← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

على ابن القيِّم حيثُ جزم بأنَّه لم يرد الجمع بين «اللَّهُمَّ» و «الواو» في ذلك، واستدلَّ بهذا الحديث المالكيَّةُ والحنفيَّةُ على أنَّ الإمام لا يقول: ربَّنا لك الحمد، وعلى أنَّ المَأمُوم لا يقول: سمع الله لمن حمده لكونِ ذلك لم يذكر في هذه الرِّواية، وأنَّه ﵊ قسَّم التَّسميع والتَّحميد، فجعل التَّسميع الذِّي هو طلب التَّحميد للإمام، والتَّحميد الَّذي هو طلب الإجابة للمأموم، ويدلُّ له قوله ﵊ في حديث أبي موسى الأشعريِّ عند مسلمٍ: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربَّنا ولك الحمد، يسمع الله لكم» ولا دليل لهم في ذلك، لأنَّه ليس في حديث الباب ما يدلُّ على النَّفي، بل فيه أنَّ قول المأموم: ربَّنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده، ولا يمتنع أن يكون الإمام طالبًا ومجيبًا، فهو كمسألة التَّأمين السَّابقة، وقد ثبت: أنَّه ﷺ جمع بينهما، وقد قال ﵊ [خ¦٦٣١]: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» فيجمع بينهما الإمام والمنفرد عندَ الشَّافعيَّةِ والحنابلةِ وأبي يوسف ومحمَّد والجمهور، والأحاديثُ الصَّحيحة تشهد لذلك، وزاد الشَّافعيَّة: أنَّ المَأمُومَ يجمع بينهما أيضًا (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ) أي: فمن وافق حمده حمد الملائكة (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وهو نظير ما تقدَّم في مسألة التَّأمين، وظاهره أنَّ الموافقة في الحمد في الصَّلاة، لا مطلقًا.

стр. 2207

(١٢٦) (بَابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمة كذا للجميع، قاله الحافظُ ابنُ حجر وعزاه البرماويُّ لبعض النُّسخ بعد أن قال: «باب القنوت» ولفظ: «باب» ساقطٌ كالتَّرجمة عند الأَصيليِّ، والرَّاجح إثباتُه، كما أنَّ الرَّاجح حذفه من الَّذي قبله لأنَّ الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل: «اللَّهُمَّ ربَّنا لك الحمد» إلَّا بتكلُّفٍ، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الَّذي قبلَه. ٧٩٧ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المُعجَمَة، البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن، ولمسلمٍ من طريق معاذِ بنِ هشامٍ: عن أبيه عن يحيى حدَّثني أبو سلمة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ) لكم (صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من التَّقريب مع نون التَّوكيد الثَّقيلة، أي: لأقربنَّكم إلى صلاته، أو لأقربنَّ صلاته إليكم، وللطحاويِّ: «لأرينَّكم» (فَكَانَ) بالفاء التَّفسيريَّة، ولابن عساكر: «وكان» (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الأخرَى) بضمِّ الهمزة وسكون الخاء وفتح الرَّاء، ولأبي ذَرٍّ والكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «في الركعة الآخِرَة» (مِنْ) ثلاث صلوات: (صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ العِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) فيه القنوت بعد الرُّكوع في الاعتدال، وقال مالك: يقنت قبله دائمًا (فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ) الغير معيَّنين، أمَّا المعيَّن فلا يجوز لعنه حيًّا كان أو ميِّتًا، إلَّا من علمنا بالنُّصوص موته على الكفر كأبي

стр. 2208

لهب، وظاهر سياق الحديث أنَّه مرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ ، وليس موقوفًا على أبي هريرة لقوله: لأقرِّبنَّ لكم صلاة النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ فسَّره بقوله: «فكان أبو هريرة … » إلى آخره، وقيل: المرفوع منه وجود القنوت، لا وقوعه في الصَّلوات المذكورة، ويدلُّ له ما في رواية شيبان عن يحيى عند المؤلِّف في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٩٨] من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء، لكن لا ينفي (١) هذا كونه ﷺ قنت في غير العشاء، فالظَّاهر أنَّ جميعه مرفوع، ورواة الحديث ما بين بصريٍّ ودستوائيٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف فيه من أفراده، وأخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». ٧٩٨ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) وهو جدُّ أبيه، نسبه (٢) إليه لشهرته به، واسمُ أبيه: محمَّدُ بنُ حميدٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَيَّة؛ بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) سقط «الحذَّاء» لابن عساكر (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد بن عمرٍو الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن مالكٍ» (¬﵁، قَالَ: كَانَ القُنُوتُ) في أوَّل الأمر، أي: في الزَّمن النَّبويِّ، فله حكم الرَّفع (فِي) صلاة (المَغْرِبِ) وصلاة (الفَجْرِ) ثمَّ تُرِك في غير صلاة الفجر، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «الوتر» [خ¦١٠٠٤]. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وشيخ المؤلِّف فيه من أفراده، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول (٣).

стр. 2209

٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية والخفض، صفةٌ لـ «نُعَيْمٍ» وأبيه (عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، الأنصاريِّ المدنيِّ (١)، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية ابن خزيمة: إنَّ عليَّ بن يحيى حدَّثه (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن خلَّادٍ الَّذي حنَّكه رسول الله ﷺ (عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) بكسر الرَّاء وتخفيف الفاء وبعد الألف عينٌ مُهمَلةٌ في الأوَّل، وبالرَّاء المفتوحة والفاء (٢) في الآخر (الزُّرَقِيِّ) (٣) أيضًا أنَّه (قَالَ: كُنَّا يَوْمًا) من الأيَّام (نُصَلِّي) ولأبي ذَرٍّ: «كنَّا نصلِّي يومًا» (وَرَاءَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «وراء رسول الله» (¬ ﷺ ¬) المغرب (فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: فلمَّا شرع في رفع رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وأتمَّه في الاعتدال (قَالَ رَجُلٌ) هو رِفَاعة بن رافعٍ، قال في «المصابيح»: وهل هو راوي الحديث أو غيره؟ يحتاج إلى تحريرٍ. انتهى. قلت: جزم الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه راوي الحديث، وكذا قال ابن بشكوال، وهو في «التِّرمذيِّ»، وإنَّما كنَّى عن نفسه لقصد إخفاء عمله، ونقل البرماويُّ عن ابن منده أنَّه جعله غير راوي الحديث، وأنَّ الحاكم جعله معاذ بن رِفَاعة، فَوَهِمَ في ذلك، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال رجلٌ»: (رَبَّنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقال رجلٌ (٤) وراءه: ربَّنا» (وَلَكَ الحَمْدُ)

стр. 2210

بالواو (حَمْدًا) منصوبٌ بفعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه قوله: «لك الحمد» (كَثِيرًا طَيِّبًا) خالصًا عن (١) الرِّياء والسُّمعة (مُبَارَكًا) أي: كثير الخير (فِيهِ) زاد في رواية رفاعة بن يحيى: «كما يحبُّ ربُّنا ويرضى» وفيه من حسن التَّفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊ من الصَّلاة (قَالَ) ﷺ : (مَنِ المُتَكَلِّمُ) بهذه الكلمات؟ زاد رفاعة بن يحيى: «في الصَّلاة»، فلم يتكلَّم أحدٌ، ثمَّ (٢) قالها الثَّانية، فلم يتكلَّم أحدٌ، ثمَّ قالها الثَّالثة (قَالَ) رفاعة بن رافع: (أَنَا) المتكلِّم بذلك (٣) أرجو الخير، فإن قلت: لِمَ أخَّر رفاعةُ إجابةَ الرَّسول ﷺ حتَّى كرَّر سؤاله ثلاثًا، مع وجوب إجابته عليه، بل وعلى غيره ممَّن سمع، فإنَّه ﵊ عمَّم (٤) في (٥) السُّؤال، حيث قال: مَنِ المتكلِّم؟ أُجيب بأنَّه لمَّا لم يعيِّن واحدًا بعينه لم تتعيَّن المبادرة بالجواب مِنَ المتكلِّم، ولا من واحدٍ بعينه، وكأنَّهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقِّه شيءٌ ظنًّا منهم أنَّه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، ويدلُّ له ما في رواية سعيد بن عبد الجبَّار عن رفاعة بن يحيى عند ابن قانعٍ: قال رفاعة: «فوددت أنِّي أُخْرِجْتُ من مالي، وأنِّي لم أشهد مع (٦) رسول الله ﷺ تلك الصَّلاة … » الحديثَ، وكأنَّه ﵊ لمَّا رأى سكوتهم فَهِم ذلك، فعرَّفهم أنَّه لم يقل بأسًا،

стр. 2211

ويدلُّ لذلك حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود قال: «من القائل الكلمة؟ فلم يقل بأسًا» قال رفاعة بن رافعٍ: أنا المتكلِّم بذلك أرجو الخير (قَالَ) ﵊: (رَأَيْتُ بِضْعَةً) بتاء التَّأنيث، وللحَمُّويي والمُستملي: «بضعًا» (وَثَلَاثِينَ مَلَكًا) أي: على عدد حروف الكلمات: أربعةً وثلاثين لأنَّ البِضع -بكسر الباء، وتُفتَح- ما بين الثَّلاث والتِّسع، ولا يختصُّ بما دون العشرين خلافًا للجوهريِّ، والحديث يردُّ عليه، فأنزل الله تعالى بعدد حروف الكلمات ملائكةً، في مقابلة كلِّ حرفٍ مَلَكًا تعظيمًا لهذه الكلمات، وأمَّا ما وقع في حديث أنسٍ عند مسلمٍ فالموافقة (١) فيه -كما أفاده في «الفتح» - بالنَّظر لعدد الكلمات على اصطلاح النُّحاة، ولفظه: «لقد رأيت اثني عشر ملكًا» (يَبْتَدِرُونَهَا) أي: يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أَيُّهُمْ) بالرَّفع، مبتدأٌ خبرُه (يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لنيَّة الإضافة ويجوز أن يكون

стр. 2212

مُعرَبًا بالنَّصب على الحال، وهو غير منصرفٍ، والوجهان في فرع «اليونينيَّة» كهي، قال في «المصابيح»: و «أيُّ»: استفهاميَّةٌ، تتعلَّق بمحذوفٍ دلَّ عليه «يبتدرونها»، والتَّقدير: يبتدرونها ليعلموا أيُّهم يكتبها أوَّل؟ أو ينظرون أيُّهم يكتبها؟ ولا يصحُّ أن يكون متعلِّقًا بـ «يبتدرون» لأنَّه ليس من الأفعال الَّتي تُعلَّق (١) بالاستفهام، ولا ممَّا يُحكَى به. فإن قلت: والنَّظر أيضًا ليس من الأفعال القلبيَّة، والتَّعليق من خواصِّها، فكيف ساغ لك تقديره؟ وأجاب بأنَّ في كلام ابن الحاجب وغيره من المحقِّقين ما يقتضي أنَّ التَّعليق لا يخصُّ أفعال القلوب المتعدِّية إلى اثنين، بل يخصُّ كلَّ قلبيٍّ وإن تعدَّى إلى واحدٍ، كـ «عرف»، والنَّظر ههنا يُحمَل على نظر البصيرة، فيصحُّ تعليقه، واقتصر الزَّركشيُّ -حيث جعلها استفهاميَّةً- على أنَّ المُعلَّق هو «يبتدرون» وإن لم يكن قلبيًّا، وهذا مذهبٌ مرغوبٌ عنه. انتهى. ويجوز نصب «أيُّهم» بتقدير: «ينظرون»، والمعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر، ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأكابر عن الأصاغر لأنَّ نُعَيْمًا أكبرُ سنًّا من عليِّ بن يحيى، وأقدم سماعًا منه، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 2213

(١٢٧) (بابُ الاِطْمَأْنِينَةِ) بكسر الهمزة قبل الطَّاء السَّاكنة، وفي بعضها بضمِّ الهمزة (١)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «الطُّمأنينة» بضمِّ الطَّاء بغير الهمز (٢) (حِينَ يَرْفَعُ) المصلِّي (رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ). (وقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) السَّاعديُّ، ممَّا يأتي موصولًا -إن شاء الله تعالى- في «باب سنَّة الجلوس للتَّشهُّد» [خ¦٨٢٨]: (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) رَأسَهُ من الرُّكوع (وَاسْتَوَى) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فاستوى» أي: قائمًا (حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ) إلى (٣) (مَكَانَهُ) بفتح الفاء والقاف الخفيفة، خرزات الصُّلب؛ وهي مفاصله، والواحدة فَقَارَةٌ. وقد حصلت المُطابَقة بين هذا التَّعليق والتَّرجمة بقوله: واستوى، أي: قائمًا، نعم في رواية كريمة: «واستوى جالسًا» وحينئذٍ فلا مطابقة، لكنَّ المحفوظَ سقوطُها، وعزاه في الفرع وأصله للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ فقط، وعلى تقدير ثبوتها فيحتمل أنَّه عبَّر عن السُّكون بالجلوس، فيكون من باب ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم.

стр. 2214

٨٠٠ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (قَالَ: كَانَ أَنَسٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «كان (١) أنس بن مالكٍ» ﵁ (يَنْعَتُ) بفتح العين، أي: يصف (لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُصَلِّي، فإِذَا) بالفاء، ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «وإذا» (رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ) بالنَّصب، أي: إلى أن نقول: (قَدْ نَسِيَ) وجوب الهويِّ إلى السُّجود، أو أنَّه في صلاةٍ، أو ظنَّ أنَّه وقت القنوت من طول قيامه، وهذا صريحٌ في الدَّلالة على أنَّ الاعتدال ركنٌ طويلٌ، بل هو نصٌّ فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليلٍ ضعيفٍ؛ وهو قولهم: لم يُسَنَّ فيه تكرير التَّسبيحات كالرُّكوع والسُّجود، ووجهُ ضعفه أنَّه قياسٌ في (٢) مقابلة النَّصِّ، فهو فاسدٌ، وقد اختار النَّوويُّ جواز تطويل الرُّكن القصير خلافًا للمُرجَّح في المذهب، واستدلَّ لذلك بحديث حذيفة عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قرأ في ركعةٍ بـ «البقرة» وغيرها، ثمَّ ركع نحوًا ممَّا قرأ، ثمَّ قام بعد أن قال: «ربَّنا لك الحمد» قيامًا طويلًا قريبًا ممَّا ركع، قال النَّوويُّ: الجواب عن هذا الحديث صعبٌ، والأقوى جواز الإطالة بالذِّكر. انتهى. ٨٠١ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ) الطَّيالسيُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁، قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) اسم «كان» وتاليه عُطِفَ عليه وهو قوله: (وَسُجُودُهُ، وَإِذَا رَفَعَ) أي: اعتدل (مِنَ الرُّكُوعِ) ولكريمة: «وإذا رفع رأسه من الرُّكوع» (وَ) جلوسه (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) بالفتح والمدِّ، وسابقه نُصِب

стр. 2215

خبر «كان»، والمراد أنَّ زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه متقاربٌ، قال بعضهم: وليس المراد أنَّه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السُّجود والاعتدال، بل المراد أنَّ صلاته كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القراءة أطال بقيَّة الأركان، وإذا أخفَّها أَخَفَّ بقيَّة الأركان، فقد ثبت أنَّه قرأ في الصُّبح بـ «الصَّافَّات»، وثبت في «السُّنن» عن أنسٍ: أنَّهم حزروا في السُّجود قدر عشر تسبيحاتٍ، فيُحمَل على أنَّه إذا قرأ بدون «الصَّافَّات» اقتصر على دون العشر، وأقلُّه كما ورد في «السُّنن» أيضًا ثلاث تسبيحاتٍ. انتهى من (١) «الفتح». ولم يقع في هذه (٢) الطَّريق الاستثناء الَّذي في «باب استواء الظَّهر» [خ¦٧٩٢] وهو قوله: ما خلا القيام والقعود. ٨٠٢ - وبه قال: (حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (٣) (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (قَالَ: كَانَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال: قام» (مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ) اللَّيثيُّ (يُرِينَا) بضمِّ أوَّله من الإراءة (كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 2216

وَذَاكَ) (١) أي: الفعل (فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) لأجل التَّعليم، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في غير وقت الصَّلاة» بالتَّعريف (فَقَامَ فَأَمْكَنَ القِيَامَ) أي: مكَّن بالتَّشديد (ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَاَنْصَبَّ) بهمزة وصلٍ وتشديد المُوحَّدة، كأنَّه كنَّى عن رجوع أعضائه من الانحناء إلى القيام بالانصباب، والَّذي في «اليونينيَّة» بتخفيف المُوحَّدة، ولابن عساكر والأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «فأَنصت» بهمزة قطعٍ مفتوحة (٣) آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ بدل المُوحَّدة من الإنصات، أي: سكت (هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قليلًا، فلم يكبِّر للهويِّ في الحال، وللإسماعيليِّ: «فانتصب قائمًا» وهو أوضح في المراد كما لا يخفى. (قَالَ) أَبو قِلابَة: (فَصَلَّى بِنَا) مالكٌ (صَلَاةَ شَيْخِنَا) أي: كصلاة شيخنا (هَذَا) عمرو بن سَلِمة -بكسر اللَّام- الجرميِّ (أَبِي بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء المُهمَلة، وصوَّبه أبو ذَرٍّ كما في الفرع وأصله، وكذا ضبطه مسلمٌ في «كتاب الكنى»، وللحَمُّويي والمُستملي: «أبي (٤) يزيد» بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والزَّاي المُعجَمة (٥) غير منصرفٍ، وجزم به الجيَّانيُّ، وقال الحافظ عبد الغنيِّ بن سعيدٍ: لم أسمعه من أحدٍ إلَّا بالزَّاي، لكن مسلمٌ أعلمُ في أسماء المحدِّثين. قال أبو قِلابة: (وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ) أو أبو يزيد (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى) حال كونه (قَاعِدًا) للاستراحة (ثُمَّ نَهَضَ) أي: قام. وهذا الحديث قد (٦) سبق في «باب من صلَّى بالنَّاس وهو لا يريد إلَّا أن يعلِّمهم» [خ¦٦٧٧] مع اختلافٍ في المتن والإسناد، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «ثمَّ رفع رأسه فانصبَّ هُنَيَّةً».

стр. 2217

(١٢٨) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (يَهْوِي) بفتح أوَّله وضمِّه وكسر ثالثه، أي: ينحطُّ، أو (١) يهبط المصلِّي (بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ). (وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله ابن خزيمة والطَّحاويُّ وغيرهما من طريق عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيِّ عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ قال: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا سجد (يَضَعُ يَدَيْهِ) أي: كفَّيه (قَبْلَ) أن يضع (رُكْبَتَيْهِ) هذا مذهب مالكٍ، قال: لأنَّه أحسن في خشوع الصَّلاة ووقارها، واستدلَّ له بحديث أبي هريرة المرويِّ في «السُّنن» بلفظ: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، وعُورِض بحديثٍ عن أبي هريرة أيضًا أخرجه الطَّحاويُّ لكنَّ إسناده ضعيفٌ، ومذهب الثَّلاثة وفاقًا للجمهور: يضع ركبتيه قبل يديه لأنَّ الرُّكبتين أقرب للأرض، واستدلَّ له بحديث وائل بن حُجرٍ المرويِّ (٢) في «السُّنن» -وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ- ولفظه: قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» قال الخطَّابيُّ: وهو أثبت من حديث تقديم اليدين، وأرفق بالمصلِّي، وأحسن في الشَّكل (٣) ورأي العين. وقال الدَّارقُطنيُّ: قال ابن أبي داود: وضع الرُّكبتين قبل اليدين تفرَّد به شريكٌ القاضي

стр. 2218

عن عاصم بن كُلَيْبٍ، وشريكٌ ليس بالقويِّ فيما ينفرد (١) به. وقال البيهقيُّ: هذا الحديث يُعَدُّ في أفراد شريكٍ، هكذا (٢) ذكره البخاريُّ وغيره من حفَّاظ المتقدِّمين، وفي «المعرفة»: قال همَّامٌ: وحدَّثنا شقيقٌ؛ يعني: أبا اللَّيث، عن عاصم بن كُلَيبٍ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ بهذا مُرسَلًا، وهو المحفوظ، وعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» رواه أبو داود والنَّسائيُّ (٣) بإسنادٍ جيِّدٍ، ولم يضعِّفه أبو داود، وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: «كنَّا نضع اليدين قبل الرُّكبتين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين قبل اليدين» رواه ابن خزيمة في «صحيحه»، وادَّعى أنَّه ناسخٌ لتقديم اليدين، قال (٤) في «المجموع»: ولذا (٥) اعتمده أصحابنا، ولكن لا حجَّة فيه لأنَّه ضعيفٌ ظاهر الضَّعف، بيَّنَ البيهقيُّ وغيرُه ضعْفَه، وهو من رواية يحيى بن سلمة بن كُهَيلٍ، وهو ضعيفٌ باتِّفاق الحفَّاظ، ولذا قال النَّوويُّ: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنَّة، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في «بلوغ المرام من أحاديث الأحكام»: حديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» أقوى من حديث وائل بن حُجْرٍ: «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» لأنَّ لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر، صحَّحه ابن خزيمة وذكره البخاريُّ مُعلَّقًا موقوفًا. انتهى. ومراده بذلك قوله هنا: «وقال نافعٌ … » إلى آخره، فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة؟ أُجيب: من جهة اشتمالها عليه لأنَّها في الهويِّ بالتَّكبير إلى السُّجود، فالهويُّ فعلٌ، والتَّكبير قولٌ، فكما أنَّ

стр. 2219

حديث أبي هريرة الآتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦٨٠٣] يدلُّ على القول كذلك أثر ابن عمر هذا (١) يدلُّ على الفعل، والحاصل أنَّ للهويِّ إلى السُّجود (٢) صفتين: صفةً قوليَّة، وأخرى فعليَّة، فأثر ابن عمر أشار إلى الصِّفة الفعليَّة، وحديث أبي هريرة إليهما معًا. ٨٠٣ - ٨٠٤ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر «أخبرنا» (شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (كَانَ يُكَبِّرُ) أي: «حين استخلفه مروان على المدينة» كما عند النَّسائيِّ (فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا، فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ) وسقط «وغيره» في بعضها (فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُوم)

стр. 2220

للإحرام (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) أي: حين يشرع في الانتقال إلى الرُّكوع، ويمدُّه حتَّى يصل إلى حدِّ الرَّاكعين، ثمَّ يشرع في تسبيح الرُّكوع (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) حين يشرع في الرَّفع من الرُّكوع، ويمدُّه حتَّى ينتصب قائمًا (ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو في الاعتدال (قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الهاء وكسر الواو، ولأبي ذَرٍّ: «يُهوي» بضمِّها، أي: يبتدئ به من حين الشُّروع في الهويِّ بعد الاعتدال حتَّى يضع جبهته على الأرض، ثمَّ يشرع في تسبيح السُّجود (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) حتَّى يجلس، ثمَّ يشرع في دعاء الجلوس (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) الثَّانية (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي) الرَّكعتين (الاِثْنَتَيْنِ) يشرع فيه من حين ابتداء القيام إلى الثَّالثة بعد التَّشهُّد الأوَّل (وَيَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير وغيره (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاة، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ) منها: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ (١) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِنْ كَانَتْ) بكسر همزة «إنَّ» المُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الشَّأن، واسم «كان» قوله: (هَذِهِ) أي: الصَّلاة الَّتي صلَّيتها (لَصَلَاتَهُ) ﵊، خبر «كان»، واللَّام للتَّأكيد (حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا) ﷺ . (قَالَا) أي: أبو بكر بن عبد الرَّحمن، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، المذكوران بالإسناد السَّابق إليهما [خ¦٨٠٣]: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي الاعتدال: (رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو، أي: فيجمع

стр. 2221

بينهما (يَدْعُو) خبرٌ آخرُ لـ «كان»، أو عُطِف بدون حرف العطف اختصارًا، وهو جائزٌ معروفٌ في اللُّغة، وقال العينيُّ: والأوجه أن يكون حالًا من ضمير «يقول» أي: يقول حال كونه يدعو (لِرِجَالٍ) من المسلمين، واللَّام تتعلَّق بـ «يدعو» (فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ) استدلَّ به وبما يأتي: على أنَّ تسمية (١) الرِّجال بأسمائهم فيما يُدعَى لهم وعليهم لا تفسد الصَّلاة. (فَيَقُولُ) ﵊: (اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) بن المغيرة المخزوميَّ، أخا خالد بن الوليد، وهمزة «أنجِ» قطعٌ مفتوحةٌ مجزومٌ بالطَّلب، كُسِرَ لالتقاء الساكنين (وَ) أنجِ (سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) بفتح اللَّام، أخا أبي جهل بن هشامٍ (وَ) أنجِ (عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) أخا أبي جهلٍ لأمِّه، وعَيَّاشٌ: بفتح العين وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكلُّ هؤلاء الَّذين دعا لهم ﵊ نجَوا من أسر الكفَّار ببركة دعائه ﵊ (وَ) أنج (المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، ثمَّ يقول ﷺ : (اللَّهُمَّ اشْدُدْ) بهمزة وصلٍ، وقول العينيِّ: بضمِّ الهمزة، محمولٌ (٢) على الابتداء بها (وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء وفتح الهمزة، من الوطء؛ وهو شدَّة الاعتماد على الرَّجل، والمراد: اشدد بأسك أو عقوبتك (عَلَى) كفَّار قريشٍ، أولاد

стр. 2222

(مُضَرَ (١)) فالمراد: القبيلة، و «مُضَرُ» بميمٍ مضمومةٍ وضادٍ مُعجَمةٍ غير منصرفٍ، وهو ابن نزار بن معدٍّ بن عدنان (وَاجْعَلْهَا) قال الزَّركشيُّ: الضَّمير لـ «وطأة» أو لـ «أيَّام»، وإن لم يسبق لها ذكرٌ لِمَا دل عليه المفعول الثَّاني الَّذي هو «سنين». قال في «المصابيح»: ولا مانع من أن يُجعَل عائدًا إلى «السِّنين»، لا إلى «الأيَّام» الَّتي دلَّت عليها «سنين»، وقد نصُّوا على جواز عَوْد الضَّمير على المتأخِّر لفظًا و (٢) رتبةً إذا كان مخبرًا عنه بخبرٍ يفسِّره مثل: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] الضَّمير في «هي» لـ «الحياة» (٣)، وما نحن فيه من هذا القبيل. انتهى. أي: واجعل السِّنين (عَلَيْهِمْ سِنِينَ) جمع سنةٍ، والمراد بها هنا: زمن القحط (كَسِنِي يُوسُفَ) الصِّدِّيق ﵇، السَّبع الشِّداد في القحط، وامتداد زمان (٤) المحنة والبلاء، وبلوغ غاية الجهد والضَّرَّاء، وأسقط

стр. 2223

نون «سنين» للإضافة جريًا على اللُّغة الغالبة فيه، وهي إجراؤه مجرى جمع المُذكَّر السَّالم، لكنَّه شاذٌّ لأنَّه (١) غير عاقلٍ، ولتغيير مُفرَده بكسر أوَّله، ولهذا أعربه بعضهم بحركاتٍ على النُّون كالمُفرَد كقوله: دعانيَ من نجدٍ فإنَّ سنينه … لعبْنَ بنا شيبًا وشيَّبْننا (٢) مُرْدا وليس قوله: «سنين» عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر كما (٣) في الفرع وأصله. (وَأَهْلُ المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ) ﵊. ورواة هذا الحديث ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

стр. 2224

٨٠٥ - وبه قال: (حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (غَيْرَ مَرَّةٍ) تأكيدٌ لروايته (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ: (مِنْ) بدل «عن» وللأَصيليِّ: «وربَّما قال: من» (فَرَسٍ) فأسقط لفظ «سفيان» (فَجُحِشَ) بضمِّ الجيم (١) وكسر الحاء آخره شينٌ مُعجَمةٌ، أي: خُدِش (شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ) حال كوننا (نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاة، فَصَلَّى بِنَا) ﵊ حال كونه (قَاعِدًا، وَقَعَدْنَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فقعدنا». (وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا) مصدرٌ، أو جمع «قاعدٍ» (فَلَمَّا قَضَى) ﵊ (الصَّلاة) أي: فرغ منها (قَالَ) ﵊: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو، أي: بعد قول (٢): «سمع الله لمن حمده» (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، كَذَا) ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال سفيان» أي (٣): لعليٍّ المدينيِّ مستفهمًا له بهمزةٍ مُقدَّرةٍ قبل قوله: «كذا» (جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ) -بفتح الميمين- ابن راشدٍ البصريُّ، أي: قال عليٌّ: (قُلْتُ: نَعَمْ) جاء به مَعْمَرٌ كذا قال الحافظ ابن حجرٍ، كأنَّ مستند عليٍّ في ذلك رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ، فإنَّه من مشايخه؛ بخلاف مَعْمَرٍ فإنَّه لم يدركه، وإنَّما يروي (٤) عنه بواسطةٍ، وكلام الكِرمانيِّ يوهم خلاف ذلك. انتهى. قلت: بل صرَّح به (٥) البرماويُّ حيث قال: فابن المدينيِّ كما يرويه عن سفيان عن الزُّهريِّ،

стр. 2225

يرويه عن مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ (١)، وما قاله الحافظ يردُّه (قَالَ) سفيان: والله (لَقَدْ حَفِظَ) مَعْمَرٌ عن الزُّهريِّ حفظًا صحيحًا متقنًا (كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ) أي: كما قال مَعْمَرٌ (وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو، وفيه إشارة إلى أنَّ بعض أصحاب الزُّهريِّ لم يذكروا الواو، وأراد سفيان بهذا الاستفهام تقرير روايته برواية معْمَرٍ له، وفيه تَحسين حفظِه، قال سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: (حَفِظْتُ) ولابنِ عساكر: «وحفظت» أي: من (٢) الزُّهريِّ أنَّه (٣) قال: فجُحِشَ (مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ) ابنِ شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز: (وأَنَا عِنْدَهُ) أي: عند الزُّهريِّ، فقال: (فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ) بلفظ: السَّاق بدل الشِّقِّ، فهو عطفٌ على مقدَّر، أو جملة حالية من فاعل «قال» مقدَّرًا، أي: قال الزُّهريُّ: وأنا عندَه، ويحتمل أن يكون هذا مقول سفيان لا مقول ابنِ جريجٍ، والضَّمير حينئذٍ راجع لابن جريج لا للزُّهريِّ، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، قالَ في «فتح الباري»: وهذا أقرب إلى الصَّواب، ومقول ابن جريج هو: «فجُحِشَ … » إلى آخره. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وسبق في «باب إنَّما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به» [خ¦٦٨٩]، والله أعلم.

стр. 2226

(١٢٩) (بابُ فَضْلِ السُّجُودِ). ٨٠٦ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:

стр. 2227

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى) أي: نبصر (رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) ﵊: (هَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء من المُماراة؛ وهي المجادلة، وللأَصيليِّ: «تَمارَون» بفتح التَّاء والرَّاء، وأصله: تتمارون، حذفت إحدى التَّاءين، أي: هل تشكُّون (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ): (فَهَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء، وبفتحهما (١) (فِي الشَّمْسِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في رؤية الشمس» (لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ) وللأَصيليِّ: «قالوا: لا يا رسول الله، قال»: (فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) تعالى (كَذَلِكَ) بلا مِرْيةٍ، ظاهرًا جليًّا، ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه المُبْصَرات المادِّيَّة، لكنَّه يكون مُجرَّدًا عن ارتسام صورة المرئيِّ، وعن اتِّصال الشُّعاع بالمرئيِّ، وعن المحاذاة والجهة والمكان لأنَّها وإن كانت أمورًا لازمة للرُّؤية عادةً فالعقل يُجوِّز ذلك بدونها (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ) الله تعالى، أو: فيقول القائل: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فليتَّبِعه» بضمير المفعول مع التَّشديد والكسر، أو التَّخفيف مع الفتح، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» لا غير (فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ) بالتَّشديد (وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ) جمع طاغوت، الشَّيطان أو الصَّنم، أو كلُّ رأسٍ في الضَّلال (٢)، أو كلُّ ما عُبِدَ من دون الله وصدَّ عن عبادة الله، أو السَّاحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، «فعلوت» من الطُّغيان، قُلِبَ (٣) عينه ولامه (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّدية (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) يستترون بها كما كانوا في الدُّنيا، واتَّبعوهم لما انكشفت لهم

стр. 2228

الحقيقة لعلَّهم ينتفعون بذلك، حتَّى ﴿ضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ، أي: يظهر لهم في غير صورته، أي: في غير صفته الَّتي يعرفونها من الصِّفات الَّتي تعبَّدهم بها في الدُّنيا؛ امتحانًا منه ليقع التَّمييز بينهم وبين غيرهم ممَّن يعبد غيره تعالى (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فيستعيذون بالله منه لأنَّه لم يظهر لهم بالصِّفات الَّتي يعرفونها، بل بما استأثر بعلمه تعالى لأنَّ معهم منافقين لا يستحقُّون الرُّؤية، وهم عن ربِّهم مَحجوبون (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو اسم الإشارة (حَتَّى يَأْتِيَنَا) يظهر لنا (رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ) ظهر (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ، أي: يظهر متجلِّيًا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميَّز المؤمن من المنافق (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) ويحتمل أن يكون الأوَّل قول المنافقين، والثَّاني قول المؤمنين، وقيل: الآتي في الأوَّل مَلَكٌ، ورجَّحه عياضٌ، أي: يأتيهم ملكُ الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعُورضَ بأنَّ الملَك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم، وأُجِيْبَ بأنَّا لا نسلِّم عصمته من هذه الصَّغيرة، ورُدَّ بأنَّه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربُّكم من الصَّغائر فالصَّواب ما سبق (فَيَدْعُوهُمْ) ربُّهم (فَيُضْرَبُ) بالفاء وضمِّ الياء وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكر:

стр. 2229

«ويضرب» (الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظَّاء وسكون الهاء وفتح النُّون، أي: ظَهْرَي، فزيدت الألف والنُّون للمبالغة، أي: على وسط جهنَّم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) بالواو، وفي بعض النُّسخ: «يُجيز» بالياء مع ضمِّ أوَّله، وهي لغة في «جاز»، يقال: «جاز» و «أجاز» بمعنًى، أي: يقطع مسافة الصِّراط (مِنَ الرُّسُلِ) عليهم الصلاة والسلام (بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ) لشدَّة الهول (يَوْمَئِذٍ) أي: حال الإجازة على الصِّراط (أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ) على الصِّراط: (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) شفقةً منهم على الخلق ورحمةً (وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) جمع: «كَلُّوب» بفتح الكاف وضمِّ اللَّام (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح أوَّلِه؛ نبتٌ له شوكٌ من جيِّد مراعي الإبل، يُضرَب به المثل، فيقال: «مرعًى ولا كالسَّعدان» (هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ) رأيناه (١) (قَالَ:

стр. 2230

فَإِنَّهَا) أي: الكلاليب (١) (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا (٢) إِلَّا اللهُ) تعالى (تَخْطَفُ) بفتح الطَّاء في الأفصح، وقد تُكسَر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فتختطِف (٣)» بالفاء في أوَّله وفوقية بعد الخاء (٤) وكسر الطَّاء، أي: تأخذ (النَّاسَ) بسرعة (بِأَعْمَالِهِمْ) أي: بسبب أعمالهم السَّيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ) بموحَّدة مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بِعَمَلِهِ) وقال الطبريُّ: يُوثَق؛ بالمثلَّثة من الوثاق (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) بخاء مُعجَمَة ودالٍ مهملة، وعن أبي عُبيد: بالذَّال المُعجَمَة، أي: يقطع صغارًا؛ كالخردل، والمعنى: أنَّه تقطِّعُه كلاليب الصِّراط حتَّى يهويَ إلى النَّار، وللأَصيليِّ: بالجيم من الجردلة؛ بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ) (رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: الدَّاخلين فيها وهم المؤمنون الخلَّص؛ إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا (أَمَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا) منها (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) وحدَه (فَيُخْرِجُونَهُمْ) منها (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ) (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أي: موضع أثره؛ وهي الأعضاء السَّبعة، أو الجبهة خاصَّةً لحديث: «إنَّ قومًا يخرجون من النَّار يحترقون فيها إلَّا دارات وجوهُهم» رواه مسلمٌ، وهذا موضع التَّرجمة، واستشهَد له ابن بطَّالٍ بحديث: «أقرب ما يكون العبد إذا سجد» وهو واضحٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] قال بعضهم: إنَّ الله تعالى

стр. 2231

يباهي بالسَّاجدين من عبيده ملائكته المُقرَّبين، يقول لهم: يا ملائكتي أنا قرَّبتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواصِّ ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرةً، وموانع عظيمةً؛ من أغراض (١) نفسيَّة، وشهوات حسيَّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كلَّ ذلك وجاهد حتَّى سجد واقترب، فكان من المُقرَّبين (٢)، قال: ولعن الله (٣) إبليسَ لإبائه عن السُّجود لعنةً أبلسه بها، وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. انتهى. وعورض بأنَّ السُّجود الَّذي أمر به إبليس لا تُعلَم (٤) هيئته، ولا تقتضي اللَّعنةُ اختصاصَ السُّجودِ بالهيئة العرفيَّة، وأيضًا فإبليس إنَّما استوجب اللَّعنة بكفره حيث جحد ما نصَّ الله عليه من فضلِ آدمَ، فجنح إلى قياسٍ فاسدٍ يعارض به النَّصَّ ويكذِّبه، لعنه الله، قاله ابن المُنَيِّر. (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ

стр. 2232

ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أي: فكلُّ أعضاء ابن آدم تأكلها النَّار (إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) أي: مواضع أثره (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) بالمثنَّاة الفوقيَّة والمهملة المفتوحتين والشِّين المعجمة بالبناء للفاعل، وفي بعض النُّسخ: «امتُحِشوا» بضمِّ المثنَّاة وكسر الحاء وبالبناء للمفعول، أي: احترقوا واسودُّوا (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ المثنَّاة مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل قولُه: (مَاءُ الحَيَاةِ) الَّذي من شرب منه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة: بزور الصَّحراء ممَّا ليس بقوتٍ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المُهمَلة وكسر الميم؛ ما جاء به من طينٍ ونحوِه، شبَّه (١) به لأنَّه أسرع في الإنبات (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ) الإسناد فيه مجازيٌّ (٢) لأنَّ الله تعالى لا يشغله شأن عن شأنٍ، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثَّواب والعقاب (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ) حال كونه (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: جهتها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت (٣)

стр. 2233

وابن عساكر: «مقبلٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مقبلٌ (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من النار» (قَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «فقد» (قَشَبَنِي) بقاف فشينٍ مُعجمَةٍ مُخفَّفَةٍ فموحَّدةٍ مفتوحاتٍ، والَّذي في اللُّغة: بتشديد الشِّين، أي: سمَّني وأهلكني (رِيحُهَا) وكلُّ مسموم قشيب، أي: صار ريحها كالسمِّ في أنفي (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الدَّال المُعجَمَة والمدِّ، وهو الَّذي في فرع «اليونينيَّة»، قال النَّوويُّ: وهو الَّذي وقع في جميع الرِّوايات، أي: أحرقني لهبُها واشتعالُها وشدَّة وهجها، ولأبي ذَرٍّ مما في هامش الفرع، وصحَّح عليه: «ذكاها» بالفتح والقصر، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر في اللُّغة، وذكر جماعة أنَّهما لغتان. انتهى. وعُورِضَ بأنَّ «ذكا النَّار مقصور» يُكتَب بالألف؛ لأنَّه من الواويِّ من قولهم: ذَكَتِ النَّار تذكو ذكوًا (١)، فأمَّا «ذكاءٌ» بالمدِّ فلم يأتِ عنهم في النَّار، وإنَّما جاء في الفهم. (فَيَقُولُ) الله تعالى: (هَلْ عَسَِيْتَ) بفتح السِّين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع «نا»، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكنَّ قول الفرَّاء: لست أستحبُّها لأنَّها شاذَّة يأبى كونها حجازية، وأُجيبَ بأنَّ المراد بكونها شاذَّةً، أي: قليلة بالنِّسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلِّهم؛ جمعًا بين القولين (إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ) الصَّرف الَّذي يدلُّ عليه قوله الآتي إن شاء الله تعالى: اصرف وجهي عن النَّار، والهمزة من «إنَّ» مكسورةٌ حرفُ شرطٍ،

стр. 2234

و «فُعِل» بضمِّ الفاء وكسر العين مبنيًّا للمفعول (بِكَ أَنْ تَسْأَلَ) بفتح همزة «أنَّ» الخفيفة، وتاليها نصب بها (غَيْرَ ذَلِكَ) بالنَّصب بـ «تسأل» (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا، وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ) لا أسأل غيره (فَيُعْطِي اللهَ) أي: الرَّجل (مَا يَشَاءُ) بياء المُضارَعَة، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي وابن عساكر: «ما شاء» (مِنْ عَهْدٍ) يمين (وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ) تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدلٌ من جملة: «أقبل على الجنَّة» (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ) (لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالميثاقَ) اسمُ «ليس» ضمير الشَّأن، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ) أعطيت العهود، ولكنَّ كرمك يُطْمِعُني (لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) قال الكِرمانيُّ: أي: لا أكون كافرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا أكوننَّ» وقال السَّفاقسيُّ: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنة لأكوننَّ (١) أشقى خلقك الَّذين دخلوها، والألف زائدة في: لا أكون. (فَيَقُولُ) الله: (فَمَا عَسَِيْتَ) بكسر السِّين وفتحها (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) التقدِّيم إلى باب الجنَّة (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ) بكسر همزة «إن» الأولى: شرطيَّةٌ، وفتح الثَّانية: مصدريَّة وضمِّ همزة: «أُعطيت»، و «لا» زائدةٌ كهي في

стр. 2235

﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] أو أصليَّةٌ، وما في قوله: «فما عسيت» نافيَّة، ونفي النَّفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره، و «ألَّا تسأل»: خبر «عسى»، و «ذلك»: مفعول ثانٍ لـ «أُعطيت»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن تسأل» بإسقاط «لا»، فـ «ما» استفهاميَّةٌ، وإنَّما قال الله تعالى ذلك (١)، وهو عالمٌ بما كان وما يكون إظهارًا لما عُهِد من بني آدم من نقضِ العهد، وأنَّهم أحقُّ بأنَّ يُقَال لهم ذلك، فمعنى: «عسى» راجع للمخاطب، لا إلى الله تعالى. (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا أسألك» (غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي) الرَّجل (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) الله (إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا) بفاء العطف على «بلغ» كقوله: (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) بالضَّاد المُعْجَمَة السَّاكنة، أي: البهجة (وَالسُّرُورِ) تحيَّرَ (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) بالفاء التَّفسيريَّة، و «أنْ»: مصدريَّة، أي: ما شاء الله سكوتَه حياءً من ربِّه، وهو تعالى يحبُّ سؤالَه؛ لأنَّه يحبُّ صوته، فيباسِطُه بقوله: لعلَّك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده جهلًا منه، ولا قلَّةَ مبالاةٍ، بل علمًا منه أنَّ نقض هذا العهد أولى من الوفاء لأنَّ سؤالَه ربَّه أولى من إبرار قسمه، قال ﵊: «من حلف

стр. 2236

على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ (١) الَّذي هو خير»، وجواب «إذا» محذوفٌ، وتقديره (٢) نحو (٣): تحيَّرَ، كما مرَّ. (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ) : (وَيْحَكَ) نُصِب بفعلٍ محذوفٍ، وهي كلمة رحمةٍ، كما أنَّ «ويلك» (٤) كلمةُ عذابٍ (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ!) صيغة (٥) تعجُّبٍ من الغدر؛ وهو ترك الوفاء (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ) بفتح الهمزة والطَّاء مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «العهود والمواثيق» (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ مِنْهُ) أي: من فعل هذا الرَّجل، وليس في رواية الأَصيليِّ لفظ: «منه» والمراد من الضَّحك هنا لازمه، وهو الرِّضا وإرادة الخير، كسائر الإسنادات في مثلِه ممَّا يستحيل على الباري تعالى، فإنَّ المراد لوازمها (ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ) الله تعالى (فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ له: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «انقطعت» (أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ له: (زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي:

стр. 2237

من (١) أمانيِّك الَّتي كانت لك قبل أن أذكِّرك بها، ثبت لأبي ذرٍّ، ولابن عساكر: «تمنَّ كذا وكذا» بدل: من قوله: «زد» (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ) الأمانيَّ، بدل من قوله: «قال الله : زِدْ» (٢) (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء، جمع أمنية (قَالَ اللهُ تَعَالَى) له: (لَكَ ذَلِكَ) الَّذي سألته من الأمانيِّ (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) جملة حاليَّة من المبتدأ والخبر. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ) : (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) أي: أمثال ما سألت. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم أحفظه» بضمير المفعول. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ (٣): إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ذلك» (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) ولا تنافيَ بين الرِّوايتين، فإنَّ الظَّاهر أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثمَّ تكرَّم الله، فأخبر به ﵊، ولم يسمعه أبو هريرة. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثة من التَّابعين، والتَّحديث والإِخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة الجنَّة» [خ¦٦٥٧٣]، ومسلمٌ في «الإيمان».

стр. 2238

(١٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُبْدِي) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون المُوحَّدة، أي: يظهر الرَّجل المصلِّي (ضَبْعَيْهِ) بفتح الضَّاد المُعجمَة وسكون المُوحَّدة، تثنية: «ضَبْع» أي: وسط عضديه، أو اللُّحمتين اللَّتين تحت إبطيه (وَيُجَافِي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (فِي السُّجُودِ) وخرج بـ «الرَّجل» المرأةُ والخنثى، فلا يجافيان، بل يضمَّان بعضَهما إلى بعضٍ لأنَّه أستر لها وأحوط له. ٨٠٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) ولأبي ذَرٍّ: «يحيى بن عبد الله بن بُكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدثنا» (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح المُعجمَة غير مُنْصَرف في الثَّاني (عَنْ جَعْفَرٍ) هو ابن ربيعةَ (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) صفةٌ لـ «عبد الله» لأنَّها أمُّه لا لـ «مالك»، فيكتب «ابن» (١) بالألف، وتنوين «مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بتشديد الرَّاء، أي: نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنب الَّذي يليها (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)

стр. 2239

لأنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان، وفي حديث ميمونة المرويِّ في «مسلم»: «كان ﷺ يجافي يديه (١)، فلو أنَّ بهيمة أرادت أن تمرَّ لمرَّت»، وفي حديث عائشة ممَّا رُوِيَ في «مسلم» أيضًا: «كان النَّبيُّ (٢) ﷺ ينهى أن يَفْتَرِشَ الرَّجلُ ذراعيه افتراشَ السَّبع»، وفي حديث البراء عند مسلمٍ أيضًا رفعه: «إذا سجدت فضع كفَّيك وارفع مرفقيك» وظاهرهما (٣) الوجوب، وقول الحافظ ابنِ حجرٍ: إنَّ حديث أبي هريرةَ عند أبي داود: شكا أصحابُ النَّبيِّ ﷺ له مشقَّة السُّجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَب» أي: بوضع المرفقين على الرُّكبتين (٤)، كما فسَّره ابنُ عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرُّخصة (٥) في ترك التَّفريج يدلُّ على الاستحباب فيه نظر لأنَّ ظاهره الرُّخصة مع وجود العذر؛ وهو المشقَّة عليهم، لكن في «مُصنَّف ابن أبي شيبة»: وعن ابن عون قال: قلت لمحمَّد: الرَّجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال:

стр. 2240

ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضمُّ يديه إلى جنبيه (١) إذا سجد، وسأله رجل: أأضع (٢) مَرْفِقَيَّ على فَخِذَيَّ إذا سَجَدْتُ؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك، وقال الشَّافعي في «الأمِّ»: يُسَنُّ للرَّجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه. (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ) وصله مسلمٌ بلفظ: «كان إذا سجد فرَّج يديه عن إبطيه حتَّى إنِّي لأرى بياض إبطيه». (١٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَسْتَقْبِلُ) المصلِّي حال سجودِه (بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه» بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه مرتفعتين، فيستقبل (٣) بظهور (٤) قدميه القبلة، ومن ثمَّ ندب ضَمُّ الأصابع في السُّجود لأنَّها لو تفرَّجت (٥) انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة (قَالَهُ) أي: الاستقبال المذكور (أَبُو حُمَيْدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «السَّاعِدِيُّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا الباب والَّذي قبله ثبتا في الفرع كأصله، وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما، قال الكِرمانيُّ: لأنَّهما ذكرا مرَّةً قبل «باب فضل استقبال القبلة»، وتُعقِّب بأنَّه لم يذكر هناك إلَّا قوله (٦): «باب يبدي ضَبْعَيه ويجافي جنبيه في السجود»، وأما الباب الثَّاني فلم

стр. 2241

يذكر هناك بترجمة (١)، فلذا (٢) كان الصَّواب إثباتَهما. (١٣٢) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا لَمْ يُتِمَّ) المصلي (السُّجُودَ) ولأبي ذَرٍّ: «سجوده». ٨٠٨ - وبه قال: (حدَّثنا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البصريُّ الخارَكِيُّ؛ نسبةً إلى خَارَك؛ بالخاء المُعجَمة والرَّاء، من سواحل البصرة (قَالَ: حدَّثنا مَهْدِيٌّ) الأزديُّ، وللأَصيليِّ: «مهديُّ بن ميمونٍ» (عَنْ وَاصِلٍ) الأحدب (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (٣): شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أَنَّهُ (رَأَى رَجُلًا) حال كونه (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: أدَّاها (قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ) نفى الصَّلاة عنه لأنَّ الكلَّ ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الرُّكوع والسُّجود مستلزمٌ لانتفائهما المستلزم لانتفاء الصَّلاة (قَالَ) أبو وائلٍ: (وَأَحْسِبُهُ) بالواو، أي: حذيفة، ولأبي ذَرٍّ: «فأحسبه» (قَالَ: وَلَوْ) بواوٍ قبل اللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «لو» (مُتَّ مُتَّ) وللحَمُّويي والمُستملي (٤): «لَمُتَّ» (عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: طريقته.

стр. 2242

(١٣٣) (بابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ). ٨٠٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة بن عامرٍ الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أُمِرَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمر اللهُ النَّبيَّ، وهو يقتضي الوجوب، وعرف ابن عبَّاسٍ هذا بإخباره ﵊ له أو لغيره (١)، ولابن عساكر: «أنَّه قال: أُمِرَ النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ) عبَّر في التَّرجمة بسبعة أعظمٍ، فسمَّى كلَّ واحدٍ عظمًا؛ باعتبار الجملة وإن اشتمل كلُّ واحدٍ على عظامٍ، ويجوز أن يكون من بابِ تسميةِ الجملة باسم بعضها، نعم وقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «على سبعة أعظمٍ» (وَلَا يَكُفَّ) أي: ولا يضمَّ ولا يجمع (شَعَرًا) لرأسه (وَلَا ثَوْبًا) بيديه (٢) عند الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهذا ظاهر الحديث، وإليه مال الدَّاوديُّ، وردَّه القاضي عياضٌ بأنَّه خلاف ما عليه الجمهور، فإنَّهم كرهوا ذلك للمصلِّي، سواءٌ فعله في الصَّلاة أو خارجها، والنَّهيُ هنا محمولٌ على التَّنزيه، والحكمة فيه أنَّ الشَّعر والثَّوب يسجد معه، أو أنَّه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبهَ المتكبِّر. وقوله: «يكُفَّ» بضمِّ الكاف، والفعل منصوبٌ عطفًا على المنصوب السَّابق وهو «أن يسجد» أي: أمره الله أن يسجد، وألَّا يكفَّ، وهذا هو الَّذي في الفرع، ويجوز رفعه على أنَّ الجملة مستأنفةٌ، وهي معترضةٌ بين المُجمَل وهو قوله: «سبعة أعضاءٍ»

стр. 2243

والمفسَّر وهو قوله: (الجَبْهَةِ) بالكسر عطف بيانٍ لقوله: «سبعة أعضاءٍ»، وكذا (١) ما بعدها عُطِف عليها وهو قوله: (وَاليَدَيْنِ) أي: وباطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَ) أطراف أصابع (الرِّجْلَيْنِ) فلو أخلَّ المصلِّي بواحدٍ من هذه السَّبعة بطلت صلاته، نعم في السُّجود على اليدين والرُّكبتين والرِّجلين قولان عند الشَّافعيَّة، صحَّح الرَّافعيُّ الاستحباب، فلا يجب لأنَّه لو وجب وضعُها؛ لوجب الإيماء بها، أي: بالصَّلاة عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها، واستدلَّ له بعضهم بحديث المسيء صلاته، حيث قال فيه: «ويمكِّن جبهته» وأُجيب بأنَّ غايته أنَّه مفهوم لقبٍ، والمنطوق مُقدَّمٌ عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم، وصحَّح النَّوويُّ الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويكفي وضع جزءٍ من كلِّ واحدٍ منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكفَّين، سواءٌ الأصابع والرَّاحة، وفي الرِّجلين ببطون الأصابع، ولا يجب كشف شيءٍ منها إلَّا الجبهة، نعم يُسَنُّ كشف اليدين والقدمين لأنَّ في سترهما (٢) منافاةً للتَّواضع، ويُكرَه كشف الرُّكبتين لِمَا يُحذَر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟ أُجيب بأنَّ الشَّارع وقَّت المسح على الخفِّ بمدَّةٍ تقع فيها الصَّلاة بالخفِّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفِّ المقتضي لنقض الطَّهارة، فتبطل الصَّلاة، وعُورِض بأنَّ المخالف له أن يقول: يُخَصُّ لابس الخفِّ لأجل الرُّخصة.

стр. 2244

٨١٠ - وبه قال: (حدَّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أيضًا ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة، أي: أنا وأمَّتي (أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ) أي: أعضاءٍ كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٨٠٩] (وَلَا نَكُفَُّّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا) بنصب «نكفَّ» ورفعها، كما مرَّ. ٨١١ - وبه قال: (حدَّثنا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حدَّثنا) ولأبي ذَرٍّ «حدَّثني» بالإفراد، وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (١) بالجمع (إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عَبد الله -بفتح العين فيهما- الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون الطَّاء (٢) المُهمَلة وكسر الميم، وسقط لفظ «الخَطْمِيِّ» في (٣) رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ قال: (حدَّثنا البَرَاءُ بْنُ

стр. 2245

عَازِبٍ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنُِ) بفتح الياء وكسر النُّون وضمِّها، أي: لم يقوِّس (أَحَدٌ مِنَّا) ولابن عساكر: «أحدُنا» (ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ) الشَّريفة (عَلَى الأَرْضِ) هذا موضع التَّرجمة، وخصَّ الجبهة بالذِّكر لأنَّها أدخلُ في الوجوب من بقيَّة الأعضاء السَّبعة؛ ولذا لم يُختلَف في وجوب السُّجود بها واختُلِف في غيرها من بقيَّة الأعضاء، وليس فيه ما ينفي الزِّيادة الَّتي في غيره، أو أنَّ العادة أنَّ وضع الجبهة إنَّما هو بالاستعانة بالسِّتَّة الأعضاء الأخرى غالبًا. (١٣٤) (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ) وسقط للأَصيليِّ الباب والتَّرجمة. ٨١٢ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ البصريُّ، ولابن عساكر: «المُعَلَّى» بزيادة «ال» (قَالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ) عبد الله (١) (بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة (أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السُّجود على سبعة أعظمٍ، فلفظ «على» الثَّانية متعلِّقةٌ (٢) بمحذوفٍ كما مرَّ، والأولى متعلِّقةٌ
следующие страницы →