخة الصَّغانيِّ، كما في «الفتح».
٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ) إمام دار الهجرة (مَالِكٍ) بن أنس (٣) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصمٍ المازنيِّ ﵁ (أَنَّهُ رَأَى) أي: أبصر (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (مُسْتَلْقِيًا) على ظهره (فِي المَسْجِدِ) حال كونه (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) فعل ذلك ليبيِّن (٤) جوازه، فحديث جابرٍ المرويُّ في «مسلمٍ»: «نهى رسول الله ﷺ أن يضع الرَّجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ على ظهره» إمَّا منسوخٌ، أو مقيَّدٌ بما إذا ظهرت بذلك عورته كأن يكون الإزار ضيِّقًا، فإذا وضع رِجلًا فوق الأخرى وهناك فرجةٌ ظهرت فيها (٥) العورة،
стр. 1615
فإن أمنَ ذلك جاز (١).
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٩] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٨٧]، ومسلمٌ في «اللِّباس»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان» -وقال: حسنٌ صحيحٌ- والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، بواو العطف على الإسناد السَّابق، وصرَّح به الدَّاوديُّ في روايته عن القعنبيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسرها، ابن حزنٍ القرشيِّ المخزوميِّ، أحد العلماء الأعلام الأثبات، المُتَّفق على أنَّ مُرسَلاته (٢) أصحُّ المراسيل، و (٣) قال ابن المدينيِّ: لا أعلم في التَّابعين أوسع علمًا منه، وتُوفِّي بعد التِّسعين، وقد ناهز الثَّمانين (قَالَ: كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (وَعُثْمَانُ) بن عفَّان (يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) ﵄، أي: الاستلقاء المذكور، وزاد الحميديُّ عن ابن مسعودٍ: «أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق (٤) ﵁ كان يفعل ذلك أيضًا» (٥)، وهذا يردُّ على من قال: إنَّ الاستلقاء كان (٦) من خصائصه ﷺ .
(٨٦) (بابُ) حكم بناء (المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ) المُباحَة (٧) (مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ) ولأبي ذَرٍّ: «للنَّاس» (وَبِهِ) أي: بجوازه (قَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَأَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (وَمَالِكٌ) إمام دار الهجرة، وعليه الجمهور، وأمَّا ما رواه عبد الرَّزَّاق عن عليٍّ وابن عمر ﵄ من المنع فسنده ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به.