١٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر الكوفيِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيحٍ العطَّار الهَمْدانيِّ الكوفِّي (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهَمْدانيِّ (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵄ (فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ) أي: قريش (إِدْبَارًا) عن الإسلام (قَالَ: اللَّهُمَّ) ابعثْ، أو سلِّط عليهم (سَبْعًا) من السِّنين، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «سبعٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مطلوبي منك فيهم سبعٌ (كَسَبْعِ يُوسُفَ) الَّتي أصابهم فيها القحط (فَأَخَذَتْهُمْ) أي: قريشًا (سَنَةٌ) أي: قحطٌ وجدبٌ (حَصَّتْ) بالحاء والصَّاد المشدَّدة المهملتَين، أي: استأصلت وأذهبت (كُلَّ شَيْءٍ) من النَّبات (حَتَّى أَكَلُوا) وللأَصيليِّ ولأبي ذَرٍّ (١) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى أكلنا» وللأَصيليِّ: «أوْ أَكلوا» (الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَفَ) بكسر الجيم وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، جثَّة الميِّت (٢) إذا أراح، فهو أخصُّ من مطلق الميتة لأنَّها ما لم تُذَكَّ (وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ) بالهاء ونصب الفعل بـ «حتَّى»، أو برفعه على الاستئناف، والأوَّل أَظْهر، والثَّاني في نسخة أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٣)، كما نبَّه عليه في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وينظرُ أحدكم»
стр. 2627
(إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ) لأنَّ الجائع يرى بينه وبين السَّماء كهيئة الدُّخان من ضعف بصره (فَأَتَاهُ) ﵊ (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رحمك (قَدْ هَلَكُوا) أي: من الجدب والجوع بدعائك (فَادْعُ اللهَ لَهُمْ) لم يقع في هذا السِّياق التَّصريح بأنَّه دعا لهم. نعم وقع ذلك في سورة الدُّخان، ولفظه: «فاستسقى لهم فَسُقُوا» (قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: انتظر يا محمَّد عذابهم (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥]) أي: إلى الكفر، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليُّ: «﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾» (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾) زاد الأَصيليُّ: «﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾» [الدخان: ١٦] (فَالبَطْشَةُ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «والبطشة» (يَوْمَ بَدْرٍ) لأنَّهم لمَّا (١) التجؤوا إليه ﵊، وقالوا: ادعُ الله أن يكشف عنَّا فنؤمنَ لك (٢)، فدعا وكشف ولم يؤمنوا، انتقم (٣) الله منهم يوم بدرٍ، وعن الحسن: البطشةُ الكبرى: يوم القيامة، قال ابن مسعودٍ: (وَقَدْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقد» (مَضَتِ الدُّخَانُ) وهو الجوع (وَالبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ) بكسر اللَّام وبالزَّاي: القتل (وَآيَةُ) أوَّل سورة (الرُّومِ) فإنَّ قلت: ما وجه إدخال هذه التَّرجمة في الاستسقاء؟ أُجيبَ بأنَّه للتَّنبيه على أنَّه كما شُرِعَ الدُّعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شُرِعَ (٤) الدُّعاء بالقحط على الكافرين لأنَّ فيه إضعافهم، وهو نفعٌ للمسلمين، فقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النَّبيِّ ﷺ ليدعو لهم برفع القحط.
ورواة هذا الحديث كلُّهم (٥) كوفيُّون إلَّا جريرًا فرازيّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول،
стр. 2628
وأخرجه المؤلِّف في «الاستسقاء» [خ¦١٠٢٠] أيضًا وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٣]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٣) (بابُ سُؤَالِ النَّاسِ) المسلمين وغيرهم (الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا) بفتح القاف والحاء مبنيًّا للفاعل، يقال: قحوطًا، إذا احتُبِسَ، فيكون من باب القَلب لأنَّ المحتبَسَ المطرُ لا النَّاس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه أيضًا (١)، وحكى الفرَّاء: قَحِطَ، بالكسرِ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «قُحِطوا» بضمِّ القاف وكسر الحاء مبنيًّا للمفعول، وقد سُمِعَ قُحِطَ القوم، و «سؤال»: مصدرٌ مضافٌ لفاعله، و «الإمامَ»: مفعوله، وتاليه: نصبٌ على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشَّيءَ، وعن الشيءِ.
١٠٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بإسكان الميم، ابن بحر الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ) بضمِّ القاف وفتح التَّاء (٢) الفوقيَّة، سَلْم، بفتح السِّين وسكون اللَّام،
стр. 2629
الخراسانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ) أي: ينشده، زاد ابن عساكر: «فقال» (وَأَبْيَضَ) أعربه ابن هشامٍ في «مغنيه»: مجرورًا بالفتحة بـ «رُبَّ» مضمرةً، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ في «حاشيته» عليه، و «مصابيحه» فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوَّلهما: والظَّاهر أنَّه منصوبٌ عطفًا على «سيِّدًا» المنصوب في البيت قبله، وهو قوله:
وما ترك قومٌ لا أبا لك سيِّدًا … يحوطُ الذِّمار غير ذَرْبٍ مُواكِلِ (١)
قال: وهو من عطف الصِّفات الَّتي موصوفها واحدٌ، ويجوز الرَّفع، وهو في «اليونينيَّة» أيضًا، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أبيض (يُسْتَسْقَى الغَمَامُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيِّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، أي: يستسقي النَّاس الغمام (بِوَجْهِهِ) الكريم (ثِمَالَُِ اليَتَامَى) أي: يكفيهم بإفضاله، أو يطعمهم عند الشِّدَّة، أو عمادُهم، أو ملجؤُهم، أو مغيثُهم، وهو بكسر المثلَّثة والنَّصب أو الرَّفع، صفةٌ لـ «أبيض» كقوله: (عِصْمَةًٌٍ) أي: مانعٌ (لِلأَرَامِلِ) يمنعهم ممَّا يضرُّهم، وفي (٢) «اليونينيَّة»: «ثمالِ» و «عصمةِ» بالجرِّ فيهما مع الوجهين الآخرين صفةٌ لـ «أبيضَ» على تقدير جرِّه بـ «رُبَّ»، وفيه ما مرَّ. و «الأرامل»: جمع أرملة، وهي الفقيرة الَّتي لا زوج لها، والأرمل (٣): الرَّجل الَّذي لا زوج له، قال:
стр. 2630
هذي الأرامل قد قَضَّيْتَ حاجتَها … فمَن لحاجةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ؟!
نعم، استعماله في الرَّجل مجازٌ؛ لأنَّه لو أوصى للأرامل خُصَّ النِّساءُ دون الرِّجال، واستُشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي لهم، وأجاب ابن رُشَيدٍ باحتمال أن يكون أراد بالتَّرجمة الاستدلالَ بطريق الأَولى؛ لأنَّهم إذا كانوا يسألون الله به (١) فيسقيهم فأحرى أن يقدِّموه للسُّؤال. انتهى. قال في «الفتح»: وهو حسنٌ.
١٠٠٩ - (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بضمِّ العين وفتح الميم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني، ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، ممَّا وصله أحمد وابن ماجه، قال: (حَدَّثَنَا) عمِّي (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر قال: (رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كونه (يَسْتَسْقِي) زاد ابن ماجه: «على المنبر» (فَمَا يَنْزِلُ) عنه (حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الجيم مِنْ يجيشُ، وآخره شينٌ معجمةٌ، من جاشَ يجيش إذا هاج، وهو كنايةٌ عن كثرة المطر. والميزاب: ما يسيل منه الماء من موضعٍ عالٍ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ميزابٌ» بتقديم اللَّام على الكاف، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو تصحيفٌ.
(وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَُِ اليَتَامَى عِصْمَةًٌٍ لِلأَرَامِلِ
وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ).
ومطابقة هذا التَّعليق للتَّرجمة (٢) من قوله: «يستسقي»، ولم يكن استسقاؤه ﵊ إلَّا عن سؤالٍ (٣)، والظَّاهر أنَّ طريق ابن عمر الأُولى مختصرةٌ من هذه المعلَّقةِ المصرِّحةِ بمباشرته ﵊ للاستسقاء بنفسه الشَّريفة، وأَصْرَحُ من ذلك رواية (٤) البيهقيِّ في «دلائله»، عن أنسٍ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعيرٌ يَئِطُّ، ولا صبيٌّ يَغطُّ،
стр. 2631
فقام ﵊ يجرُّ رداءه، حتَّى صعد المنبر، فقال: «اللَّهم اسقنا … » الحديثَ، وفيه: ثمَّ قال ﵊: «لو كان أبو طالبٍ حيًّا لقرَّت عيناه (١)، مَن يُنْشِدنا قوله؟» فقام عليٌّ فقال: يا رسول الله، كأنَّك أردت قوله: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَُِ اليَتَامَى عِصْمَةًٌٍ لِلأَرَامِلِ
واقتصر ابن عساكر في روايته على قوله: «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه»، وأسقط باقيه اكتفاءً بالسَّابق، وقدَّم قوله: «وهو قول أبي طالبٍ» على قوله: «وأبيض»، بعد قوله: «كلُّ ميزابٍ»، وسقط قوله: «وهو» عند أبوي ذَرٍّ والوقت، وهذا البيت من قصيدةٍ جليلةٍ بليغةٍ من بحر الطَّويل، وعدَّة أبياتها مئةُ بيتٍ وعشرة أبياتٍ، قالها لمَّا تمالأ قريشٌ على النَّبيِّ ﷺ ، ونفروا عنه من يريد الإسلام، فإن قلت: كيف قال أبو طالب: يستسقى الغمام بوجهه؟ ولم يره قطُّ استسقى، وإنَّما كان بعد الهجرة؟ فالجواب أنَّه أشار إلى ما أخرج (٢) ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكَّة وهم في قحطٍ فقالت قريشٌ: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فَهلُمَّ فاستسقِ (٣)، فخرج أبو طالبٍ معه غلامٌ، يعني: النَّبيَّ ﷺ ، كأنَّه شمسُ
стр. 2632
دُجْنٍ تجلَّت عن (١) سحابةٍ قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالبٍ، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام، وما في السَّماء قزعةٌ، فأقبل السَّحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب (٢) النَّادي والبادي، وفي ذلك يقول، أي: أبو طالبٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ..........................
فإن قلت: قد تُكلِّم في عمر بن حمزة، وفي عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار السَّابق في الطَّريق الموصولة، فكيف احتجَّ المؤلِّف بهما؟ أُجيبَ بأنَّ إحدى الطَّريقين (٣) عضدت الأخرى، وهذا أحد قسمي الصَّحيح كما تقرَّر في علوم الحديث.
١٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن الصبَّاح الزَّعفرانيُّ البغداديُّ، صاحب الشَّافعيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى (الأَنْصَارِيُّ) ولأبي ذَرٍّ (٤): «حدَّثنا الأنصاريُّ» (قَالَ:
стр. 2633
حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي عَبْدُ اللهِ) برفع «عبدُ الله» عطف بيانٍ على «أبي» المرفوع على الفاعليَّة (بْنُ المُثَنَّى) بن عبد الله بن أنس بن مالكٍ (عَنْ) عمِّه (ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالكٍ (١) الأنصاريِّ البصريِّ، قاضيها، و «ثُمَامَة» بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «عن (٢) أنس (٣) بن مالكٍ» (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا) بفتح القاف والحاء في الفرع مصحَّحًا عليه، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ (٤): «قُحِطوا» بضمِّ القاف وكسر الحاء، أي: أصابهم القحط (اسْتَسْقَى) متوسِّلًا (بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) ﵁ للرَّحم الَّتي بينه وبين النَّبيِّ ﷺ ، فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقِّه إلى من أمر بصلة الأرحام ليكون ذلك وسيلةً إلى رحمة الله تعالى (فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا) ﷺ في حال حياته (فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا) بعده (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) العبَّاس (فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ) وقد حُكِيَ عن كعب الأحبار: أنَّ بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيِّهم وقد ذكر الزُّبير بن بكَّارٍ في «الأنساب»: أنَّ عمر استسقى بالعبَّاس عام الرَّمَادة، أي: بفتح الرَّاء وتخفيف الميم، وسُمِّيَ به العام لِمَا حصل من شدَّة الجدب، فاغبرَّت الأرض جدًّا، وذكر ابن سعدٍ وغيره: أنَّه كان سنة ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاجِّ منها، ودام تسعة أشهرٍ، وكان من دعاء العبَّاس ذلك اليوم -فيما ذكره في «الأنساب» -: اللَّهم إنَّه لم ينزل بلاءٌ إلَّا بذنبٍ، ولم يُكشَف إلَّا بتوبةٍ، وقد توجَّه بيَ القوم لمكاني من نبيِّك (٥)، وهذه أيدينا إليك بالذُّنوب، ونواصينا إليك بالتَّوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السَّماء مثل الجبال (٦) حتَّى أخصبت الأرض، وعاش النَّاس، وفي هذا الحديث: التَّحديث، والعنعنة، والقول.
(٤) (بابُ تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) وللجرجانيِّ فيما حكاه في «المصابيح»: تحريك الرِّداء بالرَّاء والكاف، قيل: وهو وهمٌ.
стр. 2634
١٠١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن إبراهيم الحنظليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «وهب بن جريرٍ» بالجيم، هو ابن حازم الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ، أخو عبد الله بن أبي بكرٍ الآتي (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) المازنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) هو ابن عاصمٍ المازنيِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَقَلَبَ رِدَاءَهُ) عند استقباله القبلة في أثناء الاستسقاء، فجعل اليمين على الشِّمال، والشِّمال على اليمين تفاؤلًا بتحويل الحال عمَّا هي عليه إلى الخِصْب والسَّعة. أخرجه الدَّارقُطنيُّ بسندٍ رجاله ثقاتٌ مرسلًا، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه بلفظ: «حوَّل رداءه ليتحوَّل القحط»، وزاد أحمد: «وحوَّل النَّاس معه» وهو حجَّةٌ على من خصَّه بالإمام، ولأبي داود والحاكم: «أنه ﷺ استسقى وعليه خميصةٌ سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلمَّا ثقلت عليه قَلَبها على عاتقه» فهمُّه بذلك يدلُّ على استحبابه، وتركه للسَّبب المذكور، والجمهور على استحباب التَّحويل فقط، ولا ريب أنَّ الَّذي اختاره الشَّافعيُّ أحوط، ولم يقع في حديث عبد الله بن زيدٍ سببُ
стр. 2635
خروجه ﵊، ولا صفته (١) حال ذهابه إلى المصلَّى، ولا وقت ذهابه. نعم في حديث عائشة المرويِّ عند أبي داود وابن حبَّان: «شكا النَّاس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبرٍ وُضِعَ له في المصلَّى، ووعد النَّاس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشَّمس، فقعد على المنبر … » الحديث، وبهذا أخذ الحنفيَّة والمالكيَّة والحنابلة فقالوا: إنَّ وقت صلاتها وقتُ العيد، والرَّاجح عند الشَّافعيَّة أنَّه لا وقت لها معيَّن وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، بل جميع زمن (٢) اللَّيل والنَّهار وقتٌ لها لأنَّها ذات سببٍ، فدارت مع سببها كصلاة الكسوف، لكنَّ وقتها المختار وقتُ صلاة العيد، كما صرَّح به الماورديُّ وابن الصَّلاح (٣) لهذا الحديث، وعند أحمد وأصحاب السُنن من حديث ابن عبَّاسٍ: «خرج ﷺ متبذِّلًا (٤) متواضعًا متضرِّعًا حتَّى أتى المصلَّى، فرقي المنبر» أي: لابسًا ثياب بذلةٍ، بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، المهنة لأنَّه اللَّائق بالحال، وفارق العيد بأنَّه يوم عيدٍ، وهذا يوم مسألةٍ واستكانةٍ، وفي الرِّواية السَّابقة أوَّل الاستسقاء: «وحوَّل رداءه» بدل قوله هنا: «فَقَلب رداءه» وهما بمعنًى واحدٍ، وأعاد الحديث هنا لأنَّه ذكره (٥) أوَّلًا لمشروعيَّة الاستسقاء والخروج إلى الصَّحراء، وهنا لمشروعيَّة تحويل الرِّداء خلافًا لمن نفاه.
стр. 2636
١٠١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أخو محمَّد بن أبي بكرٍ السَّابق ولأبي ذرٍّ -وعزاه العينيُّ كابن حجر للحَمُّويي والمُستملي-: «عن عبد الله بن أبي بكر» وقد صرَّح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لابن عيينة: (أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ) المازنيَّ (يُحَدِّثُ أَبَاهُ) أي: أبا عبد الله بن أبي بكرٍ، ولا يعود الضَّمير على «عبَّاد» (عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن عاصم: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى) بالصَّحراء لأنَّه أبلغ في التَّواضع وأوسع للنَّاس (فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ) بالفاء، ولابن عساكر: «واستقبل» (القِبْلَةَ، وَقَلَبَ) ولأبي ذَرٍّ: «وحوَّل» (رِدَاءَهُ، وَصَلَّى) بالنَّاس (رَكْعَتَيْنِ) أي: كما يصلِّي في العيدين. رواه ابن حبَّان وغيره، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وقياسه: أن يكبِّر في أوَّل (٢) الأولى سبعًا، وفي الثَّانية خمسًا، ويرفع يديه، ويقف بين كلِّ تكبيرتَين مسبِّحًا حامدًا مهلِّلًا، ويقرأ جهرًا في الأولى: ﴿ق﴾ وفي الثَّانية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] أو ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ واستدلَّ الشَّيخ أبو إسحاق في «المهذَّب» له بما رواه الدَّارقُطنيُّ: أنَّ مروان أرسل إلى ابن عبَّاسٍ يسأله عن سنَّة الاستسقاء، فقال: سنَّة الاستسقاء الصَّلاة (٣) كالصَّلاة في العيدين، إلَّا أنَّه ﷺ قلب رداءه فجعل يمينه يساره، ويساره يمينه، وصلَّى ركعتين، كبَّر في الأولى سبع تكبيراتٍ وقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وقرأ في الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: ١] وكبَّر خمس تكبيراتٍ، لكن قال في «المجموع»: إنَّه حديثٌ ضعيفٌ. نعم حديث ابن عبَّاسٍ عند التِّرمذيِّ: «ثمَّ صلَّى ركعتين كما يصلِّي في العيدين» كما مرَّ، أخذ بظاهره الشَّافعيُّ فقال: يكبِّر فيهما كما سبق، وذهب الجمهور إلى أنَّه يكبِّر فيهما (٤) تكبيرةً واحدةً
стр. 2637
للإحرام كسائر الصَّلوات، وبه قال مالكٌ وأحمد وأبو يوسف ومحمَّدٌ لحديث الطَّبرانيِّ في «الأوسط» عن أنسٍ: «أنَّه ﷺ استسقى، فخطب قبل الصَّلاة، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، ثمَّ نزل فصلَّى ركعتين، لم يكبِّر فيهما إلَّا تكبيرةً» وأجابوا عن قوله في حديث التِّرمذيِّ: «كما يصلِّي في العيدين»، يعني: في العددِ، والجهرِ بالقراءة، وكونِ الرِّكعتين قبل الخطبة، ومذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة أنَّه يخطب بعد الصَّلاة لحديث ابن ماجه وغيره: «أنَّه ﷺ خرج إلى الاستسقاء فصلَّى ركعتين، ثمَّ خطب»، ولو خطب قبل الصَّلاة جاز لما سبق.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ: (كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (يَقُولُ: هُوَ) أي: راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه بن ثعلبة (صَاحِبُ) رؤيا (الأَذَانِ) في النَّوم (وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ) بسكون الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «وَهِمَ» بكسرها وفتح الميم وللأَصيليِّ: «ولكنَّه هو وَهْمٌ» (لأَنَّ هَذَا) أي: راوي حديث الاستسقاء (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ) لا مازن بني تميمٍ وغيره.
(٦) (بابُ) جواز (الاِسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ) أي: فلا يشترط الخروج إلى الصَّحراء (١). ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: «باب انتقام الرَّبِّ من خلقه بالقحط إذا انتُهِكَت محارمه (٢)» (٣).
стр. 2638
١٠١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح (١) الضَّاد المعجمة وسكون الميم (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين المهملة (٢)، اللَّيثيُّ المدنيُّ، المتوفَّى سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، المدنيُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَذْكُرُ: أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو كعب بن مرَّة وقيل: هو (٣) أبو سفيان بن حربٍ، وضُعِّفَ الثَّاني بما سيأتي (دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ) من المسجد النَّبويِّ بالمدينة (كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ) بكسر الواو، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وُجَاهَ (٤)» بضمِّها، أي: مواجهه ومقابله (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ) والجملة السَّابقة حاليَّةٌ أيضًا (فَاسْتَقْبَلَ) الرَّجلُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دلالةٌ على أنَّ السَّائل كان مسلمًا، فامتنع أن يكون أبا سفيان لأنَّه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في حديث ابن مسعودٍ قريبًا (هَلَكَتِ المَوَاشِي) من عدم ما يعيشون (٥) به من الأقوات المفقودة بحبس المطر، كذا في رواية أبي ذرٍّ وكريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «المواشي»، ولغيرهما: «هلكت الأموال» وهي في الفرع (٧) لأبي ذَرٍّ أيضًا عنه،
стр. 2639
والمراد بالأموال المواشي أيضًا لا الصَّامت، والمال عند العرب هي الإبل، كما أنَّ المال (١) عند أهل التِّجارة الذَّهب والفضَّة، ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله: هلكت، يعني الأموال» وأبو عبد الله هو البخاريُّ (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) بضمِّ السِّين والموحَّدة، أي: الطُّرق، فلم تسلكها الإبل لهلاكها أو ضعفها بسبب قلَّة الكلأ، أو بإمساك الأقوات فلم تجلب، أو بعدمها فلم يوجد ما يحمل عليها، وللأَصيليِّ: «وتقطَّعت» (٢) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الطَّاء من باب التَّفعُّل، والأولى مِن باب الانفعال (فَادْعُ اللهَ) فهو (يُغِيثَنَا) أو الرَّفع على أنَّ الأصل: فادعُ الله أن يغيثنا، فحُذِفَت «أَنْ» فارتفع الفعل، وهل ذلك مقيسٌ؟ فيه خلافٌ، ولأبي ذَرٍّ: «أن (٣) يغيثَنا» وضبطها البرماويُّ وغيره بالجزم جوابًا للطَّلب، وهو الأَوجه، لكن الَّذي رويناه هنا هو الرَّفع والنَّصب كما مرَّ، نعم هي (٤) في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي بالجزم، وأمَّا أوَّل الفعل هنا فمضمومٌ في جميع الفروع والأصول (٥) الَّتي وقفتُ عليها، مِن باب:
стр. 2640
أغَاثَ يُغِيثُ إِغَاثةً من مزيد الثُّلاثيِّ المجرَّد (١): من الغَوث، وهو الإجابة، أو هو من طلب الغيث، أي: المطر، لكنَّ المشهور عند اللُّغوييِّن فتحُها، من الثُّلاثيِّ المجرَّد في المطر، يقال: غَاث الله النَّاس والأرض يَغيثهم، بالفتح، قال ابن القطَّاع: غاث الله عباده غيثًا وغياثًا: سقاهم (٢) المطر، وأغاثهم: أجاب دعاءهم، ويقال: غَاث وأغاث بمعنًى، والرُّباعيُّ أعلى، وقال بعضهم -فيما نقله أبو عبد الله الأُبِّيُّ-: على (٣) تقدير أنَّه من الإغاثة لا من طلب الغيث، إنَّه من ذلك بالتَّعدية، يعني: اللَّهم هب لنا غيثًا، كما يقال: سقاه الله وأسقاه، أي: حصل له (٤) سقياه (٥) على من فرَّق بين اللَّفظين، وضبطها البرماويُّ بالوجهين مقدِّمًا للفتح، وكذا جوَّزهما في «الفتح»، لكن يبقى النَّظر في الرِّواية. نعم، ثبت الوجهان في الرِّواية اللَّاحقة في فرع «اليونينيَّة» (قَالَ) أنس: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) أي: حذاء وجهه، ودعا (فَقَالَ) في دعائه: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا) ثلاث مرَّاتٍ لأنَّه كان إذا دعا دعا ثلاثًا، وهمزة: «اسقنا»، فيها وصلٌ كما في الفرع، وجوَّز الزَّركشيُّ قطعَها معلِّلًا بأنَّه ورد في القرآن ثلاثيًّا ورباعيًّا، قال في «المصابيح»: إن ثبتت الرِّواية بهما (٦)، أي: بالوصل والقطع فلا كلامَ، وإلَّا اقتصرنا من الجائزَين على ما وردت الرِّواية به. انتهى. (قَالَ أَنَسٌ: وَلَا) بالواو، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فلا» (وَاللهِ) أي: فلا نرى والله (مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) أي:
стр. 2641
مجتمعٍ، وحَذَفَ: نرى بعد «فلا» لدلالة قوله: «ما نرى» عليه، وكرَّر النَّفي للتَّأكيد (وَلَا قَزَعَةً) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، ثمَّ هاء تأنيثٍ مفتوحًا على التَّبعيَّة لقوله: «من سحابٍ» محلًّا، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ولا قَزَعَةٍ» مكسورًا كسر إعرابٍ على التَّبعيَّة له لفظًا، وهي قطعةٌ من سحابٍ رقيقةٍ كأنَّها (١) ظلٌّ، إذا مرَّت من تحت السَّحاب الكثير، وخصَّه أبو عبيد بما يكون في الخريف (وَلَا) نرى (شَيْئًا) من ريح وغيره مما يدلُّ على المطر (وَمَا) ولأبي ذر: «ولا» (بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ) بفتح السين وسكون اللام كَفَلْسٍ جبل بالمدينة (مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ) تحجبنا (٢) عن رؤيته (قَالَ: فَطَلَعَتْ) أي: ظهرت (مِنْ وَرَائِهِ) من وراء سلعٍ (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) في الاستدارة لا في القَدْر، زاد (٣) في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عَوانة: «فنشأت سحابةٌ مثلُ رِجل الطَّائر وأنا أنظر إليها» وهو يدلُّ على صغرها (فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ) السَّحابة (السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) بعد استمرارها مستديرةً (ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ) أي: أنسٌ، ولابن عساكر: «فقال» بزيادة الفاء: (وَاللهِ) بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فوالله» (مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا) بكسر السِّين وتشديد المثنَّاة
стр. 2642
الفوقيَّة، أي: ستَّة أيَّامٍ، كذا في رواية الحَمُّويي والمُستملي، ورواه سعيدُ بن منصورٍ عن الدَّراورديِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «سبتًا» بفتح السِّين وسكون الموحِّدة، أي: أسبوعًا، وعبَّر به لأنَّه أوَّله، من باب تسمية الشَّيء باسم بعضه، ولا تنافيَ بين الرِّوايتين لأنَّ مَن قال: سبعًا (١) بالموحَّدة، أضاف إلى السِّتَّة يومًا مُلفقًا من الجمعَتين، ويأتي مزيدٌ لذلك (٢) -إن شاء الله تعالى- قريبًا (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ) غير الأوَّل لأنَّ النَّكرة إذا تكرَّرت دلَّت على التَّعدُّد، أو هذه القاعدة محمولةٌ على الغالب لما سيأتي إن شاء الله تعالى عند قول (٣) أنسٍ آخِرَ الحديث: «لا أدري»، وفي رواية إسحاق عن أنسٍ: فقام ذلك الرَّجل أو غيره، بالشَّكِّ، ولأبي عَوانة من طريق حفصٍ عن أنسٍ: «فما زلنا نُمطَر حتَّى جاء ذلك الأعرابيُّ» (مِنْ ذَلِكَ البَابِ) الَّذي دخل منه السَّائل أوَّلًا (فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ) ولأبي ذَرٍّ: «قائمًا» بالنَّصب على الحال من فاعل «يخطب» وهو الضَّمير المستكنّ فيه (فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا) نصبٌ على الحال من الضَّمير المرفوع في: «استقبله» لا من المنصوب (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) أي: المواشي بسبب كثرة المياه؛ لأنَّه انقطع المرعى، فهلكت المواشي من عدم الرَّعي (٤) (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) لتعذُّر سلوكها من كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ) بالفاء، ولأبي ذّرٍّ والأَصيليِّ: «ادع الله» (يُمْسِكْهَا) بالجزم جوابًا للطَّلب، ولأبي ذَرٍّ و (٥) ابن عساكر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْ يمسكها» بزيادة: «أَنْ»، ويجوز الرَّفع، أي: هو يُمْسِكُها،
стр. 2643
والضَّمير للأمطار أو السَّحابة (قَالَ) أنسٌ: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا) بفتح اللَّام، أي: أنزل المطر حوالينا (وَلَا) تنزله (عَلَيْنَا) والمراد صرفه عن الأبنية، وفي الواو من قوله: «ولا علينا» بحثٌ يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، ثمَّ بيَّن المراد بقوله: «حوالينا» فقال: (اللَّهُمَّ عَلَى الإكَامِ) بكسر الهمزة على وزن: الجِبَال، وبهمزةٍ مفتوحةٍ ممدودةٍ، جمع أَكَمَةٍ بفتحَاتٍ: التُّراب المجتمع، أو أكبر من الكُدْية، أو الهضبة الضَّخمة، أو الجبل الصَّغير، أو ما ارتفع من الأرض (وَالجِبَالِ) زاد في غير (١) رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «والآجام» بالمدِّ والجيم (٢) (وَالظِّرَابِ) بكسر الظَّاء (٣) المعجمة آخره موحَّدةٌ، جمع ظَرِبَ (٤) ككَتِفٍ بكسر (٥) الرَّاء: جبلٌ منبسطٌ على الأرض،
стр. 2644
أو الرَّوابي الصَّغار دون الجبل، أي: أنزل المطر حيث لا نستضرُّ به (١). قال البرماويُّ والزَّركشيُّ: وخُصَّت بالذِّكر لأنَّها أوفق للزِّراعة من رؤوس الجبال. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الجبال مذكورةٌ في لفظ الحديث هنا، فما هذه الخصوصيَّة بالذِّكر؟ ولعلَّه يريد الحديث الَّذي في التَّرجمة الآتية، فإنَّه لم يذكر فيها الجبال (وَالأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أي: المرعى، لا في الطّرق المسلوكة، فلم يَدْعُ ﵊ برفعه (٢) لأنَّه رحمةٌ، بل دعا بكشف ما يضرُّهم، وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه، ولا يستضرُّ به ساكنٌ ولا ابن سبيلٍ، وهذا من أدبه الكريم وخلقه العظيم، فينبغي التَّأدُّب بمثْل أدبه. واستُنبطَ من هذا أنَّ مَن أنعم الله عليه (٣) بنعمةٍ لا ينبغي له أن يتسَّخطها (٤) لعارضٍ يعرض فيها، بل يسأل الله تعالى رفعَ ذلك العارض وإبقاءَ النِّعمة. (قَالَ) أنسٌ: (فَانْقَطَعَتْ) أي: الأمطار عن المدينة (وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ، قَالَ شَرِيكٌ) الرَّاوي (فَسَأَلْتُ) وللأَصيليِّ: «فسألنا» (أَنَسًا: أَهُوَ) أي: السَّائل الثَّاني (الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي) عبَّر أنسٌ أوَّلًا بقوله: إنَّ رجلًا دخل المسجد، وعبَّر ثانيًا بقوله (٥): ثمَّ دخل رجلٌ (٦)، فأتى بـ «رجلٍ» نكرةً في الموضعَين مع تجويزه (٧) أن يكون الثَّاني هو الأوَّل، ففيه أنَّ النَّكرة إذا أعيدت نكرةً لا يجزم بأنَّ مدلولها ثانيًا غير مدلولها أوَّلًا، بل الأمر محتملٌ، والمسألة مقرَّرةٌ في محلِّها، قاله في «المصابيح»، فإنَّ قلت: لِمَ لَمْ
стр. 2645
يباشر سؤالَهُ ﵊ الاستسقاءَ بعضُ أكابر أصحابه؟ أُجيبَ بأنَّهم كانوا يسلكون الأدب بالتَّسليم وتركِ الابتداء بالسُّؤال، ومنه قول أنسٍ: كان يعجبنا أن يجيء الرَّجل من البادية فيسأل. واستنبط منه أبو عبد الله الأُبِّيُّ: أنَّ الصَّبر على المشاقِّ وعدم التَّسبُّب في (١) كشفها أرجحُ لأنَّهم إنَّما يفعلون الأفضل. وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وهو من الرُّباعيَّات، وأخرجه أيضًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠١٤]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ.
(٧) (بابُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ) حال كون الخطيب (غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ).
стр. 2646
١٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ شَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِرٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ) النَّبويَّ بالمدينة (يَوْمَ جُمُعَةٍ) بالتَّنكير لكريمة كما في «الفتح» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «يوم الجمعة» (مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ) الَّتي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطَّاب ﵁ الَّذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وكان ستَّةً وثمانين ألفًا، وأوصى ابنه عبد الله أن يُباع فيه مالُه، فباع ابنه هذه الدَّار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء (١) دين عمر، ثمَّ طال ذلك فقيل لها: دار القضاء (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ) الرَّجلُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) أي: المواشي (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) الطُّرق (فَادْعُ اللهَ يَُغِثُنَا) بضمِّ أوَّله مِن أغاث، أي: أجاب، وفتحِه، مِن: غاث المطر (٢)، كذا ثبت الوجهان هنا في فرع (٣) «اليونينيَّة»، وبرفع المثلَّثة بتقدير: هو، أو أنَّ أصله: أَنْ يغيثَنا كرواية أبي ذرٍّ في السَّابقة، فحُذِفَت «أَنْ» فارتفع الفعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يغثْنا» بالجزم على الجواب كما مرَّ (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) زاد ابن خزيمة من رواية حُميدٍ عن أنسٍ: «حتَّى رأيتُ بياض إبطَيه» وللنَّسائيِّ: «ورفع النَّاس أيديَهم مع رسول الله ﷺ يدعون» (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) ثلاث مرَّاتٍ كما في السَّابقة، لكنَّه قال فيها: «اسقِنا» قال الزَّركشيُّ: كذا الرِّواية «أَغثنا» بالهمز رباعيًّا، أي: هب لنا غيثًا، والهمزة فيه للتَّعدية، وقيل: صوابه: «غِثْنَا» مِن غَاث، قالوا: وأمَّا أغثنا فإنَّه (٤) من الإغاثة وليس من طلب الغيث، قال في «المصابيح»: وعلى تقدير تسليمه لا يضرُّ اعتبار الإغاثة من الغَوث في هذا المقام، ولا ثَمَّ ما ينافيه، والرِّواية ثابتةٌ به، ولها وجهٌ، فلا
стр. 2647
سبيل إلى دفعها بمجرَّد ما قيل. انتهى. وأشار بقوله: ولها وجهٌ، إلى ما مرَّ في الباب السَّابق أنَّه يقال: غاث وأغاث بمعنًى، وقال ابن دريدٍ: الأصل: غاثه الله يغوثه غوثًا، فأُمِيْتَ، واستُعمِلَ: أغاثه، ويحتمل أن يكون معنى «أغثنا»: أعطنا غوثًا وغَيثًا (قَالَ أَنَسٌ: وَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فلا» (وَاللهِ، مَا نَرَى) كرر النَّفي قبل القَسَم، وبعده للتَّأكيد (١)، وإلَّا فلو قال: فوالله (٢) ما نرى لكان الكلام مستقيمًا، وكذا لو قال: فلا نرى والله (فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ) مجتمعٍ (وَلَا قَزَعَةً) بالقاف والزَّاي والمهملة المفتوحات، والنَّصب على التَّبعيَّة لـ «سحابٍ» من جهة المحلِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قَزَعةٍ» بالجرِّ على التَّبعيَّة له من جهة اللَّفظ، وهي القطعة الرَّقيقة من السَّحاب كما مرَّ (وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ) الجبل المعروف (مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ) يحجب عن الرُّؤية (قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ) أي: الجبل (سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ) في الاستدارة والكثافة (فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ) السَّحابة (السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ) وسقط عند الأربعة لفظ: «السَّماء» (ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا) بكسر السِّين، أي: ستَّة أيَّامٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «سَبْتًا» بفتح السِّين وسكون الموحَّدة، أي: مِن سبتٍ إلى سبتٍ بدليل الرِّواية الأخرى: «من جمعةٍ إلى جمعةٍ»، أو (٣) السَّبت قطعةٌ من الزَّمان، وقد (٤) استدلَّ الأُبِّيُّ لتصحيح رواية: «سِتًّا» بالكسر، برواية (٥): «مِن (٦) جمعةٍ إلى جمعةٍ» قال: لأنَّه إذا أُزيلَت الجمعتان اللَّتان (٧) دعا فيهما صحَّ ذلك. انتهى. وقد مرَّ أنَّه
стр. 2648
لا تنافي بين الرِّوايتَين، وحينئذٍ فرواية: «سِتًّا» بكسر السِّين، لا تصحيف فيها -كما زعم بعضهم- وكيف يقال ذلك مع رواية الثِّقات الأثبات لها والتَّوجيه الصَّحيح، فتأمَّل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا (١): «سبعًا» بالعين بعد الموحِّدة أي: سبعة أيَّامٍ (٢) (ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ) آخرُ، أو هو الأوَّل (مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ) زاد في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يعني الثَّانية» (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ) حال كونه (يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ) حال كونه (قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ) بسببٍ غير السَّبب الأوَّل، وهو كثرة الماء المانع للماشية مِن الرَّعي (٣)، أو لعدم ما يكنُّها (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) لتعذُّر سلوكها مِن كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا) بالجزم على الطَّلب، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أَنْ يمسِكَها» وفي رواية قتادةَ: «فادعُ ربَّك يحبسْها عنَّا، فضحك» وفي رواية ثابتٍ: «فتبسَّم» وزاد في رواية حُميدٍ: «لسرعة مَلال ابن آدم» (قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) فيه حذفٌ، أي: أمطرْ في الأماكن الَّتي حوالينا، ولا تمطرْ علينا، وفي إدخال الواو في قوله: «ولا علينا» معنًى دقيقٌ؛ وذلك أنَّه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام والظِّراب ونحوها ممَّا لا يستسقى له لقلَّة الحاجة إلى الماء هنالك، وحيث أدخل الواو آذن بأنَّ طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه ولكن ليكون وقايةً من أذى المطر على نفس المدينة، فليست الواو متمحِّضةً (٤) للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل (٥)،
стр. 2649
وهو كقولهم: تجوع الحرَّة ولا تأكل (١) بثديَيْها، فإنَّ الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكن لكونه مانعًا من الرَّضاعة بأجرةٍ إذ كانوا يكرهون ذلك. انتهى. قال (٢) الدَّمامينيُّ -بعد أن نقل ذلك عن ابن المنيِّر-: فليست (٣) الواو مخلصةً للعطف، ولكنَّها كواو التَّعليل وفائِهِ، فالمراد أنَّه إِنْ (٤) سبق في قضائك أَنْ لا بدَّ من المطر فاجعلْه حول المدينة، ويدلُّ على أنَّ الواو ليست لمحض العطف اقترانُها بحرف النَّفي، ولم يتقدَّم مثلُه، ولو قلت: اِضرب زيدًا ولا عمرًا، ما استقام على العطف، قلت: لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واوٌ وُضعَت للتَّعليل، وليست «لا» هنا للنَّفي، وإنَّما هي الدُّعائيَّة مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والمراد: أنزلِ المطر حوالينا حيث لا نستضرُّ به، ولا تنزله علينا حيث نستضرُّ به، فلم يطلب منع الغيث بالكليَّة، وهو من حسن الأدب في الدُّعاء لأنَّ الغيث رحمةُ الله ونعمته المطلوبة، فكيف يطلب منه رفع نعمته، وكشف رحمته؟ وإنَّما يُسأل (٥) سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النَّعماء، وكذا (٦) فَعَلَ ﵊، فإنَّما سأل جلب النَّفع، ودفع الضَّرر، فهو استسقاءٌ بالنِّسبة إلى محلَّين، والواو: لمحض العطف، و «لا»: جازمةٌ لا نافيةٌ، ولا إشكالَ ألبتَّة، ولو حُذِفَت الواو، وجعلت «لا» نافيةً وهي مع ذلك للعطف، لاستقام الكلام، لكن أوثر الأوَّل -والله أعلم- لاشتماله على جملتَين طلبيَّتين، والمقام يناسبه (اللَّهُمَّ) أَنْزِله (عَلَى
стр. 2650
الإِكَامِ) بكسر الهمزة وبفتحها مع المدِّ، وهي: ما دون الجبل وأعلى من الرَّابية (وَ) على (الظِّرَابِ) بكسر المعجمة: الرَّوابي الصِّغار، وقيل فيهما غير ذلك كما مرَّ (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ) بفتح الهمزة من الإقلاع، أي: كفَّت وأمسكت السَّحابة الماطرة عن المدينة، وفي رواية سعيدٍ عن شريكٍ: «فما هو إلَّا أن تكلَّم ﷺ بذلك تمزَّق السَّحاب حتَّى ما نرى منه شيئًا» أي: في المدينة (وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) وللأربعة: «فسألت» بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «فسألت أنسًا»: (أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي).
(٨) (بابُ الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ).
١٠١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك (١) ﵁ (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) على المنبر، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعد اتِّخاذه (٢) المنبر
стр. 2651
لم يخطب يوم الجمعة إلَّا عليه، قاله الإسماعيليُّ، و «الجمعة» بالتَّعريف، ولأبي ذَرٍّ، في نسخةٍ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «يوم جمعةٍ» (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ) بفتح القاف والحاء، أي: احتبسَ، ولأبي الوقت في نسخةٍ: «قُحِطَ» بضمِّ القاف وكسر الحاء (فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَدَعَا) ﵊ (فَمُطِرْنَا) بضمِّ الميم وكسر الطَّاء، استعمله ثلاثيًّا، وهي لغةٌ فيه بمعنى الرُّباعيِّ، وفرَّق بعضهم فقال (١): أُمطِرَ: في العذاب، ومُطِرَ: في الرَّحمة، والأحاديث واردةٌ بخلافه (فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا) أي: كاد أن يتعذَّر وصولنا إلى منازلنا من كثرة المطر، و «أَنْ نصلَ» خبر «كاد» مع «أَنْ» لأنَّ بينها وبين عسى مقارضةً (٢) في دخول «أَنْ» وعدمها، ولأبي ذَرٍّ: «فما كدنا نصل إلى منازلنا» بإسقاط: «أَنْ»، وللمصنِّف في «الجمعة» [خ¦٣٥٨٢] من وجهٍ آخرَ: «فخرجنا نخوض في الماء حتَّى أتينا منازلنا» (فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ) بضمِّ النُّون وسكون الميم وفتح الطَّاء، من الجمعة (إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، قَالَ) أنسٌ: (فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ) شكَّ فيه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ) أي: المطر أو السَّحاب (عَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا) بفتح اللَّام،
стр. 2652
ويقال فيه: حولَنا وحَوَلَيْنا (١) (وَلَا عَلَيْنَا، قَال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ) حال كونه (يَمِينًا وَشِمَالًا) ويتقطَّع، بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والفوقيَّة والقاف وتشديد الطَّاء من باب التَّفعُّل (يُمْطَرُونَ) أهل اليمين (٢) وأهل الشِّمال (وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ المَدِينَةِ).
(٩) (بابُ مَنِ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الجُمُعَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) من غير أن ينويه مع الجمعة (٣) كغيرها من المكتوبات والنَّوافل، وهي إحدى صوره الثَّلاثة -كما مرَّ [خ¦١٥ - ١٥٨٨]- خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يُسَنُّ فيه صلاةٌ أصلًا، وتجويزها من غير تحويلٍ فيه ولا استقبالٍ.
١٠١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي نَمِرٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالك» (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ) وللأربعة: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ، فقال: هَلَكَتِ المَوَاشِي) من قلَّة الأقوات بسبب عدم المطر والنَّبات (وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) فلم تسلكها الإبل لضعفها بسبب قلَّة الكلأ أو عدمه، «وتقطَّعت» بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الطَّاء (فَدَعَا) ﵊ ربَّه (فَمُطِرْنَا) وللأَصيليِّ: «فادعُ اللهَ» بدل قوله: «فدعا»، وكلٌّ من اللَّفظين مقدَّر (٤) فيما لم (٥) يذكر فيه، أي: قال الرَّجل: ادعُ الله، فدعا، فمُطِرنا (مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ جَاءَ) فاعله ضميرٌ يعود على قوله: «جاء رجلٌ» فيلزم اتِّحاد الرَّجل الجائي، وكأنَّه تذكَّره بعد أن نسيَه، أو نسيه (٦) بعد أن كان تذكَّره
стр. 2653
(فَقَالَ) يا رسول الله: (تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) بالمثنَّاة وتشديد الدَّال والطَّاء فيهما (وَهَلَكَتِ المَوَاشِي) من كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ (١) أن يُمْسِكَهَا، فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ) أنزله (عَلَى الإِكَامِ) بكسر الهمزة أو بفتحها مع المدِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقام فقال: اللَّهم» ولغير ابن عساكر وأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «وهلكت المواشي، فادعُ الله يمسكْها» بالجزم على الطَّلب «فقام ﷺ فقال: اللَّهم على الآكامِ» (وَالظِّرَابِ وَ) على (٢) بطون (الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، فَانْجَابَتْ) بالجيم والموحَّدة (عَنِ المَدِينَةِ) الشَّريفة (انْجِيَابَ الثَّوْبِ) أي: خرجت كما يخرج الثَّوب عن لابسه، أو تقطَّعت كما يتقطَّع الثَّوب قِطَعًا متفرِّقةً.
(١٠) (بابُ) جواز (الدُّعَاءِ) بالاستصحاء (إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الطَّاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا انقطعت السُّبل» (مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ).
١٠١٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ، خالُ إسماعيل المذكور (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي) بسبب قحوط (٣) المطر (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) بالنُّون بعد ألف الوصل، ولأبي ذَرٍّ: «انقطعت السُّبل، وهلكت المواشي» ولابن عساكر (٤): «وتقطَّعت
стр. 2654
السُّبل (١)» بالمثنَّاة وتشديد الطَّاء (فَادْعُ اللهَ) لنا يغيثنا (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) بالمثنَّاة وتشديد الطَّاء، وفي رواية حُميدٍ عند (٢) ابن خزيمة: «واحتبست الرُّكبان» (وَهَلَكَتِ المَوَاشِي) من كثرة المطر، فادعُ الله أن يصرفه عنَّا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ) أَنْزِله (عَلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ وَ) على (الإِكَامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ) أي: السُّحب الممطرة (عَنِ المَدِينَةِ) المقدَّسة (انْجِيَابَ الثَّوْبِ) وأصل الجَوبة: من «جاب» إذا قطع (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾ [الفجر: ٩].
وموضع التَّرجمة قوله: «يا رسول الله، تهدَّمت البيوت … » إلى آخره، أي: من كثرة المطر.
(١١) (بابُ مَا قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ) قيَّده بالجمعة ليبيِّن أنَّ تحويل الرِّداء -في الباب السَّابق أوَّل «كتاب الاستسقاء» -[خ¦١٠١٣] خاصٌّ بالمصلِّي.
١٠١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، البجليُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة والفاء (بْنُ عِمْرَانَ) الموصليُّ، ياقوتةُ العلماء (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن أبي
стр. 2655
طلحة» (عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلَاكَ المَالِ) الماشية لا الصَّامت، من فقد الكلأ بسبب قحوط المطر (وَجَهْدَ العِيَالِ) بفتح الجيم، أي: مشقَّتهم بسبب ذلك (فَدَعَا اللهَ) رسولُ الله ﷺ حال كونه (يَسْتَسْقِي) لهم (وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: أنسٌ أو غيره ممَّن دونه، ولهذا التَّردُّد عبَّر المصنِّف في التَّرجمة بقوله: «باب ما قيل»: (أَنَّهُ) ﵊ (حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) أي: في استسقائه يوم الجمعة، وتعقَّب الإسماعيليُّ المؤلِّف، فقال: لا أعلم أحدًا ذكَر في حديث أنسٍ تحويل الرِّداء، وإذا قال المحدِّث: لم يذكر أنَّه حوَّل لم يجز أن يقال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يحوِّل لأنَّ عدم ذكر الشَّيء لا يوجب عدم ذلك الشَّيء، فكيف يقول البخاريُّ: لم يحوِّل؟ انتهى. وتمسَّك بهذا الحديث أبو حنيفة فقال: لا صلاة ولا تحويل في الاستسقاء، ولعلَّه لم تبلغه الأحاديث المصرِّحة بذلك.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠١٣] و «الاستئذان» [خ¦٦٠٩٣]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم.
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اسْتَشْفَعُوا) أي: النَّاس (إِلَى الإِمَامِ) عند الحاجة إلى المطر (لِيَسْتَسْقِي لَهُمْ) أي: لأجلهم (لَمْ يَرُدَُّّهُمْ) بل عليه أن يجيب سؤالهم فيستسقي لهم وإن كان ممَّن يرى تفويض الأمر إلى الله تعالى.
стр. 2656
١٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيْسِيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) هو كعب بن مرَّة، وقيل غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الطَّاء مِن «تَقَطَّعَتْ»، والسُّبُل بضمَّتَين، جمع سبيلٍ، وهو الطَّريق، يذكَّر ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ (١) [الأعراف: ١٤٦] وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وانقطاعها إمَّا لعدم (٢) المياه الَّتي يعتاد المسافرون ورودها، وإمَّا باشتغال النَّاس وشدَّة القحط عن الضَّرب في الأرض (فَادْعُ اللهَ) لنا (فَدَعَا اللهَ، فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ) الأخرى (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو الأوَّل (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ) من كثرة المطر (وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد الطَّاء، أي: لتعذُّر (٣) سلوكها (وَهَلَكَتِ المَوَاشِي) فادعُ الله يمسكْها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللَّهُمَّ) أي: يا اللهُ، أنزل المطر (عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ وَالإِكَامِ) بكسر الهمزة، جمع أكمةٍ، بفتحها: ما غَلُظَ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثرَ (٤) ارتفاعًا ممَّا حوله، ويُروى: «الآكام» بفتح الهمزة ومدِّها، والأُكُمُ، بضمِّ الهمزة والكاف، جمع إِكَامٍ، ككِتَابٍ وكُتُبٍ (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) جمع منبِتٍ، بكسر الموحَّدة، أي: ما حولها ممَّا يصلح أن ينبت فيه؛ لأنَّ (٥) نفس المنبت لا يقع عليه المطر. (فَانْجَابَتْ) أي: السُّحب الممطرة (عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ) فإن قلت: قد (٦) تقدَّم «باب سؤال النَّاس الإمام إذا قحطوا» فما الفرق بينه وبين هذا الباب؟ أجاب الزَّين بن المنيِّر: بأنَّ الأُولى لبيان ما على النَّاس أن يفعلوه إذا احتاجوا للاستسقاء، والثَّانية
стр. 2657
لبيان (١) ما على الإمام من إجابة سؤالهم، وأجاب ابن المنيِّر أيضًا عن السِّرِّ في كونه ﵊ لم يبدأ بالاستسقاء حتَّى سألوه -مع أنَّه ﵊ أَشفقُ عليهم منهم، وأَوْلَى بهم من أنفسهم- بأنَّ مقامه ﵊ التَّوكُّل والصَّبر على البأساء والضَّرَّاء ولذلك (٢) كان أصحابه الخواصُّ يقتدون به، وهذا المقام لا تَصِل (٣) إليه العامَّة وأهل البوادي، ولهذا -والله أعلم- كان السَّائل في الاستسقاء بدويًّا، فلمَّا سألوه أجاب رعايةً لهم وإقامةً لسنَّة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة الَّتي يغلب على أهلها الجزع وقلَّة الصَّبر على اللَّأْواء، فيُؤخَذ منه: أنَّ الأفضل للأئمَّة الاستسقاء، ولمن ينفرد بنفسه بصحراء أو سفينةٍ الصَّبر والتَّسليم للقضاء لأنَّه ﵊ قبل السُّؤال فوَّض ولم يستسقِ.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَحْطِ).
стр. 2658
١٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ قَالَ: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، كلاهما (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ بالتَّصغير (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁، وفي سورة الرُّوم من «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٤] عن مسروقٍ قال: «بينما رجلٌ يحدِّث في كِنْدَة فقال: يجيء دخانٌ يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزُّكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعودٍ» (فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا) أي: تأخَّروا (عَنِ الإِسْلَامِ) ولم يبادروا إليه (فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فقال: «اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسفَ» [خ¦٤٧٧٤] (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بفتح السِّين، أي: جَدْبٌ وقحطٌ (حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ) ويرى الرَّجل ما بين السَّماء والأرض كهيئة (١) الدُّخان من ضعف بصره بسبب الجوع (فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رحمك (هَلَكُوا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قد هلكوا» أي: بدعائك عليهم من الجدْب والجوع (فَادْعُ اللهَ) تعالى لهم، فإنْ كشف عنَّا نؤمن بك (٢) (فَقَرَأَ) ﵊ (﴿فَارْتَقِبْ﴾) أي: انْتَظِر لهم (٣) (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾) [الدخان: ١٠] زاد أبو ذرٍّ: «الآيةَ» (ثُمَّ عَادُوا) لمَّا كشف الله عنهم (إِلَى كُفْرِهِمْ) فابتلاهم الله تعالى بيوم البطشة (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ) أو يوم القيامة، زاد الأَصيليُّ: «﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾» والعامل في: ﴿يَوْمَ﴾ فعلٌ دلَّ عليه: ﴿إِنَّا
стр. 2659
مُنتَقِمُونَ﴾ لأنَّ «إنَّ» مانعٌ من عمله فيما قبله، أو بدلٌ مِن: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ مجيء أبي سفيان إليه ﷺ كان قبل الهجرة لأنَّه لم ينقل أنَّ أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر.
(قَالَ) أي: البخاريُّ (وَزَادَ) ولابن عساكر: «قال أبو عبد الله» وسقط ذلك كلُّه لأبي ذَرٍّ، واقتصر على قوله: وزاد (أَسْبَاطٌ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وبالموحَّدة آخره طاءٌ مهملةٌ، ابن نصرٍ، لا أسباط بن محمَّدٍ (عَنْ مَنْصُورٍ) عن أبي الضُّحى، يعني بإسناده السَّابق: (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسُقُوا الغَيْثَ) بضمِّ السِّين والقاف مبنيًّا للمفعول، ونصب «الغيث»: مفعوله الثَّاني (فَأَطْبَقَتْ) أي: دامت وتواترت (عَلَيْهِمْ سَبْعًا) أي: سبعة أيَّامٍ، وسقطت التَّاء لعدم ذكر المميَّز، فإنَّه يجوز فيه الأمران حينئذٍ، وفي «تفسير سورة الدُّخان» [خ¦٤٨٢٣] من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، في هذا الحديث: فقيل: يا رسول الله، استسقِ الله لِمُضَرَ فإنَّها قد هلكت، قال: «لِمُضَرَ؟! إنَّك لجريءٌ» فاستسقى فسُقوا. انتهى. والقائل: «قيل (١): يا رسول الله» الظَّاهر أنَّه أبو سفيان لما ثبت في كثيرٍ من طرق هذا الحديث في «الصَّحيحين»: فجاء أبو سفيان، وإنَّما قال: «لمضرَ» [خ¦٤٨٢١] لأنَّ غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدُّعاء بالقحط على قريشٍ وهم سكَّان مكَّة، فسرى القحط إلى مَن حولهم، ولعلَّ السَّائل عَدَل عن التَّعبير بـ «قريشٍ» لئلَّا يذكِّره بجرمهم، فقال: «لمضرَ» ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى أنَّ غير المدعوِّ عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقوله: «لمضرَ؟! إنَّك لجريءٌ» أي: أتطلب أن
стр. 2660
أستسقي لهم مع ما هم عليه من معصية الله (١) والإشراك به؟! وفي «دلائل البيهقيِّ» عن كعب بن مرَّة، أو مرَّة بن كعبٍ قال: «دعا رسول الله ﷺ على مضرَ، فأتاه أبو سفيان بمكَّة (٢)، فقال: ادعُ الله لقومك فإنَّهم (٣) قد هلكوا»، ورواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرَّة قال: جاءه رجلٌ فقال: استسقِ الله لِمُضَرَ. فقال: «إنَّك لجريءٌ، أَلمضرَ؟!» قال: يا رسول الله، استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك، فرفع يديه فقال «اللَّهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا مريئًا (٤) طَبَقًا، عاجلًا غير رائثٍ، نافعًا غير ضارٍّ … » الحديثَ. فظهر بذلك أنَّ هذا الرَّجل المبهم المقول له: «إنَّك لجريءٌ» هو (٥) أبو سفيان. وأخرج أحمد أيضًا والحاكم عن كعب بن مرَّة أيضًا، قال: «دعا رسول الله ﷺ على مُضَرَ، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إنَّ الله قد نصرك، وأعطاك، واستجاب لك، وإنَّ قومك قد هلكوا … » الحديثَ، فظهر أنَّ فاعل «قال: يا رسول الله» -في (٦) الحديث الَّذي قبل هذا- هو كعب بن مرَّة راويه، وعلى هذا فكأنَّ أبا سفيان وكعبًا حضرا جميعًا، فكلَّمه أبو سفيان بشيءٍ، وكعبٌ بشيءٍ، فدلَّ على اتِّحاد قصَّتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: «إنَّك لجريءٌ» وغير ذلك، وسياق كعب
стр. 2661
بن مرَّة يشعر (١) بأنَّ ذلك وقع بالمدينة لقوله: «استنصرت الله فنصرك»، ولا يلزم من هذا اتِّحاد هذه القصَّة مع قصَّة أنسٍ السَّابقة، فهي واقعةٌ أخرى لأنَّ في رواية أنسٍ: «فلم ينزل عن المنبر حتَّى مُطِروا»، وفي هذه: «فما كان إلَّا جمعةٌ أو نحوها حتَّى مُطِروا»، والسَّائل في هذه القصَّة غير السَّائل في تلك، فهما قصَّتان، وقع في كلٍّ منهما طلب الدُّعاء بالاستسقاء، ثمَّ طلب الدُّعاء بالاستصحاء، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ رادًّا به على من غلَّط أسباط بن نصرٍ في هذه الزِّيادة، ونسبه إلى أنَّه أدخل حديثًا في (٢) آخرَ، وأنّ قوله: «فسُقُوا الغيث»، إنَّما كان في قصَّة المدينة (٣) الَّتي رواها أنسٌ، لا في قصَّة قريشٍ، وأجاب البرماويُّ: بأنَّ المعنى أنَّ سفيان يروي عن منصور واقعة مكَّة وسؤالَ أهل مكَّة وهو بها قبل الهجرة، وزاد عليه أسباطٌ عن منصورٍ ذكر الواقعتَين، لا أنَّ (٤) الثَّانية مسبَّبة عن الأولى (٥)، ولا أنَّ (٦) السُّؤال فيهما معًا كان بالمدينة. انتهى (٧). (وَشَكَا النَّاسُ) إليه ﷺ (كَثْرَةَ المَطَرِ، قَالَ) وللأربعة: «فقال»: (اللَّهُمَّ) أنزل المطر (حَوَالَيْنَا وَلَا) تنزله (٨) (عَلَيْنَا، فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسَُ حَوْلَهُمْ) برفع «النَّاسُ» على البدل من الضَّمير، أو فاعلٌ على لغةِ: «أكلوني البراغيثُ»، ويجوز النَّصب على الاختصاص، أي: أعني النَّاسَ الَّذين في المدينة وحولها.
(١٤) (بابُ الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) بإضافة «بابُ» لتاليه.
стр. 2662
١٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ وأبي الوقت (١): بالتَّوحيد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدَّميُّ الثَّقفيُّ (٢) البصريُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان التَّيميُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصمٍ العمريِّ (٣) (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذَرٍّ: «أنس بن مالكٍ» ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسولُ الله» (¬ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ) بالتَّنكير، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وابن عساكر: «يوم الجمعة» (فَقَامَ) إليه (النَّاسُ، فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَحَطَ المَطَرُ) بفتح القاف والحاء والطَّاء، أي: احتبس (وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ) أي: تغيَّر لونها من الخضرة إلى الحمرة من اليَبَس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشَّجر (وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ) بفتح اللَّام، ومضارعه: يهلِك، بكسرها، وفيه لغةٌ قليلةٌ بالعكس، ويروى: هلكتِ المواشي، أي: الأنعامُ والدَّوابُّ (فَادْعُ اللهَ يَسْقِينَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «أَنْ يسقيَنا» (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَرَّتَيْنِ) ظرفٌ للقول لا للسَّقي، أي: قال ذلك مرَّتين (وَايْمُ اللهِ) بهمزة الوصل
стр. 2663
(مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، قطعةً (مِنْ سَحَابٍ) قال أبو عبيدٍ: وأكثر ما يكون القَزَع في الخريف (فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ، وَأَمْطَرَتْ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فأمطرت». (وَنَزَلَ) ﵊ (عَنِ المِنْبَرِ، فَصَلَّى) الجمعة (فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم وكسر الطَّاء، ولأبي ذَرٍّ: «لم يزل المطر» (إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) بالنُّون قبل القاف (فَادْعُ اللهَ يَحْبِسْهَا عَنَّا) بالجزم على الطَّلب، وبالرَّفع على الاستئناف (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقال» ولأبوي ذر والوقت: «وقال» (١): (اللَّهُمَّ) أمطر في الأماكن الَّتي (حَوَالَيْنَا، وَلَا) تمطر (عَلَيْنَا) قال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: وإذا كثرت الأمطار وتضرَّر النَّاس فالسُّنَّة أَنْ يُدعَى برفعها: «اللَّهمَّ حوالينا ولا علينا» ولا يُشرَع لذلك صلاةٌ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصلِّ لذلك.
(فَكَشَطَتِ المَدِينَةُ) بفتح الفاء والكاف والشِّين المعجمة والطَّاء المهملة، وفي «الفتح»: «فكُشِطَت» مبنيًّا للمفعول (٢)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «وَتَكَشَّطَتْ» بالواو والمثنَّاة الفوقيَّة والكاف والمعجمة المشدَّدة المفتوحات، أي: تكشَّفت (فَجَعَلَتْ تَُمْطُِرُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، ويجوز: «تُمطِر» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ، وهي رواية أبي ذَرٍّ (٣) (حَوْلَهَا، وَلَا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «وما» (تَُمْطُِرُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الطَّاء (بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ) بكسر الهمزة، وهو ما أحاط بالشَّيء،
стр. 2664
ورَوضةٌ مكلَّلةٌ محفوفةٌ بالنَّور، وعصابةٌ تزيَّن بالجوهر، ويسمَّى التَّاج إكليلًا.
(١٥) (بابُ الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) حال كونه (قَائِمًا) في الخطبة وغيرها ليراه النَّاس فيقتدوا (١) به.
١٠٢٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف (٢) قال: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين (عَنْ زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية الكوفيِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ قال (٣): (خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن الزِّيادة (الأَنْصَارِيُّ) الأوسيُّ الخَطْمِيُّ إلى الصَّحراء ليستسقيَ في سنة أربعٍ وستِّين حين كان أميرًا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزُّبير (وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃، فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ) أي: عبد الله بن يزيدَ (بِهِمْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «لهم» (عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ) كذا لأبي الوقت وابن عساكر وأبي ذَرٍّ،
стр. 2665
وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والمُستملي (١): «فاستسقى» (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ) فيهما، وظاهره (٢) أنَّه أخَّر الصَّلاة عن الخطبة، وصرَّح بذلك الثَّوريُّ في روايته، والَّذي عليه الجمهور تقديمُها (وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ: (وَرَأَى) بالهمز (٣) مِنَ الرُّؤية (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) الأَنْصَارِيُّ (النَّبِيَّ) وثبت: «الأنصاريُّ» لابن عساكر (٤)، وللحَمُّويي وحده: «وروى» -بالواو- من الرِّواية «عبد الله بن يزيد عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) وكذا هو في نسخة الصَّغانيِّ: «روى» مِن الرِّواية، وعلى هذا فإِنْ أُريدَ به رواية ما صدر عنه من الصَّلاة وغيرها كان مرفوعًا، وإن أُريدَ أنَّه روى عنه في الجملة فيكون موقوفًا، وهو يثبت له الصُّحبة، وقد ذكره ابن طاهرٍ في الصَّحابة الَّذين خرَّج لهم في «الصَّحيحين»، أمَّا سماع هذا (٥) الحديث بخصوصه فلا يثبت، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ (٦) في «المغازي».
١٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: حَدَّثَنَا (٧) شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) المازنيُّ (أَنَّ عَمَّهُ) عبد الله بن زيدٍ (٨) المازنيَّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ