← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أنثى (١)، حرٍّ أو عبدٍ (غَسْلَ الجَنَابَةِ) بنصب اللَّام صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: غسلًا كغسل الجنابة، وعند عبد الرَّزَّاق من رواية ابن جُريجٍ عن سُمَيٍّ: «فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة» فالتَّشبيه للكيفيَّة لا للحكم، أو (٢) أشار به إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة (٣)؛ ليكون أغضَّ لبصره، وأسكن لنفسه في الرَّواح إلى الجمعة، ولا تمتدَّ عينه إلى شيءٍ يراه (ثُمَّ رَاحَ) أي: ذهب، زاد في «المُوطَّأ»: «في السَّاعة الأولى»، وصحَّح النَّوويُّ ﵀ وغيره أنَّها من طلوع الفجر لأنَّه أوَّل اليوم شرعًا، لكن يلزم منه أن يكون التَّأهُّب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشَّافعيُّ ﵀: يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأنَّ الأَوْلى أن يقع بعد ذلك (فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً) من الإبل، ذكرًا أو (٤) أنثى، والهاء (٥) للوحدة لا للتَّأنيث، أي: تصدَّق بها متقرِّبًا (٦) إلى الله تعالى (٧)، وفي رواية ابن جُريجٍ عند عبد الرَّزَّاق: «فله من الأجر مثل الجزور»

стр. 2382

وظاهره: أنَّ الثَّواب لو تجسَّد لكان قدر الجزور. (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) ذكرًا أو أنثى، والتَّاء للوحدة (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا) ذكرًا (أَقْرَنَ) وصفه به لأنَّه أكمل وأحسن صورةً، ولأنَّ قرنه يُنتفَع به، وفي رواية النَّسائيِّ: «ثُمَّ كالمهدي شاة» (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) بتثليث الدَّال، والفتح هو الفصيح (١) (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً). استُشكِل التَّعبير بـ «الدَّجاجة» و «البيضة» بقوله في رواية الزُّهريِّ: «كالَّذي يُهدي» [خ¦٩٢٩] لأنَّ الهدي لا يكون منهما، وأُجيب بأنَّه من باب المشاكلة، أي: من تسمية الشَّيء باسم قرينه، والمراد بالهدي هنا التَّصدُّق، كما دل عليه لفظ: «قرَّب»، وهو يجوز بهما، والمراد بالسَّاعات عند الجمهور: من أوَّل النَّهار، وهو قول الشَّافعيِّ ﵀، وابن حبيبٍ من المالكيَّة، وليس المراد من السَّاعات الفلكيَّة الأربعة والعشرين الَّتي قُسِّم عليها اللَّيل والنَّهار، بل ترتيب درجات السَّابقين على من يليهم في الفضيلة لئلَّا يستوي فيه رجلان جاءا في طرفي ساعةٍ، ولأنَّه لو أُرِيد ذلك لاختلف

стр. 2383

الأمر في اليوم الشَّاتي والصَّائف، وقال في «شرح المُهذَّب» و «شرح مسلمٍ»: بل المراد: الفلكيَّة، لكنَّ بدنةَ الأوَّل أكملُ من بدنة الأخير، وبدنةَ المتوسِّط متوسطةٌ، فمراتبهم متفاوتةٌ وإن اشتركوا في البدنة مثلًا، كما في درجات صلاة الجماعة الكثيرة والقليلة، وحينئذٍ فمراده بساعات النَّهار الفلكيَّة: اثنتا عشرة زمانيَّةً (١)، صيفًا أو شتاءً، وقد روى النَّسائيُّ مرفوعًا: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعةً»، وقال الماورديُّ: إنَّه من طلوع الشَّمس موافقةً لأهل الميقات ليكون ما (٢) قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسلٍ وتأهُّبٍ، واستُشكِل بأنَّ السَّاعات ستٌّ لا خمسٌ، والجمعة لا تصحُّ في السَّادسة، بل في السَّابعة، نعم عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ بعد الكبش: «بطَّةً، ثمَّ دجاجةً، ثمَّ بيضةً»، وفي أخرى: «دجاجةً، ثمَّ عصفورًا، ثم بيضةً» ومعلومٌ أنَّه ﷺ كان يخرج إلى الجمعة متَّصلًا بالزَّوال، وهو بعد انقضاء السَّاعة السَّادسة، وفي حديث واثلة عند الطَّبرانيِّ في «الكبير» مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى يبعث الملائكة يوم الجمعة (٣) على أبواب المسجد (٤) يكتبون القوم: الأوَّل والثَّاني والثَّالث والرَّابع والخامس والسَّادس،

стр. 2384

فإذا بلغوا السَّابع كانوا بمنزلة من قرَّب العصافير». وقال مالكٌ ﵀ وإمام الحرمين والقاضي حسينٌ: إنَّها لحظاتٌ لطيفةٌ بعد الزَّوال لأنَّ الرَّواح لغةً: لا يكون إلَّا من (١) الزَّوال، والسَّاعة في اللُّغة: الجزء من الزَّمان، وحملها على الزَّمانيَّة الَّتي يُقسَم النَّهار فيها إلى اثني عشر جزءًا يبعد إحالة (٢) الشَّرع عليه لاحتياجه إلى حسابٍ ومراجعة آلاتٍ تدلُّ عليه، ولأنَّه ﵊ قال: «إذا كان يوم الجمعة قام على كلِّ بابٍ من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون النَّاس الأوَّل فالأوَّل، فالمتهجِّر إلى الجمعة كالمُهدي بدنةً … » الحديثَ. فإن قالوا: قد تُستعمَل الهاجرة (٣) في غير موضعها، فيجب الحمل عليه جمعًا، قلنا: ليس إخراجها عن ظاهرها بأَوْلى من إخراج السَّاعة الأولى عن ظاهرها، فإذا تساويا -على ما زعمت- فما أرجِّح (٤)؟ قلت: عمل النَّاس جيلًا بعد جيلٍ، لم يُعرَف أنَّ أحدًا من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة عند طلوع الشَّمس، ولا يمكن حمل حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة. انتهى.

стр. 2385

وأُجيب بأنَّ الرَّواح -كما قاله الأزهريُّ- يُطلَق لغةً على الذَّهاب، سواءٌ كان أوَّل النَّهار أم آخره، أو اللَّيل، وهذا هو الصَّواب الَّذي يقتضيه الحديث، والمعنى: فدلَّ على أنَّه لا فضيلة لمن أتى بعد الزَّوال لأنَّ التَّخلُّف بعد النِّداء حرامٌ، ولأنَّ ذكر السَّاعات إنَّما هو للحثِّ على التَّبكير إليها، والتَّرغيب في فضيلة السَّبق، وتحصيل الصَّفِّ الأوَّل، وانتظارها، والاشتغال بالتَّنفُّل والذِّكر ونحوه، وهذا كلُّه لا يحصل بالذَّهاب بعد الزَّوال، وحكى الصَّيدلانيُّ أنَّه من ارتفاع النَّهار، وهو وقت الهجير (١). (فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ) الَّذين وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة وما تشتمل عليه من ذكرٍ وغيره، وهم غير الحفظة (يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: الخطبة، وزاد في رواية الزُّهريِّ الآتية: «طَوَوْا صحفهم» [خ¦٩٢٩]، ولـ «مسلمٍ» من طريقه: «فإذا جلس الإمام طووا الصُّحف، وجاؤوا يستمعون الذِّكر» فكان ابتداؤه خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أوَّل سماعهم للذِّكر، وفي حديث ابن عمر عند أبي نُعيمٍ في «الحلية» مرفوعًا: «إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكةً بصحفٍ من نورٍ وأقلامٍ من نورٍ … » الحديثَ. ففيه صفة الصُّحف، وأنَّ الملائكة المذكورين غير الحفظة، والمراد بطيِّ الصُّحف

стр. 2386

طيُّ صحف الفضائل المتعلِّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصَّلاة، والذِّكر والدُّعاء ونحو ذلك، فإنَّه يكتبه الحافظان قطعًا، وفي حديث عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه عند ابن خزيمة: «فيقول بعض الملائكة لبعضٍ: ما حبس فلانًا؟ فيقول: اللَّهُمَّ إن كان ضالًّا فاهدِه، وإن كان فقيرًا فأغنِه، وإن كان مريضًا فعافِه». وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذُكِرَ: فضلُ الاغتسال يوم الجمعة، وفضل التَّبكير إليها (١)، وأنَّ الفضل المذكور إنَّما يحصل لمن جمعهما، وعليه يُحمَل ما أُطلِق في باقي الرِّوايات من ترتُّب (٢) الفضل على التَّبكير من غير تقييدٍ بالغسل، ولو تعارض الغسل والتَّبكير فمراعاة الغسل -كما قال الزَّركشيُّ- أَوْلى لأنَّه مُختلَفٌ في وجوبه، ولأنَّ نفعه متعدٍّ إلى غيره بخلاف التَّبكير. تنبيهٌ: السُّنَّة في التَّبكير إنَّما هي لغير الإمام، أمَّا الإمام فيُندَب له التَّأخير إلى وقت الخطبة لاتِّباعه ﷺ وخلفائه، قاله الماورديُّ ونقله في «المجموع» وأقرَّه، والله أعلم (٣). (٥) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من الباب السَّابق. ٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المُعجَمة والمُوحَّدة، ابن عبد الرَّحمن التَّميميُّ النَّحويُّ -نسبةً إلى نحوة بطنٌ من الأزد، لا إلى علم النَّحو- البصريُّ، نزيل الكوفة (عَنْ يَحْيَى) زاد أبو ذَرٍّ: «هو ابن أبي كثيرٍ» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن

стр. 2387

عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، قِيلَ: اسمه عبد الله، وقِيلَ: إسماعيل (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁، بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أي: على المنبر، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ) هو عثمان بن عفَّان ﵁ (فَقَالَ) له (عُمَرُ) وللأَصيليِّ: «عمر بن الخطَّاب ﵁»: (لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ) الحضور إلى (الصَّلَاةِ) في أوَّل وقتها؟ (فَقَالَ الرَّجُلُ) عثمان: (مَا هُوَ) أي: الاحتباس (إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ) الأذان، ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «إلَّا سمعت النِّداء» (تَوَضَّأْتُ (١)، فَقَالَ) عمر له ولمن حضر من الصَّحابة (٢): (أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ (٣) ﷺ يقول) كذا لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، ولغيرهما: «قَالَ» (إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ) أي: إذا أراد أحدكم الرَّواح (إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ) ندبًا، كما مرَّ. ووجه مطابقته للتَّرجمة السَّابقة من حيث إنكارُ عمرَ على عثمانَ احتباسه عن التَّبكير بمحضرٍ من الصَّحابة وكبار التَّابعين، مع عظم جلالته، فلولا عظم فضل ذلك لَمَا أنكَرَ عليه، وإذا ثبت الفضل في التَّبكير إلى الجمعة ثبت الفضل لها. ورواة الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الطَّهارة»، والله أعلم (٥).

стр. 2388

(٦) (بابُ) استعمال (الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ) بضمِّ الدَّال، ويجوز فتحها، مصدر دهنته دهنًا، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقديرٍ. ٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسمه: هشامُ القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة، نسبةً إلى مقبرةٍ بالمدينة كان مجاورًا بها، التَّابعيِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) أبو سعيدٍ، كيسان المقبريُّ التَّابعيُّ (عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ) عبد الله الأنصاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، أو (٢) هو صحابيٌّ (عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ) غسلًا شرعيًّا (وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ) بالتَّنكير للمبالغة في التَّنظيف، أو المراد به التَّنظيف بأخذ الشَّارب والظُّفر والعانة، أو المراد بالغُسل غسل الجسد، وبالتَّطهير غسل الرَّأس وتنظيف الثِّياب، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الحَمُّويي والمُستملي: «من الطُّهْرِ» (وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ) بتشديد الدَّال بعد المُثنَّاة التَّحتيَّة، من باب «الافتعال» أي: يطلي بالدُّهن ليزيل شعث رأسه ولحيته به (أَوْ يَمَسُّ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والميم (مِنْ

стр. 2389

طِيبِ بَيْتِهِ) إن لم يجد دهنًا، و «أو» بمعنى: الواو، فلا ينافي الجمع بينهما، وأضاف الطِّيب (١) إلى البيت إشارةً إلى أنَّ السُّنَّة اتِّخاذ الطِّيب في البيت، ويجعل استعماله له عادةً، وفي حديث أبي داود عن ابن عمر: «أو يمسُّ من طيب امرأته» أي: إن لم يتَّخذ لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته، وزاد فيه: «ويلبس من صالح ثيابه» ولابن عساكر: «ويمسُّ من طيب بيته». (ثُمَّ يَخْرُجُ) زاد ابن خزيمة عن أبي أيُّوب: «إلى المسجد» ولأحمد من حديث أبي الدَّرداء: «ثمَّ يمشي وعليه السَّكينة» (فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) في حديث ابن عمر عند أبي داود: «ثمَّ لم يتخطَّ رقاب النَّاس» وهو كنايةٌ عن التَّبكير، أي: عليه أن يبكِّر فلا يتخطَّى رقاب النَّاس، أو المعنى: لا يزاحم رَجُلين فيدخل بينهما لأنَّه ربَّما ضيَّق عليهما، خصوصًا في شدَّة الحرِّ واجتماع الأنفاس (ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ) أي: فُرِضَ من صلاة الجمعة، أو قُدِّر فرضًا أو نفلًا (٢)، وفي حديث أبي الدَّرداء: «ثمَّ يركع ما قَضىَ له»، وفي حديث أبي أيُّوب: «فيركع إن بدا له» وفيه مشروعيَّة النَّافلة قبل صلاة الجمعة. (ثُمَّ يُنْصِتُ) بضمِّ أوَّله من: أنصت، وفتحه (٣) من

стр. 2390

نصت، أي: يسكت (١) (إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ) أي: شرع في الخطبة، زاد في رواية قَرْثَعٍ -بقافٍ مفتوحةٍ وراءٍ ساكنةٍ ثمَّ مُثلَّثةٍ- الضَّبِّيِّ -بالمُعجَمة والمُوحَّدة- عند ابن خزيمة: «حتَّى يقضي صلاته» (إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ) أي: ما (٢) بين الجمعة الحاضرة (وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى) الماضية أو المستقبلة لأنَّها تأنيث الآخَرِ -بفتح الخاء، لا بكسرها-، والمغفرة تكون للمستقبل كما للماضي، قال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لكن في رواية اللَّيث عن ابن عجلان عند ابن خزيمة: «ما بينه وبين الجمعة الَّتي قبلها» وزاد في رواية أبي هريرة عند ابن حبان: «وزيادة ثلاثة أيَّامٍ من الَّتي بعدها»، والمراد غفران الصَّغائر لِمَا زاده في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: «ما لم تُغْشَ الكبائر» أي: فإنَّها إذا غُشِيت لا تُكفَّر، وليس المراد أنَّ تكفير الصَّغائر مشروطٌ باجتناب الكبائر؛ إذ اجتناب الكبائر بمُجرَّده يكفِّر الصَّغائر كما نطق به القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]

стр. 2391

أي: كلُّ ذنبٍ فيه وعيدٌ شديدٌ ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] أي: نمحُ عنكم صغائركم، ولا يلزم من ذلك ألَّا يكفِّر الصَّغائر إلَّا اجتناب الكبائر، فإذا لم تكن له صغائر تُكفَّر رُجِي له أن يُكفَّر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلَّا أُعطِي من الثَّواب بمقدار ذلك، وقد تبيَّن بمجموع ما ذكر من الغسل والتَّطيُّب (١) إلى آخره أنَّ تكفير الذُّنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروطٌ بوجود جميعها. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه (٢): ثلاثةٌ من التَّابعين، إن لم يكن ابن وديعة صحابيًّا، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة. ٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ)

стр. 2392

ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ: قَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان الحِمْيريُّ الفارسيُّ اليمانيُّ، قِيلَ: اسمه: ذكوان، وطاوسٌ لَقَبُه: (قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (ذَكَرُوا) يحتمل أن يكون المُبهَم في «ذكروا» أبا هريرة لرواية ابنَي خزيمة وحبَّان والطَّحاويِّ من طريق عمرو بن دينارٍ عن طاوس عن أبي هريرة نحوه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ) إن كنتم جنبًا (وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ) تأكيدٌ لـ «اغتسلوا» من عطف الخاصِّ على العامِّ لينبَّه على أنَّ المطلوب الغسل التَّامُّ؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ إفاضة الماء دون حلِّ الشَّعر مثلًا تجزئ في غسل الجمعة، أو المراد بالثَّاني التَّنظيف من الأذى، واستعمال الدُّهن ونحوه (وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا) فاغتسلوا للجمعة، ولفظ الجنب يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والمفرد والمُثنَّى (١) والجمع، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. (وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ) «من»: للتَّبعيض قائمٌ مقام المفعول، أي: استعملوا بعض الطِّيب، وليس في هذه الرِّواية ذكر الدُّهن المُترجَم له، ويحتمل أنَّ المؤلِّف أراد أنَّ حديث طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ واحدٌ، وقد (٢) ذكر فيه إبراهيم بن ميسرة: الدُّهن، ولم يذكره الزُّهريُّ، وزيادة الثِّقة الحافظ مقبولةٌ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) مجيبًا لطاوسٍ عن قوله: «ذكروا … » إلى آخره، (أَمَّا الغُسْلُ) المذكور (فَنَعَمْ) قاله النَّبيُّ ﷺ (وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي) أي: فلا أعلم، قاله ﵊ أم لا؟

стр. 2393

لكنَّ رواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ، عن عُبَيْد بن السَّبَّاق عند ابن ماجه مرفوعًا: «من جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيبٌ فليمسَّ منه» تخالف (١) ذلك، لكن صالحٌ ضعيفٌ، وقد خالفه مالكٌ، فرواه عن الزُّهريِّ عن عُبَيْد بن السَّبَّاق مُرسَلًا. ٨٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ (٢) الفرَّاء الرَّازي الحافظ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (٣) الصَّنعانيُّ، قاضي صنعاء، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين ومئةٍ باليمن رحمه الله تعالى: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح السِّين والرَّاء المُهمّلتين، الطَّائفيُّ المكِّيُّ التَّابعيُّ (عَنْ طَاوُسٍ) اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) قال طاوسٌ: (فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا) نُصِبَ بـ «يمسُّ»، والهمزة للاستفهام (أَوْ) يمسُّ (دُهْنًا إِنْ كَانَ) أي: الطِّيب أو الدُّهن (عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (لَا أَعْلَمُهُ) من قوله ﷺ ، ولا من (٤) كونه مندوبًا. ورواة هذا الحديث ما بين رازيٍّ وصنعانيٍّ ومكِّيٍّ وطائفيٍّ ويمانيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة (٥) والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، والله أعلم (٦).

стр. 2394

(٧) هذا (١) (بَابٌ) بالتَّنوين: (يَلْبَسُ) من أراد المجيء إلى صلاة الجمعة (أَحْسَنَ مَا يَجِدُ) من الثِّياب الجائز لبسها. ٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «عن مالكٍ» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ ممدودةٍ، أي: حريرٌ بَحْتٌ، وأهل العربيَّة على إضافة «حلَّةٍ» لتاليه كثوبِ خزٍّ، وذكر ابن قُرقُول ضبطه كذلك عن المتقنين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حلَّةً سِيرَاء» بالتَّنوين على الصِّفة أو

стр. 2395

البدل، وعليه أكثر المحدِّثين، لكن قال سيبويه: لم يأت «فِعَلاء» وصفًا، والحلِّة لا تكون إلَّا من ثوبين، وسُمِّيت «سِيَراء» لما فيها من الخطوط الَّتي تشبه السُّيُور، كما يُقال: ناقةٌ عُشَرَاء إذا كمل لِحَمْلِها (١) عشرة أشهر. (فَقَالَ) عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) الحلَّة (فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) لكان حسنًا، أو «لو» (٢): للتَّمنيِّ لا للشَّرط، فلا تحتاج (٣) للجزاء، وفي رواية البخاريِّ أيضًا: «فلبستها للعيد وللوفد» (٤) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إَنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) أي: الحلَّةَ الحريرَ (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من لا حظَّ له ولا نصيب له من الخير (فِي الآخِرَةِ) كلمة «مَنْ» تدلُّ على العموم، فيشمل الذُّكور والإناث، لكنَّ الحديث مخصوصٌ بالرِّجال لقيام دلائل أُخَر (٥) على إباحة الحرير للنِّساء. (ثمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا) أي: من جنس الحلَّة السِّيَرَاء (حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا) أي: من الحلل (حُلَّةً) ولأبي ذَرٍّ: «فأعطى منها عمر بن الخطَّاب ﵁ حلَّةً» (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «فقال عمر بن الخطَّاب: يا رسول الله» (كَسَوْتَنِيهَا) أي: الحلَّة (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بضمِّ المُهمَلة وكسر الرَّاء، وهو ابن حاجب ابن زرارة

стр. 2396

التَّميميُّ، قدم في وفد بني تميمٍ على رسول الله ﷺ ، وأسلم وله صحبةٌ (مَا قُلْتَ؟) من أنه: «إنَّما (١) يلبسها من لا خلاق له» [خ¦٢١٠٤] (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بل لتنتفع بها في غير ذلك، وفيه دليلٌ على أنَّه يُقال: كَسَاهُ إذا أعطاه كسوةً، لبسها أم لا، ولـ «مسلمٍ»: «أعطيتكها تبيعها وتصيب بها حاجتك»، ولأحمد: «أعطيتكه تبيعه» فباعه بألفي درهم، لكنَّه يشكل بما هنا من قوله: (فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ) من أمِّه، عثمان بن حكيمٍ، قاله المنذريُّ، أو هو أخو أخيه زيد بن الخطَّاب لأمِّه أسماء بنت وهبٍ، قاله الدِّمياطيُّ، أو كان أخاه من الرَّضاعة، وانتصاب «أخًا» على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «كسا»، يُقال: كسوته جبَّةً، فيتعدَّى إلى مفعولين، وقوله: «له» في محلِّ نصبٍ صفةٌ لقوله: «أخًا»، تقديره: أخًا كائنًا له، وكذا قوله: (بِمَكَّةَ مُشْرِكًا) نُصِبَ صفةً بعد صفةٍ، واختُلِفَ في إسلامه، فإن قلت: الصَّحيح أنَّ الكفَّار مُخاطَبون بفروع الشَّريعة، ومقتضاه تحريم لبس الحرير عليهم، فكيف كساها عمر أخاه المشرك؟ أجيب بأنَّه يُقال: كساه إذا أعطاه كسوةً لبسها أم لا كما مرَّ، فهو إنَّما أهداها له لينتفع بها، ولا يلزم منه لبسها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة: من جهة دلالته على استحباب التَّجمُّل

стр. 2397

يوم الجمعة، والتَّجمُّل يكون بأحسن الثِّياب، وإنكاره ﵊ على عمر لم يكن لأجل التَّجمُّل، بل لكون تلك الحلَّة كانت حريرًا. تنبيهٌ: أفضل ألوان الثِّياب البياض لحديث: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم» رواه التِّرمذيُّ وغيره وصحَّحوه، ثمَّ ما صُبِغ غزله قبل نسجه كالبُرد، لا ما صُبِغ منسوجًا، بل يُكرَه لبسه كما صرَّح به البَنْدَنِيجيُّ وغيره، ولم يلبسه ﷺ ، ولبس البُرود، ففي «البيهقيِّ» عن جابرٍ: أنَّه ﷺ كان له بردٌ يلبسه في العيدين والجمعة، وهذا في غير المُزعفَر والمُعصفَر، والسُّنَّة أن يزيد الإمام في حُسن الهيئة والعِمَّة والارتداء للاتِّباع، ويترك السَّواد لأنَّه أَوْلى إلَّا إن خشي مفسدَةَ تترتَّب على تركه من سلطانٍ أو غيره. وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «الهبة» [خ¦٢٦١٢]، ومسلمٌ في «اللِّباس»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

стр. 2398

(٨) (بابُ) استعمال (السِّوَاكِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) السِّواك مُذكَّرٌ على الصَّحيح، وفي «المُحكَم»: تأنيثه، وأنكره الأزهريُّ. (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ في حديثه المذكور في «باب الطِّيب للجمعة» [خ¦٨٨٠]: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَسْتَنُّ) من الاستنان، أي: يَدْلُك أسنانه بالسِّواك. ٨٨٧ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَوْلَا) مخافة (أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ -) شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذَرٍّ: «أو لولا أن أشقَّ على النَّاس» بإعادة: «لولا أن أشقَّ» وقد أخرجه الدَّارقُطنيُّ في «المُوطَّآت» من طريق «المُوطأ» لعبد الله بن يوسف شيخِ البخاريِّ، فيه بهذا الإسناد، فلم يُعِد: «لولا أن أشقَّ»، وكذا رواه كثير من رواة «المُوطَّأ»، ورواه أكثرهم بلفظ: «المؤمنين» بدل: «أمَّتي»، و «أنْ» في قوله: «لولا أن أشقَّ» مصدريَّةٌ في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر محذوفٌ وجوبًا، أي: لولا المشقَّةُ موجودةٌ (لأَمَرْتُهُمْ) أمرَ إيجابٍ (بِـ) استعمال (السِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) فرضًا أو نفلًا، فهو عامٌّ يندرج فيه الجمعة، بل هي أَوْلى لِمَا اختصَّت به من

стр. 2399

طلب تحسين الظَّاهر من الغسل والتَّنظيف والتَّطيُّب (١)، خصوصًا تطييب الفم الَّذي هو محلُّ الذِّكر والمناجاة، وإزالة ما يضرُّ بالملائكة وبني آدم من تغيُّر الفم، وفي حديث عليٍّ عند البزَّار: «أنَّ الملَك لا يزال يدنو من المصلِّي يستمع القرآن حتَّى يضع فاه على فيه … » الحديثَ، ولأحمد وابن حبَّان: «السِّواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ» وله وابن خزيمة: «فضل الصَّلاة الَّتي يُستاك لها على الصَّلاة الَّتي لا يُستاك لها سبعون ضعفًا». فإن قلت: قوله: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي» في ظاهره إشكالٌ لأنَّ «لولا» كلمةٌ لربط امتناع الثَّانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيدٌ لأكرمتك، أي: لولا زيدٌ موجودٌ، وههنا العكس، فإنَّ الممتنع المشقَّة، والموجود الأمر إذ قد ثبت أمره بالسِّواك كحديث ابن ماجه عن أبي أُمامة مرفوعًا: «تسوَّكوا»، ونحوه لأحمد عن العبَّاس، وحديث «المُوطَّأ»: «عليكم بالسِّواك … »، أُجيب بأنَّ التَّقدير: لولا مخافة أن أشقَّ لأمرتكم أمرَ إيجابٍ، كما مرَّ تقديره، ففيه نفيُ الفرضيَّة، وفي غيره من الأحاديث إثبات النَّدبيَّة كحديث مسلمٍ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «عشرٌ من الفطرة … » فذكر منها: السِّواك. وقال إمامنا الشَّافعيُّ- ﵀ في حديث الباب: فيه دليلٌ على أنَّ السِّواك ليس بواجبٍ لأنَّه لو كان واجبًا لأمرهم به، شقَّ أو لم يشقَّ. انتهى. وقال الشَّيخ أبو إسحاق في «اللُّمع»: فيه دليلٌ على أنَّ الاستدعاء على جهة النَّدب ليس بأمرٍ حقيقةً لأنَّ السِّواك عند كلِّ صلاةٍ مندوبٌ،

стр. 2400

وقد أخبر الشَّارع أنَّه لم يأمر به. انتهى. والمُرجَّح في «الأصول»: أنَّ المندوب مأمورٌ به. ٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، عبد الله بن عمرو (١) بن أبي الحجَّاج، واسمه: ميسرة التَّميميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحَابِ) بفتح الحاءين المُهمَلتين بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ وبعد الألف أخرى، البصريُّ، وسقط لفظ «ابن الحبحاب» في رواية ابن عساكر قال: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي) استعمال (السِّوَاكِ) أي: بالغت في تكرير طلبه منكم، أو في إيراد التَّرغيب فيه. ومطابقة التَّرجمة من جهة أنَّ الإكثار في السِّواك والحثِّ عليه يتناول الفعل عند كلِّ الصَّلوات، والجمعة أَولاها لأنَّه يوم ازدحامٍ، فشُرِع فيه تنظيفُ الفم تطييبًا للنَّكهة، الَّذي

стр. 2401

هو أقوى من الغسل على ما لا يخفى. ٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين، ابن عبد الرَّحمن، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) للتَّهجُّد (يَشُوصُ فَاهُ) بفتح أوَّله وضمِّ الشِّين المُعجَمة آخره صادٌ مُهمَلة، أي: يَدْلُك أسنانه أو يغسلها. وإذا كان السِّواك شُرِع ليلًا لتجمُّل الباطن فللجمعة أَحْرى وأَوْلى، لمشروعيَّة التَّجمُّل ظاهرًا وباطنًا. ورواة الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ (٢)، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية واحدٍ عن اثنين، وسبقت مباحثه في «باب السِّواك» [خ¦٢٤٥] من «كتاب الوضوء». (٩) (بابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ) ولابن عساكر: «من يتسَّوك بسواك غيره». ٨٩٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:

стр. 2402

دَخَلَ) أخي (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ حجرتي في مرضه ﷺ (وَ) الحال أنَّه (مَعَهُ سِوَاكٌ) حال كونه (يَسْتَنُّ) أي: يستاك (به، فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى عبد الرَّحمن (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لعبد الرَّحمن (أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ) فأخذته (فَقَصَمْتُهُ) بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة عند الأكثرين، أي: كسرته، فأَبَنْتُ منه الموضع الَّذي كان عبد الرَّحمن يستنُّ منه (١)، وللأَصيليِّ وابن عساكر كما في فرع «اليونينيَّة» وعزاها العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ لكريمة وابن السَّكن -زاد العينيُّ: والحَمُّويي والمُستملي -: «فقضمته» بالضَّاد المُعجَمة المكسورة، من القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، وقال في «المطالع»: أي: مضغته بأسناني وليَّنته، وفي روايةٍ: «ففصمته» بالفاء بدل القاف وبالصَّاد المُهمَلة، أي: كسرته من غير إبانةٍ (ثُمَّ مَضَغْتُهُ) بالضَّاد والغين المُعجَمتين (فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي) بسينين مُهمَلتين بينهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ وبعد الثَّانية نونٌ، من «باب الاستفعال»، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، وفي روايةٍ: «مستندٌ» بسينٍ واحدةٍ. ورواته مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول. وأخرجه المؤلِّف (٢) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٨٩] و «الفضائل»، و «الخمس» [خ¦٣١٠٠] و «المغازي» [خ¦٤٤٣٨] و «مرضه ﵊» [خ¦٤٤٥٠] و «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٤]، وكذا أخرجه مسلمٌ في فضلها (٣) أيضًا. (١٠) (بابُ مَا يُقْرَأُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: «يَقرأ» بفتحها مبنيًّا

стр. 2403

للفاعل، أي: الَّذي يقرؤه الرَّجل (فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) سقط في أكثر النُّسخ قوله «يوم الجمعة» وهو مرادٌ، وثبت في الفرع. ٨٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، وبهامش الفرع وأصله، وضُبِّب عليه (١): «حدَّثنا محمَّد بن يوسف» أي: الفريابيُّ، وعزاه (٢) في «الفتح» وغيره لنسخةٍ من رواية كريمة، وذُكِرا في بعض النُّسخ جميعًا (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْد بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ التَّابعيِّ الصَّغير، وللأَصيليِّ: «هو ابن إبراهيم» (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، -هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ- الأَعْرَجِ) التَّابعيّ الكبير، وسقط لفظ «هو» من رواية الأربعة، و «الأعرج» من غير رواية أبي ذَرٍّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في الفجر يوم الجُمُعَةِ) كذا لأبي ذَرٍّ وابن عساكر، وفي رواية كريمة والأَصيليِّ: «في الجمعة في صلاة الفجر» (﴿الم. تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]) في الرَّكعة الأولى، ولام «تنزيلُ» بالضَّمِّ على الحكاية. وزاد في رواية كريمة: «السَّجْدَةَ» بالنَّصب عطف بيانٍ (و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]) في الرَّكعة الثَّانية بكمالهما، ويسجد فيها، كما في «المُعجَم الصَّغير» للطَّبرانيِّ من حديث عليٍّ: «أنَّه ﷺ سجد في صلاة الصُّبح في ﴿تَنزِيلُ﴾ السَّجدة»، لكن في إسناده ضعفٌ، وزاد الأَصيليُّ: «﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾»، والحكمةُ في قراءتهما الإشارةُ إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة لأنَّ ذلك كان

стр. 2404

ويكون في يوم الجمعة، والتَّعبير بـ «كان» يُشعِر بمُواظَبته ﵊ على القراءة بهما فيها، وعُورِض بأنَّه (١) ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاءً قويًّا، وأكثر العلماء على أنَّ «كان» لا تقتضي المداومة، وأُجيب بأنَّه ورد في حديث ابن مسعودٍ التَّصريح بمداومته ﵊ على ذلك، أخرجه الطَّبرانيُّ بلفظ: «يديم ذلك» وأصله في «ابن ماجه» بدون هذه الزِّيادة ورجاله ثقاتٌ، لكن صوَّب أبو حاتمٍ إرساله، وبالجملة فالزِّيادة نصٌّ في ذلك، فدلَّ على السُّنِّيَّة، وبه أخذ الكوفيُّون والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق وقال به أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين، وكره مالكٌ ﵀ في «المُدَوَّنة» للإمام أن يقرأ بسورةٍ فيها سجدةٌ خوف التَّخليط على المصلِّين، ومن ثَمَّ فرَّق بعضهم بين الجهريَّة والسِّرِّيَّة لأنَّ الجهرية يُؤمَن معها التَّخليط، وأُجيب بأنَّه صحَّ من حديث ابن عمر عند أبي داود: أنَّه ﷺ قرأ بسورةٍ فيها سجدةٌ في صلاة الظُّهر، فسجد بهم، فبطلت التَّفرقة، وعلَّله بعض أصحابه بأنَّ سجدات الصَّلاة محصورةٌ، فزيادة سجدةٍ خلاف التَّحديد، قال القرطبيُّ: وهو تعليلٌ فاسدٌ بشهادة هذا الحديث. وقِيلَ: تجوز قراءتها في صلاة الجهر لهذا الحديث، ورواه ابن وهبٍ، وقال أشهب: إذا قلَّت الجماعة قرأها، وإلَّا فلا، وقِيلَ: العلَّةُ خشيةُ اعتقادِ العاميِّ وجوبَها، وحينئذٍ فتُترك أحيانًا لتندفع الشُّبهة، وبمثله قال صاحب «المحيط» من الحنفيَّة،

стр. 2405

وهل يقرأ سورةً (١) فيها سجدةٌ غير ﴿الم﴾؟ منع منه ابن عبد السَّلام، وقال: إنَّه مبطلٌ للصَّلاة، وقال النَّوويُّ ﵀ في زيادات «الرَّوضة»: لم أَرَ فيه (٢) كلامًا لأصحابنا، وقياس مذهبنا أنَّه يُكرَه في الصَّلاة إذا قصده. انتهى. ومقتضاه عدم البطلان، وفي «المهمَّات»: مقتضى كلام القاضي الحسين الجوازُ. وفي «فوائد المُهذَّب» للفارقيِّ: لا تُستحَبُّ قراءة سجدةٍ غير ﴿تَنزِيلُ﴾ فإنْ ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية السَّجدة منها، ووافقه ابن أبي عصرون (٣) في «كتاب الانتصار». انتهى. وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ قويٍّ عن إبراهيم النَّخَعيِّ: أنه قال: يُستحَبُّ أن يقرأ في صبح الجمعة بسورةٍ فيها سجدةٌ، قال: وسألت محمَّد بن سيرين عنه فقال: لا أعلم به بأسًا. ورواة حديث الباب ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ، والتَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». (١١) (بابُ) حكم صلاة (الجُمُعَةِ فِي القُرَى) والقرية واحدة القرى (٤): كلُّ مكانٍ اتَصلت فيه الأبنية واتُّخِذ قرارًا، ويقع ذلك على المدن وغيرها، والأمصار: المدن الكبار، واحدها مِصْرٌ، والكُفُور:

стр. 2406

القرى الخارجة عن المصر، واحدها: كَفْرٌ، بفتح الكاف (١) (وَالمُدْنِ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال، جمع مدينةٍ، وقد تُضَمُّ الدَّال، وللأَصيليِّ: «والمدائن» بفتح الميم والدَّال، جمع مدينةٍ أيضًا، قال أبو عليٍّ الفسويُّ: بالهمز (٢) إن كان من مَدَنَ، وبتركه إن كان من دَيَنَ، أي: مُلِكَ. ٨٩٢ - وبالسند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت ونسخةٍ لأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عَمرو (٣) (العَقَدِيُّ) بفتح العين المُهمَلة والقاف، نسبةً إلى العقد، قومٌ من قيسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح المُهمَلة وسكون الهاء، الخراسانيُّ (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء، نصر بن عبد الرَّحمن بن عصامٍ (الضُّبَعِيِّ) بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وفتح المُوحَّدة وبالعين المُهمَلة، نسبةً إلى ضُبَيْعة

стр. 2407

أبي حيٍّ من بكر بن وائلٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ) بضمِّ الجيم وتشديد الميم المكسورة، وزاد في رواية أبي داود عن وكيعٍ عن ابن طهمان: «في الإسلام» (بَعْدَ جُمُعَةٍ) زاد المصنِّف في أواخر (١) «المغازي»: «جُمِّعَتْ» [خ¦٤٣٧١] (فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: في المدينة كما في رواية وكيعٍ (فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ) قبيلةٌ كانوا ينزلون البحرين، موضعٌ قريبٌ من عُمَان، بقرب القطيف والإحساء (بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ) بضمِّ الجيم وتخفيف الواو، وقد تُهمَز، ثمَّ مُثلَّثةٍ خفيفةٍ وهي قريةٌ من قرى عبد القيس، أو مدينةٌ أو حِصْنٌ، وفي رواية وكيعٍ: «قريةٌ من قرى البحرين». واستدلَّ به إمامنا الأعظم الشَّافعيُّ وأحمد: على أنَّ الجمعة تُقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلًا أحرارًا بالغين مقيمين، ولا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاءً إلَّا لحاجةٍ، سواءٌ كانت أبنيتها من حجرٍ أو طينٍ أو خشبٍ أو قَصَبٍ أو نحوها، فلو انهدمت أبنيتها، فأقام أهلها على العمارة لزمتهم الجمعة فيها لأنَّها وطنهم، سواءٌ كانوا في مظالٍّ أم لا، وسواءٌ فيها المسجد والدَّار والفضاء، بخلاف الصَّحراء، وخصَّه المالكيَّة بالجامع المبنيِّ، وبالعتيق في كلِّ قريةٍ فيها مسجدٌ وسوقٌ، واشترط الحنفيَّة لإقامتها المِصْرَ أو

стр. 2408

فناءَهُ (١) لقوله ﵊: «لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصرٍ جامعٍ» رواه عبد الرَّزَّاق، وأجابوا عن قوله: «جواثى»: أنَّها مدينةٌ، كما قاله البكريُّ، وقول امرئ القيس: ورُحْنا كأنَّا من جُوَاثى عَشِيَّةً … نُعالي النِّعاجَ بَيْنَ عِدْلٍ وَمُحْقَبِ يريد: كأنَّا من تجَّار جُوَاثى لكثرة ما معهم من الصَّيد، وأراد: كثرة أمتعة تجَّار جُوَاثى، وكثرة الأمتعة تدلُّ غالبًا على كثرة التُّجَّار، وكثرة التُّجَّار تدلُّ على أنَّ جُوَاثى مدينةٌ قطعًا لأنَّ القرية لا يكون فيها تجَّارٌ غالبًا عادةً، ولئن سلَّمنا أنَّها قريةٌ فليس في الحديث أنَّه ﵊ اطَّلع على ذلك وأقرَّهم عليه. انتهى. وقد سبق في نفس (٢) الحديث من رواية وكيعٍ: «أنَّها قريةٌ من قرى البحرين»، وفي أخرى عنه (٣): «من قرى عبد القيس»، وكذا للإسماعيليِّ من رواية محمَّد بن أبي حفصة عن ابن طهمان، وهو نصٌّ في موضع النِّزاع، فالمصير إليه أَوْلى من قول البكريِّ وغيره، على أنَّه يحتمل أنَّها كانت في الأوَّل قرية، ثمَّ صارت مدينة، والظَّاهر أنَّ عبد القيس لم يُجَمِّعوا (٤) إلَّا بأمر النَّبيِّ ﷺ لِمَا عُرِف من عادة الصَّحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشَّرعيَّة في زمن الوحي، ولأنَّه لو كان ذلك لا يجوز، لنزل فيه القرآن، كما استدلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ على جواز العزل بأنَّهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه. والمصر عند أبي حنيفة ﵀: كلُّ بلدةٍ فيها مَلِكٌ وأسواقٌ،

стр. 2409

ولها رَسَاتِيْق، وَوَالٍ لدفع الظُّلم، وعالِمٍ يُرجَع إليه في الحوادث، وعند أبي يوسف ﵀: كلُّ موضعٍ له أميرٌ وقاضٍ ينفِّذ الأحكام، وهو مختار الكَرْخيِّ، وعنه أيضًا: أن (١) يبلغ سكانه عشرة آلاف، وأما فناؤه فهو ما أُعِدَّ لحوائج المصر من ركض الخيل، والخروج للرَّمي وغيرهما، وفي «الخانيَّة»: لابدَّ أن يكون متَّصلًا بالمصر، حتَّى لو كان بينه وبين المصر فرجةٌ من المزارع والمراعي لا يكون فِناءً له، ومقدار التَّباعد أربع مئةِ ذراعٍ، وعند أبي يوسف ميلان. انتهى. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (٢) وهرويٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.

стр. 2410

٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمة (المَرْوَزِيُّ) السَّختيانيُّ (١)، وسقط «المروزيُّ» عند ابن عساكر (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنا يُونُسَ) بن يزيد الأيليُّ (عَنْ) ابن شهابٍ (الزُّهرِيِّ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «أخبرني» (سَالِمٌ بنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر، وسقط «بن عبد الله» للأربعة (عَنْ ابنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) أنَّه (قالَ: سَمِعْتُ) ولكريمة: «قال: إنَّ» (رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ) أي: حافظٌ ملتزمٌ صلاحَ ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكلُّ من كان تحت نظره شيءٌ فهو مطلوبٌ بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلَّقاته، فإن وفى ما عليه من الرِّعاية حصل له الحظُّ الأوفر والجزاء (٢) الأكبر، وإلَّا طالبه كلُّ واحدٍ (٣) من رعيَّته في الآخرة بحقِّه. (وَزَادَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين ﵀ في روايته على رواية عبد الله بن المبارك، ممَّا وصله الذُّهليُّ عن أبي صالح كاتب اللَّيث عنه: (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد: (كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ) بتقديم الرَّاء المضمومة على الزَّاي المفتوحة في الأوَّل، وضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الكاف على صيغة تصغير الثُّلاثيِّ في الثَّاني، الفزاريُّ مولى بني فزارة، ولابن عساكر: «وكتب» (إِلَى ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى) من أعمال المدينة، فتحه ﵊ في جمادى الآخرة سنة سبعٍ من الهجرة لمَّا انصرف من خيبر: (هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟) أي: أن أصلِّي بمن معي الجمعة؟ بضمِّ الهمزة وتشديد الميم المكسورة (٤) (وَرُزَيْقٌ) يومئذٍ (عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا) أي: يزرعها (وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ) أميرٌ من قِبلَ عمر

стр. 2411

بن عبد العزيز (عَلَى أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح اللَّام، كانت مدينةً ذات قلعةٍ، وهي الآن خرابٌ ينزل بها (١) حُجَّاج مصر وغزَّة، وبعض آثارها ظاهرٌ، والَّذي يظهر أنَّه سأله عن إقامة الجمعة في الأرض الَّتي كان يزرعها من أعمال أَيْلَة، لا عن أَيْلَة (٢) نفسها لأنَّها كانت بلدًا لا يسأل عنها. قال يونس: (فَكَتَبَ) إليه (ابْنُ شِهَابٍ) بخطِّه وقرأه (وَأَنَا أَسْمَعُ) حال كونه (يَأْمُرُهُ) أي: ابنُ شهابٍ يأمر رُزيقَ بنَ حُكيمٍ في كتابه إليه (أَنْ يُجَمِّعَ) أي (٣): بأن يصلِّي بالنَّاس الجمعة، أو أملاه ابن شهابٍ على كاتبه، فسمعه يونس منه، فالمكتوب الحديث، والمسموع المأمور به، كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وقال في «الفتح»: والَّذي يظهر أنَّ المكتوب عين المسموع، وهو الأمر والحديث معًا، ثمَّ استدلَّ ابن شهابٍ على أمره رُزيق بن حُكيمٍ بالجمعة، حال كونه (يُخْبِرُهُ) أي: رُزيقًا في كتابه إليه، والجملة حاليَّةٌ من الضَّمير المرفوع، فهي متداخلةٌ، والحالان السَّابقان، أعني: «وأنا أسمع»، و «يأمره» مترادفان (أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَقُولُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال»: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ) في الآخرة (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «كلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته» (الإِمَامُ رَاعٍ) فيمن

стр. 2412

وُلِّي عليهم، يقيم فيهم الحدود والأحكام على سنن الشَّرع، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّه لمَّا كان رُزيق عاملًا من جهة الإمام على الطَّائفة الَّتي ذكرها فكان عليه أن يراعي حقوقهم، ومن جملتها إقامةُ الجمعة، فيجب عليه إقامتها وإن كانت في قريةٍ، فهو راعٍ عليهم (وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ) يوفِّيهم حقَّهم من النَّفقة والكسوة والعِشرة (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) سقط لفظ «وهو» عند الأربعة في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ (وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) بحُسْن تدبيرها في المعيشة والنُّصح له، والأمانة في ماله، وحفظ عياله، وأضيافه، ونفسها (وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ) يحفظه (١) ويقوم بما يستحقُّ من خدمته (وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ). (قَالَ) ابن عمر، أو سالمٌ، أو يونس: (وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ) كلمة «أنْ» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنه قال» أي: النَّبيُّ ﷺ : (وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ) يحفظه ويدبِّر مصلحته (وَمَسْؤُولٌ) وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «وهو مسؤولٌ» (عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ) أي: مؤتمنٌ حافظٌ ملتزمٌ إصلاحَ ما قام عليه (وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ولابن عساكر: «فكلُّكم راعٍ مسؤولٌ عن رعيَّته» بالفاء بدل الواو، وإسقاط (٢) الواو من «ومسؤولٌ»، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فكلُّكم راعٍ» بالفاء «وكلُّكم مسؤولٌ» وكذا للأَصيليِّ، لكنَّه قال: «وكلُّكم» بالواو بدل الفاء. وفي هذا الحديث من النُّكت: أنَّه عمَّم أوَّلًا، ثمَّ خصَّص ثانيًا، وقسم الخصوصيَّة إلى أقسامٍ: من جهة الرَّجل، ومن جهة المرأة، ومن جهة الخادم، ومن جهة النَّسب، ثمَّ عمَّم ثالثًا

стр. 2413

وهو قوله: «وكلُّكم راعٍ … » إلى آخره تأكيدًا، وردًّا للعَجُز إلى الصَّدر بيانًا لعموم الحكم أوَّلًا وآخرًا، قِيلَ: وفي الحديث: أنَّ الجمعة تُقام بغير إذنٍ من السُّلطان إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، إذ إذنُ السُّلطان عندهم ليس شرطًا لصحَّتها، اعتبارًا بسائر الصَّلوات، وبه قال المالكيَّة وأحمد في روايةٍ عنه، وقال الحنفيَّة -وهو روايةٌ عن أحمد أيضًا- إنَّه شرطٌ لقوله ﵊: «مَن ترك الجمعة وله إمامٌ جائرٌ أو عادلٌ لا جَمَعَ اللهُ شملَه» رواه ابن ماجه والبزَّار وغيرهما، فشرط فيه أن يكون له إمامٌ، ويقوم مقامه نائبه، وهو الأمير أو القاضي، وحينئذٍ فلا دلالة فيه للشَّافعيَّة لأن رُزيقًا كان نائب الإمام. ورواة الحديث ما بين مدنيٍّ ومروزيٍّ وأَيْليٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول والسَّماع والكتابة، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٥١] و «النِّكاح» [خ¦٥١٨٨]، ومسلمٌ في «المغازي»، وكذا التِّرمذيُّ. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ) ولابن عساكر: «وهل» (عَلَى مَنْ لَمْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «من لا» (يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ؟) كالعبد (١) والمسافر والمسجون -ممَّن لا تجب عليهم (٢) - والمريض والأعمى. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ممَّا وصله البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عنه: (إِنَّمَا الغُسْلُ عَلَى

стр. 2414

مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ) ممَّن اجتمع فيه شروط وجوبها، فمن لم تجب عليه، لا يجب عليه الغسل، نعم يُندَب له إن حضر. ٨٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ) أي: أراد المجيء إليها وإن لم تلزمه كالمرأة والخنثى والصَّبيِّ والعبد والمسافر (فَلْيَغْتَسِلْ) ندبًا مُؤكَّدًا، فيُكرَه تركه لقولهِ: «فليغتسل» وغيرِه من التَّعبير بالوجوب المحمول عندهم على تأكيد النَّدبيَّة، والتَّقييد بـ «مَنْ جاء» مُخْرِجٌ لمن لم يجئ، فمفهوم الشَّرط معمولٌ به لأنَّ الغسل للصَّلاة لا لليوم، وفيه التَّنبيه على أنَّ مراده بالاستفهام في الترجمة: الحكمُ بعدم الوجوب على من لم يحضرها، وفي «البيهقيِّ» بسندٍ صحيحٍ: «من أتى الجمعة من الرِّجال والنِّساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسلٌ». وسبق مباحث الحديث. ٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ المُهمَلة وفتح اللَّام، الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُهمَلة المُخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ، مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁¬) وسقط «الخدري» لابن عساكر (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ) لصلاتها (وَاجِبٌ) أي: كالواجب (عَلَى

стр. 2415

كُلِّ مُحْتَلِمٍ) مفهومه: عدم وجوب الغسل على مَن لم يحتلم، ومن لم يحتلم لا يشهد الجمعة، والحديث سبقت مباحثه. ٨٩٦ - ٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدّثني» (وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، ولابن عساكر: «عن ابن طاوسٍ» (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَحْنُ) يعني: نفسه الشَّريفة ﵊ وأمَّته، أو نفسه الكريمة فقط، أو الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام (الآخِرُونَ) في الزَّمان (السَّابِقُونَ) في الفضل والفضيلة (يَوْمَ القِيَامَةِ، أُوتُوا) أهل الكتاب (الكِتَابَ)

стр. 2416

التَّوراة والإنجيل (مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ) بضمير المفعول، أي: القرآن العزيز، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأوتينا» (مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليَوْمُ) أي: يوم الجمعة (الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) بعد أن عُيِّن لهم، وأُمِروا بتعظيمه، فتركوه وغلبوا القياس، فعظَّمت (١) اليهودُ السَّبتَ للفراغ فيه من الخلق، وظنَّت ذلك فضيلةً توجب عظم اليوم، وعظَّمت النَّصارى الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه (فَهَدَانَا اللهُ) إليه بالوحي الوارد في تعظيمه، أو بالاجتهاد الموافق للمراد، والإشارة في قوله: «فهدانا» إلى سَبْقِنا لأنَّ الهداية سببٌ للسَّبق يوم المعاد، وللأَصيليِّ: «وهدانا الله» بالواو بدل الفاء (فَغَدًا) مجتَمعٌ (لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ) مجتَمعٌ (لِلنَّصَارَى) والتَّقدير بنحو «مجتَمعٍ» لا بدَّ منه، لأن الظروف لا تكون أخبارًا عن الجثث (٢) كما مرَّ، ورُوِي «فغدٌ» بالرَّفع، مبتدأٌ في حكم المضاف، فلا يضرُّ كونه في الصُّورة نكرةً، تقديره: فغدُ الجمعة لليهود، وغدُ بعدَ غدٍ للنَّصارى (فَسَكَتَ) ﷺ .

стр. 2417

(ثُمَّ قَالَ: حَقٌّ) وفي بعض النُّسخ: «فحقٌّ» بالفاء، ويجوز أن يكون (١) جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمر كذلك فحقٌّ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) محتلمٍ حضرَ الجمعة (أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا) زاد النَّسائيُّ: «هو يوم الجمعة» (يَغْسِلُ فِيهِ) أي: في اليوم (رَأْسَهُ وَ) يغسل (جَسَدَهُ) ذَكَرَ الرَّأس وإن كان الجسد يشمله للاهتمام به، لأنَّهم كانوا يجعلون فيه الدُّهن والخطميَّ ونحوهما، وكانوا يغسلونه أوَّلًا ثمَّ يغتسلون، وقد أورد المؤلِّف (٢) -كما أفاده في «الفتح» - هذا الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٧] من وجهٍ آخر عن وُهَيبٍ بهذا الإسناد دون قوله: «فسكت … » إلى آخره، ثمَّ قال: ويؤيِّد (٣) كونه مرفوعًا رواية مجاهدٍ عن طاوسٍ المقتصرة على الحديث الثَّاني، ولهذه النُّكتة أورده بعده فقال: ٨٩٨ - (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة ممَّا وصله البيهقيُّ من طريق سعيد بن أبي هلالٍ عن أبان (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال (٤): قال رسول الله» (¬ ﷺ : لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) محتلمٍ (حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا) هو يوم الجمعة إذا حضرها، والصَّارف لذلك عن الوجوب حديث مسلمٍ: «من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فدنا (٥) … »، وحديث التِّرمذيِّ: «من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت»، كما مرَّ. ورواة الحديث الأوَّل ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٧]، ومسلمٌ في «الجمعة»، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 2418

(١٣) (بابٌ). ٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المُعجَمة ومُوحَّدتين مُخفَّفتين بينهما ألفٌ، الفزاريُّ المداينيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء وبالقاف ممدودًا، ابن عمروٍ المداينيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ) قيّد الإذن باللَّيل؛ لكون الفسَّاق في شغلٍ بفسقهم أو نومهم، بخلاف النَّهار فإنَّهم ينتشرون فيه، فلا يخرجْنَ فيه، والجمعة نهاريَّة، فمفهومُه يُخْرِج الجمعةَ في حقِّ النِّساء، فلا يخرجْنَ إليها، ومن لم يشهدها فليس عليه غسلٌ (١)، وقال الإسماعيليُّ: أورد حديث مجاهدٍ عن ابن عمر، وأراد بذلك أنَّ الإذن إنَّما وقع لهنَّ بالخروج إلى المساجد (٢) باللَّيل، فلا تدخل الجمعة. انتهى. وقرَّره البرماويُّ -كالكِرمانيُّ- بأنه إذا أذن لهنَّ بالخروج إلى المساجد باللَّيل فالنَّهار أَوْلى أن يخرجن فيه؛ لأنَّ اللَّيل مظنَّة الرِّيبة، تقديمًا لمفهوم الموافقة على المخالفة، بل هو مفهومٌ لا يُعمَل به أصلًا على الرَّاجح، أي: فلهنَّ شهودها.

стр. 2419

٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشد بن بلالٍ القطَّان الكوفيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بتصغير العبد، ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) ولابن عساكر: «أخبرنا نافعٌ» (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ) هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْلٍ، أخت سعيد (١)، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، وكانت تخرج إلى المسجد، فلمَّا خطبها عمر شرطت عليه ألَّا يمنعها من (٢) المسجد، فأجابها على كرهٍ منه، فكانت (تَشْهَدُ) أي: تحضر (صَلَاةَ الصُّبْحِ وَ) صلاة (العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا) أي: لامرأة عمر: (لِمَ تَخْرُجِينَ وَ) الحال أن (قَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكِ) الخروج، وكاف «ذلك» مكسورةٌ لأنَّ الخطاب لمُونَّثةٍ (وَيَغَارُ؟) كـ «يخاف» من الغَيْرة، والقائل لها ذلك كلَّه عمرُ نفسُه كما عند عبد الرَّزَّاق وأحمد، ولا مانع أن يعبِّر عن نفسه بقوله: «إنَّ عمر … » إلى آخره، فهو من باب التَّجريد، وحينئذٍ فيكون الحديث من مُسنَد عمر، وذكره المُزِّيُّ في «الأطراف» في «مُسند (٣) ابن عمر». (قَالَتْ: وَمَا) بالواو، وللأربعة: «فما» «بالفاء» (يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟) «أنْ»: مصدريَّةٌ في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، والتَّقدير: فما يمنعه بأن ينهاني؟! أي: بنهيه إيَّاي (قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ

стр. 2420

رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) أي: باللَّيل، حملًا لهذا المُطلَق على المُقيد السَّابق به [خ¦٨٩٩] والجمعة تخرج عنه لأنَّها نهاريَّةٌ، فحينئذٍ لا يشهدنها، ومن لم يشهدها لا غسلَ عليه، وقرَّره البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- بأنَّ قوله: «لا تمنعوا» يشمل اللَّيل والنَّهار، فما سبق في الحديث من ذكر اللَّيل من ذكر فردٍ من العامِّ، فلا يُخصَّص على الأصحِّ في الأصول كحديث: «دباغُها طهورُها» في شاة ميمونة، مع حديث: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر». قال: وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة فلِمَا فيها (١) من أنَّ النِّساء لهنَّ شهود الجمعة، قال: وأيضًا قد تقرَّر أنَّ شاهد الجمعة يغتسل، فيشملها (٢) طلب غسل الجمعة، فدخلت في التَّرجمة. انتهى. ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده.
следующие страницы →