← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

أن يقال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وقوله: «كنَّا» ليس من قبيل المرفوع حتَّى يكون منسوخًا بقوله: «إنَّ اللهَ هو السَّلام» لأنَّ النَّسخ إنَّما يكون فيما يصحُّ معناه، وليس تكرر ذلك منهم (١) مظنَّةَ سماعِه له منهم لأنَّه في التَّشهُّد، والتَّشهُّد سرٌّ. (فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) ظاهره أنَّه ﵊ كلَّمهم في أثناء الصَّلاة، لكن في رواية حفصِ بنِ غياثٍ [خ¦٦٢٣٠] أنَّه بعد الفراغ من الصَّلاة، ولفظه: «فلمَّا انصرف النبي ﷺ من الصَّلاة قال»: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلام) أي: إنَّه اسم من أسمائه تعالى، ومعناه: السَّالم من سِمَات الحدوث، أو المُسلِّم عبادَه من المهالك، أو المُسلِّم على عباده في الجنَّة، أو أنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه، وهو مالكهما ومعطيهما، فكيف يُدعَى له بهما وهو المدعوُّ؟ وقال ابن الأنباريِّ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السَّلامة، وغناه سبحانه عنها (فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) قال ابن رُشَيدٍ (٢): أي: أتمَّ صلاته، لكن تعذَّر الحمل على الحقيقة لأنَّ التَّشهُّد لا يكون بعد السَّلام، فلمَّا تعيَّن المجاز كان حمله على آخر جزء من الصَّلاة أولى لأنَّه الأقرب (٣) إلى الحقيقة وقال العينيُّ: أي: إذا أتمَّ صلاته بالجلوس في آخرها فليقل، وفي رواية حفصِ بنِ غياثٍ: «فإذا جلس أحدُكم في الصَّلاة» (فَلْيَقُل) بصيغة الأمر المُقْتَضِيَة للوجوب، وفي حديث ابن مسعودٍ عند الدَّارقُطنيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «وكنَّا لا ندري ما نقولُ قبل

стр. 2277

أن يُفْرَض علينا التَّشهُّد» (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ وهي السَّلام، أو البقاء، أو الملك، أو السَّلامة من الآفات، أو العظمة؛ أي (١): أنواع التَّعظيم له، وجُمِعَ لأنَّ الملوك كان كلُّ واحد (٢) منهم يحييه أصحابُه بتحيِّةٍ مخْصوصة، فقيل: جميعها لله، وهو المُسْتَحقُّ لها (٣) حقيقةً (وَالصَّلَوَاتُ) أي: الخمسُ واجبةٌ للهِ، لا يجوز أن يُقْصَدَ بها غيره، أو هو إخبارٌ عن قصد إخلاصنا له تعالى، أو العبادات كلُّها، أو الرَّحمة لأنَّه المُتَفضِّل بها (وَالطَّيِّبَاتُ) الَّتي يصلح أن يثني على الله بها دون ما لا يليق به، أو ذكر الله، أو الأقوال الصَّالحة، أو «التَّحيات»: العبادات القوليَّة، و «الصَّلوات»: العبادات الفعليَّة، و «الطَّيِّبات»: العبادات الماليَّة، وأتى بـ «الصَّلوات» و «الطَّيِّبات» منسوقًا بالواو؛ لعطفه على «التَّحيَّات»، أو أنَّ «الصَّلوات» مبتدأ خبره محذوف، والطَّيِّبات معطوف عليها، فالأولى: عطف الجملة على الجملة، والثَّانية: عطف المفرد على الجملة، قاله البيضاويُّ، وقال ابن مالك: إذا جُعِلَت التَّحيَّات مبتدأً، ولم تكن صفةً لموصوفٍ محذوفٍ؛ كان قولُك: «والصَّلوات» مبتدأً لئلَّا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضَها على بعضٍ، وكلُّ جملة مستقلَّة بفائدتها (٤)، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو، وقال العينيُّ: كلُّ واحد من «الصَّلوات» و «الطَّيِّبات» مبتدأ حذف خبره، أي: الصَّلواتُ لله، والطَّيِّبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى؛ وهي «التَّحيَّات لله» (السَّلَامُ) أي: السَّلامة من المكاره، أو السَّلام الَّذي وُجِّه إلى الرُّسل والأنبياء، أو الَّذي سلَّمه الله عليك ليلة المعراج (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) فـ «ال» للعهد التَّقديريِّ (٥)، أو المراد: حقيقة السَّلام الَّذي يعرفه كلُّ أحدٍ، وعمَّن يصدر، وعلى من ينزل، فتكون «ال» للجنس، أو هي للعهد الخارجيِّ؛ إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وأصل (٦) «سلامٌ عليك»: سلَّمت سلامًا، ثمَّ حُذِف الفعل وأُقِيم

стр. 2278

المصدر مقامه، وعُدِل عن النَّصب إلى الرَّفع على الابتداء للدَّلالة على ثبوت المعنى واستقراره، وإنَّما قال: «عليك» فعدل عن الغيبة إلى الخطاب (١) مع أنَّ لفظ الغيبة يقتضيه السِّياق لأنَّه إتباع لفظ الرَّسول بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه، وأمرهم أن يفردوه بالسَّلام عليه لشرفه ومزيد حقِّه (السَّلَامُ) أي (٢): الَّذي وُجِّه إلى الأمم السَّالفة من الصُّلحاء (عَلَيْنَا) يريد به المصلِّي نفسه، والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة (وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) القائمين بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وهو عمومٌ بعد خصوصٍ، وجوَّز النَّوويُّ ﵀ حذفَ اللَّام من «السَّلام» في الموضعين، قال: والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصَّحيحين. انتهى. وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه لم يقع في شيءٍ من طرق حديث ابن مسعودٍ بحذف اللَّام، وإنَّما اختُلِف في ذلك في حديث ابن عبَّاسٍ، وهو من أفراد مسلمٍ. (-فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا) أي: قوله: «وعلى عباد الله الصالحين» (أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لله صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ-) جملة اعتراضٍ بين قوله: «الصَّالحين» وتاليها الآتي، وفائدةُ الإتيان بها الاهتمام بها (٣) لكونه (٤) أنكر عليهم عدَّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيفاؤهم.

стр. 2279

وفيه: أنَّ الجمع المُحلَّى بالألف واللَّام للعموم، وأنَّ له صيغًا، وهذه منها، قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوعٌ به عندنا في لسان العرب، وتصرُّفات ألفاظ الكتاب والسُّنَّة. انتهى. وفيه خلافٌ عند أهل الأصول. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وزاد ابن أبي شيبة: «وحده لا شريك له» وسنده ضعيفٌ، لكن ثبتت هذه الزِّيادة في حديث أبي موسى عند مسلمٍ، وفي حديث عائشة الموقوف في «المُوطَّأ» (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) بالإضافة إلى الضَّمير، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن»: «وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله» بالإضافة إلى الظَّاهر، وهو الَّذي رجَّحه الشَّيخان الرَّافعيُّ والنَّوويُّ، وأنَّ الإضافة إلى الضَّمير (١) لا تكفي، لكنَّ المختار أنَّه يجوز: «ورسوله» لِمَا ثبت في «مسلمٍ»، ورواه البخاريُّ هنا. وحديث التَّشهُّد رُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابة؛ منهم: ابن مسعودٍ ﵁، رواه المؤلِّف والباقون،

стр. 2280

ولفظ مسلمٍ: علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني (١) السُّورة من القرآن، فقال: «إذا قعد أحدكم فليقل … » إلى آخره، وزاد في غير «التِّرمذيِّ» و «ابن ماجه»: «وليتخيَّر أحدكم من الدُّعاء أعجبَه إليه فيدعوَ (٢) به» واختاره أبو حنيفة وأحمد والجمهور لأنَّه أصحُّ ما في الباب، واتَّفق عليه الشِّيخان، قال النَّوويُّ: إنَّه أشدُّها صحَّةً باتِّفاق المحدِّثين، ورُوِي من نيِّفٍ وعشرين طريقًا، وثبتت فيه الواو بين الجملتين، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كلُّ جملةٍ ثناءً مستقلًّا؛ بخلاف غيرها من الرِّوايات (٣)، فإنَّها ساقطةٌ، وسقوطها يصيِّرها صفةً لما قبلها، ولأنَّ السَّلام فيه مُعرَّفٌ، وفي غيره مُنكَّرٌ، والمُعرَّف أعمُّ، ومنهم: ابن عبَّاسٍ عند الجماعة إلَّا البخاريِّ، ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التَّشهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، وكان يقول: «التَّحيَّات المباركات، الصَّلوات الطَّيِّبات لله، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله» واختاره الإمام الشَّافعيُّ ﵀ لزيادة لفظ: «المباركات» فيه، وهي (٤) موافقةٌ لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وأُجيب بأنَّ الزِّيادة مُختلَفٌ فيها، وحديث ابن مسعودٍ مُتَّفَقٌ عليه. ومنهم: عمر بن الخطَّاب ﵁، رواه الطَّحاويُّ

стр. 2281

عن عبد الرَّحمن بن عبدٍ القارِيِّ أنَّه سمع عمر بن الخطَّاب يعلِّم النَّاس (١) التَّشهُّد على المنبر، وهو يقول: «التَّحيَّات لله، الزَّاكيات لله، الطَّيِّبات الصَّلوات لله (٢)، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أنَّ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله»، واختاره مالكٌ لأنَّه علَّمه النَّاس (٣) على المنبر ولم ينازعه أحدٌ، فدلَّ على تفضيله، وتُعقِّب بأنَّه موقوفٌ، فلا يلحق بالمرفوع، وأُجيب بأنَّ ابن مردويه رواه في «كتاب التَّشهُّد» مرفوعًا. ومنهم: ابن عمر عند أبي داود، والطَّبرانيِّ في «الكبير»، ومنهم: عائشة عند البيهقيِّ، ومنهم: جابر بن عبد الله عند النَّسائيِّ وابن ماجه والتِّرمذيِّ في «العلل»، ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التَّشهُّد كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن: «بسم الله، وبالله، التَّحيَّات لله … » إلى آخره، وصحَّحه الحاكم، لكن ضعَّفه البخاريُّ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ، كما قاله النَّوويُّ في «الخلاصة»، ومنهم: أبو سعيدٍ الخدريُّ عند (٤) الطَّحاويِّ، ومنهم: أبو موسى الأشعريِّ عند مسلمٍ، وأبي داود، والنَّسائيِّ، ومنهم: سلمان الفارسيُّ عند البزَّار، ومذهب الشَّافعيِّ (٥) أنَّ التَّشهُّدَ الأوَّل سنَّةٌ، والثَّاني واجبٌ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: سنَّتان، وقال أحمد: الأوَّل واجبٌ يُجبَر تركه بالسُّجود، والثَّاني ركنٌ تبطل الصَّلاة بتركه. ورواة حديث الباب ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (١٤٩) (بابُ الدُّعَاءِ) بعد التَّشهُّد (قَبْلَ السَّلَامِ) وللأَصيليِّ: «قبل التَّسليم».

стр. 2282

٨٣٢ - ٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط قوله «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ وابن عساكر، أنَّها (أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي) آخر (الصَّلَاةِ) بعد التَّشهُّد قبل السَّلام، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ مرفوعًا: «إذا تشهَّد أحدكم فليقل»: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بفتح الميم وكسر السِّين مُخفَّفةً، وقيَّده بـ «الدَّجال» ليمتاز عن عيسى ابن مريم ﵇. والدَّجل: الخلط، وسُمِّي به لكثرة خلطه الباطل بالحق، أو من «دجل»: كذب، والدَّجَّال: الكذَّاب. وبـ «المسيح» لأنَّ إحدى عينيه ممسوحةٌ، «فَعِيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، أو لأنَّه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيَّامٍ معدودةٍ، فهو بمعنى «فاعلٍ»، أو لأنَّ الخير مُسِح منه، فهو مسيح الضَّلال. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ما يعرض للإنسان مدَّة حياته من الافتتان، أي: الابتلاء بالدُّنيا والشَّهوات والجهالات (وَفِتْنَةِ المَمَاتِ) ما يفتتن (١) به عند الموت في أمر الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، أُضِيفت إليه لقربها منه، أو من فتنة القبر، ولا تكرار مع قوله أوَّلًا: «عذاب القبر»؛ لأنَّ العذاب مُرتَّبٌ على الفتنة، والسَّبب غير المُسبِّب. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ) أي: ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضع الاسم (وَ) أعوذ بك من (المَغْرَمِ) أي: الدَّين، فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثمَّ يعجز عن أدائه، فأمَّا دينٌ احتاجه وهو

стр. 2283

قادرٌ على أدائه فلا استعاذة منه، والأوَّل حقُّ الله، والثَّاني حقُّ العباد. (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ ﷺ (قَائِلٌ) في رواية النَّسائيِّ من طريق مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ: أنَّ السَّائل عائشة، ولفظها: «فقلت: يا رسول الله» (مَا أَكْثَرَ) بفتح الرَّاء على التَّعجُّب (مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ!) في محلِّ نصبٍ به، أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم! (فَقَالَ) ﵊ (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ) بكسر الرَّاء، وجواب «إذا» قوله: (حَدَّثَ فَكَذَبَ) بأن يحتجَّ بشيءٍ في وفاء ما عليه ولم يقم به، فيصير كاذبًا. وذالُ «كَذَبَ» مُخفَّفةٌ، وهو عُطِف على «حَدَّث» (وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) كأن قال لصاحب الدَّين: أُوفيكَ دينَك في يوم كذا، ولم يُوفِ، فيصير مخلفًا لوعده، والكذب وخُلْف الوعد من صفات المنافقين، وللحَمُّويي والمُستملي: «وإذا وعد أخلف» وهذا الدُّعاء صدر منه ﵊ على سبيل التَّعليم لأمَّته، وإلَّا فهو ﵊ معصومٌ من ذلك، أو أنَّه سلك به طريق التَّواضع، وإظهار العبوديَّة، وإلتزام خوف الله تعالى، والافتقار إليه، ولا يمنع تكرُّر الطَّلب مع تحقُّق الإجابة لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات، ويرفع الدَّرجات، وزاد أبو ذَرٍّ عن المُستملي هنا:

стр. 2284

«قال محمَّد بن يوسف بن مطرٍ الفَِرَبْريِّ يحكي عن المؤلِّف أنَّه قال: سمعت خلف بن عامرٍ الهَمْدانيَّ يقول في المَسِيح؛ بفتح الميم وتخفيف السِّين، والمِسِّيح مشدد مع كسر الميم: ليس بينهما فرقٌ، وهما واحدٌ في اللَّفظ، أحدهما: عيسى ابن مريم ﵇، والآخر: الدَّجال» لا اختصاص لأحدهما (١) بأحد الأمرين، لكن إذا أُرِيد الدَّجَّال قُيِّد به، كما مرَّ، وقال أبو داود في «السُّنن»: «المسِّيح» مُثقَّلٌ: هو الدَّجَّال، ومُخفَّفٌ: عيسى ﵇، وحُكِي عن بعضهم: أنَّ الدَّجَّال مسيخٌ؛ بالخاء المُعجَمة، لكن نُسِب إلى التَّصحيف. وفي الحديث: التَّحديثُ بالجمع والإخبار، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، ورواته ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. (وَ) بالسَّند السَّابق إلى شعيبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة» (¬﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي) آخر (صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) ساقه هنا مختصرًا، وفي السَّابق [خ¦٨٣٢] مُطوَّلًا ليفيد أنَّ الزُّهريَّ رواه كذلك مع زيادة ذكر السَّماع عن عائشة ﵂. فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدَّجَّال مع تحقُّق عدم إدراكه؟ أُجيب بأنَّ فائدته تعليم أمَّته لينتشر خبره بين الأمَّة جيلًا بعد جيلٍ بأنَّه كذَّابٌ مبطلٌ ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، حتَّى لا يلتبس كفره عند خروجه على من يدركه.

стр. 2285

٨٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَدٍ، بفتح الميم وسكون الرَّاء وفتح المُثلَّثة وآخره دالٌ مُهمَلةٌ، ابن عبد الله اليزنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاصي (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي (١) صَلَاتِي) أي: في آخرها بعد التَّشهُّد الأخير قبل السَّلام، وقال الفاكهانيُّ: الأَوْلى أن يدعوَ به في السُّجود وبعد التَّشهُّد لأنَّ (٢) قوله: «في صلاتي» يعمُّ جميعها، وتُعقِّب بأنَّه لا دليل له على دعوى الأولويَّة، بل الدَّليل الصَّريح عامٌّ في أنَّه بعد التَّشهُّد قبل السَّلام (قَالَ) له ﵊: (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) بارتكاب ما يوجب العقوبة (ظُلْمًا كَثِيرًا) بالمُثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «كبيرًا» بالمُوحَّدة، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «نفسي» (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) إقرارٌ بالوحدانيَّة واستجلابٌ للمغفرة (فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً) عظيمةً لا يُدرَك كنهُها (مِنْ عِنْدِكَ) تتفضَّل بها عليَّ، لا تسبُّبَ لي فيها بعملٍ ولا غيره (وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) في هاتين الصِّفتين مقابلةٌ حسنةٌ، فـ «الغفور» مقابلٌ لقوله: «اغفر لي»، و «الرَّحيم» مقابلٌ

стр. 2286

لقوله: «ارحمني». قال في «الكواكب»: وهذا الدُّعاء من جوامع الكلم (١)، إذ فيه الاعتراف بغاية التَّقصير، وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا، وطلب غاية الإنعام الَّتي هي المغفرة والرَّحمة، فالأوَّل: عبارةٌ عن الزَّحزحة عن النَّار، والثَّاني: إدخال الجنَّة، وهذا هو الفوز العظيم، اللَّهُمَّ اجعلنا من الفائزين بكرمك يا أكرم الأكرمين. ورواة هذا الحديث سوى طرفيه مصريُّون، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وصحابيٌّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٦]، وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وأخرجه النَّسائيُّ في الصَّلاة. (١٥٠) وزاد أبو ذَرٍّ في نسخةٍ عنه هنا: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وهي ساقطةٌ عند الكلِّ. (بابُ مَا يُتَخَيَّرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ) فراغه من (التَّشَهُّدِ) قبل السَّلام (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ). ٨٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو أبو وائلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ

стр. 2287

النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) أي: فكيف يُدعَى له به وهو مالكه، وإليه يعود لأنَّه المرجوع إليه بالمسائل عن المعاني المذكورة، وسقط لفظ «في الصلاة» لابن عساكر (وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ولكنَّ التَّحيَّات لله» (وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) بكاف الخطاب في قوله: «عليك»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: السَّلام على النَّبيِّ، فينتقل من تحيَّة الله إلى تحيَّة النَّبيِّ، وأُجيب عنه بما مرَّ قريبًا، وقال الطِّيبيُّ: إنَّ المصلِّين لمَّا استفتحوا باب الملكوت بالتَّحيَّات، أُذِن لهم بالدُّخول في حرم (١) الحيِّ الَّذي لا يموت، فقرَّت أعينهم بالمناجاة، فنُبِّهوا على أنَّ ذلك بواسطة نبيِّ الرَّحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضرٌ، فأقبلوا عليه قائلين: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، وهذا على طريقة أهل العرفان، قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: وقد ورد في بعض طرق ابن مسعودٍ ما يقتضي المغايرة بين زمانه (٢) ﵊ فيُقال بلفظ الخطاب، وأمَّا (٣) بعده فبلفظ الغيبة، ففي «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٥] من «صحيح البخاريِّ» من طريق أبي مَعْمَرٍ عن ابن مسعودٍ، بعد أن ساق حديث التَّشهُّد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلمَّا قُبِض (٤) قلنا: السَّلام؛ يعني: على النَّبيِّ ﷺ ، كذا في «البخاريِّ»، وأخرجه أبو عَوانة في «صحيحه»، والسَّرَّاج،

стр. 2288

والجوزقيُّ، وأبو نُعيمٍ الأصبهانيُّ، والبيهقيُّ من طرقٍ متعدِّدةٍ إلى أبي نُعيمٍ شيخ البخاريِّ (١) فيه بلفظ: «فلمَّا قُبِض قلنا: السَّلامُ على النَّبيِّ» بحذف لفظ: «يعني»، قال السُّبكيُّ في «شرح المنهاج» بعد أن ذكر هذه الرِّواية من عند أبي عَوانة وحده: إن صحَّ هذا عن الصَّحابة دلَّ على أنَّ الخطاب في السَّلام بعد النَّبيِّ ﷺ غير واجبٍ، فيُقال: السَّلام على النَّبيِّ. انتهى. قال في «فتح الباري»: وقد صحَّ بلا ريبٍ، وقد وجدت له متابعًا قويًّا، قال عبد الرَّزَّاق: أخبرنا ابن جريجٍ: أخبرني عطاءٌ: «أنَّ الصَّحابة كانوا يقولون والنَّبيُّ ﷺ حيٌّ: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، فلمَّا مات قالوا: السَّلام على النَّبيِّ» وهذا إسنادٌ صحيحٌ. (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ) ولابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٢): «إذا قلتم ذلك أصاب» (كُلَّ عَبْدٍ) صالحٍ (فِي السَّمَاءِ، أَوْ) قال: (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ثمَّ ليتخيَّر» (مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ

стр. 2289

فَيَدْعُو) زاد مُسدَّدٌ في رواية أبي داود: «فيدعو به» وللنَّسائيِّ: «فليدعُ به» وهذا موضع التَّرجمة، وهو مع (١) التَّرجمة يشير إلى أنَّ الدُّعاء السَّابق في الباب الَّذي قبله [خ¦٨٣٤] لا يجب وإن كان ورد بصيغة الأمر، ثمَّ إنَّ المنفي (٢) في قوله في التَّرجمة: «وليس بواجبٍ» يحتمل أن يكون الدُّعاء، أي: لا يجب دعاءٌ مخصوصٌ وإن كان التَّخيير مأمورًا به، ويحتمل أن يكون المنفيُّ التَّخيير، ويُحمَل الأمر الوارد به على النَّدب، ويحتاج إلى دليلٍ، قال ابن رُشَيدٍ: ليس التَّخيير في آحاد الشَّيء (٣) بدالٍّ على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشَّيء واجبًا ويقع التَّخيير في وصفه، وقال ابن المُنَيِّر: قوله: «ثمَّ ليتخيَّر» (٤) وإن كان (٥) بصيغة الأمر لكنَّها كثيرًا ما ترد للنَّدب. انتهى. ثمَّ إنَّ قوله: «ثمَّ ليتخيَّر من الدُّعاء أعجبه» شاملٌ لكلِّ دعاءٍ مأثورٍ وغيره فيما (٦) يتعلَّق بالآخرة كقوله: اللَّهُمَّ أدخلني الجنة، أو الدُّنيا ممَّا (٧) يشبه كلام النَّاس كقوله: اللَّهُمَّ ارزقني زوجةً جميلةً ودراهم جزيلةً، وبذلك أخذ الشَّافعيَّة والمالكيَّة ما لم يكن إثمًا، وقصره الحنفيَّة على ما يناسب المأثور فقط ممَّا لا يشبه كلام النَّاس، محتجِّين بقوله ﵊: «إنَّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيءٌ من

стр. 2290

كلام النَّاس»، ولنا: قوله ﵊: «سلوا الله حوائجكم، حتَّى الشِّسْع لنعالكم، والملح لقدوركم»، نعم (١) استثنى بعض الشَّافعيَّة ما يقبح من أمر الدُّنيا، قال في «الفتح»: فإن (٢) أراد الفاحش من اللَّفظ فمحتملٌ، وإلَّا فلا شكَّ أنَّ الدُّعاء بالأمور المحرَّمة مطلقًا لا يجوز. انتهى. وهذا الاستثناء ذكره أبو عبد الله الأُبِّيُّ، وعبارته: واستثنى بعض الشَّافعيَّة من مصالح الدُّنيا ما فيه سوء أدبٍ كقوله: اللَّهُمَّ أعطني امرأةً جميلةً، هَنُها كذا، ثمَّ يذكر أوصاف (٣) أعضائها. انتهى. وقال ابن المُنَيِّر: الدُّعاء بأمور الدُّنيا في الصَّلاة خطرٌ وذلك أنَّه (٤) قد تلتبس عليه الدُّنيا الجائزة بالمحظورة، فيدعو بالمحظورة (٥) فيكون عاصيًا متكلِّمًا في الصَّلاة فتبطل صلاته وهو لا يشعر، ألا ترى أنَّ العامَّة يلتبس عليها الحقُّ بالباطل، فلو حكم حاكمٌ على عاميٍّ بحقٍّ

стр. 2291

فظنَّه باطلًا (١) فدعا على الحاكم باطلًا بطلت صلاته، وتمييز الحظوظ الجائزة من المُحرَّمة عَسِرٌ جدًّا، فالصَّواب ألَّا يدعوَ بدنياه إلَّا على تثبُّتٍ من الجواز. انتهى. (١٥١) (بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) من الماء والطِّين وهو في الصَّلاة (حَتَّى صَلَّى). (قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ: (رَأَيْتُ الحُمَيْدِيَّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيَّ (يَحْتَجُّ بِهَذَا الحَدِيثِ) الآتي: (ألَّا يَمْسَحَ) المصلِّي (الجَبْهَةَ) والأنف وهو (فِي الصَّلَاةِ) وفي «اليونينيَّة» بهامشها، وهذا (٢) ثابتٌ عند الأربعة هنا، وهو في الأصول ثابتٌ. ٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁، أي: عن ليلة القدر (فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ، فِي جَبْهَتِهِ) بعد المسح، أو ترك المسح ناسيًا، أو عامدًا لتصديق رؤياه ليراه النَّاس فيستدلُّوا على عين تلك اللَّيلة، ويحتمل أن يكون لم يشعر به، أو تركه عمدًا لبيان الجواز، أو لأنَّ ترك المسح أَوْلى لأنَّ المسح عملٌ وإن كان قليلًا، ومن ثمَّ وَكَلَ المؤلِّف الأمر فيه إلى نظر المجتهد: هل يوافق الحميديَّ المستدلَّ أو يخالفه؟ أشار إليه ابن المُنَيِّر. (١٥٢) (بابُ التَّسْلِيمِ) في آخر الصَّلاة.

стр. 2292

٨٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارثِ) التَّابعيَّة (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) أمَّ المؤمنين (¬﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ (١)) من الصَّلاة (قَامَ النِّسَاءُ حِينَ (٢) يَقْضِي) ولابن عساكر: «حتَّى (٣) يقضي» أي: يتمَّ (تَسْلِيمَهُ) ويفرغ منه (وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: (فَأُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ (وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ) ﵊ يسيرًا كان (لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الفاء آخره ذالٌ مُعجَمةٌ، أي: يخرجن (قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ) بنون النِّسوة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «قبل أن يدركهم» (مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ) المصلِّين.

стр. 2293

وموضع التَّرجمة قوله: «كان إذا سلَّم» ويمكن أن يستنبط الفرضيَّة من التَّعبير بلفظ: «كان» المشعر بتحقُّق مُواظَبته ﵊، وهو مذهب الجمهور، فلا يصحُّ التَّحلُّل من الصَّلاة إلَّا به لأنَّه ركنٌ، وفي حديث عليِّ بن أبي طالبٍ عند أبي داود بسندٍ حسنٍ مرفوعًا: «مفتاح الصَّلاة الطُّهور، وتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم». وهو يحصل بالأولى، أمَّا الثَّانية فسُنَّةٌ، وقال الحنفيَّة: يجب الخروج من الصَّلاة به، ولا نفرضه (١) لقوله ﵊: «إذا قعد الإمام في آخر صلاته، ثمَّ أحدث قبل أن يسلِّم فقد تمَّت صلاته» قالوا: وما استدلَّ به الشَّافعيَّة لا يدلُّ على الفرضيَّة لأنَّه خبر الواحد، بل يدلُّ على الوجوب، وقد قلنا به. انتهى. وهذا جارٍ على قاعدتهم، وقال المَرْداويُّ من الحنابلة في «مقنعه»: يسلِّم مرتَّبًا معرِّفًا وجوبًا،

стр. 2294

مبتدئًا عن يمينه جهرًا، مُسِرًّا به عن يساره. انتهى. ولم يذكر في هذا الحديث التَّسليمتين، لكن رواهما مسلمٌ من حديث ابن مسعودٍ وسعد بن أبي وقَّاصٍ، بل ذكرهما الطَّحاويُّ من حديث ثلاثة عشر صحابيًّا (١)، وزاد غيره سبعةً، وبذلك أخذ الإمام الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّدٌ، وقال المالكيَّة: السَّلام واحدةٌ، واستدلَّ له بحديث عائشة المرويِّ في «السُّنن»: «أنَّه ﷺ كان يسلِّم تسليمةً واحدةً: السَّلام عليكم، يرفع بها صوته حتَّى يوقظنا بها»، وأُجيب بأنَّه حديثٌ معلولٌ كما ذكره العُقيليُّ وابن عبد البرِّ، وبأنَّه في قيام اللَّيل. والَّذين رووا عنه التَّسليمتين روَوا ما شهدوا في الفرض والنَّفل، وحديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على تسليمةٍ واحدةٍ، بل أخبرت أنَّه كان يسلِّم تسليمة يوقظهم بها، ولم تنفِ الأخرى بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مُقدَّمًا على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ. فرعٌ من «المجموع»: قال الشَّافعيُّ والأصحاب: إذا اقتصر الإمام على تسليمةٍ سُنَّ

стр. 2295

للمأموم تسليمتان لأنَّه خرج عن المُتابعة بالأولى بخلاف التَّشهُّد الأوَّل، لو تركه الإمام لزم المأموم تركه، لأنَّ المُتابَعة واجبةٌ عليه قبل السَّلام. (١٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُسَلِّمُ) المأموم (حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ) وهذه التَّرجمة لفظ حديث الباب، ومقتضاه: مقارنة سلام (١) المأموم لسلام (٢) الإمام، وهو جائزٌ كبقيَّة الأركان، إلَّا تكبيرة الإحرام لأنَّه لا يصير في صلاةٍ حتَّى يفرغ منها، فلا يربط صلاته بمن ليس في صلاةٍ، وكأنَّ المؤلِّف أشار إلى أنَّه يُندَب ألَّا يتأخَّر المأموم في سلامه (٣) بعد الإمام متشاغلًا بدعاءٍ وغيره. واستدلَّ له بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) ممَّا وصله ابن أبي شيبة عنه، لكن بمعناه (يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ) من صلاته (أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ) من المقتدين، ونبَّه العينيُّ على أنَّ «إذا» ليست شرطيَّةً، بل لمُجرَّد الظَّرفيَّة. ٨٣٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المُهمَلة، المروزيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ البصريُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (٤) (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) الأنصاريِّ الصَّحابيِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «عن محمود هو ابن ربيعٍ» وسقط قوله: «ابن الرَّبيع» عند ابن عساكر (عَنْ عِتْبَانَ) بكسر العين

стр. 2296

وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة، الأنصاريِّ الأعمى، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «بن مالكٍ» أنَّه (قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ) أي: معه؛ بحيث كان ابتداء سلامهم بعد ابتداء سلامه، وقبل فراغه منه، وجوَّز الزَّين ابن المُنَيِّر أن يكون المراد أنَّ ابتداءهم بعد إتمامه، والحديث قد سبق مُطوَّلًا [خ¦٤٢٥]. (١٥٤) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلَامِ) من المأموم (عَلَى الإِمَامِ) بتسليمةٍ ثالثةٍ بين التَّسليمتين (١) (وَاكْتَفَى بِتَسْلِيم الصَّلَاةِ) وهو (٢) التَّسليمتان خلافًا لمن استحبَّ ذلك من المالكيَّة. ٨٣٩ - ٨٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزديُّ المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا معمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ) المرادُ به هنا الخبرُ المُحقَّق لأنَّه اللَّائق بالمقام؛ لأنَّ محمودًا مُوثَّقٌ عند الزُّهريِّ، فقولُه عنده مُحقَّقٌ (أَنَّهُ عَقَلَ) بفتح القاف، أي: فهم

стр. 2297

(رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَعَقَلَ مَجَّةً) نُصِب بـ «عَقَلَ» (مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ) جملةٌ في محلِّ نصبٍ على أنَّها صفةٌ لـ «مجَّة»، و «من» بيانيَّةٌ (كَانَ) أي: الدَّلو (فِي دَارِهِمْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «كانت» أي: من (١) بئرٍ كانت في دارهم. (قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ) بنصب «أحد» عطفًا على «الأنصاريَّ» المنصوب، صفةٌ لـ «عِتبان» المنصوب بـ «سمعت»، وجوَّز الكِرمانيُّ أن يكون «أحد» عطفًا على «عتبان» يعني: سمعت عتبان وسمعت أحدَ بني سالمٍ أيضًا، فيكون السَّماع من اثنين، ثمَّ فسَّر المُبهَم بـ «الحصين بن محمَّدٍ الأنصاريِّ» وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ الأصل عدم التَّقدير في إدخال «سمعت» (٢) بين «ثمَّ» و «أحد»، وبأنَّه يلزم منه أن يكون الحصين بن محمَّدٍ هو صاحب القصَّة المذكورة، أو أنَّها تعدَّدت له ولعتبان، وليس كذلك فإنَّ الحصين المذكور لا صحبة له. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الملازمة ممنوعةٌ، لأنَّ كون الحصين غيرَ صحابيٍّ لا يقتضي الملازمة الَّتي ذكرها لأنَّه يحتمل أن يكون الحصين سمع ذلك من صحابيٍّ آخر، والرَّاوي طوى ذكره اكتفاءً بذكر عتبان. انتهى، فليُتأمَّل. (قَالَ) أي: عتبان: (كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ) له: (إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي) بحاءٍ مُهمَلةٍ مضمومةٍ، أي: تكون حائلةً تصدُّني عن الوصول إلى مسجد قومي (فَلَوَدِدْتُ) أي: فوالله لوددت (أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ) بالرَّفع والجزم لوقوعه جواب التَّمنِّي المستفاد من «وددت»، وفي غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى أتَّخذه» (مَسْجِدًا، فَقَالَ) ﵊: (أَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى. قال عتبان: (فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ)

стр. 2298

الصِّدِّيق ﵁ (مَعَهُ، بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ) أي: ارتفعت الشَّمس (فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الدُّخول لبيتي (فَأَذِنْتُ لَهُ) فدخل (فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ) فيه التفاتٌ؛ إذ ظاهر السِّياق يقتضي (١) أن يقول: «فأشرت»، أو الَّذي أشار هو النَّبيُّ ﷺ إلى المكان الَّذي هو محبوبٌ لعتبان أن يصلِّيَ فيه، قال العينيُّ: وفيه إظهار معجزةٍ له ﵊، حيث أشار إلى المكان الَّذي كان مراد عتبان صلاته ﵊ فيه. انتهى. ويحتمل أن تكون (٢) «من» للتَّبعيض، ولا ينافي ما في الرِّواية السَّابقة [خ¦٦٨٦]: «فأشرتُ» لاحتمال أنَّ كلًّا منهما أشار معًا، أو متقدِّمًا أو متأخِّرًا (فَقَامَ) ﵊ (فَصَفَفْنَا) بالفاء فصادٍ مُهمَلةٍ ثمَّ فاءين، وللأَصيليِّ: «وصففنا» (خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ) هذا موضع التَّرجمة، وظاهره أنَّهم سلَّموا نظير سلامه، وسلامه: إمَّا واحدةٌ وهي الَّتي يتحلَّل بها من الصَّلاة، وإمَّا هي وأخرى معها، فيحتاج من استحبَّ تسليمةً ثالثةً على الإمام بين التَّسليمتين إلى دليلٍ خاصٍّ، قال التَّيميُّ (٣) فيما نقله البرماويُّ: كان (٤) مشيخة مسجد المهاجرين يسلِّمون واحدةً، ولا يردُّون على الإمام، ومسجد (٥) الأنصار تسليمتين، وقال مالكٌ (٦): يسلِّم المأموم عن يمينه، ثمَّ يردُّ على الإمام، ومن قال بتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التَّسليمة الثَّانية ردًّا على الإمام. انتهى. وقال شيخ المالكيِّة خليلٌ في «مختصره»: وردُّ مقتدٍ على إمامه، ثمَّ يساره وبه أحدٌ، وجهر بتسليمة التَّحليل

стр. 2299

فقط، قال شارحه: أمَّا سلام التَّحليل فيستوي فيه الإمام والمأموم والفذُّ، ويُسَنُّ للمأموم أن يزيد عليها (١) تسليمتين (٢)، إن كان على (٣) يساره أحدٌ، أولاهما: يردُّها على إمامه، والثَّانية: على مَن على يساره، ومن السُّنن الجهرُ بتسليمة التَّحليل فقط، قال مالكٌ ﵀: ويخفي تسليمة الرَّدِّ. (١٥٥) (بابُ الذِّكْرِ بَعْدَ) الفراغ من (الصَّلَاةِ) المكتوبة. ٨٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم أوَّله وفتح الرَّاء، عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ (أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ) بفتح الميم وسكون العين وفتح المُوحَّدة آخره دالٌ مُهمَلة، اسمه: نافذٌ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ) الصَّلاة (المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ، وأبي الوقت: «على عهد رسول الله» (¬ ﷺ ¬) أي: على زمانه، فله حكم الرَّفع، وحمل الشَّافعيُّ ﵀ فيما حكاه النَّوويُّ ﵀ هذا الحديث على أنَّهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذِّكر، لا أنَّهم داوموا على الجهر به، والمختارُ أنَّ الإمام والمأموم يخفيان الذِّكر إلَّا إن احتِيج إلى التَّعليم. (وَ) بالإسناد (٤) السَّابق كما عند مسلمٍ عن إسحاق بن منصورٍ عن عبد الرَّزَّاق به (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، وسقط واو

стр. 2300

«وقال» للأَصيليِّ (١): (كُنْتُ أَعْلَمُ) أي: أظنُّ (إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ) أي: أعلم وقت انصرافهم برفع الصَّوت (إِذَا سَمِعْتُهُ) أي: الذِّكر، وظاهره أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يكن يحضر الصَّلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره، أو كان حاضرًا لكنَّه في آخر الصُّفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتَّسليم، وإنَّما كان يعرفه (٢) بالتَّكبير، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ويُؤخَذ منه أنَّه لم يكن هناك مبلِّغٌ جهير الصَّوت يُسْمِع مَنْ بَعُدَ. انتهى. وسقط للأَصيليِّ قوله: «وقال ابن عبَّاسٍ ﵄». ٨٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط لفظ «ابن عبد الله» عند الأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْروٌ) بفتح العين، ابن دينارٍ، كذا للأبوين وابن عساكر والأَصيليِّ (٣) بثبوت «عمروٍ» وسقط في بعض النُّسخ، ولا بدَّ من ثبوته، وللأَصيليِّ: «عن عمروٍ» بدل: حدَّثنا (٤) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَعْبَدٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ) أي: بعد الصَّلاة، وفي السَّابقة. «بالذِّكر» [خ¦٨٤١] وهو أعمُّ من التَّكبير، والتَّكبير أخصُّ، أو (٥) هذا مفسِّرٌ للسَّابق.

стр. 2301

(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ، وفي رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقال» بالواو، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا عليٌّ» بدل: «قال» (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: كَانَ أَبُو مَعْبَدٍ أَصْدَقَ مَوَالي ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، التَّفضيل فيه باعتبار أَفراد الخبر، وإلَّا فنفس الصِّدق لا يتفاوت (قَالَ عَلِيٌّ: وَاسْمُهُ نَافِذٌ) بالنُّون وكسر الفاء وآخرهُ مُعجَمةٌ، وزاد مسلمٌ: قال عمرٌو؛ يعني: ابن دينارٍ: ذكرت ذلك لأبي مَعْبَدٍ فأنكره، وقال: لم أحدِّثك بهذا، قال عمرٌو: وقد أخبرنيه (٢) قبل ذلك، وهذه مسألةٌ معروفةٌ عند أهل علم الحديث، وهي إنكار الأصل تحديث الفرع، وصورتها: أن يروي ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا، فيكذِّبه المرويُّ عنه وفي ذلك تفصيلٌ لأنَّه إمَّا أن يجزم بتكذيبه له أم لا، وإذا جزم فتارةً يصرِّح بالتَّكذيب، وتارةً لم يصرِّح به، فإن لم يجزم بتكذيبه -كأن قال: لا أذكره- فاتَّفقوا على قبوله لأنَّ الفرع ثقةٌ، والأصل لم يُطعَن فيه، وإن جزم وصرَّح بتكذيبه فاتَّفقوا على ردِّه لأنَّ جزمَ الفرعِ بكون الأصلِ حدَّثه يستلزم تكذيبه للأصل في دعواه أنَّه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما أَوْلى من الآخر، وإن جزم ولم يصرِّح بالتكذيب -

стр. 2302

كقول معبدٍ: لم أحدِّثك بهذا- فسوَّى ابن الصَّلاح -تبعًا للخطيب- بينهما أيضًا، وهو الَّذي مشى عليه الحافظ ابن حجرٍ ﵀ في «شرح النُّخبة»، لكن قال في «فتح الباري»: إنَّ الرَّاجح عند المحدِّثين القبول، وتمسَّك بصنيع مسلمٍ حيث أخرج حديث عمرو بن دينارٍ هذا مع قول أبي مَعْبَدٍ لعمروٍ: لم أحدِّثك به؛ فإنَّه دلَّ على أنَّ مسلمًا كان يرى صحَّة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان النَّاقل عنه ثقةً، ويعْضدُهُ تصحيح البخاريِّ أيضًا، وكأنَّهم حملوا الشَّيخ على النِّسيان، ويؤيِّده قول الشَّافعيِّ ﵀ في هذا الحديث بعينه: كأنَّه نسي بعد أن حدَّثه، لكنَّ إلحاق هذه الألفاظ بالصُّورة الثَّانية أظهر، ولعلَّ تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجِّحٍ اقتضاه تحسينًا للظَّنِّ بالشَّيخين، لاسيَّما وقد قِيلَ، كما أشار إليه الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: إنَّ الرَّدَّ إنَّما هو عند التَّساوي، فلو رجح أحدهما عُمِل به. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا الحديث من أمثلة هذا، مع أنَّه قد حُكِي عن الجمهور من الفقهاء في هذه الصُّورة القبول، وعن بعض الحنفيَّة وروايةٍ عن أحمد الرَّدُّ قياسًا على الشَّاهد، وبالجملة؛ فظاهر صنيع ابن حجرٍ اتِّفاق المحدِّثين على الرَّدِّ في صورة التَّصريح بالكذب، وقَصَرَ الخلاف على هذه، وفيه نظرٌ؛ فالخلاف (١) موجودٌ، فمن متوقِّفٍ ومن قائلٍ بالقبول مُطلَقًا، وهو اختيار ابن السُّبكيِّ تبعًا لأبي المُظَفَّر ابن السَّمعاني، وقال به أبو الحسين بن

стр. 2303

القطَّان وإن كان الآمديُّ والهنديُّ حكيا الاتِّفاق على الرَّدِّ من غير تفصيلٍ، وهو ممَّا يساعد ظاهر صنيع الحافظ (١) ابن حجرٍ في الصُّورة الثَّانية، ويُنازِع في الثَّالثة، ويُجاب بأنَّ الاتِّفاق في الثَّانية والخلاف في الثَّالثة إنَّما هو بالنَّظر للمحدِّثين خاصَّةً، وهذه الجملة من قوله: «قال عليُّ … » إلى آخرها ثابتةٌ في أوَّل الحديث اللَّاحق عند الأَصيليِّ، وفي آخره عند الثَّلاثة: الأبوين (٢) وابن عساكر.

стр. 2304

٨٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن عليٍّ بن عطاء بن مُقدَّمٍ المقدميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ، ولابن عساكر: «المعتمر» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب المدنيِّ (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ الفُقَرَاءُ) فيهم أبو ذَرٍّ كما عند أبي داود، وأبو الدَّرداء كما (١) عند النَّسائيِّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة والمُثلَّثة، جمع دَثْرٍ؛ بفتح الدَّال وسكون المُثلَّثة (مِنَ الأَمْوَالِ) بيانٌ للدُّثور وتأكيدٌ (٢) له لأنَّ الدُّثور يجيء بمعنى المال الكثير، وبمعنى الكثير من كلِّ شيءٍ (بِالدَّرَجَاتِ العُلَا) في الجنَّة، أو المراد: علوُّ القدر (٣) عنده تعالى (وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ) الدَّائم المُستَحَقِّ بالصَّدقة (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدَّرداء عند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة»: «ويذكرون كما نذكر» وللبزَّار من حديث ابن عمر: «وصدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا» (وَلَهُمْ فَضْلُ الأَمْوَالٍ) بالإضافة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولهم فضلٌ من أموالٍ» وللأَصيليِّ: «فضل

стр. 2305

الأموال» (يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ) في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ عند مسلمٍ: ويتصدقون ولا نتصدَّق، ويعتقون ولا نعتق. (قَالَ) ﵊، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بما) أي: بشيءٍ (إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ) بذلك الشَّيء، وضُبِّب في «اليونينيَّة» على قوله: «أحدِّثكم»، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ والأَصيليِّ: «ألا أحدِّثكم بأمرٍ إن أخذتم به أدركتم» (مَنْ سَبَقَكُمْ) من أهل الأموال في الدَّرجات العلا، والجملة في موضع نصبٍ مفعول «أدركتم»، وسقط قوله «بما» في أكثر الرِّوايات. وكذا قوله: «به»، وقد فُسِّر السَّاقط في الرِّواية الأخرى، وسقط أيضًا قوله: «من سبقكم» في رواية الأَصيليِّ، والسَّبقيَّة المذكورة رجَّح ابن دقيق العيد أن تكون معنويَّةً، وجوَّز غيرُهُ أن تكون حسِّيَّةً، قال الحافظ: والأوَّل أَوْلى. انتهى (١). (وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم (وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ) بفتح النُّون مع الإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «بين ظهرانيهم» أي: من أنتم بينهم (إِلَّا مَنْ عَمِلَ) من الأغنياء (مِثْلَهُ) فلستم خيرًا منه (٢)، لأنَّ هذا هو نقيض الحكم الثَّابت للمُستثنَى منه، وانتفاء خيريَّة المخاطبين بالنَّسبة إلى من عمل مثل عملهم صادقٌ بمساواتهم لهم في الخيريَّة، وبهذا يُجاب عن استشكال ثبوت الأفضليَّة في خيرٍ مع التَّساوي في العمل المفهوم من قوله: «أدركتم»، وهو أحسن من التَّأويل بـ «إلَّا من عمل مثله»، وزاد بغيره من فعل البرِّ، أشار إليه البدر الدَّمامينيُّ، لكن لا يمتنع (٣) أن يفوق الذِّكرُ مع سهولته الأعمالَ الشَّاقَّة الصَّعبة من الجهاد ونحوه، وإن ورد: «أفضل

стр. 2306

العبادات أحمزها» لأنَّ في الإخلاص في الذِّكر من المشقَّة -ولا سيَّما الحمد في حال الفقر- ما يصير به أعظمَ الأعمال، وأيضًا فلا يلزم أن يكون الثَّواب على قدر المشقَّة في كلِّ حالٍ، فإنَّ ثواب كلمة الشَّهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات الشَّاقَّة، وإذا قلنا: إنَّ الاستثناء يعود على كلٍّ من السَّابق والمدرك، كما هو قاعدة الشَّافعيِّ ﵀ في أنَّ الاستثناء المتعقِّب للجمل عائدٌ على كلِّها، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل؛ إذ معناه: إن أخذتم أدركتم إلَّا مَن عمل مثله، فإنَّكم لا تدركون. (تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ) أي: مكتوبةٍ، وعند المصنِّف في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٩]: «دبر كل صلاةٍ» ورواية «خلفَ» (١) مفسِّرة لرواية: «دبر» (٢)، وللفريابيِّ من حديث أبي ذَرٍّ: «إثر كلِّ صلاةٍ» أي: تقولون كلَّ واحدٍ من الثَّلاثة (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) فالمجموع لكلِّ فردٍ فردٍ، والأفعال الثَّلاثة تنازعت في الظَّرف وهو «خلف»، وفي «ثلاثًا وثلاثين» وهو مفعولٌ مُطلَقٌ، وقِيلَ: المراد المجموع للجميع، فإذا وُزِّع (٣) كان لكلِّ واحدٍ من الثَّلاثة أحد عشر، وبدأ بالتَّسبيح لأنَّه يتضمَّن نفي النَّقائص عنه تعالى، ثمَّ ثنَّى بالتَّحميد لأنَّه يتضمَّن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص إثبات الكمال، ثمَّ ثلَّث بالتَّكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص وإثبات الكمال نفيُ أن يكون هناك كبيرٌ آخر، وقد وقع

стр. 2307

في رواية ابن عجلان تقديم التَّكبير على التَّحميد، ومثله لأبي داود من حديث أمِّ حكيمٍ، وله في حديث أبي هريرة: يكبِّر ويحمد ويسبِّح، وهذا الاختلاف يدلُّ على أنْ لا ترتيب فيه، ويُستأنَس له بقوله في حديث: «الباقيات الصَّالحات لا يضرُّك بأيِّهن بدأت». ولكنَّ ترتيب حديث الباب الموافق لأكثر الأحاديث أَوْلى لِمَا مرَّ. قال سُمَيٌّ: (فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا) أي: أنا وبعض أهلي، هل كلُّ واحدٍ (١) ثلاثًا وثلاثين أو المجموع؟ (فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) قال سُمَيٌّ: (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى أبي صالحٍ، والقائل: «أربعًا وثلاثين» بعضُ أهل سُمَيٍّ، أو القائل: «فاختلفنا» أبو هريرة، والضَّمير في: «فرجعت» له، وفي «إليه» للنَّبيِّ ﷺ ، والخلاف بين الصَّحابة وهم القائلون: «أربعًا وثلاثين» كما هو ظاهر الحديث، لكنَّ الأوَّل أقربُ لوروده في «مسلمٍ»، ولفظه: «قال سُمَيٌّ: فحدَّثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت … -فذكر كلامه- قال: فرجعت (٢) إلى أبي

стр. 2308

صالحٍ» إلَّا أنَّ مسلمًا لم يوصل هذه الزِّيادة. (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ ، أو أبو صالحٍ: (تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ) العدد (مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وهل العدد للجميع أو المجموع؟ ورواية ابن عجلان ظاهرها: أنَّ العدد للجميع، ورجَّحه بعضهم للإتيان فيه (١) بواو العطف، والمختار: أنَّ الإفراد أَوْلى لتميُّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلِّ حركةٍ لذلك -سواءٌ كان بأصابعه (٢) أو بغيرها- ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلَّا الثُّلث، ثمَّ إنَّ الأفضل الإتيان بهذا الذِّكر متتابعًا في الوقت الَّذي عُيِّن فيه، وهل إذا زِيد على العدد المنصوص عليه من الشَّارع يحصل له ذلك الثَّواب المترتِّب عليه أم لا؟ قال بعضهم: لا يحصل لأنَّ لتلك الأعداد حكمةً وخاصيَّةً وإن خفيت علينا لأنَّ كلام الشَّارع لا يخلو عن حِكَمٍ، فربَّما تفوت بمجاوزة ذلك العدد، والمعتمد الحصول، لأنَّه قد أتى بالمقدار الَّذي رُتِّب على الإتيان به ذلك الثَّوابُ، فلا تكون الزِّيادة مزيلةً له بعد حصوله بذلك العدد، وأشار إليه الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقد اختلفت الرِّوايات في عدد هذه الأذكار (٣) الثَّلاثة، ففي حديث أبي هريرة (٤): «ثلاثًا وثلاثين» كما مرَّ، وعند النَّسائيِّ من حديث زيد بن ثابتٍ: «خمسًا وعشرين» ويزيدون فيها:

стр. 2309

لا إله إلَّا الله خمسًا وعشرين، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «إحدى عشرة» وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من حديث أنسٍ: «عشرًا» وفي حديث أنسٍ في بعض طرقه: ستًّا، وفي بعض طرقه أيضًا: مرَّةً واحدةً، وعند الطَّبرانيِّ في «الكبير» من حديث زُمَيْلٍ الجهنيِّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى الصُّبح قال وهو ثانٍ رجله (١): «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إنَّه كان توَّابًا» سبعين مرَّةً، ثمَّ يقول: «سبعين بسبع مئةٍ … » الحديث، وعند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سبَّح دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ مئةً، وكبَّر مئةً، وحَمِدَ مئةً غُفِرت له ذنوبُه وإن كانت أكثر من زبد البحر»، وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقاتٍ متعدِّدةٍ، أو هو واردٌ على سبيل التَّخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال، وقد زاد مسلمٌ في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ: «قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، فقالوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ [المائدة: ٥٤]». قال المُهلَّب: في حديث أبي هريرة فضلُ الغنيِّ نصًّا (٢) لا تأويلًا إذا استوت أعمالهم المفروضة، فللغنيِّ حينئذٍ من فضل عمل البرِّ ما لا سبيل للفقير إليه. وتعقَّبه

стр. 2310

ابن المُنَيِّر بأنَّ الفضل المذكور فيه خارجٌ عن محلِّ الخلاف؛ إذ لا يختلفون في أنَّ الفقير لم يبلغ فضل الصَّدقة، وكيف يختلفون فيه وهو لم يفعل الصَّدقة، وإنَّما الخلاف إذا قابلنا مزيَّة الفقير بثواب الصَّبر على مصيبة شظف العيش، ورضاه بذلك بمزيَّة الغنيِّ بثواب الصَّدقات، أيُّهما أكثر ثوابًا؟ انتهى. ويأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذه المسألة في «كتاب الأطعمة». ورواة حديث الباب ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو وتشديد الرَّاء آخره دالٌ مُهمَلةٌ (كَاتِبِ المُغِيرَةِ) بالإضافة، ولأبي ذَرٍّ: «كاتبٌ للمغيرة» (بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) سقط «ابن شعبة» في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبلَ معاوية، وكان السَّبب في ذلك أنَّ معاوية كتب إليه: اكتب إليَّ بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) بضمِّ الدَّال والمُوحَّدة، وقد تُسكَّن، أي: عقب كلِّ صلاةٍ (مَكْتُوبَةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بالرَّفع على الخبريَّة لـ «لا»، أو على البدليَّة من الضَّمير المستتر في الخبر المُقدَّر، أو من اسم «لا» باعتبار محلِّه

стр. 2311

قبل دخولها، أو أنَّ «إلَّا» بمعنى «غير» أي: لا إله غير الله في الوجود لأنَّا لو حملنا «إلَّا» على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا، وعُورِض بأنَّه على تأويل «إلَّا» بـ «غير» يصير المعنى (١): نفي إلهٍ مغايرٍ له (٢)، ولا يلزم من نفي مغاير (٣) الشَّيء إثباته هنا (٤)، فيعود الإشكال، وأُجيب بأنَّ إثبات الإله كان مُتَّفَقًا عليه بين العقلاء إلَّا أنَّهم كانوا يثبتون الشُّركاء والأنداد (٥)، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك، وإثبات الإله من لوازم المعقول، سلَّمنا أن (٦) لا إله إلَّا الله دلَّت على نفي سائر الآلهة، وعلى إثبات الإلهيَّة لله تعالى إلَّا أنها بوضع الشَّرع، لا بمفهوم أصل (٧) اللُّغة. انتهى. وقد يجوز النَّصب على الاستثناء أو الصِّفة لاسم «لا» إذا كانت بمعنى: «غير» لكنَّ المسموعَ الرَّفعُ، قال البيضاويُّ في آية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير الله، وُصِفَ بـ «إلَّا» لمَّا تعذَّر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها،

стр. 2312

ودلالته (١) على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمرادُ ملازمتُه لكونها مُطلَقًا أو معه حملًا لها على «غير» كما استثنى بـ «غير» حملًا لها (٢) عليها، ولا يجوز الرَّفع على البدل (٣)، لأنَّه متفرِّعٌ (٤) على الاستثناء، ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غير موجبٍ، وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوَّل «كتاب الإيمان» [خ¦٨] عند قوله: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلَّا الله … »، ثمَّ اعلم أنَّه لا خلاف أنَّ في قولك (٥): «قام القوم إلَّا زيدًا» مُخرَجًا ومُخرَجًا منه، وأنَّ المُخرَج ما بعد «إلَّا»، والمُخرَج منه ما قبلها، ولكنْ قبلَ «إلَّا» شيئان: القيامُ والحكم به، والقاعدة أنَّ ما خرج من نقيضٍ دخل في النَّقيض الآخر، واختلفوا: هل زيدٌ مُخرَجٌ من القيام أو من الحكم به؟ والَّذي عليه محقِّقو النُّحاة والفقهاء أنَّه مُخرَجٌ من القيام، فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائمٍ، وقِيلَ: مُخرَجٌ من الحكم بالقيام، فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكومٍ عليه، وهو قول قومٍ من الكوفيِّين، ووافقهم (٦) الحنفيَّة، فعندنا أنَّ الاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ومن الإثبات نفيٌ، وعندهم أنَّ المستثنى غير محكومٍ عليه بشيءٍ، ومن حجج الجمهور: الاتِّفاق على حصول التَّوحيد بقولنا: لا إله إلَّا الله، وذلك إنَّما يتمشَّى على قولنا: إنَّ المُستثنى محكومٌ عليه، لا على قولهم: إنَّه مسكوتٌ عنه، فافهمه، قاله (٧) ابن هشامٍ. (وَحْدَهُ) بالنَّصب على الحال، أي: لا إله منفردًا وحده (لَا شَرِيكَ لَهُ) عقلًا ونقلًا، أمَّا أوَّلًا

стр. 2313

فلأنَّ وجود إلهين مُحالٌ؛ إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على كلِّ المقدورات، فلو فرضنا أنَّ أحدهما أراد تحريك يد (١) زيدٍ والآخر تسكينها (٢): فإمَّا أن يقع المرادان، وهو محالٌ لاستحالة الجمع بين الضِّدَّين، أو لا يقع واحدٌ منهما، وهو محالٌ لأنَّ المانع من وجود مرادِ كلِّ واحدٍ منهما حصولُ مراد الآخر، ولا يمتنع وجود مراد هذا إلَّا عند وجود مراد الآخر، وبالعكس، فلو امتنعا معًا لوُجِدا معًا وذلك محالٌ لوجهين: الأوَّل: أنَّه لمَّا كان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل يستويان في القدرة، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أَوْلى بالوقوع من الآخر؛ إذ يلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجِّحٍ، وهذا محالٌ. الثَّاني: أنَّه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر فالَّذي يحصل مرادهُ إلهٌ قادرٌ، والَّذي لا يحصل مراده عاجزٌ، فلا يكون إلهًا. وأمَّا ثانيًا: فلقوله (٣) تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و ﴿لَا تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] و «الأوَّل»: هو الفرد السَّابق، وذلك يقتضي أن لا شريك له، وهو تأكيدٌ لقوله: «وحده» لأنَّ المتَّصف بالوحدانيَّة لا شريك له. (لَهُ المُلْكُ) بضمِّ الميم، أي: أصناف المخلوقات (وَلَهُ الحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ أخرى عن المغيرة: «يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: الَّذي أعطيته (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي: الَّذي منعته،

стр. 2314

وزاد في «مُسند عبد بن حُمَيْدٍ» من رواية مَعْمَرٍ عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ بهذا الإسناد: «ولا رادَّ لما قضيت» وقد أجاز البغداديُّون -كما نبَّه عليه صاحب «المصابيح» - ترك تنوين الاسم المُطوَّل، فأجازوا: لا طالع جبلًا، أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أُجرِي (١) مجراه في الإعراب، قال ابن هشامٍ: وعلى ذلك يتخرَّج الحديث، وتبعه الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة»، قال الدَّمامينيُّ: بل يتخرَّج الحديث (٢) على قول البصريِّين أيضًا بأن يجعل «مانع» اسم «لا» مفردًا مبنيًّا معها؛ إمَّا لتركيبه معها تركيب «خمسة عشر»، وإمَّا لتضمُّنه معنى «مِن» الاستغراقيَّة، على الخلاف المعروف في المسألة، والخبر محذوفٌ، أي: لا مانعَ مانعٌ لِمَا أعطيت، واللَّام للتَّقوية، فلك أن تقول: تتعلَّق، ولك أن تقول: لا تتعلَّق، وكذا القول في: «ولا معطي لما منعت»، وجوَّز الحذف ذكر مثل المحذوف، وحسَّنه (٣) دفع التَّكرار، فظهر بذلك أنَّ التَّنوين على رأي البصريِّين ممتنعٌ، ولعلَّ السِّرَّ في العدول عن تنوينه إرادة التَّنصيص على الاستغراق، ومع التَّنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا. فإن قلت: إذا نُوِّن الاسم كان مُطوَّلًا، و «لا» عاملةٌ، وقد تقرَّر أنَّها عند العمل ناصَّةٌ على الاستغراق، قلت (٤): خصَّ بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمُّن معنى «من» الاستغراقيَّة، ولو سُلِّم ما قلته لم يتعيَّن عملها في هذا الاسم المنصوب حتَّى يكون النَّصُّ على الاستغراق (٥) حاصلًا لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ، أي: لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى (٦) البناء لسلامته من هذا الاحتمال. انتهى. (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم فيهما، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنَّما ينفعه العمل الصَّالح، فـ «من» في «منك» بمعنى البدل كقوله تعالى:

стр. 2315

﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة. (وَقَالَ شُعْبَةُ) ممَّا وصله السَّرَّاج في «مسنده»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء»، وابن حبَّان: (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «ابن عُمَيْرٍ» (بِهَذَا) الحديث السَّابق، أي: رواه عنه، كما رواه سفيان عنه (وَ) قال شعبة أيضًا: (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتيبة ممَّا وصله السَّرَّاج والطَّبرانيُّ وابن حبَّان، وثبتت واو «وعن الحكم» لابن عساكر (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة وكسر الميم بعدها راءٌ مفتوحةٌ (عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عُمَيْرٍ، إلَّا أنَّهم قالوا فيه: «كان إذا قضى صلاته وسلَّم (١) قال: … » إلى آخره. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق أبي رجاء، وعبدُ بن حُمَيْدٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، كلاهما عن الحسن، أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] (جَدُّ غِنًى) بالرَّفع بلا تنوينٍ على سبيل الحكاية، مبتدأٌ خبرُه «غنًى» أي: الجَدُّ تفسيره «غنًى»، ولكريمة: «الجدُّ: غنى» وسقط هذا الأثر في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وتعليق الحَكَمِ مؤخَّرٌ عن تعليق الحسن في رواية أبي ذَرٍّ، ومقدَّمٌ عليه في رواية كريمة، وهو الأصوب (٢) لأنَّ قوله: «عن الحكم» معطوفٌ على قوله: «عن عبد الملك»، وقوله: «قال الحسن: جَدُّ غنًى» معترضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
следующие страницы →