إن نُصِب، أو مفعولٌ مطلقٌ إن رُفِع، وابن مالكٍ على الحال، والمراد بذلك: النَّهي عن فعله لأنَّها تصير صلاتين، وربَّما يتطاول الزَّمان فيُظَنُّ وجوبهما، ولا ريب أنَّ التَّفرُّغ للفريضة (١) والشُّروع فيها تلو (٢) شروع الإمام أَوْلى من التَّشاغل بالنَّافلة لأنَّ التَّشاغل بها (٣) يفوِّت فضيلة الإحرام مع الإمام، وقد اختُلِف في صلاة (٤) سنَّة فريضة (٥) الفجر عند إقامتها، فكرهها الشَّافعيُّ وأحمد وغيرهما، وقال الحنفيَّة: لا بأس أن يصلِّيها خارج المسجد إذا تيقَّن إدراك الرَّكعة الأخيرة مع الإمام، فيجمع بين فضيلة السُّنَّة وفضيلة الجماعة، وقيَّدوه بباب المسجد لأنَّ فعلها (٦) في المسجد يلزم منه تنفُّله فيه مع اشتغال إمامه بالفرض، وهو مكروهٌ لحديث: «إذا أُقيمت الصَّلاة»، وقال المالكيَّة: لا تُبتدَأ صلاةٌ بعد الإقامة، لا فرضًا ولا نفلًا لحديث: «إذا أُقيمت الصَّلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة» أي: الحاضرة، وإن أُقِيمت وهو في صلاة (٧) قطع إن خشي فوات ركعةٍ، وإِلَّا أتمَّ.
ورواة هذا (٨) الحديث ما بين نيسابوريٍّ ومدنيٍّ وواسطيٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، واثنان من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع بَهْزَ بن أسدٍ في روايته عن شعبةَ بهذا الإسناد (غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المُهمَلة، محمَّد بن جعفرٍ ابن زوج شعبة ممَّا وصله أحمد
стр. 1962
(وَمُعَاذٌ) بالذَّال المعجمة، ابن معاذٍ البصريُّ ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج في الرِّواية (عن مَالِكٍ) أي: ابن بُحَيْنَة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ومعاذ عن مالكٍ» (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي»: (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم (عَنْ حَفْصٍ) هو ابن عاصمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وهذه موافقةٌ لرواية إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه، وهي الرَّاجحة. (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن (١) سلمة، لا ابن زيدٍ: (أَخْبَرَنَا سَعْدٌ عَنْ حَفْصٍ عَنْ مَالِكٍ) فوافق شعبة في قوله: عن مالك ابن بُحَيْنَة، والأوَّل هو الصَّواب كما مرَّ.
(٣٩) (بابُ) بيان (حَدِّ المَرِيضِ) بالحاء المهملة، أي: ما يُحَدُّ للمريض (أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ) حتَّى إذا جاوز ذلك الحدَّ لم يُشرَع له شهودُها، وقال ابن بطَّالٍ وغيره: معنى الحدِّ هنا الحدَّة كقول (٢) عمر في أبي بكرٍ: «كنت أداري منه بعض الحدِّ»، أي: الحدَّة، والمرادُ الحضُّ على شهودها، وقال ابن قُرقُول ممَّا عزاه للقابسيِّ: «باب جِدَّ» بالجيم، أي: اجتهاد المريض لشهود الجماعة.
стр. 1963
٦٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) بضمِّ العين، ولغير الأَصيليِّ زيادة: «بن غياثٍ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأربعة: «حدَّثنا» (أَبِي) حفصُ بن غياث بن طَلْقٍ؛ بفتح الطَّاء وسكون اللَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (قَالَ الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيسٍ النَّخعيُّ المُخضرَم الكبير: (كُنَّا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «عن إبراهيم عن الأسود قال: كنَّا»، فـ «قال» الثَّانية ثابتةٌ مع «عن»، ساقطةٌ مع (١) «قال الأسود: كنَّا» (عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ ﵂، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنَّصب عطفًا على المُواظَبة (قَالَتْ) عائشة: (لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) واشتدَّ وجعه، وكان في بيت عائشة ﵂ (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي: وقتها (فَأُذِّنَ) بالصَّلاة؛ بالفاء وضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، من التَّأذين، وللأَصيليِّ: «وأُذِّنَ» قال ابن حجرٍ: وهو أوجه، قال العينيُّ: لم يبيِّن وجه الأوجهيَّة، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. انتهى، فليُتأمَّل. وفي الفرع وأصله عن الأَصيليِّ: «فأُوذِن» بالفاء وبعد الهمزة المضمومة واوٌ وتخفيف المُعجَمة، وفي «باب الرَّجل يأتمُّ بالإمام» [خ¦٧١٣]: «جاء بلالٌ يُؤْذِن بالصَّلاة» فاستُفِيد منه تسمية المُبهَم، وأنَّ معنى «آذن»: أَعْلَم، قلت: وهو يؤيِّد رواية: «فأُوذِن» السَّابقة [خ¦٦٣٣].
تنبيهٌ: قال في «المغني»: «لمَّا» يكون جوابُها فعلًا ماضيًا اتِّفاقًا نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وجملةً اسميَّةً مقرونةً بـ «إذا» الفجائيَّة نحو: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، أو بالفاء عند ابن مالكٍ نحو (٢): ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] وفعلًا مضارعًا عند ابن عصفورٍ نحو: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (٣) الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود: ٧٤] وهو مُؤوَّلٌ بـ «جادَلَنَا»، وقِيلَ في آية الفاء: إنَّ الجوابَ محذوفٌ، أي: انقسموا قسمين؛ فمنهم
стр. 1964
مقتصدٌ، وفي آية (١) المضارع: إن الجواب «جاءته البشرى» على زيادة الواو، أو محذوفٌ، أي: أقبل يجادلنا. قال ابن الدَّمامينيِّ: ولم يذكر في الحديث هنا بعد «لمَّا» فعلًا ماضيًا مُجرَّدًا من الفاء يصلح جوابًا لـ «لمَّا»، بل كلُّها بالفاء. انتهى. قلت: يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا تقديره: لمَّا مرض ﵊ واشتدَّ مرضه فحضرت الصَّلاة فأُذِّن أراد ﵊ استخلاف أبي بكرٍ في الصَّلاة (فَقَالَ) لمن حضره (٢): (مُرُوا) بضمَّتين بوزن: «كُلُوا» من غير همزٍ تخفيفًا (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بتسكين اللَّام الأولى، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ» بكسرها وإثبات الياء المفتوحة بعد الثَّانية، والفاء عاطفةٌ، أي: فقولوا له قَوْلي: فليصلِّ، وقد
стр. 1965
خرج بهذا الأمر أن يكون من باب (١) قاعدة الأمر بالأمر بالفعل، فإنَّ الصَّحيح في ذلك أنَّه (٢) ليس أمرًا بالفعل (٣) (فَقِيلَ لَهُ) أي: قالت عائشة له ﵊: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مُهمَلةٍ مكسورةٍ؛ بوزن «فعيلٍ» بمعنى «فاعلٍ»، من الأسف، أي: شديد الحزن، رقيق القلب، سريع البكاء (إِذَا قَامَ مَقَامَكَ) ولغير الأربعة: «إذا قام في مقامك» (لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) وفي رواية مالكٍ عن هشامٍ عنها [خ¦٦٧٩]: «قالت: قلت: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام في مقامك لم يُسْمِع النَّاسَ من البكاء، فَمُرْ عمر» (وَأَعَادَ) ﵊ (فَأَعَادُوا) أي: عائشة ومن معها في البيت، نعم وقع في حديث أبي موسى [خ¦٦٧٨]: «فعادت»، ولابن عمر [خ¦٦٨٢] (٤): «فعاودت» (لَهُ) ﵊ تلك المقالة: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ (فَأَعَادَ) هُ ﵊ المرَّة (الثَّالِثَةَ) من مقالته: «مُرُوا أبا بكرٍ؛ فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ) فيه حذفٌ، بيَّنه مالكٌ في روايته الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٦٧٩] ولفظه: فقالت «عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إنَّ أبا بكرٍ إذا قام مقامك لم (٥) يسمع النَّاس من البكاء، فَمُرْ عمر فليصلِّ بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله (٦) ﷺ : مه» (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصِّدِّيق، أي: مثلهنَّ في إظهار خلاف ما في الباطن، فإنَّ عائشة ﵂
стр. 1966
أظهرت أنَّ سبب إرادتها صرف الإمامة عن الصِّدِّيق ﵁ لكونه لا يُسمِع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك وهو ألَّا يتشاءم النَّاس به، وهذا مثل زليخا، استدعت النِّسوة وأظهرت لهنَّ الإكرام بالضِّيافة، وغرضها أن ينظرن إلى حُسْن يوسف ويعذِرنها في محبَّته، فعبَّر بالجمع في قوله: «إنَّكنَّ» والمراد عائشة فقط، وفي قوله: «صواحب» والمرادُ زليخا كذلك (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بسكون اللَّام الأولى، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فليصلِّي» بكسرها وياءٍ مفتوحةٍ بعد الثَّانية، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للنَّاس» باللَّام بدل المُوحَّدة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٦٨٧]: «فأتى بلالٌ إلى أبي بكرٍ فقال له: إنَّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلِّي بالنَّاس، فقال أبو بكرٍ، وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر، صلِّ بالنَّاس، فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك منِّي» (فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَصَلَّى) بالفاء وفتح اللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يصلِّي» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة بدل الفاء وكسر اللَّام، وظاهره أنَّه شرع فيها، فلمَّا دخل فيها (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) في تلك الصَّلاة نفسها، لكن في رواية موسى بن أبي عائشة [خ¦٦٨٧]: «فصلَّى أبو بكرٍ تلك الأيَّام، ثمَّ إنَّ رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفَّةً» (فَخَرَجَ يُهَادَى) بضمِّ أوَّله، مبنيًّا للمفعول، أي: يمشي (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) العبَّاس وعليٍّ، أو بين أسامة بن زيدٍ والفضل بن عبَّاسٍ، معتمدًا عليهما متمايلًا في مشيه من شدَّة الضَّعف (كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ) ولابن عساكر: «إلى رجليه» (تَخُطَّانِ الأرض) أي: يجرُّهما عليها غير معتمدٍ عليهما (١) (مِنَ الوَجَعِ) وسقط لفظ «الأرض» من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ،
стр. 1967
وعند ابن ماجه وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ حسنٍ: «فلمَّا أحسَّ النَّاس به سبَّحوا» (١) (فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لضعف صوته، أو لأنَّ مخاطبة من يكون في الصَّلاة بالإيماء أَوْلى من النُّطق، وسقط لفظ «النَّبيُّ» في رواية الأَصيليِّ (أَنْ مَكَانَكَ) نُصِب بتقدير «الزم»، والهمزة مفتوحةٌ والنُّون مُخفَّفةٌ (ثُمَّ أُتِيَ بِهِ) ﵊ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ) أي: جنب أبي بكرٍ الأيسر كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في رواية الأعمش [خ¦٧١٣] وفي رواية موسى بن أبي عائشة [خ¦٦٨٧]: فقال: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه. (فقِيلَ لِلأَعْمَشِ) سليمان بن مهران؛ بالفاء قبل القاف، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قِيلَ للأعمش»: (وَكَانَ) بالواو، وللأربعة: «فكان» (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) أي: بصوته الدَّالِّ على فعل النَّبيِّ ﷺ ، لا أنَّهم مقتدون (٢) بصلاته لئلَّا يلزم الاقتداء بمأمومٍ، ويأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «والنَّاس (٣) بصلاة أبي بكرٍ» (فَقَالَ) الأعمش (بِرَأْسِهِ: نَعَمْ) فإن قلت: ظاهر قوله: فقِيلَ للأعمش … إلى آخره، أنَّه منقطعٌ لأنَّ الأعمش لم يسنده، أُجيب بأنَّ في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متَّصلًا بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها، قاله في «الفتح». (رَوَاهُ) وفي روايةٍ: «ورواه» أي: الحديث المذكور (أَبُو دَاوُدَ) الطَّيالسيُّ ممَّا وصله البزَّار (عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (بَعْضَهُ) نصب بدلٍ من ضمير «رواه»، ولفظ البزَّار: «كان رسول الله ﷺ المُقدَّم بين يدي أبي بكرٍ»، كذا رواه مختصرًا.
стр. 1968
(وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ (١) الضَّرير في روايته عن الأعمش ممَّا وصله المؤلِّف في «باب الرَّجل يأتمُّ بالإمام ويأتمُّ النَّاس بالمأموم» [خ¦٧١٣] عن قتيبة عنه: (جَلَسَ) ﷺ (عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (فَكَانَ) وفي روايةٍ: «وكان» (أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي) حال كونه (قَائِمًا) وعند ابن المنذر من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة (٢): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى خلف أبي بكرٍ»، وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن خزيمة من رواية شعبة عن نُعيم بن أبي هندٍ عن شقيقٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى خلف أبي بكرٍ» فمن العلماء من رجَّح أنَّ أبا بكرٍ كان مأمومًا لأنَّ أبا معاوية أحفظ لحديث الأعمش من غيره، واستدلَّ الطَّبريُّ بهذا على أنَّ للإمام أن يقطع الاقتداء به (٣) ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصَّلاة، وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصَّلاة، وعلى جواز تقدُّم إحرام المأموم على الإمام، بناءً على أنَّ أبا بكرٍ كان دخل في الصَّلاة، ثمَّ قطع القدوة وائتمَّ برسول الله ﷺ ، ومنهم من رجَّح أنَّه كان إمامًا لقول أبي بكرٍ الآتي في «باب من دخل ليؤمَّ النَّاس»: «ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله ﷺ » [خ¦٦٨٤] وقد جزم بذلك الضِّياء وابن ناصرٍ، وقال: إنَّه صحَّ (٤) وثبت أنَّه ﷺ صلَّى خلف أبي بكرٍ مقتديًا به في مرضه الَّذي مات فيه، ولا ينكر هذا إِلَّا جاهلٌ. انتهى. وقد ثبت في «صحيح مسلمٍ»: أنَّه صلَّى خلف عبد الرَّحمن بن عوفٍ في غزوة تبوك صلاة الفجر، وكان ﷺ قد خرج لحاجته، فقدَّم النَّاسُ عبدَ الرَّحمن فصلَّى بهم، فأدرك ﷺ إحدى الرَّكعتين، فصلَّى مع النَّاس الرَّكعة الأخيرة، فلمَّا سلَّم عبد الرَّحمن قام النَّبيُّ ﷺ يتمُّ صلاته، فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التَّسبيح، فلمَّا قضى ﷺ صلاته أقبل عليهم، ثمَّ قال (٥): «أحسنتم»، أو قال:
стр. 1969
«قد (١) أصبتم» يغبطهم أن صلُّوا لوقتها، ورواه أبو داود بنحوه أيضًا، وقد روى الدَّارقطنيُّ من طريق المغيرة بن شعبة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما مات نبيٌّ حتَّى يؤمَّه رجلٌ من قومه».
ورواة حديث الباب (٢) كوفيُّون، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧١٢]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد بن زاذان التَّميميُّ (٣) الرَّازي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرني» ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (٤) (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ البصريِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين الأولى مُصغَّرًا، وفتح الثَّانية، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (قَالَ: قَالَتْ) أمُّ المؤمنين (عَائِشَةُ) ﵂: (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ) بفتح المُثلَّثة وضمِّ القاف؛ أي (٥): ركضت أعضاؤه عن خفَّة الحركات، وفي
стр. 1970
روايةٍ: «لمَّا ثَقُلَ رسول الله» (¬ ﷺ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ) أي: طلب منهنَّ الإذن (أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ) ﵅ (لَهُ) ﵊؛ بفتح الهمزة وكسر (١) الذَّال المعجمة وتشديد نون جماعة النِّسوة (فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ (٢) تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ) بالواو، وللأَصيليِّ: «فكان» (بَيْنَ العَبَّاسِ) وبين -ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «بين عبَّاسٍ» - (وَرَجُلٍ) وللأربعة: «وبين رجلٍ» (آخَرَ) لم تسمِّه. (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بن عتبة المذكور: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ولابن عساكر: «فذكرت لابن عبَّاسٍ» (مَا قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، زاد الإسماعيليُّ من رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ: «ولكنَّ عائشة لا تطيب نفسًا له بخيرٍ»، ولابن إسحاق في «المغازي» عن الزُّهريِّ: «ولكنَّها لا تقدر أن تذكره بخيرٍ».
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين رازيٍّ (٣) ويمانيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «باب الغسل والوضوء من المخضب والخشب والحجارة» [خ¦١٩٨] و «الصَّلاة» [خ¦٦٦٥] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٧١٤] و «المغازي» [خ¦٤٤٤٢] و «الهبة» [خ¦٢٥٨٨] و «الخمس» [خ¦٣٠٩٩] و «ذكر استئذان أزواجه» [خ¦٥٢١٧]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٤٠) (بابُ الرُّخْصَةِ) للرَّجل (فِي المَطَرِ) أي: عند نزوله ليلًا أو نهارًا (وَ) عند (العِلَّةِ) المانعة
стр. 1971
له من الحضور؛ كالمرض، والخوف من ظالمٍ، والرِّيح العاصف باللَّيل دون النَّهار، والوحل الشَّديد (أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ) أي: في منزله ومأواه، وذكر العلَّة من عطف العامِّ على الخاصِّ لأنَّها أعمُّ من أن تكون بالمطر أو غيره ممَّا ذكرته.
٦٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (أَذَّنَ) وللأَصيليِّ: «عن ابن عمر أنَّه أذَّن» (بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ) بسكون الرَّاء (وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ) بسكون الرَّاء (وَمَطَرٍ يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) والمراد: البرد الشَّديد، والحرُّ كالبرد بجامع المشقَّة، وسواءٌ كان ذلك المطر
стр. 1972
ليلًا أو نهارًا، وخصُّوا الرِّيح بالعاصف وباللَّيل لعظم مشقَّتها فيه دون النَّهار، وقاس ابن عمر الرِّيح على المطر بجامع المشقَّة العامَّة، والصَّلاة في الرِّحال أعمُّ من أن تكون جماعةً أو منفردًا، لكنَّها مظنَّة الانفراد، والمقصودُ الأصليُّ في الجماعة إيقاعُها في المسجد.
٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ عِتْبَانَ) بكسر العين المهملة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وبالمُوحَّدة (بْنَ مَالِكٍ) هو ابن عمرو بن العجلان (١) الأنصاريَّ الخزرجيَّ السَّالميَّ (كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، وَهْوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا) أي: القَصَّة (تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ) سيل الماء، و «كان»: تامَّةٌ اكتفت بمرفوعها عن الخبر (وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ) أي: ناقصُه، قال ابن عبد البرِّ: كان ضرير البصر ثمَّ عَمِيَ، ويؤيِّده قوله في الرِّواية الأخرى: «وفي بصري بعض الشَّيء»، ويُقال للنَّاقص: ضريرُ البصر، فإذا عَمِيَ أُطلِق عليه ضريرٌ من غير تقييدٍ بالبصر، وذكر الثَّلاثة: الظُّلمة، والسَّيل، ونقص البصر، وإن كان كلُّ قدرٍ (٢) منها كافيًا في (٣) العذر عن ترك الجماعة ليبيِّن كثرة موانعه، وأنَّه حريصٌ على الجماعة (فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا) نُصِب على الظَّرفيَّة وإن كان محدودًا لتوغُّله في الإبهام، فأشبه «خَلْفَ» ونحوها، أو على نزع الخافض (أَتَّخِذُْهُ) بالجزم لوقوعه في جواب الأمر، أي: إن تصلِّ فيه أتَّخذْه، وبالرَّفع، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «مكانًا»، أو مستأنفةٌ لا محلَّ لها (مُصَلًّى) بضمِّ الميم، أي: موضعًا للصَّلاة (فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ) من بيتك؟ (فَأَشَارَ) عتبان له ﵊
стр. 1973
(إِلَى مَكَانٍ) مُعَيْنٍ (مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وساق المؤلِّف هذا الحديث مساق الاحتجاج به (١) على سقوط الجماعة للعذر، لكن قد يُقال: إنَّما يدلُّ على الرُّخصة في ترك الجماعة في المسجد لا على تركها مطلقًا، نعم يُؤخَذ من قوله: «فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتَّخذْه مُصلًّى» صحَّة صلاة المنفرد؛ إذ لو لم تصحَّ لبيَّن ﵊ له ذلك بأن يقول له مثلًا: لا تصحُّ لك في مُصلَّاك هذا صلاةٌ حتَّى تجتمع فيه مع غيرك، وفي الحديث من الفوائد: جوازُ إمامة الأعمى، واتِّخاذُ موضعٍ مُعيَّنٍ من البيت مسجدًا.
(٤١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ) من أصحاب الأعذار المرخِّصة للتَّخلُّف عن الجماعة؟ (وَهَلْ يَخْطُبُ) الخطيب (يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ) إذا حضروا هم أيضًا، ويصلِّي بهم الجمعة؟ نعم يصلِّي ويخطب من غير كراهةٍ في ذلك، وحينئذٍ فالأمر بالصَّلاة في الرِّحال للإباحة لا للنَّدب.
٦٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) البصريُّ، وللأَصيليِّ: «ابن عبد الوهَّاب الحَجَبِيُّ» بفتح الحاء المهملة والجيم وكسر المُوحَّدة؛ نسبةً لحجابة الكعبة الشَّريفة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ) بن
стр. 1974
دينارٍ، الثِّقة (صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَارِثِ) بالمُثلَّثة، ابن نوفل بن الحارث بن عبد المُطَّلِب المدنيَّ، له رؤيةٌ، ولأبيه ولجدِّه صحبةٌ (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال المهملتين آخره غينٌ مُعجَمةٌ، أي: ذي وحلٍ، وفي روايةٍ: «رزغٍ» بالزَّاي بدل الدَّال (فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: قُلِ: الصَّلَاةَُ) بالرَّفع في الفرع وأصله أي: الصَّلاة رخصةٌ (فِي الرِّحَالِ) وبالنَّصب، أي: الزموها (فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَأَنَّهَمُ) وللأربعة: «فَكَأَنَّهُمْ (١)» (أَنْكَرُوا) ذلك (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ لهم: (كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا) الَّذي فعلته؟ (إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ) بفتحاتٍ، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فِعْلُ (٢)» بكسر الفاء وسكون العين (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ يَعْنِي النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ ، إِنَّهَا) أي: الجمعة (عَزْمَةٌ) بفتح العين وسكون الزَّاي: متحتِّمةٌ (وَإِنِّي كَرِهْتُ) مع كونها عَزْمَةً (أَنْ أُحْرِجَكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، أي: كرهت أن أؤثِّمكم وأضيِّق عليكم، وللأَصيليِّ: «كرهت أن أخرجكم» بالخاء المُعجَمة بدل الحاء المُهمَلة.
(وَعَنْ حَمَّادٍ) بالعطف على قوله: «حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ»، وليس بمُعلَّقٍ، وقد أخرجه في «باب الكلام في الأذان» [خ¦٦١٦] عن مُسدَّدٍ عن حمَّادٍ عن أيُّوب وعبد الحميد وعاصمٍ (عَنْ عَاصِمٍ) الأحول (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ) المذكور (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث المذكور بمُعظَم لفظه وجميع معناه (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ) بهمزةٍ مضمومةٍ ثمَّ أخرى مفتوحةٍ وتشديد المُثلَّثة من التَّأثيم، من باب التَّفعيل، أو «أُوثِمَكُم»: مضارع «آثمه» بالمدِّ؛ أوقعه في الإثم من الإيثام، من «باب الإفعال» (٣) بدل من (٤) «أن أحرجكم»،
стр. 1975
وزاد قوله: (فَتَجِيئُونَ) بالنُّون، أي: فأنتم تجيئون، فيُقطَع عن سابقه، أو مرفوعٌ (١) عطفًا على سابقه على لغة من يرفع الفعل بعد «أنْ»، قاله الزَّركشيُّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ إهمال «أن» قليلٌ، والقطع كثيرٌ مقيسٌ، فلا داعيَ للعدول (٢) عنه إلى الثَّاني، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «فتجيئوا» بحذف النُّون عطفًا على ما قبله (تَدُوسُونَ) أي: وأنتم تطؤون (الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ).
٦٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) ولغير أبوي ذَرٍّ (٤) والوقت وابن عساكر: «مسلم بْنُ إِبْرَاهِيمَ» أي: الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (٥) (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعدَ (٦) بنَ مالكٍ (الخُدْرِيَّ) ﵁، أي: عن ليلة القدر كما بيَّنه في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٦] (فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ) أي: سال الماء الَّذي أصاب سقف المسجد كَسَاْلَ الوادي، فصحَّ (٧) من باب ذكر المحلِّ وإرادة
стр. 1976
الحالِّ (وَكَانَ) السَّقف (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) وهو القضيب الَّذي جُرِّد عنه خوصه (فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) الشَّريفة.
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وأهوازيٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال والقول، وأخرجه أيضًا في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٦] وفي «الصَّلاة» في موضعين [خ¦٨١٣] [خ¦٨٣٦] وفي «الصَّوم» [خ¦٢٠١٦]، وأبو داود في «الصَّلاة» (١)، والنَّسائيُّ في «الاعتكاف»، وابن ماجه في «الصُّوم».
٦٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) أخو محمَّد بن سيرين (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁، وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لرسول الله ﷺ ، والرَّجل قِيلَ: هو عتبان بن مالكٍ، أو بعض عمومة أنسٍ، وقد يُقال: إنَّ عتبان عمُّ أنسٍ مجازًا لكونهما من الخزرج، لكنْ كلٌّ منهما من بطنٍ: (إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ) أي: في الجماعة في المسجد، وزاد عبد الحميد عن
стр. 1977
أنسٍ: «وإنِّي أحبُّ أن تأكل في بيتي وتصلِّي فيه» [خ¦٧٥٦] (وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا) سمينًا، وأشار به (١) إلى علَّة تخلُّفه (فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ) بفتحاتٍ (لَهُ حَصِيرًا، وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ) تطهيرًا أو تليينًا لها (فصَلَّى) بالفاء، ولغير الأربعة: «صلَّى» (عَلَيْهِ) أي: على الحصير، زاد عبد الحميد: وصلَّينا معه (رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ) بالجيم وضمِّ الرَّاء، وبعد الواو مهملةٌ، ويحتمل أنَّه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود كما عند ابني ماجه وحبَّان من حديث عبد الله بن عونٍ، عن أنس بن سيرين عنه، عن أنسٍ (لأَنَسٍ) ﵁، وللأصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» مستفهمًا له بالهمزة: (أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ) أنسٌ: (مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ) نفيُ رؤيته لا يستلزم نفي فعلها قبل (٢)، فهو كقول عائشة ﵂: ما رأيته ﵊ يصلِّيها، وقولها: كان يصلِّيها أربعًا، فالمنفيُّ رؤيتُها له، والمثبت فعله لها بإخباره أو بإخبار غيره، فَرَوَتْهُ.
وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّه ﵊ كان يصلِّي بسائر الحاضرين عند غيبة الرَّجل الضَّخم.
ورواته الأربعة ما بين عسقلانيٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «الضُّحى» [خ¦١١٧٩] و «الأدب» [خ¦٦٠٨٠]، وأبو داود في «الصَّلاة».
(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) هل يبدأ بالطَّعام أو بالصَّلاة؟ وحذف المؤلِّف ذلك لينبِّه على أنَّ الحكمَ فيه نفيًا وإثباتًا غيرُ مجزومٍ به لقوَّة الخلاف فيه (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا هو مذكورٌ بمعناه في هذا الباب [خ¦٦٧٣] (يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ) بفتح العين والمدِّ؛ خلاف الغداء.
стр. 1978
(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) ممَّا وصله عبد الله بن المبارك في «كتاب الزُّهد»، ومن طريقه محمَّد بن نصرٍ المروزيُّ في «تعظيم قدر الصَّلاة»: (مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ) أعمُّ من الطَّعام وغيره (حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) من الشَّواغل الدُّنيويَّة (١) ليقف بين يدي مالكه في مقام العبوديَّة من المناجاة، على أكمل الحالات من الخضوع والخشوع الَّذي هو سببٌ للفلاح ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والفلاح: أجمعُ اسمٍ لسعادة الدَّارين، وفقدُ الخشوع ينفيه.
٦٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزُّبير (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ) له: (إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ) أي: عشاء مريد الصَّلاة، وللمؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٤٦٥]: «إذا حضر» وهو أعمُّ من الوضع، فيُحمَل قوله: «حضر» أي: بين يديه لتأْتلف الرِّوايتان (٢)؛ لاتِّحاد المخرج (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ؛ فَابْدَؤُوا) ندبًا (بِالعَشَاءِ) إذا وسع الوقت واشتدَّ التَّوقان إلى الأكل. واستُنبِط منه كراهة (٣) الصَّلاة حينئذٍ لِمَا فيه من اشتغال القلب عن الخشوع المقصود من الصَّلاة إلَّا أن يكون الطَّعام ممَّا يُؤتَى عليه مرَّةً واحدةً
стр. 1979
كالسَّويق واللَّبن، ولو ضاق الوقت بحيث لو أكل خرج يبدأ بها، ولا يؤخِّرها محافظةً على حرمة الوقت، ويُستحَبُّ إعادتها عند الجمهور، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وعند المالكيَّة يبدأ بالصَّلاة إن لم يكن مُعلَّق النَّفس بالأكل، أو كان متعلِّقًا به لكنَّه لا يعجِّله عن صلاته، فإن كان يعجِّله بدأ هنا بالطعام، و (١) استحبَّ له الإعادة، والمراد بالصَّلاة هنا (٢) المغرب لقوله في الحديث التَّالي [خ¦٦٧٢]: «فابدؤوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب» لكن ذكر المغرب لا يقتضي الحصر فيها، فحملُه على العموم أَوْلى نظرًا إلى العلَّة، وهي (٣) التَّشويش المفضي إلى ترك الخشوع إلحاقًا للجائع بالصَّائم، وللغداء بالعشاء، لا بالنَّظر إلى اللَّفظ الوارد.
٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ أوَّله (٤) وفتح ثانيه، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ) بضمِّ القاف وكسر الدَّال المُشدَّدة وفتح العين، وزاد ابن حبَّان والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من رواية موسى بن أَعْيَنَ،
стр. 1980
عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب: «وأحدكم صائمٌ» وموسى ثقةٌ (فَابْدَؤُوا بِهِ) أي: بالعَشاء (قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم، وفي نسخةٍ -قِيلَ: إنَّها مسموعةٌ على الأَصيليِّ-: «ولا تُعجَلوا» بضمِّ الفوقيَّة وفتح الجيم من الثُّلاثيِّ فيهما، ورُويِ: «تُعجِلوا» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه من الإعجال.
وفيه -كالسَّابق- دليلٌ على تقديم فضيلة الخشوع في الصَّلاة على فضيلة أوَّل الوقت، فإنَّهما لمَّا تزاحما قدَّم الشَّارع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصَّلاة في أوَّل الوقت.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في موضعٍ آخر [خ¦٥٤٦٣].
٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، القرشيُّ الكوفيُّ الهَبَّارِيُّ؛ بفتح الهاء والمُوحَّدة الثَّقيلة (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا) أنتم (بِالعَشَاءِ) بفتح العين (وَلَا يَعْجَلْ) أحدُكم (حَتَّى يَفْرُغَ) مَنْ مَعَكم (مِنْهُ) بالإفراد؛ نظرًا إلى لفظ «أحد»، والجمع في: «فابدؤوا» نظرًا إلى ضمير «أحدكم»، قاله الطِّيبيُّ، وأجاب البرماويُّ بأنَّ النَّكرة في الشَّرط تعمُّ، فيحتمل أنَّ الجمع لأجل عموم «أحد». انتهى. وإضافة «عشاء» لـ «أحدكم» تُخرِج عشاء غيره، نعم لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره فلينتقل إلى مكانٍ غير ذلك المكان، أو يأكل ما يُزيل به اشتغاله ليتفرَّغ (١) قلبه لمناجاة ربِّه في صلاته، ويؤيِّد هذا عموم قوله في رواية مسلمٍ من حديث عائشة: «لا صلاة بحضرة
стр. 1981
الطَّعام» واستدلَّ (١) بعض الشَّافعيَّة والحنابلة بقوله: «فابدؤوا» على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأمَّا من شرع فيه ثمَّ أُقيمت الصَّلاة فلا يتمادى، بل يقوم إلى الصَّلاة، لكنَّ صنيع ابن عمر بن الخطَّاب الَّذي أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ممَّا هو موصولٌ، عطفًا على المرفوع السَّابق (يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) وهو أعمُّ من العشاء (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ) مغرِبًا كانت (٢) أو غيرها، لكن رواه السَّرَّاج من طريق يحيى بن سعيدٍ عن عبيد الله عن نافعٍ بلفظ: «وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه» (فَلَا يَأْتِيهَا) أي: الصَّلاة (حَتَّى يَفْرُغَ) من أكله (وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وإنَّه لَيسمع» بلام التَّأكيد، يبطل ذلك، قال النَّوويُّ: وهو الصَّواب، وتُعقِّب بأنَّ صنيع ابن عمر اختيارٌ له، وإِلَّا فالنَّظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه لأنَّه يكون قد أخذ من الطَّعام ما يدفع به شغل البال، نعم الحكم يدور مع العلَّة وجودًا وعدمًا، ولا يتقيَّد بكلٍّ ولا بعضٍ.
٦٧٤ - (وَقَالَ زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية الجعفيُّ ممَّا وصله أبو عَوانة في «مُستخرَجه» (وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ) ممَّا ذكر المصنِّف: أنَّ شيخه إبراهيم بن المنذر رواه عنه كما سيأتي قريبًا إن شاء تعالى (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) (رَوَاهُ) وفي (٣) رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ: «رواه» أي: الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أي: شيخه (عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ)
стр. 1982
السَّابق (وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ) بالياء بين الدَّال المكسورة والنُّون، وفي روايةٍ: «مدَنيٌّ» بإسقاطها وفتح الدَّال، وكلاهما نسبةً لطيبة، رزقنا الله العَوْد إليها بمنِّه وكرمه على أحسن حالٍ، غير أنَّ القياس فتح الدَّال، والحديث من تعاليقه لا غير.
(٤٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (إِذَا دُعِي الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ) أي: الَّذي يأكله، أو «وبيده الأكل» أي: المأكول.
٦٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى الأويسيُّ (١) المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد (٢) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو) بفتح العين (بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ أَبَاهُ) عمرو بن أميَّة ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا) من الشَّاة (يَحْتَزُّ مِنْهَا) بالحاء المهملة والزَّاي، أي: يقطع من لحمها بالسِّكِّين (فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ) بضمِّ الدَّال، دعاه بلالٌ إليها (فَقَامَ) إليها (فَطَرَحَ السِّكِّينَ) ألقاها من يده (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) قدَّم ﵊ الصَّلاةَ على الأكل، وأمر غيره بتقديم الأكل، لعلَّه أخذ في (٣) خاصَّة نفسه بالعزيمة، وأمر غيره بالرُّخصة لأنَّه لا يقوى على مُدافَعة الشَّهوةِ قوَّتَه.
والاستدلال بفعله ﵊ -من كونه ألقى الكتف أثناء أكله منها على أنَّ الأمر في قوله: «فابدؤوا بالعَشاء» للنَّدب لا للإيجاب؛ إذ لو كان تقديم الأكل واجبًا لَمَا قام ﵊ إلى الصَّلاة- مُتعقَّبٌ باحتمال أن يكون ﵊ قضى حاجته من الأكل، فلا تتمُّ الدَّلالة.
стр. 1983
ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالإفراد، والعنعنة والقول.
(٤٤) (بابُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ) إليها، وترك تلك الحاجة، وهذا بخلاف حضور الطَّعام، فإنَّ فيه زيادةَ تشوُّقٍ تشغلُ (١) القلب، ولو أُلحقِت به لم يَبقَ للصَّلاة وقتٌ في الغالب.
٦٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء المهملة والكاف، ابن عُتَيْبة تصغير عتبة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) فقلت لها مستفهمًا: (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مَِهْنَةِ أَهْلِهِ) بفتح الميم، وقد تُكسَر، مع سكون الهاء فيهما، وأنكر الأصمعيُّ الكسر، قال آدم بن أبي إياسٍ في تفسيرها: (-تَعْنِي) عائشة: في (خِدْمَةِ أَهْلِهِ-) نفسه أو أعمَّ كتفليته ثوبه، وحلبه شاته تواضعًا منه ﵊، وللمُستملي وحده: «في مهنة بيت أهله» وإضافة البيت للأهل (٢) لملابسة السُّكنى ونحوها، وإِلَّا فالبيت له ﵊، واسم «كان» ضمير الشَّأن،
стр. 1984
وكرَّرها لقصد الاستمرار والمُداوَمة، وتفسير آدم الخدمة (١) موافقٌ للجوهريِّ، لكن فسَّرها في «المُحكَم» بالحذق بالخدمة والعمل (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) ولابن عَرْعَرة [خ¦٥٣٦٣]: «فإذا سمع الأذان» (خَرَجَ) ﵊ (إِلَى الصَّلَاةِ) وترك حاجة أهله، وهذا موضع الدَّلالة للتَّرجمة.
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والسُّؤال، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٣٩] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٣]، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» وقال: صحيحٌ.
(٤٥) (بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَهْوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ) بضمِّ الياء وفتح العين وتشديد اللَّام مكسورةً (صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّتَهُ) بالنَّصب عطفًا على «صلاةَ».
٦٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو تصغير وَهْبٍ، ابن خالدٍ، صاحب الكرابيسيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي
стр. 1985
قِلَابَةَ) بكسر القاف عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء (١) المهملة وفتح الواو آخره مُثلَّثةٌ، اللَّيثيُّ (فِي مَسْجِدِنَا هَذَا) مسجد البصرة (فَقَالَ) وللأَصيليِّ: «قال»: (إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ) بالمُوحَّدة، وللأَصيليِّ: «لَأصلِّي لكم» باللَّام، أي: لأجلكم، ولام «لَأصلِّي» للتَّأكيد، وهي مفتوحةٌ (وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ) لأنَّه ليس وقت فرضها، أو كان قد صلَّاها، لكنِّي أريد تعليمكم صفتها المشروعة بالفعل كما فعل جبريل ﵇؛ إذ هو أوضح من القول مع نيَّة التَّقرُّب بها إلى الله تعالى، أو ما أريد الصَّلاة فقط، بل أريدها وأريد معها قربةً أخرى وهي تعليمها، فنيَّة التَّعليم تبعًا، فتجتمع نيَّتان صالحتان في عملٍ واحدٍ كالغسل بنيَّة الجنابة والجمعة (أُصَلِّي) هذه الصَّلاة (كَيْفَ) أي: على الكيفيَّة الَّتي (رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٢) ﷺ يُصَلِّي) و «كيف»: نُصِب بفعلٍ مُقدَّرٍ، أي: لأريكم كيف رأيت، لكنَّ كيفيَّة الرُّؤية لا يمكن أن يُرِيَهم إيَّاها، فالمراد لازمُها وهو كيفيَّة صلاته ﵊ كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ وأتباعه.
قال أيُّوب السَّختيانيُّ: (فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ:) كان يصلِّي (٣) (مِثْلَ) صلاة (شَيْخِنَا هَذَا) هو عمرو بن سَلِمة كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «باب اللُّبث بين السَّجدتين» [خ¦٨١٨] (قَالَ) أيُّوب: (وَكَانَ) أي: عمرٌو (شَيْخًا) بالتَّنكير، وللأربعة: «وكان الشَّيخ» (يَجْلِسُ) جلسةً خفيفةً للاستراحة (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) الثَّاني (قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ
стр. 1986
فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) وهو سُنَّةٌ عندنا خلافًا لأبي حنيفة ومالكٍ وأحمد، وحملوا جلوسه ﵊ على سبب ضعفٍ كان به، أو بعد ما كَبِر وأَسَنَّ (١)، وتُعقِّب بأنَّ حمله على حالة (٢) الضَّعف بعيدٌ، والأصل غيره، وبأنَّ سنَّهُ ﵊ لا يقتضي عجزه عن النُّهوض، لا سيَّما وهو موصوفٌ بمزيد القوَّة التَّامَّة، فثبتت المشروعيَّة، والسُّنَّة في هذه الجلسة الافتراشُ للاتِّباع، رواه التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والجارُّ والمجرور يتعلَّق (٣) بقوله «من السُّجود» أي: السُّجود الَّذي في الرَّكعة الأولى، لا بـ «ينهض» لأنَّ النُّهوض يكون منها لا فيها.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨١٨]، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
(٤٦) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ) من غيرهم ممَّن ليس عنده علمٌ.
٦٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) بالصَّاد المهملة السَّاكنة
стр. 1987
نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: إبراهيمُ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) هو ابن عليِّ بن الوليد الجعفيُّ الكوفيُّ (عَنْ زَائِدَةَ) بن قُدَامة (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، ابن سويدٍ الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) عامر بن أبي موسى (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله الأشعريِّ (قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مرضه الَّذي مات فيه (فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ) وحضرت الصَّلاة (فَقَالَ) لمن حضره: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بسكون اللَّام، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ» بكسرها وإثبات ياءٍ مفتوحةٍ بعد الثَّانية، أي: فقولوا له قَوْلِي: فليصلِّ بالنَّاس (قَالَتْ عَائِشَةُ) ابنته ﵂: (إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ) قلبُه (إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ) من البكاء؛ لكثرة حزنه ورقَّة قلبه (أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ) ﵊ للحاضرين: (مُرُوا) وللأربعة: «مري» (أَبَا بَكْرٍ) أمرًا لعائشة (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بسكون اللَّام مع الجزم بحذف حرف العلَّة، ولابن عساكر والأَصيليِّ: «فلِيُصَلِّيَ بالنَّاس» بكسرها وإثبات الياء المفتوحة آخره (١) كقراءة: ﴿يَتَّقي وَيِصْبِرْ﴾
стр. 1988
[يوسف: ٩٠] برفع «يَتَّقِي» وجزم «يَصْبِرْ» (فَعَادَتْ) عائشة إلى (١) قولها: إنَّه رجلٌ رقيقٌ … إلى آخره، (فَقَالَ) ﵊ لها: (مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بسكون اللَّام، ولابن عساكر: «فلِيصلِّيَ» بكسر اللَّام (٢) مع زيادة الياء المفتوحة آخره (فَإِنَّكُنَّ) بلفظ الجمع على إرادة الجنس، وإلَّا فالقياس أن يقول: فإنَّكِ؛ بلفظ المُفرَدة (صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصِّدِّيق ﵇، تُظهِرن خلاف ما تُبْطِنَّ؛ كَهُنَّ، وكان مقصود عائشة ألَّا يتطيَّر النَّاس بوقوف أبيها مكان رسول الله ﷺ كإظهار زليخا إكرام النِّسوة بالضِّيافة، ومقصودها: أن ينظرن إلى حُسْن يوسف ليعذرْنَها في محبَّته (فَأَتَاهُ الرَّسُولُ) بلالٌ بتبليغ الأمر، والضَّمير المنصوب لأبي بكرٍ، فحضر (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) إلى أن توفَّاه الله تعالى، والإمامة الصُّغرى تدلُّ على الإمامة الكبرى، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، فإنَّ أبا بكرٍ أفضلُ الصَّحابة، وأعلمهم وأفقههم، كما يدلُّ عليه مراجعة الشَّارع بأنَّه هو الَّذي يصلِّي، والأصحُّ أنَّ الأفقه أَوْلى بالإمامة من الأقرأ (٣) والأورع، وقِيلَ: الأقرأُ أَوْلى من الآخرين، حكاه في «شرح المُهذَّب»، ويدلُّ له -فيما قِيل- حديث مسلمٍ: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرُؤهم» وأُجيب بأنَّه في المستوين في غير القراءة كالفقه؛ لأنَّ أهل العصر الأوَّل كانوا يتفقَّهون مع القراءة، فلا يوجد قارئٌ إِلَّا وهو فقيهٌ، فالحديث في تقديم الأقرأ من الفقهاء المستوي على (٤) غيره.
стр. 1989
ورواة حديث الباب السِّتَّة كوفيُّون غير شيخ المؤلِّف، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالإفراد والجمع، والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٨٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».
٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂¬) كذا رواه حمَّادٌ عن مالكٍ موصولًا، وهو في أكثر نسخ «المُوطَّأ» مُرسَلًا لم يذكر عائشة، وسقط «أمِّ المؤمنين» لأبي ذَرٍّ (أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ) الَّذي تُوفِّي فيه: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يصلِّي بالنَّاس، قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاس مِنَ البُكَاءِ) لرقَّة قلبه (فَمُرْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ) بالمُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للنَّاس» باللَّام بدلها، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ» بكسر اللَّام وإثبات ياء مفتوحةٍ بعد الثَّانية (فَقَالَتْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قالت» (عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «قلت» (لِحَفْصَةَ) بنت عمر (قُولِي لَهُ) ﷺ : (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاس مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ) بالجزم، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ» (لِلنَّاسِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «بالنَّاس»؛ بالمُوحَّدة بدل اللَّام، ولأبي ذَرٍّ: «يصلِّي بالنَّاس» بإسقاط الفاء واللَّام (فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ) ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْ) اسمُ فعلٍ
стр. 1990
مبنيٌّ على السُّكون، زَجْرٌ بمعنى اكففي (إِنَّكُنَّ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فإنَّكنُّ» (لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) ﵊؛ أي مثلهنَّ، قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام وجه التَّشبيه بهنَّ (١) وجود مكرٍ (٢) في القصَّتين وهو مخالفة الظَّاهر لِمَا في الباطن، فصواحب يوسف أتين زليخا ليعتبنها (٣)، ومقصودهنَّ أن يدعون يوسف لأنفسهنَّ، وعائشة ﵂ كان مرادها ألَّا يتطيَّر النَّاس بأبيها لوقوفه مكان رسول الله ﷺ ، لكن تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ سياق الآية ليس فيه ما يساعد (٤) على ما قاله (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ؛ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للنَّاس» باللَّام، ولابن عساكر: «فلِيُصَلِّيَ بالنَّاس» (فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ) ﵂: (مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا).
٦٨٠ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ) ﵁ (وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) في العقائد والأفعال والأقوال والأذكار (٥) والأخلاق (وَخَدَمَهُ) عشر سنين
стр. 1991
(وَصَحِبَهُ) فَشرُف بترقِّيه في مدارج السَّعادة، وفاز بالحسنى وزيادة: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (كَانَ يصلِّي بِهِمْ) إمامًا في المسجد النَّبويِّ، ولغير أبي ذَرٍّ (١): «يصلِّي لهم» (فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَُ الاثْنَيْنِ) برفع «يومُ» على أنَّ «كان» تامَّةٌ، وبنصبه على الخبريَّة (وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاة) جملةٌ حاليَّةٌ (فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الحُجْرَةِ) حال كونه (يَنْظُرُ إِلَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فنظر إلينا» (وَهْوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مَُِصْحَفٍ) بفتح الرَّاء وتثليث ميم «مَُِصحفٍ»، ووجه التَّشبيه: رقَّة الجلد، وصفاء البشرة، والجمال البارع (ثُمَّ تَبَسَّمَ) ﵊، حال كونه (يَضْحَكُ) أي: ضاحكًا فَرِحًا باجتماعهم على الصَّلاة، واتِّفاق كلمتهم، وإقامة شريعته، ولهذا استنار وجهه الكريم؛ لأنَّه كان إذا سُرَّ استنار وجهُه، ولابن عساكر: «ثمَّ تبسَّم فضحك» بفاء العطف (فَهَمَمْنَا) أي: قصدنا (أَنْ نَفْتَتِنَ) بأن نخرج من الصَّلاة (مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (عَلَى عَقِبَيْهِ) بالتَّثنية،
стр. 1992
أي: رجع القهقرى إلينا (لِيَصِلَ الصَّفَّ) أي: ليأتي إلى الصَّفِّ (وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاة، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّي) ﵊، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وتُوفِّي» (مِنْ يَوْمِهِ).
٦٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمروٍ (١) المِنْقَرِيُّ المُقعَد البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (قَالَ: حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيْبٍ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (قَالَ: لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيَّامٍ، وكان ابتداؤها من حين خرج ﵊ فصلَّى بهم قاعدًا (فَأُقِيمَتِ الصَّلاة، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ) حال كونه (يَتَقَدَّمُ) ولأبي ذَرٍّ: «فتقدَّم» (فَقَالَ) أي: أخذ (نَبِيُّ اللهِ ﷺ بِالحِجَابِ) الَّذي على الحجرة (فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ) أي: ظهر (وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ مَا رَأَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما نَظَرْنَا» (مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ
стр. 1993
وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ) أي: ظهر (لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ) أي: بالتَّقدُّم إلى الصَّلاة (١) ليؤمَّ بهم (وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون القاف وفتح الدَّال مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ: «نَقدِر» بالنُّون المفتوحة وكسر الدَّال، وفيه: أنَّ أبا بكرٍ كان خليفةً في الصَّلاة إلى آخر موته ﵊، ولم يُعزَل -كما زعمت الشِّيعة أنَّه عُزِل- بخروجه ﵊ وتقدُّمه وتخلُّف أبي بكرٍ.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
٦٨٢ - وبه قال: (حدَّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر، المُتوفَّى بها (٢) سنة ثمانٍ أو سبعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حدَّثنا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثني» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حَمْزَةَ) بالزَّاي، أخي سالم (بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ) الَّذي مات فيه (قِيلَ لَهُ فِي) شأن (الصَّلاة، فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ؛ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس)
стр. 1994
بالباء، ولابن عساكر: «فلِيُصلِّيَ» بكسر اللَّام الأولى وياءٍ بعد الثَّانية. (قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ) قلبُه (١) (إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: مُرُوهُ فَيُصَلِّي) بغير لامٍ بعد الفاء، ولابن عساكر: «فَلِيُصَلِّيَ» بلام مكسورة بعد الفاء وياءٍ مفتوحةٍ بعد اللَّام الثَّانية، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، وفي نسخةٍ لابن عساكر: «فَلْيُصَلِّ» بسكون اللَّام الأولى وحذف الياء الأخيرة (فَعَاوَدَتْهُ) عائشة، ولأبي ذَرٍّ: «فعاوَدْنَه» بنون الجمع، أي: عائشة ومن حضر معها (٢) من النِّساء (قَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ (٣) والأَصيليِّ: «فقال»: (مُرُوهُ فَيُصَلِّي) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فَلْيُصَلِّ» ولابن عساكر: «فليصلِّيَ» بالياء المفتوحة بعد اللَّام (إِنَّكُنَّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فإنَّكنَّ» (صَوَاحِبُ يُوسُفَ).
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومصريٍّ (٤) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه النَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء».
(تَابَعَهُ) أي: تابع يونس بن يزيد (الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، محمَّد بن الوليد
стр. 1995
الحمصيُّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» من طريق عبد الله بن سالمٍ الحمصيِّ عنه موصولًا موقوفًا (١) (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن (٢) مسلمٍ ممَّا وصله ابن عديٍّ من رواية الدَّراورديِّ عنه (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الكَلْبِيُّ) الحمصيُّ ممَّا وصله أبو بكر بن شاذان البغداديُّ في نسخةٍ «إسحاق بن يحيى» رواية يحيى بن صالحٍ، الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ.
(وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَ) قال (مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ ممَّا اختُلِف عليه (٣): فرواه عنه عبد الله بن المبارك مُرسَلًا ممَّا أخرجه ابن سعدٍ وأبو يَعلى من طريقه، ورواه عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ موصولًا إلَّا أنَّه قال: «عن عائشة» بدل قوله: «عن أبيه» كذا أخرجه مسلمٌ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(٤٧) (بابُ مَنْ قَامَ) من المصلِّين (إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ) اقتضت ذلك.
٦٨٣ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) البلخيُّ (قَالَ: حدَّثنا) وللأَصيليِّ: «قال: أخبرنا»
стр. 1996
(ابْنُ نُمَيْرٍ) عبدُ الله (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (أَنْ يصلِّي بالنَّاس فِي مَرَضِهِ) الَّذي تُوفِّي فيه (فَكَانَ يصلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بالإسناد السَّابق: (فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «من» (نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ) أي: «تأخَّر» وفي «اليونينيَّة» هنا مكتوبٌ: «إليه» مرقومٌ عليه علامة السُّقوط للأربعة، مضروبٌ عليه (فَأَشَارَ إِلَيْهِ) ﷺ (أَنْ كَمَا أَنْتَ) أي: كالَّذي (١) أنت عليه أو فيه من الإمامة؛ فـ «ما»: موصولٌ (٢)، و «أنت»: مبتدأٌ حُذِف خبره، والكاف للتَشبيه، أي: ليكن حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدةٌ، أي: الزم الَّذي أنت عليه وهو الإمامة (فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ) محاذيًا له بحيث لم يتقدَّم عقبُ أحدِهما على عقب الآخر (إِلَى جَنْبِهِ) لا خلفه ولا قدَّامه، واستُشكِل مطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ فيها مَنْ قام إلى جنب الإمام، وأُجيب بأنَّه كان قائمًا في الابتداء، جالسًا في الانتهاء إلى جنبه، أو أنَّه قاس القيام على الجلوس، أو أنَّ أبا بكرٍ هو القائم إلى جنب الإمام وهو النَّبيُّ ﷺ ، قال البرماويُّ: وهذا أظهر، والأصل تقديم (٣) الإمام على المأموم في الموقف، فإن تقدَّم المأموم بطلت صلاته، وتُكرَه مساواته -كما في «المجموع» - إلَّا إن ضاق المكان، أو لم يكن إلَّا مأمومٌ واحدٌ (٤)، وكذا لو كانوا عراةً، ويقف
стр. 1997
بمكَّة خلف الإمام، وليستديروا (١)، ولو قَرُبوا إلى الكعبة إلَّا في جهته (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) قائمًا (يصلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وهو قاعدٌ (وَالنَّاسُ) قائمون (يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) كالمبلِّغ لهم، وسقط لفظ (٢) «يصلُّون» في رواية أبي ذَرٍّ.
وفي الحديث: صحَّة قدوة القائم بالقاعد، والمضطجع والقاعد بالمضطجع لأنَّه ﷺ صلَّى في مرض موته قاعدًا وأبو بكرٍ والنَّاس قيامًا، فهو ناسخٌ لِمَا في «الصَّحيحين» وغيرهما [خ¦٦٨٩]: «إنَّما جُعِل الإمام ليُؤْتَمَّ به» من قوله: «وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعين» وقِيسَ المضطجع على القاعد، فقدوة القاعد به من بابٍ أَوْلى.
وفي حديث الباب: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
(٤٨) (بابُ مَنْ دَخَلَ) المِحْراب مثلًا (لِيَؤُمَّ (٣) النَّاسَ) نائبًا عن الإمام الرَّاتب (فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ)
стр. 1998
الرَّاتب (فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ) الَّذي أراد أن ينوب عن الرَّاتب، فهو أوَّلٌ بالنِّسبة لهذه الصَّلاة، وذاك أوَّل بالنِّسبة لكونه راتبًا، فالقرينة صارفةٌ العينيَّة إلى الغيريَّة على ما لا يخفى، وللأَصيليِّ في نسخةٍ: «فتأخَّر الآخر» (أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلَاتُهُ. فِيهِ) أي: في التَّأخُّر وعدمه ما روته (عَائِشَةُ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فالأوَّل: ما رواه عنها عروة في الباب السَّابق، ولفظه [خ¦٦٨٣]: «فلمَّا رآه استأخر» والثَّاني: ما رواه عُبَيْد الله عنها في «باب حدِّ المريض» [خ¦٦٦٥] ولفظه (١): «فأراد أن يتأخَّر».
стр. 1999
٦٨٤ - وبالسَّند قال (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) بالحاء المُهْمَلَة والزَّاي، واسمه: سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ) في أناسٍ من أصحابه بعد أن صلَّى الظُّهر (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما، ابن مالك بن (١) الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وكانت منازلهم بقباء (لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) لأنَّهم اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة (فَحَانَتِ الصَّلاة)، أي: صلاة العصر (فَجَاءَ المُؤَذِّنُ) بلال (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) بأمر النَّبيِّ ﷺ ، حيث قال له -كما عند الطَّبرانيِّ-: «إن حضرت صلاة (٢) العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ) له: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ) باللَّام، وللأَصيليِّ: «بالنَّاس» في أوَّل الوقت، أو تنتظر قليلًا ليأتي النَّبيُّ ﷺ ؟ فرجح عند أبي بكر المبادرة لأنَّها فضيلةٌ مُتحقِّقَةٌ (٣) فلا تُتْرَك لفضيلةٍ متوهَّمةٍ (فَأُقِيمَُ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أقيم، أو بالنَّصب جواب الاستفهام (قَالَ) أبو بكرٍ ﵁: (نَعَمْ) أَقِمِ الصَّلاة إن شئتَ (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي: دخل في الصَّلاة (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ) دخلوا مع أبي بكر (فِي الصَّلاة) جملةٌ حاليَّةٌ (فَتَخَلَّصَ) من شقِّ الصُّفوف (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) الأوَّل، وهو جائزٌ للإمام، مكروهٌ لغيره، وفي رواية مسلمٍ: «فخرق الصُّفوف حتَّى قام عند الصَّف»، وفي رواية عبد العزيز [خ¦١٢٠١]: «يمشي في الصُّفوف» (فَصَفَّقَ النَّاسُ) أي: ضرب كلٌّ يدَه بالأخرى حتَّى سُمِعَ لها صوتٌ، لكن في رواية عبد العزيز (٤): «فأخذ النَّاس في
стр. 2000
التَّصفيح» (١) بالحاء المُهْمَلَة، قال سهلٌ: «أتدرون ما التَّصفيح؟ هو التَّصفيق»، وهو يدلُّ على ترادُفِهِمَا عندَه (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ) «لأنَّه اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة الرَّجل» رواه ابنُ خزيمةَ (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاس التَّصْفِيقَ التَفَتَ) رضي الله تعالى عنه (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) أي: أشار إليه بالمكث (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَيْهِ) بالتَّثنيَّة (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى بلسانه (عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ (٢)) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقتِ: «على ما أَمَرَ به» (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الوجاهة في الدِّين، وليس في رواية الحُمَيْديِّ عن سفيانَ -حيث قال: فرفع أبو بكرٍ رأسه إلى السَّماء (٣) شكرًا لله تعالى- ما يمنع ظاهر قولِه: «فحمد الله» من (٤) تلفُّظه بالحمد (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ) أي: تأخَّر (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ من غير استدبارٍ للقِبْلَةِ ولا انحرافٍ عنها (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى) بالنَّاس.