والأَصيليِّ (١): «ربَّنا ولك الحمد» أي: بعد أن تقولوا: سمع الله لمن حمده (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) عقب سجوده (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا) جمع جالسٍ (أَجْمَعُونَ) بالرَّفع تأكيدٌ لفاعل: «صلُّوا»، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «أجمعين» بالنَّصب تأكيدٌ لـ «جلوسًا»، وهذا منسوخٌ بما في مرض موته من صلاته جالسًا وهم قيامٌ كما مرَّ [خ¦٦٨٨] (وَأَقِيمُوا الصَّفَّ) أي: عدِّلوه (فِي الصَّلاة فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاة) الزَّائد على تمامها (٢)، فليس بفرضٍ بل زائدٌ عليه، فالأمر للاستحباب بدليل تعليله بقوله: «فإنَّ إقامة الصَّفِّ … » إلى آخره (٣)، فإن قلت: ما ترجم به غير ما في الحديث. أُجيب بأنَّه (٤) أراد أن يبيِّن المراد بالحسن هنا، وأنَّه لا يُعنَى به الظَّاهر المرئيُّ من التَّرتيب، بل المقصود به الحسن الحكميُّ.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
٧٢٣ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ
стр. 2067
قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر «قال: قَالَ رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ) بالجمع، وللأَصيليِّ: «الصَّفِّ» بالإفراد، والمراد: الجنس (١) (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاة) أي: من تمامها كما عند الإسماعيليِّ والبيهقيِّ، واستدلَّ به على سنيَّة التَّسوية.
(٧٥) (بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ) عند القيام إلى الصَّلاة، وللأَصيليِّ: «من لم يتمَّ الصَّفَّ» بالإفراد، وسقط له لفظ «باب» ولابن عساكر: «يُقِمِ الصُّفوف» بالقاف بدل الفوقيَّة وميم «يتمَّ» مُشدَّدةٌ مفتوحةٌ، وجوَّز البدر الدَّمامينيُّ كسرها على الأصل، قال: ولاسيَّما قبلها كسرٌ (٢) يمكن أن يُراعى في الاتباع.
٧٢٤ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم والذَّال المُعجَمَة (٣)، المروزيُّ نزيل البصرة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بكسر العين في الأوَّل، وضمِّها وفتح المُوحَّدة في الثَّاني (الطَّائِيُّ) الكوفيُّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الشِّين المُعجَمَة في الأوَّل، وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة وتخفيف السِّين المُهْمَلَة بعد المُثنَّاة التَّحتيَّة في الثَّاني (الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط لفظ «ابن مالكٍ» عند ابن عساكر (أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ) من البصرة (فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ) أي: أيَّ
стр. 2068
شيءٍ أنكرت (مِنَّا مُنْذُ) ولغير المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما أنكرتَ مُنْذُ (١)» (يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟) وجوَّز البرماويُّ -كالزَّركشيِّ- في ميم «يوم» التَّثليث (٢)، لكن قال في «مصابيح الجامع»: إنَّ ظاهره أنَّ الثَّلاثة حركات إعرابٍ، وليس كذلك؛ فإنَّ الفتح هنا حركة بناءٍ قطعًا (قَالَ) أنسٌ: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) فإن قلت: الإنكار قد يقع على ترك السُّنَّة، فلا يدلُّ على حصول الإثم، فكيف المطابقة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجيب باحتمال أن يكون المؤلِّف أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: «سوُّوا» [خ¦٧٢٣] ومن عموم قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] ومن ورود الوعيد على تركه، فترجَّح عنده بهذه القرائن أنَّ إنكار أنسٍ إنَّما وقع على ترك الواجب، نعم مع القول بوجوب التَّسوية صلاةُ من لم يسوِّ صحيحةٌ، ويؤيِّده أنَّ أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بالإعادة، والجمهور على أنَّه (٣) سنَّةٌ، وليس الإنكار (٤) لِلُّزوم (٥) الشَّرعيِّ، بل للتَّغليظ والتَّحريض على الإتمام.
стр. 2069
(وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين فيهما، وسكون القاف وفتح المُوحَّدة في «عُقْبَة»، وهو أبو (١) الرَّحَّال؛ بفتح الرَّاء والحاء المُشدَّدة (٢) المهملتين، وهو أخو سعيد بن عُبَيْدٍ السَّابق، وليس لعقبة هذا في البخاريِّ إلَّا هذا التَّعليق الموصول عند أحمد في «مُسنَده» عن يحيى القطَّان، عن عُقْبَةَ بنِ عُبَيْدٍ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح المُعجَمَة: (قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ المَدِينَةَ بِهَذَا) أي: بالمذكور، والفرق بين الطَّريقين أنَّه أراد بالثَّاني بيان سماع بُشَير بن يسارٍ له من أنسٍ، وسقط لابن عساكر وأبي ذَرٍّ «بن مالكٍ».
(٧٦) (بابُ إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ).
(وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) هو ابن سعيد بن ثعلبة، الأنصاريُّ الخزرجيُّ المدنيُّ، الصحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، سكن الشَّام ثمَّ وُليَّ إمرة الكوفة: (رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ) وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة.
٧٢٥ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) الحرَّانيُّ، سكن مصر، ولابن عساكر: «عمرٌو؛ وهو ابن خالدٍ» (قَالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ
стр. 2070
مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) قال أنسٌ: (وَكَانَ أَحَدُنَا) في زمنه ﷺ (يُلْزِقُ) بالزَّاي (مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ) المراد بذلك: المبالغة في تعديل الصَّفِّ وسدِّ خلله، وقد ورد الأمر بسدِّ خلل الصَّفِّ والتَّرغيب فيه في أحاديث كحديث ابن عمر المرويِّ عند أبي داود، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم، ولفظه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أقيموا الصُّفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدُّوا الخلل، ولا تَذَروا فرجاتٍ للشَّيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله ».
(٧٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَامَ الرَّجُلُ) المأموم (عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ خَلْفَهُ) بالنَّصب على الظَّرفية، أي: في خلفِه أو بنزع الخافض، أي: من خلفه (إِلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) أي: المأموم أو الإمام، قال البَرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: والإمام وإن كان أقرب إِلَّا أنَّ الفاعل وإن
стр. 2071
تأخَّر لفظًا فمُقدَّمٌ رتبةً، فتساويا. انتهى. وتُعِقَّبَ بأنَّه إذا عاد (١) الضَّمير للإمام أفاد أنَّه احترز أن يحوِّله من بين يديه؛ لئلَّا يصير كالمارِّ بين يديه. انتهى. وقد تقدَّم أكثر لفظ هذه التَّرجمة قبل بنحو عشرين بابًا [خ¦١٠/ ٥٨ - ١١١١] لكن ليس هناك لفظ: «خلفه»، وقال هناك: «لم تفسد صلاتهما»، وهو يدلُّ على جواز رجوع الضَّمير هنا إليهما.
٧٢٦ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بضمِّ القاف في الأوَّل، وكسر العين في الآخر، وسقط «بن (٢) سعيدٍ» لأبي ذَرٍّ (قَالَ: حدَّثنا دَاوُدُ) بنُ عبدِ الرَّحمن العطَّار، المتوفَّى سنة خمسٍ وسبعين (٣) ومئةٍ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلةٍ، وذات: مقحمة، قال جار الله: وهو من إضافة المسمَّى إلى اسمه (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) فيه: أنَّ الفعل القليل غير مبطلٍ، ودلالة التَّرجمة فيه من قوله: «عن يساره … » إلى هنا (فَصَلَّى) ﵊ (وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ) ولابن عساكر: «فجاء» بحذف ضمير المفعول (فَقَامَ وَصَلَّى) بالواو، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فصلَّى» بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن (٤) الحَمُّويي والمُستملي: «يصلي» بالمُثنَّاة
стр. 2072
التَّحتيَّة بلفظ المضارع (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) لأنَّ نومه لا ينقض وضوءه؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبُه.
وبقيَّة مباحث الحديث تقدَّمت في «باب السَّمر في العلم» (١) [خ¦١١٧] و «تخفيف الوضوء» [خ¦١٣٨].
(٧٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا).
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] المُفسَّر بأنَّ ﴿الرُّوحُ﴾ وهو مَلَكٌ يكون وحده صفًّا، و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ صفًّا آخر، أو المراد: أنَّها إذا وقفت وحدها غير مختلطةٍ بالرِّجال تكون في حكم الصَّفِّ.
٧٢٧ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ الجعفيُّ (قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ إِسْحَاقَ) بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ) هو ضميرةُ بنُ أبي ضميرةَ؛ بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة، الصَّحابيُّ ابنُ الصَّحابيِّ، وأتى بالضَّمير المرفوع ليصحَّ العطف عليه، ولم يشترطه الكوفيُّون (فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين عطفُ بيانٍ، واسمها: سهلة أو رُمَيثة أو الرُّميصاء، زوجةُ أبي طلحةَ، تصلِّي (خَلْفَنَا).
стр. 2073
استُنْبِطَ منه: أنَّ المرأة لا تصفُّ مع الرِّجال؛ لِمَا يُخشَى من الافتتان بها، فلو خالفت أَجْزَأَتْ صلاتُها عند الجمهور، نعم عند الحنفيَّةِ تفسد صلاة الرَّجل دونها، ولو صلَّى الرَّجل وحده دون الصَّفِّ صحَّت صلاته عند الشَّافعي ومالك وأبي حنيفة ﵃، ولكن يُكرَه عند الشَّافعية، فليدخل في (١) الصَّفِّ إن وجد سعةً، وإلَّا فليجرَّ شخصًا منه بعد الإحرام، وليساعده المجرور فيقف معه صفًا، روى البيهقيُّ: أنَّه ﷺ قال لرجل صلَّى خلف الصف: «أيُّها الرَّجل (٢) المصلِّي، هلَّا دخلت الصَّفَّ، أو جررت رجلًا من الصَّفِّ فيصلِّي معك؟ أعد صلاتك» وضعَّفه، والأمر بالإعادة للاستحباب، ويؤخذ من الكراهة فوات فضيلة الجماعة.
(٧٩) (بابُ مَيْمَنَةِ المَسْجِدِ وَالإِمَامِ) سقط «الباب» للأَصيليِّ.
٧٢٨ - وبالسَّند قال (٣): (حدَّثنا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حدَّثنا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ)
стр. 2074
بالمثلَّثةِ في الأوَّل، و «يزيد» من الزِّيادة، الأحول البصريُّ قال: (حدَّثنا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول البصريُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِي أَوْ) قال: (بِعَضُدِي) شكٌّ من الرَّاوي أو من ابنِ عبَّاسٍ (حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار بها: تحوَّل (مِنْ وَرَائِي) أو المراد من وراء ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من ورائه» قال (١) العينيُّ -كابن حجرٍ-: وهذا أوجه، والضَّمير للرَّسول ﵊.
ومطابقته للتَّرجمة من جهة الإمام، ولأبي داودٍ بإسنادٍ حسنٍ عن عائشةَ مرفوعًا: «إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون على ميامن الصُّفوف» ولا يُعارِضُه قوله ﵊ في حديث ابن عمرَ المرويِّ عند ابن ماجه لمَّا تعطَّلت ميسرةُ المسجدِ: «من عمَّر ميسرة المسجد كُتِبَ له كفلان من الأجر» لأنَّ ما ورد لمعنًى عارضٍ يزول بزواله، لاسيَّما والحديث في إسناده مقالٌ.
ورواة حديث الباب ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وفيه: من يلقَّب بالأحول عن الأحول (٢)، وساقه المؤلِّف هنا مختصرًا.
(٨٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ) المقتدين به (حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ) لا يضرُّ ذلك وهذا مذهب المالكيَّة. نعم إذا جمعهما مسجد، وعلم بصلاة الإمام بسماع تكبيره أو بتبليغٍ جاز عند الشَّافعيَّة لإجماع الأمة على ذلك، كما سيأتي قريبًا.
стр. 2075
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ) أي: الإمام (نَهْرٌ) سواءٌ كان محوجًا إلى سباحة أم لا، وهذا هو الصَّحيح عند الشَّافعيَّة، ولابن عساكر: «نُهَيْرٌ» بضمِّ النُّون وفتح الهاء مصغَّرًا، وهو يدلُّ على أنَّ المراد: الصَّغير؛ وهو الَّذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحةٍ، وهذا لا يضرُّ جزمًا، وهذا التَّعليق قال ابن حجرٍ: لم أره موصولًا بلفظه، وروى سعيد بن منصورٍ بإسناد صحيحٍ عنه: في الرَّجل يصلِّي خلفَ الإمام وهو فوق سطحٍ يأتمُّ به: لا بأس بذلك.
(وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم آخره زايٌ مُعْجَمَةٌ، اسمه: لاحقٌ -بالحاء المُهْمَلَة والقاف- ابن حُمَيْدٍ -بضمِّ الحاء- ابن سعيدٍ البصريُّ، الأعور التَّابعيُّ، المُتَوَفَّى سنة مئةٍ أو إحدى ومئةٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبةَ: (يَأْتَمُّ) المصلِّي (بِالإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ) مطروقٌ، وهذا هو (١) الصَّحيحُ عند الشَّافعية فغير المطروق من بابٍ أَوْلَى (أَوْ) كان بينهما (جِدَارٌ) وجمعهما مسجدٌ (إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ) أو مبَلِّغٍ عنه لإجماع الأمَّة على ذلك، ورحبةُ المسجد ملحقةٌ به، وحكم المساجدِ المتلاصقةِ المتنافذةِ كمسجدٍ على الأصحِّ، وإن صلى به خارج المسجد واتصلت به الصَّفوف جازت صلاته لأنَّ ذلك يعدُّ جماعةً، وإن انقطعت ولم يكن دونه حائل جازت إذا لم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع تقريبًا، وإن كانا في بناءين
стр. 2076
كصحنٍ وصفَّةٍ أو بيتٍ فطريقان؛ أصحُّهما: إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالًا وجب اتصال صفٍّ من أحد البناءين بالآخر لأن اختلاف البناء يُوجِب كونهما متفرِّقين، فلا بدَّ من رابطةٍ يحصل بها الاتصال، ولا تضرُّ فرجةٌ لا تسع واقفًا، وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإمام فالصَّحيح صحَّة القدوة بشرط ألَّا يكون بين الصَّفين أكثر من ثلاثة أذرعٍ تقريبًا، والطَّريق الثَّاني -وصحَّحها النَّوويُّ تبعًا لمعظم العراقيِّين-: لا يُشتَرط إِلَّا القرب كالفضاء، فيصحُّ ما لم يزد ما (١) بينه (٢) وبين آخر صفٍّ على ثلاث مئة ذراعٍ إن لم يكن حائلٌ، فإن حال (٣) بينهما حائلٌ يمنع الاستطراق والمشاهدة كالحائط لم يصحَّ باتفاق الطَّريقين؛ لأنَّ الحائط معدٌّ (٤) للفصل بين الأماكن، وإن منع الاستطراق دون المشاهدة بأن يكون بينهما شبَّاكٌ فالأصحُّ في أصل «الرَّوضة» البطلان.
стр. 2077
٧٢٩ - وبالسَّند قال (١): (حدَّثنا) ولأبوي ذر والوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدٌ) ولابن عساكر: «محمَّد ابن سلام» وبه قال أبو نُعَيْمٍ، وهو السُّلميُّ البِيْكَنْدِيُّ؛ بكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الكاف وسكون النُّون، واختلف في لام أبيه، والرَّاجح التَّخفيف، قَالَ: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة، ابن سليمان الكوفيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يصلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ) وفي رواية حمَّاد بن زيدٍ عن يحيى عند أبي نُعَيْمٍ: «في حجرةٍ من حُجَرِ أزواجه» وهو يوضِّح أنَّ المراد حجرة بيته، لا الَّتي كان احتجرها في المسجد بالحصير، ويدلُّ له ذكر جدار الحجرة، لكن يُحتَمَل أن تكون هي المراد، ويكون ذلك تعدُّدٌ منه ﵊ (فَرَأَى النَّاس شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من غير تمييزٍ منهم لذاته المُقدَّسةِ لأنَّه كان ليلًا فلم يبصروا إلَّا شخصه (فَقَامَ أُنَاسٌ) بهمزةٍ مَضمُومةٍ، وللأربعة: «فقام ناس» (يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ) ﵊ مُتلبِّسين (٢) بها، أو مقتدين بها، وهو داخل الحجرة وهم خارجها، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى، وفيه: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة (فَأَصْبَحُوا) دخلوا في الصَّباح، وهي تامَّة (فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ) الغداة (الثَّانِيَةِ) وللأَصيليِّ: «فقام الليلة الثانية» من باب إضافة الموصوف إلى صفته (فَقَامَ مَعَهُ) ﵊ (أُنَاسٌ) بالهمزة (٣)، وللأَصيليِّ: «ناسٌ» (يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ) أي: الاقتداء به ﵊ (لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) وللأربعة: «أو ثلاثًا» (حَتَّى إِذَا كَانَ) الوقت أو الزَّمان (بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَخْرُجْ) إلى الموضع المعهود الَّذي صلَّى فيه تلك الصَّلاة (٤) اللَّيلتين أو الثَّلاث (٥) (فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ) لرسول الله ﷺ ، ولمعمرٍ عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة عند عبد الرَّزاق: أنَّ الَّذي خاطبه بذلك عمر بن الخطَّاب (٦) ﵁ (فَقَالَ) ﷺ : (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ) أي: تفرض (عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ) أي: من طريق الأمر
стр. 2078
بالاقتداء به ﵊ لأنَّه كان يجب عليه التَّهجُّد، لا من جهة إنشاء فرضٍ آخر زائدٍ على الخمسة، ولا يعارضه قوله (١) في ليلة الإسراء: «لا يبدل القول لديَّ» [خ¦٣٤٩] فإنَّ ذاك (٢) المراد به في التَّنقيص، كما دلَّ عليه السِّياق.
(٨١) (بابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ) كذا في رواية المُستملي وحده، ولا وجه لذكره هنا لأنَّ الأبواب هنا في الصُّفوف وإقامتها، وصلاة اللَّيل بخصوصها أفرد لها المؤلِّف كتابًا مفردًا في هذا الكتاب.
٧٣٠ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) بضمِّ الفاء وفتح الدَّال المُهْمَلَة وسكون التَّحتيَّة وبالكاف، ولأبي ذَرِّ: «ابن أبي الفديك» بالألف واللام، واسمه: محمَّد بن إسماعيل بن أبي مسلم بن أبي فديكٍ، واسم أبي فديكٍ: دينارٌ الدَّيلميُّ المدنيُّ (قَالَ: حدَّثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمَة وسكون الهمزة آخره موحَّدة، محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ هشام المدني (عَنِ المَقْبُِرِيِّ) بفتح الميم وسكون القاف، وضمِّ المُوحَّدة وكسرِها، وقد تفتح، نسبةً لمجاورته المقبرة، سعيد بن أبي سعيدٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ) وللأَصيليِّ: «يبتسطه» بمثنَّاة فوقيَّة بعد المُوحَّدة وكسر السِّين (وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ) بالرَّاء المُهْمَلَة، أي: يتخذه كالحجرة فيصلِّي فيها، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «ويحتجزه» بالزاي (٤)، أي: يجعله حاجزًا بينه وبين غيره (فَثَابَ) بمثلَّثة وموحَّدة بينهما ألفٌ، أي: اجتمع (٥)، ولأبي الوقت
стр. 2079
وابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «فثار» بالرَّاء بدل المُوحَّدة، أي: ارتفع أو قام (إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا) وللأربعة بدل قوله: «فصلَّوا»: «فصفُّوا» (وَرَاءَهُ) ﷺ .
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّة، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٦١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٧٣١ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بتشديد الميم، ابن نصرٍ (قَالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالدٍ (قَالَ: حدَّثنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاشٍ الأسديِّ (٢) (عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ) بسكون الضَّاد المُعجَمَة، ابن أبي أميَّة (عَنْ بُسْرِ (٣) بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون المُهْمَلَة في الأوَّل، وكسر العين في الثَّاني (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ، كاتب الوحي ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً) بالرَّاء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٤): «حجزةً» بالزَّاي، أي: شيئًا حاجزًا؛ يعني: مانعًا بينه وبين النَّاس (قَالَ) بُسْرٌ: (حَسِبْتُ) أي: ظننت (أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ
стр. 2080
جَعَلَ) أي: طفق (يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ) ولابن عساكر: «علمت» (الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ) بفتح الصَّاد وكسر النُّون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «من صُنْعِكُم» بضمِّ الصَّاد وسكون النُّون، أي: حرصكم على إقامة صلاة التَّراويح، حتَّى رفعتم أصواتكم وصحتم (١)، بل حصب بعضهم الباب لظنِّهم نومه ﵊ (فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاس فِي بُيُوتِكُمْ) أي: النَّوافل الَّتي لم تُشرَع فيها الجماعة (فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاة صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ) ولو كان المسجد فاضلًا (إِلَّا) الصَّلوات الخمس (المَكْتُوبَةَ) وما شُرِعَ في جماعةٍ كالعيد والتَّراويح، فإنَّ فعلها في المسجد أفضلُ منها في البيت، ولو كان مفضولًا، وكذا تحيَّة المسجد فإنَّها لا تشرع في البيت.
ورواة هذا الحديث ثلاثةٌ مدنيُّون، وعبدُ الأعلى أصله من البصرةِ، وسكن بغدادَ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٠] وفي «الأدب» [خ¦٦١١٣]، ومسلم في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(قَالَ عَفَّانُ) بن مسلمِ بن عبد الله الباهليُّ الصَّفار البصريُّ، المتوفَّى بعد المئتين: (حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حدَّثنا مُوسَى) بن عقبةَ (قال: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ) بن أبي أميَّة (عَنْ بُسْرٍ) هو ابن سعيد (عَنْ زَيْدٍ) أي: ابن ثابتٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفائدةُ (٢) هذا الطَّريق بيانُ سماع موسى بن عقبةَ له من أبي النَّضر، وسقط ذلك كلُّه من رواية
стр. 2081
غير كريمةَ، وكذا لم يذكر ذلك الإسماعيلي ولا أبو نُعَيمٍ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف ﵀ من بيان أحكام الجماعة والإمامة وتسوية الصُّفوف شَرَعَ في بيان صفة الصَّلاة وما يتعلَّق بذلك فقال:
(٨٢) (بابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ) للإحرام (وَافْتِتَاحِ الصَّلاة (١)) أي: مع الشُّروع في الصَّلاة، ومجيء الواو بمعنى «مع» شائعٌ (٢) ذائعٌ، وأطلق الإيجاب والمراد الوجوب؛ تجوُّزًا لأنَّ الإيجاب خطاب الشَّارع، والوجوب ما يتعلَّق بالمُكلَّف وهو المراد هنا، ويتعيَّن على القادر: الله أكبر لأنَّه ﵊ كان يستفتح الصَّلاة به، رواه ابن ماجه وغيره، وفي «البخاريِّ»: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] فلا يقوم مقامه تسبيحٌ ولا تهليلٌ لأنَّه محلُّ اتِّباعٍ، وهذا قول الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، فلا يكفي: الله الكبير، ولا الرَّحمن أكبر، لكن عند الشَّافعيَّة لا تضرُّ زيادةٌ
стр. 2082
لا تمنع الاسم. كـ «الله الجليل أكبر» في الأصحِّ، ومن عجز عن التَّكبير ترجم عنه بأيِّ لغةٍ شاء، ولا يعدل عنه إلى غيره من الأذكار، وقال الحنفيَّة: ينعقد بكلِّ لفظٍ يُقصَد به التَّعظيم خلافًا لأبي يوسف فإنَّه يقتصر على المُعرَّف والمُنكَّر من التَّكبير، فيقول: الله أكبر، الله الأكبر، الله كبيرٌ، الله الكبير، وهل تكبيرة الإحرام ركنٌ أو شرطٌ؟ قال بالأوَّل: الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة بالثَّاني.
٧٣٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ البَهْرانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا) في ذي الحجَّة سنة خمسٍ من هجرته، وأتى الغابة، فسقط عنها (فَجُحِشَ) بضمِّ الجيم وكسر الحاء المُهْمَلَة ثمَّ شينٍ مُعجَمةٍ، أي: خُدِش (شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (¬﵁: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ) ﵊ (لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) زاد في «باب إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به» [خ¦٦٨٨]: «وإذا (١) صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» وهو منسوخٌ بصلاتهم
стр. 2083
خلفه قيامًا وهو قاعدٌ في مرض موته (وَإِذَا رَكَعَ؛ فَارْكَعُوا) وفي الرِّواية التَّالية لهذه [خ¦٧٣٣]: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا» فالتَّكبير هنا مقدَّرٌ إذ الرُّكوع يستدعي سبق التَّكبير بلا ريبٍ، فالمقدَّر كالملفوظ، والأمر للوجوب، وتعيَّنت تكبيرة الإحرام دون غيرها بقوله: وافتتاح الصَّلاة المُفَسَّر بمع الشَّروع فيها كما مرَّ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ: كان ﵊ إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه، ثمَّ قال: «الله أكبر» أخرجه ابن ماجه، وصحَّحَه ابنا خزيمةَ وحبَّان، وحينئذٍ فحصلت المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث الجزء الأوَّل منها (١) وهو إيجاب التَّكبير، ومن (٢) الجزء الثَّاني بطريق اللُّزوم لأنَّ التَّكبير أوَّل الصَّلاة لا يكون إلَّا عند الشُّروع فيها (وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: أجاب دعاء الحامدين (فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) أي: بعد قولكم: «سمع الله لمن حمده» فقد ثبت الجمع بينهما من فعله ﵊، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فـ «سمع الله لمن حمده» للارتفاع، و «ربَّنا ولك الحمد» للاعتدال، وسقط لغير أبي ذَرٍّ عن المُستملي «وإذا سجد فاسجدوا» (٣).
ورواة هذا الحديث حمصيَّان ومدنيَّان، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالجمع والإفراد، والعنعنة، وهذا الحديث والتَّالي له حديثٌ واحدٌ عن الزُّهريِّ عن ثابتٍ، لكنَّه من طريقين: شعيبٌ واللَّيث، فاختصره شعيبٌ، لكنَّه صرَّح الزُّهريُّ فيهما بإخبار أنسٍ، وأتمَّه اللَّيث.
стр. 2084
٧٣٣ - وبه قال: (حدَّثنا قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: «ابْنُ سَعِيدٍ» (قَالَ: حدَّثنا لَيْثٌ) بالمثلَّثة، هو ابن سعدٍ، وللأربعة: «اللَّيث» بلام التَّعريف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: خَرَّ) بفتح الخاء المُعجَمَة وتشديد الرَّاء، أي: سقط (رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ) بتقديم الجيم على الحاء وآخره شين (١) مُعْجَمَةٌ، أي: خدشٍ؛ وهو قشر جلد العضو، وفي رواية: «فجحش ساقه» (فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ) وفي رواية: «فصلَّينا وراءه» (قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «فلمَّا انصرف» (فَقَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ -أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ- لِيُؤْتَمَّ بِهِ) يحتمل أن يكون «جعل» بمعنى: سُمِّي، فيتعدَّى إلى مفعولين؛ أحدهما: الإمام القائم مقام الفاعل، والثَّاني: محذوفٌ، أي: إنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا، ويحتمل أن يكون بمعنى: «صار» أي: إنَّما صُيِّرَ الإمام إمامًا، ويحتمل أن يكون فاعله (٣) ضمير «الله» أي: جعلَ اللهُ الإمامَ أو ضميرَ النَّبيِّ (٤) ﷺ ، واللَّام في «لِيُؤْتَمَّ به» لام «كي»، والفعل منصوبٌ بإضمار «أن»، والشَّكُّ في زيادة لفظ: «جُعِل» من الرَّاوي (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) الأمر للوجوب، وهو موضع التَّرجمة، ومراده: الرَّدُّ على القائل من السَّلف: إنَّه يجوز الدُّخول في الصَّلاة بغير لفظٍ، بل بالنِّيَّة فقط، وعلى القائل: إنَّه (٥) يجوز الدُّخول فيها بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التَّعظيم كما مرَّ عن أبي حنيفة، ووجوبه على المأموم ظاهرٌ من الحديث، وأمَّا الإمام فمسكوتٌ عنه، ويمكن أن يُقال: في السِّياق إشارةٌ إلى الإيجاب لتعبيره بـ «إذا» الَّتي تختصُّ
стр. 2085
بما يجزم بوقوعه، والأمر شاملٌ لكلِّ التَّكبيرات إِلَّا أنَّ الدَّليل من خارجٍ أخرج غير تكبيرة الإحرام من الوجوب إلى السُّنِّيَّة كـ «ربَّنا ولك الحمد»، واستُدِلَّ به على أنَّ أفعال المأموم تكون متأخِّرةً عن أفعال الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فراغ الإمام من التَّكبير، ويركع بعد شروع الإمام في الرُّكوع، وقبل رفعه منه، وكذا سائر الأفعال، فلو قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، أو في غيرها كُرِه، وفاتته فضيلة الجماعة، واستدلال ابن بطَّالٍ وابن دقيق العيد بذلك بأنَّه رتَّب فعله على فعل الإمام بالفاء المقتضية للتَّرتيب والتَّعقيب (١)، تعقَّبه الوليُّ ابن (٢) العراقي بأنَّ الفاء المقتضية للتَّعقيب هي العاطفة، أمَّا الواقعة في جواب الشَّرط فإنَّما هي للرَّبط، قال: والظَّاهر أنها (٣) لا دلالة لها على التَّعقيب، على أنَّ في دلالتها على التَّعقيب مذهبين، حكاهما أبو حيَّان في «شرح التَّسهيل»، ولعلَّ أصلهما: أنَّ الشَّرط مع الجزاء أو متقدِّمٌ (٤) عليه، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّعقيب إن قلنا به فليس من الفاء، وإنَّما هو من ضرورة تقدُّم الشَّرط على الجزاء، والله أعلم. انتهى. (وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا) مفعول «فارفعوا» محذوفٌ كمفعول «فاركعوا» (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ) بغير واوٍ، وفي السَّابقة [خ¦٧٣٢] بإثباتها، وهما سواءٌ كما قال أصحابنا، نعم في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت
стр. 2086
والأَصيليِّ وابن عساكر: «ولك الحمد» بالواو، وهو (١) يتعلَّق (٢) بما قبله، أي: سمع الله لمن حمدهُ، يا ربَّنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا).
٧٣٤ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) هو (٣) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ) تكبيرة الإحرام أو غيرها (فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ؛ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو، أي: بعد أن تقولوا: «سمع الله لمن حمده» كما ثبت من فعله ﵊ وإن كان ظاهر الحديث أنَّ المأموم لا يزيد على: «ربَّنا ولك الحمد» لكن ليس فيه حصرٌ (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ) بالرَّفع توكيدٌ للضَّمير في «فصلُّوا»، أو للضَّمير المستكن في الحال وهو «جلوسًا»، وقِيلَ رُوِي: «أجمعين» بالنَّصب على الحال من ضمير «جلوسًا»، لا مُؤكِّدًا لـ «جلوسًا» لأنَّه نكرةٌ فلا يُؤكَّد، ورُدَّ كونه حالًا بِأنَّ المعنى ليس عليه، وأنَّه لم يجئ في «أجمعين» إلَّا التَّأكيد في المشهور، لكن أجاز ابن دَرَسْتَويه حاليَّةَ «أجمعين»، وعليه تتخرَّج رواية النَّصب إن ثبتت، والأصحُّ على
стр. 2087
تقدير ثبوتها أنَّها على بابها للتَّوكيد، لكن توكيدٌ لضميرٍ منصوبٍ مُقدَّرٍ، كأنَّه قال: أعنيكم أجمعين (١)، ولا يخفى ما فيه من البعد (٢).
قلت: ثبت فيما سبق في (٣) «باب إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به» [خ¦٦٨٨] من رواية أبوي الوقت وذَرٍّ: «أجمعين» بالنَّصب، مع ما فيه (٤)، وهذا الحكم منسوخٌ بما ثبت في مرض موته، ويُستفاد من ذلك: وجوب متابعة الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فراغ الإمام منه، فإن شرع فيه قبل فراغه لم تنعقد لأنَّ الإمام لا يدخل في الصَّلاة إِلَّا بالفراغ من التَّكبير، فالاقتداء به في أثنائه اقتداءٌ بمن ليس في صلاةٍ بخلاف الرُّكوع والسُّجود ونحوهما، فيركع بعد شروع الإمام في الرُّكوع، فإن قارنه أو سبقه فقد أساء ولا تبطل، وكذا في السُّجود، ويسلِّم بعد سلامه، فإن سلَّم قبله بطلت إلَّا أن ينوي المفارقة، أو معه فلا تبطل لأنَّه تحلَّل فلا حاجة فيه للمتابعة، بخلاف السَّبق فإنَّه منافٍ للاقتداء.
(٨٣) (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى مَعَ الاِفْتِتَاحِ) بالتَّكبير أو بالصَّلاة، وهما متلازمان حال كون رفع اليدين مع الافتتاح (سَوَاءً).
стр. 2088
٧٣٥ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ) استحبابًا (١) (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) بالحاء المُهْمَلَة والذَّال المُعجَمَة، أي: إزاءهما، ندبًا لا فرضًا خلافًا لأحمد بن سيَّارٍ المروزيِّ فيما نقله القفَّال في «فتاويه» (٢)، وممَّن قال بالوجوب أيضًا الأوزاعيُّ والحُميديُّ شيخ المؤلِّف، وابن خزيمة من أصحابنا، والمراد بـ «حذو منكبيه» -كما قاله النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» وغيره-: أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أُذنيه، وإبهاماه شحمتي (٣) أُذنيه (٤)، وراحتاه منكبيه (إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاة) أي: يرفعهما مع ابتداء التَّكبير، ويكون انتهاؤه مع (٥) انتهائه، كما هو (٦) الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، ورجَّحه المالكيَّة، وقِيلَ: يرفع بلا تكبيرٍ، ثمَّ يبتدئ التَّكبير مع إرسال اليدين وقبل أن يرفع، وقال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: الأصحُّ يرفع ثمَّ يكبِّر لأنَّ الرَّفع صفةُ نفي الكبرياء عن غير الله، والتَّكبير إثباتُ ذلك له، والنَّفي سابقٌ على الإثبات كما في كلمة الشَّهادة (وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ) رفعهما أيضًا (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي (٧): أراد رفعها (مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ) أي: حذو منكبيه
стр. 2089
(أَيْضًا) جوابٌ لقوله: «وإذا رفع رأسه» (وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: رفع يديه (فِي) ابتداء (السُّجُودِ) ولا في الرَّفع منه، وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وقال الحنفيَّة: لا يرفع إلَّا في تكبيرة الإحرام، وهو رواية ابن القاسم عن مالكٍ، قال ابن دقيق العيد: وهو المشهور عند أصحاب مالكٍ، والمعمول به عند المتأخِّرين منهم، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه منسوخٌ (١)، وقال أبو العبَّاس القرطبيُّ: مشهور مذهب مالكٍ أنَّ الرَّفع في المواطن الثَّلاثة هو آخر أقواله وأصحُّها، والحكمة في الرَّفع أن يراه الأصمُّ فيعلم دخوله في الصَّلاة كالأعمى يعلم بسماع التَّكبير، أو إشارةٌ إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، أو ليستقبل بجميع بدنه، وقال الشَّافعيُّ: هو تعظيمٌ لله واتِّباعٌ لسُنَّة رسول الله ﷺ (٢).
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(٨٤) (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ) أي: إذا أراد التَّكبير للافتتاح، وإذا أراد الرُّكوع (وَ) رفعهما (إِذَا رَفَعَ) رأسه من الرُّكوع.
٧٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، جاور بمكَّة وتُوفِّي سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا (٣) يُونُسُ) بن
стр. 2090
يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولابن عساكر زيادة: «ابن عمر» (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ولأبي ذَرٍّ: «عن أبيه أنَّه» (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ) أي: شرع فيها (رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «تكونا» بالفوقيَّة (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) بالتَّثنية (وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: يرفع (١) يديه (حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ) أي: عند ابتداء الرُّكوع كإحرامه حذو منكبيه مع ابتداء التَّكبير (وَيَفْعَلُ ذَلِكَ) أيضًا (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) أي: إذا أراد الرَّفع منه أيضًا (وَيَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: الرَّفع (فِي السُّجُودِ) أي: لا في الهويِّ إليه، ولا في الرَّفع منه، وروى يحيى القطَّان عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا هذا الحديث، وفيه: «ولا يرفع بعد ذلك» أخرجه الدَّارقُطنيُّ في «غرائب مالكٍ» بإسنادٍ حسنٍ، وظاهره يشمل النَّفي عمَّا عدا هذه المواضع الثَّلاثة، وقد روى رفع اليدين في الحديث خمسون (٢) من الصَّحابة، منهم العشرة.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ وأيليٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالجمع والإفراد، والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ، زاد ابن عساكر هنا: «قال محمَّدٌ، أي: البخاريُّ: قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند تكبيرة الإحرام وغيرها ممَّا ذُكِر لحديث الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن (٣) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵃».
стр. 2091
٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) هو ابن شاهين (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ) الحَّذاء، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «حدَّثنا خالد» (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (أَنَّهُ) أي: أنَّ (٢) أبا قلابة (رَأَى مَالِكَ بْنَ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الواو آخره مُثلَّثةٌ، اللَّيثيَّ (إِذَا صَلَّى) أي: شرع (٣) في الصَّلاة (كَبَّرَ) للإحرام (وَرَفَعَ يَدَيْهِ) حتَّى يكونا حذو منكبيه، ولـ «مسلمٍ»: «ثمَّ رفع يديه» (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ) مع التَّكبير (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ) وهذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد خلافًا لأبي حنيفة ومالكٍ في أشهر الرِّوايات عنه، واستدلَّ الحنفيَّة برواية مجاهدٍ: أنَّه صلَّى خلف ابن عمر، فلم يَرَهُ يفعل ذلك، وأُجيب بالطَّعن في إسناده لأنَّ أبا بكر بن عيَّاشٍ ساء حفظه بأَخَرَةٍ، وعلى تقدير صحَّته فقد أثبت ذلك سالمٌ ونافعٌ وغيرهما عنه، والمُثبِت مُقدَّمٌ على النَّافي، وأيضًا فإنَّ ابن عمر لم يكن يراه واجبًا، ففعله تارةً وتركه أخرى، ورُوِي عن بعض الحنفيَّة بطلان الصَّلاة به، وأمَّا الرَّفع في تكبيرة الإحرام فعليه الإجماع، وإنَّما قال: أراد في الرُّكوع لأنَّه فيه عند إرادته بخلاف رفعهما في رفع الرَّأس منه، فإنَّه عند نفس الرَّفع لا عند إرادته، وكذا في: إذا صلَّى كبَّر لأنَّ التَّكبير عند فعل الصَّلاة. قال أبو قلابة: (وَحَدَّثَ) مالك بن الحويرث (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا) أي: مثل ما صنع
стр. 2092
مالك بن الحويرث، والواو للحال لا للعطف على رأيٍ لأنَّ المحدِّث مالكٌ، والرَّائي أبو قلابة.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة.
(٨٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ) المصلِّي (يَدَيْهِ) عند افتتاح الصَّلاة وغيره.
(وَقَالَ): وحذفَ الواوَ الأَصيليُّ وابن عساكر (١) (أَبُو حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، عبد الرَّحمن بن سعدٍ السَّاعديُّ الأنصاريُّ ممَّا هو موصولٌ عنده في «باب سُنَّة الجلوس في التَّشهُّد» [خ¦٨٢٨] (فِي أَصْحَابِهِ) أي: حال كونه بين أصحابه من الصَّحابة ﵃: (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: يديه (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) ولابن عساكر: «إلى حذو منكبيه».
٧٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) بالجمع، وللأربعة: «أخبرني» (سَالِمُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولابن عساكر: «رأيت (٢) رسول الله» (¬ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) بفتح الميم وكسر الكاف تثنية مَنْكِبٍ: وهو مجمع عظم العضد والكتف، أي: إزاء منكبيه، وبهذا أخذ الشَّافعيُّ والجمهور خلافًا للحنفيَّة حيث أخذوا بحديث مالك بن الحويرث عند مسلمٍ، ولفظه: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كبَّر رفع يديه حتَّى يحاذيَ بهما أذنيه»
стр. 2093
وفي روايةٍ: «حتَّى يحاذي فروع أذنيه»، وقد جمع الشَّافعيُّ بينهما فقال: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أُذنيه، أي: أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أُذنيه وراحتاه منكبيه. (وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ) أي: مثل المذكور من رفع اليدين حذو المنكبين (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَهُ) من الرَّفع حذو المنكبين أيضًا (وَقَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) الرَّفع المذكور (حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «ولا حين يرفع من السُّجود» فحذف لفظ (١) «رأسه».
(٨٦) (بابُ رَفْعِ) المصلِّي (اليَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) بعد التَّشهُّد.
٧٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بفتح العين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُعجَمةٌ، ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالسِّين المهملة- البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (كَانَ إِذَا دَخَلَ) أي: إذا (٢) أراد الدُّخول (فِي الصَّلَاةِ) ولابن عساكر: «دخل الصَّلاة» (كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ) حذو منكبيه (وَإِذَا رَكَعَ) كبَّر و (رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ) حذو منكبيه أيضًا (وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) بعد التَّشهُّد (رَفَعَ يَدَيْهِ) كذلك (وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: أضافه إليه، وكذا رفعه عبد الوهَّاب الثَّقفيُّ ومعتمرٌ عن عبيد الله عن الزُّهريِّ عن سالمٍ (٣)
стр. 2094
عن ابن عمر، كما أخرجه المؤلِّف في جزء «رفع اليدين» له، وفيه الزِّيادة، وقد تُوبِع نافعٌ على ذلك عن ابن عمر، وهو فيما رواه أبو داود وصحَّحه المؤلِّف في الجزء المذكور من طريق محارب بن دِثَارٍ عن ابن عمر ﵄ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام في (١) الرَّكعتين كبَّر ورفع يديه» وله شواهدُ منها: حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ، وحديث عليِّ بن أبي طالبٍ، أخرجهما أبو داود وصحَّحهما ابنا خزيمة وحبَّان، وقال المؤلِّف في جزء «الرَّفع»: ما زاده ابن عمر وعليٌّ وأبو حُمَيْدٍ في عشرةٍ من الصَّحابة من الرَّفع عند القيام من الرَّكعتين صحيحٌ لأنَّهم لم يحكوا صلاةً واحدةً فاختلفوا فيها، وإنَّما زاد بعضهم على بعضٍ، والزِّيادة مقبولةٌ من أهل العلم. انتهى. وقال ابن خزيمة: هو سُنَّةٌ، وإن لم يذكره الشَّافعيُّ، والإسناد صحيحٌ، وقد قال: قولوا بالسُّنَّة ودَعُوا قولي. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ وصيَّة الشَّافعيِّ يُعمَل بها إذا عُرِف أنَّ الحديث لم
стр. 2095
يطلَّع عليه الشَّافعيُّ، أمَّا إذا عُرِفَ أنَّه اطَّلع عليه و (١) ردَّه أو تأوَّله بوجهٍ من الوجوه فلا، والأمر هنا محتملٌ، وصحَّح النَّوويُّ تصحيحَ الرَّفعِ، وعبارةُ النَّوويِّ (٢) خلافًا للأكثرين: وقد قال أبو داود: إنَّ الحديث رواه الثَّقفيُّ عن عُبَيْد الله فلم يرفعه، وهو الصحيح (٣)، وكذا رواه موقوفًا اللَّيث وابن جريجٍ ومالكٌ.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود.
(ورَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وصله المؤلِّف في جزء «رفع اليدين» عن موسى بن إسماعيل عن حمَّادٍ مرفوعًا بلفظ: «إذا كبَّر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع».
(وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ) إبراهيمُ (عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا) وصله البيهقيُّ من طريق عمر (٤) بن عبد الله بن رَزِينٍ، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن أيُّوب وموسى بن عقبة، عن نافعٍ
стр. 2096
عن ابن عمر أنَّه «كان يرفع يديه حين يفتتح الصَّلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائمًا من ركوعه حذو منكبيه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك» وقال الدَّارقُطنيُّ: ورواه ابن صخرٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر موقوفًا.
(٨٧) (بابُ وَضْعِ) المصلِّي يده (اليُمْنَى عَلَى) اليد (اليُسْرَى) أي: في حال القيام، وزاد الأَصيليُّ والهرويُّ: «في الصَّلاة» وسقط «الباب» للأَصيليِّ (١).
٧٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة سلمة (٢) ابن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديِّ الأنصاريِّ (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ) الآمرُ لهم النَّبيُّ ﷺ (أَنْ) أي: بأن (يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ (٣) اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) أي: يضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى، والرُّسغ من السَّاعد كما في حديث واثلة المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن خزيمة. والحكمة في ذلك أنَّ القائم بين يديِ الملك الجبَّار يتأدَّب بوضع يده على يده، و (٤) هو أمنع للعبث، وأقرب إلى الخشوع، والرُّسغ: المفصل بين السَّاعد والكفِّ، والسُّنَّة أن يجعلهما تحت صدره لحديثٍ عند ابن خزيمة أنَّه وضعهما تحت صدره (٥) لأنَّ القلب موضع النِّيَّة،
стр. 2097
والعادة أنَّ من احترز على حفظ شيءٍ جعل يديه عليه، وقال في «عوارف المعارف»: إنَّ الله تعالى بلطيف حكمته جعل الآدميَّ محلَّ نظره، ومورد وحيه، ونخبة ما في (١) أرضه وسمائه، روحانيًّا جسمانيًّا أرضيًّا سماويًّا، منتصب القامة، مرتفع الهيئة، فنصفه الأعلى من حدِّ (٢) الفؤاد مُستودَع أسرار السَّموات، ونصفه التَّحتانيُّ مُستودَع أسرار الأرض، فمحلُّ نفسه ومركزها النِّصفُ الأسفل، ومحلُّ روحه الرُّوحانيُّ والقلب النِّصفُ الأعلى فجواذب الرُّوح مع جواذب (٣) النَّفس يتطاردان ويتحاوران (٤) ويتجاذبان (٥) ويتحاربان (٦) ويتحادثان (٧)، وباعتبار تطاردهما وتغالبهما لمَّة الملَك ولمَّة الشَّيطان، ووقت الصَّلاة يكثر التَّطارد لوجود (٨) التَّجاذب بين
стр. 2098
الإيمان والطَّبع، فيكاشف المصلِّي الَّذي صار قلبه سماويًّا، متردِّدًا بين الفناء والبقاء بجواذب النَّفس، متصاعدًا من مركزها، وللجوارح وتصرُّفها وحركتها مع معاني الباطن ارتباطٌ وموازنةٌ، فبوضع اليمين (١) على الشِّمال حَصْرٌ للنَّفس ومَنْعٌ من صعود جواذبها، وأثر ذلك يظهر برفع الوسوسة وزوال حديث النَّفس في الصَّلاة. انتهى. وروى ابنُ القاسم عن مالكٍ الإرسالَ، وصار إليه أكثر أصحابه، وعن الحنفيَّة: يضع يديه تحت سرَّته إشارةً إلى ستر العورة بين يدي الله تعالى، وكان الأصل أن يقول: يضعون، فوضع المُظهَر موضع المُضمَر. (قَالَ أَبُو حَازِمٍ) الأعرج: (لَا أَعْلَمُهُ) ولابن عساكر: «ولا أعلمه» أي: الأمر (إِلَّا) أنَّ سهلًا (يَنْمِي ذَلِكَ) بفتح أوَّله، أي: يسنده ويرفعه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، لا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ: قال إسماعيل» ويعني بمحمَّدٍ: المؤلِّف (يُنْمَى ذَلِكَ) بضمِّ الياء وفتح الميم بالبناء للمفعول (وَلَمْ يَقُلْ) أبو حازمٍ: (يَنْمِي) بفتح أوَّله وكسر الميم؛ كرواية القَعْنَبِيِّ.
стр. 2099
ولمَّا فرغ المؤلِّف (١) من الكلام في وضع اليمنى على اليسرى، وهي صفةُ السَّائل الذَّليل، وأنَّه أقرب إلى الخشوع شَرَعَ يذكر (٢) الخشوع حثًّا للمصلِّي على ملازمته فقال:
(٨٨) (بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ) الصَّلاةُ صلةُ العبد بربِّه، فمن تحقَّق بالصِّلة في الصَّلاة لمعت له طوالع التَّجلِّي فيخشع، وقد شهد القرآن بفلاحِ مُصَلٍّ خاشعٍ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ (٣) فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] أي: خائفون من الله، متذلِّلون له، يُلزِمون أبصارَهم مساجدَهم، وعلامة ذلك ألَّا يلتفت المصلِّي يمينًا ولا شمالًا، ولا يجاوز (٤) بصرُه موضعَ سجوده، صلَّى بعضهم في جامع البصرة، فسقطت ناحيةٌ من المسجد، فاجتمع النَّاس عليها ولم يشعر هو بها، والفلاحُ أَجْمَعُ اسمٍ لسعادة الآخرة، وفقد الخشوع ينفيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهر الأمر الوجوب، فالغفلة ضدهُ (٥)، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصَّلاة لذكره تعالى؟! فافهم واعمل، فليُقْبِلِ العبدُ على ربِّه، ويستحضر بين يدي من هو واقفٌ، كان مكتوبًا في محراب داود ﵊: أيُّها المصلِّي، من أنت؟ ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت؟ ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك؟ ومن ينظر إليك؟ وقال الخرَّاز: ليكن إقبالك
стр. 2100
على (١) الصَّلاة كإقبالك على الله يوم القيامة، ووقوفك بين يديه، وهو مُقْبِلٌ عليك، وأنت تناجيه.
٧٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ (٢): حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: هَلْ تَرَوْنَ) بفتح التَّاء، والاستفهام إنكاريٌّ، أي: أتظنُّون (قِبْلَتِي) أي: مقابلتي ومواجهتي (هَهُنَا) فقط؟ (وَاللهِ مَا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «لا» (يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ) تنبيهٌ لهم على التَّلبُّس بالخشوع في الصَّلاة لأنَّه إنَّما قال لهم ذلك لمَّا رآهم يلتفتون غير ساكنين، وذلك ينافي كمال الصَّلاة، فيكون مُستحَبًّا لا واجبًا؛ إذ لم يأمرهم هنا بالإعادة، وقد حكى النَّوويُّ الإجماع على عدم وجوبه، قال في «شرح التَّقريب»: وفيه نظرٌ، فقد روينا في «كتاب الزُّهد» لابن المبارك عن عمَّار بن ياسرٍ قال: لا يُكتَب للرَّجل من صلاته ما سها عنه، وفي كلام غير واحدٍ من العلماء ما يقتضي وجوبه. انتهى. والخشوع: الخوف أو السُّكون، أو هو معنًى يقوم بالنَّفس، يظهر عنه سكونٌ في الأطراف، يلائم مقصود العبادة. وفي «مُصنَّف ابن أبي شيبة» عن سعيد بن المُسيَّب: أنَّه رأى رجلًا يلعب بلحيته في الصَّلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»، وقد تتحرَّك اليد مع وجود الخشوع، ففي «سنن البيهقيِّ» عن عمرو بن حُرَيْثٍ قال: «كان رسول الله ﷺ ربَّما مسَّ لحيته وهو يصلِّي»، وهذا موضع التَّرجمة. (وَإِنِّي لأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة، أي: أبصركم (وَرَاءَ ظَهْرِي)
стр. 2101
ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «من وراء ظهري» أي: ببصره المعهود إبصارًا انخرقت له فيه العادة، أو بغيره كما مرَّ.
٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والمعجمة المُشدَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) اسمه: محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، ولابن عساكر (١): «عن شعبة» (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (٢) يقول: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ «بن مالكٍ» عند ابن عساكر (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا) أي: أكملوا (الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ) بفتح اللَّام المؤكِّدة والهمزة (مِنْ بَعْدِي) أي: من خلفي (٣) (-وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي- إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ) ولأبي ذَرٍّ: «وإذا سجدتم» وأغرب الدَّاوديُّ حيث فسَّر البَعديَّة هنا بما بعد وفاته ﷺ ؛ يعني: أنَّ أعمال أمَّته تُعرَض عليه ولا يخفى بُعْدُه لأنَّ سياق الحديث يأباه، ويرد قول الدَّاوديِّ قوله: وربَّما قال: من بعد ظهري، وهذا الحديث رواه مسلمٌ في «الصَّلاة».
(٨٩) (بابُ مَا يَقُولُ) وللمُستملي وابن عساكر: «ما يقرأ» (بَعْدَ التَّكْبِيرِ).
стр. 2102
٧٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ (١): «عن أنس بن مالكٍ» (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ) أي: قراءتها، فلا دلالة فيه على دعاء الافتتاح (بِـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بضمِّ الدَّال على الحكاية، لا يقال: إنَّه صريحٌ في الدَّلالة على ترك البسملة أوَّلها لأنَّ المراد الافتتاح بالفاتحة، فلا تعرُّض لكون البسملة منها أو لا، ولـ «مسلمٍ»: «لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم»، وهو محمولٌ على نفي سماعها، فيحتمل إسرارهم بها، ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ وابن حبَّان: «فلم يكونوا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم»، فنفيُ القراءة محمولٌ على نفي السَّماع، ونفي السَّماع على نفي الجهر، ويؤيِّده رواية ابن خزيمة: «كانوا يسرُّون بـ بسم الله الرحمن الرحيم»، وقد قامت الأدلَّة والبراهين للشَّافعيِّ على إثباتها، ومن ذلك: حديث أمِّ سَلَمة المرويُّ في «البيهقيِّ» و «صحيح (٢) ابن خزيمة»: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أوَّل «الفاتحة» في الصَّلاة وعدَّها آيةً» وفي «سنن البيهقيِّ» عن عليٍّ وأبي هريرة وابن عبَّاسٍ وغيرهم: أنَّ الفاتحة هي السَّبع المثاني، وهي سبع آياتٍ، وأنَّ البسملة هي السَّابعة، وعن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ للّهِ﴾ (٣) فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنَّها أُمُّ القرآن، وأُمُّ الكتاب، والسَّبع المثاني، وبسم الله الرَّحمن الرَّحيم
стр. 2103
إحدى آياتها»، قال الدَّارقُطنيُّ: رجالُ إسنادِه كلُّهم ثقاتٌ، وأحاديث الجهر بها كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابة نحو العشرين صحابيًّا كأبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وأبي هريرة، وأُمِّ سَلَمة.
٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بن شبرمة الضَّبيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو جرير بن عمرٍو البجليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ) بفتح أوَّله (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً) بكسر الهمزة بوزن «إِفْعَالةٍ»، وهو من المصادر الشَّاذَّة إذ القياس سكوتًا، وهو منصوبٌ مفعولًا مطلقًا، أي: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده (قَالَ) أبو زرعة (١): (أَحْسِبُهُ) أي: أظن أبا هريرة (٢)
стр. 2104
(قَالَ: هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ، كذا عند الأكثر، أي: يسيرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «هنيهةً» بهاءٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، وفي نسخةٍ: «هنيْئَةً» بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، قال عياضٌ والقرطبيُّ: وأكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمز، لكن قال النَّوويُّ: إنَّه خطأٌ، قال (١): وأصله: هَنْوَةً، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت واوٌ وياءٌ وسبقت إحداهما بالسُّكون فقُلِبت الواوُ ياءً ثمَّ أُدغِمت، وتُعقِّب بأنَّه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فقد تُقلَب الواوُ همزةً (٢) (فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي) أي: أنت مُفدًّى، أو أفديك بهما (يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ) بكسر الهمزة وسكون (٣) السِّين والرَّفع، قال في «الفتح»: وهو الَّذي في رواية الأكثرين، وأعربه مبتدأً، لكنَّه لم يذكر خبره، أو هو نَصْبٌ (٤) على ما قاله المظهريُّ، أي: «أسألك» إسكاتك، أو في إسكاتك، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «أَسُكاتك» بفتح الهمزة وضمِّ السِّين على الاستفهام، ولهما في نسخةٍ «أسكوتك» (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «وبين القراءة» (مَا تَقُولُ) فيه؟ (قَالَ) ﵊: (أَقُولُ) فيه: (اللَّهُمَّ (٥) بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدك (بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)
стр. 2105
وهذا من المجاز لأنَّ حقيقة المباعدة إنَّما هي في الزَّمان والمكان، أي: امحُ ما حصل من خطاياي، وحُلْ بيني وبين ما يُخاف من وقوعه، حتَّى لا يبقى لها منِّي اقترابٌ بالكليَّة. وهذا الدُّعاء صدر منه ﵊ على سبيل المبالغة في إظهار العبوديَّة، وقِيلَ: إنَّه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وعُورِض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأُجيب بورود الأمر بذلك في حديث سَمُرَة عند البزَّار، وأعاد لفظ: «بين» هنا، ولم يقل: وبين المغرب لأنَّ العطف على الضَّمير المخفوض يُعاد معه العامل بخلاف الظَّاهر، كذا قرَّره الكِرمانيُّ، لكن يَرِدُ عليه قوله: بين التَّكبير وبين القراءة (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، وقاف «نقِّني» بالتَّشديد في الموضعين، وهذا مجازٌ عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها، وشُبِّه بـ «الثَّوب الأبيض» لأنَّ الدَّنس فيه أظهرُ من غيره من الألوان (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ) بالمُثلَّثة وسكون اللَّام، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (وَالبَرَدِ) بفتح الرَّاء، وذكر الأخيرين بعد الأوَّل للتَّأكيد، أو (١) لأنَّهما ماءان لم تمسَّهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، قاله (٢) الخطَّابيُّ. واستدلَّ بالحديث على مشروعيَّة دعاء الافتتاح بعد التَّحرُّم (٣) بالفرض أو النَّفل خلافًا للمشهور عن مالكٍ، وفي «مسلمٍ» حديث عليٍّ: «وجَّهت