بن مرَّة يشعر (١) بأنَّ ذلك وقع بالمدينة لقوله: «استنصرت الله فنصرك»، ولا يلزم من هذا اتِّحاد هذه القصَّة مع قصَّة أنسٍ السَّابقة، فهي واقعةٌ أخرى لأنَّ في رواية أنسٍ: «فلم ينزل عن المنبر حتَّى مُطِروا»، وفي هذه: «فما كان إلَّا جمعةٌ أو نحوها حتَّى مُطِروا»، والسَّائل في هذه القصَّة غير السَّائل في تلك، فهما قصَّتان، وقع في كلٍّ منهما طلب الدُّعاء بالاستسقاء، ثمَّ طلب الدُّعاء بالاستصحاء، كذا قرَّره الحافظ ابن حجرٍ رادًّا به على من غلَّط أسباط بن نصرٍ في هذه الزِّيادة، ونسبه إلى أنَّه أدخل حديثًا في (٢) آخرَ، وأنّ قوله: «فسُقُوا الغيث»، إنَّما كان في قصَّة المدينة (٣) الَّتي رواها أنسٌ، لا في قصَّة قريشٍ، وأجاب البرماويُّ: بأنَّ المعنى أنَّ سفيان يروي عن منصور واقعة مكَّة وسؤالَ أهل مكَّة وهو بها قبل الهجرة، وزاد عليه أسباطٌ عن منصورٍ ذكر الواقعتَين، لا أنَّ (٤) الثَّانية مسبَّبة عن الأولى (٥)، ولا أنَّ (٦) السُّؤال فيهما معًا كان بالمدينة. انتهى (٧). (وَشَكَا النَّاسُ) إليه ﷺ (كَثْرَةَ المَطَرِ، قَالَ) وللأربعة: «فقال»: (اللَّهُمَّ) أنزل المطر (حَوَالَيْنَا وَلَا) تنزله (٨) (عَلَيْنَا، فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسَُ حَوْلَهُمْ) برفع «النَّاسُ» على البدل من الضَّمير، أو فاعلٌ على لغةِ: «أكلوني البراغيثُ»، ويجوز النَّصب على الاختصاص، أي: أعني النَّاسَ الَّذين في المدينة وحولها.
(١٤) (بابُ الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) بإضافة «بابُ» لتاليه.
стр. 2662
١٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ وأبي الوقت (١): بالتَّوحيد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدَّميُّ الثَّقفيُّ (٢) البصريُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان التَّيميُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصمٍ العمريِّ (٣) (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذَرٍّ: «أنس بن مالكٍ» ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسولُ الله» (¬ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ) بالتَّنكير، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وابن عساكر: «يوم الجمعة» (فَقَامَ) إليه (النَّاسُ، فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَحَطَ المَطَرُ) بفتح القاف والحاء والطَّاء، أي: احتبس (وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ) أي: تغيَّر لونها من الخضرة إلى الحمرة من اليَبَس، وأنَّث الفعل باعتبار جنس الشَّجر (وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ) بفتح اللَّام، ومضارعه: يهلِك، بكسرها، وفيه لغةٌ قليلةٌ بالعكس، ويروى: هلكتِ المواشي، أي: الأنعامُ والدَّوابُّ (فَادْعُ اللهَ يَسْقِينَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «أَنْ يسقيَنا» (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَرَّتَيْنِ) ظرفٌ للقول لا للسَّقي، أي: قال ذلك مرَّتين (وَايْمُ اللهِ) بهمزة الوصل
стр. 2663
(مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والزَّاي والعين المهملة، قطعةً (مِنْ سَحَابٍ) قال أبو عبيدٍ: وأكثر ما يكون القَزَع في الخريف (فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ، وَأَمْطَرَتْ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فأمطرت». (وَنَزَلَ) ﵊ (عَنِ المِنْبَرِ، فَصَلَّى) الجمعة (فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الميم وكسر الطَّاء، ولأبي ذَرٍّ: «لم يزل المطر» (إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) بالنُّون قبل القاف (فَادْعُ اللهَ يَحْبِسْهَا عَنَّا) بالجزم على الطَّلب، وبالرَّفع على الاستئناف (فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقال» ولأبوي ذر والوقت: «وقال» (١): (اللَّهُمَّ) أمطر في الأماكن الَّتي (حَوَالَيْنَا، وَلَا) تمطر (عَلَيْنَا) قال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: وإذا كثرت الأمطار وتضرَّر النَّاس فالسُّنَّة أَنْ يُدعَى برفعها: «اللَّهمَّ حوالينا ولا علينا» ولا يُشرَع لذلك صلاةٌ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصلِّ لذلك.
(فَكَشَطَتِ المَدِينَةُ) بفتح الفاء والكاف والشِّين المعجمة والطَّاء المهملة، وفي «الفتح»: «فكُشِطَت» مبنيًّا للمفعول (٢)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «وَتَكَشَّطَتْ» بالواو والمثنَّاة الفوقيَّة والكاف والمعجمة المشدَّدة المفتوحات، أي: تكشَّفت (فَجَعَلَتْ تَُمْطُِرُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، ويجوز: «تُمطِر» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ، وهي رواية أبي ذَرٍّ (٣) (حَوْلَهَا، وَلَا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «وما» (تَُمْطُِرُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الطَّاء (بِالمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ) بكسر الهمزة، وهو ما أحاط بالشَّيء،
стр. 2664
ورَوضةٌ مكلَّلةٌ محفوفةٌ بالنَّور، وعصابةٌ تزيَّن بالجوهر، ويسمَّى التَّاج إكليلًا.
(١٥) (بابُ الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) حال كونه (قَائِمًا) في الخطبة وغيرها ليراه النَّاس فيقتدوا (١) به.
١٠٢٢ - وبالسَّند إلى المؤلِّف (٢) قال: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين (عَنْ زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء، ابن معاوية الكوفيِّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ قال (٣): (خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن الزِّيادة (الأَنْصَارِيُّ) الأوسيُّ الخَطْمِيُّ إلى الصَّحراء ليستسقيَ في سنة أربعٍ وستِّين حين كان أميرًا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزُّبير (وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃، فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ) أي: عبد الله بن يزيدَ (بِهِمْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «لهم» (عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ) كذا لأبي الوقت وابن عساكر وأبي ذَرٍّ،
стр. 2665
وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والمُستملي (١): «فاستسقى» (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ) فيهما، وظاهره (٢) أنَّه أخَّر الصَّلاة عن الخطبة، وصرَّح بذلك الثَّوريُّ في روايته، والَّذي عليه الجمهور تقديمُها (وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيُّ: (وَرَأَى) بالهمز (٣) مِنَ الرُّؤية (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) الأَنْصَارِيُّ (النَّبِيَّ) وثبت: «الأنصاريُّ» لابن عساكر (٤)، وللحَمُّويي وحده: «وروى» -بالواو- من الرِّواية «عبد الله بن يزيد عن النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) وكذا هو في نسخة الصَّغانيِّ: «روى» مِن الرِّواية، وعلى هذا فإِنْ أُريدَ به رواية ما صدر عنه من الصَّلاة وغيرها كان مرفوعًا، وإن أُريدَ أنَّه روى عنه في الجملة فيكون موقوفًا، وهو يثبت له الصُّحبة، وقد ذكره ابن طاهرٍ في الصَّحابة الَّذين خرَّج لهم في «الصَّحيحين»، أمَّا سماع هذا (٥) الحديث بخصوصه فلا يثبت، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ (٦) في «المغازي».
١٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: حَدَّثَنَا (٧) شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) المازنيُّ (أَنَّ عَمَّهُ) عبد الله بن زيدٍ (٨) المازنيَّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 2666
خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ) على رجليه لا على منبرٍ (فَدَعَا اللهَ) حال كونه (قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهتَها (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، فَأُسْقُوا) بهمزةٍ وقافٍ مضمومتَين بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، ولابن عساكر: «فَسُقُوا» بفاءٍ فسينٍ فقافٍ مضمومتَين، وكلاهما مبنيٌّ للمفعول.
(١٦) (بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي) صلاة (الاِسْتِسْقَاءِ).
١٠٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ المازنيِّ ﵁ (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالنَّاس إلى المصلَّى (يَسْتَسْقِي) لهم (فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ) في أثناء الخطبة الثانية (يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) فجعل عِطَافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عِطَافه الأيسر على عاتقه الأيمن، رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ (ثُمَّ صَلَّى) بالنَّاس (رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (جَهَرَ) بلفظ الماضي، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يجهر» (فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ) كصلاة العيد، ونقل ابن بطَّالٍ الإجماعَ عليه.
стр. 2667
(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ؟).
١٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ ﵁ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ) بالنَّاس إلى المصلَّى (يَسْتَسْقِي) لهم (قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ) عند إرادة الدُّعاء بعد فراغه من الموعظة، فالتفت بجانبه الأيمن لأنَّه كان يعجبه التَّيمُّن (٢) في شأنه كلِّه، واستُشكِلَ قوله: «فحوَّل إلى النَّاس ظهره» لأنَّ التَّرجمة لكيفية التَّحويل، والحديث دالٌّ على وقوع التَّحويل فقط، وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ معناه حوَّله حال كونه داعيًا، وحَمَلَ الزَّينُ ابن المنيِّر قوله: «كيف» على الاستفهام، فقال: لمَّا كان التَّحويل المذكور (٣)، لم يتبيَّن كونه في (٤) ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه (٥). (وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) حال كونه (يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ) ظاهره أنَّ الاستقبال وقع سابقًا لتحويل الرِّداء، وهو ظاهر كلام الشَّافعيِّ، ووقع في كلام كثير من الشَّافعيَّة أنَّه يُحوِّله (٦) حال الاستقبال، والفرق بين تحويل الظَّهر والاستقبال أنَّه في ابتداء التَّحويل وأوسطه يكون منحرفًا حتَّى يبلغ الانحراف غايته، فيصير مستقبلًا، قاله في «الفتح» (ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ) واستدلَّ ابن بطَّالٍ من التَّعبير بـ «ثُمَّ» في قوله: «ثُمَّ حوَّل رداءه» أنَّ الخطبة قبل الصَّلاة لأنَّ «ثُمَّ» للتَّرتيب، وأُجيبَ بأنَّه معارَضٌ بقوله في حديث الباب التَّالي (٧) [خ¦١٠٢٦]: «استسقى، فصلَّى ركعتين، وقلب رداءه»
стр. 2668
لأنَّه اتُّفِقَ على أنَّ قلب الرِّداء إنَّما يكون في الخطبة. وتُعقِّبَ بأنَّه لا دلالة فيه على تقديم الصَّلاة لاحتمال أن تكون الواو في: «وَقَلب» للحال أو للعطف، ولا ترتيب فيه، نعم في «سنن أبي داودٍ» بإسنادٍ صحيحٍ: «أنَّه ﷺ خطب ثمَّ صلَّى» ويدلُّ له ما وقع في حديث الباب، فلو قدَّم الخطبة جاز كما نقله في «الرَّوضة» عن صاحب «التَّتمَّة»، لكنَّه في حقِّنا الأفضل (١) لأنَّ رواية (٢) تأخير الخطبة أكثر رواةً، ومعتضدةٌ بالقياس على خطبة العيد والكسوف، وعن الشَّيخ أبي حامدٍ ممَّا نقله في «المجموع» عن أصحابنا تقديم الخطبة للحديث، يعني: حديث الباب السَّابق، وغيره الجواز في بعض المواضع (٣).
(١٨) (بابُ صَلَاةِ الاِسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ) أراد به بيان كمِّيَّتها (٤)، وأشار إليها بقوله: «ركعتين» على طريق عطف البيان على سابقه المجرور بالإضافة.
١٠٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البلخيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت: «سمع عباد بن تميم» (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) كصلاة العيد فيما لها، كالتَّكبير في أوَّل الأولى سبعًا، وفي أوَّل الثَّانية خمسًا، ورفع يديه، وغير ذلك، إلَّا في تسعة أشياء: في المناداة قبلها بأن يأمر الإمام مَن (٥) ينادي بالاجتماع لها في وقتٍ معيَّن، وفي صوم يومها لأنَّ له أثرًا في رياضة النَّفس، وفي إجابة الدُّعاء، وصوم ثلاثةٍ قبله، وترك الزِّينة فيها (٦)
стр. 2669
بأن يلبس عند خروجه لها ثيابَ بذلةٍ، وهي الَّتي تُلبَسُ حال الشُّغل للاتِّباع، رواه التِّرمذيُّ وصحَّحه، وينزعها بعد فراغه من الخطبة، وإكثار الاستغفار في الخطبة بدل إكثار التَّكبير الَّذي في خطبة العيد، وقراءة آية الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية [نوح: ١٠] في الخطبة، ويُسرُّ ببعض الدُّعاء فيها، ويستقبل القبلة بالدُّعاء، ويرفع ظهر يديه إلى السَّماء، ويحوِّل رداءه كما أشار إليه بقوله: (وَقَلَبَ رِدَاءَهُ) عُطِفَ على قوله: «فصلَّى ركعتين» بالواو، وهي لا تدلُّ على التَّرتيب، بل لمطلق الجمع.
(١٩) (بابُ) صلاةِ (الاِسْتِسْقَاءِ فِي المُصَلَّى) الَّتي في الصَّحراء، لا في المسجد، حيثُ لا عذرَ كمرضٍ؛ للاتِّباع كما سيأتي، ولأنَّه يحضرها غالب النَّاس، والصِّبيان، والحُيَّض والبهائم، وغيرهم، فالصَّحراء أَوسَع لهم (١) وأَلْيق، واستثنى صاحب «الخصال» المسجدَ الحرامَ وبيتَ المقدس، قال الأذرعيُّ: وهو حسنٌ، وعليه عمل السَّلف والخَلَف لفضل البقعة واتِّساعها، كما مرَّ في العيد. انتهى. لكن الَّذي عليه الأصحاب (٢) استحبابُها في الصَّحراء مطلقًا للاتِّباع والتَّعليل السَّابق.
стр. 2670
١٠٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمَّد بن عمرو بن حَزْمٍ أنَّه (سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيد ﵁ (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المُصَلَّى) بالصَّحراء حال كونه (يَسْتَسْقِي) للنَّاس (وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (فَأَخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ) عبد الرَّحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) والد عبد الله المذكور (قَالَ) مفسِّرًا قَلَبَ رداءه: (جَعَلَ اليَمِينَ) من ردائه (عَلَى) عاتقه (الشِّمَالِ) والشِّمال منه على عاتقه اليمين (١)، وليس قوله: «قال سفيان» تعليقًا كما زعمه المزِّيُّ حيث علَّم على المسعوديِّ في «التَّهذيب» علامةَ التَّعليق، بل هو موصولٌ عند المؤلِّف، معطوفٌ على حديث عبد الله بن محمَّدٍ المسنديِّ، عن سفيان، قاله الحافظ ابن حجرِ في «المقدِّمة».
(٢٠) (بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ) في الدعاء (فِي الاِسْتِسْقَاءِ) في أثناء الخطبة الثَّانية، وهو نحو ثلثها كما قاله النَّوويُّ في «دقائقه» لأنَّ الدُّعاء مستقبلها أفضل، فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثَّانية، قال النَّوويُّ: ويلحق باستحباب استقبال (٢) القبلة للدُّعاء الوضوءُ، والغسل، والأذكار، والقراءة، وسائر الطَّاعات إلَّا ما خرج بدليلٍ كالخطبة.
стр. 2671
١٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «محمَّد بن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (١) (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن عمرو بن حزمٍ: (أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ) عمَّه (عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ) بهم (إِلَى المُصَلَّى) بالصَّحراء حال كونه (يُصَلِّي) بالمثنَّاة التَّحتيَّة أوَّله وكسر اللَّام، ولابن عساكر: «فصلَّى» بالفاء وفتح اللَّام، وللمُستملي: «يدعو» (وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ-) شكَّ الرَّاوي (اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) واستدبر النَّاس (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) فجعل ما على كلِّ جانبٍ من الأيمن والأيسر على الآخر.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (ابْنُ زَيْدٍ هَذَا) راوي حديث الباب (مَازِنِيٌّ) أنصاريٌّ، ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن زيدٍ … » إلى آخره، (وَالأَوَّلُ) السَّابق في «باب الدُّعاء في الاستسقاء قائمًا» [خ¦١٠٢٢] (كُوفِيٌّ، هُوَ ابْنُ يَزِيدَ) عبد الله، بالمثنَّاة التَّحتيَّة في أوَّله مِنَ الزِّيادة، قال في «فتح الباري» (٢): كذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ وحده هنا (٣). انتهى. وفي الفرع وأصله (٤) ساقطٌ لأبي ذَرٍّ وابن عساكر، قال: وثبت عند أبي (٥) الهيثم لأبوي ذَرٍّ والوقت، واستُشكِلَ إثباته هنا لأنَّه لا ذكر لعبد الله بن يزيد هنا، وأُجيبَ باحتمال أن يكون مراده بالأوَّل: المذكور فيما مضى في «باب الدُّعاء في الاستسقاء قائمًا» [خ¦١٠٢٢] كما مرَّ، وبالجملة فلو ذكره في «باب الدُّعاء في الاستسقاء قائمًا» (٦) [خ¦١٠٢٢] حيث ذكر فيه عن عبد الله بن يزيد حديثًا، وعن عبد لله بن زيدٍ حديثًا لكان أليقَ ليظهر تغايرهما حيث ذكرهما جميعًا، ولعلَّ هذا من تصرُّف الكُشْمِيْهَنِيِّ، كأنَّه رأى ورقةً مفردةً فكتبها هنا احتياطًا.
стр. 2672
(٢١) (بابُ رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ) رفع (الإِمَامِ) يديه في الدُّعاء (فِي الاِسْتِسْقَاءِ) وسقط لابن عساكر: «مع الإمام» (١).
١٠٢٩ - ١٠٣٠ - (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ، شيخ المؤلِّف ممَّا (٢) وصله أبو نُعيمٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) الأصبحيُّ المدنيُّ، أخو إسماعيل بن أبي أويسٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) التَّيميِّ مولاهم (قَالَ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، ولأبي ذَرٍّ: «عن يحيى بن سعيدٍ» قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) ولابن عساكر: «أتى أعرابيٌّ» (مِنْ أَهْلِ البَدْوِ) فيه تضعيفُ قولِ مَن قال: إنَّه العبَّاس (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ) وهو قائمٌ يخطب، فاستقبله قائمًا (فَقَالَ) وللأَصيليِّ (٣): «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ المَاشِيَةُ) وسبق في «باب الدُّعاء إذا كثر المطر» [خ¦١٠٢١] قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يخطب يوم جمعةٍ، فقام النَّاس فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر … » والجمع بين الرِّوايتين: أنَّ الرَّجل قام أوَّلًا، فتبعه النَّاس، وكذا في الجمعة الأخرى، أو أنَّهم صاحوا، فقام الرَّجل فتكلَّم عنهم، أو المراد بـ «النَّاس»: الرَّجل لأنَّه لمَّا كان قائمًا عنهم عبَّر عنه بهم،
стр. 2673
وكأنَّهم هم الَّذين صاحوا، قاله ابن التِّين، وإذا قلنا: بتخصيص الرَّجل الأعرابيِّ بالكلام، فترك خواصَّ الصَّحابة لذلك لأنَّ مقامهم العليَّ يقتضي الرِّضا والَّتسليم، بخلاف مقام (١) السائل فإنَّه مقام فقرٍ وتمسكُنٍ (هَلَكَ العِيَالُ) ولابن عساكر: «هلكت العيال» بتأنيث الضَّمير (هَلَكَ النَّاسُ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «مع رسول الله ﷺ » (يَدْعُونَ). استُدلَّ به على استحباب رفع اليدين في الدُّعاء للاستسقاء ولذا لم يُروَ (٢) عن الإمام مالكٍ ﵀ أنَّه رفع يديه إلَّا في دعاء الاستسقاء خاصَّةً، وهل تُرفَع في غيره من الأدعية أم لا؟ الصَّحيح الاستحباب في سائر الأدعية، رواه الشَّيخان وغيرهما، وأمَّا حديث أنسٍ (٣) المرويُّ في «الصَّحيحين» وغيرهما الآتي في الباب التَّالي [خ¦١٠٣١] (٤) -إن شاء الله تعالى-: «أنَّه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيءٍ من الدُّعاء إلَّا في الاستسقاء، فإنَّه كان يرفع يديه حتَّى يرى بياض إبطَيه» فمؤوَّل على أنَّه لا يرفعهما رفعًا بليغًا، ولذا قال في المستثنى: حتَّى يُرى بياض إبطيه. نعم ورد رفع يديه ﵊ في مواضع، كرفع (٥) يديه حتَّى رُئِيَ (٦) عفرة إبطَيْه حين استعمل ابن اللُّتبيَّة على الصَّدقة كما
стр. 2674
في «الصَّحيحين» [خ¦٧١٧٤]، ورفعهما أيضًا في قصَّة خالد بن الوليد قائلًا: «اللَّهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ» رواه البخاريُّ [خ¦٤٣٣٩] والنَّسائيُّ، ورفعهما على الصَّفا، رواه مسلمٌ وأبو داود، ورفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاريُّ في «رفع اليدين» ومسلمٌ، وحين تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ الاية [إبراهيم: ٣٦] قائلًا: «اللَّهم أمَّتي أمَّتي» رواه مسلمٌ، ولمَّا بعث جيشًا فيهم عليٌّ قائلًا: «اللَّهم لا تمتْني حتَّى تريَني عليًّا» رواه التِّرمذيُّ، ولمَّا جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء قائلًا: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي» رواه الحاكم، وقد جمع النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» نحوًا من ثلاثين حديثًا (١) من «الصَّحيحين» وغيرهما، وللمنذريِّ فيه جزءٌ، قال الرُّويانيُّ (٢): ويُكرَه رفع اليد النَّجسة في الدُّعاء، قال: ويحتمل أن يقال: لا يُكرَه بحائلٍ، وفي «مسلمٍ» و «أبي داود» عن أنسٍ: «أنه ﷺ كان يستسقي هكذا، ومدَّ يديه، وجعل بطونهما ممَّا يلي الأرض حتَّى رأيت بياض إبطيه» فقال أصحابنا الشَّافعيَّة وغيرهم: السُّنَّة في دعاء القحط ونحوه من رَفْع بلاءٍ أن يجعل ظهر كفَّيه إلى السَّماء، وهي صفة الرَّهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السَّماء، والحكمة أنَّ القصد رفعُ البلاء بخلاف القاصد حصول شيءٍ، أو تفاؤلًا ليُقلَب (٣) الحال ظهرًا لبطنٍ، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرِّداء، أو إشارةً إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السَّحاب إلى الأرض لينصبَّ ما فيه من المطر. (قَالَ) أنسٌ: (فَمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا) بدون همزةٍ مبنيًّا (٤) للمفعول (فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ) بضمِّ النُّون وفتح الطَّاء (حَتَّى كَانَتِ الجُمُعَةُ
стр. 2675
الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ) أي: الأوَّل لأنَّ الألف واللَّام للعهد الذِّكريِّ، وقد مرَّ ما فيه، لكنَّ رواية ابن عساكر: «فأتى رجل» صارفةٌ لتعيينه، مثبتةٌ للتَّردُّد (إِلَى نَبِيِّ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «إلى (١) رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَشِقَ) بالموحَّدة المفتوحة والمعجمة المكسورة وبالقاف، وكذا قيَّده كُراع في «المنضَّد»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «بَشَقَ» بفتح المعجمة، وقيَّده به الأَصيليُّ، أي: ملَّ، أو تأخَّر، أو اشتدَّ عليه الضَّرر، أو حُبِسَ (المُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ).
(وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بن عبد الله ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرَجه»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) هو ابن عبد الله بن أبي نَمِرٍ (سَمِعَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رَفَعَ) ولابن عساكر: «أنَّه رفع» (يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) استَدلَّ به غيرُ واحدٍ على خصوصيَّته ﵊ ببياض إبطيه، وعُورض بقول عبد الله بن أَقْرَم الخزاعيِّ: «كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد» رواه التِّرمذيُّ -وحسَّنه- وغيره، والعفرة: بياضٌّ ليس بالنَّاصع. نعم الَّذي يُعتقَد فيه ﵊ أنَّه لم يكن لإبطه رائحةٌ كريهةٌ، بل كان عَطِر الرَّائحة كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢)، وفي رواية ابن عساكر: «حتَّى يُرى بياض إبطيه» وقول الأويسيِّ هذا ثابتٌ للمُستملي وابن عساكر وأبي الوقت. قال في «الفتح»: وثبت لأبي الوقت وكريمة في آخر الباب الَّذي بعده، وسقط للباقين
стр. 2676
رأسًا لأنَّه مذكورٌ عند الجميع (١) في «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٤١].
(٢٢) (بابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) كذا للحَمُّويي والمُستملي، ولا تكرار في هاتين التَّرجمتين هذه وسابقتِها، لأنَّ الأُولى لبيان اتِّباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، وهذه لإثبات رفعهما له في الاستسقاء، قاله ابن المنيِّر.
١٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحَّدةٍ مفتوحةٍ ومعجمةٍ مشدَّدةٍ، ابنُ عثمان العبديُّ البصريُّ، يقال له: بُندار (قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد بن إبراهيم (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وفي رواية يزيد بن زُريعٍ عند المؤلِّف في «صفته ﵊» [خ¦٣٥٦٥] عن سعيدٍ عن قتادة، أن أنسًا حدَّثهم. وسقط عند ابن عساكر: «ابن مالك» (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ) يديه (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بسكون الموحَّدة، وظاهرُه نفي الرَّفع في كلِّ دعاءٍ غيرِ الاستسقاء، وهو معارَضٌ بما ذكرته من الأحاديث السَّابقة في الباب السَّابق، فليُحمل النَّفي في هذا الحديث على صفةٍ مخصوصةٍ: إمَّا الرَّفع البليغ كما يدلُّ عليه قوله: «حتَّى يُرى بياض إبطيه» كما مرَّ، وإمَّا على صفة اليدين في ذلك كما في «مسلمٍ»: «استسقى ﵊، فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء» كما مرَّ، أو على نفي رؤية (٣) أنس لذلك، وهو لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبِت مقدَّمةٌ (٤) على النَّافي، والحاصل: استحباب الرَّفع في كلِّ دعاءٍ إلَّا ما جاء من الأدعية مقيَّدًا بما يقتضي عدمه كدعاء
стр. 2677
الرُّكوع والسُّجود ونحوهما، وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٣٧٢]، ومسلم (١) والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الاستسقاء».
(٢٣) (بابُ مَا يُقَالُ إِذَا أَمْطَرَتْ) أي: السَّماء، و «ما» بمعنى «الَّذي»، أو (٢) موصوفٌ (٣)، أَيْ: شيءٌ (٤) يُقال، فيكون «ما» الَّذي بمعنى «شيءٌ» قد اتَّصف بقوله: «يقال»، أو استفهاميَّةٌ، أي: أيُّ شيءٍ يُقال؟ و «أَمْطَرت» بالهمزة المفتوحة من الرُّباعيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «مَطَرَتْ» بفتحاتٍ من غير همزةٍ (٥) من الثُّلاثيِّ المجرَّد، وهما بمعنًى، أو الأوَّل للشَّرِّ، والثَّاني للخير.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله الطَّبريُّ من طريق عليٍّ بن أبي (٦) طلحة في «تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ (كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]) هو: (المَطَرُ) وهو قول الجمهور.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن عبَّاسٍ: (صَابَ وَأَصَابَ يَصُوبُ) راجعٌ إلى «صاب» أي: مضارعه «يصوب»، فهو أجوف واويٌّ، وأمَّا «أَصاب» بالهمزة، فيقال فيه: يُصِيب، والظَّاهر أنَّ
стр. 2678
النُّسَّاخ قدَّموا لفظة «أصاب» على «يصوب»، وإنَّما كان: «صاب يصوب، وأصاب» وأشار به إلى الثُّلاثيِّ المجرَّد والمزيد فيه. انتهى.
١٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ) بفتح الواو، المجاورُ بمكَّة، وسقطت: الكُنية والنِّسبة عند أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ) اسقنا، أو اجعله (صَيِّبًا) بفتح الصَّاد المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، وهو المطر الَّذي يصوب، أي: ينزل ويقع، وفيه مبالغاتٌ من جهة التَّركيب والبناء والتَّكثير، فدلَّ على أنَّه نوعٌ من المطر شديدٌ هائلٌ ولذا تمَّمه بقوله: (نَافِعًا) صيانةً عن الأضرار والفساد، ونحوه قول الشَّاعر:
فسقى ديارَك غيرَ مفسِدِها … صوبُ الرَّبيع وديمةٌ تَهْمِي
لكنَّ نافعًا في الحديث أوقعُ وأحسنُ وأنفعُ من قوله: غيرَ مفسِدِها، قال في «المصابيح»: وهذا، أي قوله: «صيِّبًا نافعًا» كالخبر الموطِّئ في قولك: زيدٌ رجلٌ فاضلٌ؛ إذ (١) الصِّفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة، هذا إِنْ بَنينا على قول ابن عبَّاسٍ: إنَّ الصَّيِّب هو المطر، وإِنْ بنينا (٢) على أنَّه: المطرُ الكثير -كما نقله الواحديُّ- فكلٌّ مِنْ «صيبًّا»
стр. 2679
و «نافعًا» مقصودٌ، والاقتصار عليه محصِّلٌ (١) للفائدة. انتهى. وللمُستملي: «اللَّهمَّ صبًّا» بالموحَّدة المشدَّدة من غير مثنَّاةٍ، من الصَّبِّ، أي: يا الله (٢) اصببه صبًّا نافعًا.
(تَابَعَهُ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى) بن عطاءٍ المقدميُّ الهلاليُّ الواسطيُّ، المتوفَّى سنةَ سبعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ المذكور، يعني: بإسناده، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على هذه الرِّواية موصولةً (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، وممَّا (٣) أخرجه النَّسائيُّ في «عملِ اليوم واللَّيلة» وأحمد لكن بلفظ: «هنيئًا» بدل «نافعًا» (وَ) رواه (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ فيما ذكره (٤) الدَّارقُطنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر كذلك، وغاير بين قوله: «تابعه» و «رواه» لإفادة العموم في الثَّاني لأنَّ الرِّواية أعمُّ من أن تكون على سبيل المتابعة أَمْ لا، أو للتَّفنُّن في العبارة.
والحديث فيه: رازيَّان، والثَّلاثة مدنيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة والقَول، وأخرجه النَّسائيُّ في «عمل اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الدُّعاء».
(٢٤) (بابُ مَنْ تَمَطَّرَ فِي المَطَرِ) بتشديد الطَّاء كتفعَّل، أي: تعرَّض للمطر، وتطلَّب نزوله عليه (حَتَّى يَتَحَادَرَ) المطر (عَلَى لِحْيَتِهِ) لأنَّه حديث عهدٍ بربِّه كما في «مسلمٍ» أي: قريب العهد بتكوين ربِّه، ولم تمسَّه الأيدي الخاطئة، ولم تكدِّره ملاقاة أرضٍ عُبِدَ عليها غيرُ الله تعالى، ولله دَرُّ القائل:
تضوعُ أرواحُ نجدٍ من ثيابهمُ … عندَ القدومِ لِقُرْبِ العهدِ بالدَّار
стр. 2680
١٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) و (١) لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «محمَّد بن مقاتلٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن المبارك» (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أبو عمرٍو عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ) المدني (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) بفتح السِّين، أي: شِدَّةٌ وجهدٌ مِن الجَدْب، فاعلٌ مؤخَّرٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا) بغير ميمٍ بعد النُّون (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ) من أهل البدو (٢)، لا يُعرف (٣) اسمُه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ) ألفه منقلبةٌ عن واوٍ بدليل ظهورها في الجمع، وإنَّما جُمعَ وإن كان اسم جنسٍ لاختلاف أنواعه، وهو كلُّ ما يُتملَّك ويُنتَفَع به، والمراد به هنا مالٌ خاصٌّ، وهو ما يَتضرَّر بعدم المطر من الحيوان والنَّبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى أنَّ شدَّة الغلاء تُذهِب أموال النَّاس في شراء ما يُقتات به، فقد (٤) هلكت الأموال وإن اختلف السَّبب (وَجَاعَ العِيَالُ) لقلَّة الأقوات، أو عدمها بحبس المطر
стр. 2681
(فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا، قَالَ) أنسٌ: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ) أي: حتَّى رُئِيَ بياض إبطيه (وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ) بفَتَحَاتٍ، قطعةٌ من سحابٍ (قَالَ) أنسٌ: (فَثَارَ السَّحَابُ) بالمثلَّثة، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «سحابٌ» (١) أي: هاج (أَمْثَالُ الجِبَالِ) لكثرته (ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ) ﵊ (عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ) المقدَّسة، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ «تَفَعَّل» في قوله: «تَمَطَّر» -كما قال (٢) في «الفتح» - الأليق بها (٣) هنا أن تكون (٤) بمعنى مواصلة العمل في مهلةٍ، نحو تَفَكَّر، وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يبيِّن أنَّ تحادر المطر على لحيته ﵊، لم يكن اتفاقًا، إذ كان يمكنه التَّوقِّي منه بثوبٍ ونحوه كما قاله في «المصابيح»، أو بنزوله عن المنبر أوَّل ما وكف السَّقف، لكنَّه (٥) تمادى في خطبته حتَّى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته كما قاله في «الفتح» فترك فعلَ ذلك قصدًا للتَّمطُّر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «تَفَعَّل» يأتي لمعانٍ، للتَّكلُّف كتشجَّع لأن معناه: كلَّف نفسه الشَّجاعة، وللاتِّخاذ (٦) نحو: توسَّدت التُّراب، أي: اتَّخذته وسادةً، وللتَّجنُّب نحو: تأثَّم، أي: جانب الإثم، وللعمل، يعني: فيدلُّ على أنَّ أصل الفعل حصَل مرَّةً بعد مرَّةٍ نحو: تجرَّعتُه، أي: شربتُه جرعةً بعد جرعةٍ، قال: ولا دليل في قوله: «حتَّى رأيت المطر يتحادر على لحيته» على التَّمطُّر الَّذي هو مِن (٧) التَّفعُّل الدَّالِّ على التَّكلُّف، ودعوى أنَّه قصد التَّمطُّر لا برهان عليها، وليس في الحديث ما يدلُّ لها. واستدلاله بقوله: لأنَّه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده؛ لأنَّ لقائلٍ أن يقول: عدم (٨) نزوله
стр. 2682
عن المنبر إنَّما كان لئلَّا يقطع الخطبة، كذا قال فليُتأمَّل. (قَالَ) أنسٌ: (فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا) ظرفٌ، أي: في يومنا (ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «ومن الغد» (وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ، أَوْ) قال أنسٌ: قام (رَجُلٌ غَيْرُهُ) ولا منافاة بين تردُّد أنسٍ هنا وبين قوله في الرِّواية الأخرى: «فأتى الرَّجل» بالألف واللَّام، المفيد (٢) للعهد الذِّكريِّ؛ إذ ربَّما نسي ثمَّ تذكَّر، أو كان ذاكرًا ثمَّ نسي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ) من كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ لَنَا) (٣) يمسكْها عنَّا (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت (٤): «فقال»: (اللَّهُمَّ) أي: يا الله، أنزل المطر (حَوَالَيْنَا، وَلَا) تنزله (عَلَيْنَا) وفي بعض الرِّوايات: «حولنا» من غير ألفٍ، وهما بمعنًى، وهو في موضع نصبٍ؛ إمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المفعول به، والمراد بحوالي المدينة مواضعُ (٥) النَّبات أو الزُّروع (٦)، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالي المدينة من الطُّرق، وإلَّا لم تزل (٧) بذلك شكواهم جميعًا، ولم يطلب ﵊ رفع المطر من أصله، بل سأل رفعَ ضررِه، وكشْفَه عن البيوت والمرافق والطُّرق بحيث لا يتضرَّر به ساكنٌ ولا ابن سبيلٍ، بل سأل (٨) إبقاءه في مواضع (٩) الحاجة لأنَّ الجبال والصَّحارى
стр. 2683
ما دام المطر فيها كثرت الفائدة فيها في المستقبل مِن كثرة المرعى (١) والمياه وغير ذلك من المصالح، وفي هذا دليلٌ على قوَّة إدراكه ﵊ للخير على سرعة البديهة. (قَالَ) أنسٌ: (فَمَا جَعَلَ) ﵊ (يُشِيرُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فما جعل يشير رسول الله ﷺ بيده» (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والفاء وتشديد الرَّاء وبالجيم، أي: تقطَّع السَّحاب وزال عنها امتثالًا لأمره ﷺ ، وفيه دلالةٌ على عِظَم معجزته (٢) ﵊ وهو أن سُخِّرت له السُّحب (٣)، كلَّما (٤) أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلامٍ (حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحَّدة، أي: تقطَّع السَّحاب عن المدينة، وصار مستديرًا حوالَيها، وهي خاليةٌ منه (حَتَّى سَالَ الوَادِي -وَادِي قَنَاةَ-) بفتح القاف والنُّون الخفيفة: وادٍ من أودية المدينة عليه حرثٌ ومزارع، وأضافه هنا إلى نفسه (٥) أي: جرى فيه الماء من المطر (شَهْرًا) و (٦) هو مِن أبعدِ أمد المطر الَّذي يُصلح الأرضَ الَّتي هي متوعِّرةٌ جبليَّةٌ لأنَّه يتمكَّن في تلك الأيَّام بطولها الرَّيّ فيها؛ لأنَّها بارتفاع (٧) أقطارها لا يثبت الماء عليها، فتبقى فيها حرارةٌ، فإذا دام سَكْب المطر عليها قلَّت (٨) تلك الحرارة وخصبت
стр. 2684
الأرض. (قَالَ) أنسٌ: (فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالجَوْدِ) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: بالمطر الكثير.
(٢٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ) ماذا يفعل أو يقول؟
١٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم (٢) (قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ﵁، زاد أبوا ذَرٍّ والوقت: «ابن مالكٍ» حال كونه (يَقُولُ: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: ظهر فيه أثر الخوف مخافةَ أن يكون في ذلك الرِّيح ضررٌ، وحَذِرَ أن يصيب أمَّته العقوبة بذنوب العاصين منهم رأفةً ورحمة منه ﵊، ولمسلمٍ من حديث عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ إذا عصفت الرِّيح قال: «اللَّهم إنِّي أسألك خيرها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ
стр. 2685
ما أُرسِلَتْ به، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها (١)، وشرِّ ما أُرسلَت به»، قالت (٢): وإذا تخيَّلت السَّماء تغيَّر لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت (٣) سُرِّي عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسَأَلَتْهُ فقال: «لعلَّه يا عائشةُ كما قال قوم عادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» وعَصْفُ الرِّيح اشتدادُ هبوبها، وريحٌ عاصفٌ: شديدةُ (٤) الهبوب، وتخيّل السَّماء هنا بمعنى السَّحاب، و «تخيَّلت» إذا ظهر في السَّحاب أثر المطر، و «سُرِّي عنه» أي: كُشِفَ عنه الخوف وأُزيلَ، والتَّشديد فيه للمبالغة، و «عارض»: سحابٌ عرض ليمطر، وقوله في حديث الباب: «الرِّيح الشَّديدة» مُخرِجٌ للخفيفة، وروى الشَّافعيُّ: ما هبَّت ريحٌ (٥) إلَّا جثا النَّبيُّ ﷺ على ركبتيه وقال: «اللَّهمَّ اجعلها رحمةً ولا تجعلها عذابًا، اللَّهمَّ اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا».
(٢٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا) بفتح الصَّاد والموحَّدة والقَصْر.
١٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، هو ابن عُتَيبة (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ المفسِّر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا) الرِّيح الَّتي تجيء من قِبَل ظهرك إذا استقبلْتَ القِبلة، أي (٦):
стр. 2686
وأنت بمصر (١)، ويقال لها: القَبول -بفتح القاف- لأنَّها تقابل باب الكعبة؛ إذ مهبُّها من مشرق الشَّمس، وقال ابن الأعرابيِّ: مهبُّها من مطلع الثُّريَّا إلى بنات نَعْشٍ، وفي التَّفسير: أنَّها الَّتي حملت ريح يوسف إلى يعقوب قَبْل البشير إليه، فإليها يستريح كلُّ محزونٍ، ونُصْرَته ﵊ بالصَّبا كان (٢) يوم الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين (٣) حاصروا المدينة، فأرسل الله عليهم ريح الصَّبا باردةً في ليلةٍ شاتيةٍ، فسفَّت التُّراب في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت (٤) خيامهم، فانهزموا من غير قتالٍ، ومع ذلك فلم يهلك منهم أحدٌ، ولم يستأصلهم لما علم الله من رأفة نبيِّه ﵊ بقومه رجاء أن يُسلموا (وَأُهْلِكَتْ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام (عَادٌ) قوم هودٍ (بِالدَّبُورِ) بفتح الدَّال، الَّتي تجيء من قِبَل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا، فهي تأتي من دبرها، وقال ابن الأعرابيِّ: الدَّبور من (٥) مسقط النَّسر الطَّائر إلى سُهَيلٍ، وهي الرِّيح العقيم، وسُمِّيَت عقيمًا لأنَّها أهلكتهم، وقطعت دابرهم (٦). وروى شَهْر بن حَوْشَبٍ -ممَّا ذكره السَّمرقنديُّ- عن ابن عبَّاسٍ قال: ما أنزل الله قطرةً من ماءٍ إلَّا بمثقالٍ، ولا أنزل
стр. 2687
سَفْوةً من ريحٍ إلَّا بمكيالٍ، إلَّا قوم نوحٍ وقوم عادٍ، فأمَّا قوم نوحٍ طغى على خُزَّانِه (١) الماء، فلم يكن لهم عليه سبيلٌ، وعتت الرِّيح يوم عادٍ على خُزَّانها، فلم يكن لهم عليها سبيلٌ، وقال غيره: كانت تقلع الشَّجر، وتهدم البيوت، وترفع الظَّعِيْنَة بين السَّماء والأرض، حتَّى تُرى كأنَّها جرادةٌ، وترميهم بالحجارة، فتدقُّ أعناقهم، وعن ابن عبَّاسٍ: دخلوا البيوت وأغلقوها، فجاءت الرِّيح، ففتحت الأبواب، وسفَّت عليهم الرَّمل، فبقوا تحته سبع ليالٍ وثمانية أيَّامٍ، فكان يُسمَع أنينهم تحت الرَّمل. وبقيَّة مباحث الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٥]. واستنبط منه ابن بطَّالٍ: تفضيل المخلوقاتِ بعضِها على بعضٍ (٢) من جهة إضافة النَّصر للصَّبا، والإهلاك للدَّبور، وتُعقِّب بأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما أهلكت
стр. 2688
أعداء الله، ونصرَت أنبياءه وأولياءه. انتهى. وأمَّا الرِّيح الَّتي مهبُّها من جهة يمين القبلة: فالجنوب، والَّتي من جهة شمالها: الشَّمال، ولكلٍّ من الأربعة طبعٌ: فالصَّبا: حارَّةٌ يابسةٌ، والدَّبور: باردةٌ رطبةٌ، والجنوب: حارَّةٌ رطبةٌ، والشَّمال: باردةٌ يابسةٌ، وهي ريح الجنَّة الَّتي تهبُّ عليهم، رواه مسلمٌ.
(٢٧) (بابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ).
١٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة (حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ) بموت العلماء وكثرة الجهلاء (وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ) جمع: زلزلةٍ، وهي حركة الأرض واضطرابها، حتَّى ربَّما يسقط البناء القائم عليه (١) (وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) فتكون كما في «التِّرمذيِّ» من حديث أنسٍ مرفوعًا: «السَّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالسَّاعة، والسَّاعة كالضَّرمة بالنَّار» أي: كزمان اتِّقاد الضَّرَمَة، وهي ما توقد به النَّار أوَّلًا كالقضب والكبريت، أو يُحمَل ذلك على قلَّة بركة الزَّمان، وذهاب فائدته، أو على أنَّ النَّاس -
стр. 2689
لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النَّوازل والشَّدائد، وشغل قلوبهم (١) بالفتن العظام- لا يدرون كيف تنقضي أيَّامهم ولياليهم، فإن قلت: العرب تستعمل قصر الأيَّام واللَّيالي في المسرَّات، وطولها في المكاره، أجيب بأنَّ المعنى الَّذي يذهبون إليه في القصر والطُّول مفارقٌ للمعنى الَّذي ذُهِبَ إليه هنا، فإنَّ ذلك راجعٌ إلى تمنِّي الإطالة للرَّخاء (٢)، أو إلى تمنِّي القصر للشِّدَّة (٣) والَّذي ذهب إليه ثَمَّ راجعٌ إلى زوال الإحساس بما يمرُّ عليهم من الزَّمان لشدَّة ما هم فيه، وذلك أيضًا صحيحٌ. نعم حمله الخطَّابيُّ على زمان المهديِّ لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذُّ العيش عند ذلك لانبساط عدله، فتستقصر مدَّته لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء وإن طالت، ويستطيلون أيَّام الشِّدَّة وإن قَصُر، وتعقَّبه الكِرمانيُّ بأنَّه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن، وكثرة الهرج، وغيرهما (٤). قال في «الفتح»: وإنَّما احتاج الخطَّابيُّ إلى تأويله بما ذكر لأنَّه لم يقع نقصٌ في زمانه، وإلَّا فالَّذي تضمَّنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنَّا نجد من سرعة مرِّ الأيَّام ما لم نكن نجده (٥) في العصر الَّذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيشٌ مُسْتَلَذٌّ، والحقُّ أنَّ المراد نزع البركة من كلِّ شيءٍ حتَّى من الزَّمان، وذلك من علامة (٦) قرب السَّاعة، وحمله بعضهم على تقارب اللَّيل والنَّهار في عدم ازدياد السَّاعات وانتقاصها بأن يتساويا طولًا وقصرًا، قال أهل الهيئة: تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدَّل النَّهار، فحينئذٍ يلزم تساويهما ضرورةً (وَتَظْهَرَ الفِتَنُ) أي: تكثر وتُشْتَهَر (وَيَكْثُرَ الهَرْجُ) بفتح الهاء وإسكان الرَّاء وبالجيم (وَهْوَ القَتْلُ القَتْلُ) مرَّتين، وهو صريحٌ في أنَّ تفسير «الهَرْجِ» مرفوعٌ، ولا يُعارَض ذلك بمجيئه في رواية أخرى موقوفًا، وقد سبق الحديث في «كتاب العلم» [خ¦٨٥] من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، سمعت أبا هريرة، وفي
стр. 2690
آخره: قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: «هكذا بيده، فحرفها كأنَّه يريد القتل» فيجمع بأنَّه جمع بين الإشارة والنُّطق، فحفظ بعض الرُّواة ما لم يحفظ بعضٌ (حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ) لقلَّة الرِّجال، وقلَّة الرَّغبات، وقصر الآمال للعلم بقرب السَّاعة (فَيَفِيضُ) بفتح حرف المضارعة وبالفاء والضَّاد المعجمة، والرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو يفيض، ولأبي ذرٍّ: «فيفيضَ» بالنَّصب عطفًا على «يكثرَ» وهو غايةٌ لكثرة الهرج، أو معطوفٌ على «ويكثرَ»، بإسقاط العاطف، كـ «التَّحيَّات المباركات»، أي: والمباركات، و «يفيض» استعارةٌ مِن فيض الماء لكثرته كقوله:
شكوتُ وما الشَّكوى لمثليَ عادةٌ … ولكنْ تفيض الكأس عند امتلائها
يقال: فاض الماء يفيض إذا كثر حتَّى سال على ضفَّة الوادي، أي: جانبه، وأفاض الرَّجل إناءه، أي: ملأه حتَّى فاض، والمعنى: يفيض المال حتَّى يكثر، فيفضل منه بأيدي مالكيه ما لا حاجة لهم به، وقيل: بل ينتشر في النَّاس ويعمُّهم.
١٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ (١) الزَّمِنُ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ) بتصغير الأوَّل مع التَّنكير، ابن يسارٍ -ضِدُّ اليمين- البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن أَرْطَبان، بفتح الهمزة، البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب أنَّه (٢) (قَالَ (٣): اللَّهُمَّ) ولأبي ذرٍّ: «قال (٤): قال: اللَّهم» أي: يا الله (بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا) كذا بصورة الموقوف على
стр. 2691
ابن عمر (١) من قوله، لم يرفعه إلى النَّبيِّ ﵊، ولا بدَّ من ذكره -كما نبَّه عليه القابسيُّ- لأنَّ مثله لا يقال بالرَّأي، وقد جاء مصرَّحًا برفعه (٢) في رواية أزهر السَّمان، ووافقه عليه بعضهم كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفتن» [خ¦٧٠٩٤] والمرادُ بـ «شامنا» و «يمننا» الإقليمانِ المعروفانِ، أو البلاد (٣) الَّتي عن يميننا وشمالنا أعمُّ منهما (قَالَ: قَالُوا) أي: بعض الصَّحابة: (وَفِي نَجْدِنَا) وهو (٤) خلاف الغَور، وهو تِهامة، وكلُّ ما ارتفع من بلاد تِهامة إلى أرض العراق (قَالَ: قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال: قال» (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «هنالك» بلام قبل الكاف (وَ) هناك (الفِتَنُ وَبِهَا) أي: بنجدٍ (يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) أي: أُمَّته وحزبه، وإنَّما ترك الدُّعاء لأهل المشرق لأنَّه علم العاقبة، وأنَّ القدر سبقَ بوقوع الفتن فيها والزَّلازل ونحوها من العقوبات، والأدب ألَّا يُدعى بخلاف القدر مع كشف العاقبة، بل يحرُم حينئذٍ، والله أعلم.
تكميل: ويُستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يتضرَّع بالدُّعاء عند الزَّلازل ونحوها كالصَّواعق والرِّيح الشَّديدة والخسف، وأن يصلِّي منفردًا لئلَّا يكون غافلًا؛ لأنَّ عمر ﵁ حثَّ على الصَّلاة في زلزلةٍ، ولا يُستحبُّ فيها الجماعة، وما رُويَ عن عليٍّ أنَّه صلَّى في زلزلةٍ جماعةً، قال النَّوويُّ: لم يصحَّ، ولو صحَّ قالَ أصحابنا: محمولٌ على الصَّلاة منفردًا، قال في «الرَّوضة»: قال
стр. 2692
الحَليميُّ: وصفتها عند ابن عبَّاسٍ وعائشة كصلاة الكسوف، ويحتمل ألَّا تُغيَّر عن المعهود إلَّا بتوقيفٍ، قال الزَّركشيُّ: وبهذا الاحتمال جزم ابن أبي الدَّم (١) فقال: تكون كهيئة الصَّلوات، ولا تُصلَّى على هيئة الخسوف قولًا واحدًا، ويُسنُّ الخروج إلى الصَّحراء وقت الزلزلة، قاله العبَّاديُّ، ويُقاس بها نحوها، وتقدَّم ما كان ﵊ يقوله «إذا عصفت الرِّيح قريبًا … »، والله أعلم.
(٢٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾) الرِّزق بمعنى: الشُّكر في لغةٍ، أو أراد: شكرُ رزقِكم الَّذي هو المطر، ففيه إضمارٌ (﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]) بمعطيه، وتقولون: مُطِرْنا بَنوْء كذا،
стр. 2693
أو تجعلون حظَّكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (شُكْرَكُمْ) روى سعيد ابن منصورٍ (١) بإسنادٍ صحيحٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم أنَّكم تكذبون)، ولا يُقرَأ به لمخالفته السَّواد. نعم رُويَ نحو أثر ابن عبَّاسٍ مرفوعًا من حديث عليٍّ عند عبد بن حُميدٍ، لكنَّه يدلُّ على التَّفسير لا على القراءة، ولفظه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مُطرنا بنَوْء كذا.
١٠٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل (بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي: لأجلنا، وهو من باب المجاز، وإلَّا فالصَّلاة لله لا لغيره، أو اللَّام بمعنى: الباء، أي: صلَّى بنا (رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ) مخفَّفةَ الياء كما في الفرع وأصله (٢) وعليه المحقِّقون، مشدَّدةٌ عند الأكثر (٣) من المحدِّثين، سُمِّيت بشجرةٍ حَدباء كانت بيعةُ الرِّضوان تحتها، حال كون صلاته (٤)
стр. 2694
(عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة على المشهور، أي: عقب مطرٍ، وأُطلِقَ عليه «سماء» لكونه ينزل من جهتها، وكلُّ جهةِ عُلُوٍّ تُسمَّى: «سماء» (كَانَتْ) أي: السَّماء (مِنَ اللَّيْلَةِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من اللَّيل» (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من صلاته أو مكانه (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَقَالَ) لهم: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التَّنبيه، وللنَّسائيِّ: من رواية سفيان عن صالحٍ: «ألم تسمعوا ما قال ربُّكم اللَّيلة؟» (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال (١): (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) كفر إشراكٍ لمقابلته للإيمان، أو كفَر نعمةٍ بدلالة ما في «مسلمٍ»: «قال الله: ما أنعمتُ على عبادي من نعمةٍ إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين» والإضافة في «عبادي» للملك لا للتَّشريف (فَأَمَّا مَنْ
стр. 2695
قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ) وللحَمُّويي وابن عساكر وأبي الوقت (١): «مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب» (وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) بفتح النُّون وسكون الواو والهمزة، بكوكب كذا معتقدًا ما كان عليه بعض أهل الشِّرك مِن إضافة المطر إلى النَّوء، وأنَّ المطر كان من أجل أنَّ الكوكب ناء، أي: سقط وغاب، أو نهض وطلع، وأنَّه الَّذي هاجه (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي) لأنَّ النَّوء وقتٌ، والوقت مخلوقٌ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا (مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) ومن قال: مُطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، قال الإمام الشَّافعيُّ: وغيره من الكلام (٢) أحبُّ إليَّ، يعني: حسمًا للمادَّة، فمن زعم أنَّ المطر يحصل عند سقوط الثُّريَّا مثلًا فإنَّما هو إعلامٌ للوقت والفصول، فلا محذورَ فيه، وليس من وقت ولا زمنٍ إلَّا وهو معروفٌ بنوعٍ من (٣) مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وحُكِي عن أبي هريرة أنَّه كان يقول: مُطِرنا بنَوْء الله تعالى، وفي روايةٍ: مُطِرنا بنَوْء الفتح، ثمَّ يتلو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] وقال ابن العربيِّ: أدخل الإمام مالكٌ هذا الحديث في أبواب «الاستسقاء» لوجهين: أحدهما: أنَّ العرب كانت تنتظر السُّقيا في الأنواء، فقطع النَّبيُّ ﷺ هذه العلاقة بين القلوب والكواكب. الوجه الثَّاني: أنَّ النَّاس أصابهم القحط في زمن عمر بن الخطَّاب ﵁، فقال للعبَّاس ﵁: كم
стр. 2696
بقي من أنواء الثُّريَّا؟ فقال له العبَّاس: زعموا يا أمير المؤمنين أنَّها تعترض في (١) الأفق سبعًا (٢)، فما مرَّت حتَّى نزل المطر، فانظروا إلى عمر والعبَّاس، وقد ذكر الثُّريَّا ونوأَها، وتوكَّفا ذلك في وقتها، ثمَّ قال: إنَّ من انتظر المطر من الأنواء على أنَّها فاعلةٌ له من دون الله فهو كافرٌ، ومَن اعتقد أنَّها فاعلةٌ بما جعل الله فيها فهو كافرٌ لأنَّه لا يصحُّ الخلق والأمر إلَّا لله كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَن انتظرها وتوكَّف المطر منها على أنَّها عادةٌ أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأنَّ الله تعالى قد أجرى العوائد في السَّحاب والرِّياح والأمطار لمعانٍ ترتَّبت في الخلقة (٣)، وجاءت على نسقٍ في العادة. انتهى (٤). وقوله: كذا وكذا هنا، كلمةٌ مركَّبةٌ مِن كافِ
стр. 2697
التَّشبيه و «ذا» للإشارة، مَكْنيًّا بها عن العدد، وتكون كذلك مَكْنيًّا بها عن غير عدد كما في الحديث: «إنَّه يقال للعبدِ يومَ القيامةِ: أتذكرُ يوم كذا وكذا فعلتَ كذا وكذا»، وتكون أيضًا كلمتين باقيتين على أصْلِهما مِن: كاف التَّشبيه و «ذا» للإشارة كقوله: رأيتُ زيدًا فاضلًا، ورأيتُ عَمرًا كذا، وتدخل عليها هاءُ التَّنبيه كقوله تعالى: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ [النمل: ٤٢] فهذه الثَّلاثة الأوجهُ المعروفةُ في ذلك، ووجه المطابقة بين التَّرجمة والحديث من جهة أنَّهم كانوا ينسبون الأفعالَ إلى غير الله تعالى، فيظنُّون أنَّ النَّجم يمطرهم ويرزُقُهم، فنهاهم الله تعالى عن نسبةِ الغُيوثِ الَّتي جعلها الله تعالى حياةً لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمَرَهم أن يضيفوا ذلك إليه لأنَّه من نعمته عليهم، وأن يفردوه بالشُّكر على ذلك.
ولمَّا كان هذا الباب متضمِّنًا أنَّ المطر إنَّما ينزل بقضاء الله، وأنَّه لا تأثير للكوكب في نزوله، وقضيَّة ذلك أنَّه لا يعلم أحدٌ متى يجيء المطر إلَّا هو، عقَّب المصنِّف ﵀ هذا البابَ بقوله:
(٢٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَدْرِي) أحدٌ (مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إِلَّا الله) تعالى.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في سؤال جبريل ﵇ إيَّاه عن الإيمان والإسلام: (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله) رواه المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٥٠] و «تفسير لقمان» [خ¦٤٧٧٧] لكن بلفظ: «في خمسٍ».
١٠٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت
стр. 2698
في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ) قال الزَّجَّاج: فمن ادَّعى علم شيءٍ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، و «المِفتاح» بكسر الميم وسكون الفاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَفَاتِحُ» بوزن: مَسَاجِد، أي: خزائن الغيب، جمع مَفتحٍ، بفتح الميم، وهو: المخزن، ويؤيِّده تفسير السُّدِّي فيما رواه الطَّبريُّ (١) قال: «مفاتح (٢) الغيب: خزائن الغيب»، أو المرادُ ما يُتوصَّل به إلى المغيَّبات، مستعارٌ من المفاتِح (٣) الَّذي هو جمعُ: مِفتحٍ، بالكسر، وهو: المفتاح، ويؤيِّده قراءة ابن السَّمَيْفَعِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) [الأنعام: ٥٩] والمعنى: إنَّه الموصل إلى المغيَّبات، المحيط (٤) علمه بها، لا يعلمها إلَّا هو، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيُظهرُها على ما اقتضتْه حكمتُه، وتعلَّقت به مشيئته، والحاصل: أنَّ المفتاح يُطلَق على ما كان محسوسًا ممَّا يحلُّ غلقًا كالقفل، وعلى ما كان معنويًّا، وذكر خمسًا -وإن كان الغيب لا يتناهى- لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي الَّتي كانوا يدَّعون علمها: (لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ) غيره تعالى (مَا يَكُونُ فِي غَدٍ) شاملٌ لعلم وقت قيام السَّاعة وغيره، وفي رواية سالمٍ عن أبيه في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] قال: مفاتيح (٥) الغيب خمسٌ ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] … إلى آخر (٦) سورة لقمان (وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ) أَذَكَرٌ أم أنثى، شقيٌّ (٧) أم سعيدٌ إلَّا حين أمره الملك بذلك (وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ
стр. 2699
مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما تعزم على شيءٍ وتفعل خلافَه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، ورُوِيَ أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان بن داود عليهما الصَّلاة والسَّلام، فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه، فقال الرَّجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنَّه يريدني، فَمُرِ الرِّيح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل، ثمَّ أتى ملكَ الموت سليمانُ، فسأله عن نظره ذلك، قال: كنت متعجِّبًا منه إذ أُمِرت أن أقبض روحه بالهند في آخر النَّهار وهو عندك (وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ) زاد الإسماعيليُّ: «إلَّا الله» أي: إلَّا عند أمر الله به، فإنَّه يعلم حينئذٍ، وهو يردُّ على القائل: إنَّ لنزول المطر وقتًا معيَّنًا لا يتخلَّف عنه، وعبَّر بالنَّفس في قوله: «وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت»، وفي قوله: «ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا (١)» وفي الثَّلاثة الأخرى بلفظ «أحدٌ» لأنَّ النَّفس هي الكاسبة، وهي الَّتي تموت، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فلو عبَّر: بـ «أحدٍ» لاحتمل أن يفهم منه: لا يعلم أحدٌ ماذا تكسب نفسه، أو بأيِّ أرضٍ تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة بنفي علم النَّفس أحوالها، فكيف غيرها؟! وعَدَل عن لفظ القرآن وهو: ﴿تَدْرِي﴾ إلى لفظ: «تعلم» في «ماذا تكسب غدًا» لإرادة (٢) زيادة المبالغة؛ إذ (٣) نفي العامِّ مستلزمٌ نفيَ الخاصِّ من غير عكسٍ، فكأنَّه قال: لا تعلم أصلًا سواءٌ احتالت أم لا، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] والرَّعد [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٧].
стр. 2700
((١٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة هنا في رواية كريمة، وسقطت لغيرها (١)، وهي ثابتة في «اليونينيَّة» (٢) (كِتَابُ الكُسُوفِ) (٣) هو بالكاف للشَّمس والقمر، أو بالخاء للقمر وبالكاف للشَّمس، خلافٌ يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- حيث عقد المؤلِّف له بابًا، والكسوف هو: التَّغيُّر إلى السَّواد، ومنه كسف وجهه إذا تغيَّر، والخسوف بالخاء المعجمة: النُّقصان، قاله الأصمعيُّ، والخَسف أيضًا: الذُّلُّ، والجمهور على أنَّهما يكونان لذهاب ضوء الشَّمس والقمر بالكُليَّة، وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضَّوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كلِّ اللَّون، وبالكاف لتغيُّره، وزعم بعض (٤) علماء الهيئة أنَّ كسوف الشَّمس لا حقيقةَ له، فإنَّها لا تتغيَّر في نفسها، وإنَّما القمر يحول بيننا وبينها، ونورُها باقٍ، وأمَّا كسوف القمر فحقيقةٌ، فإنَّ ضوءه من ضوء الشَّمس، وكسوفُه بحيلولة ظلِّ الأرض بين الشَّمس وبينه بنقطة التَّقاطع، فلا يبقى فيه ضوءٌ ألبتَّة، فخسوفه ذهاب ضوئه حقيقةً. انتهى. وأبطله ابن العربيِّ بأنَّهم زعموا أنَّ الشَّمس أضعاف القمر، فكيف يحجب الأصغرُ الأكبرَ إذا قابله؟! وفي