أمَّا المقضيَّة فليست الجماعة لها (١) فرض عينٍ ولا كفايةٍ، ولكنَّها سنَّةٌ لأنَّه ﵊ صلَّى بأصحابه الصُّبح جماعةً حين فاتتهم بالوادي. ثمَّ أعاد ﵊ القسم للمبالغة في التَّأكيد، فقال: (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بتقديرهِ (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أي: المتخلِّفون (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء وبالقاف: العظم الَّذي عليه بقيَّة لحمٍ أو قطعة لحم (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ) بكسر الميم، وقد تُفتَح، تثنية مِرْمَاةٍ: ظِلْف الشَّاة أو ما بين ظِلْفَيها من اللَّحم، كذا عن البخاريِّ فيما نقله المُستملي في روايته في «كتاب الأحكام» عن الفَِرَبْريِّ، أو اسم سهمٍ يُتعلَّم عليه الرَّميُ (لَشَهِدَ العِشَاءَ) أي: صلاتها، فالمضاف محذوفٌ والمعنى (٢): لو علم (٣) أنَّه لو حضر الصَّلاة يجد نفعًا دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا لَحضرها؛ لقصور همَّته على الدُّنيا، ولا يحضرها لِما لها من مثوبات الأخرى ونُعيمها، فهو وُصِفَ بالحرص على الشَّيء الحقير من مطعومٍ أو ملعوبٍ به، مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدَّرجات ومنازل الكرامات، ووصف العَرْق بالسِّمَن، والِمرْماة بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعثٌ نفسانيٌّ على تحصيلهما، واستُنبِط من قوله: «لقد هممت» تقديم التَّهديد والوعيد على العقوبة، وسرُّه: أنَّ المفسدة إذا
стр. 1927
ارتفعت بالأهون من الزَّواجر (١) اكتفى به عن الأعلى، وبقيَّة المباحث المتعلِّقة بالحديث تأتي في محالِّها إن شاء الله تعالى.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧٢٢٤]، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(٣٠) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) على صلاة الفذِّ.
(وَكَانَ الأَسْوَدُ) بن يزيد النَّخعيُّ أحد كبار التَّابعين (إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ) أي: صلاتها في مسجد قومه (ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ) وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّه لولا ثبوت فضيلة الجماعة عند الأسود لَما ترك فضيلة أوَّل الوقت وتوجَّه إلى مسجدٍ آخر، أو من حيث إنَّ الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصورٌ على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته لأنَّه لو لم يكن مختصًّا بالمسجد لجمع الأسود في بيته، ولم يأتِ مسجدًا آخر لأجل الجماعة (وَجَاءَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن مالكٍ» فيما وصله أبو يَعلى في «مُسنَده» وقال: وقت صلاة الصُّبح (إِلَى مَسْجِدٍ) في رواية البيهقيِّ: أنَّه مسجد بني رفاعة، وفي رواية أبي يَعلى: أنَّه مسجد بني ثعلبة (قَدْ صُلِّيَ فِيهِ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام (فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَصَلَّى جَمَاعَةً) قال البيهقيُّ في روايته: جاء أنسٌ في عشرين من فتيانه.
стр. 1928
٦٤٥ - ٦٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر: «عن ابن عمر» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) بفتح أوَّله وسكون الفاء وضمِّ الضَّاد، على (١) (صَلَاةَ الفَذِّ) بفتح الفاء وتشديد الذَّال المعجمة، أي: المنفرد (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) فيه: أنَّ أقل الجمع اثنان لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذِّ، وما زاد على الفذِّ؛ فهو جماعةٌ، لكن قد يُقال: إنَّما رتَّب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرُّضٌ لنفي درجةٍ متوسِّطةٍ بين الفذِّ والجماعة كصلاة الاثنين مثلًا، لكن قد ورد في غير حديث التَّصريح بكون الاثنين جماعةً، فعند ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنان فما فوقهما جماعةٌ» لكنَّه فيه ضعفٌ (٢).
وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني»: بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ إمام المصريِّين (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) يزيد بن عبد الله بن أسامة، ونسبه لجدِّه لشهرته به (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثانيةٌ، الأنصاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، وليس هو ابن الأَرَتِّ إذ
стр. 1929
لا رواية له في «الصَّحيحين» (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ) وللأَصيليِّ «تفضل خمسًا» (وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وهذا الحديث ساقطٌ في غير رواية الأربعة، وفي حديث ابن عمر السَّابق [خ¦٦٤٥]: «بسبعٍ وعشرين» وفي حديث أبي سعيدٍ هذا: «بخمسٍ وعشرين» وعامَّة الرُّواة عليها إلَّا ابن عمر كما قال التِّرمذيُّ، واتَّفق الجميع على «الخمس والعشرين» (١) سوى رواية أُبَيٍّ فقال: «أربعٍ أو خمسٍ» على الشَّكِّ، ولأبي عَوانة: «بضعًا وعشرين» وليست مغايرةً لصدق البِضْع على الخَمْس، ولا أثر للشَّكِّ، فرجعت الرِّوايات كلُّها إلى الخمس والسَّبع، واختُلِف في التَّرجيح بينهما، فمن رجَّح (٢) الخمس لكثرة رواتها، ومن رجَّح السَّبع لزيادة العدل الحافظ، ويُجمَع (٣) بينهما بأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير؛ إذ مفهوم العدد غير معتبرٍ، أو (٤) أنَّه ﵊ أخبر بالخمس (٥) ثمَّ أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسَّبع، لكنَّه يحتاج إلى التَّاريخ، وعُورِض بأنَّ الفضائل لا تُنسَخ فلا يحتاج إلى التَّاريخ، أو الدَّرجة أقلُّ من الجزء، والخمس والعشرون جزءًا هي سبعٌ وعشرون درجةً، وُردَّ بأنَّ لفظ الدَّرجة والجزء وردا مع كلٍّ من العددين، قال
стр. 1930
النَّوويُّ: القول بأنَّ الدَّرجة غير الجزء غفلةٌ من قائله، أو أنَّ الجزء في الدُّنيا والدَّرجة في الجنَّة (١)، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: أبداه القطب (٢) القسطلانيُّ احتمالًا. انتهى (٣). أو هو بالنَّظر لقرب المسجد وبُعده، أو لحال المصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع، أو الخمس بالسِّرِّيَّة والسَّبع بالجهريَّة، فإن قلت: ما الحكمة في هذا العدد الخاصِّ؟ أُجيب باحتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأُريد المبالغة في تكثيرها، فضُرِبَت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، وأمَّا السَّبع فمن جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها، قال شيخنا: التماس عدد ركعات الفرائض والرَّواتب العشرة بعيدٌ؛ إذ ذاكَ إِنْ لَوِ اتَّحد، وإنَّما الكلام في الفرض دون السُّنَّة، قال: وهذا كلُّه على سبيل التَّخمين، وإلَّا ففضل الله واسعٌ وعطاؤه أبلغ ممَّا لا يُحصَر، قال: والتمس السِّراج البلقينيُّ الرواية «سبعٍ وعشرين» تأويلًا؛ وهو أنَّ الجماعة اثنان والإمام، والحسنة بعشرٍ، فيكون الجملة ثلاثين حسنةً، طرح الأصل من كلِّ ثلاثةٍ من ثلاثين، بقي سبعةٌ وعشرون، قال الشَّيخ ابن حجرٍ: وأنا ألتمس الرواية «خمسٍ وعشرين» تأويلًا، وهو أنَّ الجماعة واحدٌ والإمام، لهم عشرون درجةً، والأوَّل اثنان، والجماعة الأولى ثلاثةٌ، يكون الجميع خمسًا وعشرين درجةً. انتهى. وقد وقع في فكري أن أسأله: هل صلاة الفذِّ إذا فاتته الجماعة من المساجد المشهورة بالفضيلة الوارده بالسُّنَّة تفضل الصَّلاة فيها؟ كمسجده الشَّريف والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس فرأيت للكمال بن الهمام على «الهداية» أن لا يتطلَّب الجماعة إذا فاتته من مسجدٍ من هذه المساجد في مسجدٍ آخر غيره. انتهى (٤).
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول والإخبار (٥) والسَّماع.
стр. 1931
٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «في جماعةٍ» (تُضَعَّفُ) بضمِّ الفوقيَّة وتشديد العين؛ أي: تُزَاد (١) (عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) منفردًا (٢) (خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) وفي لفظٍ للبخاريِّ وغيره (٣): «بخمسٍ وعشرين جزءًا» [خ¦٦٤٨] ووُجِّه حذف التَّاء من «خمسًا» بتأويل الضِّعف بالدَّرجة أو بالصَّلاة، وتوضيحه: أنَّ «ضِعفًا» مُمَيَّزٌ مُذكَّرٌ، فتجب التَّاء، فأُوِّل بما ذُكِر، وقرَّره البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- بأنَّ التزام التَّاء حيث ذُكِر المميِّز، وإِلَّا فيستوي حذفها وإثباتها، أي: وهو هنا غير مذكورٍ، فجاز الأمران، ولأبوي ذَرٍّ (٤) والوقت: «خمسةً وعشرين ضعفًا» بإثبات التَّاء، ومذهب الشَّافعيِّ -كما في «المجموع» - أنَّه (٥) من صلَّى
стр. 1932
في عشرةٍ (١) له (٢) سبعٌ وعشرون درجةً، ومن صلَّى مع (٣) اثنين كذلك، لكنَّ صلاة الأوَّل أكمل، وهو مذهب المالكيَّة، لكن قال ابن حبيبٍ منهم: تَفْضُلُ صلاةُ (٤) الجماعةِ الجماعةَ بالكثرة وفضيلة الإمام. انتهى. وروى الإمام أحمد، وأصحاب السُّنن، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره، من حديث أُبَيّ بن كعبٍ مرفوعًا: «صلاة الرَّجل مع الرَّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجل، وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى الله تعالى». واستُدِلَّ بالحديث على سنِّيَّة الجماعة لأنَّه أثبتَ صلاةَ الفذِّ وسمَّاها صلاةً، وهل التَّضعيف المذكور مختصٌّ بالجماعة في المسجد؟ قال في «الفتح»: جاء عن بعض الصَّحابة قصر التَّضعيف إلى خمسٍ وعشرين على التَّجمُّع (٥) في المسجد العامِّ، مع تقرير الفضل في غيره، وروى سعيد بن منصورٍ بإسناد حسنٍ عن أوسٍ المعافريِّ: أنَّه قال لعبد الله بن عمرو بن العاصي: أرأيت من توضَّأ فأحسن الوضوء ثمَّ صلَّى في بيته؟ قال: حسنٌ جميلٌ، قال: فإن صلَّى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعةٍ فصلَّى فيه؟ قال: خمسٌ وعشرون.
(وَذَلِكَ) أي (٦): التَّضعيف المذكور سببه (أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ) من
стр. 1933
منزله (إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ) أي: إلَّا قصد الصَّلاة المكتوبة في جماعةٍ (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الطَّاء في الأوَّل وفتح الخاء في الثَّاني، قال الجوهريُّ: بالضَّمِّ: ما بين القدمين، وبالفتح: المرَّة الواحدة (إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا) بالخطوة (دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) بضمِّ راء «رُفِعت» وحاء «حُطَّ» مبنيِّين للمفعول، «ودرجةٌ» و «خطيئةٌ» رُفِعا نائبين عن الفاعل (فَإِذَا صَلَّى) صلاةً تامَّةً (لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) الَّذي أوقع فيه الصَّلاة من المسجد، وكذا لو قام إلى موضعٍ آخر من المسجد مع دوام نيَّة انتظاره للصَّلاة، فالأوَّل خرج مخرج الغالب، وقد مرَّ مبحث (١) ذلك في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٥٩] (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أي: لم تَزَلِ الملائكة تصلِّي عليه حال كونهم قائلين: يا الله ارحمه، وزاد ابن ماجه: «اللَّهُمَّ تُبْ عليه».
واستُنبِط منه: أفضليَّة الصَّلاة على سائر العبادات، وصالحي البشر على الملائكة، كما (٢) لا يخفى (وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ).
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والسَّماع والقول.
(٣١) (بابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فضل الفجر» وفي روايةٍ: «في الجماعة» بالتَّعريف.
٦٤٨ - ٦٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة
стр. 1934
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بن حَزْنٍ القرشيُّ المخزوميُّ التَّابعيُّ المُتَّفَق على أنَّ مُرسلاته أصحُّ المراسيل (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، اسمه عبد الله أو إسماعيل (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: تَفْضُلُ) أي: تزيد (صَلَاةُ الجَمِيعِ) (١) على (٢) (صَلَاةَ أَحَدِكُمْ) إذا صلَّى (وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا) بحذف التَّاء من «خمسٍ» على تأويل الجزء بالدَّرجة، أو لأنَّ المميِّز غير مذكورٍ، وفي أكثر الأصول وصُحِّح عليه في «اليونينيَّة»: «بخمسةٍ» بالتَّاء، ولا إشكال فيه (وَتَجْتَمِعُ) بالواو والفوقيَّة للكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «يجتمع» (٣) (مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الفَجْر) لأنَّه وقت صعودهم بعمل اللَّيل، ومجيء الطَّائفة الأخرى لعمل النَّهار (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) مستشهدًا لذلك: (فَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ) قوله تعالى: (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾) ولابن عساكر: «﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾» (﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]) تشهده الملائكة.
(قال شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد بالسَّند المذكور (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (نَحْوَهُ) إلَّا أنَّه (قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) فوافق رواية مالكٍ وغيره عن نافعٍ؛ كما سبق.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، والتَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول.
стр. 1935
٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي: ابن أبي الجعد (قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هُجَيْمَة الصُّغرى التَّابعيَّة لا الكبرى الصَّحابيَّة الَّتي اسمها خَيْرَة (تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ) بفتح الضَّاد المعجمة (فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال»: (وَاللهِ، مَا أَعْرِفُ مِنْ (١) أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا) أبقَوه من الشَّريعة (إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ) الصَّلاة حال كونهم (جَمِيعًا) أي: مجتمعين، وهو أمرٌ نسبيٌّ لأنَّ ذلك كان في الزَّمن النَّبويِّ أتمُّ ممَّا صار إليه، وللحَمُّويي -وعزاها في «الفتح» لأبي الوقت (٢) -: «من أمر أمَّة محمَّدٍ» وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «من محمَّدٍ» أي: ما أعرف من شريعة محمَّدٍ ﷺ شيئًا (٣) لم يتغيَّر عمَّا كان عليه إِلَّا الصَّلاة في جماعةٍ، فحُذِف المضاف لدلالة الكلام عليه.
ورواة هذا الحديث الأربعة كوفيُّون، وفيه: رواية تابعيَّةٍ عن صحابيٍّ، وتابعيٍّ عن تابعيَّةٍ وتابعيٍّ عن تابعيٍّ (٤)، والتَّحديث والسَّماع والقول، وهو من أفراد المؤلِّف.
стр. 1936
٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ (١)) بن كُرَيْبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ ﵁، ولابن عساكر: «الأشعريِّ» (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) بالنَّصب على التَّمييز (فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ) بالرَّفع خبر «أعظمُ النَّاس» (فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثَّانية، منصوبٌ على التَّمييز، أي: أبعدهم مسافةً إلى المسجد لأجل كثرة الخُطا إليه، ومن ثمَّ حصلت المطابقة بين التَّرجمة وهذا الحديث؛ لأنَّ سبب أعظميَّة الأجر في الصَّلاة بُعْد الممشى للمشقَّة، وفي صلاة الفجر زيادةٌ بمفارقة النَّومة المشتهاة، طبعًا مع مصادفة الظُّلمة أحيانًا، وفاء «فأبعدُهم» قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: للاستمرار، نحو: الأمثل فالأمثل، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يذكر أحدٌ من النُّحاة أنَّ الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ثمَّ رجح كونها هنا بمعنى «ثمَّ» أي: أبعدُهم (٢) ثمَّ أبعدُهم ممشًى (وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ) ولو في آخر الوقت (أَعْظَمُ أَجْرًا
стр. 1937
مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) في وقت الاختيار وحده، أو مع الإمام من غير انتظارٍ (ثُمَّ يَنَامُ) كما أنَّ بُعد المكان مؤثِّرٌ في زيادة الأجر، كذلك طول الزَّمان للمشقَّة فيهما.
(٣٢) (بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ) أي: التَّبكير؛ وهو المبادرة في أوَّل الوقت (إِلَى) صلاة (الظُّهْرِ) ذكر الظُّهر مع التَّهجير للتَّأكيد، وإلَّا فهو يدلُّ عليه. وفي روايةٍ (١): «إلى الصَّلاة» وهي أعمُّ وأشمل.
٦٥٢ - ٦٥٣ - ٦٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «حدَّثني» (قُتَيْبَةُ) ولابن عساكر (٢): «قتيبة بن سعيدٍ» الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين وفتح الميم (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) وللأَصيليِّ (٣): «أبي بكر بن عبد الرَّحمن» أي: ابن
стр. 1938
الحارث بن هشام بن المغيرة القرشيِّ المخزوميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) كان يجلبه كالزَّيت للكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ) بالميم، وأصله: «بين» (١) فأُشبِعت فتحة النُّون فصارت ألفًا وزيدت الميم، ظرف زمانٍ مضافٌ إلى جملةٍ من فعلٍ وفاعلٍ، أو مبتدأٌ وخبرٌ، وهو هنا «رجلٌ» النَّكرة المُخصَّصة بالصِّفة، وهي قوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ) أي: فيها، وخبر المبتدأ قوله: (وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ)
стр. 1939
عن الطَّريق، وللحَمُّويي والمُستملي: «فأخذه» (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) ذلك، أي: رضي فعله وقبله منه وأثنى عليه (فَغَفَرَ لَهُ) ذنوبه. (ثُمَّ قَالَ (١)) ﵊: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) جمع شهيدٍ، سُمِّي به (٢) لأنَّ الملائكة يشهدون موته، فهو مشهودٌ، «فعيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «خمسٌ» بغير تاءٍ بتأويل الأنفس أو النَّسمات، أو المميِّز غير مذكورٍ، فيجوز الأمران (المَطْعُونُ) أي: الَّذي يموت في الطَّاعون، أي: الوباء (وَالمَبْطُونُ): صاحب الإسهال أو الاستسقاء، أو الَّذي يموت بداء بطنه (وَالغَرِيقُ) بالياء بعد الغين المعجمة والرَّاء (٤)، وللأَصيليِّ: «الغرق في الماء» (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال، أي: الَّذي مات تحت الهدم (وَالشَّهِيدُ) القتيل (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: الَّذي حكمه ألَّا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه بخلاف الأربعة السَّابقة، فالحقيقة الأخير، والَّذي قبله مجازٌ، فهم شهداء في الثَّواب كثواب الشَّهيد، وجوَّز الشَّافعيُّ الجمع بينهما، واستُشكِل التَّعبير بالشَّهيد في سبيل الله، مع قوله: «الشُّهداء خمسةٌ» فإنَّه يلزم منه حمل الشَّيء على نفسه، فكأنَّه قال: الشَّهيد هو الشَّهيد،
стр. 1940
وأُجيب بأنَّه من باب:
أنا أبو النَّجم وشِعْري شِعْري
أو معنى (١) الشَّهيد: القتيلُ، وزاد في «المُوطَّأ»: «و صاحب ذات الجَنْبِ، والحريق، والمرأة تموت بجُمْعٍ»، وعند ابن ماجه من حديث ابن عبَّاسٍ: «موت الغريب شهادةٌ» (٢) وإسناده ضعيفٌ، وعند ابن عساكر من حديث ابن عبَّاسٍ أيضًا: «الشَّريق، ومن أكله السَّبُع»، ويأتي مزيدٌ لذلك في محالِّه إن شاء الله تعالى. (وَقَالَ) ﵊: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) التَّأذين للصَّلاة (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ) أي: إلَّا أن يقترعوا عليه لاقترعوا (٣)، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه». (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ) كان إتيانًا (حَبْوًا) وفي هذا المتن -كما ترى- ثلاثةُ أحاديث، وكأنَّ قتيبة حدَّث بذلك كذلك مجموعًا عن مالكٍ، فلم يتصرَّف فيه المصنِّف كعادته في الاختصار.
ورواته الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا قتيبة فبلخيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
وأخرج المؤلِّف حديث (٤): «بينما رجلٌ» في «الصَّلاة» [خ¦٦١٥] [خ¦٦٥٢]، ومسلمٌ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» وقال: حسنٌ صحيحٌ، وحديث «الشُّهداء» في «الجهاد» [خ¦٢٦٧٤] وقوله: «لو يعلم النَّاس ما في النِّداء» أخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٦١٥] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٩] وكذا النَّسائيُّ.
وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها بعون الله وقوَّته.
стр. 1941
(٣٣) (بابُ احْتِسَابِ الآثَارِ) أي: الخطوات إلى المسجد للصَّلاة.
٦٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشِّين المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، الطَّائفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي بعض الأصول: «حدَّثني» (حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا بَنِي سَلِمَةَ) بفتح السِّين وكسر اللَّام؛ بطنٌ كبيرٌ من الأنصار (أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام للتَّنبيه، أي: ألا تعدُّون خُطاكم عند مشيكم إلى المسجد، فإنَّ بكلِّ خطوةٍ إليه درجةً، وإنَّما خاطبهم ﵊ بذلك حين أرادوا النَّقلة إلى قرب المسجد.
ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
стр. 1942
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي) تفسير (قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] قَالَ: خُطَاهُمْ) رواه ابن أبي نَجِيحٍ وغيره عن مجاهدٍ ممَّا ذكره ابن كثير (١) في «تفسيره»، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «وقال (٢) مجاهدٌ: خطاهم، آثار المشي بأرجلهم في الأرض» ولابن عساكر (٣): «قال مجاهدٌ: خطاهم: آثارهم، هي (٤) المشي في الأرض بأرجلهم».
٦٥٦ - وبه قال: (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف، ولغير أبي ذَرٍّ: «وَقَالَ» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم ابن محمَّد بن أبي مريم الجمحيُّ البصريُّ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ المصريُّ (٥) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ﵁، ولأبي ذَرٍّ: «عن أنسٍ» (أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللَّام (أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ
стр. 1943
مَنَازِلِهِمْ) لكونها كانت بعيدةً من (١) المسجد (فَيَنْزِلُوا) منزلًا (قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ) أي: من مسجده (¬ ﷺ قَالَ) أنسٌ: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَنْ يُعْرُوا المَدِينَةَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين المهملة وضمِّ الرَّاء، أي: يتركوها خاليةً، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن يُعْرُوا منازلَهم» فأراد رسول الله ﷺ أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها (فَقَالَ: أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟) أي: ألا تعدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد؟ زاد في رواية الفزاريِّ في «الحجِّ» [خ¦١٨٨٧] «فأقاموا»، ولـ «مسلمٍ» من حديث جابرٍ: فقالوا: «ما يسرُّنا أنَّا كنَّا تحوَّلنا».
(قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، وفي روايةٍ: «أن يمشوا» وفي روايةٍ لأبي ذَرٍّ: «والمشي» (فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ) وزاد قتادة: فقال: لو كان الله مُغْفِلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرِّياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كلَّه، حتَّى أحصى عليه هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله فليفعل، وأشار المؤلِّف بهذا التَّعليق المسوق مرَّتين إلى أنَّ قصَّة بني سَلِمة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرَّحًا به عند
стр. 1944
ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، وكذا عند ابن أبي حاتمٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفيه غرابةٌ من حيث ذكر (١) نزول هذه الآية، والسُّورة بكمالها مكِّيَّةٌ. انتهى. قلت: قال أبو حيَّان: السُّورة كلُّها (٢) مكِّيَّةٌ، لكن زعمت فرقةٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] نزلت (٣) في بني سَلِمَة من الأنصار، وليس هذا (٤) زعمًا صحيحًا. انتهى. لكن يترجَّح الأوَّل بقوَّة إسناده.
ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول (٥).
(٣٤) (بابُ فَضْلِ) صلاة (العِشَاءِ) حال كونها (فِي الجَمَاعَةِ) وسقط لفظ «صلاة» لابن عساكر.
٦٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ) بالنَّصب خبر «ليس» كذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وكريمة عنه
стр. 1945
وللأكثرين: «ليس أثقلُ» (عَلَى المُنَافِقِينَ) بحذف اسم «ليس» (مِنَ الفَجْرِ) ولأبي الوقت وابن عساكر: «من صلاة الفجر» (وَ) صلاة (العِشَاءِ) لأنَّ وقتَ الأولى وقتُ لذَّة النَّوم، والثَّانية وقت سكونٍ واستراحةٍ، وفي تعبيره بـ «أفعل» التَّفضيل دلالةٌ على أنَّ الصَّلاة جميعها ثقيلةٌ على المنافقين، والصَّلاتان (١) المذكورتان أثقل من غيرهما لقوّة الدَّاعي المذكور إلى تركهما، وأطلق عليهم النِّفاق -وهم مؤمنون- على سبيل المبالغة في التَّهديد لكونهم لا يحضرون الجماعة ويصلُّون في بيوتهم من غير عذرٍ ولا علَّةٍ، وقد تقدَّم التَّنبيه على ذلك في «باب وجوب الجماعة» [خ¦٦٤٤] (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أي: في (٢) الفجر والعشاء (٣) من مزيد الفضل (لأَتَوْهُمَا) إلى المسجد للجماعة (وَلَوْ) كان إتيانهم (حَبْوًا) يزحفون إذا تعذَّر مشيهم كما يزحف الصَّغير، ولم يفوِّتوا ما في مسجد الجماعة من الفضل والخير، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (٤) الجزء الثَّاني: (لَقَدْ) بغير واوٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ولقد» (هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ) بالمدِّ وضمِّ الميم (المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ) بالنَّصب عطفًا على «آمُرَ» المنصوب، بـ «أنْ» مثل «فيقيمَ» (رَجُلًا يَؤُمُّ) برفع الميم (النَّاسَ) بنصب (٥) السِّين، والجملة في موضع نصبٍ منه صفةً لرجلٍ المنصوب بـ «ثمَّ» آمر (٦) (ثُمَّ
стр. 1946
آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ) بضم الشِّين المعجمة وفتح العين، والنَّصب مفعول «آخذ» المنصوب عطفًا على «ثمَّ آمر» (فَأُحَرِّقَ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المكسورة، نُصِب عطفًا على «آخذ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأُحْرِقَ» بسكون الحاء (عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ) نقيض «قبلُ» مبنيٌّ على الضَّمِّ، أي: بعد أن يسمع النَّداء إلى الصَّلاة، ولأبي الوقت (١) والأَصيليِّ وابن عساكر: «يَقْدِرُ» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ (٢) فقافٍ ساكنةٍ فدالٍ مكسورةٍ فراءٍ، بدل «بعد» أي: لا يخرج إلى الصَّلاة حال كونه يقدر، وفي روايةٍ -ادَّعى في «المصابيح» أنَّها للجمهور-: «إلى الصَّلاة بعذرٍ» بمُوحَّدةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ مضمومةٍ فذالٍ معجمةٍ فراءٍ، وهي مشكلةٌ كما (٣) لا يخفى، لاسيَّما ولم أرَها في شيءٍ من النُّسخ، نعم وقع (٤) عند الدَّاوديِّ الشَّارح (٥) فيما نقله الزَّركشيُّ والحافظ ابن حجرٍ: «لا لعذرٍ» بحرف النَّفي، وهي واضحةٌ، لكن قال في «الفتح»: لم نقف عليها في شيءٍ من الرِّوايات عند غيره، ولأبي داود من حديث أبي هريرة: «ثمَّ آتيَ قومًا يصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّةٌ فأحرِّقها عليهم».
(٣٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) كذا رواه ابن ماجه من حديث أبي
стр. 1947
موسى، وكذا رواه غيره، وكلُّها ضعيفةٌ.
٦٥٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ البصريُّ الثِّقة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الأوَّل: من الزِّيادة، والثَّاني: تصغير زَرْعٍ، العَيْشِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) وللأَصيليِّ: «خالدٌ الحذَّاء» (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء مُصغَّرًا، اللَّيثيِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لرجلين أتياه يريدان السَّفر: (إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) المكتوبة (فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا) أي: أحدكما (ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا). فإن قلت: ليس في حديث الباب ذكر صلاة الاثنين، وحينئذٍ فلا مطابقة بينه وبين التَّرجمة، أُجيب بأنَّه مأخوذٌ بالاستنباط من لازم الأمر بالإقامة؛ لأنَّه لو استوت صلاتهما معًا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصَّلاة، كأن يقول: أذِّنا وأقيما وصلِّيا، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا اللَّازم لا يستلزم كون الاثنين جماعةً على ما لا يخفى، فكيف يُستنبَط منه مطابقته للتَّرجمة؟ وأجاب بأنَّه يمكن أن يُذكَر له وجهٌ، وإن كان لا يخلو عن تكلُّفٍ؛ وهو أنَّه ﵊ إنَّما أمرهما بإمامة أحدهما الَّذي هو أكبرهما لتحصل لهما فضيلة الجماعة، فصار الاثنان ههنا كأنَّهما جماعةٌ بهذا الاعتبار، لا باعتبار الحقيقة، وقال الدَّمامينيُّ: لمَّا كان لفظ حديث التَّرجمة ضعيفًا لا جرم أنَّ البخاريَّ اكتفى عنه بحديث مالك بن الحويرث، ونبَّه في التَّرجمة عليه.
стр. 1948
(٣٦) (بابُ) بيان فضل (مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ) حال كونه (يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ) ليصلِّيها مع الجماعة (وَ) بيان (فَضْلِ المَسَاجِدِ).
٦٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قَعْنَبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ البصريُّ المدنيُّ الأصل (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزَّاي المكسورة وبالنُّون، عبد الله بن ذكوان القرشيِّ المدنيِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (١): المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ) أي: تستغفر له (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) ينتظر الصَّلاة، وهل المراد البقعة الَّتي صلَّى فيها من (٢) المسجد، حتَّى لو انتقل إلى بقعةٍ أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثَّواب المرتَّب (٣) عليه، أو المراد بـ «مُصلَّاه» جميع المسجد الَّذي صلَّى فيه؟ يحتمل كلًّا منهما، والثَّاني أظهرُ بدليل رواية: «مادام في المسجد» وبه بوَّب هنا، ويؤيِّد الأوَّل ما في رواية مسلمٍ وأبي داود: «ما دام في مجلسه الَّذي صلَّى فيه» (مَا لَمْ يُحْدِثْ) بإخراج شيءٍ من أحد السَّبيلين، أو فاحشٍ من لسانه أو يده، حال كونهم، أي: الملائكة المصلِّين على المصلِّي قائلين: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وعبَّر بـ «تصلِّي» ليناسب الجزاء العمل (٤). (لَا) بغير واوٍ، وفي روايةٍ: «ولا» (يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ) أي: مدَّة دوام (٥) حبس الصَّلاة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما كانت الصَّلاة تحبسه» (لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ) أي: لا يمنعه الانقلاب، وهو الرَّواح (إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ) أي: لا غيرها،
стр. 1949
ومقتضاه: أنَّه إذا صرف نيَّته عن ذلك صارفٌ آخر انقطع عنه الثَّواب المذكور، وكذا إذا شارك نيَّة الانتظار أمرٌ آخر.
٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المعجمة، ولابن عساكر: «ابن بشَّارٍ بُندارٌ» وهو لقبُ محمَّدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة ومُوحَّدتين أولاهما مفتوحةٌ، بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب ﵄، وهو جدُّ عبيد الله المذكور لأبيه (١)، كما أنَّ خبيبًا خاله (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَبْعَةٌ) من النَّاس (يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ) أي: ظلِّ عرشه (يَوْمَ لَا ظِلَّ) في
стр. 1950
القيامة ودنوِّ الشَّمس من الخلق (١) (إِلَّا ظِلُّهُ): أحدهم: (الإِمَامُ) الأعظم (العَادِلُ) التَّابع لأوامر الله، فيضع كلَّ شيءٍ في موضعه من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، وقُدِّم على تاليه لعموم نفعه، ويلتحق (٢) به من وُلِّي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه لحديث: «إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرَّحمن، الَّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم (٣) وما وَلُوا» رواه مسلمٌ. (وَ) الثَّاني من السَّبعة: (شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ) لأنَّ عبادته أشقُّ، لغلبة شهوته وكثرة الدَّواعي على طاعة الهوى، فملازمة العبادة حينئذٍ أشدُّ وأدلُّ على غلبة التَّقوى، وفي الحديث: «يَعْجَبُ ربُّك من شابٍّ ليست له صَبْوَةٌ». (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ) بفتح اللَّام؛ كالقنديل (فِي المَسَاجِدِ) من شدَّة حبِّه لها وإن كان جسده خارجًا عنها، وكُنِّيَ به عن
стр. 1951
انتظار (١) أوقات الصَّلوات، فلا يصلِّي صلاةً في المسجد (٢) ويخرج منه إلَّا وهو ينتظر أخرى ليصلِّيها فيه (٣)، فهو ملازمٌ للمسجد بقلبه وإن عرض لجسده عارضٌ، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤) والحَمُّويي: «متعلِّقٌ» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الميم مع كسر اللَّام.
(وَ) الرَّابع: (رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ) أي: لأجله لا لغرضٍ دنيويٍّ (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) سواءٌ كان اجتماعهما بأجسادهما حقيقة أم لا، وللحَمُّويي والمُستملي (٥): «اجتمعا على ذلك» أي: على الحبِّ في الله كالضَّمير في قوله: (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي: استمرَّا على محبَّتهما لأجله تعالى حتَّى فرَّق بينهما الموت، ولم يقطعاها لعارضٍ دنيويٍّ، و «تحابَّا» بتشديد المُوحَّدة، وأصله: تحابَبَا، فلمَّا اجتمع المثلان أُسكِن الأوَّل منهما وأُدغِم في الثَّاني، وليس التَّفاعل هنا كهو في
стр. 1952
«تجاهل» أي: أظهر الجهل من نفسه، والمحبَّة من نفسه، بل المراد: التَّلبُّس (١) بالحبِّ كقوله: باعدته فتباعد، فهو عبارةٌ عن معنًى حصل عن فعلٍ متعدٍّ، ووقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ: «ورجلان قال كلٌّ منهما للآخر: إنِّي أحبُّك في الله فصدرا على ذلك». (وَ) الخامس: (رَجُلٌ طَلَبَتْهُ ذَاتُ) وفي رواية كريمة: «طلبته امْرَأَةٌ ذات» (مَنْصِبٍ) بكسر الصَّاد المهملة؛ أصلٍ أو شرفٍ أو مالٍ (وَجَمَالٍ) حسنٍ للزِّنا (فَقَالَ) بلسانه زجرًا لها عن الفاحشة، أو بقلبه زجرًا لنفسه: (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) زاد في رواية كريمة: «ربَّ العالمين» والصَّبر عن (٢) الموصوفة بما ذكر من الأصل والشَّرف والمال والجمال المرغوب (٣) فيها عادةً لعزَّة ما جُمِع فيها من أكمل المراتب وأجلِّ (٤) المناصب، لا سيَّما وقد أغنت عن مشاقِّ التَّوصُّل إليها بمراودةٍ ونحوها، وهي (٥) رتبةٌ صدِّيقيَّة، ووراثةٌ نبويَّة. (وَ) السَّادس: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ) تطوُّعًا حال كونه قد (أَخْفَى) الصَّدقة، ولأحمد: «تصدَّق فأخفى»، وللمؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] كمالكٍ: «فأخفاها» فحُمِل
стр. 1953
على أنَّ راوي الأوَّل حذف العاطف، وللأَصيليِّ: «تصدَّق إِخفاءً» بكسر الهمزة والمدِّ، أي: صدقة إخفاءٍ، فنُصِب نعتًا لمصدرٍ محذوف، أو حالًا من الفاعل، أي: مخفيًّا، قال البدر: على تأويل المصدر باسم الفاعل، جُعِل كأنَّه نفس الإخفاء مبالغةً (حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) جملةٌ في موضع نصبٍ بـ «تعلم»، ذُكِرت (١) للمبالغة في إخفاء الصَّدقة والإسرار بها، وضُرِب المثل بهما لقربهما وملازمتهما، أي: لو قُدِّر أنَّ الشِّمال رجلٌ متيقِّظٌ لَما علم صدقة اليمين (٢) للمبالغة في الإخفاء، فهو من مجاز التَّشبيه، أو من مجاز الحذف، أي: حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله، أو حتَّى لا يعلم من على شماله من النَّاس، أو هو من باب تسمية الكلِّ بالجزء، فالمراد بـ «شماله»: نفسه، أي: أنَّ نفسه لا تعلم ما تنفق يمينه، ووقع في «مسلمٍ»: «حتَّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» ولا يخفى أنَّ الصَّواب ما في «البخاريِّ» لأنَّ السُّنَّة المعهودة إعطاءُ الصَّدقة باليمين لا بالشِّمال، والوهم فيه من أحد رواته، وفي تعيينه خلافٌ، وهذا يسمِّيه أهل الصِّناعة: المقلوب، ويكون في المتن والإسناد. (وَ) السَّابع: (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ) بلسانه أو بقلبه، حال كونه (خَالِيًا) من الخلق لأنَّه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرِّياء، أو خاليًا من الالتفات إلى غير المذكور تعالى، وإن كان في ملأٍ، ويدلُّ له رواية البيهقيِّ بلفظ: «ذكر الله بين يديه» (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) من الدَّمع
стр. 1954
لرقَّة قلبه وشدَّة خوفه من جلاله، أو من (١) مزيد شوقه إلى جماله، والفيض: انصبابٌ عن امتلاءٍ، فوُضِع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جُعِلت العين من فرط البكاء كأنَّها تفيض بنفسها، وذكر الرِّجال في قوله: «ورجلٌ» لا مفهوم له، فتدخل النِّساء، نعم لا يدخلن في الإمامة العظمى، ولا في خصلة ملازمة المسجد لأنَّ صلاتهنَّ في بيتهنَّ أفضل، لكن يمكن في الإمامة حيث يكنَّ ذوات عيالٍ فيعدلن، ولا يُقال: لا يدخلن في خصلة مَنْ دعته امرأةٌ لأنَّا نقول: إنَّه يُتصوَّر (٢) في امرأةٍ دعاها ملكٌ جميلٌ (٣) مثلًا للزِّنا، فامتنعت خوفًا من الله مع حاجتها، وذكر المتحابين لا يصيِّر العددَ ثمانيًة لأنَّ المراد عدُّ (٤) الخصال لا عدُّ المتَّصفين بها، ومفهوم العدد بالسَّبعة لا مفهوم له بدليل ورود غيرها، ففي «مسلمٍ» من حديث أبي
стр. 1955
اليَسَر مرفوعًا: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه» وزاد ابن حبَّان، وصحَّحه من حديث ابن عمر: «الغازي»، وأحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيفٍ: «عون المجاهد»، وكذا زاد أيضًا من حديثه: «إرفاد الغارم، وعون المُكاتَب»، والبغويُّ في «شرح السُّنَّة»: «التَّاجر الصَّدوق»، والطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ: «تحسين الخُلُق»، ومن تتَّبع دواوين الحديث وجد زيادةً كثيرةً (١) على ما ذكرته، وللحافظ ابن حجرٍ مُؤلَّفٌ سمَّاه (٢): «معرفة الخصال الموصلة إلى الظِّلال»، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٧٩].
ورواته السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ (٣)، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية الرَّجل
стр. 1956
عن خاله وجدِّه، وأخرجه في «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] وفي (١) «الرِّقاق» [خ¦٦٤٧٩]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «القضاء» (٢) و «الرِّقاق».
٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جميل بن طريفٍ (٣) الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٤) كثيرٍ الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ»: (هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ) اتخَّذه (أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) نصفه (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (بَعْدَ مَا صَلَّى فَقَالَ: صَلَّى النَّاسُ) أي: غيركم ممَّن صلَّى في داره، أو مسجد قبيلته (وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي) ثواب (صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا) أي: الصَّلاة (قَالَ) أنسٌ: (فَكَأَنِّي) بالفاء، وفي روايةٍ: «وكأنِّي» (أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) بكسر المُوحَّدة آخره صادٌ مهملةٌ، أي: بريقه ولمعانه، وسبق الحديث في «باب وقت العشاء إلى نصف اللَّيل» [خ¦٥٧٢] وهو مطابقٌ للجزء الأوَّل من التَّرجمة في قوله: «ولم تزالوا في صلاةٍ منذ انتظرتموها»، وبقيَّة مباحثه تأتي في محالِّها إن شاء (٥) الله تعالى.
стр. 1957
(٣٧) (بابُ) بيان (فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ) إليه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ومن خرج» بلفظ الماضي، وللحَمُّويي والمُستملي: «من يخرج» بلفظ المضارع، والأولى موافقةٌ للفظ الحديث الآتي [خ¦٦٦٢]-إن شاء الله تعالى- في الغدوِّ والرَّواح، وأصل «غدا»: خرج بغدوةٍ، أي: مبكِّرًا، و «راح»: رجع بعشيٍّ، وقد يُستعمَلان في الخروج مطلقًا توسُّعًا، وتبيَّن (١) بالرِّوايتين الأخيرتين أنَّ المراد بالغدوِّ: الذَّهاب، وبالرَّواح: الرُّجوع.
٦٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جعفرٍ المدينيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان (٢) الواسطيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء المهملة وكسر الرَّاء المُشدَّدة وبالفاء، اللَّيثيُّ المدنيُّ، وفي روايةٍ «ابن المطرِّف» بالألف واللَّام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) بفتح الهمزة واللَّام، المدنيِّ، مولى عمر بن الخطَّاب ﵁ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة، الهلاليِّ، مولى أمِّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللهُ) أي: هيَّأ (لَهُ نُزُلَهُ) بضمِّ النُّون والزَّاي؛ مكانًا ينزله (مِنَ الجَنَّةِ) وقد تُسكَّن الزَّاي؛ كعُنُقٍ وعنْقٍ؛ أي (٣): هيَّأ له ضيافته، وللمُستملي: «نزلًا» بالتَّنكير، ولابن عساكر: «في الجنَّة» (كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) للطَّاعة.
ورواة هذا (٤) الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه مسلمٌ أيضًا.
стр. 1958
(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: إذا شرع في الإقامة لها (فَلَا صَلَاةَ) كاملةً، أو لا تصلُّوا حينئذٍ (إِلَّا المَكْتُوبَةَ) هذا لفظ رواية مسلمٍ والسُّنن الأربعة وغيرها، ولم يخرجها (١) البخاريُّ لكونه اختُلِف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، لكنَّ حكمه صحيحٌ، فذكره ترجمةً، وساق لها (٢) ما يغني عنه، لكنَّ حديث الباب مختصٌّ بالصُّبح، وحديث التَّرجمة أعمُّ لشموله كلَّ الصَّلوات.
стр. 1959
٦٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ) هو ابن القِشْب؛ بكسر القاف وسكون المُعجَمة بعدها مُوحَّدةٌ، وهو لقبٌ، واسمه: جندب بن نضلة بن عبد الله (ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون آخره هاء تأنيثٍ، بنت الحارث بن المطَّلب بن عبد منافٍ، وهي أمُّ عبد الله، ويُكتَب: ابن بُحَيْنَة؛ بزيادة ألفٍ، ويُعرَب إعراب عبد الله ﵁ (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ) هو عبد الله الرَّاوي كما عند أحمد من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان عنه بلفظ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ به وهو يصلِّي»، ولا يعارضه ما عند ابني حبَّان وخزيمة: أنَّه ابن عبَّاسٍ لأنَّهما واقعتان.
(قَالَ) أي (١) البخاريّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) زاد ابن عساكر: «يعني: ابن بِشْرٍ» بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة، ابن الحكم النَّيسابوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الهاء آخره زايٌ، العمِّيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثني» بالإفراد أيضًا (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي، وللأَصيليِّ «من الأسد» بالسِّين بدل الزَّاي، أي: أسد شَنُوءة (يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ) تابع شعبة على ذلك أبو عَوانة وحمَّاد بن
стр. 1960
سلمة، لكن حَكَمَ ابنُ معينٍ وأحمد والشَّيخان والنَّسائيُّ والإسماعيليُّ والدَّارقُطنيُّ وغيرهم من الحفَّاظ بوهم شعبة في ذلك في موضعين؛ أحدهما: أنَّ بُحَينة أمُّ عبد الله لا مالكٍ، ثانيهما: أنَّ الصُّحبة والرِّواية لعبد الله لا لمالكٍ، ولم يذكر أحدٌ مالكًا في الصَّحابة، نعم ذكره (١) بعض من لا تمييز (٢) له ممَّن تلقَّاه من هذا الإسناد: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) هو ملتقى الإسنادين، والقدر المشترك بين الطَّريقين؛ إذ تقديره: مرَّ النَّبيُّ ﷺ برجلٍ، أو قال: قد (٣) رأى رجلًا، وقد أُقيمت الصَّلاة، أي: نُودِي لها (٤) بالألفاظ المخصوصة، حال كونه (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) نفلًا (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من صلاة الصُّبح (لَاثَ بِهِ النَّاسُ) بالثَّاء المُثلَّثة، أي: أداروا (٥) به وأحاطوا (فقال) ولغير ابن عساكر: «وَقَالَ» (٦) (لَهُ) أي: لعبد الله المصلِّي (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) موبِّخًا؛ بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ الممدودة، وقد تُقصَر: (آلصُّبْحَ) نُصِبَ (٧) بتقدير: أتصلِّي الصُّبح حال كونه (أَرْبَعًا؟ آلصُّبْحَ) أي: أتصلِّي الصُّبح حال كونه (أَرْبَعًا) أو رُفِع بتقدير: آلصُّبحُ تصلِّي أربعًا؟ مبتدأٌ، والجملة التَّالية خبره، والضَّمير المنصوب محذوفٌ، وأعرب البرماويُّ كالكِرمانيِّ «أربعًا» على البدليَّة من سابقه
стр. 1961
إن نُصِب، أو مفعولٌ مطلقٌ إن رُفِع، وابن مالكٍ على الحال، والمراد بذلك: النَّهي عن فعله لأنَّها تصير صلاتين، وربَّما يتطاول الزَّمان فيُظَنُّ وجوبهما، ولا ريب أنَّ التَّفرُّغ للفريضة (١) والشُّروع فيها تلو (٢) شروع الإمام أَوْلى من التَّشاغل بالنَّافلة لأنَّ التَّشاغل بها (٣) يفوِّت فضيلة الإحرام مع الإمام، وقد اختُلِف في صلاة (٤) سنَّة فريضة (٥) الفجر عند إقامتها، فكرهها الشَّافعيُّ وأحمد وغيرهما، وقال الحنفيَّة: لا بأس أن يصلِّيها خارج المسجد إذا تيقَّن إدراك الرَّكعة الأخيرة مع الإمام، فيجمع بين فضيلة السُّنَّة وفضيلة الجماعة، وقيَّدوه بباب المسجد لأنَّ فعلها (٦) في المسجد يلزم منه تنفُّله فيه مع اشتغال إمامه بالفرض، وهو مكروهٌ لحديث: «إذا أُقيمت الصَّلاة»، وقال المالكيَّة: لا تُبتدَأ صلاةٌ بعد الإقامة، لا فرضًا ولا نفلًا لحديث: «إذا أُقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة» أي: الحاضرة، وإن أُقِيمت وهو في صلاة (٧) قطع إن خشي فوات ركعةٍ، وإِلَّا أتمَّ.
ورواة هذا (٨) الحديث ما بين نيسابوريٍّ ومدنيٍّ وواسطيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، واثنان من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع بَهْزَ بن أسدٍ في روايته عن شعبةَ بهذا الإسناد (غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المُهمَلة، محمَّد بن جعفرٍ ابن زوج شعبة ممَّا وصله أحمد
стр. 1962
(وَمُعَاذٌ) بالذَّال المعجمة، ابن معاذٍ البصريُّ ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج في الرِّواية (عن مَالِكٍ) أي: ابن بُحَيْنَة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ومعاذ عن مالكٍ» (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي»: (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) هو ابن عاصمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وهذه موافقةٌ لرواية إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه، وهي الرَّاجحة. (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن (١) سلمة، لا ابن زيدٍ: (أَخْبَرَنَا سَعْدٌ عَنْ حَفْصٍ عَنْ مَالِكٍ) فوافق شعبة في قوله: عن مالك ابن بُحَيْنَة، والأوَّل هو الصَّواب كما مرَّ.
(٣٩) (بابُ) بيان (حَدِّ المَرِيضِ) بالحاء المهملة، أي: ما يُحَدُّ للمريض (أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ) حتَّى إذا جاوز ذلك الحدَّ لم يُشرَع له شهودُها، وقال ابن بطَّالٍ وغيره: معنى الحدِّ هنا الحدَّة كقول (٢) عمر في أبي بكرٍ: «كنت أداري منه بعض الحدِّ»، أي: الحدَّة، والمرادُ الحضُّ على شهودها، وقال ابن قُرقُول ممَّا عزاه للقابسيِّ: «باب جِدَّ» بالجيم، أي: اجتهاد المريض لشهود الجماعة.
стр. 1963
٦٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) بضمِّ العين، ولغير الأَصيليِّ زيادة: «بن غياثٍ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأربعة: «حدَّثنا» (أَبِي) حفصُ بن غياث بن طَلْقٍ؛ بفتح الطَّاء وسكون اللَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (قَالَ الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيسٍ النَّخعيُّ المُخضرَم الكبير: (كُنَّا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «عن إبراهيم عن الأسود قال: كنَّا»، فـ «قال» الثَّانية ثابتةٌ مع «عن»، ساقطةٌ مع (١) «قال الأسود: كنَّا» (عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ ﵂، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنَّصب عطفًا على المُواظَبة (قَالَتْ) عائشة: (لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) واشتدَّ وجعه، وكان في بيت عائشة ﵂ (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي: وقتها (فَأُذِّنَ) بالصَّلاة؛ بالفاء وضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، من التَّأذين، وللأَصيليِّ: «وأُذِّنَ» قال ابن حجرٍ: وهو أوجه، قال العينيُّ: لم يبيِّن وجه الأوجهيَّة، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. انتهى، فليُتأمَّل. وفي الفرع وأصله عن الأَصيليِّ: «فأُوذِن» بالفاء وبعد الهمزة المضمومة واوٌ وتخفيف المُعجَمة، وفي «باب الرَّجل يأتمُّ بالإمام» [خ¦٧١٣]: «جاء بلالٌ يُؤْذِن بالصَّلاة» فاستُفِيد منه تسمية المُبهَم، وأنَّ معنى «آذن»: أَعْلَم، قلت: وهو يؤيِّد رواية: «فأُوذِن» السَّابقة [خ¦٦٣٣].
تنبيهٌ: قال في «المغني»: «لمَّا» يكون جوابُها فعلًا ماضيًا اتِّفاقًا نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وجملةً اسميَّةً مقرونةً بـ «إذا» الفجائيَّة نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، أو بالفاء عند ابن مالكٍ نحو (٢): ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] وفعلًا مضارعًا عند ابن عصفورٍ نحو: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (٣) الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود: ٧٤] وهو مُؤوَّلٌ بـ «جادَلَنَا»، وقِيلَ في آية الفاء: إنَّ الجوابَ محذوفٌ، أي: انقسموا قسمين؛ فمنهم
стр. 1964
مقتصدٌ، وفي آية (١) المضارع: إن الجواب «جاءته البشرى» على زيادة الواو، أو محذوفٌ، أي: أقبل يجادلنا. قال ابن الدَّمامينيِّ: ولم يذكر في الحديث هنا بعد «لمَّا» فعلًا ماضيًا مُجرَّدًا من الفاء يصلح جوابًا لـ «لمَّا»، بل كلُّها بالفاء. انتهى. قلت: يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا تقديره: لمَّا مرض ﵊ واشتدَّ مرضه فحضرت الصَّلاة فأُذِّن أراد ﵊ استخلاف أبي بكرٍ في الصَّلاة (فَقَالَ) لمن حضره (٢): (مُرُوا) بضمَّتين بوزن: «كُلُوا» من غير همزٍ تخفيفًا (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بتسكين اللَّام الأولى، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ» بكسرها وإثبات الياء المفتوحة بعد الثَّانية، والفاء عاطفةٌ، أي: فقولوا له قَوْلي: فليصلِّ، وقد
стр. 1965
خرج بهذا الأمر أن يكون من باب (١) قاعدة الأمر بالأمر بالفعل، فإنَّ الصَّحيح في ذلك أنَّه (٢) ليس أمرًا بالفعل (٣) (فَقِيلَ لَهُ) أي: قالت عائشة له ﵊: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ؛ بوزن «فعيلٍ» بمعنى «فاعلٍ»، من الأسف، أي: شديد الحزن، رقيق القلب، سريع البكاء (إِذَا قَامَ مَقَامَكَ) ولغير الأربعة: «إذا قام في مقامك» (لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) وفي رواية مالكٍ عن هشامٍ عنها [خ¦٦٧٩]: «قالت: قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام في مقامك لم يُسْمِع النَّاسَ من البكاء، فَمُرْ عمر» (وَأَعَادَ) ﵊ (فَأَعَادُوا) أي: عائشة ومن معها في البيت، نعم وقع في حديث أبي موسى [خ¦٦٧٨]: «فعادت»، ولابن عمر [خ¦٦٨٢] (٤): «فعاودت» (لَهُ) ﵊ تلك المقالة: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ (فَأَعَادَ) هُ ﵊ المرَّة (الثَّالِثَةَ) من مقالته: «مُرُوا أبا بكرٍ؛ فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ) فيه حذفٌ، بيَّنه مالكٌ في روايته الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٦٧٩] ولفظه: فقالت «عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام مقامك لم (٥) يسمع النَّاس من البكاء، فَمُرْ عمر فليصلِّ بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله (٦) ﷺ : مه» (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصِّدِّيق، أي: مثلهنَّ في إظهار خلاف ما في الباطن، فإنَّ عائشة ﵂