← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

جنب الدَّرجة السُّفلى منه (ثُمَّ عَادَ) إلى المنبر، وفي رواية هشام بن سعدٍ عن أبي حازمٍ عند الطَّبرانيِّ: فخطب النَّاس عليه، ثمَّ أُقِيمت الصَّلاة، فكبَّر وهو على المنبر، فأفادت هذه الرِّواية تقدُّم الخطبة على الصَّلاة. (فَلَمَّا فَرَغَ) من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشَّريف (فَقَالَ) ﵊ مبيِّنًا لأصحابه رضي الله تعالى عنهم حكمة ذلك: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) بكسر اللَّام وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والعين، أي: لتتعلَّموا، فحُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا. وفيه: جوازُ العمل اليسير في الصَّلاة. وكذا الكثير إن تفرَّق، وجواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصَّلاة بالفعل، وارتفاع الإمام على المأمومين، وشروع الخطبة على المنبر لكلِّ خطيبٍ، واتِّخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسَّماع منه. ورواةُ الحديث واحدٌ منهم بلخيٌّ وهو شيخ المؤلِّف، والاثنان بعده مدنيَّان، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ. ٩١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) وهو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم، الجمحيُّ بالولاء، المصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَنَسٍ) هو حفص بن عبيد الله بن أنسٍ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (قَالَ: كَانَ جِذْعٌ) بكسر الجيم وسكون المُعجَمة، واحدُ جذوعِ النَّخل (يَقُومُ إِلَيْهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت، عن الحَمُّويي والمُستملي: «يقوم عليه» (النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) إذا خطب النَّاس (فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبَرُ) أي: لأجل الخطبة، وهو موضع التَّرجمة (سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ) المذكور صوتًا (مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ) بكسر العين المُهمَلة ثمَّ شينٍ

стр. 2452

مُعجَمةٍ، جمع «عُشَرَاء» بضمِّ العين وفتح الشِّين، النَّاقة الحامل الَّتي مضت لها عشرة أشهرٍ، أو الَّتي معها أولادُها (حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من المنبر (فَوَضَعَ يَدَهُ) الشَّريفة (١) (عَلَيْهِ) فسكن، وفي حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ عند النَّسائيِّ في «الكبرى»: اضطربت تلك السَّارية كحنين النَّاقة الخَلُوج، وهو (٢) بفتح الخاء المُعجَمة وضمِّ (٣) اللَّام الخفيفة آخره جيمٌ، النَّاقة الَّتي انْتُزِع منها ولدُها، والحنين: هو صوت المتألِّم المشتاق عند الفراق. (قَالَ) ولابن عساكر: «وقال» (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ ممَّا وصله المؤلِّف (٤) في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٥] (عَنْ يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «جابر بن عبد الله». ٩١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) سقط «ابن أبي إياسٍ» لغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله القرشيُّ العدويُّ المدنيُّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ) هو (٥) موضع التَّرجمة (فَقَالَ) في خطبته: (مَنْ جَاءَ إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ).

стр. 2453

(٢٧) (بابُ الخُطْبَةِ) يكون الخطيب فيها (قَائِمًا). (وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ، ممَّا وصله المؤلِّف مُطوَّلًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٣]: (بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) حال كونه (قَائِمًا). استُفيد منه القيام للخطبة المُترجَم له، و «بينا» بغير ميمٍ: ظرف زمانٍ مضافٌ إلى الجملة من مبتدأٍ وخبرٍ، وجوابها في حديث الاستسقاء المذكور. ٩٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما، ابن ميسرة (القَوَارِيرِيُّ) نسبةً لعملها أو بيعها (١)، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بن سليمٍ الهجيميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بن عُمر) بضمِّ العين فيهما، وسقط لغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ

стр. 2454

«ابن عمر» (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) زاد أحمد والبزَّار في روايتهما (١): يوم الجمعة، حال كونه (قَائِمًا) استدلَّ به علماء الأمصار على مشروعيَّة القيام في الخطبة، وهو من شروطها التِّسعة عند الشَّافعيَّة (٢) لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] ولهذا الحديث، وحديث مسلمٍ: أنَّ كعب بن عُجْرة دخل المسجد، وعبد الرَّحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدًا، فأنكر عليه وتلا الآية، ولمُواظَبته ﵊ على القيام، نعم تصحُّ خطبة العاجز عنه قاعدًا، ثمَّ مضطجعًا كالصَّلاة، ولفعل معاوية المحمول على العذر، بل صرَّح به في رواية ابن أبي شيبة، ولفظه: «إنَّما خطب قاعدًا لمَّا كَثُر شحم بطنه» ويجوز الاقتداء بمن خطب من غير قيام، سواءٌ قال: لا أستطيع، أم سكت لأنَّ الظَّاهر أنَّه إنَّما قعد أو اضطجع لعجزه، فإن ظهر أنَّه كان قادرًا فكإمامٍ ظَهَرَ أنَّه كان جنبًا. وقال شيخ المالكيَّة خليلٌ ﵀: وفي وجوب قيامه لهما تردُّدٌ، وقال القاضي عبد الوهَّاب منهم: إذا خطب جالسًا أساء، ولا شيء عليه، وقال القاضي عياضٌ: المذهب وجوبه من غير اشتراطٍ، وظاهر عبارة المازِرِيِّ أنَّه شرطٌ، قال: ويُشترَط القيام لها (٣). انتهى. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحنفيَّة حيث لم يشترطوه لها، محتجِّين بحديث سهلٍ [خ¦٤٤٨]: «مري غلامك النَّجَّار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ»، وأجابوا عن آية ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] بأنَّه إخبارٌ عن حالته

стр. 2455

الَّتي كان عليها عند انفضاضهم (١)، وبأنَّ حديث الباب لا دلالة فيه على الاشتراط، وأنَّ إنكار كعبٍ على عبد الرَّحمن إنَّما هو لتركه السُّنَّة، ولو كان شرطًا لَمَا صلَّوا معه مع تركه له (٢)، وأُجيب بأنَّه إنَّما صلَّوا (٣) خلفه مع تركه القيام الَّذي هو شرطٌ خوفَ الفتنة، أو أنَّ الَّذي قعد إن لم يكن معذورًا فقد يكون قعوده نشأ عن اجتهادٍ منه كما قالوه في إتمام عثمان الصَّلاة في السَّفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعودٍ، ثمَّ إنَّه صلَّى خلفه، فأتمَّ معه واعتذر بأنَّ الخلاف شرٌّ (ثُمَّ) كان ﵊ (يَقْعُدُ) بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ) للخطبة الثَّانية (كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ) من القيام، وكذا (٤) القعود المُترجَم له بعد بابين، الآتي ذكر حكمه إن شاء الله تعالى ثَمَّ [خ¦١١/ ٣٠ - ١٤٦٧]. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة». (٢٨) (بابٌ: يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ) بوجهه، ويستدبر القبلة، رواه الضِّياء المقدسيُّ في «المختارة» وسقط قوله «يستقبل … » للأَصيليِّ (وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ) ليتفرَّغوا لسماع موعظته ويتدبَّروا كلامه، ولا يشتغلوا (٥) بغيره ليكون أدعى إلى انتفاعهم، ليعملوا بما أُعْلِموا، وثبت قوله: «واستقبال النَّاس … إلى قوله: إذا خطب»، وقوله: «يستقبل الإمام القوم» هو كذا في رواية كريمة، ولغيرها «بابٌ: استقبال النَّاس … » إلى آخره فقط. (وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (¬﵃ الإِمَامَ) وصله البيهقيُّ عن

стр. 2456

الأوَّل، وأبو نُعيمٍ في نسخته (١) بإسنادٍ صحيحٍ عن الثَّاني. ٩٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، الزَّهرانيُّ، أو الطُّفَاوِيُّ (٢) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو ابن عليِّ ابن أسامة العامريُّ المدنيُّ، وقد يُنسَب إلى جدِّه، قال: (حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ:) بالمُثنَّاة والمُهمَلة المُخفَّفة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ) أي: مستدبر (٣) القبلة (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ) أي: ينظرون إليه وهو عين الاستقبال، وهو مُستحَبٌّ عند الشَّافعيَّة كالجمهور، ومن لازمِ استقبالِ الإمام استدبارُه هو القبلة، واغتُفِر لئلا يصير مستدبر القوم الَّذين يعظهم، وهو قبيحٌ خارجٌ عن عرف المخاطبات، ولو استقبل الخطيب أو استدبر الحاضرون القبلة أجزأ -كما في الأذان- وكُرِه. وهذا الحديث طرفٌ من حديثٍ طويلٍ يأتي -إن شاء الله تعالى- بمباحثه في «الزَّكاة» في «باب الصَّدقة على اليتامى» [خ¦١٤٦٥] و «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٧] أيضًا، ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه: التَّحديث (٥) والعنعنة والسَّماع والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٥] و «الجهاد» [خ¦٢٨٤٢] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٧] كما مرَّ، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.

стр. 2457

(٢٩) (بابُ مَنْ قَالَ فِي الخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ) على الله تعالى: (أَمَّا بَعْدُ) فقد أصاب السُّنَّة، أو «من»: موصولٌ، والمراد به (١): النَّبيُّ ﷺ . (رَوَاهُ) أي: قول: «أمَّا بعد» في الخطبة (عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ممَّا وصله في آخر الباب [خ¦٩٢٧] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).

стр. 2458

٩٢٢ - (وَقَالَ مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان شيخ المؤلِّف، وكلام أبي نُعيمِ في «المُستخرَج» يشعر بأنَّه قال: حدَّثنا محمودٌ، وحينئذٍ فلم تكن (١) «قال» هنا للمذاكرة والمحاورة: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العوَّام، امرأة هشام بن عروة (عَنْ (٢) أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «الصِّدِّيق» (قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى) أختي (عَائِشَةَ) ﵂ (وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ) جملةٌ حاليَّةٌ (قُلْتُ) ولابن عساكر: «فقلت» أي: مستفهمةً: (مَا شَأْنُ النَّاسِ) قائمين فَزِعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا إِلَى) أنَّ الشَّمس في (٣) (السَّمَاءِ) انكسفت، والنَّاس يصلُّون لذلك (٤)، قالت أسماء: (فَقُلْتُ) أهذه (٥) (آيَةٌ؟) علامةٌ لعذاب النَّاس؟ كأنَّها مقدِّمةٌ له (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا، أَيْ: نَعَمْ) هي آيةٌ (قَالَتْ) أسماء: (فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الصَّلاة (جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والجيم وتشديد اللَّام، أي: علاني

стр. 2459

(الغَشْيُ) بفتح الغين (١) وسكون الشِّين المعجمتين (٢) آخره مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مُخفَّفةٌ (٣) (وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَفَتَحْتُهَا، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بالجيم وتشديد اللَّام، أي: انكشفت، والجملة حاليَّةٌ (فَخَطَبَ النَّاسَ) ﵊ (وَحَمِدَ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت وابن عساكر وأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٤): «فحمد الله» (بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) ليفصل بين الثَّناء على الله وبين الخبر الَّذي يريد إعلام النَّاس به في الخطبة، و «بعدُ»: مبنيٌّ على الضَّمِّ كسائر الظُّروف المقطوعة عن الإضافة، واختُلِف في أوَّل من قالها، فقِيلَ: داود، وإنَّها فصل الخطاب الَّذي أوتيه (٥)، أو يَعْرب بن قحطان، أو كعب بن لؤيٍّ، أو سحبان بن وائلٍ، أو قُسُّ بن ساعدة، أو يعقوب ﵊، أو غيرهم. (قَالَتْ) أسماء: (وَلَغَِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) بفتح اللَّام والغين المُعجَمة والمُهمَلة، ويجوز كسر الغين، وهو الأصوات المختلفة والجَلَبة (فَانْكَفَأْتُ) أي: مِلْتُ بوجهي ورجعت (إِلَيْهِنَّ لأُسَكِّتَهُنَّ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَالَ) ﷺ ؟ (قَالَتْ: قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ) يصحُّ أن يُرِى لأنَّ شيئًا

стр. 2460

أعمُّ العامِّ، وقع في نفيٍ، وبعض الأشياء لا تصحُّ رؤيته لأنَّه قد خُصَّ؛ إذ ما من عامٍّ إلَّا وخُصَّ إلَّا في نحو قوله: ﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتَّخصيص يكون عقليًّا وعرفيًّا، فهنا (١) خصَّصه العقل بما يصحُّ، أو الحسُّ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أو العرف بما يليق إبصارها به ممَّا يتعلَّق بأمر الدِّين والجزاء ونحو ذلك، نعم يدخل في العموم أنَّه رأى الله، و «ما» نافيةٌ، و «من» زائدةٌ لتأكيد النَّفي، و «شيء»: اسم «ما»، والتَّالي صفةٌ لـ «شيء» وهو قوله: (لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء (إِلَّا قَدْ) استثناءٌ مُفرَّغٌ، وكلُّ مُفرَّغٍ متَّصلٌ، والتَّفريغ (٢) من الحال، أي: لم أكن أُرِيته كائنًا في (٣) حالةٍ من الحالات إلَّا حال رؤيتي

стр. 2461

إيَّاه (١)، ولأبي ذَرٍّ: «إلَّا وقد» (رَأَيْتُهُ) والرُّؤية هنا يحتمل (٢) أن تكون رؤية عينٍ بأن كشف الله تعالى له عن ذلك، ولا حاجب يمنع كرؤيته المسجد الأقصى حتَّى (٣) وصفه لقريشٍ، أو رؤية علمٍ ووحيٍ بإطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا بما (٤) لم يكن يعرفه قبل ذلك (فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَِ) مرئيَّةً، أو نُصِبَ على أنَّ «حتَّى» عاطفةٌ على الضَّمير المنصوب في «رأيته»، أو جُرَّ على أنَّ «حتَّى» جارَّةٌ (وَالنَّارَِ) عُطِفَ على «الجنَّة» (وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ) بكسر همزة «إِنَّ»، وضمِّها في «أُوحِي»، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة (تُفْتَنُونَ) أي: تُمتَحَنون (فِي القُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ) بغير ألفٍ ولا تنوينٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قريبًا» بالتَّنوين (مِنْ- فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح (٥) الفوقيَّة، من «يُؤتَّى» مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، وهو بيانٌ لـ «تُفتَنون» ولذا لم يُعطَف (فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ) ﷺ ؟ والخطاب للمفتون، وأفرده بعد أن قال: «في قبوركم» بالجمع لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون لكلِّ أحدٍ، وكذا الجواب (فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوْ قَالَ: المُوقِنُ) أي: المصدِّق بنبوَّته ﵊ (شَكَّ هِشَامٌ) أي: ابن عروة (فَيَقُولُ: هُوَ (٦) رَسُولُ اللهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) أي (٧): المعجزات (وَالهُدَى) الموصل (فَآمَنَّا) به (وَأَجَبْنَا) هـ (وَاتَّبَعْنَا) هـ (وَصَدَّقْنَا) هـ (فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) نومًا (صَالِحًا) أي: منتفعًا بأعمالك (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ) «إنْ»: مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، أي: إن الشَّأن كنتَ، وهي مكسورةٌ، ودخلت اللَّام في «لَتؤمن» للفرق بينها وبين (٨) «إن» النَّافية، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر في نسخةٍ: «لمؤمنًا به» (وَأَمَّا المُنَافِقُ) المظهر خلاف ما يبطن (أَوْ قَالَ: المُرْتَابُ) وهو الشَّاكُّ (-شَكَّ هِشَامٌ- فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ

стр. 2462

بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «فقلته» بضمير النَّصب. (قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ) بنت المنذر (فَأَوْعَيْتُهُ) أي: أدخلته وعاء قلبي، ولأبي الوقت: «وعيته» بغير همزٍ على الأصل، يُقال: وعيت العلم، أي: حفظته، وأوعيت المتاع، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في «اليونينيَّة»: «وما وعيته» (غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ).

стр. 2463

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواية التَّابعيَّة عن الصَّحابيَة، والصَّحابيَّة عن الصَّحابيَّة. ٩٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وبينهما عينٌ مُهمَلةٌ ساكنةٌ، البصريُّ القيسيُّ (١)، المعروف بالبحرانيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ) بفتح الجيم وبالرَّاءين في الأوَّل، والحاء (٢) المُهمَلة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) بفتح العين (٣) وسكون الميم في الأوَّل، وبفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (٤) ثمَّ غينٍ مُعجَمةٍ ساكنةٍ فلامٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ غير مصروفٍ، العبديُّ التَّميميُّ البصريُّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ) بضمِّ الهمزة (أَوْ سَبْيٍ) بسينٍ مُهمَلةٍ مع حذف المُوحَّدة في أوَّله، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بسبيٍ» بإثباتها، ولأبي الوقت: «شيءٍ» بشينٍ مُعجَمةٍ آخره همزةٌ مع حذف المُوحَّدة، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الحَمُّويي والمُستملي: «بشيءٍ» بالمُوحَّدة والمُعجَّمة والهمزة (فَقَسَمَهُ) ﵊ (فَأَعْطَى رِجَالًا، وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ) رسول الله ﷺ (عَتَبُوا) على التَّرك (فَحَمِدَ اللهَ) النَّبيُّ ﷺ لمَّا بلغه ذلك (ثُمَّ أَثْنَى)

стр. 2464

ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «وأثنى» (عَلَيْهِ) تعالى بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد حمد الله والثَّناء عليه (فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِي) بلامٍ بعدها همزةٌ مضمومةٌ ثمَّ عينٌ ساكنةٌ ثمَّ طاءٌ مكسورةٌ، بلفظ المتكلِّم لا بلفظ المجهول من الماضي، ولابن عساكر: «إنِّي أعطي» (الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ) الآخر فلا أعطيه (وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي) عائدُ الموصول (١) محذوفٌ (وَلَكِنْ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولكني» (أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى) من نظر القلب، لا من نظر العين (فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ) بالتَّحريك، ضدَّ الصَّبر (وَالهَلَعِ) بالتَّحريك أيضًا: أفحش الفزع (وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى) النَّفسيِّ (وَالخَيْرِ) الجِبلِّيِّ، الدَّاعي إلى الصَّبر والتَّعفُّف عن المسألة والشَّره (فِيهِمْ) وفي روايةٍ: «منهم» (عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) قال عَمروٌ: (فَوَاللهِ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والباء في «بكلمة» للبدل، وتُسمَّى باءَ المقابلة، أي: ما أحبُّ أنَّ لي بدل كلمته ﵊ (حُمْرَ النَّعَمِ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (٢) وتسكين الميم، وكيف لا ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]؟! ورواة هذا (٣) الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وهو من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الخمس» [خ¦٣١٤٥] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٥٣٥] ووقع في بعض الأصول هنا زيادةٌ ساقطةٌ في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر وهي: (تَابَعَهُ يُونُسُ) أي: ابن عبيد بن دينارٍ العبديُّ البصريُّ فيما (٤) وصله أبو نُعيمٍ في «مُسنَد يونس بن عبيدٍ» له بإسناده عن الحسن عن عمرو بن تغلب.

стр. 2465

٩٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، هو ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) هو ابن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «خرج ليلةً» فأسقطا (١) لفظ «ذات» (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ) مقتدين بها (فَأَصْبَحَ النَّاسُ) أي: دخلوا في الصَّباح، فـ «أصبح» تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ لخبر (فَتَحَدَّثُوا) بذلك، ولأحمد من رواية ابن جُريجٍ عن ابن شهابٍ: «فلمَّا أصبح تحدَّثوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في المسجد من جوف اللَّيل» (فَاجْتَمَعَ) في اللَّيلة الثَّانية (أَكْثَرُ مِنْهُمْ) برفع «أكثر» فاعل «اجتمع»، وقول الكِرمانيِّ بالنَّصب، وفاعل «اجتمع» ضمير «النَّاس» (٢)، تعقَّبه البرماويُّ: بأنَّ ضمير الجمع يجب بروزه (فَصَلَّوْا مَعَهُ) ﵊ (فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا) بذلك (فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ (٣) اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) إليهم وصلَّى (فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ) مقتدين بها (٤) (فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ) فلم يأتهم (حَتَّى خَرَجَ) ﵊ (لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَتَشَهَّدَ) في صدر الخطبة (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ

стр. 2466

تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) صلاة اللَّيل (فَتَعْجِزُوا عَنْهَا) بجيمٍ مكسورةٍ مضارعٍ «عجَز» بفتحها، أي: فتتركوها مع القدرة، وليس المراد العجز الكليَّ، فإنَّه يسقط التَّكليف من أصله، وزاد ابن عساكر هنا: «قال أبو عبد الله» أي (١): البخاريُّ: (تَابَعَهُ) أي: عُقيلًا (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، فرواه (٢) عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ ممَّا وصله مسلمٌ. ٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيِّ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) كذا ساقه هنا مختصرًا، وفي «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٣٦] مُطوَّلًا، وفيه قصَّة ابن اللُّتْبِيَّة لمَّا استعمله ﵊ على الصَّدقة، فقال: هذا لي، وهذا لكم، فقام ﵊ على المنبر، فقال: «أمَّا بعد … » إلى آخره، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخراج». (تَابَعَهُ) أي: الزُّهريَّ (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالخاء والزَّاي المعجمتين (٣)، الضَّرير الكوفيُّ ممَّا وصله مسلمٌ في «المغازي» (وَأَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة ممَّا وصله مسلمٌ أيضًا، والمؤلِّف أيضًا باختصارٍ في «الزَّكاة» [خ¦١٥٠٠] (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ أَبِي

стр. 2467

حُمَيْدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «السَّاعديِّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ). (تَابَعَهُ العَدَنِيُّ) محمَّد بن يحيى (عَنْ سُفْيَانَ) بن عيينة (فِي) قوله: (أَمَّا بَعْدُ) فقط، لا في تمام الحديث، وسقط «في (١) أمَّا بعد» عند أبي ذَرٍّ والأصيليِّ. ٩٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، ولأبي ذَرٍّ: «ابن الحسين» أي: ابن عليِّ بن أبي طالبٍ، المُلقَّب بزين العابدين، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم ثمَّ مُهمَلةٍ في الأوَّل وفتحها، ثمَّ مُعجَمةٍ ساكنةٍ فراءٍ مفتوحةٍ في الثَّاني (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ) هو طرفٌ من حديث المِسْوَر في قصَّة خطبة عليِّ بن أبي طالبٍ بنت أبي جهلٍ الآتي إن شاء الله تعالى في «المناقب» [خ¦٣٧٢٩] مع مباحثه. (تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي مُصغَّرًا، محمَّد بن الوليد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ) فيما وصله الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين». ٩٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف نونٌ،

стр. 2468

الورَّاق الأزديُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ (١) الغَسِيلِ) بفتح المُعجَمة، عبد الرَّحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، لمَّا استُشهِد بأُحُدٍ جنبًا (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ المِنْبَرَ، وَكَانَ) ذلك (آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطِّفًا) مرتديًا (مِلْحَفَةً) بكسر الميم وسكون اللَّام وفتح الحاء، إزارًا كبيرًا (عَلَى مَنْكِبَيْهِ) بفتح الميم وكسر الكاف مع التَّثنية، وللأَصيليِّ وأبوي ذَرٍّ والوقت: «منكبه» بالإفراد (قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ) بتخفيف الصَّاد، أي: ربطها (بِعِصَابَةٍ) أي: بعمامةٍ (دَسِمَةٍ) بفتح أوَّله وكسر السِّين المُهمَلة، سوداء، أو كلون الدَّسَم كالزَّيت، من غير أن يخالطها دسمٌ، أو متغيِّرة اللَّون من الطِّيب والغالية (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ) تقرَّبوا (إِلَيَّ. فَثَابُوا) بالمُثلَّثة بعد الفاء ومُوحَّدةٍ (٣) بعد الألف، أي: اجتمعوا (إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ) الَّذين نصروه ﵊ من أهل المدينة (يَقِلُّونَ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه (وَيَكْثُرُ النَّاسُ) هو من إخباره ﵊ بالمُغيَّبات، فإنَّ الأنصار قلُّوا، وكَثُرَ النَّاس كما قال (فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ) أي: في الَّذي وليه (أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) الحسنة (وَيَتَجَاوَزْ) بالجزم عطفًا على السَّابق، أي: يَعْفُ (عَنْ مُسِيِّهِمْ) أي (٤): السَّيِّئة، أي: في غير الحدود، و «مسيئهم» بالهمز (٥)، وقد تُبدَل ياءً مُشدَّدةً. وشيخ المؤلِّف من أفراده وهو كوفيٌّ، وبقيَّة الرُّواة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «علامات النُّبَّوة» [خ¦٣٦٢٨] و «فضائل الأنصار» [خ¦٣٨٠٠].

стр. 2469

(٣٠) (بابُ) حكمِ (القَعْدَةِ) الكائنة (بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ). ٩٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) الرَّقاشيُّ البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما، وسقط في غير رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «بن عمر» (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وسقط لغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر «بن عمر» ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا) استدلَّ به الشَّافعيَّة على وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﵊ على ذلك، مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١] وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ ذلك يتوقَّف على ثبوت أنَّ إقامة الخطبتين داخلةٌ تحت كيفيَّة الصَّلاة، وإلَّا فهو استدلالٌ بمُجرَّد الفعل. انتهى. فهو أصلٌ لا يتناول الخطبة لأنَّها ليست بصلاةٍ حقيقةً، وعُورِض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه بأنَّه ﵊ قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلًا على شرطيَّة الجلسة بينهما فلتكن دليلًا على شرطيَّة الجلسة الأولى، وأُجيب بأنَّ كلَّ الرِّوايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله بن عمر المُضعَّف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف الَّتي بين الخطبتين، ولم يشترط الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة هذه القعدة، إنَّما قالوا بسنِّيَّتها للفصل بين الخطبتين، نعم نقل الحافظ العراقيُّ في «شرح التِّرمذيِّ» اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد، وقال المازريُّ من المالكيَّة: يُشترَط القيام لهما والجلوس بينهما، وقال

стр. 2470

القاضي أبو بكرٍ: القيام والجلوس واجبان، وهو يردُّ على الطَّحاويِّ حيث زعم أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بالاشتراط، لكنَّ الَّذي شَهَّره الشَّيخ خليلٌ: السُّنِّيَّة، وكذا مشهِّر (١) مذهب الحنابلة علاء الدِّين المَرْداويُّ في «تنقيح المقنع»، والله أعلم، ويُستحَبُّ أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الإخلاص تقريبًا لاتِّباع السَّلف والخلف، وأن يقرأ فيه شيئًا من كتاب الله للاتِّباع، رواه ابن حبَّان. (٣١) (بابُ الاِسْتِمَاعِ) أي: الإصغاء (إِلَى الخُطْبَةِ) يوم الجمعة. ٩٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان الجهنيِّ مولاهم (الأَغَرِّ) لقبًا، الأصبهانيِّ أصلًا، المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ) قال في «المصَّابيح»: نُصِب

стр. 2471

على الحال، وجاءت معرفةً، وهو قليلٌ (وَمَثَلُ المُهَجِّرِ) بضمِّ الميم وتشديد الجيم المكسورة، أي: وَصِفَةُ المبكِّر، أو المراد الَّذي يأتي في الهاجرة، فيكون دليلًا للمالكية، وسبق البحث فيه (كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: يقرِّب، وللأَصيليِّ: «كالَّذي يهدي» (بَدَنَةً) من الإبل، خبرٌ عن قوله: «مَثَلُ المهجِّر»، والكاف لتشبيه صفةٍ بصفةٍ أخرى (ثُمَّ) الثَّاني (كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ) الثَّالث كالَّذي يُهدي (كَبْشًا، ثُمَّ) الرَّابع كالَّذي يُهدي (دَجَاجَةً، ثُمَّ) الخامس كالَّذي يُهدي (بَيْضَةً) إنَّما قدَّرنا بالثَّاني (١) لأنَّه -كما (٢) قال في «المصابيح»: - لا يصحُّ العطف على الخبر لئلَّا يقعا معًا خبرًا عن واحدٍ، وهو مستحيلٌ، وحينئذٍ فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ مُقدَّرٍ بما مرَّ، وكذا قوله: «ثمَّ كبشًا» لا يكون معطوفًا على «بقرة» لأنَّ المعنى يأباه، بل هو معمول فعلٍ محذوفٍ أيضًا دلَّ عليه المتقدِّم، والتَّقدير (٣) -كما مرَّ- ثمَّ الثَّالث كالَّذي يُهدي كبشًا، وكذا ما بعده (فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا) أي: الملائكة (صُحُفَهُمْ) الَّتي كتبوا فيها درجات السَّابقين على من يليهم في الفضيلة (وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: الخطبة، وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال؛ اعتناءً بهذه المرتبة، وحملًا على الاقتداء بالملائكة، وهذا موضع الاستشهاد على التَّرجمة، قال التَّيميُّ: في استماع الملائكة حضٌّ على استماعها والإنصات إليها، وقد ذكر كثيرٌ من المفسِّرين أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ورد (٤) في الخطبة، وسُمِّيت قرآنًا لاشتمالها عليه، والإنصات: السُّكوت، والاستماع: شغل السَّمع بالسَّماع (٥)، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. واختلف العلماء في هذه المسألة، فعند الشَّافعيَّة يُكرَه الكلام حال الخطبة من ابتدائها لظاهر الآية، وحديثِ مسلم عن أبي هريرة: «إذا قلت

стр. 2472

لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغوت»، ولا يحرم للأحاديث الدَّالَّة على ذلك كحديث أنسٍ المرويِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٩٣٣]: «بينما النَّبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه ودعا» وحديث أنسٍ أيضًا المرويِّ بسندٍ صحيحٍ عند البيهقيِّ: أنَّ رجلًا دخل والنَّبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: متى السَّاعة؟ فأومأ النَّاس إليه بالسُّكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النَّبيُّ (١) ﷺ في الثَّالثة: «ما أعددت لها؟» قال: حبُّ الله وحبُّ (٢) رسوله، قال: «إنك مع مَن أحببت»، وجه الدَّلالة منه أنَّه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبيِّن له وجه السُّكوت، والأمر في الآية للنَّدب، ومعنى «لغوت»: تركت الأدب جمعًا بين الأدلَّة، وقال أبو حنيفة: وخروج الإمام قاطعٌ للصَّلاة والكلام، وأجازه صاحباه إلى كلام (٣) الإمام، له قوله ﵊: «إذا خرج الإمام لا صلاة ولا كلام»، ولهما قوله ﵊: «خروج الإمام يقطع الصَّلاة، وكلامه يقطع الكلام»، وقال

стр. 2473

المالكيَّة والحنابلة أيضًا بالمنع لحديث: «إذا قلت لصاحبك: أنصت … »، وأجابوا عن حديث أنسٍ السَّابق وما في معناه بأنَّه غير محلِّ النِّزاع لأنَّ محلَّ النِّزاع الإنصاتُ والإمام يخطب، وأمَّا سؤال الإمام وجوابه فهو قاطعٌ لكلامه، فيخرج عن ذلك، وقد بنى بعضهم القولين على الخلاف (١) في أنَّ الخطبتين بدلٌ عن الرَّكعتين، وبه صرَّح الحنابلة، وعَزَوْه لنصِّ إمامهم، أو هي صلاةٌ على حيالها لقول عمر ﵁: «الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ، على لسان نبيِّكم ﷺ ، وقد خاب من افترى» رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديثٌ حسنٌ، كما قاله في «المجموع»، فعلى الأوَّل يحرم لا على الثَّاني، ومن ثمَّ أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام ولو كان به صممٌ، أو بعدٌ عن الإمام بحيث لا يسمع، قال المالكيَّة: يحرم عليه أيضًا لعموم وجوب الإنصات، ولِما رُوِي عن عثمان ﵁: «من كان قريبًا استمع وأنصت، ومن كان بعيدًا أنصت»، وقال الحنفيَّة: الأحوط السُّكوت، وأمَّا الكلام قبل الخطبة وبعدها، وفي (٢) جلوسه بينهما، وللدَّاخل في أثنائها ما لم يجلس فعند الشَّافعيَّة والحنابلة وأبي يوسف: يجوز من غير كراهةٍ، وقال المالكيَّة: يحرم في جلوسه بينهما، لا في جلوسه قبل الشُّروع فيها. ولو سلَّم داخلٌ على مستمع الخطبة وجب الرَّدُّ عليه؛ بناءً (٣) على أنَّ الإنصات سُنَّةٌ كما سبق، وصرَّح في «المجموع» وغيره مع ذلك بكراهة السَّلام، ونقلها عن النَّصِّ وغيره، لكن إذا قلنا: لا يُشرَع السَّلام، فكيف يجب الرَّدُّ؟ وفي «المُدوَّنة»: لا يسلِّم الدَّاخل، وإن سَلَّم فلا يردُّ عليه؛ لأنَّه سكوتٌ واجبٌ، فلا يُقطَع بسلامٍ ولا ردِّه كالسُّكوت في الصَّلاة، وكذا قاله (٤) الحنفيَّة. (٣٢) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلًا جَاءَ) في محلِّ نصبٍ صفةً لـ «رجلًا» (وَهْوَ يَخْطُبُ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، وجواب «إذا» (أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّي) أي: بأن يصلِّي، و «أنْ» مصدريَّةٌ، أي: أمره بصلاة (رَكْعَتَيْنِ).

стр. 2474

٩٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ، وسقط في رواية ابن عساكر «بن عبد الله» (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) هو سُلَيْكٌ، بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وبالكاف (١)، الغَطَفَانِيُّ، بفتحاتٍ (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ) سقط لفظ «النَّاس» عند أبي ذَرٍّ، وثبت عنده لأبي الهيثم في نسخةٍ، وزاد مسلمٌ عن اللَّيث عن أبي الزُّبير عن جابرٍ: «فقعد سُلَيْكٌ قبل أن يصلِّيَ» (فَقَالَ) له ﵊: (أَصَلَّيْتَ) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر «فقال: صلَّيت» (يَا فُلَانُ؟ قَالَ) ولأبي ذَرٍّ «فقال»: (لَا، قَالَ): (قُمْ فَارْكَعْ) زاد المُستملي والأَصيليُّ «ركعتين» وزاد في رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابرٍ عند مسلمٍ: «وتَجَوَّزْ فيهما»، ثمَّ قال: «إذا جاء أحدُكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما»، واستدلَّ به الشَّافعيَّة والحنابلة على أنَّ الدَّاخل للمسجد والخطيب يخطب على المنبر يُندَب (٢) له صلاة تحيَّة المسجد، لا في آخر الخطبة، ويخفِّفها وجوبًا ليسمع الخطبة، قال الزَّركشيُّ: والمراد بالتَّخفيف -فيما ذكر- الاقتصار على الواجبات لا الإسراع، قال: ويدلُّ له ما ذكروه من أنَّه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات. انتهى. ومنع منهما (٣) المالكيَّة

стр. 2475

والحنفيَّة لحديث ابن ماجه: أنَّه ﵊ قال للذي دخل المسجد يتخطَّى رقاب النَّاس: «اجلس فقد آذيت» وأجابوا عن قصَّة سُلَيْكٍ بأنَّها واقعةُ عينٍ لا عموم لها، فتختصُّ بسُلَيْكٍ، ويؤيِّد ذلك حديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «السُّنن»: أنَّه ﵊ قال له: «صلِّ ركعتين» وحضَّ على الصَّدقة … الحديثَ، فأمره أن يصلِّي ليراه بعض النَّاس وهو قائمٌ فيتصدَّق عليه، ولأحمد: «إنَّ هذا الرَّجل دخل المسجد في هيئةٍ بزَّةٍ، فأمرته أن يصلِّي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجلٌ فيتصدَّق عليه»، وبأنَّ تحيَّة المسجد تفوت بالجلوس، وأُجيب بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، والتَّعليل بقصد التَّصدُّق عليه لا يمنع القول بجواز التَّحيَّة، وقد ورد ما يدلُّ لعدم الانحصار في قصد التَّصدُّق، وهو أنَّه ﵊ أمره بالصَّلاة في الجمعة الثَّانية، بعد أن حصل له (١) في الأولى ثوبين، فدخل في الثَّانية، فتصدَّق بأحدهما، فنهاه ﵊ عن ذلك، بل عند أحمد وابن حبَّان: أنَّه كرَّر أمره بالصَّلاة ثلاث جمعٍ، وبأنَّ التَّحيَّة لا تفوت بالجلوس في حقِّ الجاهل أو النَّاسي، فحالُ هذا الرَّجل (٢) الدَّاخل محمولةٌ في الأولى على أحدهما، وفي الأخرى على النِّسيان، وبأنَّ قوله للذي يتخطَّى رقاب النَّاس: «اجلس» أي (٣): لا تتخطَّ، أو

стр. 2476

ترك أمره بالتَّحيِّة لبيان الجواز، فإنَّها ليست واجبةً، أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التَّحيَّة، أو كان قد صلَّى التَّحيَّة في مُؤخَّر (١) المسجد، ثمَّ تقدَّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التَّخطِّي، فأنكر عليه. (٣٣) (بابُ مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملةٌ حاليَّةٌ، و «مَنْ»: في موضع رفعٍ مبتدأٌ، وخبره قوله: (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ). ٩٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ أنَّه (٢) (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ) له: (أَصَلَّيْتَ؟) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقال: صلَّيت؟» (قَالَ: لَا، قَالَ: فَصَلِّ) ولأبي ذَرٍّ: «قم فصلِّ» (رَكْعَتَيْنِ). مطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، لكن ليس فيه التَّقييد بكونهما خفيفتين، نعم جرى البخاريُّ على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث، فقد أخرجه في «السُّنن» من طريق أبي قرَّة (٣) عن

стр. 2477

الثَّوريِّ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابرٍ بلفظ: «قم فاركع ركعتين خفيفتين»، وعند مسلمٍ: «فتجوَّزْ فيهما»، كما مرَّ. تنبيهٌ: لو جاء في آخر الخطبة فلا يصلِّي لئلَّا يفوته أوَّل الجمعة مع الإمام، قال في «المجموع»: وهذا محمولٌ على تفصيلٍ ذكره المحقِّقون من أنَّه إن غلب على ظنِّه أنَّه إن صلَّاها فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصلِّ التَّحيَّة، بل يقف حتَّى تُقام الصَّلاة، ولا يقعد لئلَّا يكون جالسًا في المسجد قبل التَّحيَّة، قال (١) ابن الرِّفْعَة: ولو صلَّاها في هذه الحالة استُحِبَّ للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يُكْمِلُها، فإن لم يفعل الإمام ذلك، قال في «الأمِّ»: كرهته له، فإن صلَّاها وقد أُقيِمت الصَّلاة كَرِهْتُ ذلك له. انتهى. (٣٤) (بابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الخُطْبَةِ). ٩٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن صهيبٍ» (عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ، عُطِف على الإسناد المذكور، أي: وحدَّثنا مُسدَّدٌ أيضًا عن حمَّاد بن زيدٍ عن يونس، وقد أخرجه أبو داود عن مُسدَّدٍ أيضًا بالإسنادين معًا (عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ «يوم جمعةٍ» (إِذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الكُرَاعُ) بضمِّ الكاف، اسمٌ لِمَا يُجمَع من الخيل (وَهَلَكَ الشَّاءُ)

стр. 2478

بالواو في أوَّله، أي: الغنم، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر «هلك الشَّاء» (فَادْعُ اللهَ) لنا (أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ) ﵊ (يَدَيْهِ) بالتَّثنية، ولأبي ذَرٍّ «فمدَّ يده» (وَدَعَا) وفي الحديث الَّذي بعده [خ¦٩٣٣]: «فرفع يديه» وهو موافقٌ للتَّرجمة، والظَّاهر أنَّه أراد أن يبيِّن أنَّ المراد بالرَّفع هنا المدُّ، لا (١) كالرَّفع الَّذي في الصَّلاة. (٣٥) (بابُ الاِسْتِسْقَاءِ) وهو طلب السُّقْيَا، بضمِّ السِّين، أي: المطر (فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ). ٩٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر الحزاميُّ -بالزَّاي- الأسديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) الوَلِيدُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ «الوليد بن مسلمٍ» أي: القرشيُّ الدِّمشقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، عبد الرَّحمن، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أبو عمرٍو الأوزاعيُّ» نسبةً إلى الأوزاع، قبائلُ شتَّى، أو بطنٌ من ذي الكلاع من اليمن، أو الأوزاع قريةٌ بدمشق (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) بفتح السِّين المُهمَلة، أي: شدَّةٌ وجهدٌ من

стр. 2479

الجُدُوبة (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) أي: زمنه، ولابن عساكر: «على عهد رسول الله» (¬ ﷺ ، فَبَيْنَا (١) النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ) من سكَّان البادية، لا يُعرَف اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ) الحيوانات لفقد ما ترعاه (وَجَاعَ العِيَالُ) لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر (فَادْعُ اللهَ لَنَا) أن يسقينا (فَرَفَعَ) ﵊ (يَدَيْهِ -وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً-) بالقاف والزَّاي والعين المُهمَلة المفتوحات، قطعةٌ من سحابٍ، أو رقيقه الَّذي إذا مرَّ تحت السَّحب الكثيرة كان كأنَّه ظلٌّ. قال أنسٌ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا) أي: يده، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما وضعهما» أي: يديه (حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ) بالمُثلَّثة، أي: هاج وانتشر (أَمْثَالَ الجِبَالِ) لكثرته (٢) (ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ) ينحدر، أي: ينزل ويقطر (عَلَى لِحْيَتِهِ) الشَّريفة (¬ ﷺ . فَمُطِرْنَا) بضمِّ الميم وكسر الطَّاء، أي: حصل لنا المطر (يَوْمَنَا) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: في يومنا (ذَلِكَ، وَمِنَ الغَدِ) حرف الجرِّ، إمَّا بمعنى «في»، أو للتَّبعيض (وَبَعْدَ الغَدِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ومن بعد الغد» (وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى) بالجرِّ في الفرع وأصله على أنَّ «حتَّى» جارَّةٌ، ويجوز النَّصب عطفًا على سابقه المنصوب، والرَّفع على أنَّ مدخولَها مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ (وَقَامَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فقام» (ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَوْ قَالَ): قام (غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ) ﵊ (يديه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فرفع يديه: اللَّهُمَّ» (حَوَالَيْنَا) بفتح اللَّام، أي: أَنْزِلْ أو أمطرْ حوالينا (وَلَا) تنزله (٣) (عَلَيْنَا) أراد به الأبنية (فَمَا يُشِيرُ) ﵊ (بِيَدِهِ) الشَّريفة (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ) إلَّا انكشفت، أو تدوَّرت كما يدور جيب القميص (وَصَارَتِ

стр. 2480

المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ) بفتح الجيم وسكون الواو وفتح المُوحَّدة، الفرجة المستديرة في السَّحاب، أي: خرجنا والغيم والسَّحاب محيطان بأكناف المدينة (وَسَالَ الوَادِي قَنَاةُ) بقافٍ مفتوحةٍ فنونٍ مُخفَّفةٍ فألفٍ فهاءِ تأنيثٍ، مرفوعٌ على البدل من «الوادي»، غير منصرفٍ للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو اسمٌ لوادٍ مُعيَّنٍ من أودية المدينة، أي: جرى فيه المطر (شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالجَوْدِ) بفتح الجيم، أي: بالمطر الغزير. ورواة الحديث ما بين مدنيٍّ ودمشقيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٣] و «الاستئذان» [خ¦٦٠٩٣]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». (٣٦) (بابُ الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، وَإِذَا قَالَ) الرَّجل (لِصَاحِبِهِ) إذا سمعه يتكلَّم: (أَنْصِتْ) أمرٌ، من أنصت ينصت إنصاتًا، أي: اسكت (فَقَدْ لَغَا) قالَ اللَّغوَ وهو (١) الكلام الَّذي لا أصل له من الأباطيل، أو غير ذلك ممَّا سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: «إذا قال … » إلى آخره، من بقيَّة التَّرجمة، وهو لفظ حديث الباب في بعض طرقه عند النَّسائيِّ. (وَقَالَ سَلْمَانُ) ممَّا وصله مُطوَّلًا في «باب الدُّهن للجمعة» [خ¦٨٨٣] فيما سبق: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يُنْصِتُ) بضمِّ أوَّله على الأفصح، مضارع «أنصت»، وللأَصيليِّ: «وينصت» بالواو، أي: يسكت (إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ).

стр. 2481

٩٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، وهو ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ) الَّذي تخاطبه إذ ذاك، أو جليسك (يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملةٌ حاليَّةٌ مشعرةٌ بأنَّ ابتداء الإنصات من الشُّروع في الخطبة خلافًا لمن قال بخروج الإمام، كما مرَّ، نعم الأحسن الإنصات كما مرَّ (١) (فَقَدْ لَغَوْتَ) أي: تركت الأدب جمعًا بين الأدلَّة، أو صارت جمعتك ظهرًا لحديث عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ومن تخطَّى رقاب النَّاس كانت له ظهرًا» رواه أبو داود وابن خزيمة، ولأحمد من حديث عليٍّ مرفوعًا: «ومن قال: صه، فقد تكلَّم ومن تكلَّم فلا جمعة له» والنَّفي للكمال، وإلَّا فالإجماع على سقوط فرض الوقت عنه، وزاد أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر حديث الباب بعد قوله: «فقد (٢) لغوت»: «عليك بنفسك»، واستدلَّ به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور، نعم لغير السَّامع عند الشَّافعيَّة أن يشتغل بالتِّلاوة والذِّكر، وكلام المجموع يقتضي أنَّ الاشتغال بهما (٣) أَوْلى، وهو ظاهرٌ (٤) خلافًا لمن منع كما مرَّ، ولو عرض مُهِمٌّ ناجزٌ كتعليم خيرٍ، ونهيٍ عن مُنكَرٍ، وتحذير إنسان عقربًا، أو أعمى بئرًا لم يمنع من الكلام، بل قد يجب عليه، لكن يُستحَبُّ أن يقتصر على الإشارة إن (٥) أغنت،

стр. 2482

نعم منع المالكيَّة نهي اللَّاغي بالكلام، أو رميه بالحصى، أو الإشارة إليه بما يفهم النَّهي حسمًا للمادَّة، وقد استُثنِي من الإنصات ما إذا انتهى الخطيب إلى كلِّ (١) ما لم يُشرَع في الخطبة كالدُّعاء للسُّلطان مثلًا. وبقيَّة مباحث ذلك سبقت قريبًا في «باب الاستماع إلى الخطبة» [خ¦٩٢٩]. (٣٧) (بابُ السَّاعَةِ الَّتِي) يُستجاب (٢) فيها الدُّعاء (فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ). ٩٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ) أبهمها هنا كليلة القدر، والاسم الأعظم، والرَّجل الصَّالح، حتَّى تتوفَّر الدَّواعي على مراقبة ذلك اليوم، وقد رُوِي: «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، أَلَا فتعرَّضوا لها» ويوم الجمعة من جملة تلك الأيَّام، فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرِّضًا لها بإحضار القلب، وملازمة الذِّكر والدُّعاء، والنُّزوع (٣) عن وساوس الدُّنيا، فعساه يحظى بشيءٍ من تلك النَّفحات، وهل هذه السَّاعة باقيةٌ أو رُفِعَت؟ وإذا قلنا

стр. 2483

بأنَّها باقيةٌ -وهو الصَّحيح- فهل هي في جمعةٍ واحدةٍ من السَّنة؟ أو في كلِّ جمعةٍ منها؟ قال بالأوَّل كعب الأحبار لأبي هريرة، وردَّه عليه، فرجع لمَّا راجع التَّوراة إليه، والجمهور على وجودها في كلِّ جمعةٍ، ووقع تعيينها في أحاديثَ كثيرةٍ: أرجحُها حديثُ مخرمة بن بُكَيْرٍ عن أبيه عن أبي بُردة بن (١) أبي موسى عن أبيه مرفوعًا: «أنَّها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضَى الصَّلاة» رواه مسلمٌ وأبو داود، وقولُ عبد الله بن سَلَامٍ المرويُّ عند مالكٍ وأبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن خزيمة (٢) وابن حبَّان من حديث أبي هريرة: أنَّه قال لعبد الله بن سَلَامٍ: أخبِرْني ولا تَضِنَّ عليَّ، فقال عبد الله بن سَلَامٍ: هي آخر ساعةٍ في (٣) يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكون (٤) آخرُ ساعةٍ في (٥) يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي … » وتلك السَّاعة لا يُصلَّى (٦) فيها؟ فقال عبد الله بن سَلَامٍ: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من جلس مجلسًا ينتظر الصَّلاة فهو في صلاةٍ حتَّى يصلِّي … » الحديثَ؟ واختُلِف أيّ الحديثين أرجح؟ فرجَّح مسلمٌ- فيما ذكره البيهقيُّ- حديث أبي

стр. 2484

موسى، وبه قال جماعةٌ منهم: ابنُ العربيِّ والقرطبيُّ، وقال هو نصٌّ في موضع الخلاف، فلا يُلتفَت إلى غيره، وجزم في «الرَّوضة» بأنَّه الصَّواب، ورجَّحه بعضهم أيضًا (١) بكونه مرفوعًا صريحًا، وبأنَّه في أحد «الصَّحيحين»، وتُعقِّب بأنَّ التَّرجيح بما فيهما أو في أحدهما، إنَّما هو حيث لم يكن ممَّا انتقده الحفَّاظ، وهذا قد انتُقِد لأنَّه أُعِلَّ بالانقطاع والاضطراب لأنَّ مَخْرَمَةَ بن بُكَيْرٍ لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حمَّاد بن خالدٍ عن مخرمة نفسه، وقد رواه أبو إسحاق وواصلٌ الأحدب ومعاوية بن قرَّة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من الكوفة، وأبو بردة منها أيضًا، فهو أعلم بحديثه من بُكَيْرٍ المدنيِّ، وهم عددٌ، وهو واحدٌ، ورجَّح آخرون -كأحمد وإسحاق- قول ابن سَلَامٍ، واختاره ابن الزَّملكانيِّ، وحكاه عن نصِّ الشَّافعيِّ ميلًا إلى أنَّ هذه رحمةٌ من الله تعالى للقائمين بحقِّ هذا اليوم، فأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل، وقِيلَ في تعيينها غيرُ ذلك، ممَّا يبلغ نحو الأربعين، أضربتُ عنها خوف الإطالة، لا سيَّما وليست كلُّها متغايرةً، بل كثيرٌ منها يمكن اتِّحاده مع غيره، وما عدا القولين المذكورين موافقٌ لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوفٌ، استند قائله إلى اجتهادٍ دون توقيفٍ، وحقيقة السَّاعة المذكورة: جزءٌ من الزَّمان مخصوصٌ، وتُطلَق على جزءٍ من اثني عشر من مجموع النَّهار، أو على جزءٍ مّا غيرِ مُقدَّرٍ من الزَّمان فلا يتحقَّق، أو على الوقت الحاضر، ووقع في حديث جابرٍ المرويِّ عند أبي داود وغيره مرفوعًا بإسنادٍ حسنٍ ما يدلُّ للأوَّل، ولفظه: «يوم الجمعة ثِنْتا عشْرة ساعةً، فيها (٢) ساعة … » إلى آخره. (لَا يُوَافِقُهَا) أي: لا يصادفها (عَبْدٌ مُسْلِمٌ) قصدها أو اتَّفق له وقوع الدُّعاء فيها (وَهْوَ قَائِمٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (يُصَلِّي) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، والجملة الأولى خرجت مخرج الغالب لأنَّ الغالب في المصلِّي أن يكون قائمًا، فلا يُعمَل بمفهومها، وهو أنَّه (٣) إن لم يكن قائمًا لا يكون له هذا الحكم، أو المرادُ بالصَّلاة انتظارُها، أو الدُّعاء، وبالقيام: الملازمة والمواظبة، لا حقيقة القيام لأنَّ منتظر الصَّلاة في حكم

стр. 2485

الصَّلاة، كما مرَّ من قول عبد الله بن سَلَامٍ لأبي هريرة جمعًا بينه وبين قوله: إنَّها من العصر إلى الغروب، ومن ثمَّ سقط عند أبي مصعبٍ وابن أبي أويسٍ ومطرِّفٍ والتِّنِّيسيِّ وقتيبة قوله: «قائمٌ يصليِّ» (يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى) فيها (شَيْئًا) ممَّا يليق أن يدعوَ به المسلم، ويسأل فيه ربَّه تعالى، ولـ «مسلمٍ» من رواية محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة كالمصنِّف في «الطَّلاق (١)» [خ¦٥٢٩٤] من رواية ابن علقمة عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة «يسأل الله خيرًا»، ولابن ماجه من حديث أبي أمامة: «ما لم يسأل حرامًا»، ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: «ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحمٍ»، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به. (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ) في رواية أبي مصعبٍ عن مالكٍ: وأشار رسول الله ﷺ (بِيَدِهِ) الشَّريفة (٢)، حال كونه (يُقَلِّلُهَا) من التَّقليل خلاف التَّكثير، وللمصنِّف من رواية سلمة بن علقمة المذكورة [خ¦٥٢٩٤]: «ووضع أُنْمُلَتَه على بطن الوسطى، والخنصر، قلنا: يزهِّدها». وبيَّن أبو مسلمٍ الكَجِّيُّ (٣): أنَّ الَّذي وضع هو بِشْر بن المُفضَّل، راويه عن (٤) سلمة بن علقمة، وكأنَّه فسَّر الإشارة بذلك، وأنَّها ساعةٌ لطيفةٌ، تنتقل (٥) ما بين وسط النَّهار إلى قرب آخره، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله: يزهِّدها، أي: يقلِّلها، ولـ «مسلمٍ»: «وهي ساعةٌ خفيفةٌ». فإن قلت: قد سبق حديث: «يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعةً، فيه ساعةٌ … » إلى آخره، ومقتضاه أنَّها غير خفيفةٍ، أُجيب بأنَّه ليس المراد أنَّها مستغرقةٌ للوقت المذكور، بل المراد أنَّها لا تخرج عنه لأنَّها لحظةٌ خفيفةٌ، كما مرَّ، وفائدة ذكر الوقت أنَّها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنَّتها ابتداء

стр. 2486

الخطبة مثلًا، وانتهاؤها انتهاء الصَّلاة (١)، واستُشكِل حصول الإجابة لكلِّ داعٍ بشرطه، مع اختلاف الزَّمان باختلاف البلاد والمصلِّي، فيتقدَّم بعضٌ على بعضٍ، وساعة الإجابة متعلِّقة بالوقت، فكيف يتَّفق مع الاختلاف؟ وأُجيب باحتمال أن تكون (٢) ساعة الإجابة متعلِّقةٌ بفعل كلِّ مصلٍّ، كما قِيلَ نظيرُه في ساعة الكراهة، ولعلَّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدِّ مظنَّةً لها وإن كانت هي خفيفةً (٣)، قاله في «فتح الباري». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الجمعة». (٣٨) (بَابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ) أي: خرجوا عن مجلسه، وذهبوا (فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الإِمَامِ وَ) صلاة (مَنْ بَقِي) معه (جَائِزَةٌ) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو «فصلاة الإمام» وللأَصيليِّ: «تامَّةٌ» وظاهر التَّرجمة أنَّه (٤) لا يُشترَط استدامة من تنعقد بهم الجمعة من ابتدائها إلى انتهائها، بل يُشترَط بقاء بقيَّة مّا منهم، ولم يذكر المؤلِّف ﵀ حديثًا يستدلُّ به على عدد من تنعقد بهم (٥) الجمعة لأنَّه لم يجد فيه (٦) شيئًا على شرطه، ومذهبُ الشَّافعيَّة والحنابلة اشتراطُ أربعين، منهم الإمام، وأن يكونوا مسلمين أحرارًا مستوطنين ببلد الجمعة، لا يظعنون شتاءً ولا صيفًا إلَّا لحاجةٍ لحديث كعب بن مالكٍ قال: أوَّل من جَمَّعَ بنا في المدينة أسعد بن زُرَارة قبل مقدمه ﵊ المدينة، في نقيع (٧) الخَضِمَات، وكنَّا أربعين رجلًا (٨). رواه البيهقيُّ وغيرُه،

стр. 2487

وصحَّحوه، وروى البيهقيُّ أيضًا: أنَّه (١) ﷺ جَمَّعَ بالمدينة، وكانوا أربعين رجلًا، وعُورِض بأنَّه لا يدلُّ على شرطيَّته، وأُجيب بما قاله في «المجموع» وهو أنَّ (٢) الأصحاب قالوا: وجه الدَّلالة منه -أي: من حديث كعبٍ- أنَّ الأمَّة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظُّهر، فلا تصحُّ الجمعة إلَّا بعددٍ ثبت فيه توقيفٌ، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [خ¦٦٣١]، ولم تثبت صلاته لها بأقلَّ من ذلك، فلا تجوز بأقلَّ منه، وقال المالكيَّة: اثني عشر لحديث الباب [خ¦٩٣٦]، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: أربعةٌ بالإمام لأنَّ الجمع الصَّحيح إنَّما هو الثَّلاث؛ لأنَّه جمعٌ تسميةً ومعنًى، والجماعة شرطٌ (٣) على حدةٍ، وكذا الإمام، فلا يعتبر منهم، وقال أبو يوسف: ثلاثةٌ به لأنَّ في الاثنين معنى الاجتماع، وهي منبئةٌ عنه. انتهى. ٩٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن المُهلَّب الأزديُّ البغداديُّ الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربع عشرة ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة الكوفيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين، رافعٍ الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ: «بينا» (نَحْنُ نُصَلِّي) أي: الجمعة (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) المراد بالصَّلاة هنا: انتظارها جمعًا بينه وبين رواية عبد الله بن إدريس عن حُصَينٍ عند مسلمٍ: ورسول الله ﷺ يخطب، فهو من باب تسمية الشَّيء باسم ما قاربه، وهذا أليق بالصَّحابة تحسينًا للظَّنِّ بهم،

стр. 2488

سلَّمنا أنَّه كان في الصَّلاة، لكن يحتمل أنَّه وقع قبل النَّهي، نعم في «المراسيل» لأبي داود عن مقاتل (١) بن حيَّان: أنَّ الصَّلاة حينئذٍ كانت قبل الخطبة، فإن ثبت زال الإشكال، لكنَّه مع شذوذه معضلٌ، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ) بكسر العين (٢)، إبلٌ (تَحْمِلُ طَعَامًا) من الشَّام لدحية الكلبيِّ، أو لعبد الرَّحمن بن عوفٍ، روى الأوَّلَ الطَّبرانيُّ، والثَّانيَ ابنُ مردويه، وجُمِع بينهما باحتمال أن تكون لعبد الرَّحمن، ودحية سفيرٌ، أو كانا مشتركَين (فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا) أي: انصرفوا إلى العير، وفي رواية ابن فُضَيْلٍ في «البيوع» [خ¦٢٠٦٤]: «فانفضَّ النَّاس» أي: فتفرَّقوا، وهو موافقٌ للفظ الآية (حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا (٣) عَشَرَ

стр. 2489

رَجُلًا) في رواية عليِّ بن عاصمٍ عن حُصَيْنٍ: «حتَّى لم يبقَ معه إلَّا أربعون رجلًا» رواه الدَّارقُطنيُّ، ولو سَلِمَ من ضَعْفِ حفظِ عليِّ بن عاصمٍ وتفرُّده فإنَّه خالفه (١) أصحاب حُصَيْنٍ كلُّهم لكان من أقوى الأدلَّة للشَّافعيَّة، وردَّ (٢) المالكيَّة على الشَّافعيَّة والحنابلة حيث اشترطوا لصحَّة الجمعة أربعين رجلًا لقوله في حديث الباب: «حتَّى ما بقي مع النَّبيِّ ﷺ إلَّا اثنا عشر رجلًا» (٣)، وأُجيب بأنَّه ليس فيه أنَّه ابتدأها باثني عشر، بل يحتمل عودهم قبل طول الزَّمان، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وقد اختُلِف فيما إذا انفضُّوا فقال الشَّافعيَّة والحنابلة: لو انفضَّ الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصَّلاة، أو في الرَّكعة الأولى ولم يعودوا، أو عادوا بعد طول الفصل استأنف الإمام الخطبة والصَّلاة، ولو انفضَّ السَّامعون للخطبة بعد إحرام تسعةٍ وثلاثين لم يسمعوا الخطبة أتمَّ بهم الجمعة، لأنَّهم إذا لحقوا والعدد تامٌّ صار حكمهم واحدًا، فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضُّوا قبل إحرامهم (٤) استأنف الخطبة بهم، لأنَّه لا تصحُّ الجمعة بدونها وإن قَصُرَ الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم، وقال أبو حنيفة: إذا نفر النَّاس قبل أن يركع الإمام ويسجد إلَّا النِّساء استقبل الظُّهر، وقال صاحباه: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصَّلاة صلَّى الجمعة، وإن (٥) نفروا عنه بعد ما ركع وسجد سجدةً بنى على الجمعة في قولهم جميعًا خلافًا لزفر، وقال المالكيَّة: إن (٦) انفضُّوا بحيث لا يبقى مع الإمام أحدٌ فلا تصحُّ الجمعة، وإن بقي معه اثنا عشر صحَّت، ويتمُّ بهم (٧) جمعةً إذا بقَوا إلى السَّلام، فلو انفضَّ منهم شيءٌ قبل السَّلام (٨) بطلت (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾) هو الطَّبل الَّذي كان يُضرَب لقدوم التِّجارة فرحًا بقدومها وإعلامًا (﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]) لم يقل: إليهما، لأنَّ اللَّهو

стр. 2490

لم يكن مقصودًا لذاته وإنَّما كان تبعًا للتِّجارة، أو حُذِف لدلالة أحدهما على الآخر، أي (١): وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضُّوا إليه، أو أُعيد الضَّمير إلى مصدر الفعل المتقدِّم، وهو الرُّؤية، أي: انفضُّوا إلى الرُّؤية الواقعة على التِّجارة أو اللَّهو، والتَّرديد للدَّلالة على أنَّ منهم منِ انفضَّ لمجرَّد سماع الطَّبل ورؤيته، وقد استشكل الأَصيليُّ حديث الباب، مع وصفه تعالى الصَّحابةَ بأنَّهم ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور: ٣٧]، وأجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية، قال (٢) في «فتح الباري»: وهذا الَّذي يتعيَّن المصير إليه، مع أنَّه ليس في آية «النُّور» التَّصريح بنزولها في الصَّحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن تقدَّم لهم نهيٌ عن ذلك، فلمَّا نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذمَّ ذلك اجتنبوه (٣)، فوُصِفوا بما في آية «النُّور». انتهى. ورواة الحديث ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ وواسطيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٠٥٨] و «التفسير» [خ¦٤٨٩٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «الصَّلاة». (٣٩) (بابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا) قدَّم البَعْدَ على القَبْلِ خلافًا لعادته لورود الحديث في
следующие страницы →