الفارقة، وتعقَّب ذلك العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ بأنَّها إنَّما تكون لازمةً عند خوف اللَّبس، قال ابن مالكٍ: فإن أُمِن اللَّبس لم يلزم (١) كقراءة أبي رجاءٍ: (وَإِن كُلٌّ (٢) لِمَا مَتاعُ الحياةِ الدُّنيا) [الزخرف: ٣٥] بكسر اللَّام. ومنه: «إن كان رسول الله ﷺ يحبُّ التَّيمُّن» [خ¦٤٢٦] و «إن كان من أحبِّ النَّاس إليَّ» [خ¦٣٧٣٠] وغير ذلك. انتهى. و «إنْ» في قوله: «إنْ كنَّا» هي المُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمها: ضمير الشَّأن (وَذَلِكَ) أي: وقت الفراغ (حِينَ التَّسْبِيحِ) أي: وقت صلاة السُّبحة، وهي النَّافلة، إذا مضى وقت الكراهة، وفي روايةٍ صحيحةٍ للطَّبرانيِّ: «وذلك حين تسبيح الضُّحى» واختُلِف في وقت الغدوِّ إليها، ومذهب الشَّافعيَّة والحنابلة أنَّ المأموم يذهب بعد صلاة الصُّبح، وأمَّا الإمام فعند إرادة الإحرام بها للاتِّباع، رواه الشَّيخان. وعند (٣) المالكيَّة: بعد طلوع الشَّمس، في حقِّ الإمام والمأموم، أمَّا الإمام فلفعله ﵊ وأمَّا المأموم فلفعل ابن عمر، ووقتها عند الشَّافعيَّة ما بين طلوع الشَّمس وزوالها وإن كان فعلُها عقب (٤) الطُّلوع مكروهًا لأنَّ مبنى المواقيت على أنَّه إذا خرج وقت صلاةٍ دخل وقت غيرها، وبالعكس، لكنَّ الأفضل إقامتها من ارتفاعها قِيْدَ رُمحٍ للاتِّباع، وليخرج وقت الكراهة، وللخروج من الخلاف. وقال المالكيَّة والحنفيَّة والحنابلة: من ارتفاع الشَّمس قِيْدَ رُمحٍ إلى
стр. 2557
الزَّوال. لنا: ما سبق عن عبد الله بن بُسْرٍ حيث قال: إنْ كنَّا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين صلاة التَّسبيح. واحتجَّ الثَّلاثة بفعله ﵊، ونهيه عن الصَّلاة وقت طلوع الشَّمس، وأجابوا عن حديث ابن بُسْرٍ هذا بأنَّه كان قد (١) تأخَّر عن الوقت بدليل ما تواتر عن غيره، وبأنَّ الأفضل ما عليه الجمهور، وهو فعلها بعد (٢) الارتفاع قيد رُمحٍ، فيكون ذلك الوقت أفضل بالإجماع، وهذا الحديث لو بقي على ظاهره لدلَّ على أنَّ الأفضل خلافه.
٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ زُبَيْدٍ) اليامِيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) أي: بعد أن صلَّى العيد (فقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا) أي: وفي يوم عيد الفطر (أَنْ نُصَلِّيَ) صلاة العيد الَّتي صلَّيناها قبل (ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ) بالنَّصب عطفًا على ما سبق، والنَّحر للإبل، والذَّبح لغيرها، و (٣) يُطلَق النَّحر على الذَّبح بجامع إنهار الدَّم (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) بأن قدَّم الصَّلاة على الخطبة، ثمَّ نحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) العيد (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: الَّذي ذبحه (لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ) المُتقرَّب بها (فِي شَيْءٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإنَّها» أي: ذبيحته لحمٌ. قال البراء: (فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ)
стр. 2558
بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنِّي» (ذَبَحْتُ) شاتي (قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز، هي (خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) لها سنتان لنفاستها لحمًا وثمنًا (قَالَ) ﵊ له، ولأبي الوقت «فقال»: (اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ: اذْبَحْهَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) وفي روايةٍ: «غيرك».
ووجه الدَّلالة للتَّرجمة من (١) قوله: «أوَّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي … » من جهة أنَّ المُؤخِّر لصلاة العيد عن أوَّل النهار بدأ بغير الصَّلاة لأنَّه بدأ بتركها، والاشتغال عنها بما لا يخلو الإنسان منه عند خلوِّه عن الصَّلاة، وهو استنباطٌ خفيٌّ يجنح إلى الجمود على اللَّفظ، والإعراض عن النَّظر إلى السِّياق، وله وجهٌ، ويحقِّق (٢) ما قلناه: أنَّه قال في طريقٍ أخرى [خ¦٩٧٦] تأتي -إن شاء الله تعالى-: «إنَّ (٣) أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة … » فالأولويَّة (٤) باعتبار المناسك، لا باعتبار النَّهار، قاله في «المصابيح».
(١١) (بابُ فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلاثة بعد يوم النَّحر، أو هو منها عملًا بسبب التَّسمية به لأنَّ لحوم الأضاحي كانت تُشرَّق فيها بمنًى، أي: تُقدَّد ويُبرَز بها للشَّمس، أو أنَّها كلُّها أيَّام التَّشريق لصلاة يوم النَّحر لأنَّها إنَّما تُصلَّى بعد أن تشرق الشَّمس، فصارت تبعًا ليوم النَّحر،
стр. 2559
أو من قول الجاهليَّة: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كيما نُغِيرَ، أي: ندفع فننحر، وحينئذٍ فإخراجهم يوم النَّحر منها إنَّما هو لشهرته بلقبٍ خاصٍّ، وهو: يوم العيد، وإلَّا فهي في الحقيقة تبعٌ له في التَّسمية، وقد روى أبو عُبيدٍ من مرسل الشَّعبيِّ بسندٍ رجالُه ثقاتٌ: «من ذبح قبل التَّشريق فليُعِد» أي: قبل صلاة العيد، لكنَّ مقتضى كلام الفقهاء واللُّغويِّين: أنَّها غيره، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ في «تفسيره»: ((وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)) باللَّام: هي (أَيَّامُ العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، قال (١): (وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ) بالدَّال، هي (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) الثَّلاثة: الحادي عشر من ذي الحجَّة، يوم القَرِّ، بفتح القاف؛ لأنَّ الحُجَّاج يَقِرُّون فيه بمنًى، والثَّاني عشر، والثَّالث عشر، المُسمَّيان بالنَّفر الأوَّل لجواز النَّفر فيه لمن تعجَّل، والنَّفر الثَّاني، ويُقال لها: أيَّام منًى لأنَّ الحجَّاج يقيمون فيها بمنًى، وهذا، أي: قوله: «(واذكروا الله في أيَّامٍ معلوماتٍ)» -باللَّام- رواية كريمة وابن شَبُّوَيه، وهي خلاف التِّلاوة لأنَّها في سورة «البقرة»: (معدوداتٍ) [البقرة: ٢٠٣] بالدَّال، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «(ويذكروا الله في أيَّامٍ معدوداتٍ)» بالدَّال، وهي مخالفةٌ للتِّلاوة أيضًا لأنَّها وإن كانت موافقةً لآية «البقرة» في ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ بالدَّال، لكنَّها مخالفةٌ لها من حيث التَّعبير بفعل الأمر، موافقةٌ لآية «الحجِّ» في التَّعبير بالمضارع، لكنَّ تلك، أي: آية «الحجِّ» ﴿مَّعْلُومَاتٍ﴾ باللَّام، مع إثبات: ﴿اسْمَ﴾ في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ ولأبي ذَرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا في «الفتح» و «العمدة»: «(وَيَذْكُرُوا اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)» باللَّام، بلفظ سورة «الحجِّ»، لكنَّه حُذِف لفظ: ﴿اسْمَ﴾ وبالجملة فليس في هذه الرِّوايات الثَّلاث ما يوافق التِّلاوة، ومن ثمَّ استُشكِلت، وأُجيب
стр. 2560
بأنَّه لم يقصد بها التِّلاوة، وإنَّما حكى كلام ابن عبَّاسٍ، وابن عبَّاسٍ إنَّما أراد تفسير المعدودات والمعلومات، نعم في فرع (١) «اليونينيَّة» مما رُقِم له بعلامة أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾» باللَّام، وهذا موافقٌ لما في «الحجِّ».
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ﵄ ممَّا ذكره البغويُّ والبيهقيُّ مُعلَّقًا عنهما (يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ) الأُوَل من ذي (٢) الحجَّة (يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هذا لا يناسب التَّرجمة إلَّا أن المصنِّف ﵀ كثيرًا ما يضيف إلى التَّرجمة ما له أدنى ملابسةٍ (٣) استطرادًا، وقال في «الفتح»: الظَّاهر أنَّه أراد تساوي أيَّام التَّشريق بأيَّام العشر لجامع (٤) ما بينهما ممَّا (٥) يقع فيهما من أعمال الحجِّ.
(وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) الباقر -فيما (٦) وصله الدَّارقُطنيُّ في «المؤتلف» عنه- في أيَّام التَّشريق بمنًى (خَلْفَ النَّافِلَةِ) كالفريضة، وفي ذلك خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق مع غيره.
٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وبالرَّاءين (قَالَ (٧): حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة آخره نونٌ، لُقِّب به لعظم بطنه، وهو كوفيٌّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا العَمَلُ) مبتدأٌ، يشمل أنواع العبادات كالصَّلاة والتَّكبير والذِّكر والصَّوم وغيرها (فِي أَيَّامٍ) من أيَّام السَّنة، وهو متعلِّقٌ بالمبتدأ،
стр. 2561
وخبره قوله: (أَفْضَلُ مِنَها) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «أفضلُ»، والضَّمير عائدٌ إلى «العمل» بتقدير الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١] كذا قرَّره البرماويُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه المحقِّق ابن الدَّمامينيِّ فقال: هذا غلطٌ لأنَّ الطِّفل يُطلَق على الواحد والجماعة بلفظٍ واحدٍ بخلاف العمل، وزاد فخرَّجه على أن يكون الضَّمير عائدًا إلى العمل باعتبار إرادة القربة، مع عدم تأويله بالجمع، أي: ما القربة في أيَّامٍ أفضلُ منها (في هَذَا العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بالتَّصريح بالعشر، وكذا عند أحمد عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، بل في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن شعبة بلفظ: «عشر ذي الحجَّة» وممَّن صرَّح بالعشر أيضًا ابن ماجه وابن حبَّان وأبو عَوانة، ولكريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما العمل في أيَّامٍ (١) أفضل من العمل في هذه» بتأنيث الضَّمير مع إبهام الأيَّام، وفسَّرها بعض الشَّارحين بأيَّام التَّشريق لكون المؤلِّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضليَّة العمل في أيَّام العشر على (٢) أيَّام التَّشريق، ووجَّهه صاحب «بهجة النُّفوس» بأنَّ أيَّامَ التَّشريق أيَّامُ غفلةٍ، والعبادة في أوقات (٣) الغفلة فاضلةٌ عن غيرها كمن قام في جوف اللَّيل وأكثرُ النَّاسِ نيامٌ، وبأنَّه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ منَّ عليه بالفداء، وهو مُعارَضٌ بالمنقول كما قاله في «الفتح»، فالعمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في غيرها (٤) من أيَّام الدُّنيا من غير استثناء شيءٍ، وعلى هذا فرواية كريمة شاذَّةٌ لمخالفتها رواية أبي ذَرٍّ -وهو من الحفُّاظ- عن شيخهما الكُشْمِيْهَنِيِّ، لكن يعكِّر عليه ترجمة المؤلِّف بـ «أيَّام التَّشريق». وأُجيب باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحجِّ فيهما، ومن ثمَّ اشتركا في مشروعيَّة التَّكبير. وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ما العمل في أيَّامٍ أفضل منها في هذه»
стр. 2562
بتأنيث الضَّمير، وهي ظرفٌ مستقرٌّ، حالٌ من الضَّمير المجرور بـ «من»، وإذا كان العمل في أيَّام العشر (١) أفضل من العمل في أيَّام غيره من السَّنة لزم منه أن تكون أيَّام العشر أفضل من غيرها من أيَّام السنة، حتَّى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره (٢) لجمعه الفضيلتين، وخرَّج البزَّار وغيره عن جابرٍ مرفوعًا: «أفضل أيَّام الدُّنيا أيَّام العشر»، وفي حديث ابن عمر المرويِّ عند الطَّبرانيِّ: «ليس يومٌ أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر»، وهو يدلُّ على أنَّ أيَّام العشر أفضل من يوم الجمعة الَّذي هو أفضل الأيَّام، وأيضًا فأيَّام العشر تشتمل على يوم عرفة، وقد رُوِي: أنَّه أفضل أيَّام الدُّنيا، والأيَّام إذا أُطلِقت دخلت فيها اللَّيالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] وقد زعم بعضهم: أنَّ ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه
стр. 2563
لاشتمالها على ليلة القدر، قال الحافظ ابن رجبٍ: وهذا (١) بعيدٌ جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة المرويِّ في «التِّرمذيِّ»: «قيام كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر» لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنَّ عشر رمضان فُضِّل بليلةٍ واحدةٍ، وهذا جميع لياليه متساويةٌ، والتَّحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخِّرين من العلماء (٢): إنَّ مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلةٌ لا يفضل عليها غيرها. انتهى. واستُدِلَّ به على فضل صيام عشر الحجَّة لاندراج الصَّوم في العمل، وعُورِض بتحريم صوم يوم العيد، وأُجيب بحمله على الغالب، ولا ريب أنَّ صيام رمضان أفضل من صوم العشر لأنَّ فعل الفرض أفضل من النَّفل من غير تردُّدٍ، وعلى هذا فكلُّ ما فُعِل من فرضٍ في العشر فهو أفضل من فرضٍ فُعِل في غيره، وكذا النَّفل (قَالُوا): يا رسول الله (وَلَا الجِهَادُ) أفضل منه؟ (٣) وزاد أبو ذَرٍّ: «في سبيل الله» (قَالَ) ﵊: (وَلَا الجِهَادُ) في سبيل الله، ثمَّ استثنى جهادًا واحدًا وهو أفضل الجهاد، فقال: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) أي: إلَّا عملُ رجلٍ، فهو مرفوعٌ على البدل، والاستثناء متَّصلٌ، وقِيلَ: منقطعٌ، أي: لكن رجلٌ خرج يخاطر بنفسه، فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه إنَّما يستقيم على اللُّغة التَّميميَّة، وإلَّا فالمنقطع عند غيرهم واجبُ النَّصب، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «إلَّا من خرج» حال كونه (يُخَاطِرُ) من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطرٌ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) من ماله وإن رجع هو، أو لم يرجع هو ولا ماله بأن ذهب ماله واستُشهِد، كذا قرَّره ابن بطَّالٍ، وتعقَّبه الزَّين بن المُنَيِّر بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» يستلزم أنَّه يرجع (٤) بنفسه، ولا بدَّ، وأُجيب بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» نكرةٌ في سياق النَّفي، فتعمُّ ما ذكره، وعند أبي عَوانة من طريق
стр. 2564
إبراهيم بن حُمَيْدٍ عن شعبة: «إلَّا من عقر جواده وأُهرِيق دمُه»، وعنده من (١) رواية القاسم بن أبي (٢) أيُّوب: «إلَّا من لا يرجع بنفسه وماله (٣)».
وفي هذا الحديث: أنَّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، والثَّاني بسطاميٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصِّيام» (٤)، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
(١٢) (بابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى) يوم العيد، والثَّلاثة بعده (وَ) التَّكبير (إِذَا غَدَا) صبيحة التَّاسع (إِلَى عَرَفَةَ) للوقوف بها.
стр. 2565
(وَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ من رواية عبيد بن عميرٍ عنه، وأبو عبيدٍ من وجهٍ آخر، والبيهقيُّ من طريقه، ولأبي ذَرٍّ ممَّا (١) في فرع «اليونينيَّة»: «وكان ابن عمر» (يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ) بضمِّ القاف وتشديد الباء المُوحَّدة، بيتٌ صغيرٌ من الخيام مستديرٌ، من بيوت العرب (بِمِنًى) في أيَّامها (فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ) بتكبيره (حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى) بتشديد الجيم، أي: تضطرب وتتحرَّك مبالغةً في اجتماع رفع الأصوات (تَكْبِيرًا) بالنَّصب، أي: لأجل التَّكبير، وقد أبدى الخطابيُّ للتَّكبير أيَّام منًى حكمةً، وهي أنَّ الجاهليَّة كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشُرِع التَّكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذَّبح له، وعلى اسمه .
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ ممَّا وصله ابن المنذر، والفاكهيُّ (٢) في «أخبار مكَّة» من طريق ابن جُريجٍ: أخبرني نافعٌ أنَّ ابن عمر كان (يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ) أي: أيَّام منًى (وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ) المكتوبات وغيرها (وَعَلَى فِرَاشِهِ) بالإفراد، وللحَمُّويي والمُستملي: «وعلى فرشه» (وَفِي فُسْطَاطِهِ) بضمِّ الفاء، وقد تُكسرُ: بيتٌ من شَعَرٍ (وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ) بفتح الميم الأولى، موضع مشيه (تِلْكَ الأَيَّامَ) ظرفٌ للمذكورات، أي: في تلك الأيَّام، وكرَّرها للتَّأكيد والمبالغة، ثمَّ أكَّد ذلك أيضًا بقوله: (جَمِيعًا) ويُروَى: «وتلك» (٣) بواو العطف.
(وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليَّة، المُتوفَّاة بسَرِفٍ -بين مكَّة والمدينة، حيث
стр. 2566
بنى بها ﵊ سنة إحدى وخمسين (تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: لم أقف على أثرها هذا موصولًا، وقال صاحب «العمدة»: روى البيهقيُّ تكبيرها يوم النَّحر (وَكُنَّ النِّسَاءُ) على لغة «أكلوني البراغيث»، ولأبي ذَرٍّ: «وكان النِّساء» (يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف المُوحَّدة وبعد الألف نونٌ (بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عمِّ أبيه عبد الملك بن مروان (وَ) خلف أمير المؤمنين (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزَ) أحد الخلفاء الرَّاشدين، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي الدُّنيا في «كتاب العيد» (لَيَالِيَ) أيَّام (التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ) فهذه الآثار قد اشتملت على وجود التَّكبير في تلك الأيَّام عقب الصَّلوات وغيرها من الأحوال، وللعلماء في ذلك اختلافٌ: هل يختصُّ بالمكتوبات أو يعمُّ النَّوافل؟ وبالمُؤدَّاة أو يعمُّ (١) المقضيَّة؟ وهل ابتداؤه من صبح يوم (٢) عرفة أو من ظهره؟ أو من صبح يوم النَّحر أو من ظهره؟ وهل الانتهاء إلى ظهر يوم النحر أو إلى ظهر ثانيه؟ أو إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق أو إلى ظهره أو إلى عصره؟ وقد اجتمع من هذه ستَّةٌ وسبعون، بيان ذلك: أن تضرب أربعة الابتداء في خمسة الانتهاء تبلغ عشرين، يسقط منها كون ظهر النَّحر مبتدأً ومنتهى كليهما معًا، تصير تسعة عشر، تضربها في الأربعة الأولى الباقية تبلغ ستَّةً وسبعين، كذا قرَّره
стр. 2567
البرماويُّ مع ما (١) نقله عن الكِرمانيِّ وغيره، ويُزاد على ذلك: هل يختصُّ بالرِّجال أو يعمُّ النِّساء؟ وبالجماعة أو يعمُّ المنفرد؟ وبالمقيم أو يعمُّ المسافر؟ وبساكن المصر أو يعمُّ أهل القرى؟ فهي ثمانيةٌ حكاها مع سابقتها النَّوويُّ، وزاد غيره في الانتهاء فقال: وقِيلَ: إلى عصر يوم النَّحر، قال في «الفتح»: وقد رواه البيهقيُّ عن أصحاب ابن مسعودٍ، ولم يثبت في شيءٍ من ذلك عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ، وأصحُّ ما ورد فيه عن الصَّحابة قول عليٍّ وابن مسعودٍ: إنَّه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيَّام منًى، أخرجهما ابن المنذر وغيره، والصَّحيح من مذهب الشَّافعيَّة أنَّ استحبابه يعمُّ الصَّلاة فرضًا ونفلًا، ولو جنازةً ومنذورةً ومقضيَّةً في زمن استحبابه لكلِّ مصلٍّ، حاجٍّ أو غيره، مقيمٍ أو مسافرٍ، ذكرٍ أو أنثى، منفردٍ أو غيره، من صبح يوم عرفة إلى عقيب عصر آخر أيَّام التَّشريق للاتِّباع، رواه الحاكم وصحَّحه، لكن ضعَّفه البيهقيُّ، قال في «المجموع»: والبيهقيُّ أتقن من شيخه الحاكم، وأشدُّ تحرِّيًا، وهذا في غير الحجِّ، وعليه العمل، كما قاله النَّوويُّ وصحَّحه في «الأذكار»، وقال في «الرَّوضة»: إنَّه الأظهر عند المحقِّقين، لكن صحَّح في «المنهاج» كـ «أصله»: أنَّ غير الحاجِّ كالحاجِّ، يكبِّر من ظهر يوم النَّحر إلى صبح آخر أيَّام التَّشريق، وخصَّ المالكيَّة استحبابه بالفرائض الحاضرة، وهو عندهم من ظهر يوم النَّحر إلى آخر صبح اليوم الرَّابع، وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة، وينتهي بعصر يوم النَّحر، وقال صاحباه: يُختَم بعصر ثالث أيَّام التَّشريق، وهو على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعةٍ مستحبَّة عند أبي حنيفة، فلا يجب على أهل القرى، ولا بعد النَّوافل والوتر، ولا على منفردٍ، ونساءٍ إذا صلَّين بجماعةٍ (٢)، وقال صاحباه: يجب على كلِّ من يصلِّي المكتوبة لأنَّه شُرِعَ تبعًا لها، وأمَّا صفة التَّكبير، فقال المالكيَّة: الله أكبر، ثلاثًا، وإن قال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، كان حسنًا؛ لِما رُوِي: أنَّ جابرًا صلَّى في أيَّام التَّشريق، فلمَّا فرغ قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (٣)، قِيلَ: واستمرَّ عليه العمل، فلذا أخذ به مالكٌ من غير تضييقٍ، وقال الحنفيَّة: يقول مرَّةً واحدةً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قالوا: وهذا هو
стр. 2568
المأثور عن الخليل (١)، وقال الشَّافعيَّة: يكبِّر ثلاثًا نسقًا اتِّباعًا للسَّلف والخلف، ويزيد: لا إله إلَّا الله، والله أكبر، الله أكبر (٢)، ولله الحمد»، و (٣) قال الشَّافعيُّ: وما زاد من ذكر الله فحسنٌ، واستحسن في «الأمِّ» أن تكون زيادته: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون، لا إله إلَّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده (٤)، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلَّا الله، والله أكبر. وأن يرفع بذلك صوته، وأصحُّ ما ورد في صفته ما أخرجه عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عن سلمان (٥) قال: كبِّروا اللهَ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا.
٩٧٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن عوفٍ (الثَّقَفِيُّ) بالمُثلَّثة والقاف المفتوحتين (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا) ولأبي ذَرٍّ: «سألت أنس بن مالكٍ» (وَنَحْنُ
стр. 2569
غَادِيَانِ) أي: والحال أنَّا سائران (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ) الشَّأن (يُلَبِّي المُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) هذا موضع الجزء الأخير من التَّرجمة، وهو من قوله: وإذا غدا إلى عرفة، وظاهره: أنَّ أنسًا احتجَّ به على جواز التَّكبير في موضع التَّلبية، أو المراد: أنَّه يدخل شيئًا من الذِّكر خلال التَّلبية، لا أنَّه يترك التَّلبية بالكلِّيَّة لأن السنة ألَّا يقطع التَّلبية إلَّا عند رمي (١) جمرة العقبة، وهذا مذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالكٌ: يقطع إذا زالت الشَّمس، وقوله: «يُنكَر» مبنيٌّ للمفعول في الموضعين كما في الفرع، وفي غيره بالبناء للفاعل فيهما (٢)، والضَّمير المرفوع في كلٍّ منهما يرجع إلى النَّبيِّ ﷺ ، وقوله: «لا يُنكَر» الأوَّل، بغير فاءٍ، والثَّاني: «فلا يُنكَر» بإثباتها.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والسُّؤال والقول، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٩]، ومسلمٌ في «المناسك»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
٩٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت، وفي «اليونينيَّة»: أنَّ (٣) على حاشية نسخة أبي ذَرٍّ ما لفظه: «يشبه أن يكون محمَّد بن يحيى الذُّهليَّ، قاله أبو ذَرٍّ». انتهى. ولابن شَبُّوَيه وابن السَّكن وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي أحمد الجرجانيِّ: «حدَّثنا عمر بن حفصٍ» بإسقاط لفظ: «محمَّد» وفي رواية الأَصيليِّ عن بعض مشايخه: «حدَّثنا محمَّد البخاريُّ» وله ممَّا هو في نسخته كما ذكره (٤) في الفرع وأصله: «حدَّثنا
стр. 2570
البخاريُّ: حدَّثنا عمر بن حفصٍ» وعلى هذا فلا واسطة بين البخاريِّ وبين عمر بن حفصٍ، وقد حدَّث المؤلِّف عنه بالكثير من غير (١) واسطةٍ، وربَّما أدخلها أحيانًا، والرَّاجح سقوطها (٢) في هذا الإسناد، وبذلك جزم أبو نُعيمٍ في «المستخرج» قاله الحافظ ابن حجرٍ، وعمر بن حفصٍ هو ابن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ (قال: حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين الأنصاريَّة، أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَة بنت كعبٍ الأنصاريَّة (قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ) بالبناء للمفعول، وهو من المرفوع، وقد وقع التَّصريح برفعه في الرِّواية الآتية قريبًا [خ¦٩٨٠] عن أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (أَنْ نَخْرُجَ) بأن نخرج، أي: بالإخراج (يَوْمَ العِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ) بضمِّ النُّون وكسر الرَّاء، و «البِكرَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حتَّى تَخرُج» بالمُثنَّاة الفوقيَّة المفتوحة وضمِّ الرَّاء، «البِكرُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (مِنْ خِدْرِهَا) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدَّال المهملة، أي: من سترها، وللحَمُّويي والمُستملي -وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ -: «من خدرتها» بالتَّأنيث (حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ) بضمِّ النُّون وكسر الرَّاء في الأوَّل، وضمِّ الحاء المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ونصب المعجمة على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حتَّى تَخرُجَ الحُيَّضُ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الرَّاء، ورفع «الحُيَّضُ» على الفاعليَّة، جمع حائضٍ، و «حتَّى» الثَّانية غايةٌ للغاية الأولى، أو عطفٌ عليها بحذف الأداة (فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ) النِّساء (بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ) بضمِّ الطَّاء المهملة وسكون الهاء، أي:
стр. 2571
التَّطهُّر (١) من الذُّنوب، وتأتي مباحث الحديث بعد بابين [خ¦٩٧٤] إن شاء الله تعالى.
ووجه مطابقته للتَّرجمة من جهة أنَّ يوم العيد كأيَّام منًى بجامع أنَّها أيَّامٌ مشهوداتٌ، والذُّهليُّ نيسابوريٌّ، والرَّاوي الثَّاني والثَّالث كوفيَّان، والرَّابع والخامس بصريَّان، وأخرج المؤلِّف بعضه في حديثٍ طويلٍ في «باب شهود الحائض العيدين» [خ¦٣٢٤] (٢) وفي «الحجّ» [خ¦١٦٥٢]، وكذا أخرجه بقيَّة السِّتَّة، والله أعلم.
(١٣) (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى الحَرْبَةِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يوم العيد».
٩٧٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة المفتوحة والمعجمة المُشدَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير، هو العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ تُرْكَزُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف، أي: تُغرَز، وزاد أبو ذَرٍّ: «له» (الحَرْبَةُ) في الأرض (قُدَّامَهُ) لتكون سترةً له في صلاته (يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ وَ) يوم عيد (النَّحْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي) إليها، وأمَّا صلاته في منًى إلى غير جدارٍ فلبيان أنَّها ليست فريضةً، بل سنَّةً، والحربة: دون الرُّمح.
وسبق الحديث في «باب سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه» [خ¦٤٩٤].
(١٤) (بابُ حَمْلِ العَنَزَةِ) بفتحاتٍ، وهي أقصر من الرُّمح في طرفها زُجٌّ (أَوِ الحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ العِيدِ) عند خروجه للصَّلاة، واستُشكِل بما سبق من النَّهي عن حمل السِّلاح يوم العيد، [خ¦٩٦٦] وأُجيب بأنَّ النَّهيَ إنَّما هو عند خوف التَّأذِّي به، كما مرَّ.
стр. 2572
٩٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) زاد أبو ذَرٍّ: «الحِزَامِيُّ» بالحاء المهملة المكسورة والزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، عبد الرَّحمن، ولأبي ذَرٍّ: «أبو عمرٍو الأوزاعيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) وللأربعة: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى، وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ «بين يديه» الثَّانية (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (١) عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «نصلِّي» بنون الجماعة (٢)، ولأبي ذَرٍّ أيضًا: «فصلَّى» بالفاء وفتح اللَّام بصيغة الماضي، وسقط لابن عساكر «فيصلِّي إليها».
(١٥) (باب خُرُوجِ النِّسَاءِ) الطَّاهرات (وَالحُيَّضِ إِلَى المُصَلَّى) يوم العيد، بواو العطف على «النِّساء» وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (٣)، ولابن عساكر: «خروج النِّساء الحُيَّض» بإسقاطها، وللأَصيليِّ: «خروج الحُيَّض» فأسقط لفظ «النِّساء».
стр. 2573
٩٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَة بنت كعبٍ أنَّها (قَالَتْ: أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قالت: أمرنا نبيُّنا ﷺ » (أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ) جمع عاتقٍ، وهي الَّتي عُتِقَت من الخدمة، أو من (١) قهر أبويها (وَذَوَاتِ الخُدُورِ) أي: السُّتور، وهو منصوبٌ بالكسرة -كمسلماتٍ- صفةٌ لـ «العواتق»، ولغير أبي ذَرٍّ: «وذوات» بالواو، عطفًا على سابقه (وَعَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ بالسَّند المذكور: (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (بِنَحْوِهِ) أي: بنحو رواية أيُّوب عن محمَّدٍ. (وَزَادَ) أيُّوب (فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ) في روايته (٢) عنها (قَالَ) أي: أيُّوب: (أَوْ قَالَت) حفصة: (العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ) شكٌّ منه في عطف «ذوات» بالواو، وقد صرَّح في حديث أمِّ عطيَّة الآتي [خ¦٩٨٠] بعلَّة الحكم، وهو: شهودهنَّ الخير، ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أمُّ عطيَّة بعد النَّبيِّ ﷺ بمدَّةٍ، ولم يثبت عن أحدٍ من الصَّحابة مخالفتها في ذلك. (وَيَعْتَزِلْنَ الحُيَّضُ المُصَلَّى) فلا يختلطن بالمصلِّيات خوف التَّنجيس والإخلال بتسوية الصُّفوف، وإثبات النُّون في «يعتزلن» على لغة: «أكلوني البراغيث»، وللأَصيليِّ: «ويعتزل» بإسقاطها، والمنع من المُصلَّى منع تنزيهٍ إذ لو كان مسجدًا لَحَرُمَ (٣)، واستحباب خروجهنَّ مطلقًا إنَّما كان
стр. 2574
في ذلك الزَّمن حيث كان الأمن من فسادهنَّ، نعم يُستَحبُّ حضور العجائز، وغير ذوات الهيئات بإذن أزواجهنَّ، وعليه حُمِلَ (١) حديث الباب، وليلبسن ثياب الخدمة، ويتنظَّفن بالماء من غير تطييبٍ (٢) ولا زينةٍ إذ يُكرَه لهنَّ ذلك، أمَّا ذوات الهيئات والجمال (٣) فيُكرَه لهنَّ الحضور، وليصلِّين العيد في بيوتهنَّ.
(١٦) (بابُ خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى المُصَلَّى) في الأعياد مع النَّاس وإن لم يصلُّوا.
٩٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بسكون الميم وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف مُهمَلةٌ، ولابن عساكر: «ابن العبَّاس» بالتَّعريف (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديِّ بن حسَّان، الأزديُّ العنبريُّ (قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وللأربعة زيادة: «بن عابسٍ» بالمُوحَّدة المكسورة ثمَّ المهملة (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) أي: كلامه حال كونه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ) عيد (فِطْرٍ أَوْ) عيد (أَضْحًى) شكٌّ من الرَّاوي، أو هو من (٤) عبد الرَّحمن بن عابسٍ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ من وجهٍ آخر بعد بابين [خ¦٩٧٩]: الجزمُ بأنَّه يوم الفطر (فَصَلَّى العيد، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ) أنذرهنَّ العقاب (وَذَكَّرَهُنَّ) بالتَّشديد من التَّذكير، تفسيرٌ لقوله: «وعظهنَّ» أو تأكيدٌ له، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فذكَّرهنَّ» بالفاء بدل الواو (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ)
стр. 2575
واستُشكِل وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وأُجيب بأنَّه أشار على عادته إلى بعض طرق الحديث الآتي بعد بابٍ إن شاء الله تعالى [خ¦٩٧٧]: «ولولا مكاني من الصِّغر ما شهدته».
ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه في «الصَّلاة» [خ¦٨٦٣] أيضًا و «العيدين» [خ¦٩٦٤] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٢٥]، وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(١٧) (بابُ اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ العِيدِ) بعد الصَّلاة.
(قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وقال» (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ممَّا (١) وصله المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «باب الخروج إلى المُصلَّى» [خ¦٩٥٦] (قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُقَابِلَ النَّاسِ).
٩٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مُصَرِّفٍ (عَنْ زُبَيْدٍ) الياميِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى) وللأَصيليِّ: «يوم الأضحى إلى البقيع» مقبرة المدينة
стр. 2576
(فَصَلَّى العيد رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم، هذا موضع التَّرجمة (وَقَالَ) بعد أن صلَّى: (إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا) وفي «اليونينيَّة»: «نُسْكنا» بسكون السِّين (أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) كذلك (١) (فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ) أي: الصَّلاة (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ (٢)) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «فإنَّه شيءٌ» (عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، فَقَامَ رَجُلٌ) هو ابن نِيَارٍ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ) قبل الصَّلاة (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز، هي (خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ) لِنَفَاستها (قَالَ) ﵊: (اذْبَحْهَا، وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا تُفِي» بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الفاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «ولا تُغني» بضمِّ المُثنَّاة وسكون الغين المعجمة وبالنُّون، ومعناهما متقاربٌ، والحديث قد مرَّ غير مرَّةٍ.
(١٨) (بابُ العَلَمِ الَّذِي) جُعِلَ (بِالمُصَلَّى) ليُعرَف به، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «باب العَلَم بالمُصلَّى».
٩٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: القطَّان، وللأَصيليِّ:
стр. 2577
«يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا سفيان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ) بالمهملة بعد المُوحَّدة (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قِيلَ) وللأَصيليِّ: «وقِيلَ» (لَهُ: أَشَهِدْتَ) بهمزة الاستفهام، أي: أَحضرتَ (العِيدَ) أي: صلاته (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) شهدته (وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ) أي: لولا مكاني منه ﵊ لأجل الصِّغر (مَا شَهِدْتُهُ، خرج) ﵊ (حَتَّى أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ) والدَّار المذكورة بعد العهد النَّبويِّ، وإنَّما عُرِفَ المُصلَّى بها لشهرتها (١) (فَصَلَّى) العيد (ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) قال ابن عبَّاسٍ: (فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة من «يَهْوِين» كذا في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «يُهوين» بضمِّها، من «أهوى» أي: يمددن أيديهنَّ بالصَّدقة ليتناول بلالٌ، حال كونهنَّ (يَقْذِفْنَهُ) أي: يرمين المُتصدَّق به (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ) ﵊ (هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ) ووقع في رواية أبي عليٍّ الكُشَانيِّ هنا عقب هذا الحديث: «قال محمَّد بن كثيرٍ: العَلَمُ انتهى».
وهذا قد وصله المؤلِّف في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٢٥]، وفي فرع «اليونينيَّة» علامة سقوطه (٢) في رواية ابن عساكر، وعليه ضُرِب من «قال … » إلى آخر قوله: «انتهى»، والله أعلم.
(١٩) (بابُ مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ) إذا لم يسمعن الخطبة مع الرِّجال.
стр. 2578
٩٧٨ - ٩٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ نَصْرٍ) السَّعديُّ البخاريُّ، وسقط للأَصيليِّ «بن إبراهيم بن نصرٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ، صاحب «المُسنَد» و «المُصنَّف» (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: «أخبرنا» (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ) من الخطبة (نَزَلَ) أي: انتقل كما مرَّ في «باب المشي والرُّكوب إلى صلاة العيد، والصَّلاة قبل الخطبة» [خ¦٩٥٨] (فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف (وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) نُصِبَ على
стр. 2579
المفعولية، وجُوِّز إضافة «باسط» (يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ) وللأَصيليِّ: «صدقةً». قال ابن جُريجٍ بالإسناد السَّابق: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ): أكانت الصَّدقة (زَكَاةَ يَوْمِ الفِطْرِ؟) ولأبي ذَرٍّ: «زكاةُ» بالرَّفع، أي: أهي زكاة الفطر؟ (قَالَ) عطاءٌ: (لَا، وَلَكِنْ) كانت (صَدَقَةً) ويجوز الرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: ولكن هي صدقةٌ (يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ) بها (تُلْقِي) النِّساء، بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون اللَّام وكسر القاف، من الإلقاء (فَتَخَهَا) بفتح الفاء والمُثنَّاة والمعجمة، منصوبًا على المفعوليَّة لـ «تلقي»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فَتَخَتَها» بفتحاتٍ وزيادة تاء التَّأنيث، والفتخة: حلقةٌ من فضَّةٍ لا فصَّ لها (وَيُلْقِينَ) كلَّ نوعٍ من حليِّهنَّ، وكرَّر الإلقاء لإفادة العموم. قال ابن جريجٍ بالإسناد المذكور أيضًا (١): (قُلْتُ) لعطاءٍ: (أَتُرَى) بضمِّ التَّاء، كما في «اليونينيَّة»، وضبطه البرماويُّ بفتحها (حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ؟) إشارةٌ إلى ما ذكر من أمرهنَّ بالصَّدقة (وَيُذَكِّرُهُنَّ) ولأبي ذَرٍّ: «يُذَكِّرهنَّ» بغير واوٍ، وللأَصيليِّ: «يأتيهنَّ ويذكِّرهنَّ؟» (قَالَ) ابن جريجٍ: (إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن يَنَّاقَ المكِّيُّ، أي: بالإسناد المذكور، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وأخبرني حسنٌ» (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: شَهِدْتُ الفِطْرَ) أي: صلاته (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃¬) فكلهم كانوا (يُصَلُّونَهَا) أي: صلاة الفطر (قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح (٢) الطَّاء مبنيًّا للمفعول، أو بالفتح والضَّمِّ للفاعل، أي: يخطب كلٌّ منهم (بَعْدُ) مبنيًّا على الضَّمِّ لقطعه عن الإضافة، أي: بعد الصَّلاة. قال ابن عبَّاسٍ: (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)
стр. 2580
وقِيلَ: أصله: «وخرج» بالواو المُقدَّرة، وفي «تفسير سورة الممتحنة» [خ¦٤٨٩٥] من وجهٍ آخر عن ابن جريجٍ: «فنزل نبيُّ الله ﷺ »، ولابن عساكر: «ثمَّ يخطب بعد خروج النَّبيِّ ﷺ » أي: بعد الوقت الَّذي كان يخرج فيه (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجْلِسُ) بضمِّ أوَّله وسكون الجيم من الإجلاس، ولأبي ذَرٍّ: «يُجَلِّس» بفتح الجيم وتشديد اللَّام من التَّجليس، أي: يجلِّس الرِّجال (بِيَدِهِ) أي (١): يشير بيده أمرهم بالجلوس لينتظروه حتَّى يفرغ ممَّا يقصده، ثمَّ ينصرفوا جميعًا (ثُمَّ أَقْبَلَ) ﵊ (يَشُقُّهُمْ) أي: صفوف الرِّجال الجالسين (حَتَّى أتى النِّسَاءَ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «حتَّى جاء النِّساء» (مَعَهُ بِلَالٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، بغير واوٍ (فَقَالَ) ﵊ تاليًا هذه الآية: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ … الآيَةَ [الممتحنة: ١٢]) ليذكِّرهنَّ البيعة الَّتي وقعت بينه وبين النِّساء لمَّا فتح مكَّة على الصَّفا، وذكر لهنَّ (٢) ما ذُكِرَ في هذه الآية (ثُمَّ قَالَ) ﵊ (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: من قراءة الآية: (آنتنَّ عَلَى ذَلِكِ) بكسر الكاف، قال في «المصابيح»: وهذا ممَّا وقع فيه «ذلكِ» بالكسر موقع: «ذلكنَّ»، والإشارة إلى ما ذُكِرَ في الآية. (قَالَتِ امْرَأَةٌ) ولأبي ذَرٍّ «فقالت امرأةٌ واحدةٌ» (مِنْهُنَّ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا (٣): نَعَمْ) نحن على ذلك (لَا يَدْرِي حَسَنٌ) هو ابن مسلمٍ، الرَّاوي عن طاوسٍ (٤) (مَنْ هِيَ) المجيبة؟ قِيلَ: يُحتمَل أنَّها أسماء بنت يزيد لرواية البيهقيِّ: أنَّها خرجت مع النِّساء، وأنَّه ﷺ قال: «يا معشر النِّساء إنَّكنَّ أكثر حطب جهنَّم»، قالت: فناديت: يا رسول الله -وكنت عليه جريئةً- ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنَّكنَّ تكثرن
стр. 2581
اللَّعن، وتكفرن العشير … » الحديث؛ لأنَّ القصَّة واحدةٌ، فلعلَّ بعض الرُّواة ذكر ما لم يذكره الآخر، فالله أعلم. (قَالَ) ﵊: (فَتَصَدَّقْنَ) الفاء يجوز أن تكون للسَّببيَّة، وأن تكون في (١) جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إن كنتنَّ على ذلك فتصدَّقن (فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ) أي: بلالٌ: (هَلُمَّ، لَكُنَّ فِدَاءٌ) بكسر الفاء مع المدِّ والقصر والرَّفع، خبرٌ لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) عطفٌ عليه، والتَّقدير: أبي وأمِّي فداءٌ (٢) لَكُنَّ، ويجوز النَّصب (فَيُلْقِينَ) بضمِّ الياء من الإلقاء، أي: يرمين (الفَتَخَ وَالخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ).
(قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الفَتَخُ: الخَوَاتِيمُ العِظَامُ) الَّتي (كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قال ثعلبٌ: إنَّهنَّ (٣) كنَّ يلبسنها في أصابع الأرجل (٤).
(٢٠) هذا (٥) (بَابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا) أي: للمرأة (جِلْبَابٌ فِي) يوم (العِيدِ) تُعِيرُها صاحبتها جلبابًا من جلابيبها، فتخرج فيه (٦) إلى المُصلَّى. والجِلْباب: بكسر الجيم وسكون
стр. 2582
اللَّام ومُوحَّدتين بينهما ألفٌ: ثوبٌ أقصر وأعرض من الخمار، أو هو المِقْنَعَة، أو ثوبٌ واسعٌ يغطِّي صدرها وظهرها، أو هو كالمِلْحَفة، أو هو الإزار، أو الخِمَار.
٩٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مُهمَلةٌ ساكنةٌ، عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (١) التَّميميُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) الأنصاريَّة (قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ العِيدِ) إلى المُصلَّى (فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ) بفتح الخاء المعجمة واللَّام، جدُّ طلحة بن عبد الله بن خلفٍ بالبصرة (فَأَتَيْتُهَا فَحَدَّثَتْ: أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا) قِيلَ: هي أخت أمِّ عطيَّة، وقِيلَ: غيرُها،
стр. 2583
ونصَّ القرطبيُّ: أنَّها أمُّ عطيَّة، ولم يُعلَم اسم (١) زوج أختها (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) قالت المرأة المحدِّثة (٢): (فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ) أي: مع زوجها، أو مع النَّبيِّ ﷺ (فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، فَقَالَتْ) أي: الأخت لا المرأة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «قالت» (فَكُنَّا) بالجمع لقصد العموم (نَقُومُ عَلَى المَرْضَى، وَنُدَاوِي الكَلْمَى) بفتح الكاف وسكون اللَّام: الجرحى، محارمٌ وغيرهم، أي: إذا كانت المعالجة بغير مباشرةٍ كإحضار الدَّواء مثلًا، نعم إن احتِيج إليها وأُمِنت الفتنة جاز (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى) ولأبي ذَرٍّ: «أعلى» (إِحْدَانَا بَأْسٌ) أي: حرجٌ وإثمٌ (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ ألَّا تَخْرُجَ) إلى المُصلَّى للعيد (٣)؟ (فَقَالَ) ﵊: (لِتُلْبِسْهَا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون اللَّام وكسر المُوحَّدة وجزم المُهمَلة (صَاحِبَتُهَا) أي: تُعِيرُها (مِنْ جِلْبَابِهَا) أي: من (٤) جنس جلبابها، ويؤيِّده رواية ابن خزيمة: «من جلابيبها» أي: ما لا تحتاج إليه، أو هو على سبيل المبالغة، أي: يخرجن ولو كان ثنتان في ثوبٍ واحدٍ، قال ابن بطَّالٍ: فيه تأكيدُ خروجهنَّ للعيد لأنَّه إذا أَمَرَ مَن لا جلباب لها فَمَنْ لها جلبابٌ أَوْلى، وقال أبو حنيفة: ملازماتٌ البيوت لا يخرجن (فَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ) أي: مجالس الخير كسماع الحديث وعيادة المرضى رجاءَ البركة (وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء. (قَالَتْ حَفْصَةُ: فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبة (أَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ) بهمزة الاستفهام، أي: النَّبيَّ ﷺ (فِي كَذَا؟) زاد أبو ذَرٍّ في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «وكذا» (قَالَتْ) أمُّ عطيَّة: (نَعَمْ) سمعته، كذا لأبي ذَرٍّ، وابن عساكر:
(قَالَتْ: نَعَمْ) وللأَصيليِّ: «فقالت: نعم» (أَلَيْسَ الحَائِضُ) بهمزة الاستفهام، واسمها: ضمير الشَّأن (تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ؟) أي: يومها (وَتَشْهَدُ كَذَا، وَتَشْهَدُ كَذَا؟) أي: نحو المزدلفة، ورمي الجمار؟
فيه: مشروعيَّة خروج النِّساء إلى شهود العيدين، سواءٌ كنَّ شوابّ أو ذوات هيئاتٍ أم لا، والأَوْلى أن يخصَّ ذلك بمن يُؤمَن عليها وبها الفتنة، فلا يترتَّب على حضورها محذورٌ، ولا تزاحم الرِّجال في الطُّرق، ولا في المجامع.
وقد مرَّ في «باب خروج النِّساء إلى العيدين» [خ¦٩٧٤] نحو ذلك.
(٢١) (بابُ اعْتِزَالِ الحُيَّضِ المُصَلَّى).
٩٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بضمِّ الميم وفتح المُثلَّثة وتشديد النُّون المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد بن إبراهيم (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الميم (أَنْ نَخْرُجَ) بفتح النُّون وضمِّ الرَّاء من الخروج (فَنُخْرِجَ الحُيَّضَ) بضمِّ النُّون وكسر الرَّاء من الإخراج (وَالعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ) بواو العطف، أي: السُّتور، والعواتق جمع: عاتقٍ وهي البنت الَّتي بلغت. (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَوْنٍ) الرَّاوي عن ابن سيرين: (أَوِ العَوَاتِقَ ذَوَاتِ الخُدُورِ) شكَّ فيه، هل هو بالواو أو بحذفها؟ كما شكَّ أيُّوب. (فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ) رجاء بركة ذلك اليوم وطهرته (وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ) خوف التَّنجيس والإخلال بتسوية الصُّفوف، والمنع من المُصلَّى منع تنزيهٍ لأنَّه ليس مسجدًا، وقال بعضهم:
стр. 2586
يحرم اللَّبث فيه كالمسجد لكونه موضع الصَّلاة، والصَّواب الأوَّل، فيأخذن ناحيةً في المُصلَّى عن المصلِّين، ويقفن بباب المسجد لحرمة دخولهنَّ له، وإنَّما ترجم المؤلِّف لهذا الحكم وإن كان هو بعض ما تضمَّنه الحديث المسوق في الباب السَّابق [خ¦٩٨٠] للاهتمام به.
(٢٢) (بابُ النَّحْرِ) للإبل (وَالذَّبْحِ) لغيرها (بِالمُصَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «يوم النَّحر بالمُصلَّى» ليس إلَّا.
٩٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ) بالمُثلَّثة في الأولى، وفتح الفاء والقاف بينهما راءٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ، نزيل مصر (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ -أَوْ يَذْبَحُ- بِالمُصَلَّى) يوم العيد للإعلام ليترتَّب عليه ذبح النَّاس، ولأنَّ الأضحية من القُرَب العامَّة، فإظهارها أفضل لأنَّ فيه إحياءً لسنَّتها.
قال مالكٌ: لا يذبح أحدٌ حتَّى يذبح الإمام، نعم أجمعوا على أنَّ الإمام لو لم يذبح حلَّ الذَّبح للنَّاس إذا دخل وقت الذَّبح، فالمدار على الوقت لا الفعل، وإنَّما عطف المؤلِّف الذَّبح على النَّحر في التَّرجمة وإن كان حديث الباب بـ «أو» المقتضية للتَّردُّد ليُفهَم أنَّه لا يمتنع الجمع بين النُّسكين: ما يذبح، وما ينحر في ذلك اليوم، أو إشارةٌ إلى أنَّه ورد في بعض طرق الحديث بالواو.
ويأتي إن شاء الله تعالى الحديث بمباحثه في «كتاب الأضاحي» [خ¦٥٥٥٢]، وقد أخرجه النَّسائيُّ في «الأضاحي» و «الصَّلاة».
стр. 2587
(٢٣) (بابُ كَلَامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز النَّصب كما في الفرع (١) (فِي خُطْبَةِ العِيدِ، وَ) باب (إِذَا سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ شَيْءٍ) من أمر الدِّين (وَهْوَ يَخْطُبُ) خطبة العيد يجيب السَّائل.
٩٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بحاءٍ وصادٍ مهملتين، سَلَّام بن سُلَيمٍ الحنفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر ابن شراحيلَ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَقَالَ) بالفاء قبل القاف، ولابن عساكر: «قال»: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسْكَنَا) أي: قرَّب قرباننا (فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ) المجزئ عن الأضحية (وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ) تُؤكَل، ليست من النُّسك في شيءٍ. (فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ) بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ نَسَكْتُ) ذبحت (قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ) بالواو، ولابن عساكر: «فأكلت» (وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي) بكسر الجيم جمع جارٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تِلْكَ) أي: المذبوحة قبل الصَّلاة (شَاةُ لَحْمٍ) غير مجزئةٍ عن الأضحية. وهذه المراجعة الواقعة بينه ﷺ وبين أبي بردة
стр. 2588
تدلُّ للحكم الأوَّل من التَّرجمة، وتاليها يدلُّ على الثَّاني منها، وهو قوله: (قَالَ) أي: أبو بردة: (فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ) بنصب «عناق»، اسم «إنَّ»، وجرِّ «جذعةٍ» على الإضافة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عناقًا جذعةً» بنصبهما، قال في «المصابيح»: ففي الإضافة حينئذٍ إشكالٌ (هِيَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «لَهي» (خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) لِنَفاسَتها (فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي؟) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة من غير همزٍ، أي: هل تكفي عنِّي؟ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) تجزي عنك (وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) فهي خصوصيَّةٌ له، كما مرَّ.
٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، البَكْراويُّ، من ولد أبي بكرة، قاضي كرمان، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئتين (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) وللأَصيليِّ: «عن حمَّاد، هو ابن زيد» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ) بكسر الهمزة، ولأبي ذَرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ أنَّ» بإسقاط «قال» وفتح همزة «أنَّ» (رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ) صلاة العيد (ثُمَّ خَطَبَ) أي: النَّاسَ (فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ
стр. 2589
ذَبْحَهُ) بفتح الذَّال المعجمة في «اليونينيَّة» مصدر «ذَبَحَ»، وفي نسخةٍ غيرها: «ذِبْحَه» بكسرها (١): اسمٌ للشَّيء (٢) المذبوح (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو بردة بنُ نِيَارٍ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِيرَانٌ) مبتدأٌ، وقوله: (لِي) صفته، والجملة اللَّاحقة خبره، وهي (٣) قوله: (إِمَّا قَالَ (٤)) الرَّجل: (بِهِمْ خَصَاصَةٌ) بالتَّخفيف: جوعٌ (وَإِمَّا قَالَ: فَقْرٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٥) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وإمَّا قال: بهم فقرٌ» (وإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي) هي (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) لأنَّها أغلى ثمنًا وأعلى لحمًا (فَرَخَّصَ لَهُ) ﵊ (فِيهَا) ولم تعمَّ الرُّخصةُ غيرَه.
٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابن قيسٍ العَبْدِيِّ، بسكون المُوحَّدة، الكوفيِّ (عَنْ جُنْدَُبٍ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون، وفتح الدَّال وضمِّها، ابن عبد الله البجليِّ ﵁ (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) صلاة العيد (ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، فَقَالَ) أي: في خطبته، ولأبوي ذَرٍّ والوقت «وقال»: (مَنْ ذَبَحَ
стр. 2590
قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) العيد (فَلْيَذْبَحْ) ذبيحةً (أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ) أي: لله، فالباء بمعنى: اللَّام، أو متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، أي: بسنَّة الله، أو تبرُّكًا باسم الله تعالى، ومذهب الحنفيَّة وجوب الأضحية على المقيم بالمصر، المالك للنِّصاب، والجمهور أنَّها سنَّةٌ لحديث مسلمٍ مرفوعًا: «من رأى هلال ذي الحجَّة فأراد أن يضحِّي فليمسك عن شعره وأظفاره» والتَّعليق بالإرادة ينافي الوجوب.
ورواة حديث الباب الأخير ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦٢] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٠] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥٠٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الأضاحي».
(٢٤) (بابُ مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ) الَّتي توجَّه منها إلى المُصلَّى (إِذَا رَجَعَ يَوْمَ العِيدِ) بعد الصَّلاة.
٩٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولابن عساكر «هو ابن سَلَامٍ» كما في هامش فرع «اليونينيَّة»، وفي رواية أبي عليِّ بن السَّكن فيما ذكره في «الفتح»: «حدَّثنا محمَّد بن سَلَامٍ» وكذا للحفصيِّ، وجزم به الكلاباذيُّ وغيره، ولأبي عليِّ بن شَبُّويَه: أنَّه محمَّد بن مقاتلٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو المُعتَمَد. (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو تُمَيْلَةَ) بضمِّ
стр. 2591
المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة بينهما ميمٌ مفتوحةٌ مُصغَّرًا (يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ) الأنصاريُّ المروزيُّ، قِيلَ: إنَّه ضعيفٌ لذكر المؤلِّف له في الضُّعفاء، وتفرَّد به شيخه، وهو مُضعَّفٌ عند ابن معينٍ والنَّسائيِّ وأبي داود، ووثَّقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر، وسعدٍ القَرَظ، وأبي رافعٍ، وعثمان بن عبيد الله التَّيميِّ، فصار من القسم الثَّاني من قِسْمَي الصَّحيح، قاله شيخ الصَّنعة ابنُ حجرٍ. (عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّلهما وفتح ثانيهما (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بن المُعلَّى الأنصاريِّ المدنيِّ، قاضيها (عَنْ جَابِرٍ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «عن جابر بن عبد الله ﵄» (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ) بالرَّفع فاعل «كان»، وهي تامَّةٌ تكتفي بمرفوعها، أي: إذا وقع يوم عيدٍ، وجواب «إذا» قوله: (خَالَفَ الطَّرِيقَ) رجع في (١) غير طريق الذَّهاب إلى المُصلَّى، قد اختُلِف في ذلك على أقوالٍ كثيرةٍ، وأشار صاحب «الهدي» إلى أنَّه فعل ذلك لجميع ما ذُكِر من الأشياء المحتملة القريبة، والله أعلم.
قال في «المجموع»: وأصحُّ الأقوال في حكمته أنَّه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجر، ويرجع في أقصرهما لأنَّ الذَّهاب أفضل من الرُّجوع، وأمَّا قول إمام الحرمين وغيره: إنَّ الرُّجوع ليس بقربةٍ فعُورِض بأنَّ أجر الخُطَا يُكتَب في الرُّجوع أيضًا كما ثبت في حديث أُبيِّ بن كعبٍ عند التِّرمذيِّ وغيره، وقِيلَ: خالف ليشهد له الطَّريقان، أو أهلهما من الجنِّ والإنس، أو ليتبرَّك به أهلهما، أو ليُستفتَى فيهما، أو ليتصدَّق على فقرائهما، أو ليزور قبور أقاربه فيهما، أو ليصل رَحِمَه، أو للتَّفاؤل بتغيُّر الحال إلى المغفرة والرِّضا، أو لإظهار شعار الإسلام فيهما،
стр. 2592
أو ليغيظ المنافقين أو اليهود، أو ليرهبهم بكثرة من معه، أو حذرًا من إصابة العين، فهو في معنى قول يعقوب لبنيه عليهم الصَّلاة والسَّلام: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، ثمَّ من شاركه ﷺ في المعنى نُدِب له ذلك، وكذا من لم يشاركه في الأظهر تأسيًا به ﵊ كالرَّمل والاضطباع، سواءٌ فيه الإمام والقوم، واستحبَّ في «الأمِّ» أن يقف الإمام في طريق رجوعه إلى القبلة ويدعو، ورَوى فيه حديثًا. انتهى.
ورواة الحديث الثَّاني مروزيٌّ، والثَّالث والرَّابع مدنيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول.
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا تُمَيْلَةَ المذكور (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البغداديُّ المؤدِّب، فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق ابن أبي شيبة (عَنْ فُلَيْحٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن سعيدٍ» (عن أبي هريرة).
(وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ) كذا عند جمهور رواة البخاريِّ من طريق الفَِرَبْريِّ، واستُشكِل بأنَّ المتابعة لا (١) تقتضي المساواة، فكيف تقتضي الأصحيَّة؟ وأُجيب بأنَّه سقط في رواية إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيِّ عن البخاريِّ فيما ذكره (٢) الجيَّانيُّ قوله «وحديث جابرٍ أصحُّ» وبأنَّ أبا نُعيمٍ في «مستخرجه» قال: أخرجه البخاريُّ عن أبي تُمَيْلَة (٣)، وقال: تابعه يونس بن محمَّدٍ عن فُلَيْحٍ.
وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ عن سعيدٍ عن أبي هريرة: وحديث جابرٍ أصحُّ، وبذلك جزم أبو مسعودٍ في «الأطراف»، فيكون حديث أبي هريرة صحيحًا، وحديث جابرٍ أصحَّ منه، ولذلك (٤) قال التِّرمذيُّ بعد أن ساق حديث أبي هريرة: حديثٌ غريبٌ، وحينئذٍ فيكون سقط من رواية الفَِرَبْريِّ قوله «وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ» فقط. وهذا على رواية ابن السَّكن، وأمَّا على رواية الباقين فسقط إسناد محمَّد بن الصَّلت كلُّه، والحاصل-كما قاله
стр. 2593
الكِرمانيِّ-: أنَّ الصَّواب إمَّا طريقة النَّسفيِّ الَّتي بالإسقاط، وإمَّا طريقة أبي نُعيمٍ وأبي مسعودٍ بزيادة حديث ابن الصَّلت الموصولة عند الدَّارميِّ، لا طريقة الفَِرَبْريِّ.
(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا فَاتَهُ العِيدُ) أي: إذا فات الرَّجل صلاة العيد مع الإمام، سواءٌ كان لعارضٍ أم لا (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) كهيئتها مع الإمام، لا أربعًا خلافًا لأحمد فيما نُقِل عنه، وعبارة المَرْداويِّ في «تنقيح (١) المقنع»: وإن فاتته سُنَّ قضاؤها قبل الزَّوال وبعده على صفتها (٢)، وعنه: أربعٌ بلا تكبيرٍ بسلامٍ، قال بعضهم: كالظُّهر. انتهى. واستدلَّ بما روى سعيد بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ من قوله: «من فاته العيد مع الإمام فليصلِّ أربعًا»، وقال المزنيُّ وغيره: إذا فاتته لا يقضيها، وقال الحنفيَّة: لا تُقضَى لأنَّ لها شرائطَ لا يقدر المنفرد على تحصيلها. (وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ) اللَّاتي لم يحضرن المُصلَّى مع الإمام (وَ) كذلك (مَنْ كَانَ فِي البُيُوتِ) ممَّن لم يحضرها معه أيضًا (وَ) كذلك من كان في (القُرَى) ولم يحضر (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ) بنصب «أهل» على الاختصاص، أو منادى مضافٌ حُذِفَ
стр. 2594
منه حرف النِّداء، ويؤيِّده رواية أبي ذَرٍّ في نسخةٍ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا أهل الإسلام» وأشار إلى حديث عائشة في الجاريتين اللَّتين كانتا تغنِّيان في بيتها إذ فيه قوله ﵊ [خ¦٩٥٢]: «وهذا عيدنا»، وحديث عقبة بن عامرٍ المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وغيرهما: أنَّه ﵊ قال في أيَّام التَّشريق: «عيدنا أهل الإسلام»، قِيلَ: وجه الدَّلالة على التَّرجمة من ذلك: أنَّ قوله: «هذا» إشارةٌ إلى الرَّكعتين، وعمَّم بـ «أهل» من كان مع الإمام أو لم يكن كالنِّساء (١) وأهل القرى وغيرهم. انتهى، فليُتأمَّل. وأشار المؤلِّف بقوله: «ومن كان في البيوت والقرى» إلى مخالفة ما رُوِي عن عليٍّ: لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصرٍ جامعٍ.
(وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) لمَّا فاتته صلاة العيد مع الإمام فيما وصله ابن أبي شيبة (مَوْلَاهُمُ) أي: مولى أنسٍ وأصحابه، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مولاه» (ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ) بنصب «ابن» بدلٌ من «مولى»، أو بيانٌ، وبضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة على الأكثر الأشهر، وهو الَّذي في الفرع وأصله، ولأبي ذَرٍّ -كما (٢) في «الفتح» -: «غَنيَّة» بالمعجمة المفتوحة والنُّون والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة (بِالزَّاوِيَةِ) بالزَّاي، موضعٌ على فرسخين من البصرة، كان بها قصرٌ وأرضٌ لأنس (فَجَمَعَ) له (أَهْلَهُ وَبَنِيهِ) بتخفيف ميم «فجمَع» (وَصَلَّى) بهم أنسٌ صلاة العيد (كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ) ركعتين (٣) (وَتَكْبِيرِهِمْ).
(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي) يوم (العِيدِ، يُصَلُّونَ) صلاة العيد (رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ).
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (٤)، ممَّا وصله الفريابيُّ في «مُصنَّفه»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وكان عطاءٌ» (إِذَا فَاتَهُ العِيدُ) أي: صلاته مع الإمام (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) زاد ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن
стр. 2595
ابن جريجٍ: و «يكبِّر»، وهو يقتضي أن يصلِّي كهيئتها، لا أنَّ الرَّكعتين مُطلَق نفلٍ.
٩٨٧ - ٩٨٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ) مستترٌ، ولأبي ذَرٍّ: «مُتغشِّي» (بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا) زجرهما (أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ) الثَّوبَ (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: اتركهما (يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا) أي: هذه الأيَّام (أَيَّامُ عِيدٍ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى) أضاف الأيَّام (١) إلى «العيد»، ثمَّ إلى «مِنًى»، إشارةً إلى الزَّمان ثمَّ المكان. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) بالإسناد السَّابق: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ،