يذكر هناك بترجمة (١)، فلذا (٢) كان الصَّواب إثباتَهما.
(١٣٢) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا لَمْ يُتِمَّ) المصلي (السُّجُودَ) ولأبي ذَرٍّ: «سجوده».
٨٠٨ - وبه قال: (حدَّثنا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البصريُّ الخارَكِيُّ؛ نسبةً إلى خَارَك؛ بالخاء المُعجَمة والرَّاء، من سواحل البصرة (قَالَ: حدَّثنا مَهْدِيٌّ) الأزديُّ، وللأَصيليِّ: «مهديُّ بن ميمونٍ» (عَنْ وَاصِلٍ) الأحدب (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (٣): شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أَنَّهُ (رَأَى رَجُلًا) حال كونه (لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: أدَّاها (قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ) نفى الصَّلاة عنه لأنَّ الكلَّ ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الرُّكوع والسُّجود مستلزمٌ لانتفائهما المستلزم لانتفاء الصَّلاة (قَالَ) أبو وائلٍ: (وَأَحْسِبُهُ) بالواو، أي: حذيفة، ولأبي ذَرٍّ: «فأحسبه» (قَالَ: وَلَوْ) بواوٍ قبل اللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «لو» (مُتَّ مُتَّ) وللحَمُّويي والمُستملي (٤): «لَمُتَّ» (عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: طريقته.
стр. 2242
(١٣٣) (بابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ).
٨٠٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وبالصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة بن عامرٍ الكوفيُّ (قَالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أُمِرَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمر اللهُ النَّبيَّ، وهو يقتضي الوجوب، وعرف ابن عبَّاسٍ هذا بإخباره ﵊ له أو لغيره (١)، ولابن عساكر: «أنَّه قال: أُمِرَ النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ) عبَّر في التَّرجمة بسبعة أعظمٍ، فسمَّى كلَّ واحدٍ عظمًا؛ باعتبار الجملة وإن اشتمل كلُّ واحدٍ على عظامٍ، ويجوز أن يكون من بابِ تسميةِ الجملة باسم بعضها، نعم وقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «على سبعة أعظمٍ» (وَلَا يَكُفَّ) أي: ولا يضمَّ ولا يجمع (شَعَرًا) لرأسه (وَلَا ثَوْبًا) بيديه (٢) عند الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهذا ظاهر الحديث، وإليه مال الدَّاوديُّ، وردَّه القاضي عياضٌ بأنَّه خلاف ما عليه الجمهور، فإنَّهم كرهوا ذلك للمصلِّي، سواءٌ فعله في الصَّلاة أو خارجها، والنَّهيُ هنا محمولٌ على التَّنزيه، والحكمة فيه أنَّ الشَّعر والثَّوب يسجد معه، أو أنَّه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبهَ المتكبِّر. وقوله: «يكُفَّ» بضمِّ الكاف، والفعل منصوبٌ عطفًا على المنصوب السَّابق وهو «أن يسجد» أي: أمره الله أن يسجد، وألَّا يكفَّ، وهذا هو الَّذي في الفرع، ويجوز رفعه على أنَّ الجملة مستأنفةٌ، وهي معترضةٌ بين المُجمَل وهو قوله: «سبعة أعضاءٍ»
стр. 2243
والمفسَّر وهو قوله: (الجَبْهَةِ) بالكسر عطف بيانٍ لقوله: «سبعة أعضاءٍ»، وكذا (١) ما بعدها عُطِف عليها وهو قوله: (وَاليَدَيْنِ) أي: وباطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَ) أطراف أصابع (الرِّجْلَيْنِ) فلو أخلَّ المصلِّي بواحدٍ من هذه السَّبعة بطلت صلاته، نعم في السُّجود على اليدين والرُّكبتين والرِّجلين قولان عند الشَّافعيَّة، صحَّح الرَّافعيُّ الاستحباب، فلا يجب لأنَّه لو وجب وضعُها؛ لوجب الإيماء بها، أي: بالصَّلاة عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها، واستدلَّ له بعضهم بحديث المسيء صلاته، حيث قال فيه: «ويمكِّن جبهته» وأُجيب بأنَّ غايته أنَّه مفهوم لقبٍ، والمنطوق مُقدَّمٌ عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم، وصحَّح النَّوويُّ الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويكفي وضع جزءٍ من كلِّ واحدٍ منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكفَّين، سواءٌ الأصابع والرَّاحة، وفي الرِّجلين ببطون الأصابع، ولا يجب كشف شيءٍ منها إلَّا الجبهة، نعم يُسَنُّ كشف اليدين والقدمين لأنَّ في سترهما (٢) منافاةً للتَّواضع، ويُكرَه كشف الرُّكبتين لِمَا يُحذَر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟ أُجيب بأنَّ الشَّارع وقَّت المسح على الخفِّ بمدَّةٍ تقع فيها الصَّلاة بالخفِّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفِّ المقتضي لنقض الطَّهارة، فتبطل الصَّلاة، وعُورِض بأنَّ المخالف له أن يقول: يُخَصُّ لابس الخفِّ لأجل الرُّخصة.
стр. 2244
٨١٠ - وبه قال: (حدَّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أيضًا ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة، أي: أنا وأمَّتي (أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ) أي: أعضاءٍ كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٨٠٩] (وَلَا نَكُفَُّّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا) بنصب «نكفَّ» ورفعها، كما مرَّ.
٨١١ - وبه قال: (حدَّثنا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حدَّثنا) ولأبي ذَرٍّ «حدَّثني» بالإفراد، وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (١) بالجمع (إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عَبد الله -بفتح العين فيهما- الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون الطَّاء (٢) المُهمَلة وكسر الميم، وسقط لفظ «الخَطْمِيِّ» في (٣) رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ قال: (حدَّثنا البَرَاءُ بْنُ
стр. 2245
عَازِبٍ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنُِ) بفتح الياء وكسر النُّون وضمِّها، أي: لم يقوِّس (أَحَدٌ مِنَّا) ولابن عساكر: «أحدُنا» (ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ) الشَّريفة (عَلَى الأَرْضِ) هذا موضع التَّرجمة، وخصَّ الجبهة بالذِّكر لأنَّها أدخلُ في الوجوب من بقيَّة الأعضاء السَّبعة؛ ولذا لم يُختلَف في وجوب السُّجود بها واختُلِف في غيرها من بقيَّة الأعضاء، وليس فيه ما ينفي الزِّيادة الَّتي في غيره، أو أنَّ العادة أنَّ وضع الجبهة إنَّما هو بالاستعانة بالسِّتَّة الأعضاء الأخرى غالبًا.
(١٣٤) (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ) وسقط للأَصيليِّ الباب والتَّرجمة.
٨١٢ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ البصريُّ، ولابن عساكر: «المُعَلَّى» بزيادة «ال» (قَالَ: حدَّثنا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ الباهليُّ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنِ) عبد الله (١) (بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة (أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السُّجود على سبعة أعظمٍ، فلفظ «على» الثَّانية متعلِّقةٌ (٢) بمحذوفٍ كما مرَّ، والأولى متعلِّقةٌ
стр. 2246
بـ «أُمِرت» (وَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) كأنَّه ضمَّن «أشار» معنى «أمرَّ» بتشديد الرَّاء؛ فلذا عدَّاه بـ «على» دون «إلى»، ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: «إلى» بدل «على»، وعند النَّسائيِّ من طريق سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن طاوسٍ قال: ووضع يده على جبهته، وأمرَّها على أنفه، وقال: «هذا واحدٌ» أي: أنَّهما كالعضو الواحد لأنَّ عظم الجبهة هو الَّذي منه عظم الأنف، وإلَّا لزم أن تكون الأعضاء ثمانيةً، وعُورِض بأنَّه يلزم منه أن يكتفي بالسُّجود على الأنف كما يكتفي بالسُّجود على بعض الجبهة، وأُجيب بأنَّ الحقَّ أنَّ مثل هذا لا يعارض التَّصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنَّهما كعضوٍ واحدٍ فذاك في التَّسمية والعبارة، لا في الحكم الَّذي دلَّ عليه الأمر، وعند أبي حنيفة يجزئ أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والأكثرين يجزئ على بعض الجبهة، ويُستحَبُّ على الأنف، قال الخطَّابيُّ: لأنَّه إنَّما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللَّفظ، فلو ترك السُّجود على الأنف جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يَجُزْ، وقال أبو حنيفة وابن القاسم: له أن يقتصر على أيِّهما شاء، وقال الحنابلة وابن حَبيبٍ: يجب عليهما لظاهر الحديث، وأُجيب بأنَّ ظاهره أنَّهما في حكم عضوٍ واحدٍ كما مرَّ، وقوله: «وأشار بيده … » إلى آخره؛ جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف عليه وهو «الجبهة»، والمعطوف وهو قوله: (وَاليَدَيْنِ) أي: باطن الكفَّين (وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ) أصابع (القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَ) لا (١) (الشَّعَرَ) بفتح النُّون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ والنَّصب، وهو بمعنى: «الكفِّ» في السَّابقة [خ¦٨١٠] ومنه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافتةً، اسمٌ لِمَا يُكْفَت، أي: يُضَمُّ ويُجمَع.
стр. 2247
(١٣٥) (بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ) حال كونه (فِي الطِّينِ) كذا للأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، زاد المُستملي: «والسُّجود على الطِّين» والأوَّل (١) أحسن لئلَّا يلزم التَّكرار.
٨١٣ - وبه قال: (حدَّثنا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (قَالَ: حدَّثنا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁ (فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ) وللأَصيليِّ: «ألا تخرج إلى النَّخل» حال كوننا (نَتَحَدَّثْ) بالجزم في الفرع (٢)، ولأبي ذَرٍّ: «نتحدَّثُ» بالرَّفع (فَخَرَجَ، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال»: (قُلْتُ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «فقلت»: (حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ) بضمِّ
стр. 2248
الهمزة وتخفيف الواو؛ وبإضافة «العشر» لتاليه، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت والكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «العشرَ الأُوَلَ» وفي بعض النُّسخ كما في «المصابيح»: «اعتكف رسول الله ﷺ الأَوَّل» بغير موصوفٍ والهمزة مفتوحةٌ (مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ) ﵊ (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ) هو (أَمَامَكَ) بفتح الميم الثَّانية، أي: قدَّامك (فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ) كذا في أكثر الرِّوايات، والمراد بـ «العشر»: اللَّيالي، وكان من حقِّها أن تُوصَف بلفظ التَّأنيث، ووُصِفت بالمُذكَّر على إرادة الوقت أو الزَّمان، أو التَّقدير: «الثُّلث» كأنَّه قال: ليالي العشر الَّتي هي الثُّلث الأوسط من الشَّهر (فَاعْتَكَفْنَا) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «واعتكفنا» (مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ) ﵊ (فَقَالَ) له: (إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ) هو (٢)
стр. 2249
(أَمَامَكَ، فَقَامَ) كذا لأبي ذَرٍّ، وللأَصيليِّ (١): «فقام» وفي روايةٍ: «ثمَّ قام» (النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، أي: في صبيحة عشرين (مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ) ﵊: (مَنْ كَان اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: معي، فهو من باب الالتفات من التَّكلُّم للغيبة (٢) (فَلْيَرْجِعْ) إلى الاعتكاف (فَإِنِّي أُرِيتُ) بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء على البناء لغير (٣) مُعيَّنٍ، من (٤) الرُّؤيا، أي: أُعلِمت، أو: من الرُّؤية، وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنِّي رأيت» أي: أبصرت (لَيْلَةَ القَدْرِ) وإنَّما رأى علامتها، وهي السُّجود في الماء والطِّين (وَإِنِّي نُسِّيتُهَا) بضمِّ النُّون وتشديد السِّين المُهمَلة المكسورة، وفي بعض النُّسخ: «أُنْسِيتُها» بهمزةٍ مضمومةٍ، ففي الرِّوايتين أنَّه نسيها بواسطةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «نَسِيتُها» بفتح النُّون وتخفيف السِّين، أي: نسيتها من غير واسطةٍ، والمراد أنَّه نسي علم تعيينها في تلك السَّنة (وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ) جمع آخرةٍ، قال في «المصابيح»: وهذا جارٍ على القياس، قال ابن الحاجب:
стр. 2250
ولا يُقال هنا [الأُخر] (١) جمعٌ لـ «أخرى» (٢) لعدم دلالتها على التَّأخير الوجوديِّ، وهو مرادٌ، وفيه بحثٌ. انتهى. (وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ). (وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا) من السَّحاب (فَجَاءَتْ قَزَْعَةٌ) بفتح القاف والزَّاي المُعجَمة والعين المُهمَلة، وقد تُسكَّن الزَّاي؛ قطعةٌ من سحابٍ رقيقةٌ (فَأُمْطِرْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء (فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ) ولابن عساكر: «أثر الماء والطِّين» (عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «على جبهة النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح النُّون والمُوحَّدة؛ طرف أنفه، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكِّر عليه قوله في بعض طرقه [خ¦٢٠١٨]: «ووجهه ممتلئ طينًا وماءً»، وأجاب النَّوويُّ بأنَّ الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وقول الخطَّابيِّ: فيه دلالةٌ على وجوب السُّجود على الجبهة والأنف، ولولا ذلك لصانهما (٣) عن أثر (٤) الطِّين، وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّ الفعل لا يدلُّ على الوجوب، فلعلَّه أخذ بالأكمل، وأخذه من قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] مُعارَضٌ بأنَّ المندوب في (٥) أفعال الصَّلاة أكثر من الواجب، فعارضَ الغالبُ ذلك الأصل. انتهى. وكان ما ذكر من أثر الطِّين والماء (تَصْدِيقَُ رُؤْيَاهُ) ﵊ وتأويلها، وضبطه البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ بالرَّفع بتقدير:
стр. 2251
«هو»، وفي الفرع وأصله بالنَّصب فقط، وزاد في رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله، أي: المؤلِّف: كان الحُميديُّ -أي: شيخه- يحتجُّ بهذا الحديث، يقول: لا يمسح السَّاجد جبهته من أثر الأرض (١)».
وأخرج المؤلِّف الحديث في «الصَّلاة» [خ¦٦٦٩] و «الصَّوم» [خ¦٢٠١٦] و «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٦]، ومسلمٌ في «الصَّوم» (٢)، وأبو داود في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الاعتكاف»، وابن ماجه في «الصَّوم».
(١٣٦) (بابُ عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا) عند الصَّلاة (وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ) من المصلِّين (٣) (إِذَا خَافَ) وللأَصيليِّ: «مخافة» (أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ) أي: خوف انكشاف عورته وهو في الصَّلاة، وهذا يومئ إلى أنَّ النَّهيَ الوارد عن كفِّ الثِّياب في الصَّلاة محمولٌ على حالة غير الاضطرار.
٨١٤ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو) بالرَّفع خبر المبتدأ، مضافٌ إلى (أُزُْرِهِمْ) بضمِّ الهمزة والزَّاي، وبسكونها في «اليونينيَّة»، وكسر الرَّاء، جمع إزارٍ، وسقطت نون «عاقدون» للإضافة، وللحَمُّويي والمُستملي: «عاقدي» بالياء نصبًا على الحال، أي: وهم مؤتزرون حال كونهم عاقدي أزرهم، فسدَّ مسدَّ الخبر، أو خبر «كان» محذوفةً، أي: هم كانوا عاقدي أُزْرِهم (مِنَ الصِّغَرِ) أي: من أجل صغر أُزْرِهم (عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا) أي: جالسين، نهاهنَّ أن يرفعنَ رؤوسهنَّ قبل الرِّجال خوف أن يقع بصرهنَّ على عوراتهم.
стр. 2252
(١٣٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (لَا يَكُفَُّّ) بضمِّ الفاء، كذا في فرع «اليونينيَّة» كهي، وهو الَّذي ضبطه الحافظ ابن حجرٍ في روايته، قال: وهو الرَّاجح، ويجوز الفتح. وقال الدَّمامينيُّ والبرماويُّ: بفتح الفاء عند المحدِّثين، وضمِّها عند المحقِّقين من النُّحاة، وكذا لا يكفُّ ثوبه في الصَّلاة، أي: في التَّرجمة الآتية، والمعنى: لا يضمُّ المصلِّي (شَعَرًا) من رأسه في صلاته.
٨١٥ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حمَّاد بن زيدٍ» ولأبي ذَرٍّ: «هو ابن زيدٍ» (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الهمزة وكسر الميم (أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ): الجبهة واليدين والرُّكبتين وأطراف القدمين (وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ) الَّذي في رأسه، ومناسبة هذه التَّرجمة لأحكام السُّجود من جهة أنَّ الشَّعر يسجد مع الرَّأس إذا لم يُكَفَّ (١) أو يُلَفَّ، وجاء في حكمة النَّهي عن ذلك: أنَّ غرزة الشَّعر يقعد (٢) فيها الشَّيطان حالة الصَّلاة كما في «سنن أبي داود» بإسنادٍ جيِّدٍ مرفوعًا.
стр. 2253
(١٣٨) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (لَا يَكُفَُّّ) بالضَّمِّ أو النَّصب، المصلِّي (ثَوْبَهُ فِي الصَّلاة).
٨١٦ - وبه قال: (حدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، وسقط لفظ «إسماعيل» عند ابن عساكر (قَالَ: حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة (أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ) ولابن عساكر زيادة: «أعظمٍ» و (لَا أَكُفُّ شَعَرًا) من رأسي (وَلَا ثَوْبًا).
(١٣٩) (بابُ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ).
стр. 2254
٨١٧ - وبه قال: (حدَّثنا مُسَدَّدٌ) أي (١): ابن مسرهدٍ (قَالَ: حدَّثنا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (٢): «منصور بن المعتمر» (عَنْ مُسْلِمٍ) زاد الأَصيليُّ: «هو ابن صُبَيْحٍ» أي: بضمِّ الصَّاد المُهمَلة وفتح المُوحَّدة آخره مُهمَلةٌ، أبي الضُّحى؛ بضمِّ الضَّاد المُعجَمة (٣) والقصر (عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ) أي: يفعل ما أُمِرَ به فيه، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] أي: فسبح (٤) بنفس الحمد لِمَا تضمَّنه الحمد من معنى التَّسبيح الَّذي هو التَّنزيه؛ لاقتضاء الحمدِ نسبةَ الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى، فعلى هذا يكفي في
стр. 2255
امتثال الأمر الاقتصارُ على الحمد، أو المراد: فسبِّح ملتبسًا بالحمد، فلا يمتثل حتَّى يجمعهما، وهو الظَّاهر. وفي رواية الأعمش عن أبي الضُّحى كما في «التَّفسير» [خ¦٤٩٦٧] عند المؤلِّف: «ما صلَّى النَّبيُّ ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلَّا يقول فيها … » الحديث، وهو يقتضي مُواظَبته ﵊ على ذلك، واستُدِلَّ به على جواز الدُّعاء في الرُّكوع والسُّجود، والتَّسبيح في السُّجود، ولا يعارضه قوله ﵊ المرويُّ في مسلمٍ وأبي داود والنَّسائيِّ: «أمَّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الرَّبَّ، وأمَّا السُّجود فاجتهدوا فيه في الدُّعاء» لكن يحتمل أن يكون أمر في السُّجود بتكثير الدُّعاء لإشارة قوله: «فاجتهدوا فيه في الدُّعاء»، والَّذي وقع في الرُّكوع من قوله: «اللَّهُمَّ اغفر لي» ليس كثيرًا (١)، فلا يعارض ما أمر به في السُّجود، وفيه تقديم الثَّناء على الدُّعاء.
(١٤٠) (بابُ المُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «بين السُّجود».
٨١٨ - ٨١٩ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (أَنَّ مَالِكَ بْنَ الحُوَيْرِثِ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الواو آخره مُثلَّثةٌ (قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ
стр. 2256
رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «صلاة النَّبيِّ» (¬ ﷺ ؟) الإنباء يتعدَّى بنفسه، قال تعالى: ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] وبالباء، قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] (قَالَ) أبو قِلابة: (وَذَاكَ) أي: الإنباء الَّذي دلَّ (١) عليه «أنبِّئكم» (فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ) من الصَّلوات المفروضة (فَقَامَ) أي: مالكٌ، فأحرم بالصَّلاة (ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (فَقَامَ هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: قليلًا (ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً) هذا موضع التَّرجمة لأنَّه يقتضي الجلوس بين السَّجدتين قدر الاعتدال، قال أبو قِلابة: (فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ) بكسر اللَّام (شَيْخِنَا هَذَا) بالجرِّ عطفُ بيانٍ لـ «عمرو» المجرور بالإضافة، أي: كصلاته. (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بالسَّند المسوق إليه: (كَانَ) أي: الشَّيخ المذكور (يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ) أي: يجلس للاستراحة (فِي) آخر (الثَّالِثَةِ وَ) أوَّل (الرَّابِعَةِ) كذا في الفرع، «والرَّابعة» بغير ألفٍ، وعزاها ابن التِّين لأبي ذَرٍّ، وقال: وأراه غير صحيحٍ. انتهى. ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ ممَّا في الفرع وأصله (٢): «أو الرَّابعة» بالشَّكِّ (٣) من الرَّاوي، أيُّهما قال؟ والمتردِّد فيه واحدٌ لأنَّ المراد بدء الرَّابعة؛ لأنَّ الَّذي بعدها جلوس
стр. 2257
التَّشهُّد، وذلك انتهاء الثَّالثة. وفيه: استحبابُ جلسة الاستراحة، وبها (١) قال الشَّافعيُّ وإن خالفه الأكثر. (قَالَ) ابن الحويرث: أسلَمْنا أو أرسلَنَا قومنا (فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ) زاد في رواية ابن عساكر: «شهرًا» (فَقَالَ) ﵊: (لَوْ) أي: إذا، أو إنْ (رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ) بسكون الهاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «أهاليكم» بفتح الهاء ثمَّ ألفٌ بعدها (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وصلُّوا» بزيادة واوٍ قبل الصَّاد (صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاة فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ).
٨٢٠ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) المعروف بـ «صاعقة» (قَالَ: حدَّثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة وبالرَّاء بعد المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: حدَّثنا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون المُهمَلة، ابن كِدَامٍ (عَنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتيبة الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ أنَّه (قَالَ: كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) اسم «كان»، وتاليه معطوفٌ (٢) عليه وهو قوله (٣): (وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: كان زمان سجوده وركوعه وجلوسه بين السَّجدتين (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) بالمدِّ، أي: المساواة. قال الخطَّابيُّ: هذا أكمل صفة صلاة الجماعة، وأمَّا الرَّجل وحده فله أن يطيل في (٤) الرُّكوع والسُّجود أضعاف ما يطيل (٥) بين السَّجدتين، وبين الرُّكوع والسَّجدة.
стр. 2258
٨٢١ - وبه قال: (حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬)، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة (١): «ابن مالكٍ» (قَالَ: إِنِّي لَا آلُو) بمدِّ الهمزة وضمِّ اللَّام، أي: لا أقصِّر (أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «كان أنس بن مالكٍ» (يَصْنَعُ شَيْئًا) في صلاته (لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ) في صلاتكم (كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ) فيمكث معتدلًا (حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ) بفتح النُّون (وَ) يمكث جالسًا (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ) أي: من طول قيامه، قال في «فتح الباري»: وفيه إشعارٌ بأنَّ مَنْ خاطبهم ثابتٌ كانوا (٢) لا يطيلون بين السَّجدتين، ولكنَّ السُّنَّة إذا ثبتت لا يبالي من تمسَّك بها مخالفةَ مَنْ خالفها.
(١٤١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (لَا يَفْتَرِشُ) بالرَّفع في الفرع كأصله على النَّفي، وهو بمعنى النَّهي، ويجوز الجزم على النَّهي، أي: لا يبسط المصلِّي (ذِرَاعَيْهِ) أي: ساعديه على الأرض ويتكئ عليهما (فِي السُّجُودِ، وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) السَّاعديُّ في حديثه الآتي مُطوَّلًا -إن شاء الله تعالى- بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦٨٢٨]: (سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ) على الأرض، حال كونه (غَيْرَ
стр. 2259
مُفْتَرِشٍ) بأن وضع كفَّيه على الأرض وأقلَّ ساعديه، غير واضعهما على الأرض (وَلَا قَابِضِهِمَا) بأن ضمَّهما إليه غير مجافيهما عن جنبيه، وتسمِّيه الفقهاء بالتَّخْوية.
٨٢٢ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب قال المؤلِّف: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مُشدَّدةٍ، ويقال له: بُندار (قَالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر (قَالَ: حدَّثنا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بنَ دِعَامَةَ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، صرَّح في «التِّرمذيِّ» بسماع قتادةَ له من أنسٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اعْتَدِلُوا) أي: توسَّطوا بين الافتراش والقبض (فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ) بمثنَّاة تحتيَّة فموحَّدة ساكنة من غير نون ولا مثنَّاة فوقيَّة (أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ) فينبسط (انْبِسَاطَ الكَلْبِ) بنون ساكنة
стр. 2260
فموحَّدة مكسورة، كذا في رواية ابن عساكر في الكلمتين، وللأكثرين: «ولا ينبسط» بنون ساكنة بعد المثنَّاة التَّحتيَّة فموحَّدة مَفْتُوحة من باب: «يَنْفَعِل» «انبساط الكلب» بتسكين النُّون وكسر المُوحَّدة كرواية ابن عساكر (١)، وللحَمُّويي: «ولا يبتسط» بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ بعد المُثنَّاة التَّحتيَّة فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ من غير نونٍ من باب: «يفتعل» «ابتساط الكلب» بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ فمُثنَّاةٍ مَكْسُوْرَةٍ من غير نونٍ.
والحكمة فيه: أنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإنَّ المنبسط يشبه الكسالى، ويشعر حاله بالتَّهاون، لكن لو تركه صحَّت صلاته، نعم يكون مسيئًا مرتكبًا لنهي التَّنزيه، والله أعلم.
والحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(١٤٢) (بابُ مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا) للاستراحة (فِي وِتْرٍ) أي: في الرَّكعة الأولى أو الثَّالثة (مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ نَهَضَ) قائمًا.
٨٢٣ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بفتح المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة، الدُّولابيُّ (قَالَ:
стр. 2261
أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المُعجَمة، ابن بَشيرٍ؛ بفتح المُوحَّدة (قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ لأبي ذَرٍّ: «أخبرني» (مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ) إلى القيام (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا) للاستراحة، وبذلك أخذ الشَّافعيُّ وطائفةٌ من أهل الحديث، ولم يستحبَّها الأئمَّة الثَّلاثة كالأكثر. واحتجَّ الطَّحاويُّ له بخلوِّ حديث أبي حُمَيْدٍ عنها، فإنَّه ساقه بلفظ: «قام ولم يتورَّك»، وكذا أخرجه أبو داود، وأجابوا عن حديث ابن الحويرث بأنَّه ﵊ كانت به علَّةٌ، فقعد لأجلها، لا أنَّ ذلك من سُنَّة الصَّلاة، ولو كانت مقصودةً؛ لشُرِع لها ذكرٌ مخصوصٌ، وأُجيب بأنَّ الأصل عدم العلَّة، وأمَّا التَّرك فلبيان الجواز، على أنَّه لم تتَّفق الرِّوايات (١) عن أبي حُمَيْدٍ على نفيها، بل أخرج أبو داود أيضًا من وجهٍ آخر عنه إثباتها، وبأنَّها جلسةٌ خفيفةٌ جدًّا، فاستغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بغداديٍّ وهو شيخ المؤلِّف، وما بين واسطيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(١٤٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ يَعْتَمِدُ) المصلِّي (عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ) أي: أيَّ ركعةٍ كانت، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الرَّكعتين» أي: الأولى والثَّالثة.
стр. 2262
٨٢٤ - وبه قال: (حدَّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ (قَالَ: حدَّثنا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ، فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ) ولابن عساكر: «قال»: (إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاة، وَلَكِن) بغير نون الوقاية، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكنِّي» بإثباتها، ولابن عساكر: «لكن» بحذف الواو والياء (أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «رأيت رسول الله» (¬ ﷺ يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ: (فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ: وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ): كانت (مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا؛ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ) بكسر اللَّام (قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ) أي: يكبِّر عند كلِّ انتقالٍ غير الاعتدال، ولا ينقص من تكبيرات الانتقالات شيئًا، أو كان يمدُّه من أوَّل الانتقال (١) إلى آخره (وَإِذَا) بالواو، ويُروَى: «فإذا» (رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ) وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «في» بدل «عن»، ولأبي ذَرٍّ في بعض نسخةٍ: «من السَّجدة» (جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ) بباطن كفَّيه كما يعتمد الشَّيخ العاجن إذا عجن الخمير (ثُمَّ قَامَ).
стр. 2263
(١٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُكَبِّرُ) المُصَلِّي (وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ) أي: عند ابتداء القيام من التَّشهُّد الأوَّل إلى الرَّكعة الثَّالثة كغيره، فالمراد بالسجدتين: الركعتان الأولتان (١) لأن السجدة تطلق على الركعة من باب إطلاق الجزء على الكل.
(وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ اللهِ، ممَّا وصله ابن أبي شيبةَ بإسنادٍ صحيحٍ (يُكَبِّرُ فِي) أوَّلِ (نَهْضَتِهِ) من السَّجدتين.
٨٢٥ - وبه قال: (حدَّثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) أبو زكريا الوحاظيُّ (٢) الحمصيُّ (قَالَ: حدَّثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، واسمه: عبد الملك، وفُلَيْحٌ لقبُه، فغلب على اسمه وشُهِرَ به (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بكسر العين، ابن المُعلَّى الأنصاريِّ المدنيِّ (قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن
стр. 2264
مالكٍ الخدريُّ ﵁ بالمدينة لمَّا غاب أبو هريرة، وكان يصلِّي بالنَّاس في إمارة مروان على المدينة، وكان مروان وغيره من بني أميَّة يُسِرُّون (١) بالتَّكبير (فَجَهَرَ) أبو سعيدٍ (بِالتَّكْبِيرِ) زاد الإسماعيليُّ: «حين افتتح، وحين ركع، وحين سجد» (حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ) زاد الأَصيليُّ: «رأسه» (وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) زاد الإسماعيليُّ: «فلمَّا انصرف قِيلَ له: قد اختلف النَّاس على (٢) صلاتك، فقام عند (٣) المنبر فقال: إنِّي والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو (٤) لم تختلف» (وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) يصلِّي. قال في «الفتح»: والَّذي يظهر أنَّ الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتَّكبير والإسرار به للقيام، وفيه: أنَّ التَّكبير للقيام يكون مقارنًا الفعل (٥)، وهو مذهب الجمهور خلافًا لمالكٍ، حيث قال: يكبِّر (٦) بعد الاستواء، وكأنَّه شبَّهه بأوَّل الصَّلاة من حيث إنَّها فُرِضت ركعتين، ثمَّ زِيدَت الرُّباعية، فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه، كذا قاله بعض أتباعه، لكن كان ينبغي أن يُستَحبَّ رفع اليدين حينئذٍ لتكمل المناسبة، ولا قائل به منهم. انتهى.
ورواة هذا الحديث ما بين حمصيٍّ ومدنيِّين، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وتفرَّد به المؤلِّف عن أصحاب الكتب السِّتَّة.
стр. 2265
٨٢٦ - وبه قال: (حدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحِيُّ (قَالَ: حدَّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حدَّثنا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الغين المُعْجَمَة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة في الأوَّل، وفتح الجيم في الثَّاني (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابنُ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيْرِ العامريُّ (قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ) بنُ حُصَيْنٍ (١) (صَلَاةً) من الصَّلوات (خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ بالبصرةِ (فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه من السُّجود (كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ) الأُوْلَيَيْن بعد التَّشهد (كَبَّرَ) عند ابتداء القيام، وهذا موضع التَّرجمة (فَلَمَّا سَلَّمَ) أي: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ (٢) (أَخَذَ عِمْرَانُ) ابنُ حُصَيْنٍ (بِيَدِي) بكسر الدَّال (فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا) يعني: عليَّ بنَ أبي طالبٍ (صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) أي: مثل صلاتِه (أَوْ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي) بتشديد الكاف (هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) شكَّ مطرفٌ رحمه الله تعالى.
(١٤٥) (بابُ سُنَّةِ الجُلُوسِ) أي: هيئتِه (فِي التَّشَهُّدِ) كالافتراشِ مثلًا، أو مراده: نفس (٣) الجلوس، على أن يكون المقصود بـ «السُّنَّة»: الطريقة الشَّاملة للواجب والمندوب.
(وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ) ممَّا وصله المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» من طريق مَكْحُول (تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ) بكسر الجيم لأنَّ المراد الهيئة، أي: كما يجلس الرَّجل بأن تنصب الرِّجل اليمنى وتفرش (٤) اليسرى، قال مكحولٌ: (وَكَانَتْ) أي: أمَّ الدَّرداءِ (فَقِيهَةً) وكذا وصله ابن أبي شيبة، لكنَّه لم يقل: «وكانت فقيهةً» فجزم مغلطاي وابن
стр. 2266
المُلقِّن بأنَّه من قول البخاريِّ، كأنَّهما لم يقفا على رواية «تاريخ» المؤلِّف، وجزم الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه من كلام مكحولٍ لرواية «التَّاريخ» و «مُسنَد الفريابيِّ» فإنَّه أخرجه فيه كذلك تامًّا، وبأنَّ أمَّ الدَّرداء هذه هي الصُّغرى هُجَيْمَة التَّابعيَّة، لا الكبرى: خَيْرة بنت أبي حَدْرَدٍ الصَّحابيَّة لأنَّ مكحولًا لم يدرك الكبرى، وإنَّما أدرك الصُّغرى، وأمَّا استدلال العينيِّ على أنَّها الكبرى بقوله: «وكانت فقيهةً» فليس بشيءٍ، كما لا يخفى.
٨٢٧ - وبالسَّند السَّابق إلى المصنِّف قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) صريحٌ في أنَّ عبد الرَّحمن بن القاسم أخذه عن عبد الله، فيُحمَل ما رواه الإسماعيليُّ عن مالكٍ عن عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الله على أنَّ عبد الرَّحمن أخذه عن أبيه عن عبد الله (١)، ثمَّ أخذه عنه بغير واسطةٍ: (أَنَّهُ كَانَ يَرَى) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ
стр. 2267
عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاة إِذَا جَلَسَ) للتَّشهُّد (فَفَعَلْتُهُ) أي: التَّربُّع (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي) عنه (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ له وهي رواية أبي الوقت: «قال» بإسقاطها، ولابن عساكر: «فقال»: (إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاة) أي: الَّتي سنَّها النَّبيُّ ﷺ (أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى) أي: لا تلصقها بالأرض (وَتَثْنِيَ) بفتح أوَّله، أي: تعطف رجلك (اليُسْرَى) وفي رواية يحيى بن سعيدٍ عند مالكٍ في «موطَّئه»: أنَّ القاسم بن محمَّدٍ أراهم الجلوس في التَّشهُّد، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى، وجلس على وركه اليسرى (١)، ولم يجلس على قدمه (٢)، فبيَّن في رواية القاسم الإجمال الَّذي في رواية ابنه لأنَّه لم يبيِّن ما يصنع بعد أن يثنيَ اليسرى، هل يجلس فوقها أو يتورَّك؟ قال عبد الله: (فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ) أي: التَّربُّع (فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَيَّ) بتشديد الياء تثنية رِجْلٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «إنَّ رِجلاي» بالألف على إجراء المُثنَّى مجرى المقصور كقوله:
إنَّ أباها وأبا أباها
أو أنَّ «إنَّ» بمعنى «نعم»، ثمَّ استأنف فقال: «رِجلاي» (لَا تَحْمِلَانِي) بتخفيف النُّون، ولأبي ذَرٍّ: «لا تحملانِّي» بتشديدها.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.
стр. 2268
٨٢٨ - وبه قال: (حدَّثنا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ (قَالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ أيضًا (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيدَ (١) الجمحيّ المصريّ (عَنْ سَعِيدٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ، زاد أبو ذَرٍّ: «هو ابن أبي هلالٍ» (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) بفتح العين، وكذا الحاءين المُهمَلتين وسكون اللَّام الأولى، الدِّيليِّ المدنيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) بفتح العين قبل الميم السَّاكنة، القرشيِّ العامريِّ المدنيِّ.
قال (وَحدَّثنا) بالواو، وفي بعض الأصول قبله: «ح» للتَّحويل إلى سندٍ آخر، ولابن عساكر: «قال: حدَّثني» بحذف الواو والإفراد (٢)، أي: قال يحيى ابن بُكَيْرٍ: «حدَّثني» أو «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) سويدٍ المصريِّ (وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ) القرشيِّ،
стр. 2269
كلاهما (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ) أي: ابن عطاءٍ (كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ) كذا لكريمة بلفظ: «مع»، ولغيرها وعزاه في الفرع لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في نفرٍ» اسمُ جمعٍ يقع على الرِّجال خاصَّةً، ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، وفي «سنن أبي داود» و «صحيح ابن خزيمة»: أنَّهم كانوا عشرةً (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «من أصحاب رسول الله» ﷺ ، أي: حال كونهم من أصحابه (¬ ﷺ ¬) منهم (١) أبو قتادة بن ربعيٍّ، وأبو أُسَيْدٍ السَّاعديُّ، وسهل بن سعد، ومحمَّدُ بنُ مسلمةَ (٢)، وأبو هريرةَ ﵃ (فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) عبدُ الرَّحمن أو المُنْذِر (السَّاعِدِيُّ) الأنصاريُّ ﵁: (أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «لصلاة النبي» (¬ ﷺ ¬) زاد في رواية أبي داود: «قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبةً» وللطَّحاويِّ: قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتَّى حفظت صلاته (رَأَيْتُهُ) ﵊ (إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ) ولأبي ذَرٍّ: «حذو منكبيه» زاد ابن إسحاق: «ثمَّ قرأ بعض القرآن» (وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ) بالصَّاد المُهْمَلة، أي: أماله في استواءٍ من رقبته ومتن (٣) ظهره من غير تقويسٍ (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى) قائمًا مُعْتَدِلًا (حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ) بفتح الفاء والقاف جمع فَقَارَةٍ، واستُعمِل الفَقَار للواحد (٤) تجوُّزًا، وفي «المطالع» -ونُسِبَ للأَصيليِّ- كسر (٥) الفاء، وحُكِيَ عن الأَصيليِّ أيضًا: «كلُّ قِفارٍ» بتقديم
стр. 2270
القاف، وهو تصحيفٌ لأنَّه جمع قَفْرٍ؛ وهو المفازة، ولا معنى له هنا، والفَقَار -بتقديم الفاء- ما انْتَضَدَ من عظام الصُّلب من لَدُن (١) الكاهل إلى العَجْب، قاله في «المُحْكَم»، وهو ما بين كلِّ مفصلين، وقال صاعدٌ: وهنَّ (٢) أربعٌ وعشرون، سبعٌ في العنق، وخمسٌ في الصُّلب، واثنتا عشرة في أطراف الأضلاع (٣)، وقال الأصمعيُّ: خمسٌ وعشرون، وفي رواية الأَصيليِّ: «حتَّى يعود كلُّ فقارٍ إلى مكانه» (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ) حال كونه (غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) ساعديه، وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه (وَلَا قَابِضِهِمَا) أي: ولا قابضٍ يديه؛ وهو أنْ يضمُّهما إليه، وفي رواية فليحِ بنِ سليمانَ: «ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) الأوليين (٤) للتَّشهُّد (جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى) وهذا هو الافتراش (وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ (٥))
стр. 2271
للتَّشهُّد الأخير (١) (قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ) وهذا هو التَّورُّك، وفيه دليل للشَّافعيَّة في أنَّ جلوس التَّشهُّد الأخير مغايرٌ لغيره، وحديث ابنِ عمرَ (٢) [خ¦٨٢٧] المُطلَق مَحْمُولٌ على هذا الحديث (٣) المُقيَّد، نعم في حديث عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ المرويِّ في «الموطَّأ» التَّصريح بأنَّ جلوس ابن عمر المذكور كان في التَّشهُّد الأخير، وعند الحنفيَّة: يفترش في الكلِّ، وعند المالكيَّة: يتورَّك في الكلِّ، والمشهور عن أحمدَ اختصاص التَّورُّك بالصَّلاة الَّتي فيها تشهُّدان.
فإن قلت: ما الحكمة في أخذ الشَّافعيَّة بالتَّغاير في الجلوس الأوَّل والثَّاني؟ أُجِيْبَ: لأنَّه (٤) أقرب إلى عدم اشتباه عدد الرَّكعات، ولأنَّ الأوَّل تعقُبه الحركة (٥) بخلاف الثَّاني، ولأنَّ المسبوق إذا رآه (٦) علم قدر ما سُبِق به.
ورواة هذا الحديث ما بين مصرييِّن -بالميم- ومدنيِّين، وفيه: إرداف الرِّواية النَّازلة بالعالية، ويزيد بن محمَّدٍ من أفراد المؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه.
قال المؤلِّف مفيدًا (٧) أنَّ العنعنة الواقعة في هذا الحديث بمنزلة السَّماع: (وَسَمِعَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ (يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ) وسقط للأَصيليِّ واو «وسمع» (وَيَزِيدُ منْ (٨) مُحَمَّدِ بن
стр. 2272
عمرو (١) ابْنِ حَلْحَلَةَ) وللأَصيليِّ: «ويزيدُ بنُ محمَّدٍ (٢)، محمَّدَ بنَ حلحلة» ولأبي ذَرٍّ: «ويزيدُ محمَّدًا» وللأَصيليِّ أيضًا: «ويزيد سمع من محمَّد بن حلحلة» (وَابْنُ حَلْحَلَةَ) سمع (مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ) وقد سقط ذلك؛ أعني: من قوله: «سمع … إلى آخر قوله: ابن عطاءٍ» عند ابن عساكر.
(وقَالَ) بواو العطف، ولغير أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قال» (أَبُو صَالِحٍ) كاتب اللَّيث، وليس هو أبا صالحٍ عبد الغفَّار البكريَّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ (٣): (عَنِ اللَّيْثِ) بإسناده الثَّاني السَّابق عن يزيد بن أبي حبيبٍ، ويزيد بن محمَّدٍ: (كُلُّ فَقَارٍ) بغير إضافةٍ إلى ضميرٍ، وتقديم الفاء على القاف كما في الفرع، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ضُبِط في روايتنا بتقديم القاف على الفاء، وكذا للأَصيليِّ. انتهى. وقد (٤) قالوا: إنَّها تصحيفٌ كما مرَّ، وعند الباقين: كرواية يحيى ابن بُكَيْرٍ؛ يعني: بتقديم الفاء، لكن ذكر صاحب «المطالع» أنَّهم كسروا الفاء. (وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله، ممَّا وصله الفريابيُّ في «صفة الصَّلاة» له، والجوزقيُّ في «جمعه»، وإبراهيم الحربيُّ في «غريبه»: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ محمَّد بن عمرو بن حلحلة حدَّثه»: (كُلُّ فَقَارٍ) بتقديم الفاء من غير ضميرٍ أيضًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وحده: كلُّ فقاره؛ بهاء الضَّمير كما في الفرع أي: حتَّى يعود جميع عظام ظهره، أو (٥) «فقارةٍ» بهاء التَّأنيث، أي: حتَّى تعود كلُّ عظمةٍ من عظام الظَّهر مكانها.
(١٤٦) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ) في الجلسة الأولى من الرُّباعيَّة والثُّلاثيَّة (وَاجِبًا) والتَّشهُّد: «تَفَعُّلٌ» مِن «تَشَهَّد»، سُمِّي بذلك لاشتماله على النُّطق بشهادة الحقِّ تغليبًا له على بقيَّة أذكاره
стр. 2273
لشرفها، وهو من باب إطلاق اسم البعض على الكلِّ، وقد استدلَّ المؤلِّف لِمَا ترجم له بقوله: (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ) إلى التَّشهُّد، ولو كان واجبًا لرجع إليه لمَّا سبَّحوا به كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦٨٢٩] (١).
٨٢٩ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، دينار (عَنِ) ابن شهابٍ محمَّد بن مسلمٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج (مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ) نسبه لجدِّ مواليه الأعلى (-وقَالَ) الزَّهريُّ (مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ-) بن عبد المطَّلب، فنسبه لمولاه الحقيقيِّ، فلا منافاة بينهما: (أنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح المُهمَلة، اسم أمِّه (وَهْوَ) أي: ابن بُحَيْنةَ (مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي بعدها دالٌ مُهمَلةٌ في الأولى، وفتح الشِّين وضمِّ النُّون (٢) وفتح الهمزة في الثَّانية؛ بوزن «فَعُولَة»، قبيلةٌ مشهورةٌ (وَهْوَ) أي: ابن بُحَينة أيضًا (حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ) بالحاء المُهمَلة لأنَّ جدَّه حالف المطَّلب بن عبد المناف (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هو مقول التَّابعيِّ الرَّاوي عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) إلى الثَّالثة، حال كونه (لَمْ يَجْلِسْ) للتَّشهُّد، ولابن عساكر: «ولم يجلس» بالواو، وفي «مسلم» بالفاء (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) زاد الضَّحَّاكُ بنُ عثمانَ عنِ الأعرجِ فيما رواه ابن خزيمة: «فسبَّحوا به، فمضى» (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاة) أي: فرغ منها
стр. 2274
(وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ) جملة حاليَّة (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو بعد التَّشهُّد (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ) فيه ندبيَّة التَّشهُّد الأوَّل لأنَّه لو كان واجبًا لرجع وتداركه، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأحمدَ حيث قال: يجب لأنَّه ﵊ فعله وداوم عليه، وجبره بالسُّجود حين نسيه (١)، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] وتعقِّب بأنَّ جبره بالسُّجود دليل عليه لا له لأنَّ الواجب لا يجبر بذلك، كالرُّكوع وغيره، وممَّن قال بالوجوب أيضًا: إسحاق، وهو قول للشَّافعيِّ، ورواية عند الحنفيَّة، وفي الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في «السَّهو» [خ¦١٢٢٤].
ورواته ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٠] و «السَّهو» [خ¦١٢٢٤] و «النُّذور» [خ¦٦٦٧٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة»، والله المُعِيْنُ (٢).
(١٤٧) (بابُ) مشروعيَّة (التَّشَهُّدِ فِي) الجلسة (الأُولَى) من الثُّلاثيَّة والرُّباعيَّة.
٨٣٠ - وبه قال (٣): (حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، وسقط في رواية ابن عساكر لفظ «ابن سعيد» (قَالَ: حدَّثنا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (بَكْرٌ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف، وفي بعضها: «بكر بن مضر» (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بنِ شرحبيلَ المصريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بنِ هُرْمُزَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بتنوين «مالكٍ»، وكتابة «ابن» بعدَه (٤) بألفٍ، وإعرابه
стр. 2275
إعراب «عبد الله» لأنَّ «بحينة» اسم (١) أمِّه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ) للتَّشهد الأوَّل (فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (وَهْوَ جَالِسٌ) قبل أن يُسلِّم، وبعد أن تشهَّد، قيل: وفيه إشعارٌ بالوجوب حيث قال: «فقام وعليه جلوس»، وفيه نظرٌ.
(١٤٨) (بابُ) وجوب (التَّشَهُّدِ فِي) الجلسة (الآخِرَةِ).
٨٣١ - وبه قال: (حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دَكِيْنٍ (قَالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهرانَ (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) هو أبو وائلٍ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ ﵁ (كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «خلف رسول الله» (¬ ﷺ ¬) في رواية أبي داود عن مُسَدَّد: «إذا جلسنا» (قُلْنَا): السَّلام على الله من عباده (السَّلام عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلام عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ) زاد في رواية عبد الله بن نُمَيْرٍ عن الأعمشِ عند ابن ماجه: «يعنون الملائكة»، والأظهر (٢) كما قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ: أنَّ هذا كان استحسانًا منهم، وأنَّه ﵊ لم يسمعه إِلَّا حين أنكره عليهم، قال: ووجْه الإنكار عليهم (٣) عدم استقامة المعنى لأنَّه عكس ما يجب
стр. 2276
أن يقال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وقوله: «كنَّا» ليس من قبيل المرفوع حتَّى يكون منسوخًا بقوله: «إنَّ اللهَ هو السَّلام» لأنَّ النَّسخ إنَّما يكون فيما يصحُّ معناه، وليس تكرر ذلك منهم (١) مظنَّةَ سماعِه له منهم لأنَّه في التَّشهُّد، والتَّشهُّد سرٌّ. (فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) ظاهره أنَّه ﵊ كلَّمهم في أثناء الصَّلاة، لكن في رواية حفصِ بنِ غياثٍ [خ¦٦٢٣٠] أنَّه بعد الفراغ من الصَّلاة، ولفظه: «فلمَّا انصرف النبي ﷺ من الصَّلاة قال»: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلام) أي: إنَّه اسم من أسمائه تعالى، ومعناه: السَّالم من سِمَات الحدوث، أو المُسلِّم عبادَه من المهالك، أو المُسلِّم على عباده في الجنَّة، أو أنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه، وهو مالكهما ومعطيهما، فكيف يُدعَى له بهما وهو المدعوُّ؟ وقال ابن الأنباريِّ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السَّلامة، وغناه سبحانه عنها (فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) قال ابن رُشَيدٍ (٢): أي: أتمَّ صلاته، لكن تعذَّر الحمل على الحقيقة لأنَّ التَّشهُّد لا يكون بعد السَّلام، فلمَّا تعيَّن المجاز كان حمله على آخر جزء من الصَّلاة أولى لأنَّه الأقرب (٣) إلى الحقيقة وقال العينيُّ: أي: إذا أتمَّ صلاته بالجلوس في آخرها فليقل، وفي رواية حفصِ بنِ غياثٍ: «فإذا جلس أحدُكم في الصَّلاة» (فَلْيَقُل) بصيغة الأمر المُقْتَضِيَة للوجوب، وفي حديث ابن مسعودٍ عند الدَّارقُطنيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «وكنَّا لا ندري ما نقولُ قبل
стр. 2277
أن يُفْرَض علينا التَّشهُّد» (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ وهي السَّلام، أو البقاء، أو الملك، أو السَّلامة من الآفات، أو العظمة؛ أي (١): أنواع التَّعظيم له، وجُمِعَ لأنَّ الملوك كان كلُّ واحد (٢) منهم يحييه أصحابُه بتحيِّةٍ مخْصوصة، فقيل: جميعها لله، وهو المُسْتَحقُّ لها (٣) حقيقةً (وَالصَّلَوَاتُ) أي: الخمسُ واجبةٌ للهِ، لا يجوز أن يُقْصَدَ بها غيره، أو هو إخبارٌ عن قصد إخلاصنا له تعالى، أو العبادات كلُّها، أو الرَّحمة لأنَّه المُتَفضِّل بها (وَالطَّيِّبَاتُ) الَّتي يصلح أن يثني على الله بها دون ما لا يليق به، أو ذكر الله، أو الأقوال الصَّالحة، أو «التَّحيات»: العبادات القوليَّة، و «الصَّلوات»: العبادات الفعليَّة، و «الطَّيِّبات»: العبادات الماليَّة، وأتى بـ «الصَّلوات» و «الطَّيِّبات» منسوقًا بالواو؛ لعطفه على «التَّحيَّات»، أو أنَّ «الصَّلوات» مبتدأ خبره محذوف، والطَّيِّبات معطوف عليها، فالأولى: عطف الجملة على الجملة، والثَّانية: عطف المفرد على الجملة، قاله البيضاويُّ، وقال ابن مالك: إذا جُعِلَت التَّحيَّات مبتدأً، ولم تكن صفةً لموصوفٍ محذوفٍ؛ كان قولُك: «والصَّلوات» مبتدأً لئلَّا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضَها على بعضٍ، وكلُّ جملة مستقلَّة بفائدتها (٤)، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو، وقال العينيُّ: كلُّ واحد من «الصَّلوات» و «الطَّيِّبات» مبتدأ حذف خبره، أي: الصَّلواتُ لله، والطَّيِّبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى؛ وهي «التَّحيَّات لله» (السَّلَامُ) أي: السَّلامة من المكاره، أو السَّلام الَّذي وُجِّه إلى الرُّسل والأنبياء، أو الَّذي سلَّمه الله عليك ليلة المعراج (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) فـ «ال» للعهد التَّقديريِّ (٥)، أو المراد: حقيقة السَّلام الَّذي يعرفه كلُّ أحدٍ، وعمَّن يصدر، وعلى من ينزل، فتكون «ال» للجنس، أو هي للعهد الخارجيِّ؛ إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وأصل (٦) «سلامٌ عليك»: سلَّمت سلامًا، ثمَّ حُذِف الفعل وأُقِيم
стр. 2278
المصدر مقامه، وعُدِل عن النَّصب إلى الرَّفع على الابتداء للدَّلالة على ثبوت المعنى واستقراره، وإنَّما قال: «عليك» فعدل عن الغيبة إلى الخطاب (١) مع أنَّ لفظ الغيبة يقتضيه السِّياق لأنَّه إتباع لفظ الرَّسول بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه، وأمرهم أن يفردوه بالسَّلام عليه لشرفه ومزيد حقِّه (السَّلَامُ) أي (٢): الَّذي وُجِّه إلى الأمم السَّالفة من الصُّلحاء (عَلَيْنَا) يريد به المصلِّي نفسه، والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة (وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) القائمين بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وهو عمومٌ بعد خصوصٍ، وجوَّز النَّوويُّ ﵀ حذفَ اللَّام من «السَّلام» في الموضعين، قال: والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصَّحيحين. انتهى. وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه لم يقع في شيءٍ من طرق حديث ابن مسعودٍ بحذف اللَّام، وإنَّما اختُلِف في ذلك في حديث ابن عبَّاسٍ، وهو من أفراد مسلمٍ. (-فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا) أي: قوله: «وعلى عباد الله الصالحين» (أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لله صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ-) جملة اعتراضٍ بين قوله: «الصَّالحين» وتاليها الآتي، وفائدةُ الإتيان بها الاهتمام بها (٣) لكونه (٤) أنكر عليهم عدَّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيفاؤهم.
стр. 2279
وفيه: أنَّ الجمع المُحلَّى بالألف واللَّام للعموم، وأنَّ له صيغًا، وهذه منها، قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوعٌ به عندنا في لسان العرب، وتصرُّفات ألفاظ الكتاب والسُّنَّة. انتهى. وفيه خلافٌ عند أهل الأصول. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وزاد ابن أبي شيبة: «وحده لا شريك له» وسنده ضعيفٌ، لكن ثبتت هذه الزِّيادة في حديث أبي موسى عند مسلمٍ، وفي حديث عائشة الموقوف في «المُوطَّأ» (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) بالإضافة إلى الضَّمير، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن»: «وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله» بالإضافة إلى الظَّاهر، وهو الَّذي رجَّحه الشَّيخان الرَّافعيُّ والنَّوويُّ، وأنَّ الإضافة إلى الضَّمير (١) لا تكفي، لكنَّ المختار أنَّه يجوز: «ورسوله» لِمَا ثبت في «مسلمٍ»، ورواه البخاريُّ هنا.
وحديث التَّشهُّد رُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابة؛ منهم: ابن مسعودٍ ﵁، رواه المؤلِّف والباقون،
стр. 2280
ولفظ مسلمٍ: علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني (١) السُّورة من القرآن، فقال: «إذا قعد أحدكم فليقل … » إلى آخره، وزاد في غير «التِّرمذيِّ» و «ابن ماجه»: «وليتخيَّر أحدكم من الدُّعاء أعجبَه إليه فيدعوَ (٢) به» واختاره أبو حنيفة وأحمد والجمهور لأنَّه أصحُّ ما في الباب، واتَّفق عليه الشِّيخان، قال النَّوويُّ: إنَّه أشدُّها صحَّةً باتِّفاق المحدِّثين، ورُوِي من نيِّفٍ وعشرين طريقًا، وثبتت فيه الواو بين الجملتين، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كلُّ جملةٍ ثناءً مستقلًّا؛ بخلاف غيرها من الرِّوايات (٣)، فإنَّها ساقطةٌ، وسقوطها يصيِّرها صفةً لما قبلها، ولأنَّ السَّلام فيه مُعرَّفٌ، وفي غيره مُنكَّرٌ، والمُعرَّف أعمُّ، ومنهم: ابن عبَّاسٍ عند الجماعة إلَّا البخاريِّ، ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التَّشهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، وكان يقول: «التَّحيَّات المباركات، الصَّلوات الطَّيِّبات لله، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله» واختاره الإمام الشَّافعيُّ ﵀ لزيادة لفظ: «المباركات» فيه، وهي (٤) موافقةٌ لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وأُجيب بأنَّ الزِّيادة مُختلَفٌ فيها، وحديث ابن مسعودٍ مُتَّفَقٌ عليه. ومنهم: عمر بن الخطَّاب ﵁، رواه الطَّحاويُّ