التَّوراة والإنجيل (مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ) بضمير المفعول، أي: القرآن العزيز، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأوتينا» (مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليَوْمُ) أي: يوم الجمعة (الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) بعد أن عُيِّن لهم، وأُمِروا بتعظيمه، فتركوه وغلبوا القياس، فعظَّمت (١) اليهودُ السَّبتَ للفراغ فيه من الخلق، وظنَّت ذلك فضيلةً توجب عظم اليوم، وعظَّمت النَّصارى الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه (فَهَدَانَا اللهُ) إليه بالوحي الوارد في تعظيمه، أو بالاجتهاد الموافق للمراد، والإشارة في قوله: «فهدانا» إلى سَبْقِنا لأنَّ الهداية سببٌ للسَّبق يوم المعاد، وللأَصيليِّ: «وهدانا الله» بالواو بدل الفاء (فَغَدًا) مجتَمعٌ (لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ) مجتَمعٌ (لِلنَّصَارَى) والتَّقدير بنحو «مجتَمعٍ» لا بدَّ منه، لأن الظروف لا تكون أخبارًا عن الجثث (٢) كما مرَّ، ورُوِي «فغدٌ» بالرَّفع، مبتدأٌ في حكم المضاف، فلا يضرُّ كونه في الصُّورة نكرةً، تقديره: فغدُ الجمعة لليهود، وغدُ بعدَ غدٍ للنَّصارى (فَسَكَتَ) ﷺ .
стр. 2417
(ثُمَّ قَالَ: حَقٌّ) وفي بعض النُّسخ: «فحقٌّ» بالفاء، ويجوز أن يكون (١) جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمر كذلك فحقٌّ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) محتلمٍ حضرَ الجمعة (أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا) زاد النَّسائيُّ: «هو يوم الجمعة» (يَغْسِلُ فِيهِ) أي: في اليوم (رَأْسَهُ وَ) يغسل (جَسَدَهُ) ذَكَرَ الرَّأس وإن كان الجسد يشمله للاهتمام به، لأنَّهم كانوا يجعلون فيه الدُّهن والخطميَّ ونحوهما، وكانوا يغسلونه أوَّلًا ثمَّ يغتسلون، وقد أورد المؤلِّف (٢) -كما أفاده في «الفتح» - هذا الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٧] من وجهٍ آخر عن وُهَيبٍ بهذا الإسناد دون قوله: «فسكت … » إلى آخره، ثمَّ قال: ويؤيِّد (٣) كونه مرفوعًا رواية مجاهدٍ عن طاوسٍ المقتصرة على الحديث الثَّاني، ولهذه النُّكتة أورده بعده فقال:
٨٩٨ - (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة ممَّا وصله البيهقيُّ من طريق سعيد بن أبي هلالٍ عن أبان (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال (٤): قال رسول الله» (¬ ﷺ : لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) محتلمٍ (حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا) هو يوم الجمعة إذا حضرها، والصَّارف لذلك عن الوجوب حديث مسلمٍ: «من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فدنا (٥) … »، وحديث التِّرمذيِّ: «من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت»، كما مرَّ.
ورواة الحديث الأوَّل ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٧]، ومسلمٌ في «الجمعة»، وكذا النَّسائيُّ.
стр. 2418
(١٣) (بابٌ).
٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المُعجَمة ومُوحَّدتين مُخفَّفتين بينهما ألفٌ، الفزاريُّ المداينيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء وبالقاف ممدودًا، ابن عمروٍ المداينيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ) قيّد الإذن باللَّيل؛ لكون الفسَّاق في شغلٍ بفسقهم أو نومهم، بخلاف النَّهار فإنَّهم ينتشرون فيه، فلا يخرجْنَ فيه، والجمعة نهاريَّة، فمفهومُه يُخْرِج الجمعةَ في حقِّ النِّساء، فلا يخرجْنَ إليها، ومن لم يشهدها فليس عليه غسلٌ (١)، وقال الإسماعيليُّ: أورد حديث مجاهدٍ عن ابن عمر، وأراد بذلك أنَّ الإذن إنَّما وقع لهنَّ بالخروج إلى المساجد (٢) باللَّيل، فلا تدخل الجمعة. انتهى. وقرَّره البرماويُّ -كالكِرمانيُّ- بأنه إذا أذن لهنَّ بالخروج إلى المساجد باللَّيل فالنَّهار أَوْلى أن يخرجن فيه؛ لأنَّ اللَّيل مظنَّة الرِّيبة، تقديمًا لمفهوم الموافقة على المخالفة، بل هو مفهومٌ لا يُعمَل به أصلًا على الرَّاجح، أي: فلهنَّ شهودها.
стр. 2419
٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشد بن بلالٍ القطَّان الكوفيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بتصغير العبد، ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) ولابن عساكر: «أخبرنا نافعٌ» (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ) هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْلٍ، أخت سعيد (١)، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، وكانت تخرج إلى المسجد، فلمَّا خطبها عمر شرطت عليه ألَّا يمنعها من (٢) المسجد، فأجابها على كرهٍ منه، فكانت (تَشْهَدُ) أي: تحضر (صَلَاةَ الصُّبْحِ وَ) صلاة (العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا) أي: لامرأة عمر: (لِمَ تَخْرُجِينَ وَ) الحال أن (قَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكِ) الخروج، وكاف «ذلك» مكسورةٌ لأنَّ الخطاب لمُونَّثةٍ (وَيَغَارُ؟) كـ «يخاف» من الغَيْرة، والقائل لها ذلك كلَّه عمرُ نفسُه كما عند عبد الرَّزَّاق وأحمد، ولا مانع أن يعبِّر عن نفسه بقوله: «إنَّ عمر … » إلى آخره، فهو من باب التَّجريد، وحينئذٍ فيكون الحديث من مُسنَد عمر، وذكره المُزِّيُّ في «الأطراف» في «مُسند (٣) ابن عمر».
(قَالَتْ: وَمَا) بالواو، وللأربعة: «فما» «بالفاء» (يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟) «أنْ»: مصدريَّةٌ في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، والتَّقدير: فما يمنعه بأن ينهاني؟! أي: بنهيه إيَّاي (قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ
стр. 2420
رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) أي: باللَّيل، حملًا لهذا المُطلَق على المُقيد السَّابق به [خ¦٨٩٩] والجمعة تخرج عنه لأنَّها نهاريَّةٌ، فحينئذٍ لا يشهدنها، ومن لم يشهدها لا غسلَ عليه، وقرَّره البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- بأنَّ قوله: «لا تمنعوا» يشمل اللَّيل والنَّهار، فما سبق في الحديث من ذكر اللَّيل من ذكر فردٍ من العامِّ، فلا يُخصَّص على الأصحِّ في الأصول كحديث: «دباغُها طهورُها» في شاة ميمونة، مع حديث: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر».
قال: وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة فلِمَا فيها (١) من أنَّ النِّساء لهنَّ شهود الجمعة، قال: وأيضًا قد تقرَّر أنَّ شاهد الجمعة يغتسل، فيشملها (٢) طلب غسل الجمعة، فدخلت في التَّرجمة. انتهى.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده.
стр. 2421
(١٤) (بابُ الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ) المصلِّي صلاة (الجُمُعَةَ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الضَّاد من «يحضر»، وكسر همزة «إِن» الشَّرطيَّة، وللأَصيليِّ: «لمن لم يحضر الجمعة» (فِي المَطَرِ).
٩٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الحَمِيدِ) بن دينارٍ (صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) قال الدِّمياطيُّ: ليس ابن عمِّه، وإنَّما كان زوج بنت سيرين، فهو صهره، قال في «الفتح»: لا مانع أن يكون بينهما أخوَّةٌ من الرَّضاع ونحوه، فلا ينبغي تغليط الرِّواية الصَّحيحة مع وجود الاحتمال المقبول.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) بل (قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ) بدل الحَيْعَلة، مع إتمام الأذان (فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا) قوله: «فلا تقل: حيَّ على الصلاة، قل: صلُّوا في بيوتكم» (قَالَ) ابن عبَّاسٍ، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقال»: (فَعَلَهُ) أي: الَّذي قلته للمؤذِّن (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) رسولُ الله ﷺ (إِنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ) بفتح العين وسكون الزَّاي، أي: واجبةٌ، فلو تركتُ المؤذِّن يقول: حيَّ على الصَّلاة لبادر مَنْ سمعه
стр. 2422
إلى المجيء في المطر، فيشقُّ عليه، فأمرته أن يقول: «صلُّوا في بيوتكم» ليعلموا أنَّ المطر من الأعذار الَّتي تصيِّر العزيمة (١) رخصةً، وهذا مذهب الجمهور، لكن عند الشَّافعيَّة والحنابلة مُقَيَّد بما يؤذي ببلِّ الثَّوب، فإن كان خفيفًا أو وجد كَنًّا يمشي فيه فلا عذر، وعن مالكٍ ﵀: لا يُرخَّص في تركها بالمطر، والحديث حجَّةٌ عليه (وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الحاء المُهمَلة من الحرج، ويؤيِّده الرِّواية السَّابقة [خ¦٦٦٨]: «أُؤَثَّمَكم» أي: أن (٢) أكون سببًا في إكسابكم الإثم عند حرج صدوركم، فربَّما يقع تسخُّطٌ أو كلامٌ غير مرضيٍّ، وفي بعض النُّسخ: «أخرجكم» بالخاء المُعجَمة من الخروج (فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) بفتح الدَّال المُهمَلة وسكون الحاء المُهمَلة، وقد تُفتَح، آخرهُ مُعجَمةٌ، أي: الزَّلَق.
وسبق الحديث بمباحثه في «الأذان» [خ¦٦١٦].
(١٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ؟) بضمِّ المُثنَّاة الأولى وفتح الثَّانية مبنيًّا للمفعول من الإتيان، و «أين»: استفهامٌ عن المكان (وَعَلَى مَنْ تَجِبُ) الجمعة؟
(لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِي﴾) أي: أُذِّن (﴿لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾) والإمام على المنبر (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]) أوردها استدلالًا للوجوب كالشَّافعيِّ في «الأمِّ»؛ لأنَّ الأمر
стр. 2423
بالسَّعي لها يدلُّ عليه، أو هو من مشروعيَّة النِّداء لها لأنَّه من خواصِّ الفرائض، وسقط في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ «﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نُودِي» أي: أُذِّن (بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ) أي: إذا كنت داخلها كما صرَّح به أحمد، ونقل النَّوويُّ: أنَّه لا خلاف فيه، وزاد عبد الرَّزَّاق فيه عن ابن جريجٍ: «قلت لعطاءٍ: ما القرية الجامعة؟ قال: ذات الجماعة، والأمير، والقاضي، والدُّور المجتمعة الآخذُ بعضها ببعضٍ، مثل جُدَّة».
(وَكَانَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) ممَّا وصله مُسدَّدٌ في «مُسنَده الكبير» (فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: في بعض الأوقات (يُجَمِّعُ) أي: يصلِّي بمن معه الجمعة، أو يشهد الجمعة بجامع البصرة (وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهْوَ) أي: القصر (بِالزَّاوِيَةِ) بالزَّاي المُعجَمة، موضعٌ بظاهر (١) البصرة معروفٌ (عَلَى فَرْسَخَيْنِ) من البصرة، وهو ستَّة أميالٍ، فكان أنسٌ يرى أنَّ التَّجميع ليس بحتمٍ (٢) لبعد المسافة.
стр. 2424
٩٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، ولأبوي ذَرِّ والوقت والأَصيليِّ، ووافقهما ابن السَّكن: «أحمد بن صالحٍ» أي: المصريُّ، وليس هو ابن عيسى وإن جزم به أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: «أخبرنا» (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) القرشيِّ الأمويِّ المصريِّ (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام القرشي (حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ (١) الجُمُعَةِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، «يفتعلون» من النَّوبة، أي: يحضرونها نُوَبًا، وفي رواية: «يتناوبون» بمُثنَّاةٍ تحتيَّة فأخرى فوقيَّةٍ فنونٍ، بفتحاتٍ، ولغير أبي ذَرٍّ وابن عساكر: «يوم الجمعة» (مِنْ مَنَازِلِهِمْ) القريبة من المدينة (وَ) من (العَوَالِي) جمع عاليةٍ، مواضعُ وقرًى شرقيَّ المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميالٍ أو ثلاثةٍ، وأبعدها ثمانيةٌ (فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ) كذا في الفرع وهو رواية الأكثرين، وعند القابسيِّ: «فيأتون في العَباء (٢)» بفتح العين المُهمَلة والمدِّ، جمع عباءةٍ (يُصِيبُهُمُ (٣) الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ) وللإسماعيليِّ: «أناسٌ منهم» (-وَهْوَ عِنْدِي-) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَنَّكُمْ َتطَهَّرْتُمْ) «لو» تختصُّ بالدُّخول على الفعل، فالتَّقدير: لو ثبت تطهُّركم (لِيَوْمِكُمْ) أي: في يومكم (هَذَا) لكان حسنًا، أو «لو» (٤): للتَّمنِّي، فلا تحتاج إلى تقدير جواب الشَّرط المُقدَّر (٥) هنا، وهذا الحديث كان سببًا لغسل الجمعة كما في رواية ابن عبَّاسٍ عند أبي داود، واستدلَّ به على أنَّ الجمعة تجب على من كان خارج المصر، وهو يردُّ على الكوفيِّين
стр. 2425
حيث قالوا بعدم الوجوب، وأُجيب بأنَّه لو كان واجبًا على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعًا.
وقال الشَّافعيَّة: إنَّما تجب على من يبلغه النِّداء، وحكاه التِّرمذيُّ عن أحمد لحديث: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود بإسنادٍ ضعيفٍ، لكن ذكر له البيهقيُّ شاهدًا بإسنادٍ جيِّدٍ، والمراد به من سمع نداء بلد الجمعة، فمن كان في قريةٍ لا يلزم أهلها إقامة الجمعة لزمته إن كان بحيث يسمع النِّداء مِن صَيِّتٍ على الأرض من طرف قريته الَّذي يلي بلد الجمعة، مع اعتدال السَّمع، وهدوء الأصوات، وسكون الرِّياح (١)، وليس المراد من الحديث أنَّ الوجوب (٢) متعلِّقٌ بنفس السَّماع، وإِلَّا لسقطت عن الأصمِّ، وإنَّما هو متعلِّقٌ بمحلِّ السَّماع، وقال المالكيَّة: على من بينه وبين المنار ثلاثةُ أميالٍ، أمَّا من هو في البلد فتجب عليه، ولو كان من المنار على ستَّة أميالٍ، رواه عليٌّ عن مالكٍ، وقال آخرون (٣): تجب على من آواه اللَّيل إلى أهله لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الجمعة على من آواه اللَّيل إلى أهله» رواه التِّرمذيُّ والبيهقيُّ وضعَّفاه، أي: أنه إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النَّهار قبل دخول اللَّيل.
ورواة الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الرَّجل عن عمِّه، والتَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».
(١٦) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين: (وَقْتُ الجُمُعَةِ) أوَّلهُ (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) عن كبد السَّماء.
(وَكَذَلِكَ يُرْوَى) بضمِّ أوَّله وفتح الواو، ويُروَى في نسخةٍ عن الأربعة: «يُذكَر» (عَنْ) فضلاء
стр. 2426
الصَّحابة: (عُمَرَ) بن الخطَّاب فيما وصله ابن أبي شيبة، وشيخ المؤلِّف أبو نُعيمٍ في «كتاب الصَّلاة» له، من رواية عبد الله بن سِيدان -بكسر المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة- وغيره (وَعَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ ممَّا رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ (وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) ممَّا رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ أيضًا، عن سِمَاك بن حربٍ (وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بفتح العين وسكون الميم في الأوَّل، وبالتَّصغير في الثَّاني، ممَّا وصله ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الوليد بن العيزار (¬﵃¬) وهو مذهب عامَّة العلماء، وذهب أحمد إلى صحَّة وقوعها قبل الزَّوال، متمسِّكًا بما رُوِي عن أبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃: أنَّهم كانوا يصلُّون الجمعة قبل الزَّوال، من طريقٍ لا تثبت، وما رُوِي أيضًا من طريق عبد الله بن سَلِمة، بكسر اللَّام: أنَّ عبد الله بن مسعودٍ صلَّى بهم الجمعة ضحًى، وقال: خشيت عليكم الحرَّ، وأُجيب بأنَّ عبد الله وإن كان كبيرًا، لكنَّه تغيَّر لمَّا كَبِرَ، قاله شعبة، وقول بعض الحنابلة -محتجًّا بقوله ﵊: «إن هذا يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين»، فلمَّا سمَّاه عيدًا جازت الصَّلاة فيه في وقت العيد، كالفطر والأضحى- مُعارَضٌ بأنَّه لا يلزم من تسمية (١) يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد بدليل أنَّ يوم العيد يَحرُم صومُه مطلَقًا، سواءٌ صام (٢) قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة باتِّفاقهم. انتهى.
٩٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوحَّدة وتخفيف الدَّال المُهمَلة،
стр. 2427
وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزديُّ المروزيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ) بفتح العين المُهمَلة (١) وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة المدنيَّة (عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ) بفتحاتٍ، جمع ماهنٍ، ككَتَبَةٍ وكاتبٍ، أي: خَدَمَةَ (أَنْفُسِهِمْ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وعزاها العيني -كالحافظ ابن حجرٍ- لحكاية ابن التِّين: «مِهْنة» بكسر الميم وسكون الهاء مصدرٌ، أي: ذوي مهنة أنفسهم (وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا) أي: ذهبوا بعد الزَّوال (إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ) من العرق المتغيِّر الحاصل بسبب جهد أنفسهم في المهنة (فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ) لكان مُستحَبًّا لتزول تلك (٢) الرَّائحة الكريهة الَّتي يتأذَّى بها النَّاس والملائكة، وتفسير الرَّواح هنا بالذَّهاب بعد الزَّوال هو على الأصل مع تخصيص القرينة له به، وفي قوله [خ¦٨٨١]: «من اغتسل يوم الجمعة ثمَّ راح في السَّاعة الأولى … »، القرينة قائمةٌ في إرادة مُطلَق الذَّهاب، كما مرَّ عن الأزهريِّ، فلا تعارض.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسُّؤال والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الطَّهارة».
٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ) بالسِّين المُهمَلة المضمومة آخره جيمٌ مُصغَّرٌ، وضمِّ نون «النُّعْمان» وسكون عينه، البغداديُّ، المُتوفِّى سنة سبع عشرة ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره مُهمَلةٌ في الأوَّل، وضمِّ المُهمَلة في الثَّاني مُصغَّرين (عَنْ
стр. 2428
عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) صرَّح الإسماعيليُّ من طريق زيد بن الحباب عن فليحٍ بسماع عثمان له من أنسٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) أي: تزول عن كبد السَّماء، وأشعر التَّعبير بـ «كان» بمُواظَبته ﵊ على صلاة الجمعة بعد الزَّوال.
٩٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ قال»: (كُنَّا نُبَكِّرُ بِالجُمُعَةِ) أي: نبادر بصلاتها قبل القيلولة، وقد تمسَّك بظاهره الحنابلة في صحَّة وقوعها باكر النَّهار، وأُجيب بأنَّ التَّبكير يُطلَق على فعل الشَّيء في أوَّل وقته، وتقديمه على غيره، فمن بادر إلى شيءٍ فقد بكَّر إليه أيَّ وقتٍ كانَ، يُقال: بكَّر بصلاة المغرب، إذا أوقعها في أول وقتها، وطريق الجمع أَوْلى من دعوى التَّعارض، وأيضًا فالتَّبكير شاملٌ لِمَا قبل طلوع الشَّمس، والإمام أحمد لا يقول به، بل يجوِّزها قبل الزَّوال، فالمنع في (١) أوَّل النَّهار اتِّفاقٌ، فإذا تعذَّر أن يكون بكرةً دلَّ على أن يكون المراد به المُبادَرة من الزَّوال، كذا قرَّره البرماويُّ كغيره.
(وَنَقِيلُ) بفتح أوَّله مضارعُ «قال قيلولةً» أي: ننام (بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ) عوضًا عن القيلولة عقب الزَّوال الَّذي صُلِّيت فيه الجمعة لأنَّه كان من عادتهم في الحرِّ يَقيلون، ثمَّ يصلُّون الظُّهر لمشروعيَّة الإبراد، وفيه: أنَّ الجمعة لا تُصلَّى ولا يُفعَل شيءٌ منها ولا من خطبتها في غير وقت ظهر يومها، ولو جاز تقديم الخطبة لقدَّمها ﷺ لتقع الصَّلاة أوَّل الوقت، وما رواه الشَّيخان عن سلمة بن الأكوع [خ¦٤١٦٨] من قوله: «كنَّا نصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الجمعة، ثمَّ ننصرف، وليس للحيطان ظلٌّ نستظلُّ به» محمولٌ على شدَّة التَّعجيل بعد الزَّوال جمعًا بين الأدلَّة، على أنَّ هذا الحديث إنَّما ينفي ظلًّا يستظلُّ به، لا أصل الظِّلِّ.
стр. 2429
(١٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أبرد المصلِّي بصلاتها كالظُّهر.
٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الدَّال المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلتين وكسر الميم في الأوَّل، وضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف الميم في الثَّاني (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون اللَّام وفتحها (هُوَ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ وأبي الوقت: «وهو» (خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ) التَّميميُّ السَّعديُّ البصريُّ الخيَّاط (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) صلَّاها في أوَّل وقتها على الأصل (وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) قال الرَّاوي: (يَعْنِي: الجُمُعَةَ) قياسًا على الظُّهر، لا بالنَّصِّ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ (٢) على التَّفرقة في الظُّهر، وعلى التَّبكير في الجمعة مُطلَقًا من غير تفصيلٍ، والَّذي نحا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك لأنَّ قوله: «يعني: الجمعة» يحتمل أن يكون قول التَّابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون مِن نقلِه، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة (٣)، أو بدلٌ عن الظُّهر، قاله ابن المُنَيِّر.
стр. 2430
ورواة حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بالتَّصغير، فيما وصله المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: (أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ، وقَالَ) بالواو، ولكريمة: «فقال»: (بِالصَّلَاةِ) أي: بلفظها فقط (وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ) ولفظه في «الأدب المُفرَد»: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كان الحرُّ أبرد بالصَّلاة، وإذا كان البرد بكَّر بالصَّلاة» وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد: «يعني: الظُّهر» وهذا موافقٌ لقول الفقهاء: يُندَب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحَرِّ بقُطْرٍ حارٍّ، لا بالجمعة لشدَّة الخطر في فواتها المؤدِّي إليه تأخيرها بالتَّكاسل، ولأنَّ النَّاس مأمورون بالتَّبكير إليها، فلا يتأذَّون بالحرِّ، وما في «الصَّحيحين» من أنَّه ﷺ كان يبرد بها بيانٌ للجواز فيها جمعًا بين الأدلَّة.
(وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ) ممَّا وصله الإسماعيليُّ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ) هو الحكم بن أبي عقيلٍ الثَّقفيُّ، نائب ابن عمِّه الحجَّاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن عمِّه في تطويل الخطبة يوم الجمعة، حتَّى يكاد الوقت أن يخرج (ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟) في رواية الإسماعيليِّ والبيهقيِّ: «كان إذا كان الشِّتاء بكَّر بالظُّهر، وإن (١) كان الصَّيف أبرد بها».
(١٨) (بابُ المَشْي إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ، وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بجرِّ لام «قول» عطفًا على «المشي» المجرور بالإضافة، وبالضَّمِّ على الاستئناف: (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]) أي (٢): فامضوا لأنَّ السَّعي يُطلَق على المضيِّ وعلى العَدْو، فبيَّنت السُّنَّة المراد به كما في الحديث الآتي في هذا الباب [خ¦٩٠٨]: «فلا تأتوها تسعون، وأْتُوها وأنتم تمشون وعليكم السَّكينة» نعم إذا ضاق
стр. 2431
الوقت فالأّوْلى الإسراع، وقال المحبُّ الطَّبريُّ: يجب إذا لم تُدرَك (١) الجمعة إلَّا به.
(وَمَنْ قَالَ) في تفسيره: (السَّعْيُ: العَمَلُ) لها (وَالذَّهَابُ) إليها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا﴾) أي: للآخرة (﴿سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]) المُفسَّر: يعمل لها حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النَّواهي.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله ابن حزمٍ من طريق عكرمة عنه، لكن بمعناه: (يَحْرُمُ البَيْعُ) أي: ونحوه من سائر العقود ممَّا فيه تشاغلٌ عن السَّعي إليها كإجارةٍ وتوليةٍ، ولا تبطل الصَّلاة (حِينَئِذٍ) أي: إذا نُودِي بها بعد جلوس الخطيب على المنبر لآية (٢) ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقِيسَ على البيع نحوه، وإنَّما لم تبطل الصَّلاة به (٣) لأنَّ النَّهي لا يختصُّ به، فلم يمنع صحَّته كالصَّلاة في أرضٍ مغصوبةٍ، ويصحُّ البيع عند الجمهور لأنَّ النَّهي ليس لمعنًى في العقد داخل ولا لازم، بل خارجٌ عنه، وقال المالكيَّة: يُفسَخ ما عدا النِّكاح والهبة والصَّدقة، وحيث فُسِخَ تُرَدُّ السِّلعة إن كانت قائمةً، ويلزم قيمتها يوم القبض إن كانت فائتةً، والفرق بين الهبة والصَّدقة وبين غيرهما: أنَّ غير الهبة والصَّدقة يُرَدُّ على كلِّ واحدٍ ماله، فلا يلحقه كبيرُ مضرَّةٍ، ولا كذلك الهبة والصَّدقة لأنَّه ملك شيءٍ بغير عوضٍ، فيبطل عليه، فتلحقه المضرَّة، وأمَّا عدم فسخ النِّكاح فللاحتياط في الفروج. انتهى. وتقييد الأذان بكونه بعد جلوس الخطيب لأنَّه الَّذي كان في عهده ﷺ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- فانصرف النِّداء في الآية إليه، أمَّا الأذان الَّذي عند الزَّوال
стр. 2432
فيجوز البيع عنده مع الكراهة؛ لدخول وقت الوجوب، لكن قال الإسنويُّ: ينبغي ألَّا يُكرَه في بلدٍ يؤخِّرون فيها تأخيرًا كثيرًا -كمكَّة- لما فيه من الضَّرر، فلو تبايع مقيمٌ ومسافرٌ أَثِما جميعًا لارتكاب الأوَّل النَّهي، وإعانة الثَّاني له عليه، نعم يُستَثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته، أو إلى ما يواري به عورته، أو يقوته عند اضطراره، ولو باع وهو سائرٌ إليها أو في الجامع جاز لأنَّ المقصود ألَّا يتأخَّر عن السَّعي إلى الجمعة، لكن يُكرَه البيع ونحوه في المسجد لأنَّه يُنزَّه عن ذلك، وعن (١) الحنفيَّة: يُكرَه البيع مطلقًا، ولا يحرم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ في «تفسيره»: (تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا) لأنَّها بمنزلة البيع في التَّشاغل عن الجمعة.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ) أي: على طريق الاستحباب (أَنْ يَشْهَدَ) أي (٢): الجمعة، لكن اختُلِف على الزُّهريِّ فيه، فرُوِي عنه هذا، ورُوِي عنه: «لا جمعة على مسافرٍ» على طريق الوجوب، قال ابن المنذر: وهو كالإجماع، ويحتمل أن يكون مراده بقوله: «فعليه أن يشهد» ما إذا اتَّفق (٣) حضور المسافر في موضعٍ تُقام فيها الجمعة، فسمع النِّداء لها، لا أنَّه (٤) يلزمه حضورها مطلقًا حتَّى يحرم عليه السَّفر قبل الزَّوال من
стр. 2433
البلد الَّذي يدخله مجتازًا، وقال المالكيَّة: تجب عليه إذا أدركه صوت المؤذِّن قبل مجاوزة الفرسخ.
٩٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الدِّمشقيُّ إمام جامعها، قال الزَّركشيُّ: ووقع في أصل كريمة: «بُرَيد» بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء (١)، وهو غلطٌ، وللأَصيليِّ: «ابن أبي مريم الأنصاريُّ»: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ (٢) بْنُ رِفَاعَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف المُوحَّدة وكسر راء «رِفاعة»، ابن رافع بن خَديج الأنصاريُّ (قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون المُوحَّدة آخره مُهمَلة، عبد الرَّحمن بن جَبْرٍ، بالجيم المفتوحة والمُوحَّدة السَّاكنة والرَّاء، الأنصاريُّ (وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَقُولُ: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ) أي: أصابهما غبارٌ (فِي سَبِيلِ اللهِ) اسم جنسٍ مضافٌ يفيد العموم، فيشمل الجمعة (حَرَّمَهُ اللهُ) كلَّه (عَلَى النَّارِ) وجه المطابقة من قوله: «أدركني أبو عبسٍ … » لأنَّه لو كان يعدو لَمَا احتملَ الوقتُ المحادثةَ؛ لتعذُّرها مع العَدْوِ.
ورواة الحديث ما بين مدنيٍّ (٣) ودمشقيٍّ، وليس لأبي عبسٍ في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث (٤)، ويزيد من أفراده، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والسَّماع والقول،
стр. 2434
وأخرجه المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٨١١]، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمدُ بن عبد الرَّحمن (قَالَ: حدثنا) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن المُسيَّب (وَ) عن (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
ثمَّ ساق لهذا سندًا آخر فقال: (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا) حال كونكم (تَسْعَوْنَ) لِمَا يلحق السَّاعي من التَّعب وضيق النَّفَس المنافي للخشوع المطلوب (وَ) لكن (ائتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «وعليكم» (السَّكِينَةُ) بالرَّفع مبتدأٌ أخبِر عنه بسابقه، والجملة حالٌ من ضمير «وائتوها تمشون»، وبالنَّصب لغير أبي ذَرٍّ على الإغراء، أي: الزموا السَّكينة، أي: الهِينة والتَّأنِّي، والنَّهيُ متوجِّهٌ إلى السَّعي، لا إلى الإتيان.
واستُشكِل النَّهي بما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وأُجيب بأنَّ المراد به في الآية القصدُ، أو الذَّهاب، أو العمل، كما مرَّ، وفي الحديث: الإسراع لأنَّه قَابَلَهُ بالمشي حيث قال:
стр. 2435
«وائتوها تمشون»، قال الحسن: ليس السَّعي الَّذي في الآية على الأقدام، بل على القلوب.
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ) مع الإمام من الصَّلاة (فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا).
فيه: أنَّ ما يدرك المرءُ من باقي صلاة الإمام هو أوَّل صلاته لأنَّ الإتمام إنَّما يكون بناءً على ما سبق (١) له.
وقد سبق الحديث بمباحثه في «باب لا يسعى إلى الصَّلاة، وليأتِها بالسَّكينة والوقار» [خ¦٦٣٦] آخر «كتاب الأذان».
٩٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، سَلْمٌ -بفتح المُهمَلة وسكون اللَّام- ابن قتيبة الشَّعيريُّ -بفتح المُعجَمة- الخراسانيُّ، سكن البصرة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنَائِيُّ، بضمِّ الهاء وتخفيف النُّون ممدودًا (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ (لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ) زاد أبو ذَرٍّ في روايته عن المُستملي: «قال أبو عبد الله، أي: البخاريُّ: لا أعلمه، أي: لا أعلم رواية عبد الله هذا الحديث إِلَّا عن أبيه» أبي قتادة الحارث، ويُقال: عمروٌ، أو النُّعمان بن رِبْعِيٍّ -بكسر الرَّاء وسكون المُوحَّدة بعدها مُهمَلةٌ- ابن بُلْدُمة -بضمِّ المُوحَّدة والمُهمَّلة، بينهما لامٌ ساكنةٌ- السَّلَمِي -بفتحتين- المدنيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كأنَّه (٢) وقع عنده -يعني:
стр. 2436
المؤلِّف- توقُّفٌ في وصله لكونه كتبه من حفظه، أو لغير ذلك، وهو في الأصل موصولٌ لا ريب فيه، أخرجه الإسماعيليُّ عن ابن ناجية، عن أبي حفصٍ، وهو عمر بن عليٍّ، شيخ المؤلِّف، فقال: عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، ولم يشكَّ. انتهى. قلت: وكذا في الفرع وأصله في رواية ابن عساكر: «عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَُ) بالرَّفع والنَّصب، كما مرَّ قريبًا [خ¦٩٠٨].
وسبق الحديث في آخر «كتاب الأذان» في «باب متى يقوم النَّاس إذا رأوا الإمام عند الإقامة» [خ¦٦٣٧] مع مباحثه.
(١٩) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (لَا يُفَرِّقُ) الدَّاخل المسجد (بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) «لا»: ناهيةٌ، والفعل من التَّفريق، مبنيٌّ للفاعل أو المفعول، والتَّفرقة تتناول أمرين:
أحدهما: التَّخطِّي، والثَّاني: أن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما. فأمَّا الأوَّل فهو مكروهٌ لأنَّه ﷺ رأى رجلًا يتخطَّى رقاب النَّاس، فقال له: «اجلس، فقد آذيت وآنيت» أي: تأخَّرت، رواه ابن ماجه والحاكم وصحَّحاه (١)، وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّه ﵊ قال لرجلٍ:
стр. 2437
«رأيتك تتخطَّى رقاب النَّاس وتؤذيهم، مَنْ آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»، وللتِّرمذيِّ: «من تخطَّى رقاب النَّاس يوم الجمعة اتُّخِذ جسرًا إلى جهنَّم»، قال العراقيُّ: المشهور «اتُّخِذَ» مبنيًّا للمفعول، أي: يُجعَل جسرًا على طريق جهنَّم ليُوطَأ ويُتخطَّى كما تخطَّى رقاب النَّاس، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل، أي: اتَّخذ لنفسه جسرًا يمشي عليه إلى جهنَّم بسبب ذلك، ولأبي داود من طريق عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه رفعه: «ومن تخطَّى (١) رقاب النَّاس كانت له ظهرًا» أي: لا تكون له كفَّارةً لما بينهما، نعم لا يُكرَه للإمام إذا لم يبلغ المحراب إلَّا بالتَّخطِّي لاضطراره إليه، ومن لم يجد فرجةً بأن لم يبلغها إلَّا بتخطِّي صفٍّ أو صفَّين فلا يُكرَه وإن وجد غيرها؛ لتقصير القوم بإخلاء الفرجة، لكن يُستحَبُّ له إن وجد غيرها ألَّا يتخطَّى. وهل الكراهة المذكورة للتَّنزيه أم للتَّحريم؟ صرَّح بالأوَّل في «المجموع»، ونقل الشَّيخ أبو حامدٍ الثَّاني عن نصِّ الشَّافعيِّ ﵀، واختاره في «الرَّوضة» في: «الشَّهادات»، وقيَّد المالكيَّة والأوزاعيُّ الكراهة بما إذا كان الإمامُ على المنبر لحديث أحمد الآتي.
وأما الثَّاني -وهو أن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما- فيأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦٩١١].
стр. 2438
٩١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو (١) عبد الله بن عثمان المروزي (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ) بفتح الواو، عبد الله (عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ) ﵁، ولابن عساكر: «حدَّثنا سلمان الفارسيُّ» (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ) كقصِّ الشَّارب، وقَلْم الظُّفْر، وحلق العانة، وتنظيف الثِّياب (ثُمَّ ادَّهَنَ) بتشديد الدَّال: طلى جسده به (أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ) بـ «أو» الَّتي للتَّفصيل (ثُمَّ رَاحَ) ذهب إلى صلاة الجمعة (فَلَمْ) بالفاء، وللأَصيليِّ: «ولم» (يُفَرِّقْ) في المسجد (بَيْنَ اثْنَيْنِ) بالتَّخطِّي أو بالجلوس بينهما، وهو كنايةٌ عن التَّبكير كما مرَّ؛ لأنَّه إذا بكَّر لا يتخطَّى ولا يفرِّق (فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ) أي: فُرِضَ من صلاة الجمعة، أو ما (٢) قُدِّر له فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ) لسماع الخطبة (غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ) أي: بين يوم الجمعة الماضية (وَبَيْنَ) يوم (الجُمُعَةِ الأُخْرَى) المستقبلة.
والحديث سبق في «باب الدُّهن للجمعة» [خ¦٨٨٣] مع شرحه.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ) «لا»: نافيةٌ، والفعل
стр. 2439
مرفوعٌ، والخبر في معنى النَّهي، و «يقعدُ»: بالرَّفع عطفًا على «يقيم»، أو على أنَّ الجملة حاليَّةٌ، أي: وهو يقعد، أو بالنَّصب بتقدير: «أن»، فعلى الأوَّل كلٌّ من الإقامة والقعود منهيٌّ عنه، وعلى الثَّاني والثَّالث النَّهي عن الجمع بينهما، حتَّى لو أقامه ولم يقعد لم يرتكب النَّهي.
ولم يذكر المؤلِّف حديث مسلمٍ عن جابرٍ من طريق أبي الزُّبير المُقيَّد -كالتَّرجمة- بيوم الجمعة ليطابقها، ولفظه: «لا يقيمنَّ أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثمَّ يخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: تفسَّحوا» لأنَّه ليس (١) على شرطه، لكنَّه أشار إليه بالقيد المذكور في التَّرجمة كعادته ﵀.
٩١١ - وبالسَّند إليه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذَرٍّ: «هو ابن سلَّامٍ» أي (٢) بتشديد اللَّام كما في الفرع، وضبطها العينيُّ بالتخفيف، وهو البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم
стр. 2440
وسكون المُعجَمة، و «يزيد» من الزِّيادة (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) حال كونه (يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) أي: نهى عن إقامة الرَّجل أخاه، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت في نسخةٍ، والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن يقيم الرَّجلُ الرَّجلَ» (مِنْ مَقْعَدِهِ) بفتح الميم، موضع قعوده (وَيَجْلِسَ فِيهِ) بالنَّصب عطفًا على «أن يقيمَ» أي: وأن يجلس، والمعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منهيٌّ عنه، وظاهر النَّهيِ التَّحريمُ، فلا يُصرَف عنه إلَّا بدليلٍ، فلا يجوز أن يقيم أحدًا من مكانه ويجلس فيه لأنَّ من سبق إلى مُباحٍ فهو أحقُّ به، ولأحمد حديث: «إنَّ الَّذي يتخطَّى رقاب النَّاس، أو يفرِّق بين اثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قُصْبَه في النَّار» وهو بضمِّ القاف، أي: أمعاءه، والتَّفرقة صادقةٌ بأن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما، نعم لو قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس غيره، ولو بعث من يقعد له في مكانٍ ليقوم عنه إذا جاء هو جاز أيضًا من غير كراهةٍ، ولو فُرِشَ له نحو سجَّادةٍ فلغيره تنحيتها والصَّلاة مكانها؛ لأنَّ السَّبق بالأجسام (١) لا بما يُفرَش، ولا يجوز له الجلوس عليها بغير رضاه، نعم لا يرفعها بيده أو غيرها لئلَّا تدخل في ضمانه، واستُنبِط من قوله في حديث مسلمٍ السَّابق: «ولكن يقول: تفسَّحوا» أنَّ الَّذي يتخطَّى بعد الاستئذان (٢) لا كراهة في حقِّه. قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَالَ: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا) بالنَّصب في الثَّلاثة على نزع الخافض، أي: في الجمعة وغيرها، ولأبي ذَرٍّ: «الجمعةُ؟ قال: الجمعةُ وغيرُها» بالرَّفع في الثَّلاثة على الابتداء، و «غيرُها» عُطِف عليه، والخبرُ محذوفٌ، أي: الجمعةُ وغيرُها متساويان في النَّهي عن التَّخطِّي في مواضع الصَّلوات.
стр. 2441
ورواة الحديث ما بين بخاريٍّ وحرَّانيٍّ (١) ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وشيخ المؤلِّف ﵀ من أفراده، وأخرجه مسلمٌ في «الاستئذان».
(٢١) (بابُ) وقت مشروعية (الأَذَانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ).
٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكنديِّ (قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ) أي (٢): الَّذي ذكره الله في القرآن (يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَوَّلُهُ) بالرَّفع بدلٌ من اسم «كان»، وخبرها قوله: (إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (٣) ﷺ ، وَ) خلافة (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁¬) خليفةً (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي: المسلمون بمدينة النَّبيِّ ﷺ (زَادَ) بعد مضيِّ مدَّةٍ من خلافته (النِّدَاءَ الثَّالِثَ) عند دخول الوقت (عَلَى الزَّوْرَاءِ) بفتح الزَّاي وسكون الواو وفتح الرَّاء ممدودًا، وسمَّاه ثالثًا باعتبار كونه مزيدًا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصَّلاة، وزاد ابن خزيمة (٤) في رواية وكيعٍ عن ابن أبي ذئبٍ: «فأمر عثمان بالأذان الأوَّل» ولا منافاة بينهما لأنَّه أوَّلٌ باعتبار الوجود، ثالثٌ باعتبار مشروعيَّة عثمان له باجتهاده، وموافقة سائر الصَّحابة له بالسُّكوت وعدم الإنكار، فصار إجماعًا سكوتيًّا، وأطلق الأذان على الإقامة تغليبًا بجامع
стр. 2442
الإعلام فيهما (١)، ومنه قوله ﵊: «بين كلِّ أذانين صلاةٌ لمن شاء» [خ¦٦٢٤] وزاد أبو ذَرٍّ في روايته: «قال: أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الزَّوراء: موضعٌ بالسُّوق بالمدينة» قِيلَ: إنَّه مرتفعٌ كالمنارة، وقِيلَ: حجرٌ كبيرٌ عند باب المسجد.
ورواة هذا الحديث أربعةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجمعة» [خ¦٩١٣]، وأبو داود في «الصَّلاة»، وكذا التِّرمذيُّ وابن ماجه.
(٢٢) (بابُ المُؤَذِّنِ الوَاحِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ).
٩١٣ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، هو ابن عبد الله بن أبي سلمة (المَاجَِشُونُ) بكسر الجيم وفتحها بعدها مُعجَمةٌ مضمومةٌ، المدنيُّ، نزيل بغداد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ)
стр. 2443
الكنديِّ: (أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ) الَّذي هو الأوَّل وجودًا كما مرَّ قريبًا (يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁¬) أثناء خلافته (حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ) أي: يؤذِّن يوم الجمعة، وإلَّا فله بلالٌ، وابن أمِّ مكتومٍ، وسعدٌ القَرَظُ (١)، و «غيرَ»: بالنَّصب خبر «كان»، ولأبي ذَرٍّ: «غيرُ واحدٍ» بالرَّفع، وهذا (٢) ظَّاهرٌ في إرادة نفي تأذين اثنين معًا، أو المراد: أنَّ الَّذي كان يؤذِّن هو الَّذي كان يقيم، وقد نصَّ الشَّافعيُّ ﵀ على كراهة التَّأذين جماعةً. (وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَعْنِي: عَلَى المِنْبَرِ) قبل الخطبة، وفي نسخةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت: «حين يجلس الإمام على المنبر» فأسقط لفظ «يعني».
(٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُجِيْبُ الإِمَامُ) المؤذِّنَ وهو (عَلَى المِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ) أي: الأذان، ولكريمة: «يؤذِّن الإمام» بدل: «يجيب»، وكأنَّه سمَّاه أذانًا لكونه بلفظه.
«قال» (مُعَاوِيَةُ وَأَنَا) أي: أشهد به، أو أقول مثله ((١) قَالَ) أي: المؤذِّن، ولكريمة: «فقال»: (أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا) أي: أشهد، أو أقول مثله (فَلَمَّا أَنْ قَضَى) المؤذِّن (التَّأْذِينَ) أي: فرغ منه، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فلمَّا قضى» فأسقطا (٢) كلمة «أن» الزَّائدة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلمَّا أن انقضى التَّأذينُ» بالرَّفع على أنَّه فاعلٌ، أي: انتهى (قَالَ) معاوية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا المَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي) أي (٣): الَّتي أجبت بها المؤذِّن، وفيه: أنَّ قول المجيب: وأنا كذلك و (٤) نحوه يكون إجابة للمؤذِّن، ورواته ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديثُ والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، ورواية الرَّجل عن عمِّه، والصَّحابيِّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وفي «اليوم واللَّيلة».
(٢٤) (بابُ) سنَّةِ (الجُلُوسِ) للخطيب (عَلَى المِنْبَرِ) قبل الخطبة (عِنْدَ التَّأْذِينِ) بقدر الأذان.
стр. 2446
٩١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين ﵀ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيدٍ الكنديَّ، حجَّ به في حجَّة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصَّحابة، وكان في سنة إحدى وتسعين أو قبلها (أَخْبَرَهُ: أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ) هو ثانٍ بالنَّظر إلى الأذان الحقيقيِّ، ثالثٌ بالنَّظر إليه والإقامة (يَوْمَ الجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أمر به عثمان بن عفَّان حين» (كَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ) النَّبويِّ في أثناء خلافته (وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ) على المنبر، وهو يردُّ على الكوفيِّين حيث قالوا: الجلوس على المنبر عند التَّأذين غير مشروعٍ، والحكمة للجمهور في سنِّيَّته سكون اللَّغط، والتَّهيُّؤ للإنصات لسماع الخطبة، وإحضار الذِّهن للذِّكر والموعظة.
(٢٥) (بابُ التَّأْذِينِ عِنْدَ) إرادة (الخُطْبَةِ).
٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) الكنديَّ (يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ) قبل أمر عثمان بالأذان الأوَّل (كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَر) قبل الخطبةِ (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁¬) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن عفَّان» (وَكَثُرُوا) أي: النَّاس (أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ) أوَّل الوقت عند الزَّوال، فهو ثالثٌ بالنِّسبة لإحداثه، وإلَّا فهو الأوَّل وجودًا
стр. 2447
كما مرَّ (فَأُذِّنَ بِهِ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ) في الأذان (١) (عَلَى ذَلِكَ) أي: على أذانين وإقامةٍ في جميع الأمصار، ولله الحمد (٢).
(٢٦) (بابُ) مشروعيَّة (الخُطْبَةِ) للجمعة وغيرها (عَلَى المِنْبَرِ) بكسر الميم.
(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ ممَّا وصله المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] و «الفتن» [خ¦٧٠٨٩] مُطوَّلًا: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) فيُستحَبُّ فعلها عليه، فإن لم يكن منبرٌ، فعلى مرتفعٍ لأنَّه أبلغ في الإعلام، فإن تعذَّر استند إلى خشبةٍ أو نحوها، لما سيأتي [خ¦٩١٨]-إن شاء الله تعالى- أنَّه ﵊ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتَّخذ المنبر، وأن يكون المنبر على يمين المحراب، والمراد به يمين مُصلَّى الإمام، قال الرَّافعيُّ ﵀: هكذا وَضْعُ منبره ﷺ .
стр. 2448
٩١٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيدٍ» عند أبي ذَرٍّ وابن عساكر (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيُّ) بالقاف والمُثنَّاة المُشدَّدة من غير همزٍ (١)، نسبةً إلى القارة، قبيلةٌ (القُرَشِيُّ) الحِلف في بني زُهرة من قريشٍ، قال عياضٌ: كذا لبعض رواة البخاريِّ: «القرشيِّ»، وسقط للأَصيليِّ، وكلاهما صحيحٌ (الإِسْكَنْدَرَانِيُّ) السَّكن والوفاة، وكانت سنة إحدى وثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ:) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، واسمه: سلمة الأعرج (أَنَّ رِجَالًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم (أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) بإسكان الهاء والعين (وَقَدِ امْتَرَوْا) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: تجادلوا أو شكُّوا، من المماراة وهي المجادلة، قال الرَّاغب: الامتراء والمماراة: المُجَادلة، ومنه: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن أبيه عند مسلم: أنَّ نفرًا تمارَوا، أي: تجادلوا، قاله ابن حجرٍ، وجعله البرماويُّ -كالكِرمانيِّ- من الامتراء. قال: وهو الشَّكُّ. قال العينيُّ متعقِّبًا للحافظ ابن حجرٍ (٢): وهو الأصوب (٣)، ولم يبيِّن لذلك دليلًا. (فِي المِنْبَرِ) النَّبويِّ (مِمَّ عُودُه؟) أي: من أيِّ شيءٍ هو؟ (فَسَأَلُوهُ) أي: سهل بن سعدٍ (عَنْ ذَلِكَ) أي: المُمترَى فيه (فَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ) بثبوت ألف «ما» الاستفهاميَّة المجرورة على الأصل، وهو قليلٌ، وهي قراءة عبد الله وأُبيٍّ في (عمَّا يَتَسَاءَلُونَ) [النبأ: ١] والجمهور بالحذف، وهو المشهور، وإنَّما أتى بالقَسَم مؤكَّدًا بالجملة الاسميَّة، وبـ «إنَّ» الَّتي للتَّحقيق (٤)، وبـ «لام» التَّأكيد في الخبر، لإرادة التَّأكيد فيما قاله للسَّامع (وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) أي: المنبر (أَوَّلَ) أي: في أوَّل (يَوْمٍ وُضِعَ) موضعه، هو زيادةٌ على السُّؤال كقوله: (وَأَوَّلَ يَوْمٍ) أي: في أوَّل
стр. 2449
يوم (جَلَسَ عَلَيْهِ (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وفائدةُ هذه الزِّيادة المُؤكَّدة باللَّام و «قد» (٢) إعلامُهم بقوَّة معرفته بما سألوه عنه. ثمَّ شرح الجواب بقوله: (أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ) بعدم الصَّرف في «فلانة» للتَّأنيث والعلميَّة، ولا يُعرَف اسم المرأة، وقِيلَ: هي فُكَيْهَة بنت عُبَيْد بن دُلَيْمٍ، أو: عُلَاثة، بالعين المُهمَلة وبالمُثلَّثة، وقِيلَ: إنَّه تصحيف «فلانة»، أو هي عائشة، قِيلَ: وهو تصحيف المُصحِّف السَّابق، وزاد الأَصيليُّ: «من الأنصار» (قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ) فقال لها: (مُرِي) أصله: اؤمري على وزن «افعلي»، فاجتمعت همزتان فَثقُلَتا (٣)، فُحذِفت الثَّانية، واستُغنِي عن همزة الوصل، فصار: «مُرِي» على وزن «عُلِي» لأنَّ المحذوفَ فاءُ الفعل (غُلَامَكِ النَّجَّارَ) بالنَّصب صفةٌ لـ «غلام» (أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ) «أجلسُ» بالرَّفع في (٤) «اليونينيَّة» أي: أنا أجلس، وفي غيرها «أجلسْ» بالجزم جوابٌ للأمر، والغلام اسمه: ميمونٌ كما عند قاسم بن أصبغ، أو إبراهيم كما في «الأوسط» للطَّبرانيِّ، أو باقُول، بالمُوحَّدة والقاف المضمومة (٥) واللَّام كما عند عبد الرَّزَّاق، أو باقوم، بالميم بدل اللَّام كما عند أبي (٦) نُعيمٍ في «المعرفة»، أو صُباح، بضم الصَّاد المُهمَلة، بعدها مُوحَّدةٌ خفيفةٌ، آخره (٧) حاءٌ مُهمَلةٌ؛ كما عند
стр. 2450
ابن (١) بشكوال، أو قبيصة المخزوميُّ مولاهم كما ذكره عمر بن شبَّة في الصَّحابة، أو كلاب مولى ابن عبَّاسٍ، أو تميم الدَّاريُّ كما عند أبي داود والبيهقيِّ، أو ميناء كما ذكره ابن بشكوال، أو روميٌّ كما عند التِّرمذيِّ وابن خزيمة وصحَّحاه، ويحتمل أن يكون المراد به تميمًا الدَّاريَّ لأنَّه كان كثير السَّفر إلى أرض الرُّوم. وأشبه الأقوال بالصَّواب: أنَّه ميمونٌ، ولا اعتداد بالأخرى لوهاها. وحمله بعضهم على أنَّ الجميع اشتركوا في عمله، وعُورِض بقوله في كثيرٍ من الرِّوايات السَّابقة: ولم يكن بالمدينة إلَّا نجَّارٌ واحدٌ، وأُجيب باحتمال أنَّ المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقيَّة أعوانٌ له. (فَأَمَرَتْهُ) أي: أمرت المرأةُ غلامَها أن يعمل (٢) (فَعَمِلَهَا) أي: الأعواد (مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ) بفتح الطَّاء وسكون الرَّاء المُهمَلتين وبعد الرَّاء فاءٌ ممدودةٌ، شجرٌ من شجر البادية، و «الغابة» بالغين المُعجَمة وبالمُوحَّدة، موضعٌ من عوالي المدينة من جهة الشَّام (ثُمَّ جَاءَ) الغلام (بِهَا) بعد أن عملها (فَأَرْسَلَتْ) أي: المرأة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) تُعْلِمُه بأنَّه فرغ منها (فَأَمَرَ بِهَا) ﵊ (فَوُضِعَتْ هَهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا) أي: على الأعواد المعمولة منبرًا ليراه من قد تخفى عليه رؤيته إذا صلَّى على الأرض (وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا) جملةٌ حاليَّة، زاد في رواية سفيان عن أبي حازمٍ [خ¦٣٧٧]: «فقرأ» (ثُمَّ رَكَعَ، وَهْوَ عَلَيْهَا) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا، كذلك زاد سفيان أيضًا: «ثمَّ رفع رأسه» (ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى) أي: رجع إلى خلفه محافظةً على استقبال القبلة (فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ) أي: على الأرض إلى
стр. 2451
جنب الدَّرجة السُّفلى منه (ثُمَّ عَادَ) إلى المنبر، وفي رواية هشام بن سعدٍ عن أبي حازمٍ عند الطَّبرانيِّ: فخطب النَّاس عليه، ثمَّ أُقِيمت الصَّلاة، فكبَّر وهو على المنبر، فأفادت هذه الرِّواية تقدُّم الخطبة على الصَّلاة. (فَلَمَّا فَرَغَ) من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشَّريف (فَقَالَ) ﵊ مبيِّنًا لأصحابه رضي الله تعالى عنهم حكمة ذلك: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) بكسر اللَّام وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والعين، أي: لتتعلَّموا، فحُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا. وفيه: جوازُ العمل اليسير في الصَّلاة. وكذا الكثير إن تفرَّق، وجواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصَّلاة بالفعل، وارتفاع الإمام على المأمومين، وشروع الخطبة على المنبر لكلِّ خطيبٍ، واتِّخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسَّماع منه.
ورواةُ الحديث واحدٌ منهم بلخيٌّ وهو شيخ المؤلِّف، والاثنان بعده مدنيَّان، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
٩١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) وهو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم، الجمحيُّ بالولاء، المصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَنَسٍ) هو حفص بن عبيد الله بن أنسٍ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (قَالَ: كَانَ جِذْعٌ) بكسر الجيم وسكون المُعجَمة، واحدُ جذوعِ النَّخل (يَقُومُ إِلَيْهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت، عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقوم عليه» (النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) إذا خطب النَّاس (فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبَرُ) أي: لأجل الخطبة، وهو موضع التَّرجمة (سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ) المذكور صوتًا (مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ) بكسر العين المُهمَلة ثمَّ شينٍ
стр. 2452
مُعجَمةٍ، جمع «عُشَرَاء» بضمِّ العين وفتح الشِّين، النَّاقة الحامل الَّتي مضت لها عشرة أشهرٍ، أو الَّتي معها أولادُها (حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من المنبر (فَوَضَعَ يَدَهُ) الشَّريفة (١) (عَلَيْهِ) فسكن، وفي حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ عند النَّسائيِّ في «الكبرى»: اضطربت تلك السَّارية كحنين النَّاقة الخَلُوج، وهو (٢) بفتح الخاء المُعجَمة وضمِّ (٣) اللَّام الخفيفة آخره جيمٌ، النَّاقة الَّتي انْتُزِع منها ولدُها، والحنين: هو صوت المتألِّم المشتاق عند الفراق.
(قَالَ) ولابن عساكر: «وقال» (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ ممَّا وصله المؤلِّف (٤) في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٥] (عَنْ يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «جابر بن عبد الله».
٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) سقط «ابن أبي إياسٍ» لغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله القرشيُّ العدويُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ) هو (٥) موضع التَّرجمة (فَقَالَ) في خطبته: (مَنْ جَاءَ إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ).
стр. 2453
(٢٧) (بابُ الخُطْبَةِ) يكون الخطيب فيها (قَائِمًا).
(وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ، ممَّا وصله المؤلِّف مُطوَّلًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٣]: (بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) حال كونه (قَائِمًا). استُفيد منه القيام للخطبة المُترجَم له، و «بينا» بغير ميمٍ: ظرف زمانٍ مضافٌ إلى الجملة من مبتدأٍ وخبرٍ، وجوابها في حديث الاستسقاء المذكور.
٩٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما، ابن ميسرة (القَوَارِيرِيُّ) نسبةً لعملها أو بيعها (١)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بن سليمٍ الهجيميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بن عُمر) بضمِّ العين فيهما، وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ
стр. 2454
«ابن عمر» (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) زاد أحمد والبزَّار في روايتهما (١): يوم الجمعة، حال كونه (قَائِمًا) استدلَّ به علماء الأمصار على مشروعيَّة القيام في الخطبة، وهو من شروطها التِّسعة عند الشَّافعيَّة (٢) لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] ولهذا الحديث، وحديث مسلمٍ: أنَّ كعب بن عُجْرة دخل المسجد، وعبد الرَّحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدًا، فأنكر عليه وتلا الآية، ولمُواظَبته ﵊ على القيام، نعم تصحُّ خطبة العاجز عنه قاعدًا، ثمَّ مضطجعًا كالصَّلاة، ولفعل معاوية المحمول على العذر، بل صرَّح به في رواية ابن أبي شيبة، ولفظه: «إنَّما خطب قاعدًا لمَّا كَثُر شحم بطنه» ويجوز الاقتداء بمن خطب من غير قيام، سواءٌ قال: لا أستطيع، أم سكت لأنَّ الظَّاهر أنَّه إنَّما قعد أو اضطجع لعجزه، فإن ظهر أنَّه كان قادرًا فكإمامٍ ظَهَرَ أنَّه كان جنبًا. وقال شيخ المالكيَّة خليلٌ ﵀: وفي وجوب قيامه لهما تردُّدٌ، وقال القاضي عبد الوهَّاب منهم: إذا خطب جالسًا أساء، ولا شيء عليه، وقال القاضي عياضٌ: المذهب وجوبه من غير اشتراطٍ، وظاهر عبارة المازِرِيِّ أنَّه شرطٌ، قال: ويُشترَط القيام لها (٣). انتهى. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفيَّة حيث لم يشترطوه لها، محتجِّين بحديث سهلٍ [خ¦٤٤٨]: «مري غلامك النَّجَّار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ»، وأجابوا عن آية ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] بأنَّه إخبارٌ عن حالته
стр. 2455
الَّتي كان عليها عند انفضاضهم (١)، وبأنَّ حديث الباب لا دلالة فيه على الاشتراط، وأنَّ إنكار كعبٍ على عبد الرَّحمن إنَّما هو لتركه السُّنَّة، ولو كان شرطًا لَمَا صلَّوا معه مع تركه له (٢)، وأُجيب بأنَّه إنَّما صلَّوا (٣) خلفه مع تركه القيام الَّذي هو شرطٌ خوفَ الفتنة، أو أنَّ الَّذي قعد إن لم يكن معذورًا فقد يكون قعوده نشأ عن اجتهادٍ منه كما قالوه في إتمام عثمان الصَّلاة في السَّفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعودٍ، ثمَّ إنَّه صلَّى خلفه، فأتمَّ معه واعتذر بأنَّ الخلاف شرٌّ (ثُمَّ) كان ﵊ (يَقْعُدُ) بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ) للخطبة الثَّانية (كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ) من القيام، وكذا (٤) القعود المُترجَم له بعد بابين، الآتي ذكر حكمه إن شاء الله تعالى ثَمَّ [خ¦١١/ ٣٠ - ١٤٦٧].
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة».
(٢٨) (بابٌ: يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ) بوجهه، ويستدبر القبلة، رواه الضِّياء المقدسيُّ في «المختارة» وسقط قوله «يستقبل … » للأَصيليِّ (وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ) ليتفرَّغوا لسماع موعظته ويتدبَّروا كلامه، ولا يشتغلوا (٥) بغيره ليكون أدعى إلى انتفاعهم، ليعملوا بما أُعْلِموا، وثبت قوله: «واستقبال النَّاس … إلى قوله: إذا خطب»، وقوله: «يستقبل الإمام القوم» هو كذا في رواية كريمة، ولغيرها «بابٌ: استقبال النَّاس … » إلى آخره فقط.
(وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (¬﵃ الإِمَامَ) وصله البيهقيُّ عن