رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (بِـ) المناداة (الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ) أي: فرغ منها بالسُّكوت، وأوَّليَّتها باعتبار الإقامة، وأمَّا باعتبار الَّتي قبل الفجر فثانيةٌ، ويحتمل أن يكون التَّأنيث باعتبار تأويله بالمرَّة أو السَّاعة، أو لمؤاخاة الأذان للإقامة، وحكى السَّفاقسيُّ: أنَّه رُوِي: «سكب» بالمُوحَّدة، وأصله من سكبِ الماء وهو صبُّه، أي: صبَّ الأذان وأفرغه في الآذان، وجزم به الصَّغانيُّ، وبه ضبط نسخته الَّتي قال: إنَّه قابلها على نسخة الفَِرَبْريِّ، وادَّعى أنَّ المُثنَّاة تصحيفٌ من المحدِّثين، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كما قال، ولم يثبت ذلك في شيءٍ من الطُّرق، وإنَّما ذكرها الخطَّابيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ فقال: إنَّ سويد بن نصرٍ راويها عن ابن المبارك عنه، ضبطها بالمُوحَّدة، وتعقَّب العينيُّ ابن حجرٍ بأنَّه لم يبيِّن وجه الرَّدِّ (١)، قال: وليس الصَّغانيُّ ممَّن
стр. 1892
يُرَدُّ عليه في مثل هذا. انتهى. قلت: قال الدَّمامينيُّ: الرِّواية بالمُثنَّاة صحيحةٌ، وهي بيِّنة الصَّواب، والباء الَّتي في «بالأولى» بمعنى: «عن» مثل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] فلا وجه لنسبة المحدِّثين إلى التَّصحيف. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ والسَّفاقسيُّ: ولها -أي: «سكب» بالمُوحَّدة- وجهٌ من (١) الصَّواب، قال العينيُّ: بل هي عين الصَّواب لأنَّ «سكت» بالمُثنَّاة الفوقيَّة لا تُستعمَل بالمُوحَّدة، بل تُستعمَل بكلمة «من» أو «عن» و «سكب» بالمُوحَّدة استُعمِل هنا بالباء، ثمَّ أجاب عن مجيء الباء (٢) بمعنى: «عن» بأنَّ الأصل أن يُستعمَل كلُّ حرفٍ في بابه، ولا يُستعمَل في غير بابه إلَّا لنكتةٍ، وأيُّ نكتةٍ هنا؟ انتهى. وجواب «إذا» قوله: (قَامَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (فَرَكَعَ) ولأبي الوقت: «يركع» (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ) بمُوحَّدةٍ وآخره نونٌ من الاستبانة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يستنير» بنونٍ وآخره راءٌ من الاستنارة (ثُمَّ اضْطَجَعَ) ﵊ في بيته (عَلَى شِقِّهِ) أي: جنبه (الأَيْمَنِ) جريًا على عادته الشَّريفة في حبِّه التَّيامن في شأنه كلِّه، أو للتَّشريع لأنَّ النَّوم على الأيسر يستلزم استغراق النَّوم في غيره ﵊ بخلافه هو لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنِّسبة لنا، وهو نوم الصَّالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظَّهر نوم الجبَّارين والمتكبِّرين، وعلى الوجه نوم الكفَّار (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ) استدلَّ به على الحضِّ على الاستباق إلى المسجد، وهو لمن كان على مسافةٍ من المسجد لا يسمع فيها الإقامة، وأمَّا من كان يسمع
стр. 1893
الأذان (١) من داره فانتظاره الصَّلاة إذا كان متهيِّئًا لها كانتظاره إيَّاها في المسجد، قاله ابن بطَّالٍ.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي: الأذان والإقامة، فهو على حدِّ قولهم: العمرين للصِّدِّيق والفاروق (صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ) أن (٢) يصلِّي.
والحديث الَّذي يسوقه المؤلِّف هو السَّابق، لكنَّه ترجم أوَّلًا لبعض ما دلَّ عليه، وهنا بلفظه، مع ما فيه من بعض الاختلاف في رواته ومتنه، كما ستراه إن شاء الله تعالى وحينئذٍ فلا تكرار.
٦٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ البصريُّ (٣) ثمَّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (كَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم، وبالسِّين المهملة وفتح الحاء من أبيه، النَّمَريُّ -بفتح النُّون والميم- القيسيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ)
стр. 1894
بضمِّ المُوحَّدة، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضمِّ الميم (١) وفتح الغين المعجمة والفاء المُشدَّدة، ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) بالتَّكرار مرَّتين، ولفظ رواية الأَصيليِّ: «بين كلِّ أذانين صلاةٌ مرَّتين» (ثُمَّ قَالَ فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ) قيَّد الثَّالثة هنا بقوله: «لمن شاء» وأطلق في المرَّتين الأُوليين، وقال في السَّابقة [خ¦٦٢٤]: بين كلِّ أذانين صلاةٌ -ثلاثًا- فأطلق، فالَّذي هنا قيد الإطلاق الَّذي هناك لأنَّ المُطلَق يُحمَل على المُقيَّد، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ.
(١٧) (بابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ) بالجزم بلام الأمر (فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ) أذانًا واحدًا في الصُّبح وغيرها، وكان ابن عمر يؤذِّن للصُّبح أذانين في السَّفر، رواه عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، ولا مفهوم لقوله: مؤذِّنٌ واحدٌ في السَّفر لأنَّ الحضر أيضًا كذلك، والتَّأذين جماعةً أحدثه بنو أميَّة.
٦٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المُشدَّدة، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، مُصغَّرًا، ابن خالدٍ البصريُّ الكرابيسيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الواو آخره مُثلَّثةٌ، مُصغَّرًا ابن أشيم اللَّيثيِّ ﵁ قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال: أتيت النَّبيَّ» (¬ ﷺ فِي نَفَرٍ) بفتح الفاء: عدَّة رجالٍ من ثلاثةٍ
стр. 1895
إلى عشرة (مِنْ قَوْمِي) بني ليث بن بكر بن عبد منافٍ (١) ابن كنانة (٢)، وكان قدومهم -فيما ذكره ابن سعدٍ- والنَّبيُّ ﷺ يتجهَّز لتبوك (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ) ﵊ (عِشْرِينَ لَيْلَةً) بأيَّامها (وَكَانَ) ﵊ (رَحِيمًا) بالمؤمنين (رَفِيقًا) بهم؛ بفاءٍ ثمَّ قافٍ من الرِّفق، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر (٣): «رقيقًا» بقافين من الرِّقة (فَلَمَّا رَأَى) ﵊ (شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا) بالألف بعد الهاء جمع أهلٍ، قال في «القاموس»: «أهلٌ» جمعه أَهْلُون وأَهَالٍ وأَهْلَاتٌ. انتهى. فـ «أهالٍ»: جمع تكسيرٍ، و «أهلون»: جمع تصحيحٍ؛ بالواو والنُّون، وأَهلاتٌ: جمعٌ بالألف والتَّاء، فهو من النَّوادر حيث جُمِع كذلك، وللأربعة: «إلى أهلينا» (قَالَ) ﵊: (ارْجِعُوا) إلى أهليكم (فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا) في سفركم وحضركم كما رأيتموني أصلِّي (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) المكتوبة، أي: حان وقتها، أي: في السَّفر (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ) ظاهره أنَّ ذلك بعد وصولهم إلى أهليهم، لكنَّ الرِّواية الآتية [خ¦٦٣٠]: «إذا أنتما خرجتما فأذِّنا» (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) في السِّنِّ، وإنَّما قدَّمه وإن كان الأفقه مُقدَّمًا عليه لأنَّهم استووا في الفضل لأنَّهم مكثوا عنده نحو (٤) عشرين ليلةً، فاستووا في الأخذ عنه عادةً، فلم يبقَ ما يُقدَّم به إلَّا السِّنُّ، واستُدِلَّ به على أفضليَّة الإمامة على الأذان، وعلى وجوب الأذان، لكنَّ الإجماع صارفٌ للأمر عن الوجوب.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، على قول من يقول:
стр. 1896
إنَّ أيُّوب رأى أنس بن مالكٍ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٦٨٥] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٨] و «الجهاد» [خ¦٢٨٤٨]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٨) (بابُ) حكم (الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ) بالإفراد، والألف واللَّام للجنس، وحينئذٍ فيطابق قوله: (إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لِلْمُسَافِرِين» بالجمع (وَالإِقَامَةِ) بالجرِّ عطفًا على الأذان (وَكَذَلِكَ) الأذان (بِعَرَفَةَ) مكان الوقوف (وَجَمْعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم؛ وهو المزدلفة، وسُمِّي لاجتماع النَّاس فيها ليلة العيد (وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ) بالجرِّ أيضًا عطفًا على «الإقامة»: (الصَّلَاةُ) أي: أدُّوها، أو بالرَّفع مبتدٌأ خبره: (فِي الرِّحَالِ) أي: الصَّلاة تُصلَّى في الرِّحال، جمع «رحْلٍ» بسكون الحاء المهملة (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ) اللَّيلة (المَطِيرَةِ) بفتح الميم «فعيلة» من المطر، أي: فيها، وإسناد «المطر» إلى «اللَّيلة» مجازٌ.
٦٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ القصَّاب البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ المُهَاجِرِ (١) أَبِي الحَسَنِ) التَّيميِّ (٢) مولاهم الكوفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ
стр. 1897
وَهْبٍ) الجهنيِّ، أبي سليمان الكوفيِّ المخضرم (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) بالمعجمة، جندب بن جنادة الغفاريِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﵄ (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ) المؤذِّن (أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ) المؤذِّن (أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَبْرِدْ، حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ) أي: صار الظِّلُ مساويَ التَّلِّ، أي: مثله، وثبت لفظ: «المؤذِّن» الأخيرة لأبي ذَرٍّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بالحاء المهملة والذَّال المعجمة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء المهملة مُصغَّرًا (قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ) هما مالك بن الحويرث ورفيقه (النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لهما: (إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا) للسَّفر (فَأَذِّنَا) بكسر الذَّال بعد الهمزة المفتوحة، أي: من أحبَّ منكما أن يؤذِّن، فليؤذِّن، أو أحدهما يؤذِّن والآخر يجيب، وقد يُخاطَب الواحد بلفظ التَّثنية، وليس المراد
стр. 1898
ظاهره من أنَّهما يؤذِّنان معًا، وإنَّما صُرِف عن ظاهره لقوله في الحديث السَّابق [خ¦٦٢٨]: «فليؤذِّن لكم أحدكم» ولا يُقال: المراد أنَّ كلًّا منهما يؤذِّن على حدةٍ لأنَّ أذان الواحد يكفي الجماعة. نعم إذا احتِيج إلى (١) التَّعدُّد لتباعد أقطار البلد أذَّن كلُّ واحدٍ في جهةٍ، وقال (٢) الإمام الشَّافعيُّ رحمة الله عليه في «الأمِّ»: وأحبُّ أن يؤذِّن مؤذِّنٌ بعد مؤذِّنٍ، ولا تؤذِّن جماعةٌ معًا، وإن كان المسجد كبيرًا فلا بأس أن يؤذِّن في كلِّ جهةٍ منه مؤذِّنٌ يُسْمِع من يليه في وقتٍ واحدٍ (ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) بسكون لام الأمر بعد «ثمَّ» وكسرها، وهو (٣) الَّذي في الفرع فقط، وفتح ميمه للخفَّة، وضمُّه للإتباع والمناسبة.
٦٣١ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ العَنَزِيُّ؛ بفتح العين المهملة (٤) والنُّون والزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي
стр. 1899
قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) هو ابن الحويرث (قال (١): أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ) ولابن عساكر: «قال: أتيت النَّبيَّ» (¬ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) بفتحاتٍ جمع شابٍّ (مُتَقَارِبُونَ) في السِّنِّ (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً) وسقط «يومًا» لابن عساكر وأبي الوقت (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا) بالفاء، من الرِّفق، كذا في الفرع كأصله (٢)، وفي غيره: «رقيقًا» بالقاف، أي: رقيق القلب (فَلَمَّا ظَنَّ) ﵊ (أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا) بفتح اللَّام (أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، ولأبي الوقت وابن عساكر: «وقد اشتقنا» أي: إليهم بواو العطف (سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ) ﵊، وفي نسخةٍ: «فقال»: (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ) وفي روايةٍ: «أهاليكم» (فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ) شرائع الإسلام (وَمُرُوهُمْ) بما أمرتكم (وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا) شكٌّ من الرَّاوي (وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) ليس قاصرًا على وصولهم إلى أهليهم، بل يعمُّ جميع أحوالهم منذ (٣) خروجهم من عنده.
وهذا الحديث -كالَّذي بعده- ثابتٌ هنا في رواية أبي الوقت، وعزا ثبوتهما في الفرع كأصله (٤) لرواية الحَمُّويي، وسقوطهما لأبي ذَرٍّ، وقد سبق في الباب السَّابق بنحوه [خ¦٦٢٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «باب خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٤].
стр. 1900
٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) بضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ ونونين بينهما ألفٌ، على وزن «فعلان» غير منصرفٍ: جبيلٌ (١) على بريدٍ من مكَّة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا) أي: ابن عمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وأخبرنا» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطفًا على «يؤذِّنُ» (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وبفتحهما، بعد فراغ الأذان، وفي حديث مسلمٍ: يقول في آخر أذانه: (أَلَا) بتخفيف اللَّام مع فتح الهمزة (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) بالحاء المهملة جمع «رَحْلٍ» (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) «فعيلةٌ» بمعنى «فاعلةٍ» وإسناد المطر إليها مجازٌ، وليست بمعنى «مفعولةٍ» أي: ممطورٌ فيها؛ لوجود الهاء في قوله: «مطيرةٍ» إذ لا يصحُّ ممطورةٌ فيها، وليست «أو» للشَّكِّ بل للتَّنويع، وفيه: أنَّ كلَّ واحدٍ من البرد والمطر عذرٌ بانفراده، لكن في روايةٍ: «كان يأمر المؤذِّن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ ذات مطرٍ يقول: ألا صلُّوا في الرِّحال»، فلم يقل: في سفرٍ، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود: نادى منادي رسول الله ﷺ في المدينة في اللَّيلة المطيرة والغداة القرَّة، فصرَّح بأنَّ ذلك في
стр. 1901
المدينة ليس في سفرٍ، فيحتمل أن يُقال: لمَّا كان السَّفر لا يتأكَّد (١) فيه الجماعة، ويشقُّ الاجتماع لأجلها اكتفى فيه بأحدهما بخلاف الحضر، فإنَّ المشقَّة فيه أخفُّ، والجماعة فيه آكدُ، وظاهره التَّخصيص باللَّيل فقط دون النَّهار، وإليه ذهب الأصحاب في الرِّيح فقط دون المطر والبرد، فقالوا في المطر والبرد: إنَّ كلًّا منهما عذرٌ في اللَّيل والنَّهار، وفي الرِّيح العاصفة: عذرٌ في اللَّيل فقط، جزم به الرَّافعيُّ والنَّوويُّ. فإن قلت: في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في «باب الكلام في الأذان» [خ¦٦١٦]: «فلمَّا بلغ المؤذِّن: حيَّ على الصَّلاة فأمره أن يناديَ: الصَّلاة في الرِّحال»، وهو يقتضي أنَّ ذلك يُقال بدلًا من (٢) الحيعلة، وظاهر الحديث هنا أنَّه بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما؟ أُجيب بجواز الأمرين، كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» لأمره ﷺ بكلٍّ منهما، ويكون المراد من قوله: «الصَّلاة في الرِّحال» الرُّخصة لمن أرادها، و «هلمُّوا إلى الصَّلاة» النَّدب لمن أراد استكمال الفضيلة، ولو تحمَّل المشقَّة. وفي حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ» ما يؤيِّد ذلك، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فمُطِرنا، فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» وقد تبيَّن بقوله: «من شاء» أنَّ أمره ﵊ بقوله: «ألا صلُّوا في الرِّحال» ليس أمر عزيمةٍ حتَّى لا يشرِّع لهم الخروج إلى الجماعة، وإنَّما هو راجعٌ إلى مشيئتهم، فمن شاء صلَّى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة (٣).
стр. 1902
٦٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وفي روايةٍ: «إسحاق بن منصور» وجزم به خلفٌ في «الأطراف» له (قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وإسكان الواو (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم آخره سينٌ مُهمَلةٌ مصغَّرًا (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة (عَنْ أَبِيهِ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (بِالأَبْطَحِ) مكانٌ بظاهر مكَّة معروفٌ (فَجَاءَهُ بِلَالٌ) المؤذِّن (فَآذَنَهُ) بالمدِّ، أي: أعلمه (بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ) ولأبي الوقت: «ثمَّ أُخرِج» (بِالعَنَزَةِ) بفتح النُّون أطول من العصا، وهمزة «أُخرِج» بالضَّمِّ مبنيًّا للمفعول (حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ) سترةً (وَأَقَامَ) بلالٌ (الصَّلَاةَ).
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَتَتَبَّعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثنَّاتين الفوقيَّتين والمُوحَّدة المُشدَّدة المفتوحات، من التَّتبُّع، وللأَصيليِّ: «يَتَّبِع» بضمِّ أوَّله وإسكان المُثنَّاة
стр. 1903
الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة من الاتِّباع، و «المؤذِّنُ»: فاعلٌ، و «فاه»: مفعوله (هَهُنَا وَهَهُنَا) أي: جهتي (١) اليمين والشِّمال، وعند أبي عَوانة في «صحيحه» من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ: فجعل يتتبَّع بفيه يمينًا وشمالًا، وأعرب البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- «المؤذِّنَ» بالنَّصب، و «فاه» بدلًا منه، والفاعل الشَّخص مُقدَّرًا، قال: ليطابق قوله في الحديث [خ¦٦٣٤]: «فجعلت أتتبَّع فاه». انتهى. وتُعقِّب بأنَّ فيه من التَّكلُّف (٢) ما لا يخفى، وليست المطابقة بلازمةٍ، وجعل غير اللَّازم لازمًا لا يخفى ما فيه (وَهَلْ يَلْتَفِتُ) المؤذِّن برأسه (فِي الأَذَانِ) يمينًا وشمالًا؛ أي (٣): في حيعلتيه.
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء وفتح الكاف بصيغة التَّمريض فيما (٤) رواه عبد الرَّزَّاق وغيره عن سفيان (عَنْ بِلَالٍ) المؤذِّن (أَنَّهُ جَعَلَ) أنملتي (إِصْبَعَيْهِ) مسبِّحتيه (فِي) صماخي (أُذُنَيْهِ) ليعينه ذلك على زيادة رفع صوته، أو ليكون علامةً للمؤذِّن ليعرف مَن يراه على بعدٍ أو كان به صممٌ أنَّه
стр. 1904
يؤذِّن، ورواه أبو داود، ولفظ ابن ماجه من حديث سعدٍ القَرَظ: «أنَّه ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أُذنيه». لكن في إسناده ضعفٌ، وهو عند أبي عَوانة عن مؤمِّلٍ عن سفيان، وله شواهد.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا (١) رواه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة من طريق نُسَيْرٍ -بالنُّون والمهملة مُصغَّرًا- ابن ذُعْلُوق؛ بالذَّال المعجمة المضمومة وسكون العين المهملة وضمِّ اللَّام، عنه (لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) المراد بالأصبع -كالسَّابقة- الأنملة، فهو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وعبَّر في الأوَّل بقوله: «ويُذَكر» بصيغة التَّمريض (٢)، وفي الثَّاني بالجزم ليفيد أنَّ ميله إلى عدم جعل إصبعيه في أُذنيه، فللَّه درُّه من إمامٍ ما أدقَّ نظره!
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن جريرٍ عن منصورٍ عنه: (لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ) المؤذِّن وهو (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) نعم يُكرَه للمحدث حدثًا أصغر لحديث التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا يؤذِّن إِلَّا متوضِّئٌ» وفي إسناده ضعفٌ، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ» (٣): ويُكرَه الأذان بغير وضوءٍ، ويجزئ إن فعل. انتهى. وللجنب أشدُّ كراهةً لغلظ الجنابة، والإقامة أغلظ من الأذان في الحدث والجنابة لقربها من الصَّلاة.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (الوُضُوءُ) للأذان (حَقٌّ) ثابتٌ في الشَّرع (وَسُنَّةٌ) مسنونةٌ، هو من الصَّلاة، هو فاتحة الصَّلاة.
стр. 1905
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين ﵂ ممَّا وصله مسلمٌ ويؤيِّد (١) قول النَّخعيِّ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) سواءٌ كان على وضوءٍ أو لم يكن لأنَّ الأذان ذكرٌ، فلا يُشتَرط له الوضوء ولا استقبال القبلة كما لا يُشتَرط لسائر الأذكار، وحينئذٍ فلا يلحق الأذان بالصَّلاة لمخالفتها حكمه فيهما، ومن ثمَّ عُرِفت مناسبة ذكره لهذه الآثار عقب هذه التَّرجمة، وأدنى المناسبة كافٍ، ولاختلاف العلماء فيها ذكرها بلفظ الاستفهام ولم يجزم.
٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم (عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحيفة، وهب بن عبد الله (أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا) المؤذِّن (يُؤَذِّنُ) قال أبو جُحيفة: (فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) أي: فيه، ولـ «مسلمٍ»: «فجعلت أتتبَّع فاه ههنا وههنا يمينًا وشمالًا، يقول: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح» ففيه تقييد الالتفات في الأذان، وأنَّ محلَّه عند الحيعلتين، أي: من غير تحويل صدره عن القبلة وقدميه عن مكانهما، وأن يكون الالتفات يمينًا في الأولى وشمالًا في الثَّانية، وفائدته تعميم النَّاس بالإسماع، قال في «المدوَّنة»: وأنكر مالكٌ دورانه لغير الإسماع.
(٢٠) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ) أي: هل يُكرَه أو (٢) لا؟
(وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة (أَنْ يَقُولَ) الرَّجل: (فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ)
стр. 1906
وسقط لفظ «الصَّلاة» لغير أبي ذرٍّ (وَلَكِنْ لِيَقُلْ) وللأربعة: «وليقلْ»: (لَمْ نُدْرِكْ) فيه نسبة عدم الإدراك إليه بخلاف «فاتتنا» قال البخاريُّ رادًّا على ابن سيرين: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) المطلق للفوات (أَصَحُّ) أي: صحيحٌ بالنِّسبة إلى قول ابن سيرين، فإنَّه غير صحيحٍ لثبوت النَّصِّ بخلافه، و «أفعل» قد تُذكَر ويُراد بها التَّوضيح لا التَّصحيح، و «قولُ»: مرفوعٌ مبتدأٌ خبره: «أصحُّ».
٦٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة بعدها مُوحَّدةٌ، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ ﵄ (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ) وفي روايةٍ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِّجَالٍ) بفتح الجيم وتالييها، أي: أصواتهم حال حركاتهم، وسمَّى منهم الطَّبرانيُّ في روايته (١): أبا بكرة، ولكريمة
стр. 1907
والأَصيليِّ: «جلبة رجالٍ» (فَلَمَّا صَلَّى) ﵊ (قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟) بالهمزة، أي: ما حالكم حيث وقع منكم الجلبة؟ (قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ) ﵊: (فَلَا) ولأبي ذَرٍّ: «لا» (تَفْعَلُوا) أي: لا تستعجلوا، وعبَّر بلفظ «تفعلوا»؛ مبالغةً في النَّهي عنه (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ) جمعةً أو غيرها (فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) بباء (١) الجرِّ، واستشكل دخولها البرماويُّ -كالزَّركشيِّ وغيره- لأنَّه يتعدَّى بنفسه، قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وأُجيب بأنَّ أسماء الأفعال وإن كان حكمها في التَّعدِّي واللُّزوم حكم الأفعال الَّتي هي بمعناها إِلَّا أنَّ (٢) الباء تُزاد في مفعولها كثيرًا نحو: «عليك به» لضعفها في العمل، فتتعدَّى بحرفٍ عادته إيصال اللَّازم إلى المفعول، قاله الرَّضيُّ وغيره فيما نقله البدر الدَّمامينيُّ، وفي الحديث الصَّحيح: «عليكم برخصة الله»، «فعليه بالصَّوم» [خ¦١٩٠٥]، و «عليكم بقيام اللَّيل»، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ: «فعليكم السَّكينةَ» بالنَّصب (٣) بـ «عليكم» على الإغراء، وجُوِّز (٤) الرَّفع على الابتداء، والخبر سابقه، والمعنى: عليكم بالتَّأنِّي والهينة فإذا فعلتم ذلك (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) مع الإمام من الصَّلاة (فَصَلُّوا) معه (وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا) أي: أكملوا وحدكم، وبقيَّة المباحث تأتي في التَّالي إن شاء الله تعالى.
стр. 1908
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في الباب اللَّاحق [خ¦٦٣٦]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، فيه ذكر (لَا يَسْعَى) الرَّجل (إِلَى الصَّلَاةِ، وَلْيَأْتِ) ولأبي ذَرٍّ: «وليأتِها» (بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ) هل بين الكلمتين فرقٌ، أو هما بمعنًى واحدٍ وذكرُ الثَّاني تأكيدٌ للأوَّل؟ ويأتي ما فيه قريبًا -إن شاء الله تعالى- وقد سقطت هذه التَّرجمة من رواية الأَصيليِّ، وكذا من رواية أبي ذَرٍّ عن غير (١) السَّرخسيِّ، وصوَّب ثبوتها لقوله فيها: قاله أبو قتادة؛ لأنَّ الضَّمير يعود على ما ذُكِر في التَّرجمة، بخلاف سقوطها فإنَّه يعود على المتن السَّابق، ويلزم منه تكرار أبي قتادة من غير فائدةٍ لأنَّه ساقه عنه، ووقع عند البرماويِّ -كغيره- وهو رواية الأربعة: «باب: ما أدركتم فصلُّوا» فأسقط (٢) قوله «لا يسعى … إلى والوقار»، وقال: وفي بعضها: «باب فليأتها بالسَّكينة والوقار» (وَقَالَ) ﵊: (مَا أَدْرَكْتُمْ) من الصَّلاة، أي (٣): مع الإمام (فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا، قَالَهُ) أي: المذكور (أَبُو قَتَادَةَ) راوي حديث الباب السَّابق (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٦٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئبٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ
стр. 1909
المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(وَ) بالإسناد السَّابق؛ وهو عن (١) آدم عن ابن أبي ذئبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتحاتٍ؛ يعني أنَّ (٢) ابن أبي ذئبٍ حدَّث به عن الزُّهريِّ عن شيخين حدَّثاه به (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ) للصَّلاة (فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ) وإنَّما ذكر الإقامة للتَّنبيه بها على ما سواها لأنَّه إذا نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة، مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامةِ أَوْلى، وفي رواية همَّامٍ: «إذا نُودِي بالصَّلاة فأتوها وأنتم تمشون» (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: بالتَّأنِّي في الحركات واجتناب العبث (وَالوَقَارِ) في الهيئة كغضِّ البصر، وخفض الصَّوت، وعدم الالتفات، أو الكلمتان بمعنًى واحدٍ، والثَّاني تأكيدٌ للأوَّل، وللأربعة -وعزاها الحافظ (٣) ابن حجرٍ لغير أبي ذَرٍّ-: «وعليكم السَّكينةَُ والوقار» بغير مُوحَّدةٍ، ويجوز فيهما الرَّفع والنَّصب، كما سبق آنفًا مع جواب استشكال دخول حرف الجرِّ على السَّكينة المتعدِّي بنفسه، وقول ابن حجرٍ: لا يلزم من كونه يتعدَّى بنفسه امتناع تعديته بالباء، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ نفيَ الملازمة غير صحيحٍ. انتهى. وَرَاءُ (٤) «الوقارِ» فيها الحركات الثَّلاث؛ كالسَّكينة في أحوالها الثَّلاثة للعطف
стр. 1910
عليها، وذكر الإقامة تنبيهًا على غيرها؛ لأنَّه إذا نهى عن إتيانها مسرعًا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فما قبلها أَوْلى (وَلَا تُسْرِعُوا) بالأقدام، ولو خفتم فوات تكبيرة الإحرام أو غيرها، ولو فاتت (١) الجماعة بالكلِّيَّة فإنَّكم في حكم المصلِّين المخاطبين بالخشوع والإجلال والخضوع، فالمقصود من الصَّلاة حاصلٌ لكم وإن لم تدركوا منها شيئًا، والأعمال بالنِّيَّات، وعدم الإسراع مستلزمٌ لكثرة الخطا، وهو معنًى مقصودٌ بالذَّات وردت فيه أحاديث صحيحاتٌ، وفي «مسلمٍ»: «فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصَّلاة فهو في صلاةٍ» ففيه إشارةٌ -كما مرَّ- أن يتأدَّب بآداب الصَّلاة، فإن قلت: إنَّ الأمر بالسَّكينة معارَضٌ بقوله تعالى في الجمعة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] أجيب بأنَّه ليس المراد من الآية الإسراع، بل المراد الذَّهاب، أو هو بمعنى العمل والقصد؛ كما تقول: سعيت في أمري. (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي: إذا فعلتم ما أمرتكم به من السَّكينة والوقار وعدم الإسراع فما أدركتم مع الإمام من الصَّلاة (فَصَلُّوا) معه، وقد حصلت فضيلة الجماعة بالجزء المُدرَك منها (وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا) أي: أكملوه وحدكم، كذا (٢) في أكثر الرِّوايات بلفظ: «فأتمُّوا»، وفي بعضها: «فاقضوا» والأوَّل هو الصَّحيح في رواية الزُّهريِّ، ورواه ابن عيينة بالثَّاني، وبه استدلَّ الحنفيَّة بأنَّ ما أدرك (٣) المأموم مع الإمام هو آخر صلاته، فيُستَحبُّ له الجهر في الرَّكعتين الأخيرتين، وقراءة السُّورة مع الفاتحة، وبالأوَّل أخذ (٤) الشَّافعيَّة على أنَّها أوَّلها، لكنَّه (٥) يقضي بمثل (٦) الَّذي فاته من قراءة السُّورة مع الفاتحة في الرُّباعيَّة (٧)، ولم يستحبُّوا
стр. 1911
إعادة الجهر في الأخيرتين أو ما يأتي به بعد آخرها لأنَّ الإتمام لا يكون إِلَّا للآخر؛ لأنَّه يستدعي سبق أوَّلٍ، وأجابوا بأنَّ القضاء وإن كان يُطلَق على الفائت غالبًا، لكنَّه يُطلَق أيضًا على الأداء، ويأتي بمعنى الفراغ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (١)﴾ [الجمعة: ١٠] وحينئذٍ فتُحمَل رواية «فاقضوا» على معنى الأداء والفراغ، وإذًا فلا تمسُّك بها، واستدلَّ بقوله: «وما فاتكم فأتمُّوا» على أنَّ من أدرك الإمام راكعًا لم تُحسَب له تلك الرَّكعة لأنَّه قد فاته (٢) القيام والقراءة أيضًا، واختاره ابن خزيمة وغيره (٣)، وقوَّاه السُّبكيُّ، والجمهورُ على أنَّه مُدْرِكٌ لها (٤) لقوله ﵊ لأبي بكرة حيث ركع دون الصَّفِّ [خ¦٧٨٣]: «زادك الله حرصًا ولا تعد» ولم يأمره بإعادة تلك الرَّكعة، وأنَّه يدرك فضيلة الجماعة بجزءٍ من الصَّلاة وإن قلَّ.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف فإنَّه عسقلانيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «باب المشي إلى الجمعة» [خ¦٩٠٨]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه (مَتَى يَقُومُ النَّاسُ) الطَّالبون للصَّلاة جماعةً (إِذَا رَأَوُا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ) لها.
стр. 1912
٦٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى) ولأبي ذَرٍّ: «يحيى (١) بن أبي كثيرٍ» والكتابة من جملة طرق التَّحديث، وهي معدودةٌ في السند الموصول (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: ذُكِرَت ألفاظ الإقامة (فَلَا تَقُومُوا) إلى الصَّلاة (حَتَّى تَرَوْنِي) أي: تبصروني خرجتُ، فإذا رأيتموني فقوموا؛ وذلك لئلَّا يطول عليهم القيام، ولأنَّه قد يعرض له ما يؤخِّره، واختُلِف في وقت القيام إلى الصَّلاة؛ فقال الشَّافعيُّ والجمهور: عند الفراغ من الإقامة، وهو قول أبي يوسف، وعن مالكٍ: أوَّلها، وفي «المُوطَّأ»: أنَّه يرى ذلك على طاقة النَّاس فإنَّ منهم الثَّقيل والخفيف، وعن أبي حنيفة أنَّه (٢) يقوم في الصَّفِّ عند «حيَّ على الفلاح» (٣)، فإذا قال: «قد قامت الصَّلاة» كبَّر الإمام لأنَّه أمين الشَّرع، وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه، وقال أحمد: إذا قال: «حيَّ على الصَّلاة» (٤).
ورواة هذا (٥) الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والكتابة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٦٣٨] أيضًا، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَسْعَى) الرَّجل (إِلَى الصَّلَاةِ) حال كونه (مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ) ملتبسًا (بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ) كذا في رواية المُستملي، ولأبي ذَرٍّ -وعزاها في «الفتح» للحَمُّويي -:
стр. 1913
«لا يقوم إلى الصَّلاة مستعجلًا، وليقم إليها بالسَّكينة والوقار» ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا يسعى إلى الصَّلاة، ولا يقوم إليها مستعجلًا، وليقم بالسَّكينة والوقار» فجمع بين النَّهي في السَّعي والقيام.
٦٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ (١): «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا) إليها (حَتَّى تَرَوْنِي) خرجت، فإذا رأيتموني فقوموا إليها (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) وللأَصيليِّ وأبوي ذَرٍّ والوقت: «وعليكم السَّكينة» (٢) بحذف الباء، وتقدَّم الحديث قريبًا [خ¦٦٣٦].
(تَابَعَهُ) أي: تابع شيبان عن يحيى بن أبي كثيرٍ على هذه الزِّيادة (عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) البصريُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الجمعة» [خ¦٩٠٩] وفائدة المتابعة التَّقوية، وهي ساقطةٌ في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر.
(٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَخْرُجُ) الرَّجل (مِنَ المَسْجِدِ) بعد إقامة الصَّلاة (لِعِلَّةٍ؟) كحدثٍ (٣). نعم يخرج كما دلَّ (٤) عليه حديث الباب، وقول أبي هريرة المرويِّ في «مسلمٍ» وغيره: في
стр. 1914
رجل ٍخرج من المسجد بعد الأذان: «أمَّا هذا؛ فقد عصى أبا القاسم» مخصوصٌ بمن (١) ليست له ضرورةٌ لحديثه المرفوع المرويِّ في «الأوسط»، ولفظه: «لا يسمع النِّداء في مسجدي هذا، ثمَّ يخرج منه إلَّا لحاجةٍ، ثمَّ لا يرجع إليه إلَّا منافقٌ».
٦٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، المدنيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ خَرَجَ) من الحجرة (وَ) الحال أنَّه (قَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) بإذنه (وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي: سُوِّيت (حَتَّى إِذَا قَامَ) ﵊ (فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ) تكبيرة الإحرام، والجملة حاليَّةٌ، وجواب «إذا» الشَّرطية قولُه: (انْصَرَفَ) إلى الحجرة قبل أن يكبِّر، و «أن» مصدريَّةٌ، أي: انتظرنا تكبيره (قَالَ) وللأَصيليِّ: «وقال» (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي: اثبتوا على مكانكم (فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا) بفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الهمزة، أي: الصُّورة الَّتي كنَّا عليها من القيام في الصُّفوف المُسوَّاة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هِيْنَتنا» بكسر الهاء وسكون التَّحتيَّة وفتح النَّون، من غير همزٍ: الرِّفق، والأولى أوجه (حَتَّى خَرَجَ) ﵊ (إِلَيْنَا) من الحجرة حال كونه (يَنْطُِفُ) بكسر الطَّاء وضمِّها، أي: يقطر (رَأْسُهُ مَاءً) قليلًا قليلًا، و «ماءً»: نُصِبَ على التَّمييز (وَ) الحال أنَّه (قَدِ اغْتَسَلَ) زاد الدَّارقُطنيُّ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: فقال: «إنِّي كنت جنبًا فنسيت أن أغتسل».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في
стр. 1915
«باب إذا ذكر في المسجد أنَّه جنبٌ فخرج كما هو ولا يتيمَّم» [خ¦٢٧٥] من «كتاب الغسل»، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا قَالَ الإِمَامُ) للجماعة: الزموا (مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ في رواية أبي ذَرٍّ (١): «حتَّى نرجع» بالنُّون قبل الرَّاء، وللأَصيليِّ: «أرجع» بالهمزة، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يرجع» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وجواب «إذا» قوله: (انْتَظَرُوهُ).
٦٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ -كما جزم به المزِّيُّ فيما نقله الحافظ ابن حجرٍ وأقرَّه- لا ابن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللهرويِّ وابن عساكر: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو؛ بفتح العين (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أُقِيمَتِ
стр. 1916
الصَّلَاةُ) بضمِّ الهمزة، بعد أن أَذِنَ ﵊ في إقامتها (فَسَوَّى) أي: فعدَّل (النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إليهم من الحجرة (فَتَقَدَّمَ) ﵊ (وَهْوَ جُنُبٌ) أي: في نفس الأمر، لا أنَّهم اطَّلعوا على ذلك منه قبل أن يعلمهم، فلمَّا قام في مصلَّاه ذكر أنَّه جنبٌ (فقَالَ) ولغير أبي ذَرٍّ: «ثُمَّ قال»: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي: اثبتوا فيه ولا تتفرَّقوا (فَرَجَعَ) إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ) وللأَصيليِّ: «واغتسل» (ثُمَّ خَرَجَ) إلى المسجد (وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً) نُصِب على التَّمييز، والجملة من المبتدأ والخبر حاليَّةٌ (فَصَلَّى بِهِمْ) من غير إعادة الإقامة كما هو ظاهر السِّياق، وفي بعض الأصول هنا زيادةٌ نبَّه عليها الحافظ ابن حجرٍ لم أرها في الفرع ولا في «اليونينيَّة» (١)؛ وهي «قِيلَ لأبي عبد الله -أي: البخاريِّ- إنْ بدا لأحدنا مثل هذا يفعل كما فعل (٢) النَّبيُّ ﷺ ؟ قال: فأيُّ شيءٍ يصنع؟ فقِيل: ينتظرونه قيامًا أو قعودًا، قال: -أي: البخاريُّ- إن كان قبل التَّكبير للإحرام فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التَّكبير انتظروه حال كونهم قيامًا».
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الطَّهارة» و «الصَّلاة» أيضًا.
стр. 1917
(٢٦) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا) ولأبي ذَرٍّ: «قول الرَّجل للنَّبيِّ ﷺ : ما صلَّينا».
٦٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن، حال كونه (يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (يَوْمَ) أي: زمان وقعة (الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كِدْتُ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا رسول الله ما كدت» وفي الفرع عن أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: إسقاط القسم (١) (أَنْ أُصَلِّيَ) العصر، وللأَصيليِّ: «ما كدت أصلِّي» (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) أتى في الأوَّل بـ «أن» في خبر «كاد» كما في «عسى»، وأسقطها في الثَّاني، وهو أكثر في الاستعمال، وللأَصيليِّ: إسقاطها فيه كما مرَّ (وَذَلِكَ) أي: الوقت الَّذي خاطب فيه عمر النَّبيَّ ﷺ (بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: بعد الغروب، وليس المراد الوقت الَّذي صلَّى فيه عمر العصر،
стр. 1918
فإنَّه (١) قبيل الغروب كما يدلُّ عليه «كاد» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا) فإن قلت: إنَّ نفي الصَّلاة إنَّما وقع من الرَّسول ﷺ لا من عمر، وحينئذٍ فلا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة، أُجيب بأنَّ المطابقة حصلت من قول عمر ﵁: «ما كدت أصلِّي» لأنَّه بمعنى: ما صلَّيت بحسب عرف الاستعمال، أو (٢) من (٣) كون المؤلِّف ترجم لبعض ما وقع في بعض (٤) طرق الحديث المسوق له (٥) هنا، فقد وقع عنده في «المغازي» [خ¦٤١١٢] وقوع ذلك من (٦) عمر، لكنَّ الأَوْلى أن تكون المطابقة بين التَّرجمة والحديث المسوق في بابها بلفظها، أو ما يدلُّ عليه.
قال جابرٌ: (فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الطَّاء؛ وادٍ بالمدينة، غير منصرفٍ كذا يقول المحدِّثون قاطبةً، وحكى أهل اللُّغة فتح أوَّله وكسر ثانيه، قاله أبو عليٍّ القالي في «البارع» (وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ) ولغير أبوي ذرٍّ والوقت والأصيلي: «ثم صلَّى؛ يَعْنِي: العَصْرَ» (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ) يحتمل أن يكون التَّأخير نسيانًا لا عمدًا، أو عمدًا للاشتغال بأمر العدوّ، وكان قبل نزول (٧)
стр. 1919
آية (١) صلاة الخوف.
ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول.
(٢٧) (بابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ) بكسر الرَّاء، أي: تظهر (لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ) هل يُباح له التَّشاغل بها قبل الدُّخول في الصَّلاة أم لا؟ نعم يُباح له (٢) ذلك.
٦٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، المُقعَد التَّميميُّ المنقريُّ مولاهم البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ -بكسر العين- التَّنوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المهملة وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، وللأربعة: «عبد العزيز هو ابن صهيبٍ» (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: العشاء كما عند «مسلمٍ» من رواية حمَّادٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ (وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي) أي: يحدِّث (٣) (رَجُلًا فِي) ولابن عساكر: «إلى» (جَانِبِ المَسْجِدِ) المدنيِّ، ولم يعرف الحافظ (٤) ابن حجرٍ اسم الرَّجل، والجملة من مبتدأ وخبرٍ حاليَّةٌ (فَمَا قَامَ) ﵊ (إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ). في «مُسنَد إسحاق بن رَاهُوْيَه» عن ابن عُليَّة
стр. 1920
عن عبد العزيز في هذا الحديث: حتَّى نَعَِسَ بعض القوم، وفيه دلالةٌ على أنَّ النَّوم المذكور لم يكن مستغرقًا، وزاد «مسلمٌ» -كالمؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٩٢] عن شعبة عن عبد العزيز-: «ثمَّ قام فصلَّى».
واستُنبِط من الحديث: جوازُ الكلام بعد الإقامة. نعم كرهه الحنفيَّة لغير ضرورةٍ. ورواته كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود.
(٢٨) (بابُ الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وبالسَّند قال:
٦٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بفتح العين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره معجمةٌ، الرَّقَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي؛ بالسِّين المهملة والميم (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ) بضمِّ المُوحَّدة وتخفيف النُّون وبعد الألف نونٌ ثانيةٌ مكسورةٌ، كذا روى حُمَيْدٌ عن أنسٍ بواسطةٍ، ورواه عامَّة أصحاب حُمَيْدٍ عنه (١) عن أنسٍ بغير واسطةٍ (عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلَاةُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ) أي: منعه من الدُّخول في الصَّلاة بسبب التَّكلُّم معه، زاد هُشَيْمٌ (٢) في روايته: حتَّى نعس بعض القوم (بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) وفيه الرَّدُّ على من كره الكلام بعد الإقامة، زاد في غير (٣) رواية أبي ذرٍّ والأصيليِّ وابن عساكر هنا زيادةً ذكرها في الباب
стр. 1921
الآتي، وهو اللَّائق كما لا يخفى؛ وهي «وقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العشاء (١) في جماعةٍ شفقةً عليه لم يطعها» ومبحث ذلك يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٠/ ٢٩ - ١٠٣٣].
ورواة هذا الحديث بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال والقول، وأخرجه أبو داود في «الصَّلاة».
(٢٩) (بابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) أطلق المؤلِّف الوجوب، وهو يشمل الكفاية والعين، لكنَّ قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي: البصريُّ: (إِنْ مَنَعَتْهُ) أي: الرَّجل (أُمُّهُ عَنِ) الحضور إلى صلاة (العِشَاءِ في الجَمَاعَةِ) حال كون منعها (شَفَقَةً) أي: لأجل شفقتها (عَلَيْهِ) وليس في الفرع هنا «عليه». نعم هي لابن عساكر في السَّابق، وفي روايةٍ «في جماعةٍ» بالتَّنكير (لَمْ يُطِعْهَا) يشعر بكونه يريد وجوب العين لأنَّ طاعة الوالدين واجبةٌ حيث لا يكون فيها معصية الله تعالى، وترك الجماعة معصيةٌ عنده، وهذا الأثر أخرجه موصولًا بمعناه في «كتاب الصِّيام» للحسين بن الحسن المروزيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن الحسن: في رجلٍ يصوم تطوُّعًا فتأمره أمُّه أن يفطر، قال: «فليفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصَّوم وأجر البرِّ» قِيلَ: فتنهاه أن يصلِّي العشاء في جماعةٍ، قال: «ليس ذلك لها، هذه فريضةٌ» وقد أبدى الشَّيخ قطب الدِّين القسطلانيُّ ﵀ فيما نقله البرماويُّ في «شرح
стр. 1922
عمدة الأحكام» لمشروعية الجماعة حكمةً ذكرها في مقاصد الصَّلاة؛ منها: قيام نظام الألفة بين المصلِّين ولذا شُرِعت المساجد في المحالِّ ليحصل التَّعاهد باللِّقاء في أوقات الصَّلوات بين الجيران، ومنها: قد يتعلَّم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ومنها: أنَّ مراتب النَّاس متفاوتةٌ في العبادة، فتعمُّ بركة الكامل على النَّاقص، فتكمل صلاة الجميع (١).
٦٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ: «فَقَدَ ناسًا في بعض الصَّلوات» (قَالَ: و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: بتقديره وتدبيرهِ (لَقَدْ هَمَمْتُ) هو جواب القسم، أكَّده باللَّام و «قد»، والمعنى: لقد قصدت (أَنْ
стр. 1923
آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ) بالفاء وضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الحاء السَّاكنة طاءٌ مبنيًّا للمفعول، منصوبًا عطفًا على المنصوب المتقدِّم، وكذا الأفعال الواقعة بعده، وللحَمُّويي والمُستملي: «لِيُحْطَبَ» بلام التَّعليل، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «يُتَحَطَّبُ» بضمِّ المُثنَّاة (١) التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة والطَّاء، ولابن عساكر أيضًا: «فيُحطَّب» بالفاء وتشديد الطَّاء، ولأبي الوقت: «فَيُتَحَطَّبُ» بالفاء ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ بعد التَّحتيَّة المضمومة وتشديد الطَّاء أيضًا، وفي روايةٍ: «فَيُحْتَطَبُ» بالفاء ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ (٢) بعد الحاء السَّاكنة. وحطب واحتطب بمعنًى واحدٍ، قال في «الفتح»: أي: يُكسَر ليسهل اشتعال النَّار به، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يقل أحدٌ من أهل اللُّغة: إنَّ معنى «يُحطَب»: يُكسَر، بل المعنى: يُجمَع (ثُمَّ آمُرَ) بالمدِّ وضمِّ الميم (بِالصَّلَاةِ) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقًا، كلُّها رواياتٌ، ولا تضادَّ لجواز تعدُّد الواقعة (فَيُؤَذَّنَ لَهَا) بفتح الذَّال المُشدَّدة، أي: أُعلِم (٣) النَّاس لأجلها، والضَّمير مفعولٌ ثانٍ (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ) المشتغلين بالصَّلاة قاصدًا (إِلَى رِجَالٍ) لم يخرجوا إلى
стр. 1924
الصَّلاة (فَأُحَرِّقَُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بالنَّار عقوبةً لهم، وقيَّد بالرِّجال ليخرج الصِّبيان والنِّساء، ومفهومه: أنَّ العقوبة ليست قاصرةً على المال، بل المراد تحريق المقصودين وبيوتهم، و «أحرِّقَُ» بتشديد الرَّاء وفتح القاف وضمِّها كسابقه، وهو مشعرٌ بالتَّكثير والمبالغة في التَّحريق، وبهذا استدلَّ الإمام أحمد ومن قال إنَّ الجماعة فرض عينٍ؛ لأنَّها لو كانت سنَّةً لم يهدِّد تاركها بالتَّحريق، ولو كانت فرض كفايةٍ لكان قيامه ﵊ ومن معه بها كافيًا. وإلى ذلك ذهب عطاءٌ والأوزاعيُّ وجماعةٌ من محدِّثي الشَّافعيَّة كابني خزيمة وحبَّان وابن المنذر وغيرهم من الشَّافعيَّة، لكنَّها ليست بشرطٍ في صحَّة الصَّلاة كما قاله في «المجموع»، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: هي سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وهو وجهٌ عند الشَّافعيَّة لقوله ﵊ فيما رواه الشَّيخان [خ¦٦٤٥]: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً» ولمواظبته ﷺ عليها بعد الهجرة، وقرأت في شرح «المجمع» لابن فرشتاه (١) ممَّا عزاه العينيُّ لشرح «الهداية» وأكثر المشايخ: على أنَّه واجبٌ، وتسميته (٢) سنَّةٌ لأنَّه ثابتٌ بالسُّنَّة. انتهى. وظاهر نصِّ الشَّافعيِّ أنَّها فرض كفايةٍ، وعليه جمهور أصحابه المتقدِّمين وصحَّحه النَّوويُّ في «المنهاج» كـ «أصل الرَّوضة»، وبه قال بعض المالكيَّة، واختاره الطَّحاويُّ والكرخيُّ وغيرهما من الحنفيَّة لحديث أبي داود وصحَّحه ابن حبَّان وغيره (٣): «ما من ثلاثةٍ في قريةٍ أو بَدْوٍ لا تُقام فيهم الصَّلاة إلَّا استحوذ عليهم الشَّيطان» أي: غلب،
стр. 1925
ويمكن أن يُقال: التَّهديد بالتَّحريق وقع في حقِّ تاركي فرض الكفاية لمشروعيَّة قتال تاركي فرض الكفاية، وأُجيب عن حديث الباب بأنَّه همَّ ولم يفعل، ولو كانت فرض عينٍ لمَا تركهم، أو أنَّ فرضيَّة (١) الجماعة نُسِخت، أو أنَّ الحديث ورد في قومٍ منافقين يتخلَّفون عن الجماعة ولا يصلُّون كما يدلُّ عليه السِّياق، فليس التَّهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتمَّ الدليل، وتُعقِّب بأنَّه يبعُدُ اعتناؤه ﵊ بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع علمه بأنَّه لا صلاة لهم. وقد كان ﵊ معرضًا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويَّتهم، وأُجيب بأنَّه لا يتمُّ إِلَّا إن ادَّعى أنَّ ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، وإذا ثبت أنَّه كان مُخيَّرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدلُّ على وجوب ترك عقوبتهم، وفي قوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى- بعد أربعة أبوابٍ [خ¦٦٥٧]: «ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من العشاء والفجر» دلالةٌ على أنَّه ورد في المنافقين، لكنَّ المراد: نفاق المعصية لا نفاق الكفر، كما يدلُّ عليه حديث أبي هريرة المرويِّ في «أبي داود»: «ثمَّ آتي قومًا يصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّةٌ»، نعم سياق حديث الباب يدلُّ على الوجوب من جهة المبالغة في ذمِّ من تخلَّف عنها، ومحلُّ الخلاف إنَّما هو في غير (٢) الجمعة، أمَّا هي فالجماعة فيها (٣) شرطٌ في صحَّتها، وحينئذٍ فتكون فيها فرض عينٍ، ثمَّ إنَّ التَّقييد بالرِّجال في قوله: «ثمَّ أخالف إلى رجالٍ» يُخرِج الصِّبيان والنِّساء، فليست في حقِّهنَّ فرضًا جزمًا، والخلاف السَّابق في المُؤدَّاة،
стр. 1926
أمَّا المقضيَّة فليست الجماعة لها (١) فرض عينٍ ولا كفايةٍ، ولكنَّها سنَّةٌ لأنَّه ﵊ صلَّى بأصحابه الصُّبح جماعةً حين فاتتهم بالوادي. ثمَّ أعاد ﵊ القسم للمبالغة في التَّأكيد، فقال: (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بتقديرهِ (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي: المتخلِّفون (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء وبالقاف: العظم الَّذي عليه بقيَّة لحمٍ أو قطعة لحم (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ) بكسر الميم، وقد تُفتَح، تثنية مِرْمَاةٍ: ظِلْف الشَّاة أو ما بين ظِلْفَيها من اللَّحم، كذا عن البخاريِّ فيما نقله المُستملي في روايته في «كتاب الأحكام» عن الفَِرَبْريِّ، أو اسم سهمٍ يُتعلَّم عليه الرَّميُ (لَشَهِدَ العِشَاءَ) أي: صلاتها، فالمضاف محذوفٌ والمعنى (٢): لو علم (٣) أنَّه لو حضر الصَّلاة يجد نفعًا دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا لَحضرها؛ لقصور همَّته على الدُّنيا، ولا يحضرها لِما لها من مثوبات الأخرى ونُعيمها، فهو وُصِفَ بالحرص على الشَّيء الحقير من مطعومٍ أو ملعوبٍ به، مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدَّرجات ومنازل الكرامات، ووصف العَرْق بالسِّمَن، والِمرْماة بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعثٌ نفسانيٌّ على تحصيلهما، واستُنبِط من قوله: «لقد هممت» تقديم التَّهديد والوعيد على العقوبة، وسرُّه: أنَّ المفسدة إذا
стр. 1927
ارتفعت بالأهون من الزَّواجر (١) اكتفى به عن الأعلى، وبقيَّة المباحث المتعلِّقة بالحديث تأتي في محالِّها إن شاء الله تعالى.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧٢٢٤]، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(٣٠) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) على صلاة الفذِّ.
(وَكَانَ الأَسْوَدُ) بن يزيد النَّخعيُّ أحد كبار التَّابعين (إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ) أي: صلاتها في مسجد قومه (ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ) وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّه لولا ثبوت فضيلة الجماعة عند الأسود لَما ترك فضيلة أوَّل الوقت وتوجَّه إلى مسجدٍ آخر، أو من حيث إنَّ الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصورٌ على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته لأنَّه لو لم يكن مختصًّا بالمسجد لجمع الأسود في بيته، ولم يأتِ مسجدًا آخر لأجل الجماعة (وَجَاءَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن مالكٍ» فيما وصله أبو يَعلى في «مُسنَده» وقال: وقت صلاة الصُّبح (إِلَى مَسْجِدٍ) في رواية البيهقيِّ: أنَّه مسجد بني رفاعة، وفي رواية أبي يَعلى: أنَّه مسجد بني ثعلبة (قَدْ صُلِّيَ فِيهِ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام (فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَصَلَّى جَمَاعَةً) قال البيهقيُّ في روايته: جاء أنسٌ في عشرين من فتيانه.
стр. 1928
٦٤٥ - ٦٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر: «عن ابن عمر» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) بفتح أوَّله وسكون الفاء وضمِّ الضَّاد، على (١) (صَلَاةَ الفَذِّ) بفتح الفاء وتشديد الذَّال المعجمة، أي: المنفرد (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) فيه: أنَّ أقل الجمع اثنان لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذِّ، وما زاد على الفذِّ؛ فهو جماعةٌ، لكن قد يُقال: إنَّما رتَّب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرُّضٌ لنفي درجةٍ متوسِّطةٍ بين الفذِّ والجماعة كصلاة الاثنين مثلًا، لكن قد ورد في غير حديث التَّصريح بكون الاثنين جماعةً، فعند ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنان فما فوقهما جماعةٌ» لكنَّه فيه ضعفٌ (٢).
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني»: بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ إمام المصريِّين (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) يزيد بن عبد الله بن أسامة، ونسبه لجدِّه لشهرته به (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثانيةٌ، الأنصاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، وليس هو ابن الأَرَتِّ إذ
стр. 1929
لا رواية له في «الصَّحيحين» (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ) وللأَصيليِّ «تفضل خمسًا» (وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وهذا الحديث ساقطٌ في غير رواية الأربعة، وفي حديث ابن عمر السَّابق [خ¦٦٤٥]: «بسبعٍ وعشرين» وفي حديث أبي سعيدٍ هذا: «بخمسٍ وعشرين» وعامَّة الرُّواة عليها إلَّا ابن عمر كما قال التِّرمذيُّ، واتَّفق الجميع على «الخمس والعشرين» (١) سوى رواية أُبَيٍّ فقال: «أربعٍ أو خمسٍ» على الشَّكِّ، ولأبي عَوانة: «بضعًا وعشرين» وليست مغايرةً لصدق البِضْع على الخَمْس، ولا أثر للشَّكِّ، فرجعت الرِّوايات كلُّها إلى الخمس والسَّبع، واختُلِف في التَّرجيح بينهما، فمن رجَّح (٢) الخمس لكثرة رواتها، ومن رجَّح السَّبع لزيادة العدل الحافظ، ويُجمَع (٣) بينهما بأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير؛ إذ مفهوم العدد غير معتبرٍ، أو (٤) أنَّه ﵊ أخبر بالخمس (٥) ثمَّ أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسَّبع، لكنَّه يحتاج إلى التَّاريخ، وعُورِض بأنَّ الفضائل لا تُنسَخ فلا يحتاج إلى التَّاريخ، أو الدَّرجة أقلُّ من الجزء، والخمس والعشرون جزءًا هي سبعٌ وعشرون درجةً، وُردَّ بأنَّ لفظ الدَّرجة والجزء وردا مع كلٍّ من العددين، قال
стр. 1930
النَّوويُّ: القول بأنَّ الدَّرجة غير الجزء غفلةٌ من قائله، أو أنَّ الجزء في الدُّنيا والدَّرجة في الجنَّة (١)، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: أبداه القطب (٢) القسطلانيُّ احتمالًا. انتهى (٣). أو هو بالنَّظر لقرب المسجد وبُعده، أو لحال المصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع، أو الخمس بالسِّرِّيَّة والسَّبع بالجهريَّة، فإن قلت: ما الحكمة في هذا العدد الخاصِّ؟ أُجيب باحتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأُريد المبالغة في تكثيرها، فضُرِبَت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، وأمَّا السَّبع فمن جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها، قال شيخنا: التماس عدد ركعات الفرائض والرَّواتب العشرة بعيدٌ؛ إذ ذاكَ إِنْ لَوِ اتَّحد، وإنَّما الكلام في الفرض دون السُّنَّة، قال: وهذا كلُّه على سبيل التَّخمين، وإلَّا ففضل الله واسعٌ وعطاؤه أبلغ ممَّا لا يُحصَر، قال: والتمس السِّراج البلقينيُّ الرواية «سبعٍ وعشرين» تأويلًا؛ وهو أنَّ الجماعة اثنان والإمام، والحسنة بعشرٍ، فيكون الجملة ثلاثين حسنةً، طرح الأصل من كلِّ ثلاثةٍ من ثلاثين، بقي سبعةٌ وعشرون، قال الشَّيخ ابن حجرٍ: وأنا ألتمس الرواية «خمسٍ وعشرين» تأويلًا، وهو أنَّ الجماعة واحدٌ والإمام، لهم عشرون درجةً، والأوَّل اثنان، والجماعة الأولى ثلاثةٌ، يكون الجميع خمسًا وعشرين درجةً. انتهى. وقد وقع في فكري أن أسأله: هل صلاة الفذِّ إذا فاتته الجماعة من المساجد المشهورة بالفضيلة الوارده بالسُّنَّة تفضل الصَّلاة فيها؟ كمسجده الشَّريف والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس فرأيت للكمال بن الهمام على «الهداية» أن لا يتطلَّب الجماعة إذا فاتته من مسجدٍ من هذه المساجد في مسجدٍ آخر غيره. انتهى (٤).
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول والإخبار (٥) والسَّماع.