← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

قبل دخولها، أو أنَّ «إلَّا» بمعنى «غير» أي: لا إله غير الله في الوجود لأنَّا لو حملنا «إلَّا» على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا، وعُورِض بأنَّه على تأويل «إلَّا» بـ «غير» يصير المعنى (١): نفي إلهٍ مغايرٍ له (٢)، ولا يلزم من نفي مغاير (٣) الشَّيء إثباته هنا (٤)، فيعود الإشكال، وأُجيب بأنَّ إثبات الإله كان مُتَّفَقًا عليه بين العقلاء إلَّا أنَّهم كانوا يثبتون الشُّركاء والأنداد (٥)، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك، وإثبات الإله من لوازم المعقول، سلَّمنا أن (٦) لا إله إلَّا الله دلَّت على نفي سائر الآلهة، وعلى إثبات الإلهيَّة لله تعالى إلَّا أنها بوضع الشَّرع، لا بمفهوم أصل (٧) اللُّغة. انتهى. وقد يجوز النَّصب على الاستثناء أو الصِّفة لاسم «لا» إذا كانت بمعنى: «غير» لكنَّ المسموعَ الرَّفعُ، قال البيضاويُّ في آية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير الله، وُصِفَ بـ «إلَّا» لمَّا تعذَّر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها،

стр. 2312

ودلالته (١) على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمرادُ ملازمتُه لكونها مُطلَقًا أو معه حملًا لها على «غير» كما استثنى بـ «غير» حملًا لها (٢) عليها، ولا يجوز الرَّفع على البدل (٣)، لأنَّه متفرِّعٌ (٤) على الاستثناء، ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غير موجبٍ، وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوَّل «كتاب الإيمان» [خ¦٨] عند قوله: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلَّا الله … »، ثمَّ اعلم أنَّه لا خلاف أنَّ في قولك (٥): «قام القوم إلَّا زيدًا» مُخرَجًا ومُخرَجًا منه، وأنَّ المُخرَج ما بعد «إلَّا»، والمُخرَج منه ما قبلها، ولكنْ قبلَ «إلَّا» شيئان: القيامُ والحكم به، والقاعدة أنَّ ما خرج من نقيضٍ دخل في النَّقيض الآخر، واختلفوا: هل زيدٌ مُخرَجٌ من القيام أو من الحكم به؟ والَّذي عليه محقِّقو النُّحاة والفقهاء أنَّه مُخرَجٌ من القيام، فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائمٍ، وقِيلَ: مُخرَجٌ من الحكم بالقيام، فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكومٍ عليه، وهو قول قومٍ من الكوفيِّين، ووافقهم (٦) الحنفيَّة، فعندنا أنَّ الاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ومن الإثبات نفيٌ، وعندهم أنَّ المستثنى غير محكومٍ عليه بشيءٍ، ومن حجج الجمهور: الاتِّفاق على حصول التَّوحيد بقولنا: لا إله إلَّا الله، وذلك إنَّما يتمشَّى على قولنا: إنَّ المُستثنى محكومٌ عليه، لا على قولهم: إنَّه مسكوتٌ عنه، فافهمه، قاله (٧) ابن هشامٍ. (وَحْدَهُ) بالنَّصب على الحال، أي: لا إله منفردًا وحده (لَا شَرِيكَ لَهُ) عقلًا ونقلًا، أمَّا أوَّلًا

стр. 2313

فلأنَّ وجود إلهين مُحالٌ؛ إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على كلِّ المقدورات، فلو فرضنا أنَّ أحدهما أراد تحريك يد (١) زيدٍ والآخر تسكينها (٢): فإمَّا أن يقع المرادان، وهو محالٌ لاستحالة الجمع بين الضِّدَّين، أو لا يقع واحدٌ منهما، وهو محالٌ لأنَّ المانع من وجود مرادِ كلِّ واحدٍ منهما حصولُ مراد الآخر، ولا يمتنع وجود مراد هذا إلَّا عند وجود مراد الآخر، وبالعكس، فلو امتنعا معًا لوُجِدا معًا وذلك محالٌ لوجهين: الأوَّل: أنَّه لمَّا كان كلُّ واحدٍ منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل يستويان في القدرة، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أَوْلى بالوقوع من الآخر؛ إذ يلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجِّحٍ، وهذا محالٌ. الثَّاني: أنَّه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر فالَّذي يحصل مرادهُ إلهٌ قادرٌ، والَّذي لا يحصل مراده عاجزٌ، فلا يكون إلهًا. وأمَّا ثانيًا: فلقوله (٣) تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و ﴿لَا تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] و «الأوَّل»: هو الفرد السَّابق، وذلك يقتضي أن لا شريك له، وهو تأكيدٌ لقوله: «وحده» لأنَّ المتَّصف بالوحدانيَّة لا شريك له. (لَهُ المُلْكُ) بضمِّ الميم، أي: أصناف المخلوقات (وَلَهُ الحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ أخرى عن المغيرة: «يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: الَّذي أعطيته (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) أي: الَّذي منعته،

стр. 2314

وزاد في «مُسند عبد بن حُمَيْدٍ» من رواية مَعْمَرٍ عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ بهذا الإسناد: «ولا رادَّ لما قضيت» وقد أجاز البغداديُّون -كما نبَّه عليه صاحب «المصابيح» - ترك تنوين الاسم المُطوَّل، فأجازوا: لا طالع جبلًا، أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أُجرِي (١) مجراه في الإعراب، قال ابن هشامٍ: وعلى ذلك يتخرَّج الحديث، وتبعه الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة»، قال الدَّمامينيُّ: بل يتخرَّج الحديث (٢) على قول البصريِّين أيضًا بأن يجعل «مانع» اسم «لا» مفردًا مبنيًّا معها؛ إمَّا لتركيبه معها تركيب «خمسة عشر»، وإمَّا لتضمُّنه معنى «مِن» الاستغراقيَّة، على الخلاف المعروف في المسألة، والخبر محذوفٌ، أي: لا مانعَ مانعٌ لِمَا أعطيت، واللَّام للتَّقوية، فلك أن تقول: تتعلَّق، ولك أن تقول: لا تتعلَّق، وكذا القول في: «ولا معطي لما منعت»، وجوَّز الحذف ذكر مثل المحذوف، وحسَّنه (٣) دفع التَّكرار، فظهر بذلك أنَّ التَّنوين على رأي البصريِّين ممتنعٌ، ولعلَّ السِّرَّ في العدول عن تنوينه إرادة التَّنصيص على الاستغراق، ومع التَّنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا. فإن قلت: إذا نُوِّن الاسم كان مُطوَّلًا، و «لا» عاملةٌ، وقد تقرَّر أنَّها عند العمل ناصَّةٌ على الاستغراق، قلت (٤): خصَّ بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمُّن معنى «من» الاستغراقيَّة، ولو سُلِّم ما قلته لم يتعيَّن عملها في هذا الاسم المنصوب حتَّى يكون النَّصُّ على الاستغراق (٥) حاصلًا لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعلٍ محذوفٍ، أي: لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى (٦) البناء لسلامته من هذا الاحتمال. انتهى. (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم فيهما، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنَّما ينفعه العمل الصَّالح، فـ «من» في «منك» بمعنى البدل كقوله تعالى:

стр. 2315

﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة. (وَقَالَ شُعْبَةُ) ممَّا وصله السَّرَّاج في «مسنده»، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء»، وابن حبَّان: (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) في رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «ابن عُمَيْرٍ» (بِهَذَا) الحديث السَّابق، أي: رواه عنه، كما رواه سفيان عنه (وَ) قال شعبة أيضًا: (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتيبة ممَّا وصله السَّرَّاج والطَّبرانيُّ وابن حبَّان، وثبتت واو «وعن الحكم» لابن عساكر (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة وكسر الميم بعدها راءٌ مفتوحةٌ (عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عُمَيْرٍ، إلَّا أنَّهم قالوا فيه: «كان إذا قضى صلاته وسلَّم (١) قال: … » إلى آخره. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق أبي رجاء، وعبدُ بن حُمَيْدٍ من طريق سليمان التَّيميِّ، كلاهما عن الحسن، أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] (جَدُّ غِنًى) بالرَّفع بلا تنوينٍ على سبيل الحكاية، مبتدأٌ خبرُه «غنًى» أي: الجَدُّ تفسيره «غنًى»، ولكريمة: «الجدُّ: غنى» وسقط هذا الأثر في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، وتعليق الحَكَمِ مؤخَّرٌ عن تعليق الحسن في رواية أبي ذَرٍّ، ومقدَّمٌ عليه في رواية كريمة، وهو الأصوب (٢) لأنَّ قوله: «عن الحكم» معطوفٌ على قوله: «عن عبد الملك»، وقوله: «قال الحسن: جَدُّ غنًى» معترضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.

стр. 2316

ورواة هذا (١) الحديث الخمسة (٢) كوفيُّون إلَّا محمَّد بن يوسف، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٢] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٧٣] و «القدر» [خ¦٦٦١٥] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصلاة». (١٥٦) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ) بوجهه (إِذَا سَلَّمَ) من الصَّلاة. ٨٤٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم ممدودًا، عمران بن تميمٍ العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَُبٍ) بضمِّ الميم (٤) وضمِّ الدَّال المُهمَلة وفتحها، ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي: فرغ منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشَّريف، قال ابن المُنَيِّر: استدبار الإمام للمأمومين (٥) إنَّما هو لحقِّ الإمامة، فإذا انقضت الصَّلاة زال السَّبب، فاستقبالهم حينئذٍ يرفع الخيلاء والتَّرفُّع على المأمومين. انتهى. وقِيلَ: الحكمة فيه تعريف الدَّاخل بأنَّ الصَّلاة انقضت إذ لو استمرَّ الإمام على حاله لأوهم أنَّه في التَّشهُّد مثلًا.

стр. 2317

٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ، وللأَصيليِّ: «قال عبد الله بن مسلمة» (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) بتصغير العبد في الأوَّل، وضمِّ العين وإسكان المُثنِّاة الفوقيَّة في الثَّالث (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا (رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «صلِّى لنا النَّبيُّ» (¬ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ) بحاءٍ مضمومةٍ ودالٍ مفتوحةٍ مُهمَلةٍ مُخفَّفة الياء عند بعض المحقِّقين، وهو الَّذي في الفرع، مُشدَّدةٍ عند أكثر المحدِّثين؛ موضعٌ على نحو مرحلةٍ من مكَّة سُمِّي ببئرٍ هناك، وبه كانت بيعة الرِّضوان تحت الشَّجرة سنة ستٍّ من الهجرة (عَلَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ) بضمير التَّأنيث، عائدٌ إلى «سماءٍ»، و «إِثْر» بكسر الهمزة وإسكان المُثلَّثة في الفرع، ويجوز فتحهما (١)، أي: على أثر مطرٍ كانت (٢) (مِنَ اللَّيْلَةِ) ولأبي ذَرٍّ: «من اللَّيل» (فَلَمَّا

стр. 2318

انْصَرَفَ) ﵊ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشَّريف (فَقَالَ) لهم: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) استفهامٌ على سبيل التَّنبيه (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بما قال (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) الكفر الحقيقيَّ لأنَّه قابله بالإيمان حقيقةً لأنَّه اعتقد ما يفضي إلى الكفر، وهو اعتقاد أنَّ الفعل للكوكب، وأمَّا من اعتقد أنَّ الله هو خالقه ومخترعه، وهذا

стр. 2319

ميقاتٌ له وعلامةٌ بالعادة فلا يكفر، أو المراد: كفر (١) النِّعمة لإضافة الغيث إلى الكوكب، قال الزَّركشيُّ: والإضافة في «عبادي» للتَّغليب، وليست للتَّشريف كهي في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] لأنَّ الكافر ليس من أهله، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: التَّغليب على خلاف الأصل، ولِمَ لا يجوز أن تكون الإضافة لمُجرَّد الملك؟ (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ) بالتَّنوين، وللأربعة: «مؤمنُ» بغير تنوينٍ، وثبت قوله: «بي» لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره، وسقطت واو «وكافرٌ» لابن عساكر وأبي ذَرٍّ (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) بفتح النُّون وسكون الواو، في آخره همزةٌ، أي: بكوكب كذا وكذا، سمَّى نجوم منازل القمر أنواءً، وسُمِّي نوءًا لأنَّه ينوء طالعًا عند مغيب مقابله بناحية المغرب، وقال ابن الصَّلاح: النَّوء ليس نفس الكوكب، بل مصدر «ناء النَّجم» إذا سقط، وقِيلَ: نهض وطلع، وبيانه: أنَّ ثمانيةً وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السَّنة وهي المعروفة بمنازل القمر، يسقط في كلِّ ثلاث عشرة ليلةً نجمٌ منها في المغرب، مع طلوع مقابله في المشرق، فكانوا ينسبون المطر للغارب، وقال الأصمعيُّ: للطَّالع، فتسميةُ النَّجم نوءًا تسميةٌ للفاعل بالمصدر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ:

стр. 2320

«مُطِرنا بنوء كذا وكذا» (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) وسقطت «الواو» لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر، وقد أجاز العلماء أن يُقال: مُطِرنا في نوء كذا. ٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن منيرٍ» كما في رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر؛ بصيغة اسم الفاعل من «أنار»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «ابن المنير» بالألف واللَّام؛ لأنَّ الاسم إذا كان في الأصل صفةً يجوز فيه الوجهان، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ) زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «بن هارون» (قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء وفتح الميم (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «بن مالكٍ» (قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) من باب إضافة المُسمَّى إلى اسمه، أو لفظةُ «ذات» مُقحَمةٌ (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) الأوَّل (١) (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى) أي: فرغ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشَّريف (٢) (فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ) الغير الحاضرين في المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا،

стр. 2321

وَإِنَّكُمْ لَنْ) بالنُّون (تَزَالُوا فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) أي: مدَّة انتظارها. (١٥٧) (بابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ) من الصلاة. ٨٤٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (وَقَالَ لَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ، وعادة المؤلِّف أن يستعمل هذا اللَّفظ في المذاكرة، وهي أحطُّ رتبةً، وعلى ذلك مشى الكِرمانيُّ، وتبعه البرماويُّ والعينيُّ، قال في «الفتح»: وليس بمُطَّردٍ، فقد وجدت كثيرًا ممَّا قال فيه ذلك قد أخرجه في تصانيفَ أخرى بصيغة التَّحديث، وإنَّما عبَّر بذلك ليغاير بينه وبين المرفوع، كما عرفته بالاستقراء من صنيعه. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من كونه وجده (١) … إلى آخره أن يكون المؤلِّف أسند هذا الأثر في تصنيفٍ آخر بصيغة التَّحديث. انتهى. (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (يُصَلِّي) النَّفل (فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي «فريضةً» ورواه ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن أيُّوب عن نافعٍ قال: «كان ابن عمر يصلِّي سُبْحته مكانه». (وَفَعَلَهُ) أي: صلاة النَّفل في موضع الفرض (القَاسِمُ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، وهذا وصله ابن أبي شيبة. (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، ممَّا وصله أبو داود وابن ماجه، لكن بمعناه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ) بفتحاتٍ في الفرع أي: إلى رسول الله ﷺ ، وفي غير الفرع: «رَفْعُه» بفتحٍ فسكونٍ فضمٍّ، مصدرٌ مضافٌ للفاعل، مرفوعٌ نائبًا عن الفاعل في «يُذكَر»، ومفعوله جملة:

стр. 2322

(لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ) بضمِّ العين، أو مجزومٌ بـ «لا»، وكُسِر لالتقاء السَّاكنين (فِي مَكَانِهِ) الَّذي صلَّى فيه الفريضة. (وَلَمْ يَصِحَّ) ولابن عساكر: «ولا يصحُّ» هذا التَّعليق لضعف إسناده واضطرابه، تفرَّد به ليث بن أبي سُلَيْمٍ، وهو ضعيفٌ، واختُلِف عليه فيه، وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا، ممَّا رواه (١) أبو داود بإسنادٍ منقطعٍ بلفظ: «لا يصلِّي الإمام في الموضع الَّذي صلَّى فيه حتَّى يتحوَّل عن مكانه» ولابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ عن عليٍّ قال: «من السُّنَّة ألَّا يتطوَّع الإمام حتَّى يتحوَّل عن مكانه» وكأنَّ المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النَّافلة بالفريضة على الدَّاخل. ٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) أي (٢): «هشام بن عبد الملك» كما في رواية أبوي الوقت وذَرٍّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (قَالَ: حَدَّثَنَا) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ) بالمُثلَّثة، التَّابعيَّة، بالصَّرف وعدمه في «هنْدٍ» لكونه علم أنثى على ثلاثة أحرفٍ ساكن الوسط، ليس أعجميًّا ولا منقولًا من مُذكَّرٍ لمُؤنَّثٍ، لكنَّ المنع أَوْلى (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ) من الصَّلاة (يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ) الَّذي صلَّى فيه (يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ بالإسناد المذكور: (فَنُرَى) بضمِّ النُّون، أي: فنظنُّ (وَاللهُ أَعْلَمُ) أنَّ

стр. 2323

مكثه ﵊ في مكانه كان (لِكَيْ يَنْفُذَ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه والذَّال معجمةٌ، أي: يخرج (مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ) قبل أن يدركهنَّ من ينصرف من الرِّجال، ومقتضى هذا أنَّ المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أنَّه (١) لا يستحبُّ هذا المكث. ٨٥٠ - (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) ممَّا وصله في «الزُّهريَّات»: (أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثني» (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهريَّ

стр. 2324

(كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت «ابنة» (الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء وكسر السِّين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ نسبةً إلى بني فراسٍ؛ بطنٌ من كنانة (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا) هو من جمع الجمع المُكسَّر جمع سلامةٍ، وهو مسموعٌ في هذه اللَّفظة (قَالَتْ: كَانَ) النَّبيُّ ﷺ (يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أفادت هذه الرِّواية الإشارة إلى أقلِّ مقدارٍ كان يمكثه ﵊. (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله ممَّا وصله النَّسائيُّ عن محمَّد بن سلمة عنه (١) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ) وفي روايةٍ: «القرشيَّة» بالقاف والشِّين المُعجَمة من غير ألفٍ. (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ممَّا سيأتي موصولًا -إن شاء الله تعالى- بعد أربعة (٢) أبوابٍ [خ¦٨٦٦]: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ) قال (٣): (حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «القرشيَّة» بالقاف والشِّين المُعجَمة. (وَقَالَ) محمَّد بن الوليد (الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» من طريق عبد الله بن سالم عنه: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أنَّ هندًا» (القُرَشِيَّةَ) بالقاف والشِّين المُعجَمة من غير ألفٍ؛ نسبةً لقريشٍ، ومرادُ المؤلِّف بذلك التَّنبيهُ على أنَّه اختُلِف في نسبة هندٍ، ولا مغايرة بين النِّسبتين لأنَّ كنانةَ جماعُ قريش (أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ

стр. 2325

المِقْدَادِ) بفتح الميم وسكون العين وفتح المُوحَّدة في الأوَّل، وكسر الميم في الثَّاني، ابن الأسود الكنديِّ المدنيِّ الصَّحابيِّ (وَهْوَ) أي: مَعْبَدٌ (حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ) بحاءٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ (وَكَانَتْ) هندٌ (تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ورضي الله عنهنَّ. (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، ممَّا وصله في «الزُّهريَّات» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنه قال: (حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القُرَشِيَّةُ) بالقاف والشِّين المُعجَمة. (وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) بفتح العين، هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ، ممَّا وصله في «الزُّهريَّات» أيضًا: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ الفِرَاسِيَّةِ) بالفاء والسِّين المُهمَلة. (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاريُّ، أنَّه (حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثه ابن شهابٍ» (عَنِ امْرَأَةٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنَّ امرأةً» (مِنْ قُرَيْشٍ) هي هندٌ بنت الحارث المذكورة (حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا غير موصولٍ لأنَّ هندًا تابعيَّةٌ، وفي قوله: «امرأةٍ من قريشٍ» الرَّدُّ على من زعم أنَّ قوله: «القرشيَّة» بالقاف والشِّين المُعجَمة، تصحيفٌ من الفراسيَّة؛ بالفاء والسِّين المُهمَلة، قال في «الفتح»: واستُنبِط من مجموع الأدلَّة أنَّ للإمام أحوالًا لأنَّ الصَّلاة إمَّا أن تكون

стр. 2326

ممَّا يُتنفَّل بعدها أو لا: فإن كان الأوَّل فاختُلِف: هل يتشاغل قبل التَّنفُّل بالذِّكر المأثور ثمَّ يتنفَّل؟ وبذلك أخذ الأكثرون لحديث معاوية، وعند الحنفيَّة يُكرَه له المكث قاعدًا يشتغل بالدُّعاء، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، والتَّسبيح قبل أن يصلِّي السُّنَّة لأنَّ القيام إلى السُّنَّة بعد أداء الفريضة أفضل من الدُّعاء والتَّسبيح والصَّلاة، ولأنَّ الصَّلاة مُشتقَّةٌ من المُواصَلة، وبكثرة الصَّلاة (١) يصل العبد إلى مقصوده. انتهى. من «المحيط». وأمَّا الصَّلاة الَّتي لا يُتنفَّل بعدها -كالعصر- فيتشاغل الإمام ومن معه بالذِّكر المأثور، ولا يتعيِّن له مكانٌ، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا، وعلى الثَّاني: إن كان للإمام عادةٌ أن يعلِّمهم أو يَعِظُهم فيُستحَبُّ له أن يقبل عليهم جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذِّكر المأثور فهل يقبل عليهم جميعًا أو ينتقل (٢) فيجعل يمينه من قِبَل المأمومين ويساره من قِبَل القبلة ويدعو؟ جزم بالثَّاني أكثرُ الشَّافعيَّة، ويحتمل أنَّه إن قَصُرَ زمن ذلك أن (٣) يستمرَّ مستقبلًا للقبلة من أجل

стр. 2327

أنَّها أليق بالدُّعاء، ويُحمَل الأوَّل على ما لو أطال الذِّكر والدُّعاء. انتهى. والله الموفِّق (١). (١٥٨) (بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ) بعد أن سلَّم وترك المكث. ٨٥١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، العَلَّاف، ولابن عساكر: «ابن ميمونٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيُّ، كان يغزو سنةً ويحجُّ أخرى، تُوفِّي سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ العين وفتح الميم في الأوَّل، وكسر العين في الثَّاني، ابن أبي حسينٍ النَّوفليِّ المكِّيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم (عَنْ عُقْبَةَ) بن الحارث النَّوفليِّ، أبي سَِروعة؛ بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها (قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «فسلَّم، فقام» حال كونه (مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى) بغير همزٍ، أي: فتجاوز

стр. 2328

(رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ) فيه: أنَّ للإمام أن ينصرف متى شاء، وأنَّ التَّخطِّيَ لِمَا لا غنى عنه مباحٌ، وأنَّ من وجب عليه فرضٌ فالأفضل مبادرته إليه. (فَفَزِعَ النَّاسُ) بكسر الزَّاي، أي: خافوا (مِنْ سُرْعَتِهِ) وكانت هذه عادتهم إذا رأوا منه ﵊ غير ما يعهدونه خشية أن ينزل فيهم شيءٌ فيسوءهم (فَخَرَجَ) ﷺ من الحجرة (عَلَيْهِمْ) ولابن عساكر «إليهم» (فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنهم قد عجبوا» (مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ) ﵊: (ذَكَرْتُ) بفتح الذَّال والكاف، أو بالضَّمِّ والكسر، وأنا في الصَّلاة (شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ) بكسر المُثنَّاة؛ شيئًا من ذهبٍ أو فضَّةٍ غير مصوغٍ، أو من ذهبٍ فقط، وفي رواية أبي عاصمٍ: «تبرًا من الصَّدقة» [خ¦١٤٣] (عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي) أي: يشغلني التَّفكُّر فيه عن التَّوجُّه والإقبال على الله تعالى (فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) بكسر القاف والمُثنَّاة الفوقيَّة بعد الميم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «بقَسْمِهِ» بفتح القاف من غير مُثنَّاة، وفي رواية أبي عاصمٍ: «فَقَسَمْتُه»، ويُؤخَذ منه: أنَّ عروض الذِّكر في الصَّلاة في أجنبيٍّ عنها من وجوه الخير، وإنشاء العزم في أثنائها على الأمور المحمودة لا يفسدها، ولا يقدح في كمالها، واستنبط منه ابن بطَّالٍ: أنَّ تأخُّر الصَّدقة يحبس صاحبها يوم القيامة في الموقف. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ البخاريِّ (١) من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦١٢٢١] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٠] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٧٥]، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

стр. 2329

(١٥٩) (بابُ الاِنْفِتَالِ) لاستقبال المأمومين (وَالاِنْصِرَافِ) لحاجته (عَنِ اليَمِينِ وَالشِّمَالِ) أي: عن يمين المصلِّي وعن شماله، فالألف واللَّام عوضٌ عن المضاف إليه. (وَكَانَ أَنَسٌ) ولأبي ذَرٍّ: «أنس بن مالكٍ» ممَّا وصله مُسدَّدٌ في «مُسنَده الكبير» من طريق سعيدٍ عن قتادة قال: كان أنسٌ (يَنْفَتِلُ) أي: ينصرف (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى) بالخاء المُعجَمة المُشدَّدة، أي: يقصد ويتحرَّى (أَوْ مَنْ يَعْمِدُ الاِنْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين وكسر الميم، شكٌّ من الرَّاوي. وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أو من تَعَمَّد» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والعين والميم المُشدَّدة، ولابن عساكر والأَصيليِّ: «أو يَعْمِد» بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين وكسر الميم مع إسقاط: «من» (١). فإن قلت: هذا يخالف ما في «مسلمٍ» من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن السُّدِّيِّ، قال: «سألت أنسًا: كيف أنصرف إذا صلَّيت، عن يميني أو عن يساري؟ قال: أمَّا أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه»، أُجيب بأنَّ أنسًا إنَّما (٢) عاب من يعتقد تحتُّم ذلك ووجوبه، وأمَّا إذا استوى الأمران فجهة اليمين أَوْلى لأنَّه ﵊ كان أكثر انصرافه لجهة اليمين؛ كما سيأتي في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى ويحب التَّيامن في شأنه كلِّه.

стр. 2330

٨٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخَعِيِّ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (لَا يَجْعَلْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يجعلنَّ» بنون التَّوكيد (أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا) ولـ «مسلمٍ»: «جزءًا» (مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى) بفتح أوَّله، أي: يعتقد، ويجوز الضَّمُّ، أي: يظنُّ (أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَلَّا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) بيانٌ لما قبله؛ وهو الجعل، أو استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قِيلَ: كيف يجعل للشَّيطان شيئًا من صلاته؟ فقال: «يرى أنَّ حقًا عليه … » إلى آخره، وقوله: «ألَّا ينصرف» في موضع رفعٍ خبر «أنَّ»، واستُشكِل بأنَّه معرفةٌ؛ إذ تقديره: عدمُ الانصراف، فكيف يكون اسمُها نكرةً وهو معرفةٌ؟ وأُجيب بأنَّ النَّكرة المخصوصة كالمعرفة، أو من باب القلب، أي: يرى أنَّ عدم الانصراف حقٌّ عليه، قاله البرماويُّ تبعًا للكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تعسُّفٌ، والظَّاهر أنَّ المعنى: يرى أنَّ واجبًا عليه عدم الانصراف إلَّا عن يمينه، والله أعلم. (لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا) حال كونه (يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ) واستنبط ابن المُنَيِّر منه أنَّ المندوب ربَّما انقلب مكروهًا إذا خِيف على (١) النَّاس أن يرفعوه عن رتبته (٢) لأنَّ التَّيامن مُستحَبٌّ، لكن لمَّا خشي ابن مسعودٍ أن يُعتقَد وجوبُه أشار إلى كراهته، قال أبو عُبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السُّنَّة، يريد -والله أعلم- حيث (٣) لم يلزم (٤) التَّيامن على أنَّه سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ أو واجبٌ، وإلَّا فما يظنُّ أنَّ التَّياسر سنَّةٌ حتَّى يكون التَّيامن بدعةً، إنَّما البدعة في رفع التَّيامن عن رتبته، قاله في «المصابيح».

стр. 2331

ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الصَّلاة»، والله أعلم. (١٦٠) (بابُ مَا جَاءَ فِي) أكل (الثُّومِ النِّيء) بنونٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فهمزةٍ ممدودةٍ (١)، وقد تُدغَم، وهو مجرورٌ صفةً لسابقه المضموم المُثلَّثة؛ أي غير النَّضيج (وَ) ما جاء في أكل (البَصَلِ وَالكُرَّاثِ) بضمِّ الكاف وتشديد الرَّاء آخره مُثلَّثة. (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بجرِّ لام «القول» عطفًا على المجرور السَّابق، ومقول قوله ﵊: (مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ) أو الكراث، أي: النِّيء (مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ) كالأكل للتَّشهِّي، والتَّأدُّم بالخبز (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) بنون التَّوكيد (٢) المُشدَّدة، وليس هذا لفظ حديثٍ، بل هو من تفقُّه المصنِّف وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى، والتَّقييد بالجوع أو غيره مأخوذٌ من كلام الصَّحابيِّ في بعض طرق حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، ولفظه: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكُرَّاث، فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منه … » الحديثَ، والحاجة تشمل الجوع وغيره، وأصرح منه ما في حديث أبي سعيدٍ: «لم نَعْدُ (٣) أن فُتِحت خيبرُ، فوقعنا في هذه البقلة والنَّاس جياعٌ … » الحديثَ. ٨٥٣ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ)

стр. 2332

مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ) سنة سبعٍ من الهجرة: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي: الثُّومَ-) يحتمل أن يكون القائل: «يعني» هو عبيد الله العمريُّ، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ ﵀ (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) بنون التوكيد (١) المُشدَّدة، أي: المكان الَّذي أعدَّه ليصلِّي فيه مدَّة إقامته بخيبر، أو المراد بـ «المسجد»: الجنس، والإضافة إلى المسلمين، ويدلُّ له رواية أحمد عن يحيى القطَّان فيه بلفظ: «فلا يقرَبن المساجد» وحكمُ رحبةِ المسجد حكمُه لأنَّها منه؛ ولذا كان ﵊ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في «مسلمٍ» عن عمر ﵁، ويلحق بالثوم كل ذي ريح كريه. وألحق بعضهم به مَنْ بِفِيِهِ بخرٌ، أو لجرحه رائحةٌ، وكالمجذوم والأبرص، وأصحاب الصَّنائع الكريهة كالسَّمَّاك، وتاجر الكتَّان، والغزل، وعُورِض بأنَّ آكل الثُّوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع بخلاف الأبخر والمجذوم (٢)، فكيف يلحق المضطر بالمختار؟ انتهى. وزاد مسلمٌ من رواية ابن نُميرٍ عن عبيد الله: «حتَّى يذهب ريحها»، وسمَّى الثُّوم بالشَّجرة، والشَّجرة (٣): ما كان على ساقٍ، وما لا ساق له يُسمَّى نجمًا، كما أنَّ اسم كلٍّ منهما قد يُطلَق على الآخر، ونطقُ أفصحِ الفصحاء من أقوى الدَّلائل.

стр. 2333

٨٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن اليمان الجعفيُّ المُسنَديُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل، شيخ المؤلِّف، وربَّما روى عنه بواسطةٍ كما هنا (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ-) يحتمل أن يكون الَّذي فسَّر هو ابن جريجٍ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى (فَلَا يَغْشَانَا) بألفٍ بعد الشِّين المُعجَمة؛ إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح كقوله: إذا العجوزُ غَضِبَتْ فطلِّقِ … ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ أو الألف من إشباع فتحة «يغشَنا»، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، أي: فلا يأتِنا (فِي مَسَاجِدِنَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «مسجدنا» بالإفراد. قال عطاءٌ: (قُلْتُ) لجابرٍ: (مَا يَعْنِي بِهِ؟) أي: بالثُّوم، أنضيجًا أم نيئًا؟ (قَالَ) جابرٌ: (مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّه ﵊ (يَعْنِي) أي: يقصد (إِلَّا نِيئَهُ) بكسر النُّون مع الهمزة (١) والمدِّ كما (٢) في الفرع وأصله، وجزم الكِرمانيُّ بأنَّ السَّائل عطاءٌ والمسؤول جابرٌ، وتبعه البرماويُّ والعينيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: أظنُّ السَّائل ابن جريجٍ

стр. 2334

والمسؤول عطاءً، وفي «مُصنَّف عبد الرَّزَّاق» ما يرشد إلى ذلك. انتهى. ومقتضى قوله: «إلَّا نيئه» أنَّه لا يُكرَه المطبوخ. وفي حديث عليٍّ المرويِّ عند أبي داود قال: «نهى عن أكل الثُّوم إلَّا مطبوخًا» وفي حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه: أنَّه ﷺ نهى عن هاتين الشَّجرتين، وقال: «من أكلهما فلا يقربنَّ مسجدنا»، وقال: «إن كنتم لا بدَّ آكليهما فأميتوهما طبخًا». (وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمة، و «يزيد» من الزِّيادة، الحَرَّانيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وتسعين ومئةٍ، يروي (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (إِلَّا نَتْنَهُ) بفتح النُّون وسكون المُثنَّاة (١) الفوقيَّة بعدها نونٌ أخرى، أي: قال بدل «نيئه»: نتنه؛ وهو الرَّائحة الكريهة، ونقل ابن التَّين عن مالكٍ أنَّه قال: الفُجْل إن (٢) كان يظهر ريحه فهو كالثُّوم، وقيَّده القاضي عياضٌ بالجُشَاء، ونصَّ في «الطَّبرانيِّ الصَّغير» في (٣) حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ على الفُجْل، لكنْ في إسناده يحيى بن راشدٍ، وهو ضعيفٌ، وقد وقع حديث جابرٍ هذا مُقدَّمًا على سابقه في بعض الأصول، وعلى أوَّلهما في فرع «اليونينيَّة» كهي علامة التَّقديم والتَّأخير، ورمز أبي ذَرٍّ، وعليه شرح العينيِّ. ورواة حديث جابرٍ هذا ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومكِّيٍّ، وشيخ المؤلِّف المُسنَديُّ من أفراده،

стр. 2335

وفيه: التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «الأطعمة». ٨٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَيْرٍ؛ بضمِّ العين المُهمَلة وفتح الفاء، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ أيضًا (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، أي: «قال» لأنَّ المرادَ بالزَّعم هنا القولُ المُحقَّق، وللأَصيليِّ: «عن عطاءٍ» (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ) ولابن عساكر «أو فليعتزل» (مَسْجِدَنَا) شكٌّ من الزُّهريِّ (وَلْيَقْعُدْ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «أو ليقعد» (فِي بَيْتِهِ) بالشَّكِّ، وهو أخصُّ من الاعتزال لأنَّه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره. وبه قال المؤلِّف: (وَ) حدَّثنا سعيد بن عُفَيْرٍ بإسناده (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: لمَّا قَدِمَ المدينة من مكَّة، ونزل في بيت أبي أيُّوب الأنصاريِّ (أُتِيَ) من عند أبي أيُّوب (بِقِدْرٍ) بضمِّ الهمزة وكسر القاف؛ ما يُطبَخ فيه الطَّعام (فِيهِ خَضِرَاتٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمتين، ولأبي ذَرٍّ -وعزاها القاضي عياضٌ وابن قُرْقُول للأَصيليِّ-: «خُضَرات» بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد، جمع خضرةٍ (مِنْ بُقُولٍ) أي: مطبوخةٍ

стр. 2336

(فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا) لأنَّ الرَّائحة لم تَمُتْ منها بالطَّبخ، فكأنَّها نيئةٌ (١) (فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرِ النَّبيُّ ﷺ (بِمَا فِيهَا) أي: القدر (مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ) وفي روايةٍ «قال»: (قَرِّبُوهَا) أي: القدر أو الخضرات (٢) أو البقول، مشيرًا (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ) هو أبو أيُّوب الأنصاريُّ، استدلَّ في «فتح الباري» لكونه أبا أيُّوب بحديث مسلمٍ في قصَّة نزوله ﵊ عليه (٣)، قال: وكان يقدِّم للنَّبيِّ ﷺ طعامًا، فإذا جِيء به إليه -أي: بعد أن يأكل النَّبيُّ ﷺ منه- سأل عن موضع أصابع النَّبيِّ ﷺ ، فصنع ذلك مرَّةً، فقِيلَ له: لم يأكل، وكان الطَّعام فيه ثومٌ، فقال: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن أكرهه». انتهى. أو هو وغيره لحديث أمِّ أيُّوب المرويِّ عند ابني خزيمة وحبَّان قالت: «نزل علينا رسول الله ﷺ ، فتكلَّفنْا له طعامًا فيه بعضُ البقول … » الحديثَ، وفيه: قال: «كلوا، فإنِّي لستُ كأحدٍ منكم»، فهذا أمرٌ بالأكل للجماعة. (فَلَمَّا رَآهُ) أي: فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ أبا أيُّوب أو (٤) وغيره (كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فقال»: (كُلْ؛ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي) أي: من الملائكة،

стр. 2337

وعند ابني خزيمة وحبَّان من وجهٍ آخر: أنَّ رسول الله ﷺ أُرسِل إليه بطعامٍ من خضرةٍ فيه بصلٌ أو كُرَّاثٌ، فلم ير فيه أثر يد رسول الله ﷺ ، فأبى أن يأكل، فقال له: «ما منعك أن تأكل؟» فقال: لم أر أثر يدك، قال: «أستحيي (١) من ملائكة الله، وليس بمُحَرَّمٍ»، وعندهما أيضًا: «إنِّي أخاف أن أُوذي صاحبيَّ». ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ -بالميم- ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة». (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ، شيخ المؤلِّف (٢) من أفراده، يروي (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله: (أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِبَدْرٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الدَّال آخره راءٌ، فخالف سعيد بن عُفَيْرٍ شيخه المذكور في لفظة (٣): «قِدْرٍ» بالقاف فقط، وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهبٍ بإسناده المذكور، وقد رواه المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٩]: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) في تفسير «بدرٍ»: (يَعْنِي: طَبَقًا) شبَّهه بـ «البدر» وهو القمر عند كماله لاستدارته (فِيهِ خُضَرَاتٌ) أي: من بقولٍ، وظاهره أنَّ البقول كانت فيه نيئةً، لكن لا مانع من كونها كانت مطبوخةً، وقد رجَّح جماعةٌ من الشُّرَّاح رواية أحمد بن صالحٍ هذه لكون (٤) ابن وهبٍ فسَّر «البدر» بالطَّبق، فدلَّ على أنَّه حدَّث به كذلك، والَّذي يظهر أنَّ رواية القدر أصحُّ لِمَا تقدَّم من حديث أبي أيُّوب وأمِّ أيُّوب جميعًا، فإنَّ فيه التَّصريح بالطَّعام. (وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَأَبُو صَفْوَانَ) عبد الله بن

стр. 2338

سعيدٍ الأمويُّ فيما (١) وصله المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٢] عن عليِّ بن المدينيِّ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد عن عطاءٍ عن جابرٍ (قِصَّةَ القِدْرِ) بل اقتصر على الحديث الأوّل، قال المؤلِّف، أو شيخه سعيد بن عُفَيْرٍ، أو ابن وهبٍ، وبالأوَّل جزم ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: (فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ) مُدرَجًا (أَوْ) هو مرويٌّ (فِي الحَدِيثِ) المذكور. وفي متن الفرع كأصله بعد قوله: «وقال أحمد بن صالح»: «بعد حديث يونس، عن ابن شهابٍ، وهو يثبت قول يونس» هذا لفظه، وعليه علامة السُّقوط عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، وبالهامش مكتوبٌ: «ظع. عن ابن شهابٍ ثبتت (٢)» وبالهامش أيضًا بقيَّة قوله: «وقال أحمد بن صالحٍ … إلى آخر قوله: أو في الحديث»، خرج له من آخر قوله: «ابن صالح»، وقال تلو ذلك: هذا المكتوب جميعه في هامش «اليونينيَّة» في هذا الموضع، وليس عليه رقمٌ. انتهى. وقد ثبت أيضًا في الفرع كهو قوله: «وقال أحمد بن صالحٍ … إلى آخر قوله: أو في الحديث» في الهامش بعد قوله: «وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريجٍ: إلَّا نَتْنَه» وقال في آخره: هذا مكتوبٌ في «اليونينيَّة» في المتن في هذا الموضع، ومكتوبٌ إلى جانبه: يُؤخَّر إلى بعد قوله: «من لا تناجي عند: ٥ ص س ط صحـ»، وسيأتي بعد مكتوبًا في هذه النُّسخة على ما ذُكِرَ (٣) أنَّه عند أصحاب هذه العلامات، فليُعلَم. انتهى. ٨٥٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله المُقعَد (٤) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ (٥) البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ البُنانيِّ البصريِّ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: لم أعرف اسمه (أَنَسًا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ:

стр. 2339

«أنس بن مالك»: (مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فِي الثُّومِ)؟ بفتح تاء «سمعتَ» على الخِطَاب، و «ما»: استفهاميَّةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «يذكر» وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «يقول في الثُّوم؟» (فَقَالَ) أنسٌ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) أي: الثُّوم (فَلَا يَقْرَبْنَّا) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة وبنون التَّأكيد المُشدَّدة (ولَا يُصَلِّيَنَّ مَعَْنَا) عُطِف عليه بنون التَّأكيد المُشدَّدة أيضًا، وعين «معنا» تُسكَّن وتُفتَح، أي: مصاحبًا لنا، وليس فيه تقييد النَّهي بالمسجد، فيُستَدلُّ بعمومه على إلحاق حكم الجامع بالمساجد كمصلِّى العيد والجنائز، ومكان الوليمة، لكن قد علَّل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كلٌّ منهما جزءَ علَّةٍ، اختصَّ النَّهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلَّا فيعمُّ النَّهيُ كلَّ مجمعٍ كالأسواق، ويؤيِّد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: «من أكل من هذه الشَّجرة شيئًا فلا يقربَنَّا في المسجد». قال ابن العربيِّ: ذكر الصِّفة في الحكم يدلُّ على التَّعليل بها، ومن ثمَّ ردَّ على الماورديِّ (١) حيث قال: لو أنَّ جماعة مسجدٍ أكلوا كلُّهم ما له

стр. 2340

رائحةٌ كريهةٌ لم يُمنَعُوا منه بخلاف ما إذا أكل بعضهم لأنَّ المنع لم يختصَّ بهم، بل بهم وبالملائكة، وعلى هذا يتناول المنع مَنْ تناول شيئًا من ذلك ودخل المسجد مطلقًا وإن كان وحده، قاله في «فتح الباري». ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال والقول، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة». (١٦١) (بابُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغَسْلُ وَالطُّهُورُ) بضمِّ الطَّاء، وهو من

стр. 2341

عطف العامِّ على الخاصِّ، وضمُّ غين «الغُسل» لأبي ذَرٍّ (وَحُضُورِهِمِ الجَمَاعَةَ) بجرٍّ «حضور» عطفًا على «وضوء»، ونُصِب «جماعة» بالمصدر المضاف إلى فاعله (وَالعِيدَيْنِ) عُطِفَ عليه (وَالجَنَائِزَ) كذلك (وَصُفُوفِهِمْ) بالجرِّ عطفًا على «وضوء». فإن قلت: قوله: «وصفوفهم» يلزم منه أن تكون (١) للصِّبيان صفوفٌ تخصُّهم، وليس في الباب ما يدلُّ له، أُجيب بأنَّ المراد بـ «صفوفهم» وقوفُهم في الصَّفِّ مع غيرهم. ٨٥٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا محمَّد بن المُثنَّى» أي: ابن عبد الله الأنصاريُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأربعة: «حدَّثنا» (غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ سليمان) بن أبي سليمان فيروز (الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ) عامرًا (الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ) من الصَّحابة ممَّن لم يُسَمَّ، وجهالة الصَّحابيِّ غير قادحةٍ في الإسناد (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ المُوحَّدة، آخره مُعجَمةٌ مع التَّنوين، نعتًا لسابقه، أي: قبرٍ منفردٍ (٢) في ناحيةٍ عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بإضافة «قبرٍ» إلى «منبوذٍ» أي: قبر لقيطٍ، أي: قبر ولدٍ مطروحٍ

стр. 2342

(فَأَمَّهُمْ) ﵊ في الصَّلاة عليه (وَصَفُّوا عَلَيْهِ) أي: على القبر، والصَّاد مفتوحةٌ والفاء مضمومةٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وصفُّوا خلفه» قال الشَّيبانيُّ: (فَقُلْتُ) للشَّعبيِّ: (يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (مَنْ حَدَّثَكَ) بهذا؟ (فَقَالَ) وللأربعة: «قال» أي: حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، والغرض منه: أنَّ ابن عبَّاسٍ ﵄ حضر صلاة الجماعة، ولم يكن إذ ذاك بالغًا، فهو مطابقٌ للجزء الثَّالث، وللجزء السَّادس في قوله: «وصفوفهم»، وكذا في الأوَّل لأنَّه لم يكن يصلِّي إلَّا بوضوءٍ. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣١٩]، وكذا مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه. ٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة، المقول فيه: إنَّ جبهته نُقِبت (١) من كثرة السُّجود (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ، مولى أمِّ المؤمنين ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنها (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ) أي: كالواجب في التَّوكيد (٢) (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي: بالغٍ، فوقتُ إيجاب الغسل على الصَّبيِّ بلوغُه،

стр. 2343

وهو مطابقٌ للجزء الثَّاني من التَّرجمة، وهو قوله: ومتى يجب عليهم الغسل. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨٨٠] وفي (١) «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٥]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». ٨٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط «ابن عبد الله» في رواية أبي ذَرٍّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة «٥ ط ص س»: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (كُرَيْبٌ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء، مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) ﵂ (لَيْلَةً، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ) بفتح المُعجَمة: قربةٍ خَلِقَةٍ (مُعَلَّقٍ) بالتَّذكير على معنى الجلد أو السِّقاء (وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو) أي: ابن دينارٍ (وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا) من باب الكمِّ؛ بخلاف: يخفِّفه؛ فإنَّه من باب الكيف، وهذا هو الفارق، وهو مُدرَجٌ من ابن

стр. 2344

عُيَيْنَةَ (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ المُنَادِي) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ: «فأتاه المؤذِّن» (يأذِنه) بكسر الذَّال، ولأبي ذَرٍّ: «يأذَنه» بفتحها مع الأوَّل وسكون الهمز فيهما، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت في نسخةٍ: «يُؤْذنه» بضمِّ أوَّله وسكون الهمزة، بلفظ المضارع من غير فاءٍ، أي: يُعْلِمُه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فآذنه» بفاءٍ فهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ فذالٍ مفتوحةٍ، أي: أَعْلَمَه (بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ) أي: مع المؤذِّن أو مع الإيذان (إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) قال سفيان: (قُلْنَا) ولابن عساكر: «فقلنا» (لِعَمْرٍو) هو ابن دينارٍ: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما (يَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ) وسقط لفظ «إنَّ» عند الأربعة (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) يُستَدلُّ بها لِمَا ذُكِرَ لأنَّها لو لم تكن وحيًا لمَا جاز لإبراهيم ﵊ الإقدام على ذبح ولده، فإنَّ ذلك حرامٌ. ومطابقته للجزء الأوَّل من التَّرجمة من قوله: «فتوضَّأت نحوًا ممَّا توضَّأ» وكان إذ ذاك صغيرًا، وصلَّى معه ﷺ ، فأقرَّه على ذلك بأن حوَّله فجعله عن يمينه، ولم يبيِّن المؤلِّف ﵀ في التَّرجمة ما حكم وضوء الصَّبيِّ هل هو واجبٌ أو مندوب؟ لأنَّه لو قال: مندوبٌ لاقتضى

стр. 2345

صحَّة الصَّلاة بغير وضوءٍ، ولو قال: واجبٌ لاقتضى أنَّ الصَّبيَّ يُعاقَب على تركه، فسكت عن ذلك ليسلم من الاعتراض. وأمَّا حديث عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرَة عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «علِّموا الصَّبيَّ الصَّلاة ابن سبعٍ، واضربوه عليها ابن عشرٍ» فهو وإن اقتضى تعيين وقت الوضوء لتوقُّف الصَّلاة على الوضوء، فلم يقل بظاهره إلَّا بعض أهل العلم، قالوا: تجب الصَّلاة على الصَّبيِّ للأمر بضربه على تركها، وهذه صفة الوجوب، وبه قال أحمد ﵀ في روايةٍ، وحكى البندنيجيُّ أنَّ الشَّافعيَّ ﵀ أومأ إليه، وذهب الجمهور إلى أنَّها لا تجب عليه إلَّا بالبلوغ، وقالوا: الأمر بضربه للتَّدريب. ٨٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، والضَّمير في «جدَّته» عائدٌ إلى إسحاق لأنَّها أمُّ أنسٍ

стр. 2346

(دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ) ﵊ (فَقَالَ) وفي نسخةٍ: «ثمَّ قال»: (قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ) بلامٍ مكسورةٍ وفتح اليَّاء، على أنَّها لام «كي»، والفعل بعدها منصوبٌ بـ «أنَّ» مُضمَرةً؛ إمَّا على زيادة الفاء على رأي الأخفش واللَّام متعلِّقةٌ بـ «قوموا»، أو أنَّ «أنْ» والفعل في تأويل المصدر واللَّام ومصحوبها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: قوموا فقيامكم لصلاتي بكم، ويجوز تسكين الياء على أنَّ اللَّام لام «كي»، وأُسكِنت الياءُ تخفيفًا، وهي لغةٌ مشهورةٌ، ومنه قراءة الحسن: (وَذَرُوا مَا بَقِيْ مِنَ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٨] ويحتمل أن تكون لام الأمر، وثبتت (١) الياء في الجزم إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِث، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ

стр. 2347

رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ ، وَاليَتِيمُ مَعِي) برفع «اليتيم» عطفًا على الضَّمير المرفوع المتَّصل بلا فصلٍ، واسمه: «ضُميْرة» بضمِّ الضَّاد المُعجمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالرَّاء، ابن سعدٍ (٢) الحميريُّ (وَالعَجُوزُ) أمُّ سليمٍ (مِنْ وَرَائِنَا) بكسر ميم «مِن» على الأشهر، على أنَّها جارَّةٌ، وجُوِّز الفتح على أنَّها موصولةٌ (فَصَلَّى بِنَا) ﵊ (٣) (رَكْعَتَيْنِ). مطابقته للجزء الأخير من التَّرجمة في قوله: «واليتيم معي» أي: في الصَّفِّ لأنَّ اليتيم دالٌّ على الصَّبيِّ، إذ لا يُتْمَ بعد الاحتلام. ٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين في الأوَّل والثَّالث، وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ) حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ) بفتح الهمزة والمُثنَّاة الفوقيَّة، أي: أنثى الحمير، ولا يُقال: أتانة بخلاف: حمارة، وهو بالجرِّ بدل من «حمارٍ» (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ) بالزَّاي، أي: قاربت (الاِحْتِلَامَ) أي: البلوغ، فليس المراد خصوص

стр. 2348

الحلم؛ وهو الَّذي يراه النَّائم من الماء (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى) بالصَّرف والياء في الفرع، قال النَّوويُّ ﵀: والأجودُ صرفُه، وكتابته بالألف لا بالياء (إِلَى غير جِدَارٍ) سترةٍ بالكلِّيَّة (فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ) الواحد، أو المراد: الجنس، أي: بعض الصُّفوف (فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ) بضمِّ العين، أي: تسرع المشي، أو تأكل (وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ) بكسر الكاف (ذَلِكَ) الفعل (عَلَيَّ أَحَدٌ) لا النَّبيُّ ﷺ ، ولا أحدٌ من أصحابه (١) الحاضرين. ولأبي ذَرٍّ: «عليَّ ذلك أحدٌ». ومطابقته للتَّرجمة في الجزء الأوَّل منها في الوضوء، والثَّالث في حضور الصِّبيان الجماعة، والسَّادس في قوله: «وصفوفهم»، فإنَّ (٢) ابن عبَّاسٍ كان في ذلك الوقت صغيرًا، وحضر الجماعة، ودخل في صفِّهم، وصلَّى معهم، ولم يكن صلِّى إلَّا بوضوءٍ. ٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ) ولغير أبي ذرٍّ عن المُستملي: «عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬). (وَقَالَ عَيَّاشٌ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والشِّين المُعجَمة: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير

стр. 2349

(عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي (١): أخَّر حتَّى اشتدَّت عتمة اللَّيل، أي: ظلمته (فِي العِشَاءِ، حَتَّى) أي: إلى أن (نَادَاهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى نادى عمر»: (قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي: الحاضرون للصَّلاة مع الجماعة، قالت (٢): (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إليهم من الحجرة (فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ) العشاء (غَيْرَُكُمْ) بالرَّفع والنَّصب؛ كقوله: ما جاءني أحدٌ غير زيدٍ (وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ المَدِينَةِ) بنصب «غير»، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «غيرُ» بالرَّفع، وتوجيهها كالسَّابقة، ولابن عساكر: «ولم يكن يومئذٍ» فأسقط لفظ «أحد». ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ من قوله: «قد نام النِّساء والصِّبيان الحاضرون».

стр. 2350

٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ البصريُّ الصَّيرفيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعضها: «حدَّثنا» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ) بألفٍ بعد العين المُهمَلة ثم مُوحَّدةٍ مكسورةٍ فسينٍ مُهمَلةٍ (سَمِعْتُ) وللأَصيليِّ: «قال: سمعت» (ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ) وللأربعة: «وقال» (لَهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ، أو هو الرَّاوي: (شَهِدْتَ الخُرُوجَ) إلى مُصلَّى العيد (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بالخطاب في «شهدت»، والاستفهام مُقدَّرٌ، أي: أحضرت (٢) خروج النِّساء معه ﵊؟ (قَالَ: نَعَمْ) شهدته (٣) (وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ) أي: ولولا قربي منه ﵊ (مَا شَهِدْتُهُ) قال الرَّاوي: (يَعْنِي: مِنْ صِغَرِهِ، أَتَى) ﵊ (العَلَمَ) بفتح العين واللَّام الرَّاية أو العلامة أو المنار (٤) (الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ) بفتح الصَّاد المُهمَلة وسكون اللَّام، آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ابن معد يكرب الكنديِّ (ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف من التَّذكير (وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ) لأنهنَّ أكثر أهل النَّار، أو أنَّ (٥) الوقت كان وقت حاجةٍ، والمواساة والصَّدقة كانت يومئذ أفضل وجوه البِرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تَُهْوِي) بضِّم أوَّله (٦) من الرُّباعيِّ، وبفتحها من الثُّلاثيِّ، أي: تومئ (بِيَدِهَا إِلَى حَِلَقِهَا) بفتح الحاء واللَّام وبكسر الحاء أيضًا؛ الخاتم
следующие страницы →