← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة بينهما ميمٌ مفتوحةٌ مُصغَّرًا (يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ) الأنصاريُّ المروزيُّ، قِيلَ: إنَّه ضعيفٌ لذكر المؤلِّف له في الضُّعفاء، وتفرَّد به شيخه، وهو مُضعَّفٌ عند ابن معينٍ والنَّسائيِّ وأبي داود، ووثَّقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث ابن عمر، وسعدٍ القَرَظ، وأبي رافعٍ، وعثمان بن عبيد الله التَّيميِّ، فصار من القسم الثَّاني من قِسْمَي الصَّحيح، قاله شيخ الصَّنعة ابنُ حجرٍ. (عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّلهما وفتح ثانيهما (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بن المُعلَّى الأنصاريِّ المدنيِّ، قاضيها (عَنْ جَابِرٍ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «عن جابر بن عبد الله ﵄» (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ) بالرَّفع فاعل «كان»، وهي تامَّةٌ تكتفي بمرفوعها، أي: إذا وقع يوم عيدٍ، وجواب «إذا» قوله: (خَالَفَ الطَّرِيقَ) رجع في (١) غير طريق الذَّهاب إلى المُصلَّى، قد اختُلِف في ذلك على أقوالٍ كثيرةٍ، وأشار صاحب «الهدي» إلى أنَّه فعل ذلك لجميع ما ذُكِر من الأشياء المحتملة القريبة، والله أعلم. قال في «المجموع»: وأصحُّ الأقوال في حكمته أنَّه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجر، ويرجع في أقصرهما لأنَّ الذَّهاب أفضل من الرُّجوع، وأمَّا قول إمام الحرمين وغيره: إنَّ الرُّجوع ليس بقربةٍ فعُورِض بأنَّ أجر الخُطَا يُكتَب في الرُّجوع أيضًا كما ثبت في حديث أُبيِّ بن كعبٍ عند التِّرمذيِّ وغيره، وقِيلَ: خالف ليشهد له الطَّريقان، أو أهلهما من الجنِّ والإنس، أو ليتبرَّك به أهلهما، أو ليُستفتَى فيهما، أو ليتصدَّق على فقرائهما، أو ليزور قبور أقاربه فيهما، أو ليصل رَحِمَه، أو للتَّفاؤل بتغيُّر الحال إلى المغفرة والرِّضا، أو لإظهار شعار الإسلام فيهما،

стр. 2592

أو ليغيظ المنافقين أو اليهود، أو ليرهبهم بكثرة من معه، أو حذرًا من إصابة العين، فهو في معنى قول يعقوب لبنيه عليهم الصَّلاة والسَّلام: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، ثمَّ من شاركه ﷺ في المعنى نُدِب له ذلك، وكذا من لم يشاركه في الأظهر تأسيًا به ﵊ كالرَّمل والاضطباع، سواءٌ فيه الإمام والقوم، واستحبَّ في «الأمِّ» أن يقف الإمام في طريق رجوعه إلى القبلة ويدعو، ورَوى فيه حديثًا. انتهى. ورواة الحديث الثَّاني مروزيٌّ، والثَّالث والرَّابع مدنيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول. (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا تُمَيْلَةَ المذكور (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البغداديُّ المؤدِّب، فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق ابن أبي شيبة (عَنْ فُلَيْحٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن سعيدٍ» (عن أبي هريرة). (وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ) كذا عند جمهور رواة البخاريِّ من طريق الفَِرَبْريِّ، واستُشكِل بأنَّ المتابعة لا (١) تقتضي المساواة، فكيف تقتضي الأصحيَّة؟ وأُجيب بأنَّه سقط في رواية إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيِّ عن البخاريِّ فيما ذكره (٢) الجيَّانيُّ قوله «وحديث جابرٍ أصحُّ» وبأنَّ أبا نُعيمٍ في «مستخرجه» قال: أخرجه البخاريُّ عن أبي تُمَيْلَة (٣)، وقال: تابعه يونس بن محمَّدٍ عن فُلَيْحٍ. وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ عن سعيدٍ عن أبي هريرة: وحديث جابرٍ أصحُّ، وبذلك جزم أبو مسعودٍ في «الأطراف»، فيكون حديث أبي هريرة صحيحًا، وحديث جابرٍ أصحَّ منه، ولذلك (٤) قال التِّرمذيُّ بعد أن ساق حديث أبي هريرة: حديثٌ غريبٌ، وحينئذٍ فيكون سقط من رواية الفَِرَبْريِّ قوله «وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ» فقط. وهذا على رواية ابن السَّكن، وأمَّا على رواية الباقين فسقط إسناد محمَّد بن الصَّلت كلُّه، والحاصل-كما قاله

стр. 2593

الكِرمانيِّ-: أنَّ الصَّواب إمَّا طريقة النَّسفيِّ الَّتي بالإسقاط، وإمَّا طريقة أبي نُعيمٍ وأبي مسعودٍ بزيادة حديث ابن الصَّلت الموصولة عند الدَّارميِّ، لا طريقة الفَِرَبْريِّ. (٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا فَاتَهُ العِيدُ) أي: إذا فات الرَّجل صلاة العيد مع الإمام، سواءٌ كان لعارضٍ أم لا (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) كهيئتها مع الإمام، لا أربعًا خلافًا لأحمد فيما نُقِل عنه، وعبارة المَرْداويِّ في «تنقيح (١) المقنع»: وإن فاتته سُنَّ قضاؤها قبل الزَّوال وبعده على صفتها (٢)، وعنه: أربعٌ بلا تكبيرٍ بسلامٍ، قال بعضهم: كالظُّهر. انتهى. واستدلَّ بما روى سعيد بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ من قوله: «من فاته العيد مع الإمام فليصلِّ أربعًا»، وقال المزنيُّ وغيره: إذا فاتته لا يقضيها، وقال الحنفيَّة: لا تُقضَى لأنَّ لها شرائطَ لا يقدر المنفرد على تحصيلها. (وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ) اللَّاتي لم يحضرن المُصلَّى مع الإمام (وَ) كذلك (مَنْ كَانَ فِي البُيُوتِ) ممَّن لم يحضرها معه أيضًا (وَ) كذلك من كان في (القُرَى) ولم يحضر (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ) بنصب «أهل» على الاختصاص، أو منادى مضافٌ حُذِفَ

стр. 2594

منه حرف النِّداء، ويؤيِّده رواية أبي ذَرٍّ في نسخةٍ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا أهل الإسلام» وأشار إلى حديث عائشة في الجاريتين اللَّتين كانتا تغنِّيان في بيتها إذ فيه قوله ﵊ [خ¦٩٥٢]: «وهذا عيدنا»، وحديث عقبة بن عامرٍ المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ وغيرهما: أنَّه ﵊ قال في أيَّام التَّشريق: «عيدنا أهل الإسلام»، قِيلَ: وجه الدَّلالة على التَّرجمة من ذلك: أنَّ قوله: «هذا» إشارةٌ إلى الرَّكعتين، وعمَّم بـ «أهل» من كان مع الإمام أو لم يكن كالنِّساء (١) وأهل القرى وغيرهم. انتهى، فليُتأمَّل. وأشار المؤلِّف بقوله: «ومن كان في البيوت والقرى» إلى مخالفة ما رُوِي عن عليٍّ: لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مصرٍ جامعٍ. (وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) لمَّا فاتته صلاة العيد مع الإمام فيما وصله ابن أبي شيبة (مَوْلَاهُمُ) أي: مولى أنسٍ وأصحابه، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مولاه» (ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ) بنصب «ابن» بدلٌ من «مولى»، أو بيانٌ، وبضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة على الأكثر الأشهر، وهو الَّذي في الفرع وأصله، ولأبي ذَرٍّ -كما (٢) في «الفتح» -: «غَنيَّة» بالمعجمة المفتوحة والنُّون والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة (بِالزَّاوِيَةِ) بالزَّاي، موضعٌ على فرسخين من البصرة، كان بها قصرٌ وأرضٌ لأنس (فَجَمَعَ) له (أَهْلَهُ وَبَنِيهِ) بتخفيف ميم «فجمَع» (وَصَلَّى) بهم أنسٌ صلاة العيد (كَصَلَاةِ أَهْلِ المِصْرِ) ركعتين (٣) (وَتَكْبِيرِهِمْ). (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي) يوم (العِيدِ، يُصَلُّونَ) صلاة العيد (رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ). (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (٤)، ممَّا وصله الفريابيُّ في «مُصنَّفه»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وكان عطاءٌ» (إِذَا فَاتَهُ العِيدُ) أي: صلاته مع الإمام (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) زاد ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن

стр. 2595

ابن جريجٍ: و «يكبِّر»، وهو يقتضي أن يصلِّي كهيئتها، لا أنَّ الرَّكعتين مُطلَق نفلٍ. ٩٨٧ - ٩٨٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ) مستترٌ، ولأبي ذَرٍّ: «مُتغشِّي» (بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا) زجرهما (أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ) الثَّوبَ (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: اتركهما (يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا) أي: هذه الأيَّام (أَيَّامُ عِيدٍ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى) أضاف الأيَّام (١) إلى «العيد»، ثمَّ إلى «مِنًى»، إشارةً إلى الزَّمان ثمَّ المكان. (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) بالإسناد السَّابق: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ،

стр. 2596

فَقَالَ النَّبِيُّ) بحذف فاعل الزَّجر، ولكريمة: «فزجرهم عمر، فقال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : دَعْهُمْ) أي: اتركهم من جهة أنَّا آمَنَّاهُم (أَمْنًا) بسكون الميم والنَّصب على المصدر، أو بنزع الخافض، أي: للأمن، أو على الحال، أي: العبوا آمنين يا (بَنِي أَرْفِدَةَ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وكسر الفاء والدَّال المُهمَلة، وحُذِف منه حرف النِّداء. قال المؤلِّف في تفسير «أمنًا»: (يَعْنِي: مِنَ الأَمْنِ) ضدَّ الخوف، لا الأمان الَّذي للكفَّار، واستُشكِل مطابقة الحديث للتَّرجمة لأنَّه ليس فيه للصَّلاة ذكرٌ، وأجاب ابن المُنَيِّر بأنَّه يُؤخَذ من قوله: «أيَّام عيدٍ، وتلك أيَّام مِنًى»، فأضاف سنَّة العيد إلى اليوم على الإطلاق، فيستوي في إقامتها الفذُّ والجماعة، والنِّساء والرِّجال، وقال ابن رُشَيدٍ: لمَّا سمَّى أيَّام مِنًى أيَّامَ عيدٍ كانت محلًّا لأداء هذه الصَّلاة، أي: فيؤدِّيها فيها إذا فاتته مع الإمام لأنَّها شُرِعت ليوم العيد، ومقتضاه أنَّها تقع (١) أداءً، وأنَّ لوقت أدائها آخِرٌ، أو هو آخر أيَّام مِنًى، حكاه في «الفتح»، ولا يخفى ما فيه من التَّكلُّف.

стр. 2597

(٢٦) (بابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ) صلاة (العِيدِ وَبَعْدَهَا) هل تجوز أم لا؟ (وَقَالَ أَبُو المُعَلَّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام المفتوحة، يحيى بن ميمونٍ العطَّار الكوفيُّ، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا، أو هو يحيى بن دينار: (سَمِعْتُ سَعِيدًا) هو ابن جُبيرٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: أنَّه (كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ) صلاة (العِيدِ). ٩٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وابن عساكر والأَصيليِّ: «أخبرني» بالإفراد فيهما (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ أنَّه (١) (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ) عيد (الفِطْرِ، فَصَلَّى) صلاة العيد (رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) بإفراد الضَّمير فيهما نظرًا إلى الصَّلاة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قبلهما ولا بعدهما» بتثنيتهما؛ نظرًا إلى الرَّكعتين (وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، قال الشَّافعيَّة: يُكرَه للإمام بعد الحضور التَّنفُّلُ قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهمِّ، ولمخالفته (٢) فِعْلَ النَّبيِّ ﷺ لأنَّه صلَّى عقب حضوره الصَّلاة (٣)، وخطب عقب صلاته، وأمَّا المأموم فلا يُكرَه له ذلك قبلها مُطلَقًا، ولا بعدها إن لم يسمع الخطبة لأنَّه لم يشتغل بغير الأهمِّ، بخلاف من يسمعها لأنَّه بذلك مُعرِضٌ عن الخطيب بالكلِّيَّة، وقال الحنفيَّة: يُكرَه قبلها لقوله ﵊: «لا صلاة في العيد قبل الإمام»، وقال

стр. 2598

المالكيَّة والحنابلة: لا قبلها ولا بعدها، وعبارة المَرْداويِّ في «تنقيحه»: ويُكرَه التَّنفُّل في موضعها قبل الصَّلاة وبعدها، وقضاء فائتةٍ نصًّا قبل مفارقته، والله أعلم (١).

стр. 2599

((١٤)) (١) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) باب مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ) بكسر الواو، وقد تُفتَح، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب الوتر، بسم الله الرحمن الرحيم» لكن في «فتح الباري» تقديم البسملة على قوله: «أبواب» للمُستملي (٢)، ولأبي الوقت كما (٣) في الفرع وأصله (٤): «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الوتر» وسقطت البسملة عند كريمة وابن شَبُّوْيَه والأَصيليِّ كما نبَّه عليه في «الفتح». واختُلِفَ في الوتر فقال أبو حنيفة بوجوبه لقوله ﵊ المرويِّ عنه: «إنَّ الله زادكم صلاةً، أَلا وهي الوترُ» والزَّائد لا يكون إلَّا من جنس المزيد عليه، فيكون فرضًا، لكن لم يُكفَّر جاحدُه لأنَّه ثبت بخبرِ الواحد، ولحديث أبي داودَ بإسنادٍ صحيحٍ: «الوترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ»، والصَّارف له عن الوجوب عند الشَّافعيَّة قوله تعالى: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولو وجب لم يكن للصَّلوات وسطى، وقوله ﵊ لمعاذٍ لمَّا بعثه إلى اليمن: «فأَعْلِمْهُم أنَّ الله

стр. 2600

افترضَ عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ»، وليس قوله: «حقٌّ» بمعنى: واجبٌ في عرف الشَّرع (١). ٩٩٠ - ٩٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) كلاهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ابن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ) قيل: هو ابن عمر، كما (٢) في «المعجم الصَّغير»، وعُورِض بروايةِ عبد الله بن شقيقٍ، عن ابن عمر عند «مسلم»: «أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ وأنا بينه وبين السَّائل»، وقيل: هو من أهل البادية، ولا تنافيَ لاحتمال تعدُّد مَن سأل (رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «سأل النَّبيَّ» (¬ ﷺ عَنْ) عدد (صَلَاةِ اللَّيْلِ) أو: عن الفصل والوصل (فَقَالَ رَسُولُ الله (٣) ﷺ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) غير مصروف للعَدْل والوصف، والتَّكرير

стр. 2601

للتَّأكيد لأنَّه في معنى: اثنين اثنين، واثنين اثنين: أربع مراتٍ، والمعنى: يسلِّم من (١) كلِّ ركعتين، كما فسَّره به ابن عمر في حديثه عند «مسلمٍ»، واسْتُدِلَّ بمفهومه للحنفيَّة (٢) على أنَّ الأفضل في صلاة النَّهار أن تكون أربعًا، وعورض بأنَّه مفهومُ لقبٍ، وليس حجَّةً على الرَّاجح، ولئن سلَّمناه لا نسلِّمُ الحصرَ في الأربع، على أنَّه قد تبيَّن من روايةٍ أخرى أنَّ حكمَ المسكوت عنه حكمُ المنطوق به، ففي «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من طريق عليٍّ الأزديِّ، عن ابن عمر مرفوعًا: «صلاة اللَّيل والنَّهار مثنى مثنى»، لكنَّ أكثر أئمَّة الحديث أعلُّوا هذه الزِّيادة -وهي قوله: «والنَّهار» - بأنَّ الحفَّاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكَم النَّسائيُّ على راويها بأنَّه أخطأ فيها. (فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ) أي: فوات صلاة الصُّبح (صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ) تلك الرَّكعةُ الواحدة (مَا قَدْ صَلَّى) فيه: أنَّ أقلَّ الوتر ركعةٌ، وأنَّها تكون مفصولةً بالتَّسليم ممَّا قبلها، وبه قال الأئمَّةُ الثَّلاثةُ خلافًا للحنفيَّةِ حيث قالوا: يُوتَر بثلاثٍ كالمغرب لحديث عائشة: أنَّه ﷺ كان يُوتِر بها (٣)، كذلك رواه الحاكم وصحَّحه. نعم قال الشَّافعية: لو أوتر بثلاثٍ موصولةٍ فأكثر وتشهَّد في الأخيرتين أو في الأخيرة جاز للاتِّباع، رواه مسلمٌ، لا إِنْ تشهَّد

стр. 2602

في غيرهما فقط، أو معهما، أو مع أحدهما لأنَّه خلاف المنقول، بخلاف النَّفل المطلق لأنَّه لا حصر لركعاته وتشهُّداته، لكنَّ الفصل ولو بواحدةٍ أفضلُ من الوصل لأنَّه أكثر أخبارًا وعملًا، ثمَّ الوصل بتشهُّدٍ أفضل منه بتشهُّدين، فرقًا بينه وبين المغرب، وروى الدَّارقُطنيُّ بإسنادٍ رواته ثقاتٌ حديثَ: «لا توتروا بثلاثٍ، ولا تشبِّهوا الوتر بصلاة المغرب»، وثلاثةٌ موصولةٌ أفضل من ركعةٍ (١) لزيادة العبادة، بل قال (٢) القاضي أبو الطَّيب: إنَّ الإيتار بركعةٍ مكروهٌ. انتهى. واستدلَّ به المالكيَّة على تعيين الشَّفع قبل الوتر لأنَّ المقصود من الوتر أن تكون الصَّلاةُ كلُّها وترًا لقوله ﵊: «صلَّى ركعةً تُوتِر له ما قد صلَّى»، وأُجيبَ بأنَّ سبقَ الشَّفعِ شرطٌ في الكمال لا في الصِّحَّة لحديث أبي داود والنَّسائيِّ -وصحَّحه ابن حبَّان- عن أبي (٣) أيُّوبَ مرفوعًا: «الوترُ حقٌّ، فمن شاء أوتر بخمسٍ، ومن شاء بثلاثٍ، ومن شاء بواحدةٍ». (وَعَنْ نَافِعٍ) بالإسناد السَّابق، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ، وقال العينيُّ: إنَّما هو معلَّقٌ، ولو كان مسندًا لم يفرِّقه: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ) ظاهره أنَّه كان يصلِّي الوتر موصولًا، فإن عرضت له حاجةٌ فَصَل ثمَّ بنى على ما مضى، وعند سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن بكر ابن عبد الله المزنيِّ قال: «صلَّى ابن عمر ركعتين، ثمَّ قال: يا غلامُ، اِرْحَل لنا، ثم قام فأوترَ بركعةٍ». وهذا الحديثُ الأوَّل أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 2603

٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عن مالك بن أنسٍ» (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) بإسكان الخاء المعجمة وفتح غيرها، الأسديِّ الوالبيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء، ابن أبي مسلمٍ الهاشميِّ مولاهم، المدنيِّ، أبي (١) رِشْدِيْن، مولى ابن عبَّاسٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ، وَهْيَ خَالَتُهُ) أخت أمِّه لُبَابَة، وزاد شريك بن أبي نَمِرٍ عن كُريبٍ عند مسلمٍ قال: «فرقبت رسول الله ﷺ كيف يصلِّي» وزاد أبو عَوانة في «صحيحه» من هذا الوجه: «باللَّيل» (فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ (٢)) بفتح العين، وقد تُضَمُّ، وفي رواية محمَّد بن

стр. 2604

الوليد عند محمَّد بن نصرٍ في «كتاب قيام اللَّيل»: «وسادةٌ من أدمٍ، حشوها ليفٌ» (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا) قال ابن عبد البرِّ: كان (١) ابن عبَّاسٍ مضطَّجعًا عند رِجْل رسول الله ﷺ ، أو عند رأسه (فَنَامَ) ﵊ (حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ) صار (قَرِيبًا مِنْهُ) أي: من الانتصاف (فَاسْتَيْقَظَ) ﵊ (يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) أي: يمسح أثر النَّوم عن وجهه (ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ) سورة (آلِ عِمْرَانَ) أي: من ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخرها، واستشكل قوله: «حتَّى انتصف اللَّيل أو قريبًا منه» بجزم شريكٍ في روايته عند مسلمٍ -كالبخاريِّ [خ¦٤٥٦٩]- في تفسير سورة (٢) آل عمران: بثلث اللَّيل الأخير، وأُجيبَ بأنَّ استيقاظَه ﵊ وقع مرَّتين: ففي الأولى تلا الآيات، ثمَّ عاد لمضجعه (٣) فنام، وفي الثَّانية أعاد ذلك (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ) أُنِّث على تأويله بالقِرْبَة، وزاد محمَّد بنُ الوليد: «ثمَّ استفرغ من الشَّنِّ في إناءٍ» (فَتَوَضَّأَ) منها للتَّجديد لا للنَّوم لأنَّه تنام عينه ولا ينام قلبه (٤) (فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ) أتمَّه بأَنْ أتى بمندوباته، ولا ينافي التَّخفيف (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) قال ابن عبَّاسٍ: (فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ) في الوضوءِ، ومسحِ النَّوم عن وجهه، وقراءةِ الآيات وغيرِ ذلك، أو هو محمولٌ على الأغلب (فَقُمْتُ) بالفاء قبل القاف، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وقمتُ» (إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة،

стр. 2605

أي: يدلكها لينتبه، أو لإظهار محبَّته (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) ستَّ مرَّاتٍ باثنتي عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ) بركعةٍ، يقتضي أنَّه صلَّى ثلاث عشرة ركعةً، وظاهرُه: أنَّه فصل بين كلِّ ركعتين، وصرَّح بذلك في رواية طلحة بنِ نافعٍ، حيث قال فيها: «يسلِّم بين كلِّ ركعتين» (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الفجر (ثُمَّ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بالجماعة. ٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصرَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) المصريُّ، ولأبي ذرٍّ: «عبد الله بن وهب» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو (١): أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بإسكان الميم بعد العين المفتوحة، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ عن المُستملي: «عمرو بن الحارث: أنَّ عبد الرَّحمن» (بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «قال (٢): قال رسول الله» (¬ ﷺ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً) واحدةً (تُوتِرُ لَكَ مَا) قد (٣)

стр. 2606

(صَلَّيْتَ) فيه ردٌّ على من ادَّعى من الحنفيَّة أنَّ الوتر بواحدةٍ مختصٌّ بمن خشي طلوع الفجر لأنَّه علَّقه بإرادة الانصراف، وهو أعمُّ من أن يكون لخشية (١) طلوع الفجر وغيره. (قَالَ القَاسِمُ) بن محمَّد بن أبي بكر بالإسناد السَّابق كما في «مستخرج أبي نُعيم»، أو هو معلَّقٌ، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: جَعْلُهُ معلَّقًا وَهَمٌ، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري» بأنَّ فصله عمَّا قبله يُصيِّره ابتداءَ كلامٍ، فالصَّواب أنَّه معلَّقٌ (وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا) بلغنا الحُلُم، أو عقلنا (يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّ كُلًّا) من الوتر بركعةٍ واحدةٍ وثلاثٍ (لَوَاسِعٌ، أَرْجُو) ولأبي ذرٍّ: «وأرجو» (أَلَّا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ) فلا حرج في فِعْلِ أيِّهما شاء. ٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ محمَّد بن مسلمٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قال: حدَّثني» بالإفراد «عروة» (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هي أكثر الوتر عند الشَّافعيِّ لهذا الحديث، ولقولها: «ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً» ولا يصحُّ زيادة عليها، فلو زاد عليها (٢) لم يجز، ولم يصحَّ وتره؛ بأن أحرم بالجميع دفعةً واحدةً، فإن سلَّم من كلِّ ثنتين صحَّ، إلَّا الإحرام السَّادس فلا يصحُّ وترًا، فإن علم المنع وتعمَّده فالقياس البطلان، وإلَّا وقع نفلًا كإحرامه بالظُّهر قبل الزَّوال غالطًا، ولا تَنَافي بين حديث عائشة هذا (٣) وحديث ابن عبَّاسٍ

стр. 2607

السَّابق بثلاثة (١) عشر، فقد قيل: أكثره ثلاثة عشر (٢)، لكن تأوَّله الأكثرون بأنَّ من ذلك ركعتين سنَّة العشاء، قال النَّوويُّ: وهذا (٣) تأويلٌ ضعيفٌ منابذٌ (٤) للأخبار، قال السِّبكيُّ: وأنا أقطع بحلِّ الإيتار بذلك وصحَّتِه، لكنِّي أحبُّ الاقتصار على إحدى عشرة فأقلَّ لأنَّه غالب أحواله ﷺ (كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ -تَعْنِي) عائشة: (بِاللَّيْلِ- فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ) سنَّته (ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) لأنَّه كان يحبُّ التَّيمن، لا يقال: حكمته ألَّا يستغرقَ في النَّوم لأنَّ القلب في اليسار، ففي النَّوم عليه راحةٌ له فيستغرق فيه؛ لأنَّا نقول: صحَّ أنَّه ﵊ كان تنام عينه ولا ينام قلبه. نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمَّته وتعليمهم (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ) ولابن عساكر: «بالصَّلاة» بالموحَّدة بدل اللَّام. (٢) (بابُ سَاعَاتِ الوِتْرِ) أي: أوقاته. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده»: (أَوْصَانِي النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ في رواية (٥): «رسول الله» (¬ ﷺ بِالوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ) محمولٌ على مَن لم يثق بتيقُّظِهِ آخرَ اللَّيل جمعًا بينه وبين حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم باللَّيل وترًا».

стр. 2608

٩٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) أخو محمَّد بن سيرين (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَرَأَيْتَ) بهمزة الاستفهام، أي: أخبِرْني عن (الرَّكْعَتَيْنِ) اللَّتينِ (قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ: «أطيل» بجعل المضارع فيه للمتكلِّم، وهمزة الاستفهام محذوفةٌ، وللحَمُّويي (١): «أتطيل» بهمزة الاستفهام مع جعل المضارع للمخاطب، وللباقين من غير «اليونينيَّة» (٢): «نطيل» بنون الجمع مِنْ أطالَ يُطِيلُ إذا طوَّل، وفي الفرع لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تطيل» بالفوقيَّة من غير همزٍ (٣) (فَقَالَ) أي: ابن عمر، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «قال»: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) ولابن عساكر: «يصلِّي باللَّيل» (مَثْنَى مَثْنَى) فيه فضل الفصل لأنَّه أَمَرَ به وفعلَه، بخلاف الوصل فإنَّه فعلَه فقط (وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ) السُّنَّة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ويصلِّي ركعتين» (قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي: الصُّبح (وَكَأَنَّ الأَذَانَ) أي: الإقامة (بِأُذُنَيْهِ) بالتَّثنية، والكاف حرفُ تشبيهٍ، ونون «كأنَّ» مشدَّدةٌ، والجملة

стр. 2609

حالٌ مِن فاعل «يصلِّي» في قوله: «يصلِّي (١) ركعتين قبل صلاة الغداة»، لا يُقالُ: إنَّها لإنشاءِ التَّشبيه لأنَّ الجملةَ الإنشائيَّة لا تقعُ حالًا، قاله في «المصابيح» (قَالَ حَمَّادٌ) المذكور بالسَّند السَّابق في تفسير «كأنَّ الأذان»: (أَيْ: سُرْعَةً) ولأبوي ذرٍّ والوقت كما في الفرع، وزاد في «الفتح»: وابن شبُّويه: «بسرعةٍ» بموحَّدةٍ قبل السِّين، والمعنى: أنَّه ﵊ كان يُسرِع بركعتي الفجر إسراعَ من يسمعُ إقامة الصَّلاة خشيةَ فوات أوَّل الوقت، ويلزم منه تخفيفُ القراءة فيهما، فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما. ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». ٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) أَبِي) حفصُ بنُ غياثٍ قاضي الكوفة (قَالَ: حَدَّثَنَا) سليمان بن مهران (الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ)

стр. 2610

هو أبو الضُّحى الكوفيُّ، لا ابنُ كيسان (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ عبد الرَّحمن الكوفيُّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ) صالحٌ لجميع أجزائِه، و «كلَّ» بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أو بالرَّفع: مبتدأٌ، خبرُه ما بعدَه وهو (١) قوله: (أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) قبيل الصُّبح، ولأبي داودَ عن مسروقٍ: «قلت لعائشةَ: متى كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أوتر أوَّلَ اللَّيل، وأوسطَه، وآخرَه، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السَّحر» فقد يكونُ أوترَ مِنْ أوَّله لشكوى حصلت له، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك، وكان آخرَ أمرِه أَنْ أخَّرَه إلى آخرِ اللَّيل، ويُحتَملُ أَنْ يكونَ فعلَه أوَّلَه وأوسطَه لبيان الجواز، وأخَّرَه إلى آخر اللَّيل تنبيهًا على أنَّه الأفضل لمن يثق بالانتباه، وفي «صحيح مسلم»: «مَن خاف ألَّا يقومَ آخر اللَّيلِ فليُوتِرْ أوَّلَه، ومن طمع أن يقومَ آخرَه فليُوتِرْ آخرَ اللَّيل، فإنَّ صلاةَ آخر اللَّيل مشهودةٌ» وذلك أفضل، وورد عن عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرهم، واستحبَّه مالكٌ، وقد قال ﵊ لأبي بكرٍ: «متى تُوتِر؟» قال: أوَّلَ اللَّيل، وقال لعمرَ: «متى تُوتِر؟» قال: آخرَ اللَّيل، فقال لأبي بكرٍ: «أخذتَ بالحزم»، وقال لعمرَ: «أخذت بالقوَّة». واستُشكِل اختيار الجمهور لفعل عمرَ في ذلك مع أنَّ أبا بكرٍ أفضلُ منه، وأُجيبَ بأنَّهم فهموا من الحديث ترجيحَ فعلِ عمرَ لأنَّه وَصَفَهُ بالقوَّة، وهي أفضل من الحزم لمن أُعطيها. وقد اتَّفقَ السَّلف والخَلَف على أنَّ وقته من بعد صلاة العشاء إلى الفجر الثَّاني لحديث معاذ عند أحمد مرفوعًا: «زادني ربِّي صلاةً وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر (٢)». قال المحامليُّ: ووقتها المختار إلى نصف اللَّيل. وقال القاضي أبو الطَّيِّب وغيره: إلى نصفه، أو ثلثه، والأقرب فيهما أن يُقَالَ: إلى بُعَيدِ ذلك ليجامع وقت العشاء المختار، مع أنَّ ذلك

стр. 2611

منافٍ لقولهم: يُسَنُّ جعله آخرَ صلاة اللَّيل، وقد عُلِم أنَّ التَّهجُّد في النِّصف الثَّاني أفضل، فيكون مستحبًّا، ووقتُه المختار إلى ما ذكر، وحمل البُلقينيُّ ذلك على مَن لا يريد التَّهجُّد. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: ثلاثٌة من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، الأعمش ومسروقٌ ومسلمٌ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة». (٣) (بابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَهُ بِالوِتْرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «للوتر» باللَّام بدل الموحَّدة، و «إيقاظ» مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «أهله» مفعوله. ٩٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بنُ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي) صلاةَ اللَّيل (وَأَنَا رَاقِدَةٌ) حال كوني (مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ) ولأبي ذرٍّ: «معترضةٌ» بالرَّفع (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي) فقمت وتوضَّأت (فَأَوْتَرْتُ) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] واستُدِلَّ به على جعلِ الوترِ آخرَ اللَّيلِ ولو نام قبلَه، سواءٌ تهجَّد -أي: صلَّى بعد الهجود، أي: النَّوم- أو لم يتهجَّد، ومحلُّه إذا وثق (١) أن يستيقظَ بنفسه أو بإيقاظِ غيره، ولا يلزم من إيقاظه ﵊ لها لأجل الوتر وجوبه. نعم يدلُّ على تأكيده وأنَّه فوقَ غيره من النَّوافل.

стр. 2612

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لِيَجْعَلْ) (١) أي: المصلِّي (آخِرَ صَلَاتِهِ) باللَّيل (وِتْرًا). ٩٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، ابن عمرَ بن حفص بن عاصم بن عمرَ، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عن عبدِ الله بن عمرَ» أي (٢): ابن الخطَّاب ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا). قيل: الحكمة فيه أنَّ أوَّل صلاة اللَّيل المغربُ وهي وترٌ، وللابتداء والانتهاء اعتبارٌ زائدٌ على اعتبار الوسط، فلو أوتر ثمَّ تهجَّد لم يُعِدْهُ لحديث أبي داود والتِّرمذيِّ وحسَّنه: «لا وتران في ليلةٍ»، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق أنَّه قال: أمَّا أنا فأنام على وترٍ، فَإنِ استيقظت صلَّيت شفعًا حتَّى الصَّباح، ولأنَّ إعادته تُصَيِّرُ الصَّلاة كلَّها شفعًا، فيبطل المقصود منه، وكان ابن عمر ينقض وتره بركعةٍ، ثمَّ يصلِّي مَثْنى مَثْنى (٣)، ثمَّ يُوتِرُ، والأمر ليس للوجوب بقرينة صلاة اللَّيل، فإنَّها غيرُ واجبةٍ اتِّفاقًا،

стр. 2613

فكذا آخرها، وأمَّا قوله في حديث أبي داود: «فمن لم يُوتِرْ فليس منَّا» فمعناه: ليس آخذًا بسُنَّتنا. (٥) (بابُ) صلاة (الوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ) بعيرٍ و (١) غيرِه. ٩٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ليس له في «البخاري» غير هذا الحديث الواحد (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة (أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: دخول وقت الصُّبح (نَزَلْتُ) أي: عن مركوبي (فَأَوْتَرْتُ) على الأرض (ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ) لي (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ) له: (خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟!) بكسر الهمزة وضمِّها، أي: قدوةٌ (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ) وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أنَّ ابن عمر كان يصلِّي من اللَّيل على دابَّته وهو مسافرٌ، فلو كان واجبًا لما جازت صلاتُه على الدَّابة، وأمَّا ما رواه (٢) عبد الرَّزَّاق عن ابن عمر أيضًا: أنَّه كان يوتر على راحلته، وربَّما نزل فأوتر بالأرض فلِطَلَبِ الأفضل، لا أنَّه واجبٌ، ولكن يُشْكِلُ على ما ذكر أنَّ الوتر كان واجبًا على النَّبيِّ ﷺ ، فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأُجيب باحتمال

стр. 2614

الخصوصيَّة أيضًا كخصوصيَّة وجوبه عليه، وعُورِضَ بأنَّه دعوى لا دليل عليها لأنَّه لم يثبت دليلُ وجوبه عليه، حتَّى يحتاج إلى تكلُّف هذا الجواب (١). انتهى. أو يُقَال -كما في «اللَّامع» -: إنَّه تشريعٌ للأمَّة بما يليق بالسُّنَّة في حقِّهم، فصلَّاه (٢) على الرَّاحلة لذلك، وهو في نفسه واجبٌ عليه، فاحتُمِلَ الرُّكوب فيه لمصلحة التَّشريع. ورواة هذا (٣) الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». (٦) (بابُ الوِتْرِ فِي السَّفَرِ) كالحضر. ١٠٠٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ) بفتح الهمزة ممدودًا (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) فيصيرُ صوب سفره قبلَته حال كونه (يُومِئُ إِيمَاءً) نُصِبَ على المصدريَّة (صَلَاةَ اللَّيْلِ) نُصِبَ على المفعوليَّة لـ «يصلِّي»، وفيه: أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] الفرائض (إِلَّا الفَرَائِضَ) أي: لكن الفرائض فلم يكن يصلِّيها على الرَّاحلة، فالاستثناء منقطعٌ لا متَّصلٌ لأنَّ المراد

стр. 2615

خروج الفرائض من الحكم ليليَّةً أو نهاريَّةً، ولابن عساكر: «إلَّا الفرضَ» بالإفراد (وَيُوتِرُ) بعد فراغه من صلاة اللَّيل (عَلَى رَاحِلَتِهِ) وفي الحديث ردٌّ على قول الضَّحَّاك: «لا وترَ على المسافر» وأمَّا قول ابن عمر المرويُّ في «مسلم» و «أبي داود»: «لو كنت مسبِّحًا -في السَّفر- لأتممتُ» فإنَّما أراد به راتبة المكتوبة لا النَّافلة المقصودة كالوتر، قاله في «الفتح». ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول. (٧) (بابُ) مشروعيَّة (القُنُوتِ) وهو: اللَّهم اهدني فيمن هديت … إلى آخره، (قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ) في جميع الصَّلوات الشَّاملة للوتر وغيره. ١٠٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن محمَّد بن سيرين» (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليٍّ: «سُئِلَ (١) أنسُ بن مالكٍ»: (أَقَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي) صلاة (الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ) قنت فيها (فَقِيلَ: أَوَقَنَتَ) بهمزة استفهامٍ فواوٍ عاطفةٍ، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقيل له: أَوَقنت؟ (٢)» وزاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: «أَوْ قلتُ؟ (٣)» وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَقَنَتَ؟» بغير واوٍ (قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ:) قَنَتَ (بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا) أي: شهرًا كما في رواية عاصم التَّالية لهذه،

стр. 2616

وهي تردُّ على البرماويِّ حيث قال كالكِرمانيِّ، أي: زمانًا قليلًا بعد الاعتدال التَّامِّ، وقد صحَّ أنَّه «لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا» رواه عبد الرَّزَّاق والدَّارقُطنيُّ وصحَّحه الحاكم، وثبت عن أبي هريرة أنَّه كان يقنت في الصُّبح في حياة النَّبيِّ ﷺ وبعد وفاته، وحكى العراقيُّ أنَّ (١) ممَّن قال به من الصَّحابة (٢) في الصُّبح: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، وأبا موسى الأشعريَّ، وابن عبَّاس، والبراء، ومن التَّابعين: الحسن البصريَّ، وحميدًا الطَّويل، والرَّبيع بن خُثَيم (٣)، وسعيد بن المسيَّب، وطاوسًا، وغيرهم، ومن الأئمَّة: مالكًا، والشَّافعيَّ، وابنَ مهديٍّ، والأوزاعيَّ، فإن قلت: رويَ أيضًا (٤) عن الخلفاء الأربعة وغيرهم أنَّهم لم يكونوا (٥) يقنتون، أُجيب (٦) بأنَّه إذا تعارض إثباتٌ ونفيٌ قُدِّمَ الإثباتُ على النَّفي. ١٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) وللأَصيليِّ: «عبد الواحد بنُ زيادٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو (٧) ابن سليمان الأحول (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ القُنُوتِ) الظَّاهر أنَّ أنسًا ظنَّ أنَّ عاصمًا سأله عن مشروعيَّة القنوت (فَقَالَ) له: (قَدْ كَانَ القُنُوتُ) أي: مشروعًا، قال عاصم: (قُلْتُ) له: هل كان محلُّه (قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ) أي: لأجل التَّوسعة لإدراك

стр. 2617

المسبوق، كذا قرَّره المهلَّب، وهو مذهب المالكيَّة، وتعقَّبه ابنُ المُنيِّر بأنَّ هذا يأباه نهيُه عن إطالة الإمام في الرُّكوع ليدركه الدَّاخل، ونوقض بالفذِّ وإمام قومٍ محصورين (قَالَ) أي: عاصم، وللأَصيليِّ: «قلت»: (فَإِنَّ فُلَانًا) قال الحافظ ابن حَجَرٍ: لم أقف على تسمية هذا الرَّجل صريحًا، ويُحتَمل أن يكون محمَّد بن سيرين بدليل روايته المتقدِّمة، فإنَّ فيها: سأل محمَّد بن سيرين أنسًا (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْكَ أَنَّكَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن المُستملي والحَمُّويي: «كأنَّك (١)» (قُلْتَ:) إنَّه (بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: كَذَبَ) أي: أخطأ إن كان أخبرك أنَّ القنوت بعد الرُّكوع دائمًا، أو أنَّه في جميع الصَّلوات، وأهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعمُّ من العمد والخطأ (إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا). وقد أخرج ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، من رواية حميدٍ عن أنسٍ: سُئِلَ عن القنوت فقال: «قبل الرُّكوع وبعده»، وعند ابن المنذر عنه: أنَّ بعض الصَّحابة قنت قبل الرُّكوع، وبعضهم بعده، ورجَّح الشَّافعيُّ أنَّه بعده (٢) لحديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٠٠٦]. قال أنس: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ أنَّه ﵊ (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا) من أهل الصُّفَّة (يُقَالُ لَهُمُ) ولأبي ذرٍّ: «لها» وضبَّب عليها في «اليونينيَّة» (٣): (القُرَّاءُ) حال كونهم (زُهَاءَ) بضمِّ الزَّاي وتخفيف الهاء ممدودًا، أي: مقدار (سَبْعِينَ رَجُلًا، إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِين) أهل نجدٍ من بني عامرٍ، وكان رأسهم أبو براء (٤) عامر بن مالكٍ المعروف بملاعب الأسنَّة ليدعوهم إلى الإسلام ويقرؤوا عليهم القرآن، فلمَّا نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحيائهم رعلٍ

стр. 2618

وذكوان وعُصَيَّة، فقاتلوهم، فلم يَنْجُ منهم إلَّا كعب بن زيدٍ الأنصاريّ، وذلك في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (١) (دُونَ أُولَئِكَ) المدعوِّ عليهم المبعوث إليهم (٢) (وَكَانَ بَيْنَهُمْ) أي: بين بني عامر المبعوث إليهم (وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ) فغدروا (٣)، وقتلوا القرَّاء (فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في الصَّلوات الخمس (شَهْرًا) متتابعًا (يَدْعُو عَلَيْهِمْ) أي: في (٤) كلِّ صلاةٍ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الرَّكعة الأخيرة، رواه أبو داود والحاكم. واستنبط منه: أنَّ الدُّعاء على الكفَّار والظَّلَمَة لا يقطع الصَّلاة. ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٩٠] و «الجنائز» [خ¦١٣٠٠] و «الجزية» [خ¦٣١٧٠] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٩٤]، ومسلم في «الصَّلاة». ١٠٠٣ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ): هو أحمد (٥) بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة الكوفيُّ (٦) (عَنِ التَّيْمِيِّ) سليمان بن طرخان البصريِّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وقد

стр. 2619

تُفْتَح، وسكون الجيم وفتح اللَّام آخره زايٌ، لاحق بن حميدٍ السَّدوسيّ البصريّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا) متتابعًا (يَدْعُو) في اعتدال الرَّكعة الأخيرة من كُلٍّ من (١) الصَّلوات الخمس (عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة (وَذَكْوَانَ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الكاف آخره نونٌ غير منصرفٍ، قبيلتان مِن سُليَم، لمَّا قتلوا القرَّاء، فقد صحَّ قنوته ﵊ على قَتَلَة القرَّاء شهرًا أو (٢) أكثر في صلاةٍ مكتوبةٍ، وصحَّ أنَّه لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا، فإِنْ نزل نازلةٌ بالمسلمين مِن خوفٍ أو قحطٍ أو وباءٍ أو جرادٍ أو نحوها استُحبَّ القنوت (٣) في سائر المكتوبات، وإلَّا ففي الصُّبح، وكذا في أخيرة الوتر في النِّصف الأخير من رمضان، رواه البيهقيُّ. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ: سليمان (٤) ولاحق، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٩٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». ١٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُليَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: «أخبرنا» (خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَانَ القُنُوتُ) أي: في زمنه ﷺ (فِي) صلاة (المَغْرِبِ وَ) صلاة (الفَجْرِ) وللأَصيليِّ: «في الفجر والمغرب» لكونهما طرفي النَّهار لزيادة شرف وقتهما (٥) رجاء إجابة الدُّعاء، فكان تارةً يقنت فيهما، وتارةً في جميع الصَّلوات حرصًا على إجابة الدُّعاء،

стр. 2620

حتَّى نزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فترك إلَّا في الصُّبح، كما روى أنسٌ: أنَّه ﷺ لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا -كما مرَّ- كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ. وتُعقِّب بأنَّ قوله: إلَّا في الصُّبح، يحتاج إلى دليلٍ، وإلَّا فهو نسخٌ فيهما، وقال الطَّحاويُّ: أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصُّبح كذلك. انتهى. وقد عارضه بعضهم فقال: قد أجمعوا على أنه ﷺ قنت في الصُّبح، ثمَّ اختلفوا هل ترك؟ فيتمسَّك بما أجمعوا عليه حتَّى يثبت ما اختلفوا فيه، فإن قلت: ما وجه إيراد هذا الباب في أبواب الوتر ولم يكن في أحاديثه تصريحٌ به؟ أُجيبَ بأنَّه ثبت أنَّ المغرب وتر النَّهار، فإذا ثبت فيها، ثبت في وتر اللَّيل بجامع ما بينهما من الوتريَّة (١)، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند أصحاب السُّنن قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليت،

стр. 2621

تباركت ربَّنا (١) وتعاليت … » الحديثَ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وغيره، لكن ليس على شرط المؤلِّف، وروى البيهقيُّ عن ابن عبَّاس وغيره، أنه ﷺ كان يعلِّمهم هذه الكلماتِ ليقنتَ بها في الصُّبح والوتر، وقد صحَّ أنَّه ﷺ قنت قبل الرُّكوع أيضًا، لكن رواة القنوت بعده (٢) أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الخلفاء الرَّاشدون في أشهر الرِّوايات عنهم وأكثرها، فلو قنت شافعيٌّ قبل الرُّكوع لم يُجزِهِ لوقوعه في غير محلِّه، فيعيده بعده، ويسجد للسَّهو، قال في «الأمِّ»: لأنَّ القنوت عملٌ من أعمال (٣) الصَّلاة، فإذا عمله في غير محلِّه أوجب سجود السَّهو، وصورته: أن يأتي به بنيَّة القنوت، وإلَّا فلا يسجد، قاله الخوارزميُّ، وخرج بالشَّافعيِّ غيرُه -ممَّن يرى القنوت قبله كالمالكيِّ- فيجزيه عنده، وقال الكوفيُّون: لا قنوت إلَّا في الوتر قبل الرُّكوع. انتهى. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وشاميٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٩٨].

стр. 2622

((١٥)) (١) (بسم الله الرحمن الرحيم (١)) أي: الدُّعاء لطلب السُّقيا، بضمِّ السِّين، وهي المطر من الله تعالى عند حصول الجَدْب على وجهٍ مخصوصٍ (٢). (باب الاسْتِسْقَاءِ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) إلى الصَّحراء. كذا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بلفظ: «أبواب» بالجمع ثمَّ الإفراد من غير بسملةٍ، وسقط ما قبل «باب» من رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «كتاب الاستسقاء» وثبتت البسملة في رواية أبي عليٍّ ابن شَبُّويه. والاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون بالدُّعاء مطلقًا فرادى ومجتمعين. وثانيها: أن يكون بالدُّعاء خلف الصَّلاة (٣) -ولو نافلة كما في «البيان» وغيره عن الأصحاب، خلافًا لما وقع للنَّوويِّ في «شرح مسلمٍ» من تقييده بالفرائض- وفي خطبة الجمعة. وثالثها: وهو الأفضل، أن يكون بالصَّلاة والخطبتين، وبه قال مالكٌ وأبو يوسف ومحمَّدٌ (٤)، وعن أحمد: لا خطبة، وإنَّما يدعو، ويكثر الاستغفار، والجمهور على سنِّيَّةِ الصَّلاة خلافًا لأبي حنيفة، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 2623

١٠٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمَّد بن عمرو بن حزم، قاضي المدينة (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) أي: ابن زيد بن عاصمٍ الأنصاريِّ المازنيِّ (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب ﵁ (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في شهر رمضان سنة ستٍّ من الهجرة إلى المصلَّى حال كونه (يَسْتَسْقِي) أي: يريد الاستسقاء (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) عند استقباله (١) القبلة في أثناء الاستسقاء، فجعل يمينه ويساره، وعكسه. ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف وشيخ شيخه فكوفيَّان، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠١١] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٣]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» (٢)، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢) (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْهَا (٣) سِنِينَ كَسِنِي) بسكون الياء المخفَّفة (٤) (يُوسُفَ) الصِّدِّيق، السَّبع المجدبة، وأضيفت إليه لأنَّه الَّذي قام بأمور النَّاس فيها، وفي فرع «اليونينيَّة» ضرب بالحمرة على (٥): «اجعلها» (٦)، مع التَّنبيه عليه في الحاشية، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت

стр. 2624

والأَصيليِّ وابن عساكر (١): «اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ولأبي الوقت وابن عساكر (٢): «اجعلها كسني يوسف» فأسقط (٣) «سنين». ١٠٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قَالَ: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحِزِاميُّ، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزَّاي، المدنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزَّاي والنُّون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) بكسر الجيم بعد همزة القطع، وهي للتَّعدية، يقال: نجا فلانٌ وأنجيته (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) وهؤلاء قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، ففتنتهم قريشٌ وعذَّبوهم، ثمَّ نجوا منهم ببركته ﵊، ثم هاجروا إليه (اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) عامٌّ بعد خاصٍّ (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بهمزة وصل في: «اشدد»، وفتح الواو وسكون الطَّاء في قوله: «وطأتَكَ» أي: اشدد عقوبتك (عَلَى) كفَّار قريشٍ، أولاد (مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا) أي: الوطأة، أو السِّنين، أو الأيَّام (سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) ﵊ في بلوغ غاية الشِّدَّة، و «سنين» جمع سَنَة، وفيه شذوذان؛ تغيير مفرده من الفتح إلى

стр. 2625

الكسر، وكونه جمعًا لغير عاقلٍ، وحكمه أيضًا مخالفٌ لجموع السَّلامة في جواز إعرابه كمسلمين، وبالحركات على النُّون، وكونه منوَّنًا وغير منوَّنٍ، منصرفًا وغير منصرفٍ (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: هذا حديثٌ آخرُ، وهو عند المؤلِّف بالإسناد المذكور وكأنَّه سمعه هكذا فأورده كما سمعه (قَالَ: غِفَارُ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء، أبو قبيلةٍ من كنانةَ (غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ) بالهمزة واللَّام المفتوحتَين، قبيلةٌ من خزاعة (سَالَمَهَا اللهُ) تعالى، من المسالمة وهي ترك الحرب، أو بمعنى: سلَّمها، وهل هو إنشاءُ دعاءٍ أو خبرٌ؟ رأيان، وعلى كلٍّ وجهٌ، ففيه جناس الاشتقاق، وإنَّما خصَّ هاتين القبيلتين (١) بالدُّعاء لأنَّ «غفار» أسلموا قديمًا، و «أسلم» سالموه ﵊. (قَالَ (٢) ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِيهِ) أبي الزِّناد: (هَذَا) الدُّعاء (كُلُّهُ) كان (فِي) صلاة (الصُّبْحِ) والحديث سبق في «باب يهوي بالتَّكبير حين يسجد» [خ¦٨٠٤].

стр. 2626

١٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر الكوفيِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيحٍ العطَّار الهَمْدانيِّ الكوفِّي (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيِّ (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵄ (فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ) أي: قريش (إِدْبَارًا) عن الإسلام (قَالَ: اللَّهُمَّ) ابعثْ، أو سلِّط عليهم (سَبْعًا) من السِّنين، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «سبعٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مطلوبي منك فيهم سبعٌ (كَسَبْعِ يُوسُفَ) الَّتي أصابهم فيها القحط (فَأَخَذَتْهُمْ) أي: قريشًا (سَنَةٌ) أي: قحطٌ وجدبٌ (حَصَّتْ) بالحاء والصَّاد المشدَّدة المهملتَين، أي: استأصلت وأذهبت (كُلَّ شَيْءٍ) من النَّبات (حَتَّى أَكَلُوا) وللأَصيليِّ ولأبي ذَرٍّ (١) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى أكلنا» وللأَصيليِّ: «أوْ أَكلوا» (الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَفَ) بكسر الجيم وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، جثَّة الميِّت (٢) إذا أراح، فهو أخصُّ من مطلق الميتة لأنَّها ما لم تُذَكَّ (وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ) بالهاء ونصب الفعل بـ «حتَّى»، أو برفعه على الاستئناف، والأوَّل أَظْهر، والثَّاني في نسخة أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٣)، كما نبَّه عليه في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وينظرُ أحدكم»

стр. 2627

(إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ) لأنَّ الجائع يرى بينه وبين السَّماء كهيئة الدُّخان من ضعف بصره (فَأَتَاهُ) ﵊ (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رحمك (قَدْ هَلَكُوا) أي: من الجدب والجوع بدعائك (فَادْعُ اللهَ لَهُمْ) لم يقع في هذا السِّياق التَّصريح بأنَّه دعا لهم. نعم وقع ذلك في سورة الدُّخان، ولفظه: «فاستسقى لهم فَسُقُوا» (قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: انتظر يا محمَّد عذابهم (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥]) أي: إلى الكفر، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليُّ: «﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾» (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾) زاد الأَصيليُّ: «﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾» [الدخان: ١٦] (فَالبَطْشَةُ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «والبطشة» (يَوْمَ بَدْرٍ) لأنَّهم لمَّا (١) التجؤوا إليه ﵊، وقالوا: ادعُ الله أن يكشف عنَّا فنؤمنَ لك (٢)، فدعا وكشف ولم يؤمنوا، انتقم (٣) الله منهم يوم بدرٍ، وعن الحسن: البطشةُ الكبرى: يوم القيامة، قال ابن مسعودٍ: (وَقَدْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقد» (مَضَتِ الدُّخَانُ) وهو الجوع (وَالبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ) بكسر اللَّام وبالزَّاي: القتل (وَآيَةُ) أوَّل سورة (الرُّومِ) فإنَّ قلت: ما وجه إدخال هذه التَّرجمة في الاستسقاء؟ أُجيبَ بأنَّه للتَّنبيه على أنَّه كما شُرِعَ الدُّعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شُرِعَ (٤) الدُّعاء بالقحط على الكافرين لأنَّ فيه إضعافهم، وهو نفعٌ للمسلمين، فقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النَّبيِّ ﷺ ليدعو لهم برفع القحط. ورواة هذا الحديث كلُّهم (٥) كوفيُّون إلَّا جريرًا فرازيّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول،

стр. 2628

وأخرجه المؤلِّف في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] أيضًا وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٣]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٣) (بابُ سُؤَالِ النَّاسِ) المسلمين وغيرهم (الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) بفتح القاف والحاء مبنيًّا للفاعل، يقال: قحوطًا، إذا احتُبِسَ، فيكون من باب القَلب لأنَّ المحتبَسَ المطرُ لا النَّاس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه أيضًا (١)، وحكى الفرَّاء: قَحِطَ، بالكسرِ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «قُحِطوا» بضمِّ القاف وكسر الحاء مبنيًّا للمفعول، وقد سُمِعَ قُحِطَ القوم، و «سؤال»: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «الإمامَ»: مفعوله، وتاليه: نصبٌ على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشَّيءَ، وعن الشيءِ. ١٠٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بإسكان الميم، ابن بحر الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف وفتح التَّاء (٢) الفوقيَّة، سَلْم، بفتح السِّين وسكون اللَّام،

стр. 2629

الخراسانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ) أي: ينشده، زاد ابن عساكر: «فقال» (وَأَبْيَضَ) أعربه ابن هشامٍ في «مغنيه»: مجرورًا بالفتحة بـ «رُبَّ» مضمرةً، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ في «حاشيته» عليه، و «مصابيحه» فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوَّلهما: والظَّاهر أنَّه منصوبٌ عطفًا على «سيِّدًا» المنصوب في البيت قبله، وهو قوله: وما ترك قومٌ لا أبا لك سيِّدًا … يحوطُ الذِّمار غير ذَرْبٍ مُواكِلِ (١) قال: وهو من عطف الصِّفات الَّتي موصوفها واحدٌ، ويجوز الرَّفع، وهو في «اليونينيَّة» أيضًا، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أبيض (يُسْتَسْقَى الغَمَامُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيِّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، أي: يستسقي النَّاس الغمام (بِوَجْهِهِ) الكريم (ثِمَالَُِ اليَتَامَى) أي: يكفيهم بإفضاله، أو يطعمهم عند الشِّدَّة، أو عمادُهم، أو ملجؤُهم، أو مغيثُهم، وهو بكسر المثلَّثة والنَّصب أو الرَّفع، صفةٌ لـ «أبيض» كقوله: (عِصْمَةًٌٍ) أي: مانعٌ (لِلأَرَامِلِ) يمنعهم ممَّا يضرُّهم، وفي (٢) «اليونينيَّة»: «ثمالِ» و «عصمةِ» بالجرِّ فيهما مع الوجهين الآخرين صفةٌ لـ «أبيضَ» على تقدير جرِّه بـ «رُبَّ»، وفيه ما مرَّ. و «الأرامل»: جمع أرملة، وهي الفقيرة الَّتي لا زوج لها، والأرمل (٣): الرَّجل الَّذي لا زوج له، قال:

стр. 2630

هذي الأرامل قد قَضَّيْتَ حاجتَها … فمَن لحاجةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ؟! نعم، استعماله في الرَّجل مجازٌ؛ لأنَّه لو أوصى للأرامل خُصَّ النِّساءُ دون الرِّجال، واستُشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي لهم، وأجاب ابن رُشَيدٍ باحتمال أن يكون أراد بالتَّرجمة الاستدلالَ بطريق الأَولى؛ لأنَّهم إذا كانوا يسألون الله به (١) فيسقيهم فأحرى أن يقدِّموه للسُّؤال. انتهى. قال في «الفتح»: وهو حسنٌ. ١٠٠٩ - (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بضمِّ العين وفتح الميم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني، ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، ممَّا وصله أحمد وابن ماجه، قال: (حَدَّثَنَا) عمِّي (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر قال: (رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونه (يَسْتَسْقِي) زاد ابن ماجه: «على المنبر» (فَمَا يَنْزِلُ) عنه (حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الجيم مِنْ يجيشُ، وآخره شينٌ معجمةٌ، من جاشَ يجيش إذا هاج، وهو كنايةٌ عن كثرة المطر. والميزاب: ما يسيل منه الماء من موضعٍ عالٍ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ميزابٌ» بتقديم اللَّام على الكاف، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ. (وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَُِ اليَتَامَى عِصْمَةًٌٍ لِلأَرَامِلِ وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ). ومطابقة هذا التَّعليق للتَّرجمة (٢) من قوله: «يستسقي»، ولم يكن استسقاؤه ﵊ إلَّا عن سؤالٍ (٣)، والظَّاهر أنَّ طريق ابن عمر الأُولى مختصرةٌ من هذه المعلَّقةِ المصرِّحةِ بمباشرته ﵊ للاستسقاء بنفسه الشَّريفة، وأَصْرَحُ من ذلك رواية (٤) البيهقيِّ في «دلائله»، عن أنسٍ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعيرٌ يَئِطُّ، ولا صبيٌّ يَغطُّ،
следующие страницы →