الرِّجال (وَسَبَى الذَّرَارِيَّ) بالذَّال المُعجَمة وتشديد الياء وتخفيفها، كالعواري (١)، جمع ذُرِّيَّةٍ، وهي الولد، والمراد بـ «الذَّراري»: غير المقاتلة (فَصَارَتْ صَفِيَّةُ) بنت حُيَيٍّ سيِّدِ (٢) بني قريظة والنَّضير (لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ) أعطاها له ﵊ قبل القسمة لأنَّ له صفيَّ المغنم يعطيه لمن يشاء (وَصَارَتْ) أي: فصارت، أو ثمَّ صارت بعده (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) استرجعها منه برضاه، أو اشتراها منه لِما جاء: أنَّه أعطاه عنها سبعة أرؤسٍ، أو أنَّه إنَّما كان أذن له في جاريةٍ من حشو السَّبي لا من أفضلهنَّ، فلمَّا رآه أخذ أَنْفَسَهُنَّ نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها لأنَّه لم يأذن له فيها، ورأى أنَّ في إبقائها مفسدةً لتميُّزه (٣) بها على سائر الجيش، ولِما فيه من انتهاكها مع مرتبتها، وربَّما ترتَّب على ذلك شقاقٌ، فكان أخذها لنفسه ﷺ قاطعًا لهذه المفاسد (ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) ﵊ (وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا) لأنَّ عتقها كان عندها أعزُّ من الأموال الكثيرة، ولأبي ذَرٍّ: «عتقتها» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد القاف. (فَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ) بن صُهَيْبٍ
стр. 2522
المذكور (لثَابِتٍ) البُنانيِّ: (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ) بحذف همزة الاستفهام في الفرع وأصله، وفي بعض الأصول: «أأنت» بإثباتها (سَأَلْتَ أَنَسًا) ولأبي ذَرٍّ: «أنس بن مالكٍ»: (مَا أَمْهَرَهَا؟) أي: ما أصدقها؟ ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ما مهرها؟» بحذف الألف، وصوَّبه القطب الحلبيُّ، وهما لغتان (قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا) بالنَّصب، أي: أعتقها وتزوَّجها بلا مهرٍ، وهو من خصائصه ﷺ (فَتَبَسَّمَ).
وموضع التَّرجمة قوله: «صلَّى الصُّبح بغلسٍ، ثمَّ ركب فقال: الله أكبر»، وفيه: أنَّ التَّكبير يُشرَع عند كلِّ أمرٍ مهولٍ (١)، وعند ما يُسَرُّ به من ذلك إظهارًا لدين الله تعالى وظهور أمره، وتنزيهًا له تعالى من (٢) كلِّ ما نسبه إليه أعداؤه، ولا سيَّما اليهود، قبَّحهم الله تعالى.
وقد تقدَّم هذا (٣) الحديث في «باب ما يُذكَر في الفخذ» (٤) [خ¦٣٧١] وتأتي بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٢٠٠] و «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٦].
стр. 2523
((١٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة هنا لغير أبي ذَرٍّ عن المُستملي كما قال في «الفتح» (١)، ولغير ابن عساكر كما (٢) في الفرع وأصله.
(كِتَابُ العِيدَينِ) عيد الفطر وعيد الأضحى، والعيد مُشتَقٌّ من العَوْد لتكرُّره كلَّ عامٍ، وقِيلَ: لعود السُّرور بعوده، وقِيلَ: لكثرة عوائد الله على عباده فيه، وجمعه: أعيادٌ، وإنَّما جُمِع بالياء وإن كان أصله الواو للزومها في الواحد، وقِيلَ: للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي العِيدَيْنِ) كذا لأبي عليِّ بن شَبُّوَيه، ولابن عساكر: «باب ما جاء في العيدين» (وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ) أي: في جنس العيد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فيهما» بالتَّثنية، أي: في العيدين، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «أبواب» بالجمع بدل: «كتاب» واقتصر في رواية الأَصيليِّ والباقين على قوله: «باب … » إلى آخره.
стр. 2524
٩٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ بهمزةٍ وخاءٍ وذالٍ مُعجَمتين، قال الكِرمانيُّ: أراد ملزوم الأخذ وهو الشِّراء، وتُعقِّب بأنَّه لم يقع منه ذلك، فلعلَّه أراد السَّوم، وفي بعض النُّسخ: «وجد» بواوٍ وجيمٍ، قال ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: وهو أوجه، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» وغير واحدٍ من طرقٍ إلى أبي اليمان، شيخ البخاريِّ (١) فيه (جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) بكسر الهمزة، أي (٢): غليظ الدِّيباج، وهو المُتخَّذ من الإبريسم، فارسيٌّ مُعرَّبٌ (تُبَاعُ فِي السُّوقِ) جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ لـ «إستبرق» (فَأَخَذَهَا) عمر (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «فأتى بها رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ) الجبَّة (تَجَمَّلْ بِهَا) بجزم «ابتعْ» و «تجمَّلْ» على الأمر، كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، لكن قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّ الثَّاني مضارعٌ مجزومٌ، واقعٌ في جواب الأمر، أي: فإن تَبْتَعْها تتجمَّلْ، فحُذِفت إحدى التَّاءين، وللحَمُّويي والمُستملي: «أبتاعُ هذه تَجَمَّلُ؟» بهمزة استفهامٍ مقصورةٍ كما في الفرع وأصله وقد تُمَدُّ، وبضمِّ لام «تجمَّلُ» على أنَّ أصله: تتجمَّلُ، فحُذِفت إحدى التَّاءين أيضًا (لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ) سبق في «الجمعة» [خ¦٨٨٦] في رواية نافعٍ: «للجمعة» بدل «العيد» وكأنَّ ابن عمر ذكرهما معًا، فأخذ كلُّ راوٍ واحدًا منهما. وهذا موضع الجزء الأخير من التَّرجمة، وفيه التَّجمُّل بالثِّياب الحسنة أيَّام الأعياد وملاقاة النَّاس. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من لا نصيب له في الجنَّة، خرج مخرج التَّغليظ في النَّهي عن لبس الحرير، وإلَّا فالمؤمن
стр. 2525
العاصي لا بدَّ من دخوله (١) الجنَّة، فله نصيبٌ منها، ولذا (٢) خصَّ من عمومه النِّساء، فإنَّهنَّ خرجن بدليلٍ آخر. (فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الجُبَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَبِيعُهَا وتُصِيبُ بِهَا) أي: بثمنها (حَاجَتَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو تصيب» وهي إمَّا بمعنى: الواو، أو للتَّقسيم، أي: كإعطائها (٣) لبعض نسائه الجائز لهنَّ لبس الحرير.
ويأتي الحديث ومباحثه إن شاء الله تعالى في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٤١] بعون الله وقوَّته.
(٢) (بابُ) إباحة (الحِرَابِ وَالدَّرَقِ) يلعب بها السُّودان (يَوْمَ العِيدِ) للسُّرور به.
٩٤٩ - ٩٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «حدثَّنا أحمد بن عيسى» وبذلك جزم أبو نُعيمٍ في «المستخرج»، واسم جدِّه حسَّان التُّسْتَرِيُّ، المصريُّ الأصل، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وأربعين ومئتين، وفي رواية أبي عليِّ بن شَبُّوَيه، كما في «الفتح»: «حدَّثنا
стр. 2526
أحمد بن صالحٍ» وهو مقتضى إطلاق أبي عليِّ بن السَّكن حيث قال: كلُّ ما في «البخاريِّ»: «حدَّثنا أحمد» غير منسوبٍ فهو ابن صالحٍ. (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) هو ابن الحارث (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود (الأَسَدِيَّ) بفتح الهمزة والسِّين المهملة، القرشيَّ، المُتوفَّى سنة سبع عشرة ومئةٍ (حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «دخل عليَّ النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) أيَّام مِنًى (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ، من جواري الأنصار (تُغَنِّيَانِ) ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو قريب من الحُدَاء، وتدفِّفان، أي: تضربان بالدُّفِّ -بضمِّ الدَّال- إحداهما لحسَّان بن ثابتٍ كما في «الطَّبرانيِّ»، أو كلتاهما لعبد الله بن سلامٍ، كما في «أربعين السُّلميِّ»، وفي «العيدين» لابن أبي الدُّنيا من طريق فُليحٍ عن هشام بن عروة عن أبيه بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة قالت: «دخل عليَّ أبو بكرٍ، والنَّبيُّ ﷺ متقنِّعٌ، وحمامةُ وصاحبتها تغنِّيان عندي» لكن لم يذكر أحدٌ من مصنِّفي أسماء الصَّحابة حمامةُ هذه، نعم ذكر الذَّهبيُّ في «التَّجريد»: حمامة أمُّ بلالٍ، اشتراها أبو بكرٍ وأعتقها. (بِغِنَاءِ) بكسر المعجمة والمدِّ، يوم (بُعَاثَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح العين المُهمَلة آخره مُثلَّثةٌ، بالصَّرف وعدمه، وقال عياضٌ: أعجمها أبو عُبيدٍ (١) وحده، وقال ابن الأثير: أعجمها الخليل، لكن جزم أبو موسى في «ذيل الغريب»، وتبعه صاحب «النِّهاية» بأنَّه تصحيفٌ. انتهى. وهو اسم حصنٍ وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، وكان به مقتلةٌ عظيمةٌ، وانتصر الأوس على الخزرج، واستمرَّت المقتلة مئةً وعشرين سنةً، حتَّى جاء الإسلام، فألَّف الله بينهم ببركة النَّبيِّ ﷺ كذا ذكره ابن إسحاق، وتبعه البرماويُّ وجماعةٌ من الشُّرَّاح، وتُّعقِّب بما رواه ابن سعدٍ بأسانيده: أنَّ
стр. 2527
النَّفر السَّبعة أو الثَّمانية الَّذين لَقَوه ﵊ بمنًى، أوَّل من لقيه من الأنصار، كان من جملة ما قالوه لمَّا دعاهم إلى الإسلام والنُّصرة: إنَّما كانت وقعة بعاث (١) عام الأوَّل، فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السَّنة الَّتي تليها فبايعوه البيعة الأولى، ثمَّ قدموا الثَّانية فبايعوه، وهاجر ﵊ في أوائل الَّتي تليها، فدلَّ ذلك على أنَّ وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في أوائل «الهجرة» [خ¦٣٩٣١]. (فَاضْطَجَعَ) ﵊ (عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراض عن ذلك لأنَّ مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إليه، لكنَّ عدم إنكاره يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الَّذي أقرَّه؛ إذ إنَّه ﵊ لا يُقِرُّ على باطلٍ، والأصل: التَّنزُّه عن اللَّعب واللَّهو، فيقتصر على ما ورد فيه النَّصُّ وقتًا وكيفيَّةً (وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَانْتَهَرَنِي) أي: لتقريرها لهما على الغناء، وللزُّهريِّ: «فانتهرهما» أي: الجاريتين لفعلهما ذلك، والظَّاهر على طريق الجمع أنَّه شرك بينهنَّ في الزَّجر. (وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسول الله ﷺ ¬) بكسر الميم آخره هاء تأنيثٍ، يعني: الغناء أو الدُّفُّ لأنَّ المزمارة والمزمار مُشتَقٌّ من الزَّمير، وهو الصَّوت الَّذي له صفيرٌ، ويُطلَق على الصَّوت الحسن، وعلى الغناء، وأضافها إلى الشَّيطان لأنَّها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشَّيطان، وهذا من الصِّدِّيق ﵁ إنكارٌ لِما سمع، معتمدًا على ما تقرَّر عنده من تحريم اللَّهو والغناء مُطلَقًا، ولم يعلم أنَّه ﷺ أقرهنَّ على هذا (٢) القدر اليسير لكونه دخل فوجده مضطجعًا، فظنَّه نائمًا، فتوجَّه له الإنكار. (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ): يا أبا بكرٍ (دَعْهُمَا) أي: الجاريتين، ولابن عساكر: «دعها» أي: عائشة، وزاد في رواية هشامٍ: «يا أبا بكرٍ، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا» [خ¦٩٥٢] فعرَّفه ﵊ الحال مقرونًا ببيان الحكمة بأنَّه يوم عيدٍ، أي: يوم سرورٍ شرعيٍّ، فلا
стр. 2528
يُنكَر فيه مثل هذا، كما لا يُنكَر في الأعراس. قالت عائشة: (فَلَمَّا غَفَلَ) أبو بكرٍ، بفتح الفاء (غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا) بفاء العطف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خرجتا» بدون الفاء، بدلٌ أو استئنافٌ. (وَ) قالت عائشة: (كَانَ) ذلك (يَوْمَ عِيدٍ) وهذا حديثٌ آخر، وقد جمعه مع السَّابق بعض الرُّواة، وأفردهما آخرون (يَلْعَبُ السُّودَانُ) ولأبي ذَرٍّ (١): «يلعب فيه السُّودان» وللزُّهريِّ: «والحبشة يلعبون في المسجد» [خ¦٤٥٤] (بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٢): «فإمَّا سألت رسول الله» (¬ ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟) أي: النَّظر إلى لعب السُّودان؟ (فقلت: نَعَمْ) أشتهي (فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ) حال كوني (خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) متلاصقين (وَهُوَ) ﵊ (يَقُولُ) للسُّودان، آذنًا لهم ومنشِّطًا: (دُونَكُمْ) بالنَّصب على الظَّرف بمعنى الإغراء، أي: الزموا هذا (٣) اللَّعب (يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) بفتح الهمزة وإسكان الرَّاء وكسر الفاء، وقد تُفتَح، وبالدَّال المهملة، وهو جدُّ الحبشة الأكبر، وزاد الزُّهريُّ عن عروة: فزجرهم عمر، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أمنًا بني أَرْفِدَة». (حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللَّام الأولى (قَالَ: حَسْبُكِ؟) أي:
стр. 2529
يكفيك هذا القدر؟ بحذف همزة الاستفهام المُقدَّرة، كذا قاله البرماويُّ وغيره كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا داعيَ إليه، مع أنَّ في جوازه كلامًا. انتهى. يشير إلى ما نقله في حاشيته - رحمه الله تعالى - على «المغني» من (١) تصريح بعضهم بأنَّ حذفها عند أمن اللَّبس من الضَّرورات. وللنَّسائيِّ من رواية يزيد بن رومان: «أَمَا شبعتِ؟ أما شبعت (٢)؟» قالت: فجعلت أقول: لا لأنظرَ منزلتي عنده، وله من رواية أبي سَلَمَة عنها: قلت: يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثمَّ قال: «حسبك؟» قلت: لا تَعْجَلْ، قالت (٣): وما بي حبُّ النَّظر إليهم، ولكنِّي أحببت أن يبلُغَ النِّساءَ مقامُه لي، ومكاني منه. (قُلْتُ: نَعَمْ) حسبي (قَالَ: فَاذْهَبِي) فإن قلت: قولها: «نعم» يقتضي فهمها الاستفهام أجاب في «المصابيح» بأنَّه ممنوعٌ لأنَّ «نعم» تأتي لتصديق المخبر (٤)، ولا مانع من جعلها هنا كذلك، واستدلَّ به على جواز اللَّعب بالسِّلاح على طريق التَّدريب (٥) للحرب، والتَّنشيط له، ولم يُرِد المؤلِّف الاستدلال على أنَّ حمل الحِراب والدَّرَق من سنن العيد كما فهمه ابن بطَّالٍ عنه (٦)، وإنَّما مراده الاستدلال على أنَّ العيد يُغتفَر فيه من اللَّهو واللَّعب ما لا يُغتفَر في غيره، فهو استدلالٌ على إباحة ذلك، لا على ندبه. فإن قلت: قد اتَّفق على أنَّ نظر المرأة إلى وجه الأجنبيِّ حرامٌ بالاتِّفاق إذا كان بشهوةٍ، وبغيرها على الأصحِّ، فكيف أقرَّ النَّبيُّ ﷺ عائشة على رؤيتها للحبشة؟ أجيب بأنَّها ما كانت تنظر إلَّا إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم وأبدانهم.
(٣) (بابُ) سنِّيَّة (الدُّعَاء في العِيدِ) كذا زاده (٧) هنا أبو ذَرٍّ في روايته (٨) عن الحَمُّويي، ومطابقته
стр. 2530
لحديث البراء الآتي [خ¦٩٥١]-إن شاء الله تعالى- في قوله: «يخطب»، فإنَّ الخطبة تشتمل على الدُّعاء كغيره، وقد روى ابن عديٍّ من حديث واثلة: أنَّه لقي النَّبيَّ ﷺ يوم عيدٍ، فقال (١): تقبَّل الله منَّا ومنك، فقال: «نعم، تقبَّل الله منَّا ومنك» لكنَّ في إسناده محمَّد بن إبراهيم الشَّاميُّ، وهو ضعيفٌ، وقد تفرَّد به مرفوعًا، وخُولِف فيه، فروى البيهقيُّ من حديث عبادة بن الصَّامت: أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «ذاك فعل أهل الكتابين» وإسناده ضعيفٌ أيضًا، لكن في «المَحامِليَّات» بإسنادٍ حسنٍ عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا إذا التقَوا يوم العيد يقول بعضهم لبعضٍ: تقبَّل الله منَّا ومنك. وقد ضُرِبَ في «اليونينيَّة» على قوله: «الدُّعاء في العيد»، وهو ساقطٌ في رواية ابن عساكر، وقال ابن رُشَيْدٍ: أراه تصحيفًا، وكأنَّه كان فيه: «اللَّعب في العيد» أي: فيناسب حديث عائشة الثَّاني من حديثَي الباب.
وللأكثرين -وعزاه في الفرع لرواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي (٢) -: «باب سُنَّةِ العِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ» وعليه اقتصر الإسماعيليُّ في «المستخرج» وأبو نُعيمٍ. وقيَّد بـ «أهل الإسلام» إشارةً إلى أنَّ سنَّة أهل (٣) الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام في أعيادهم.
٩٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ، السَّلميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زُبَيْدٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، ابن الحارث اليامِيُّ
стр. 2531
الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة، عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ به مِنْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي و (١) المُستملي «في» (يَوْمِنَا هَذَا) يوم عيد (٢) النَّحر (أَنْ نُصَلِّيَ) صلاة العيد، أي: أوَّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصَّلاة الَّتي بدأنا بها، فعبَّر بالمستقبل عن الماضي. وفي رواية محمَّد بن طلحة عن زُبَيْدٍ، الآتية -إن شاء الله تعالى- في هذا الحديث بعينه (٣) [خ¦٩٧٦]: خرج ﵊ يوم أضحًى إلى البقيع، فصلَّى ركعتين، ثمَّ أقبل علينا بوجهه الشَّريف وقال: «إنَّ أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة، ثمَّ نرجع فننحر» (٤)، وأوَّل عيدٍ صلَّاه النَّبيُّ ﷺ عيد الفطر، في (٥) السَّنة الثَّانية من الهجرة.
وقد اختُلِف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمَّة على مشروعيَّتها، فقال أبو حنيفة ﵀: واجبةٌ على الأعيان، وقال المالكيَّة والشَّافعيَّة: سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وقال أحمد وجماعةٌ: فرضٌ على الكفاية، واستدلَّ الأوَّلون بمُواظَبته ﵊ عليها من غير تركٍ، واستدلَّ المالكيَّة والشَّافعيَّة بحديث الأعرابيِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٤٦]: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تَطَوَّع»، وحديث: «خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله في اليوم واللَّيلة» [خ¦٤٦] وحملوا ما نقله المزنيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّ (٦) من وجب عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين، على التَّأكيد، فلا إثم ولا قتال بتركها (٧)، واستدلَّ الحنابلة بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وهو يدلُّ على
стр. 2532
الوجوب، وحديث الأعرابيِّ يدلُّ على أنَّها لا تجب على كلِّ واحدٍ (١)، فتعيَّن أن يكون (٢) فرضًا على الكفاية، وأُجيب بأنَّا لا نسلِّم أنَّ المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ صلاة العيد، سلّمنا ذلك، لكنَّ ظاهره يقتضي وجوب النَّحر، وأنتم لا تقولون به، سلَّمنا أنَّ المراد من النَّحر ما هو أعمُّ، لكنَّ وجوبَه خاصٌّ به، فيختصُّ وجوب (٣) صلاة العيد به، سلَّمنا الكلَّ، وهو أنَّ الأمر الأوَّل غير خاصٍّ به، والأمر الثَّاني خاصٌّ، لكن لا نسلِّم أنَّ الأمر للوجوب، فنحمله على النَّدب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخر، سلَّمنا جميع ذلك، لكنَّ صيغة: ﴿فَصَلِّ﴾ خاصَّةٌ به، فإن حُمِلَت عليه وعلى أمَّته وجب إدخال الجميع، فلمَّا دلَّ الدَّليل على إخراج بعضهم - كما زعمتم (٤) - كان ذلك قادحًا في القياس، قاله البساطيُّ. (ثُمَّ نَرْجِعَ) بالنَّصب عطفًا على: «نصلِّيَ»، وبالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن نرجع (فَنَنْحَرَ) بالنَّصب (فَمَنْ فَعَلَ) بأن ابتدأ بالصَّلاة، ثمَّ رجع، فنحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) قال الزَّين بن المُنَيِّر: فيه إشعارٌ بأنَّ الصَّلاة (٥) ذلك اليوم هي الأمر المهمُّ، وأنَّ ما سواها من الخطبة والنَّحر وغير ذلك من أعمال البرِّ يوم العيد فبطريق التَّبع، وهذا القدر مشتركٌ بين العيدين، وبذلك تحصل المناسبة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّه قال فيها: العيدين، بالتَّثنية، مع أنَّه لا يتعلَّق إلَّا بعيد النَّحر.
ورواة الحديث: الأوَّل بصريٌّ، والثَّاني واسطيٌّ، والثَّالث والرَّابع كوفيَّان، وأخرجه المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٦٥] أيضًا، وفي «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٥] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٧٣]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، وأبو داود في «الأضاحي»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي».
стр. 2533
٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّارِيُّ القرشيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو (١) ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ) عليَّ (أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ) إحداهما لحسَّان بن ثابت، أو كلاهما لعبد الله بن سلامٍ، واسم إحداهما حمامة كما مرَّ [خ¦٩٤٩] ويحتمل أن تكون الثَّانية اسمها: زينب، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «النِّكاح» [خ¦٥١٩٠] (تُغَنِّيَانِ) ولـ «مسلمٍ» في رواية هشامٍ أيضًا: «بدُفٍّ»، ولـ «لنَّسائيِّ»: «بدُفَّين»، ويُقال له أيضًا: الكِربال، بكسر الكاف: وهو الَّذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه (٢) فهو المِزْهَر (بِمَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «ممَّا» بميمين (تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ) أي: بما قال بعضهم لبعضٍ من فخرٍ أو هجاءٍ، وللمصنِّف في «الهجرة» [خ¦٣٩٣١]: «بما تعازفت» بعينٍ مُهمَلةٍ وزايٍ، وفي روايةٍ: «تقاذفت» بقافٍ بدل العين وذالٍ مُعجَمةٍ بدل الزَّاي، من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعضٍ (يَوْمَ بُعَاثَ (٤)) بضمِّ المُوحَّدة، حصنٌ للأوس، أو موضعٌ في ديار بني قريظة فيه أموالُهم.
(قَالَتْ) عائشة: (وَلَيْسَتَا) أي: الجاريتين (بِمُغَنِّيَتَيْنِ) نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللَّفظ؛ لأنَّ الغناء يُطلَق على رفع الصَّوت، وعلى التَّرنُّم، وعلى الحُدَاء، ولا يُسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنَّما يُسمَّى بذلك من ينشد بتمطيطٍ وتكسيرٍ (٥)، وتهييجٍ وتشويقٍ بما فيه تعريضٌ بالفواحش، أو تصريحٌ بما يحرِّك السَّاكن، ويبعث الكامن، وهذا لا يُختلَف في تحريمه، ومباحث هذه المادَّة تأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الأشربة» عند الكلام على حديث المعازف [خ¦٥٥٩٠]. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ) بالرَّفع على الابتداء، ولأبوي ذَرٍّ
стр. 2534
والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أبمزامير» أي: أتشتغلون (١) بمزامير الشيطان (فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا) اليوم (عِيدُنَا) وإظهار السرور فيه من شعائر الدين. واستُدِلَّ به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكةً لأنَّه ﷺ لم ينكر على أبي بكرٍ سماعه، بل أنكر إنكاره، ولا يخفى أنَّ محلَّ الجواز ما (٢) إذا أُمِنَتِ الفتنة بذلك.
(٤) (بابُ الأَكْلِ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ) إلى المُصلَّى لصلاة العيد.
٩٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحيم) المشهور بصاعقةٍ، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) المُلقَّب بسعدويه (قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، ابن بُشَيْرٍ، بضمِّ المُوحَّدة وفتح المُعجَمة، ابن القاسم السُّلميُّ الواسطيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁، ولأبي ذَرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ) ليُعلَم
стр. 2535
نسخ تحريم الفطر قبل صلاته، فإنَّه كان مُحرَّمًا قبلها أوَّل الإسلام، وخصَّ التَّمر لما في الحلو من تقوية (١) النَّظر الَّذي يضعفه الصَّوم، ويرقُّ القلب، ومن ثمَّ استحبَّ بعض التَّابعين أن يفطر على الحلو مطلقًا كالعسل، رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرَّة وابن سيرين وغيرهما، والشُّرب كالأكل، فإن لم يفعل ذلك قبل خروجه استحبَّ له فعله في طريقه، أو في المُصلَّى إن أمكنه، ويُكرَه له تركه كما نقله في «شرح المُهذَّب» عن نصِّ «الأمِّ».
(وَقَالَ مُرَجَّأ بْنُ رَجَاءٍ) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء وتشديد الجيم آخره همزةٌ في الأوَّل، كذا في الفرع وأصله، وضبطه في «الفتح» بغير همزةٍ (٢)، على وزن: مُعلَّى (٣)، وبفتح الرَّاء والجيم المُخفَّفة ممدودًا في الثَّاني، السَّمرقنديُّ البصريُّ، المُختلَف في الاحتجاج به، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا الموضع، ممَّا وصله الإمام أحمد عن حَرَميِّ بن عُمارة، والمؤلِّف في «تاريخه» عنه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن أبي بكرٍ (٤) المذكور (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (٥) (أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وزاد: (وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا) إشارةً إلى الوحدانيَّة كما كان ﵊ يفعله في جميع أموره تبرُّكًا بذلك (٦)، وزاد ابن حبَّان: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. وفائدة ذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى لهذا التَّعليق: تصريح عُبَيْد الله فيه (٧) بالإخبار عن أنسٍ لأنَّ السَّابقة فيها عنعنةٌ، ولمتابعته فيها (٨) هُشيمًا.
стр. 2536
(٥) (بابُ الأَكْلِ يَوْمَ) عيد (النَّحْرِ) بعد صلاته؛ لحديث بُريدة المرويِّ (١) عند أحمد والتِّرمذيِّ وابن ماجه بأسانيد حسنةٍ، وصحَّحه الحاكم وابن حبَّان، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتَّى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَم يوم النَّحر حتَّى يرجع، فيأكل من نَسيكته» وإنَّما فرَّق بينهما لأنَّ السُّنَّة أن يتصدَّق في عيد الفطر قبل الصَّلاة، فاستُحِبَّ له الأكل ليشارك المساكين في ذلك، والصَّدقة في يوم النَّحر إنَّما هي بعد الصَّلاة من الأضحية، فاستُحِبَّ له موافقتهم، وليتميَّز اليومان عمَّا قبلهما إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل بخلاف ما قبل يوم النَّحر.
٩٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن محمَّد بن سيرين» (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ ذَبَحَ) أضحيَّته (قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَلْيُعِدْ) أضحيَّته لأنَّ الذَّبح للتَّضحية لا يصحُّ قبلها، واستدلَّ بأمره ﵊ بإعادة التَّضحية (٢) لأبي حنيفة ﵀ على وجوبها لأنَّها لو لم تكن واجبةً لَمَا أمر بإعادتها عند وقوعها في غير محلِّها. (فَقَامَ رَجُلٌ) هو أبو بردة بن نِيَارٍ (فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ
стр. 2537
اللَّحْمُ) أطلق اليوم في التَّرجمة كما هنا، وبذلك يحتمل أن تقع المطابقة بينهما (وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ (١)) بكسر الجيم، جمع جارٍ، فقرًا وحاجةً (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ) فيما قال عن جيرانه (قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) أي: من المعز -بفتح الجيم والذَّال المعجمة والعين المهملة- الَّتي طعنت في الثَّانية، هي (٢) (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) لطيب لحمها، وسِمَنِهَا، وكثرة ثمنها (فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) قال أنسٌ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ) في تضحية الجَذَعَة (مَنْ سِوَاهُ) أي: الرَّجل، فيكون الحكم عامًّا لجميع المُكلَّفين (أَمْ لَا) فيكون خاصًّا به؟ وهذه المسألة وقع للأصوليِّين فيها خلافٌ؛ وهو أنَّ خطاب الشَّرع للواحد هل يختصُّ به أو يعمُّ؟ والثَّاني: قول الحنابلة، والظَّاهر أنَّ أنسًا لم يبلغه قوله ﵊ المرويّ في «مسلمٍ»: «لا تذبحوا إلَّا مُسِنَّةً».
وحديث أنسٍ هذا رواه المؤلِّف أيضًا في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦١] و «العيد» [خ¦٩٨٤]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي»، وأخرجه ابن ماجه في «الأضاحي» أيضًا.
стр. 2538
٩٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان (١) العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (٢) الضَّبِّيُّ الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄ (قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ) عيد (الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ) بفتح النُّون والسِّين (نُسُكَنَا) بضمِّ النُّون والسِّين ونصب الكاف، أي: ضحَّى مثل ضحيَّتنا (فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ) أي: النُّسك (قَبْلَ الصَّلَاةِ) استُشكِل اتِّحاد الشَّرط والجزاء، وأُجيب بأنَّ المرادَ لازمُه، فهو كقوله: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» [خ¦١] أي: غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، فالمراد به (٣) التَّحقير (٤)، والمراد به هنا: عدم الاعتداد بما قبل الصَّلاة إذ هو المُقرَّر في النُّفوس، وحينئذٍ فيكون قوله: (وَلَا نُسُكَ لَهُ) كالتَّوضيح والبيان له، وقال في «الفتح»: فإنَّه قبل الصَّلاة لا يجزئ، ولا نسك له، قال: وفي رواية النَّسفيِّ (٥): «فإنَّه قبل الصَّلاة لا نسك له (٦)» بحذف الواو، وهو أوجه. (فَقَالَ أَبُو
стр. 2539
بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان الرَّاء، هانئ، بالنُّون والهمزة (ابْنُ نِيَارٍ) بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الألف راءٌ، البلويُّ المدنيُّ (خَالُ البَرَاءِ) بن عازبٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ) بفتح الهمزة (وَشُرْبٍ) بضمِّ المُعجَمة، وجوَّز الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» فتحها كما قِيلَ به في: «أيَّامُ مِنًى أيَّامُ أكلٍ وشَرْبٍ»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس محلَّ قياسٍ، وإنَّما المعتمد فيه الرِّواية (وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ شاة تُذْبَحُ (١) فِي بَيْتِي) بنصب «أوَّلَ» خبرًا لـ «تكون»، وبالرَّفع اسمُها، فتكون «شاتي» خبَرها مُقدَّمًا، وفي روايةٍ: «أوَّل ما يُذبَح» ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أوَّلَ تُذبَح» (٢) بدون الإضافة، بفتح «أوَّلَ» لأنَّه مضافٌ إلى الجملة فيكون مبنيًّا على الفتح، أو منصوبًا خبرًا لـ «تكون»، كذا قال الكِرمانيُّ (٣) وفيه نظرٌ ظاهرٌ (٤)، ويجوز الضَّمُّ كـ «قبل» وغيره من الظُّروف المقطوعة عن الإضافة (فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ) بالغين المعجمة، من الغداء (قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ، قَالَ) ﵊ له: (شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ) أي: فليست أضحيَّةً ولا ثواب فيها، بل هي على (٥) عادة الذَّبح للأكل المُجرَّد من (٦) القربة، فاستُفِيد من إضافتها إلى اللَّحم نفيُ الإجزاء.
стр. 2540
(قَالَ) أي (١): أبو بردة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا) بفتح العين (لَنَا جَذَعَةً) صفتان لـ «عناقًا» المنصوب بـ «إنَّ» الَّذي هو أنثى ولد المعز (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ) لِسِمَنِها، وطيب لحمها، وكثرة قيمتها (مِنْ شَاتَيْنِ) وسقط «هي» للأربعة (أَفَتَجْزِي) بفتح الهمزة للاستفهام والمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الجيم من غير همزٍ كقوله: ﴿لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] أي: أتكفي أو تقضي (عَنِّي؟) وقول البرماويِّ وغيره: وجوَّز بعضهم: تجزئ، بالضَّمِّ من الرُّباعيِّ المهموز، وبه قال الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» معتمدًا على نقل الجوهريِّ أنَّ بني تميمٍ تقول: أجزأت عنك شاةٌ، -بالهمزة- مُتعقَّبٌ بأنَّ الاعتماد إنَّما يكون على الرِّواية، لا على مُجرَّد نقل الجوهريِّ عن التَّميميِّين جوازه. (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) أي: تجزئ عنك (وَلَنْ تَجْزِيَ) جذعةٌ (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) أي: غيرك؛ لأنَّه لا بدَّ في تضحية المعز من الثَّنيِّ، فهو ممَّا اختُصَّ به أبو بردة كما اختُصَّ خزيمة بقيام شهادته مقام شاهدين.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وجريرٌ أصله من الكوفة، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
стр. 2541
(٦) (بابُ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى) بالصَّحراء لصلاة العيدين (بِغَيْرِ مِنْبَرٍ).
٩٥٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ) ولأبي ذَرٍّ: «زيد بن أسلم» (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ) بفتح المهملة وسكون الرَّاء ثمَّ بالحاء المهملة، واسم جدِّه: سعدٌ، القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «كان النَّبيُّ» (¬ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ وَ) يوم عيد (الأَضْحَى إلى المُصلَّى) موضعٌ خارج باب المدينة، بينه وبين باب المسجد ألفٌ ذراعٍ. قال ابن (١) شبَّة في «أخبار المدينة» عن أبي غسَّان صاحب مالكٍ: واستُدِلَّ به على استحباب الخروج إلى الصَّحراء لأجل صلاة العيد، وأنَّ ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبته ﵊ على ذلك، مع فضل مسجده، وهذا مذهب الحنفيَّة، وقال المالكيَّة والحنابلة: تُسَنُّ في الصَّحراء إلَّا بمكَّة، فبالمسجد الحرام لسعته، وقال الشَّافعيَّة: وفعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصَّحراء، تبعًا للسَّلف والخلف، ولشرفهما، ولسهولة الحضور إليهما، ولوسعهما، وفعلها
стр. 2542
في سائر المساجد إن اتَّسعت أو حصل مطرٌ ونحوه كثلجٍ أولى لشرفها، ولسهولة الحضور إليها، مع وسعها في الأوَّل، ومع العذر في الثَّاني، فلو صلَّى في الصَّحراء كان تاركًا للأَوْلى، مع الكراهة في الثَّاني دون الأوَّل، وإن ضاقت المساجد ولا عذر كُرِه فعلُها فيها للمشقَّة بالزِّحام وخرج إلى الصَّحراء، واستَخْلَفَ في المسجد من يصلِّي بالضُّعفاء كالشُّيوخ والمرضى ومن معهم من الأقوياء (١)، لأنَّ عليًّا استخلف أبا مسعودٍ الأنصاريَّ في ذلك، رواه الشَّافعيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. (فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ) برفع «أوَّلُ» مبتدأٌ نكرةٌ مُخصَّصةٌ بالإضافة، خبرُه «الصَّلاة»، لكنَّ الأَوْلى جعل «أوَّل» خبرًا مُقدَّمًا، و «الصَّلاة»: مبتدأً لأنَّه معرفةٌ وإن تخصَّص «أوَّل» فلا يخرج عن التَّنكير، وجملة: «يبدأ به» في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ «شيءٍ». (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) ﵊ من الصَّلاة (فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ) أي: مواجهًا لهم، ولابن حبَّان من طريق داود بن قيسٍ: «فينصرف إلى النَّاس قائمًا في مُصلَّاه» ولابن خزيمة: «خطب (٢) يوم عيدٍ على رجليه» وفيه: إشعارٌ بأنَّه لم يكن إذ ذاك في المُصلَّى منبرٌ. (وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَيَعِظُهُمْ) أي: يخوِّفهم عواقب الأمور (وَيُوصِيهِمْ) بسكون الواو، أي: بما تنبغي الوصيَّة به (وَيَأْمُرُهُمْ) بالحلال، وينهاهم عن الحرام (فَإِنْ) بالفاء، ولابن عساكر: «وإنْ» (كَانَ) ﵊ (يُرِيدُ) في ذلك الوقت (أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا) بفتح المُوحَّدة وسكون المهملة ثمَّ مُثلَّثةٍ، أي: مبعوثًا من الجيش إلى الغزو (قَطَعَهُ، أَوْ) كان يريد أن (يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى المدينة. (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقت: «فقال» (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ: (فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ) الابتداء بالصَّلاة والخطبة بعدها (حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ) بن الحكم (وَهْوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ) من قِبَلِ معاوية، والواو في «وهو» للحال (فِي) عيد (أَضْحًى، أَوْ) في عيد (فِطْرٍ، فَلَمَّا
стр. 2543
أَتَيْنَا المُصَلَّى) المذكور (إِذَا مِنْبَرٌ) مبتدأٌ، خبره: (بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) بفتح الصَّاد المُهمَلة (١) وسكون اللَّام ثمَّ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، ابن معاوية الكنديُّ التَّابعيُّ الكبير، المولود في الزَّمن النَّبويِّ، والعامل في «إذا» معنى المفاجأة، أي: فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان، أو الخبر مُقدَّرٌ، أي: هناك، فيكون بناه حالًا، وإنَّما اختصَّ كثيرٌ ببناء المنبر بالمُصلَّى لأنَّ داره كانت في قبلتها. (فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ) أي: يريد صعود المنبر، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) قال أبو سعيدٍ: (فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ) ليبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة على العادة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «فجبذته بثوبه» (فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ) على المنبر (فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ) ولأصحابه: (غَيَّرْتُمْ وَاللهِ) سنَّةَ رسولِ الله ﷺ وخلفائه لأنَّهم كانوا يقدِّمون الصَّلاة على الخطبة، فحمله أبو سعيدٍ على التَّعيين. (فَقَالَ) مروان: يا (أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ) قال أبو سعيدٍ: (فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ) أي: الَّذي أعلمه (وَاللهِ خَيْرٌ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «خيرٌ والله» (مِمَّا لَا أَعْلَمُ) أي: لأنَّ الَّذي أعلمه طريق الرَّسول وخلفائه، والقَسَمُ معترضٌ بين المبتدأ والخبر. (فَقَالَ) مروان معتذرًا عن ترك الأَوْلى: (إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا) أي: الخطبة (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فرأى أنَّ المحافظة على أصل السُّنَّة -وهو استماع الخطبة- أَوْلَى من المحافظة على هيئةٍ فيها ليست من شرطها، ومذهب الشَّافعيَّة: لو خطب قبلها لم يُعتَّد بها (٢) وأساء، وأمَّا ما (٣) فعل مروان بن الحكم من تقديم الخطبة فقد أنكره عليه أبو سعيدٍ كما ترى (٤).
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون.
стр. 2544
(٧) (بابُ المَشْي وَالرُّكُوبِ إِلَى) صلاة (العِيدِ، و) باب تقديم (الصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ) باب صلاته (١) (بِغَيْرِ أَذَانٍ) عند صعود الإمام المنبر، ولا عند غيره (وَلَا إِقَامَةٍ) عند نزوله، ولا عند غيره، وسقط في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر «والصَّلاة قبل الخُطْبة».
٩٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ، بكسر الحاء المهملة وبالزَّاي المُخفَّفة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أنس بن عياضٍ» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمريِّ المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وسقط «عبد الله» لابن عساكر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي) عيد (الأَضْحَى وَ) عيد (الفِطْرِ) ولأبي ذَرٍّ: «في الفطر والأضحى» (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) صرَّح بتقديم الصَّلاة، فهو مطابقٌ للجزء الثَّاني من التَّرجمة، وقد اختُلِف في أوَّل مَنْ غَيَّرَ هذا فقدَّم الخطبة على الصَّلاة، وحديث مسلمٍ عن طارق بن شهابٍ عن أبي سعيدٍ صريحٌ: أنَّه مروان بن الحكم (٢)، وقِيلَ: معاوية، رواه عبد الرَّزَّاق. وقِيلَ: زيادٌ، والظَّاهر أنَّ مروان وزيادًا فعلا ذلك تبعًا لمعاوية لأنَّ كلًّا منهما كان عاملًا له، وقِيلَ: بل سبقه إليه عثمان لأنَّه رأى ناسًا (٣) لم يدركوا الصلاة فصار يقدِّم الخطبة، رواه ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ إلى الحسن البصريِّ، وهذه العلَّة غير الَّتي اعتلَّ بها مروان لأنَّه راعى مصلحتهم في استماع (٤) الخطبة، لكن قِيلَ: إنَّهم كانوا في زمنه يتعمَّدون ترك سماع خطبته لِما فيها من سبِّ من لا يستحقُّ السَّبَّ، والإفراط في مدح بعض النَّاس، فعلى هذا إنَّما راعى مصلحة نفسه، وأمَّا عثمان فراعى مصلحة الجماعة
стр. 2545
في إدراكهم الصَّلاة، على أنَّه يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان، فواظب على ذلك فنُسِبَ إليه، وقِيلَ: عمر بن الخطَّاب، رواه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، لكن يعارضه حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦٩٦٢] المذكور في الباب الَّذي بعده، وكذا حديث ابن عمر [خ¦٩٦٣] فإن جُمِع (١) بوقوع ذلك نادرًا، وإلَّا فما في «الصَّحيحين» أصحُّ، أشار إليه في «الفتح»، وقد تقدَّم قريبًا في آخر الباب السَّابق: أنَّه لا يُعتَدُّ (٢) بالخطبة إذا تقدَّمت على الصَّلاة، فهو كالسُّنَّة الرَّاتبة بعد الفريضة إذا قدَّمها عليها، فلو لم يُعِد الخطبة لم تلزمه إعادةٌ ولا كفَّارةٌ، وقال المالكيَّة: إن كان قريبًا أمر بالإعادة، وإن بَعُدَ فات التَّدارك، وهذا بخلاف الجمعة إذ لا تصحُّ إلَّا بتقديم الخطبة؛ لأنَّ خطبتها شرطٌ لصحَّتها، وشأن الشَّرط أن يُقدَّم.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
٩٥٨ - ٩٥٩ - ٩٦٠ - ٩٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الرَّازي الصَّغير (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ اليمانيُّ، قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ
стр. 2546
بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: سمعت (١) كلامه حال كونه (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ) إلى المُصلَّى (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، قال) ابن جريجٍ بالإسناد السَّابق: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله (فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ) أي: لابن الزُّبير بالخلافة سنة أربعٍ وستِّين، عقب موت يزيد بن معاوية (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) في زمنه ﷺ (بِالصَّلَاةِ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ) وذال «يُؤذَّن» بالفتح مبنيًّا للمفعول خبر «كان»، واسمها: ضمير الشَّأن، وكذا اسم «إنَّ» المذكورة قبلها (وإِنَّمَا الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) لا قبلها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إنَّما» بغير واوٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٢): «وأمَّا» بغير نونٍ، قِيلَ: وهو تصحيفٌ، وأُجيب بأنَّه لا وجه لادِّعاء تصحيفه، ومعناه: وأمَّا الخطبة فتكون بعد الصَّلاة.
ورواة هذا الحديث ما بين رازيٍّ ويمانيٍّ ومكِّيٍّ، وهشامٌ من أفراده.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».
قال ابن جريجٍ بالسَّند المذكور: (وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أيضًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بفتح الذَّال (يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ) عيد (الأَضْحَى) في زمنه ﵊، وفي رواية يحيى القطَّان عن ابن جُريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال لابن الزُّبير: «لا تؤذِّن لها، ولا تُقِم» أخرجه ابن أبي شيبة، ولـ «مسلمٍ» عن عطاءٍ عن جابرٍ: «فبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة، بغير أذانٍ ولا إقامةٍ» وعنده أيضًا من طريق عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: لا أذان للصَّلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء، واستدلَّ المالكيَّة والجمهور بقوله: «ولا إقامة ولا شيء» أنَّه لا يُقال قبلها: الصَّلاة جامعةٌ، ولا: الصَّلاة، واحتجَّ الشَّافعيَّة على استحباب قوله بما روى الشَّافعيُّ عن الثِّقة عن الزُّهريِّ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذِّن في العيدين فيقول: الصَّلاةُ جامعةٌ» وهذا مُرسَلٌ يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوته فيها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٠٤٥] فليتوقَّ ألفاظ
стр. 2547
الأذان كلَّها، أو بعضها، فلو أذَّن أو أقام كُرِه له، كما نصَّ عليه في «الأمِّ».
وأوَّل من أحدث الأذان فيهما معاوية، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، زاد الشَّافعيُّ في روايته عن الثِّقة عن الزُّهريِّ: «فأخذ به الحجَّاج حين أُمِّر على المدينة، أو زيادٌ بالبصرة» رواه ابن المنذر. أو مروان، قاله الدَّاوديُّ. أو هشامٌ، قاله ابن حبيبٍ. أو عبد الله بن الزُّبير، رواه ابن المنذر أيضًا.
(وَ) بالإسناد أيضًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «عن جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَامَ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ) يوم العيد (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ) أي: بعد الصَّلاة (فَلَّمَا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ¬) من الخطبة (نَزَلَ) فإن قلت: قد سبق أنَّه ﵊ كان يخطب في المُصلَّى على الأرض، وقوله هنا: «نزل» يشعر بأنَّه كان يخطب على مكانٍ مرتفعٍ، أُجيب باحتمال أنَّ الرَّاويَ ضمَّن النُّزول معنى الانتقال، أي: انتقل. (فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف، أي: وعظهنَّ (وَهْوَ يَتَوَكَّأُ) أي: يعتمد (عَلَى يَدِ بِلَالٍ) قِيلَ: يحتمل أن يكون المؤلِّف استنبط من قوله: «وهو يتوكَّأ على يد بلالٍ» مشروعيَّة الرُّكوب لصلاة العيد لمن احتاج (١) إليه بجامع الارتفاق بكلٍّ منهما، فكأنَّه يقول: الأَوْلى المشيُ للتَّواضع حتَّى يحتاج إلى الرُّكوب، كما خطب ﵊ قائمًا على قدميه، فلمَّا تعب توكَّأ على يد بلالٍ، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «من السُّنَّة أن تخرج إلى العيد ماشيًا» وفي «ابن ماجه» عن سعدٍ القَرَظ: «أنَّه ﵊ كان يخرج إلى العيد ماشيًا»، وفيه: عن أبي رافعٍ نحوه، ولم يذكرها المؤلِّف لضعفها، واستدلَّ الشَّافعيَّة بحديث: «إذا أتيتم الصَّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون» قالوا: ولا بأس بركوب العاجز للعذر، وكذا الرَّاجع منها ولو كان
стр. 2548
قادرًا، ما لم يتأذَّ به أحدٌ لانقضاء العبادة، وجملة: «وهو يتوكَّأ» حاليَّةٌ، وكذا قوله: (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي) بضمِّ المُثنَّاة (١) التَّحتيَّة، أي: يرمي (فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً). قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى) بفتح التَّاء (حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ) وسقط «أن» لابن عساكر (فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ) أي (٢): من الخطبة، و «حقًّا»: مفعولٌ ثانٍ لقوله: «أترى» قُدِّم على الثَّاني، وهو: «أن يأتي النِّساء» للاهتمام به (قَالَ) عطاءٌ: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ ألَّا يَفْعَلُوا) ذلك، و «ما»: نافيةٌ، أو استفهاميَّةٌ.
(٨) (بابُ الخُطْبَةِ بَعْدَ) صلاة (العِيدِ). هذه التَّرجمة من جملة التَّراجم الثَّلاثة السَّابقة في الباب المتقدِّم، ولعلَّه أعادها لمزيد الاعتناء، وهو ممَّا يرجِّح رواية غير أبي ذرٍّ وابن عساكر بسقوطها في الباب السَّابق، واقتصارهم على ترجمتين فقط، كما مرَّ.
٩٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين وكسر اللَّام، ابن يَنَّاق، بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد النُّون وبعد الألف قافٌ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
стр. 2549
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ) العيد (قَبْلَ الخُطْبَةِ) هذا صريحٌ فيما ترجم له، وشيخ المؤلِّف بصريٌّ، والثَّاني والثَّالث مكِّيَّان، والرَّابع يمانيٌّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٨٩٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أخرجه أبو داود.
٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، مُصغَّرًا، ابن عمر بن حفصٍ العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ في روايةٍ وأبي الوقت والأَصيليِّ: «كان النَّبيُّ» (¬ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ (١) قَبْلَ الخُطْبَةِ).
٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) بالمُثلَّثة، الأنصاريِّ الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ، المقتول بين يدي الحجَّاج سنة خمسٍ وتسعين (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ) لا أربعًا، وما رُوِي عن عليِّ: «أنَّها تُصلَّى في الجامع أربعًا، وفي المُصلَّى ركعتين» مُخالِفٌ لما انعقد عليه الإجماع. (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) تطوُّعًا، وحكم ذلك يأتي إن شاء الله تعالى (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) لكونه رآهنَّ أكثر أهل النَّار (فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ) الصَّدقة في ثوب بلالٍ (تُلْقِي المَرْأَةُ خُرْصَهَا) بضمِّ الخاء المعجمة، وقد تُكسَر، أي: حلقتها الصَّغيرة الَّتي تُعلَّق بالأذن (وَ) تلقي (سِخَابَهَا) بكسر السِّين المهملة والخاء المعجمة مُخفَّفةً وبعد الألف مُوحَّدةٌ، خيطٌ من خرزٍ،
стр. 2550
وقال البخاريُّ: قلادةٌ من طيبٍ أو مسكٍ أو قرنفلٍ، ليس فيه من الجوهر شيءٌ، وسُمِّي به لصوت (١) خرزه عند الحركة، من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، ويجوز فيه الصَّاد.
٩٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، ابن الحارث الياميُّ، بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في خطبته بعد أن صلَّى العيد: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ) به (فِي يَوْمِنَا هَذَا) يوم عيد الأضحى، وكذا عيد الفطر (أَنْ نُصَلِّيَ) الصَّلاة الَّتي قدَّمنا فعلها، فعبَّر بالمستقبل عن الماضي (ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ) نُصِبَ عطفًا على السَّابق، والتَّعقيب بـ «ثمَّ» لا يستلزم عدم تخلُّل أمرٍ آخر بين الأمرين (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي: البدء بالصَّلاة، ثمَّ رجع فنحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ) إبلًا أو ذبح غيرها، المشهور: أنَّ النَّحر في الإبل، والذَّبح في غيرها (٢)، وقد يُطلَق النَّحر على الذَّبح لأنَّ كلًّا منهما يحصل به إنهار الدَّم (٣) (فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ) بسكون السِّين في «اليونينيَّة» (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (بْنُ نِيَارٍ) بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة: (يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْتُ) شاتي قبل أن آتيَ الصَّلاة (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز ذات سَنَةٍ هي
стр. 2551
(خَيْرٌ) لسِمَنِهَا وطيب لحمها وكثرة ثمنها (مِنْ مُسِنَّةٍ) أي: ثنيَّةٌ (١) من المعز ذات سنتين (فَقَالَ) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (اجْعَلْهُ مَكَانَهُ) بتذكير الضَّميرين مع عودهما لمُؤنَّثٍ اعتبارًا بالمذبوح (وَلَنْ تُوْفِيَ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الواو وكسر الفاء مُخفَّفةً، كذا في «اليونينيَّة»، وضبطه البرماويُّ وغيره: «تُوَفِّي» بفتح الواو وتشديد الفاء (٢) (-أَوْ) قال: لن (تَجْزِيَ-) بفتح أوَّله من غير همزٍ، شكٌ من الرَّاوي، أي: لن تكفيَ جذعةٌ (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) خصوصيَّةٌ له لا تكون لغيره إذ كان له ﵊ أن يخصَّ من (٣) شاء بما شاء من الأحكام.
(٩) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي العِيدِ وَ) أرض (الحَرَمِ) بطرًا وأشرًا، من غير أن يتحفَّظ حال حمله وتجريده من إصابة أحدٍ من النَّاس، لا سيَّما عند المزاحمة والمسالك الضَّيِّقة، وهذا بخلاف ما ترجم له فيما سبق من لعب الحبشة بالحِرَاب والدَّرَق يوم العيد للتَّدريب والإدمان لأجل الجهاد، مع الأمن من الإيذاء.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (نُهُوا) بضمِّ النُّون والهاء، أصله «نُهِيُوا» استثقلوا الضَّمَّة على
стр. 2552
الياء، فنُقِلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثمَّ حُذِفت الياء لالتقاء السَّاكنين (أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ) في (١) (يَوْمَ عِيدٍ) خوفًا أن يصل الإيذاء لأحدٍ، و «عيدٍ» بالتَّنكير، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ (٢) في نسخةٍ: «يوم العيد» (إِلَّا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا) فيُباح حمله للضَّرورة، وقد روى ابن ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه ﷺ نهى أن يُلبَس السِّلاحُ في بلاد (٣) الإسلام في العيدين (٤)، إلَّا أن يكون (٥) بحضرة العدوِّ» وروى مسلمٌ عن جابرٍ نَهيَ النَّبيِّ ﷺ أن يُحمَل السِّلاح بمكَّة.
٩٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) الطَّائيُّ الكوفيُّ، كنيته (أَبُو السُّكَيْنِ) بضمِّ المهملة وفتح الكاف مُصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ) بضمِّ الميم وبالمهملة وبعد الألف والرَّاء المكسورة مُوحَّدةٌ، عبد الرَّحمن بن محمَّدٍ، لا ابنه عبد الرَّحيم (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوْقَةَ) بضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح القاف، التَّابعيُّ الصَّغير، الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ) بإسكان الخاء المعجمة (٦) وفتح الميم ثمَّ صادٍ مُهمَلةٍ، ما دخل من القدم فلم يصب الأرض عند المشي (فَلَزِقَتْ) بكسر الزَّاي (قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا) أُنِّث الضَّمير مع عوده إلى السِّنان
стр. 2553
المُذكَّر (١)، إمَّا باعتبار إرادة الحديدة، أو السِّلاح لأنَّه مُؤنَّثٌ، أو هو راجعٌ إلى القدم، فيكون من باب القلب كما في: أدخلت الخفَّ في الرِّجْل. (وَذَلِكَ) أي: وقوع الإصابة (بِمِنًى) بعد قتل عبد الله بن الزُّبير بسنةٍ (فَبَلَغَ الحَجَّاجَ) بن يوسف الثَّقفيَّ، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز (فَجَعَلَ يَعُودُهُ) جعل: من أفعال المقاربة الموضوعة (٢) للشَّروع في العمل، و «يعوده» خبره، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن المُستملي: «فجاء يعوده» والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ الحَجَّاجُ) له: (لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ) عاقبناه، ولأبي الوقت عن الحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع، وقال العينيُّ كالحافظ ابن حجرٍ: ولأبي ذَرٍّ بدل: أبي الوقت: «ما أصابك؟» (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) للحجَّاج: (أَنْتَ أَصَبْتَنِي) نسب الفعل إليه لأنَّه أمر رجلًا معه حربةٌ يُقال: إنَّها كانت مسمومةً، فلصق ذلك الرَّجل به، فَأَمَرَّ الحربة على قدمه، فمرض منها أيَّامًا ثمَّ مات، وذلك في سنة أربعٍ وسبعين، وكان سبب ذلك: أنَّ عبد الملك كتب إلى الحجَّاج: ألَّا يخالف ابن عمر، فشقَّ عليه ذلك، وأمر ذلك الرَّجل بما ذكر، حكاه الزُّبير (٣) في «الأنساب». وفي «كتاب الصَّرِيفِينِيِّ»: لمَّا أنكر عبد الله على الحجَّاج نصب المنجنيق، يعني: على الكعبة، وقتل عبد الله بن الزُّبير، أمر الحجَّاج بقتله، فضربه رجلٌ من أهل الشَّام ضربةً، فلمَّا أتاه الحجَّاج يعوده قال له عبد الله: تقتلني ثمُّ تعودني؟ كفى الله حَكَمًا بيني وبينك، فصرَّح بأنَّه (٤) أمر بقتله، وأنَّه قاتله، بخلاف ما حكاه الزُّبير (٥) فإنَّه غير صريحٍ. (قَالَ) الحجَّاج: (وَكَيْفَ) أصبتك؟ (قَالَ) ابن عمر له: (حَمَلْتَ
стр. 2554
السِّلَاحَ) أي: أمرت بحمله (فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ) السِّلاح، وهو يوم العيد (وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الحَرَمَ) المكِّيَّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «في الحرم» (وَلَمْ يَكُنِ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، أي: فخالفت السُّنَّة في الزَّمان والمكان.
وفيه: أنَّ قول الصَّحابيِّ: كان يُفعَل كذا -مبنيًّا للمفعول- له حكم الرَّفع.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في «العيدين» [خ¦٩٦٧].
٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ) المسعوديُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاص) بفتح عين «عَمْرٍو» وسكون ميمه، وكسر عين «سعِيدٍ»، كلاهما الأمويُّ القرشيُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيدٍ المذكور (قَالَ: دَخَلَ الحَجَّاجُ) بن يوسف (عَلَى ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ) أي: الحجَّاج، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ) ابن عمر: (أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ) وهو يوم العيد (يَعْنِي) ابن عمر: (الحَجَّاجَ) نُصِبَ على المفعوليَّة، وزاد الإسماعيليُّ في هذه الطِّريق: «قال: لو عرفناه لعاقبناه» قال: وذلك لأنَّ النَّاس نفروا عشيَّةً، ورجلٌ من أصحاب الحجَّاج عارضٌ حربتَه (١)، فضرب (٢) ظهر قدم ابن عمر، فأصبح
стр. 2555
وهِنًا منها (١)، ثمَّ مات. فإن قلت: هذه الرِّواية فيها تعريضٌ بالحجَّاج حيث قال: «أصابني مَنْ أَمَرَ»، ورواية سعيد بن جُبيرٍ المتقدِّمة [خ¦٩٦٦] مصرِّحةٌ بأنَّه الَّذي فعل ذلك حيث قال: «أنت أصبتني»، أُجيب باحتمال تعدُّد الواقعة أو السُّؤال، فلعلَّه عرَّض به أوَّلًا، فلمَّا أعاد (٢) عليه صرَّح.
(١٠) (بابُ التَّبْكِيرِ لِلعِيدِ) أي: لصلاة العيد، والتَّبكير بتقديم المُوحَّدة على الكاف، من بكَّر إذا بادر وأسرع، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «التَّكبير» بتأخير المُوحَّدة بعد الكاف، وعزاها العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ (٣) - للمُستملي، قال: وهو تحريفٌ.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان المُهمَلة، المازنيُّ السُّلَميُّ، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ (٤)، آخر من مات من الصَّحابة بالشَّام فجأةً، سنة ثمانٍ وثمانين، ممَّا وصله أحمد من طريق خُمَيْرٍ، بضمِّ الخاء المعجمة مُصغَّرًا، قال: «خرج عبد الله بن بُسْرٍ مع النَّاس يوم عيد فطرٍ أو أضحًى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال»: (إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ) في رواية أحمد المذكورة: إن كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ قد فرغنا، فصرَّح برفعه، وأثبت «قد»، وهي ساقطةٌ من البخاريِّ كما في «اليونينيَّة» وعند الحافظ بن حجرٍ في «فتح الباري» والعلَّامة العينيِّ في «شرحه»، نعم في كلام البرماويِّ والزَّركشيِّ ما يدلُّ على ثبوتها، ولا مانع من ثبوتها في بعض الأصول تبعًا لأصل التَّعليق عند أحمد، لكنَّهما حكيا أنَّ الصَّواب: لقد فرغنا، بإثبات اللَّام
стр. 2556
الفارقة، وتعقَّب ذلك العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ بأنَّها إنَّما تكون لازمةً عند خوف اللَّبس، قال ابن مالكٍ: فإن أُمِن اللَّبس لم يلزم (١) كقراءة أبي رجاءٍ: (وَإِن كُلٌّ (٢) لِمَا مَتاعُ الحياةِ الدُّنيا) [الزخرف: ٣٥] بكسر اللَّام. ومنه: «إن كان رسول الله ﷺ يحبُّ التَّيمُّن» [خ¦٤٢٦] و «إن كان من أحبِّ النَّاس إليَّ» [خ¦٣٧٣٠] وغير ذلك. انتهى. و «إنْ» في قوله: «إنْ كنَّا» هي المُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمها: ضمير الشَّأن (وَذَلِكَ) أي: وقت الفراغ (حِينَ التَّسْبِيحِ) أي: وقت صلاة السُّبحة، وهي النَّافلة، إذا مضى وقت الكراهة، وفي روايةٍ صحيحةٍ للطَّبرانيِّ: «وذلك حين تسبيح الضُّحى» واختُلِف في وقت الغدوِّ إليها، ومذهب الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ المأموم يذهب بعد صلاة الصُّبح، وأمَّا الإمام فعند إرادة الإحرام بها للاتِّباع، رواه الشَّيخان. وعند (٣) المالكيَّة: بعد طلوع الشَّمس، في حقِّ الإمام والمأموم، أمَّا الإمام فلفعله ﵊ وأمَّا المأموم فلفعل ابن عمر، ووقتها عند الشَّافعيَّة ما بين طلوع الشَّمس وزوالها وإن كان فعلُها عقب (٤) الطُّلوع مكروهًا لأنَّ مبنى المواقيت على أنَّه إذا خرج وقت صلاةٍ دخل وقت غيرها، وبالعكس، لكنَّ الأفضل إقامتها من ارتفاعها قِيْدَ رُمحٍ للاتِّباع، وليخرج وقت الكراهة، وللخروج من الخلاف. وقال المالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة: من ارتفاع الشَّمس قِيْدَ رُمحٍ إلى
стр. 2557
الزَّوال. لنا: ما سبق عن عبد الله بن بُسْرٍ حيث قال: إنْ كنَّا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين صلاة التَّسبيح. واحتجَّ الثَّلاثة بفعله ﵊، ونهيه عن الصَّلاة وقت طلوع الشَّمس، وأجابوا عن حديث ابن بُسْرٍ هذا بأنَّه كان قد (١) تأخَّر عن الوقت بدليل ما تواتر عن غيره، وبأنَّ الأفضل ما عليه الجمهور، وهو فعلها بعد (٢) الارتفاع قيد رُمحٍ، فيكون ذلك الوقت أفضل بالإجماع، وهذا الحديث لو بقي على ظاهره لدلَّ على أنَّ الأفضل خلافه.
٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ زُبَيْدٍ) اليامِيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) أي: بعد أن صلَّى العيد (فقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا) أي: وفي يوم عيد الفطر (أَنْ نُصَلِّيَ) صلاة العيد الَّتي صلَّيناها قبل (ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ) بالنَّصب عطفًا على ما سبق، والنَّحر للإبل، والذَّبح لغيرها، و (٣) يُطلَق النَّحر على الذَّبح بجامع إنهار الدَّم (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) بأن قدَّم الصَّلاة على الخطبة، ثمَّ نحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) العيد (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: الَّذي ذبحه (لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ) المُتقرَّب بها (فِي شَيْءٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّها» أي: ذبيحته لحمٌ. قال البراء: (فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ)
стр. 2558
بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنِّي» (ذَبَحْتُ) شاتي (قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز، هي (خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) لها سنتان لنفاستها لحمًا وثمنًا (قَالَ) ﵊ له، ولأبي الوقت «فقال»: (اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ: اذْبَحْهَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) وفي روايةٍ: «غيرك».
ووجه الدَّلالة للتَّرجمة من (١) قوله: «أوَّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي … » من جهة أنَّ المُؤخِّر لصلاة العيد عن أوَّل النهار بدأ بغير الصَّلاة لأنَّه بدأ بتركها، والاشتغال عنها بما لا يخلو الإنسان منه عند خلوِّه عن الصَّلاة، وهو استنباطٌ خفيٌّ يجنح إلى الجمود على اللَّفظ، والإعراض عن النَّظر إلى السِّياق، وله وجهٌ، ويحقِّق (٢) ما قلناه: أنَّه قال في طريقٍ أخرى [خ¦٩٧٦] تأتي -إن شاء الله تعالى-: «إنَّ (٣) أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة … » فالأولويَّة (٤) باعتبار المناسك، لا باعتبار النَّهار، قاله في «المصابيح».
(١١) (بابُ فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلاثة بعد يوم النَّحر، أو هو منها عملًا بسبب التَّسمية به لأنَّ لحوم الأضاحي كانت تُشرَّق فيها بمنًى، أي: تُقدَّد ويُبرَز بها للشَّمس، أو أنَّها كلُّها أيَّام التَّشريق لصلاة يوم النَّحر لأنَّها إنَّما تُصلَّى بعد أن تشرق الشَّمس، فصارت تبعًا ليوم النَّحر،
стр. 2559
أو من قول الجاهليَّة: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كيما نُغِيرَ، أي: ندفع فننحر، وحينئذٍ فإخراجهم يوم النَّحر منها إنَّما هو لشهرته بلقبٍ خاصٍّ، وهو: يوم العيد، وإلَّا فهي في الحقيقة تبعٌ له في التَّسمية، وقد روى أبو عُبيدٍ من مرسل الشَّعبيِّ بسندٍ رجالُه ثقاتٌ: «من ذبح قبل التَّشريق فليُعِد» أي: قبل صلاة العيد، لكنَّ مقتضى كلام الفقهاء واللُّغويِّين: أنَّها غيره، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ في «تفسيره»: ((وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)) باللَّام: هي (أَيَّامُ العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، قال (١): (وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ) بالدَّال، هي (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) الثَّلاثة: الحادي عشر من ذي الحجَّة، يوم القَرِّ، بفتح القاف؛ لأنَّ الحُجَّاج يَقِرُّون فيه بمنًى، والثَّاني عشر، والثَّالث عشر، المُسمَّيان بالنَّفر الأوَّل لجواز النَّفر فيه لمن تعجَّل، والنَّفر الثَّاني، ويُقال لها: أيَّام منًى لأنَّ الحجَّاج يقيمون فيها بمنًى، وهذا، أي: قوله: «(واذكروا الله في أيَّامٍ معلوماتٍ)» -باللَّام- رواية كريمة وابن شَبُّوَيه، وهي خلاف التِّلاوة لأنَّها في سورة «البقرة»: (معدوداتٍ) [البقرة: ٢٠٣] بالدَّال، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «(ويذكروا الله في أيَّامٍ معدوداتٍ)» بالدَّال، وهي مخالفةٌ للتِّلاوة أيضًا لأنَّها وإن كانت موافقةً لآية «البقرة» في ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ بالدَّال، لكنَّها مخالفةٌ لها من حيث التَّعبير بفعل الأمر، موافقةٌ لآية «الحجِّ» في التَّعبير بالمضارع، لكنَّ تلك، أي: آية «الحجِّ» ﴿مَّعْلُومَاتٍ﴾ باللَّام، مع إثبات: ﴿اسْمَ﴾ في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ ولأبي ذَرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا في «الفتح» و «العمدة»: «(وَيَذْكُرُوا اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)» باللَّام، بلفظ سورة «الحجِّ»، لكنَّه حُذِف لفظ: ﴿اسْمَ﴾ وبالجملة فليس في هذه الرِّوايات الثَّلاث ما يوافق التِّلاوة، ومن ثمَّ استُشكِلت، وأُجيب
стр. 2560
بأنَّه لم يقصد بها التِّلاوة، وإنَّما حكى كلام ابن عبَّاسٍ، وابن عبَّاسٍ إنَّما أراد تفسير المعدودات والمعلومات، نعم في فرع (١) «اليونينيَّة» مما رُقِم له بعلامة أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾» باللَّام، وهذا موافقٌ لما في «الحجِّ».
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵄ ممَّا ذكره البغويُّ والبيهقيُّ مُعلَّقًا عنهما (يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ) الأُوَل من ذي (٢) الحجَّة (يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هذا لا يناسب التَّرجمة إلَّا أن المصنِّف ﵀ كثيرًا ما يضيف إلى التَّرجمة ما له أدنى ملابسةٍ (٣) استطرادًا، وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّه أراد تساوي أيَّام التَّشريق بأيَّام العشر لجامع (٤) ما بينهما ممَّا (٥) يقع فيهما من أعمال الحجِّ.
(وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) الباقر -فيما (٦) وصله الدَّارقُطنيُّ في «المؤتلف» عنه- في أيَّام التَّشريق بمنًى (خَلْفَ النَّافِلَةِ) كالفريضة، وفي ذلك خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق مع غيره.
٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وبالرَّاءين (قَالَ (٧): حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة آخره نونٌ، لُقِّب به لعظم بطنه، وهو كوفيٌّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا العَمَلُ) مبتدأٌ، يشمل أنواع العبادات كالصَّلاة والتَّكبير والذِّكر والصَّوم وغيرها (فِي أَيَّامٍ) من أيَّام السَّنة، وهو متعلِّقٌ بالمبتدأ،