← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

بقي من أنواء الثُّريَّا؟ فقال له العبَّاس: زعموا يا أمير المؤمنين أنَّها تعترض في (١) الأفق سبعًا (٢)، فما مرَّت حتَّى نزل المطر، فانظروا إلى عمر والعبَّاس، وقد ذكر الثُّريَّا ونوأَها، وتوكَّفا ذلك في وقتها، ثمَّ قال: إنَّ من انتظر المطر من الأنواء على أنَّها فاعلةٌ له من دون الله فهو كافرٌ، ومَن اعتقد أنَّها فاعلةٌ بما جعل الله فيها فهو كافرٌ لأنَّه لا يصحُّ الخلق والأمر إلَّا لله كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ومَن انتظرها وتوكَّف المطر منها على أنَّها عادةٌ أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأنَّ الله تعالى قد أجرى العوائد في السَّحاب والرِّياح والأمطار لمعانٍ ترتَّبت في الخلقة (٣)، وجاءت على نسقٍ في العادة. انتهى (٤). وقوله: كذا وكذا هنا، كلمةٌ مركَّبةٌ مِن كافِ

стр. 2697

التَّشبيه و «ذا» للإشارة، مَكْنيًّا بها عن العدد، وتكون كذلك مَكْنيًّا بها عن غير عدد كما في الحديث: «إنَّه يقال للعبدِ يومَ القيامةِ: أتذكرُ يوم كذا وكذا فعلتَ كذا وكذا»، وتكون أيضًا كلمتين باقيتين على أصْلِهما مِن: كاف التَّشبيه و «ذا» للإشارة كقوله: رأيتُ زيدًا فاضلًا، ورأيتُ عَمرًا كذا، وتدخل عليها هاءُ التَّنبيه كقوله تعالى: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ [النمل: ٤٢] فهذه الثَّلاثة الأوجهُ المعروفةُ في ذلك، ووجه المطابقة بين التَّرجمة والحديث من جهة أنَّهم كانوا ينسبون الأفعالَ إلى غير الله تعالى، فيظنُّون أنَّ النَّجم يمطرهم ويرزُقُهم، فنهاهم الله تعالى عن نسبةِ الغُيوثِ الَّتي جعلها الله تعالى حياةً لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمَرَهم أن يضيفوا ذلك إليه لأنَّه من نعمته عليهم، وأن يفردوه بالشُّكر على ذلك. ولمَّا كان هذا الباب متضمِّنًا أنَّ المطر إنَّما ينزل بقضاء الله، وأنَّه لا تأثير للكوكب في نزوله، وقضيَّة ذلك أنَّه لا يعلم أحدٌ متى يجيء المطر إلَّا هو، عقَّب المصنِّف ﵀ هذا البابَ بقوله: (٢٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَدْرِي) أحدٌ (مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إِلَّا الله) تعالى. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في سؤال جبريل ﵇ إيَّاه عن الإيمان والإسلام: (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله) رواه المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٥٠] و «تفسير لقمان» [خ¦٤٧٧٧] لكن بلفظ: «في خمسٍ». ١٠٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت

стр. 2698

في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ) قال الزَّجَّاج: فمن ادَّعى علم شيءٍ منها فقد كفر بالقرآن العظيم، و «المِفتاح» بكسر الميم وسكون الفاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَفَاتِحُ» بوزن: مَسَاجِد، أي: خزائن الغيب، جمع مَفتحٍ، بفتح الميم، وهو: المخزن، ويؤيِّده تفسير السُّدِّي فيما رواه الطَّبريُّ (١) قال: «مفاتح (٢) الغيب: خزائن الغيب»، أو المرادُ ما يُتوصَّل به إلى المغيَّبات، مستعارٌ من المفاتِح (٣) الَّذي هو جمعُ: مِفتحٍ، بالكسر، وهو: المفتاح، ويؤيِّده قراءة ابن السَّمَيْفَعِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) [الأنعام: ٥٩] والمعنى: إنَّه الموصل إلى المغيَّبات، المحيط (٤) علمه بها، لا يعلمها إلَّا هو، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيُظهرُها على ما اقتضتْه حكمتُه، وتعلَّقت به مشيئته، والحاصل: أنَّ المفتاح يُطلَق على ما كان محسوسًا ممَّا يحلُّ غلقًا كالقفل، وعلى ما كان معنويًّا، وذكر خمسًا -وإن كان الغيب لا يتناهى- لأنَّ العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ هذه الخمس هي الَّتي كانوا يدَّعون علمها: (لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ) غيره تعالى (مَا يَكُونُ فِي غَدٍ) شاملٌ لعلم وقت قيام السَّاعة وغيره، وفي رواية سالمٍ عن أبيه في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] قال: مفاتيح (٥) الغيب خمسٌ ﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] … إلى آخر (٦) سورة لقمان (وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ) أَذَكَرٌ أم أنثى، شقيٌّ (٧) أم سعيدٌ إلَّا حين أمره الملك بذلك (وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ

стр. 2699

مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما تعزم على شيءٍ وتفعل خلافَه (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت، ورُوِيَ أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان بن داود عليهما الصَّلاة والسَّلام، فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه، فقال الرَّجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنَّه يريدني، فَمُرِ الرِّيح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل، ثمَّ أتى ملكَ الموت سليمانُ، فسأله عن نظره ذلك، قال: كنت متعجِّبًا منه إذ أُمِرت أن أقبض روحه بالهند في آخر النَّهار وهو عندك (وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ) زاد الإسماعيليُّ: «إلَّا الله» أي: إلَّا عند أمر الله به، فإنَّه يعلم حينئذٍ، وهو يردُّ على القائل: إنَّ لنزول المطر وقتًا معيَّنًا لا يتخلَّف عنه، وعبَّر بالنَّفس في قوله: «وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت»، وفي قوله: «ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا (١)» وفي الثَّلاثة الأخرى بلفظ «أحدٌ» لأنَّ النَّفس هي الكاسبة، وهي الَّتي تموت، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فلو عبَّر: بـ «أحدٍ» لاحتمل أن يفهم منه: لا يعلم أحدٌ ماذا تكسب نفسه، أو بأيِّ أرضٍ تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة بنفي علم النَّفس أحوالها، فكيف غيرها؟! وعَدَل عن لفظ القرآن وهو: ﴿تَدْرِي﴾ إلى لفظ: «تعلم» في «ماذا تكسب غدًا» لإرادة (٢) زيادة المبالغة؛ إذ (٣) نفي العامِّ مستلزمٌ نفيَ الخاصِّ من غير عكسٍ، فكأنَّه قال: لا تعلم أصلًا سواءٌ احتالت أم لا، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] والرَّعد [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٧].

стр. 2700

((١٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة هنا في رواية كريمة، وسقطت لغيرها (١)، وهي ثابتة في «اليونينيَّة» (٢) (كِتَابُ الكُسُوفِ) (٣) هو بالكاف للشَّمس والقمر، أو بالخاء للقمر وبالكاف للشَّمس، خلافٌ يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- حيث عقد المؤلِّف له بابًا، والكسوف هو: التَّغيُّر إلى السَّواد، ومنه كسف وجهه إذا تغيَّر، والخسوف بالخاء المعجمة: النُّقصان، قاله الأصمعيُّ، والخَسف أيضًا: الذُّلُّ، والجمهور على أنَّهما يكونان لذهاب ضوء الشَّمس والقمر بالكُليَّة، وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضَّوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كلِّ اللَّون، وبالكاف لتغيُّره، وزعم بعض (٤) علماء الهيئة أنَّ كسوف الشَّمس لا حقيقةَ له، فإنَّها لا تتغيَّر في نفسها، وإنَّما القمر يحول بيننا وبينها، ونورُها باقٍ، وأمَّا كسوف القمر فحقيقةٌ، فإنَّ ضوءه من ضوء الشَّمس، وكسوفُه بحيلولة ظلِّ الأرض بين الشَّمس وبينه بنقطة التَّقاطع، فلا يبقى فيه ضوءٌ ألبتَّة، فخسوفه ذهاب ضوئه حقيقةً. انتهى. وأبطله ابن العربيِّ بأنَّهم زعموا أنَّ الشَّمس أضعاف القمر، فكيف يحجب الأصغرُ الأكبرَ إذا قابله؟! وفي

стр. 2701

«أحكام الطَّبريِّ»: في الكسوف فوائدُ: ظهور التَّصرُّف في هذين الخَلْقين العظيمين، وإزعاج القلوب الغافلة وإيقاظُها، وليرى النَّاس أُنموذج (١) القيامة، وكونهما يُفعل بهما ذلك ثمَّ يُعادان، فيكون تنبيهًا على خوف المكر ورجاء العفو، والإعلام بأنَّه قد يُؤاخَذ (٢) مَن لا ذنبَ له، فكيف من له ذنبٌ؟! وللمُستملي (٣): «أبواب الكسوف» بدل: «كتاب الكسوف». (١) (بابُ) مشروعية (الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) وهي (٤) سنَّةٌ مؤكَّدةٌ لفعله ﷺ وأمره كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والصَّارف عن الوجوب ما سبق في «العيد»، وقول الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: «لا يجوز تركها» حملوه على الكراهة لتأكُّدها ليوافق كلامه في مواضعَ أُخَر، والمكروه قد يُوصَف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوي الطَّرفين، وصرَّح أبو عَوانة في «صحيحه» بوجوبها، وإليه ذهب بعض الحنفيَّة، واختاره صاحب «الأسرار».

стр. 2702

١٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث ﵁، والحسن هو البصريُّ كما عند البخاريِّ وشيخه ابن المدينيِّ خلافًا للدَّارقطنيِّ حيث انتقد على المؤلِّف: بأنَّ الحَسَن البصريَّ إنَّما يَروي عن الأحنف عن أبي بكرة، وتأوَّله أنَّه الحسن ابن عليٍّ، وأُجيبَ بأنَّه قد (١) وقع التَّصريح بسماع الحسن البصريِّ من (٢) أبي بكرة في «باب قول النَّبيِّ ﷺ : يخوِّف الله عباده بالكسوف» [خ¦١٠٤٨] حيث قال: وتابعه موسى عن مبارك عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، «وفي بابِ قولِ النَّبيِّ ﷺ للحسن بن عليٍّ: ابني هذا سيِّدٌ» [خ¦٧١٠٩] حيث قال فيه: فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ … ، ثمَّ قال المؤلِّف فيه: قال لي عليُّ بن عبد الله، أي: المدينيُّ: إنَّما ثبت لنا سماعُ الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث، يعني لتصريحه فيه بالسَّماع (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عند النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) بوزن: انْفَعَلَت، وهو يردُّ

стр. 2703

على القزَّاز حيث أنكره (فَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) حال كونه (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) من غير عجبٍ ولا خيلاء -حاشاه الله (١) من ذلك- زاد في «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٥] من وجهٍ آخر عن يونس: «مستعجلًا»، وللنَّسائيِّ: «مِن العَجَلة» (حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا) معه (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ) زاد النَّسائيُّ: «كما تصلُّون» واستدلَّ به الحنفيَّة على أنَّها كصلاة النَّافلة، وأيَّده صاحب «عمدة القاري» منهم بحديث ابن مسعودٍ عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وابن سَمُرة (٢) بن عبد الرَّحمن (٣) عند مسلمٍ والنَّسائيِّ، وسمرة بن جندبٍ عند أصحاب «السُّنن الأربعة»، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الطَّحاويِّ، وصحَّحه الحاكم، وغيرهم، وكلُّها مصرِّحة بأنَّها ركعتان، وحمله ابن حبَّان والبيهقيُّ من الشَّافعيَّة على أنَّ المعنى: كما (٤) كانوا يصلُّون (٥) في الكسوف لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علَّمهم أنَّها ركعتان، في كلِّ ركعةٍ ركوعان، كما روى ذلك الشَّافعيُّ وابن أبي شيبة وغيرهما، ويؤيِّد ذلك: أنَّ في رواية عبد الوارث عن يونس الآتية في أواخر «الكسوف» [خ¦١٠٦٣] أنَّ ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النَّبيِّ ﷺ ، وقد ثبت في حديث جابرٍ عند مسلمٍ مثلُه، وقال فيه: «إنَّ في كلِّ ركعةٍ ركوعين» فدلَّ ذلك على اتِّحاد القصَّة، وظهر أنَّ رواية أبي بكرة مطلقةٌ، وفي رواية جابرٍ زيادةُ بيانٍ في صفة الرُّكوع، والأخذُ بها أولى، ووقع في أكثر الطُّرق عن عائشة أيضًا: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ ركوعين» قاله في «فتح الباري»، وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّ حمل ابن حبَّان والبيهقيِّ -على أنَّ المعنى: كما (٦) يصلُّون في الكسوف- بعيدٌ، وظاهر الكلام يردُّه، وبأنَّ حديث أبي بكرة عن الَّذي شاهده من (٧) صلاة النَّبيِّ ﷺ وليس فيه خطابٌ أصلًا، ولئن سلَّمنا أنَّه خاطب بذلك

стр. 2704

من الخارج فليس معناه كما حمله ابن حبَّان والبيهقيُّ لأنَّ المعنى: كما كانت عادتكم فيما إذا صلَّيتم ركعتين بركوعين وأربع سجداتٍ، على ما تقرَّر من شأن الصَّلاة (١). نعم مقتضى كلام أصحابنا الشَّافعيَّة كما في «المجموع» أنَّه: لو صلَّاها كسنَّة الظُّهر صحَّت، وكان تاركًا للأفضل، أخذًا من حديث قَبيصة: أنَّه ﷺ صلَّاها بالمدينة ركعتين، وحديث النُّعمان: «أنَّه ﷺ جعل يصلِّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتَّى انجلت» رواهما أبو داود وغيره بإسنادين صحيحين، وكأنَّهم لم ينظروا إلى احتمال أنَّه صلَّاها ركعتين بزيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ كما في حديث عائشةَ وجابرٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهم حملًا للمطلق على المقيَّد لأنَّه (٢) خلاف الظَّاهر، وفيه نظرٌ، فإنَّ الشَّافعيَّ لمَّا نقل ذلك قال: يُحمَل المطلق على المقيَّد، وقد نقله عنه البيهقيُّ في «المعرفة»، وقال: الأحاديثُ على بيان الجواز، ثمَّ قال: وذهب جماعةٌ من أئمَّة الحديث -منهم ابن المنذر- إلى تصحيح الرِّوايات في عدد الرَّكعات، وحملوها على أنَّه صلَّاها مرَّاتٍ، وأنَّ الجميع جائزٌ، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيُّ ثمَّ البخاريُّ -من ترجيح أخبار الرُّكوعين بأنَّها أشهر و (٣) أصحُّ- أَولى لما مرَّ من (٤) أن الواقعة واحدةٌ. انتهى. لكن روى ابن

стр. 2705

حبَّان في «الثِّقات»: «أنَّه ﷺ صلَّى لخسوف القمر» فعليه الواقعة متعدِّدة، وجرى (١) عليه السُّبكيُّ والأذرعيُّ، وسبقهما إلى ذلك النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، فنقل فيه عن ابن المنذر وغيره: أنَّه يجوز صلاتها على كلِّ واحد (٢) من الأنواع الثَّابتة لأنَّها جرت في أوقاتٍ، واختلاف صفاتها محمولٌ على جواز الجميع، قال: وهذا أقوى (٣). انتهى. وقد وقع لبعض الشَّافعيَّة كالبَنْدَنِيْجِيِّ: أنَّ صلاتها ركعتين كالنافلة لا تجزي (حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ) بالنُّون بعد همزة الوصل، أي: صَفَت وعاد نورها، واستُدلَّ به على إطالة الصَّلاة حتَّى يقع الانجلاء، ولا تكون الإطالة إلَّا بتكرار الرَّكعات وعدم قطعها إلى الانجلاء، وزاد ابن خزيمة: «فلمَّا كُشِفَ عنَّا خَطَبَنَا» (فَقَالَ (٤) ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ) آيتان من آيات الله (لَا يَنْكَسِفَانِ) بالكاف (لِمَوْتِ أَحَدٍ) قاله ﵊ لمَّا مات ابنه إبراهيم -وقال النَّاس: إنَّما كُسِفَت لموته- إبطالًا لِمَا كان أهل الجاهليَّة يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بميمٍ بعد الهاء بتثنية الضَّمير، أي: الشَّمس والقمر، ولأبي الوقت: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة الَّتي يدلُّ عليها قوله: «لا ينكسفان» (٥)، أو الآية لأنَّ الكسفة آيةٌ من الآيات (فَصَلُّوا وَادْعُوا) الله (حَتَّى

стр. 2706

يُكْشَفَ (١) مَا بِكُمْ) غاية (٢) للمجموع من الصَّلاة والدُّعاء، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم بصريُّون إلَّا خالدًا، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٤٨] و «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٥]، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «التَّفسير». ١٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) العبديُّ الكوفيُّ، المتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «أخبرنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) الرُّؤاسيُّ (٣)، بضمِّ الرَّاء ثمَّ همزةٍ خفيفةٍ وسينٍ مهملةٍ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريَّ ﵁ حال كونه (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ) بالكاف بعد النُّون السَّاكنة (لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ) لم يقل في هذه: «ولا لحياته» وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما فيها (وَلَكِنَّهُمَا) أي: انكسافهما (آيَتَانِ) علامتان (مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدَّالة على وحدانيَّته وعظيم قدرته، أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) كذا (٤) بالتَّثنية للكُشْمِيْهَنِيِّ، أي: كسوف كلِّ واحدٍ منهما على انفراده لاستحالة وقوعهما معًا في وقتٍ واحدٍ عادةً، واستُدِلَّ به على

стр. 2707

مشروعيَّة صلاة كسوف القمر، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإذا رأيتموها» بالإفراد، أي: الآية الَّتي يدلُّ عليها قوله: آيتان (فَقُومُوا فَصَلُّوا) اتَّفقت الرِّوايات على أنَّه ﷺ بادر إليها (١)، فلا وقت لها معيَّنٌ إلَّا رؤية الكسوف في كلِّ وقتٍ من النَّهار، وبه قال الشَّافعيُّ وغيره لأنَّ (٢) المقصود إيقاعها قبل الانجلاء، وقد اتَّفقوا على أنَّها لا تُقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقتٍ لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود، واستثنى الحنفيَّة أوقات الكراهة، وهو مشهورُ مذهبِ أحمد، وعن المالكيَّة وقتها من وقت حلِّ النَّافلة إلى الزَّوال كالعيدين، فلا تُصلَّى قبل ذلك لكراهة النَّافلة حينئذٍ، نصَّ عليه الباجيُّ ونحوه في «المدوَّنة». ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ. وأخرجه المؤلِّف في «الكسوف» (٣) [خ¦١٠٥٧] أيضًا و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٤]، ومسلمٌ في «الخسوف»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. ١٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج المصريُّ، بالميم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، بالميم أيضًا (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ أيضًا (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) أنَّه (حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :

стр. 2708

أنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ) بالخاء المعجمة مع فتح أوَّله على أنَّه لازمٌ، ويجوز (١) الضَّمُّ على أنَّه متعدٍّ، لكن نقل الزَّركشيُّ عن ابن الصَّلاح أنَّه حكى منعه، ولم يبيِّن لذلك دليلًا، والَّذي في «اليونينيَّة»: فتح التَّحتيَّة والسِّين وكسرها، فلينظر (٢)، أي: لا يُذهِب الله نورهما (٣) (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من العظماء (وَلَا لِحَيَاتِهِ) تتميمٌ للتَّقسيم، وإلَّا فلم يدَّعِ أحدٌ أنَّ الكسوف لحياة أحدٍ، أو ذُكِرَ لدفع توهُّم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد ألَّا يكون سببًا للإيجاد، فعمَّم (٤) الشَّارع النَّفي لدفع هذا التَّوهُّم (وَلَكِنَّهُمَا) أي: خسوفهما (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) يخوِّف الله بخسوفهما عباده (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بالتَّثنية، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «فإذا رأيتموها» بالإفراد (فَصَلُّوا) ركعتين في كلِّ ركعةٍ ركوعان، أو ركعتين كسنَّة الظُّهر. ورواة هذا الحديث ثلاثةٌ مصريُّون بالميم، والباقي مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠١]، ومسلمٌ في الصَّلاة، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 2709

١٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ) هو أبو النَّضر اللَّيثيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ) النَّحويُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) بكسر العين المهملة وتخفيف اللَّام وبالقاف (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ) ابنه مِن ماريَة القبطيَّة (إِبْرَاهِيمُ) بالمدينة في السَّنة العاشرة من الهجرة كما عليه جمهور أهل السِّير، في ربيعٍ الأوَّل، أو في رمضان، أو ذي الحجة في (١) عاشر الشَّهر، وعليه الأكثر، أو في رابعه، أو رابع عشرة، ولا يصحُّ شيءٌ منها على قول ذي الحجَّة لأنَّه قد ثبت أنَّه ﵊ شهد وفاته من غير خلافٍ، ولا ريب أنَّه ﵊ كان إذ ذاك بمكَّة في حجَّة الوداع، لكن قيل: إنَّه كان في سنة تسعٍ، فإن ثبت صحَّ ذلك، وجزم النَّوويُّ بأنَّها كانت سنة الحديبية، وبأنَّه كان حينئذٍ بالحديبية، ويُجاب بأنَّه رجع منها في آخر القعدة فلعلَّها كانت في أواخر الشَّهر، وفيه ردٌّ على أهل الهيئة؛ لأنَّهم يزعمون أنَّه لا يقع في الأوقات المذكورة (فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ

стр. 2710

الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) بفتح الكاف والسِّين والفاء (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ) بسكون النُّون بعد المثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ) شيئًا من ذلك، فحذف (١) المفعول (فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ) تعالى، وإنَّما ابتدأ المؤلِّف بالأحاديث المطلقة في الصَّلاة بغير تقييدٍ بصفة إشارةً منه إلى أنَّ ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصِّفة المخصوصة عنده أفضل، والله أعلم. ورواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ وخراسانيٍّ وبغداديٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٩٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة». (٢) (بابُ الصَّدَقَةِ فِي) حالة (٢) (الكُسُوفِ). ١٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء وتاليَيها (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه (¬ ﷺ ¬) يوم مات ابنه إبراهيم (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ) صلاة الخسوف (فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ) لطول القراءة فيه، وفي

стр. 2711

رواية ابن شهابٍ الآتية قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٠٤٦]: «فاقترأ (١) قراءةً طويلةً» (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح، وقدَّروه (٢) بمئة آيةٍ من البقرة (ثُمَّ قَامَ) من الرُّكوع (فَأَطَالَ القِيَامَ -وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ-) الَّذي ركع منه (ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح أيضًا (-وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ-) وقدَّروه بثمانين آيةً (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) كالرُّكوع (ثُمَّ فَعَلَ) ﵊ (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «في الرَّكعة الأخرى» (٣) (مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) من إطالة الرُّكوع، لكنَّهم قدَّروه في الثالث (٤) بسبعين آيةً بتقديم السِّين على الموحَّدة، وفي الرَّابع (٥) بخمسين تقريبًا في كلِّها لثبوت التَّطويل من الشَّارع بلا تقدير، لكن قال الفاكهانيُّ: إنَّ في بعض الرِّوايات تقدير القيام الأوَّل: بنحو سورة البقرة، والثَّاني: بنحو سورة آل عمران، والثَّالث: بنحو سورة النِّساء، والرَّابع: بنحو سورة المائدة، واستُشكِل تقدير الثَّالث: بالنِّساء، مع كون المختار أن يكون القيام الثَّالث أقصر من القيام الثَّاني، والنِّساء أطول من آل عمران، ولكنَّ الحديث الَّذي ذكره غير معروفٍ، إنَّما هو من قول الفقهاء، نعم قالوا: يطوِّل القيام الأوَّل نحوًا من سورة البقرة لحديث ابن عبَّاسٍ الآتي في «باب صلاة الكسوف جماعة» [خ¦١٠٥٢] وأنَّ الثَّاني دونه، وأنَّ القيام الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية نحو القيام الأوَّل، وكذا الباقي، نعم في «الدَّارقُطنيِّ» من حديث عائشة: أنَّه قرأ في الأوَّل (٦) بالعنكبوت والرُّوم، وفي الثَّاني بـ «يس» (ثُمَّ انْصَرَفَ) ﵊ من الصَّلاة (٧) (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ بعد ألف الوصل، أي: صَفَت، وعاد نورها، ولأبي ذَرٍّ: «تجلَّت» بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ النَّاسَ) خطبتين كالجمعة

стр. 2712

(فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد النَّسائيُّ، من حديث سَمُرة: «وشهد أنَّه عبد الله ورسوله» (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ) بنونٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة التَّحتيَّة وبالخاء مع كسر السِّين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «لا يخسفان» بإسقاط النُّون (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) وإنَّما يخوِّف الله بكسوفهما عباده (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) الكسوف في أحدهما (فَادْعُوا اللهَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فاذكروا الله» بدل رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فادعوا الله» (وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا) كما مرَّ (وَتَصَدَّقُوا) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) برفع «أَغْيَرُ» صفةً لـ «أحدٍ» باعتبار المحلِّ، والخبر محذوفٌ منصوبٌ، أي: موجودًا على أنَّ: «ما» حجازيَّةٌ، أو يكون: «أحد» مبتدأ، و «أَغْيَرُ» خبره (٢) على أنَّ «ما» تميميَّةٌ، ويجوز نصب: «أَغْيَرَ» على أنَّها خبر «ما» الحجازيَّة، و «مِنْ» زائدةٌ للتَّأكيد، وأن يكون مجرورًا بالفتحة على الصِّفة للمجرور باعتبار اللَّفظ، والخبر المحذوف مرفوعٌ على «أنَّ» «ما» تميميَّةٌ، وقوله: «أن يزنيَ» متعلِّق بـ «أغير»، وحَذْف «مِنْ» قبل (٣) «أَنْ»، قياسٌ مستمرٌّ، واستُشكِل نسبةُ الغَيرة إلى الله تعالى؛ لكونها ليست من الصِّفات اللَّائقة به تعالى؛ إذ هي هيجان الغضب بسبب هتك مَن يذبُّ عنه، والله تعالى منزَّهٌ عن كلِّ تغييرٍ (٤)، وأُجيبَ بتأويله بلازم الغيرة وهو المنع، وزيادةُ الغيرة معناها (٥) زيادة

стр. 2713

المنع، والزِّيادة هنا حقيقةٌ لأنَّ صفاتِ الأفعال حادثةٌ عندنا، تقبل التَّفاوت، أو يُؤَوَّل بإرادة الانتقام ليكون من صفات الذَّات، أو التَّفضيل هنا مجازيٌّ لأنَّ القديم لا يتفاوت إلَّا أن يُراد باعتبار المتعلَّق (١)، وتأوَّله ابن فُوْرَكٍ: على الزَّجر والتَّحريم، وابن دقيق العيد: على شدَّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة، ومجاز الملازمة يحتمل كلًّا من التَّأويلَين؛ لأنَّ ذلك إمَّا من إطلاق اللَّازم على الملزوم، أو الملزوم على اللَّازم، وعلى كلِّ حالٍ فاستُعمال هذا اللَّفظ جاريًا على ما أُلِفَ من كلام العرب، قال الطِّيبيُّ: ووجه اتِّصال هذا المعنى بما تقدَّم من قوله: «فاذكروا الله … » إلى آخره، هو أنَّه ﷺ لمَّا خوَّف أمَّته من الكسوفين، وحرَّضَهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتَّكبير والدُّعاء والصَّلاة والصَّدقة؛ أراد أن يَرْدَعهم عن المعاصي الَّتي هي من أسباب حدوث البلاء، وخصَّ منها الزِّنا لأنَّه أعظمها، والنَّفس إليه أميل، وخصَّ (٢) العبد والأمة بالذِّكر رعايةً لحسن الأدب، ثمَّ كرَّر النَّدبة (٣) فقال: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من عظمة الله، وعظيم انتقامه من أهل الجرائم، وشدَّة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) لتفكُّركم فيما

стр. 2714

علمتموه (١)، والقلَّة هنا بمعنى: العدم كما في قوله: قليل التَّشكِّي، أي: عديمه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] أي: غير منقطعٍ، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ لصلاة الكسوف هيئةً، تخصُّها من التَّطويل الزَّائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ، وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عبَّاسٍ وعبدُ الله بن عمر (٢)، ومثلُه عن أسماء بنت أبي بكرٍ كما مرَّ في «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٨] وعن جابرٍ عند مسلمٍ، وعن عليٍّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النَّسائيِّ، وعن ابن عمر عند البزَّار، وعن أمِّ سفيان عند الطَّبرانيِّ، وفي رواياتهم زيادةٌ رواها الحفَّاظ الثِّقات، فالأخذ بها أَولى من إلغائها، وقد وردت الزِّيادة في ذلك من طرقٍ أخرى، فعند مسلمٍ من وجه آخرَ عن عائشة، وآخر عن جابرٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ ثلاثَ ركوعاتٍ» وعنده (٣) من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ أربعَ ركوعاتٍ»، ولأبي داود من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ، والبزَّار من حديث عليٍّ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ خمسَ ركوعاتٍ». ولا يخلو إسنادٌ منها (٤) عن (٥) علَّةٍ، ونقل ابن القيِّم عن الشَّافعيِّ وأحمد والبخاريِّ أنَّهم كانوا يعدُّون الزِّيادة على الرُّكوعين في كلِّ ركعةٍ غَلَطًا من بعض الرُّواة، فإنَّ أكثر طرق الحديث يمكن ردُّ بعضها إلى بعضٍ، ويجمعها أنَّ ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتَّحدت القصَّة تعيَّن الأخذ بالرَّاجح، قاله في «فتح الباري». (٣) (بابُ النِّدَاءِ بِـ: الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ فِي الكُسُوفِ) بنصب «الصَّلاة (٦) جامعة (٧)» على الحكاية فيهما، أي: بهذا اللَّفظ، وحروف الجرِّ لا يظهر عملها في باب الحكاية، ومعمولها محذوفٌ،

стр. 2715

تقديره: باب النِّداء بقوله: «الصَّلاةَ جامعةً»، ونصب «الصَّلاةَ» في الأصل على الإغراء و «جامعةً» على الحال، ويجوز رفع «الصَّلاةُ» على الابتداء و «جامعةٌ» على الخبر، أي: الصَّلاة تجمع النَّاس في المسجد الجامع (١)، ويجوز أن تكون الصَّلاة ذات جماعة (٢)، أي: تُصلَّى جماعةً لا منفردًا (٣) كسنن الرَّواتب فالإسناد مجازيٌّ، كنهرٍ جارٍ، وطريقٍ سائرٍ. ١٠٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، فقال (٤) الجيانيُّ: هو ابن منصور الكوسج، وقال أبو نُعيمٍ: هو ابن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحاظيُّ، بضمِّ الواو والحاء مهملةٌ، نسبةً إلى وُحاظ، بطنٌ من حِمْيَر (٥)، وهو حمصيٌّ من شيوخ البخاريِّ، وربَّما أخرج عنه بالواسطة كما هنا (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ ابْنِ أَبِي سَلَّامٍ) بفتح السِّين وتشديد اللَّام فيهما (الحَبَشِيُّ) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة

стр. 2716

وكسر الشِّين المعجمة، نسبةً إلى بلاد الحبشة، أو حيٌّ من حِمْيَر، ونُسِبَ (١) إلى الأَصيليِّ ضبطُها (٢) هنا: بضمِّ الحاء وسكون الموحَّدة، كعَجَم: بفتحتين، وعُجْم: بضمِّ العين وسكون الجيم (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ (الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٤) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص (¬﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي «الصَّحيحين» من حديث عائشة [خ¦١٠٦٦]: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث مناديًا فنادى (٥) (أَنِ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهي المفسِّرة، وفي روايةٍ: «إنَّ الصَّلاة» بكسر الهمزة وتشديد النُّون، والخبر محذوفٌ، تقديره: إنَّ الصَّلاةَ ذاتَ جماعةٍ (٦) حاضرةٌ، ويُروى: برفع «جامعة» (٧) على أنَّه الخبر، وهو الَّذي في الفرع وأصله (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نُودِيَ بالصَّلاة جامعة»، وفيه ما تقدَّم في لفظ التَّرجمة، وجوَّز بعضهم (٩) في: «الصَّلاة جامعة»، النَّصب فيهما، والرَّفع فيهما (١٠)، ورفْع الأوَّل ونصْب الثَّاني، وبالعكس (١١)، وظاهر الحديث أنَّ ذلك كان قبل اجتماع النَّاس،

стр. 2717

وليس فيه: أنَّه بعد اجتماعهم نُودي «الصَّلاة (١) جامعة»، حتَّى يكون ذلك بمنزلة الإقامة الَّتي يعقبها الفرض، ومِن ثمَّ لم يعوِّل في الاستدلال على أنَّه لا يؤذَّن لها، وأنَّه (٢) يُقال فيها: «الصَّلاة جامعة» إلَّا على ما أرسله الزُّهريُّ، قال في «الأمِّ»: ولا أذان لكسوفٍ (٣)، ولا لعيدٍ، ولا لصلاةٍ غير مكتوبةٍ، وإن أمر الإمام من يفتتح (٤): الصَّلاة جامعة، أحببت ذلك له، فإنَّ الزُّهريَّ يقول: «كان النَّبيُّ ﷺ يأمر المؤذِّن في صلاة العيدين أن (٥) يقول: الصَّلاة جامعة». وفي حديث الباب: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الكسوف» [خ¦١٠٥١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ. (٤) (بابُ خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ) بنتا أبي بكر الصديق ﵃: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الكسوف، وحديث عائشة سبق موصولًا في «باب الصَّدقة في الكسوف» [خ¦١٠٤٤] وحديث أسماء يأتي إن شاء الله تعالى بعد أحدَ عشر بابًا [خ¦١٠٦١].

стр. 2718

١٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، المصريُّ، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا ابن بكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ. (ح) للتَّحويل (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر البصريُّ، عُرِفَ بابن الطَّبرانيِّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) عَنْبَسَةُ) بفتح العين والموحَّدة بينهما نونٌ ساكنةٌ والسِّين مهملةٌ، ابن خالد بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ) من الحجرة (إِلَى المَسْجِدِ) لا الصَّحراء لخوف الفوت بالانجلاء، والمبادرة إلى الصَّلاة مشروعةٌ (فَصَفَّ) بالفاء، ولابن عساكر: «وصفَّ» (النَّاسُ وَرَاءَهُ) برفع «النَّاس» فاعلُ «صفَّ» (فَكَبَّرَ) تكبيرة الإحرام (فَاقْتَرَأَ) بالفاء فيهما (رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (٤) نحوًا من سورة البقرة، أي: بعد الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت: «فقام، فحزرت قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» (ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) مسبِّحًا فيه قدر مئة آية من البقرة (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا ولك الحمد (فَقَامَ) من الرُّكوع (وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) في قيامه (-هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى-) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة

стр. 2719

الفاتحة والتَّعوُّذ، ولأبي داود: قالت (١) «فحزرتُ قراءته فرأيتُ أنَّه قرأ سورة آل عمران» (ثُمَّ كَبَّرَ، وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهْوَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ -في نسخةٍ- وأبي الوقت: «هو» بإسقاطها (أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) مسبِّحًا فيه قدر ثمانين آية (ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) كذا ثبتت: «ربَّنا ولك الحمد» هنا دون الأولى، ولأبي داود: «فاقترأ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر، فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد، ثمَّ قام فاقترأ قراءةً طويلةً -هي أدنى من القراءة الأولى- ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا -هو أدنى من الركوع الأوَّل- ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد … » الحديث (ثُمَّ سَجَدَ) مسبِّحًا قدر مئة آيةٍ (ثُمَّ قَالَ) أي: فَعَلَ (فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة من غير ياءٍ بعد الخاء (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فَعَلَ في الركعة الأولى، لكن القراءة في أوَّلهما (٢): كالنِّساء، وفي ثانيهما (٣): كالمائدة، وهذا نصُّ الشَّافعيِّ في «البويطيِّ»، قال السُّبكيُّ: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأوَّل بنحو البقرة، وتطويله على الثَّاني والثَّالث، ثمَّ الثَّالث على الرَّابع، وأمَّا نقصُ الثَّالث عن (٤) الثَّاني أو زيادته عليه فلم يَرِد فيه شيءٌ فيما أعلم، فلأجله لا بُعْدَ في ذكر سورة النِّساء فيه (٥) وآل عمران في الثَّاني. نعم إذا قلنا: بزيادة ركوعٍ ثالثٍ فيكون أقصر من الثَّاني كما ورد في الخبر. انتهى. والتَّسبيح في أوَّلها (٦) قدر سبعين، والرَّابع:

стр. 2720

خمسين، قال الأذرعيُّ: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرضَ بها المأمومون، وقد يُفرَّق بينهما وبين المكتوبة بالنُّدرة، أو أن يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين لعموم حديث: «إذا صلَّى أحدكم بالنَّاس فليخفِّف» وتُحمَل إطالته ﷺ على (١) أنَّه علم رضا أصحابه، أو أنَّ ذلك مغتفرٌ (٢) لبيان تعليم الأكمل بالفعل (فَاسْتَكْمَلَ) ﵊ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي) ركعتين و (أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) وسُمِّيَ الزَّائد ركوعًا باعتبار المعنى اللَّغويِّ، وإن كانت الرَّكعة الشَّرعيَّة إنَّما هي الكاملة قيامًا وركوعًا وسجودًا (وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنون قبل الجيم، أي: صَفَت (قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ) من صلاته (ثُمَّ قَامَ) أي: خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وهذا موضع التَّرجمة، ولم يقع التَّصريح في هذا الحديث بالخطبة. نعم (٣) صُرِّح بها في حديثِ عائشة -من رواية هشام- المعلَّقِ هنا الموصولِ قبلُ بباب [خ¦١٠٤٤]، وأورد المؤلِّف حديثها هذا من طريق ابن شهابٍ ليبيِّن أنَّ الحديث واحدٌ، وأنَّ الثَّناء المذكور في طريق ابن شهابٍ هذه كان في الخطبة، واختُلِفَ فيها فيه (٤) فقال الشَّافعيُّ: يُستَحَبُّ أن يخطب لها بعد الصَّلاة. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد (٥) ذلك. وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا خطبة فيها، وعلَّله صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: بأنَّه لم يُنقَل، وأُجيبَ بأنَّ الأحاديث ثابتةٌ فيه، وهي ذات كثرةٍ على ما لا يخفى، وعلَّله بعضهم بأنَّ خطبته ﵊ إنَّما كانت للردِّ عليهم في قولهم: إنَّ ذلك لِمَوْتِ إبراهيم، فعرَّفهم أنَّ ذلك لا يكون لموت أحدٍ ولا لحياته، وعُورضَ بما في الأحاديث الصَّحيحة من التَّصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد، والثَّناء، والموعظة، وغير ذلك ممَّا تضمَّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيَّة الاتِّباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليلٍ،

стр. 2721

والمستحبُّ أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان، فلا تجزئ واحدةٌ (ثُمَّ قَالَ) ﵊ في الخطبة: (هُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: كسوف الشَّمس والقمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «رأيتموها» بالإفراد، أي: الكسفة (فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: التجئوا (١) وتوجَّهوا (إِلَى الصَّلَاةِ) المعهودة الخاصة، السَّابق فعلها منه ﵊ قبل الخطبة لأنَّها ساعة خوفٍ. ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون -بالميم- إلَّا الزُّهريَّ وعروة فمدنيَّان، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٤٨]، ومسلمٌ في «الكسوف» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. قال الزُّهريُّ عطفًا على قوله: حدَّثني عروة: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطَّلب الهاشميُّ، أبو تمام، صحابيٌّ صغيرٌ، وهو بالمثلَّثة والرَّفع اسمُ «كان»، وخبرها «يُحدِّث» مقدَّمًا، أي: وكان كثيرُ يحدِّث: (أَنَّ) أخاه لأبيه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ في «مسلمٍ» عن عروة عنها (٢): «أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجدات» قال الزُّهريُّ: وأخبرني كثيرُ بن عبَّاسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه صلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين وأربع سجدات … الحديث، قال الزُّهريُّ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام الفقيه التَّابعيّ المتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين (٣): (إِنَّ أَخَاكَ) أي: عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام (٤) الصَّحابيّ ﵁ (يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ (٥) بِالمَدِينَةِ) بفتح الخاء

стр. 2722

والسِّين (لَمْ يَزِدْ عَلَى) صلاة (رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ) صلاة (الصُّبْحِ) في العدد والهيئة (قَالَ) عروة: (أَجَلْ) يعني: نعم، صلَّى كذلك (لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١): «إنَّه أخطأ السُّنَّة» أي: جاوزها سهوًا أو عمدًا بأَنْ أدَّى اجتهاده إلى ذلك؛ لأنَّ السُّنَّة أن يُصلَّى في كلِّ ركعةٍ ركوعان. نعم ما فعله عبد الله يتأدَّى به أصل السُّنَّة وإن كان فيه تقصيرٌ بالنِّسبة إلى كمال السُّنَّة، فإن قلت: الأَولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًّا، لا بقول أخيه عروة التَّابعيِّ، أُجيبَ بأنَّ قول عروة: «السُّنَّة كذا» وإن قلنا: إنَّه مرسلٌ على الصَّحيح، لكن قد ذكرَ عروة مستنده في ذلك وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فترجَّح المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنِّسبة إلى الكمال، والله أعلم. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَقُولُ) القائل: (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف (أَوْ) يقول: (خَسَفَتْ) بالخاء المعجمة؟ زاد ابن عساكر فقال: «أو خسفت الشمس» قيل: أورده ردًّا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشَّمس، رواه سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ موقوفٍ عن عروة من طريق الزُّهريِّ بلفظ: «لا تقولوا: كسفت الشَّمس، ولكن قولوا: خسفت»، والأصحُّ أنَّ الكسوف والخسوف المضافين للشَّمس والقمر بمعنًى، يُقال: كَسَفت الشَّمس والقمر وخَسَفا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل، وكُسِفا وخُسِفا بضمِّهما مبنيًّا للمفعول، وانكسفا وانخسفا بصيغة: انفعل، ومعنى المادَّتين واحدٌ، أو يختصُّ ما بالكاف بالشَّمس، وما بالخاء بالقمر، وهو المشهور على ألسنة الفقهاء، واختاره ثعلب، وادَّعى الجوهريُّ أفصحيَّته، ونَقل عيَاضٌ عكسه، وعُورضَ بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ويدلُّ للقول الأوَّل إطلاق اللَّفظين في المحلِّ الواحد في الأحاديث، قال الحافظ عبد العظيم المنذريُّ -ومِن قَبْله القاضي أبو بكر

стр. 2723

ابن العربيِّ-: حديث الكسوف رواه عن النَّبيِّ ﷺ سبعة عشر نفسًا، رواه جماعةٌ منهم بالكاف، وجماعةٌ بالخاء، وجماعة باللَّفظين جميعًا. انتهى. ولا ريب أن مدلول الكسوف لغةً غير مدلول الخسوف لأنَّ الكسوف بالكاف: التَّغيُّر إلى سوادٍ، والخسوف بالخاء: النَّقص والذُّلُّ -كما مرَّ- في أوَّل «كتاب الكسوف» [خ¦١٠٤٠] فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت لأنَّها تتغيَّر ويلحقها النَّقص ساغ ذلك، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنَّ الكسوف والخسوف مترادفان (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة القيامة: (﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]) في إيراده لها إشعارٌ باختصاص القمر بـ ﴿وَخَسَفَ﴾ الَّذي بالخاء، واختصاصها بالَّذي بالكاف كما اشتُهِرَ عند الفقهاء، أو أنَّه يجوز الخاء في الشَّمس والقمر (١) لاشتراكهما في التَّغيُّر الحاصل لكلٍّ منهما. ١٠٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثيرٍ، بالمثلَّثة، ابن عُفَيرٍ، بضمِّ العين وفتح الفاء (٢) المصريُّ (٣) الأنصاريُّ (٤) (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، المصريُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، التَّابعيُّ: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء المفتوحة (فَقَامَ فَكَبَّرَ) للإحرام (فَقَرَأَ) بعد الفاتحة (قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ) بعد أن كبَّر (رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ)

стр. 2724

أي: من الرُّكوع (فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) ربَّنا لك الحمد (وَقَامَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فقام» (كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهْيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْيَ) أي: الرَّكعة (أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ) بمدِّ الهمزة بغير ياءٍ قبل الرَّاء (مِثْلَ ذَلِكَ) من طول القراءة وزيادة الرُّكوع بعده، لكنَّه أدنى قراءةً وركوعًا من الأولى، والرَّابعة أدنى من الثَّالثة، فيستحَبُّ أن يقرأ في الأربعة السُّور الأربعة الطُّوَال: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، ويسبّح في الرُّكوع الأوَّل والسُّجود في كلٍّ منهما قَدْرَ مئة آيةٍ من البقرة، وفي الثَّاني قدر ثمانين، وفي الثَّالث قدر سبعين، وفي الرَّابع قدر خمسين تقريبًا -كما مرَّ- ولا يطيل في غير ذلك مِن الاعتدال بعد الرُّكوع الثَّاني، والتَّشُّهد، والجلوس بين السَّجدتين، لكن قال في «الرَّوضة» بعد نقله عن قطع الرَّافعيِّ وغيره: إنَّه لا يطيل الجلوس، وقد صحَّ في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع (١) فلم يكد يسجد، ثمَّ سجد (٢) فلم يكد يرفع، ثمَّ فعل في الرَّكعة الأخرى مثل ذلك، ومقتضاه كما قال في «شرح المهذَّب»: استحباب إطالته، واختاره في «الأذكار» (ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ) بالكاف: (إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر السِّين بينهما خاءٌ معجمةٌ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّه استعمل كلَّ واحدٍ من الكسوف والخسوف في كلِّ واحدٍ من القمرين، وقول ابن المنيِّر متعقِّبًا المصنِّف في استدلاله بقوله: «يخسفان» على جواز إطلاق ذلك على كلٍّ من الشَّمس

стр. 2725

والقمر، حيث قال: أمَّا الاستشهاد (١) على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التَّثنية فغير متَّجهٍ (٢) لأنَّ التَّثنية باب تغليبٍ، فلعلَّه غلَّب أحد الفعلين كما غلَّب أحد الاسمين، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّ التَّغليب مجازٌ، فدعواه على خلاف الأصل، فالاستدلال بالحديث متأتٍّ، وقوله: كما غلَّب أحد الاسمين، إِن أراد في هذا الحديث الخاصَّ فممنوعٌ، وإِن أراد فيما هو خارجٌ كالقمرين فلا يفيده (٣)، بل ولو كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليب أحد الاسمين لم يلزم منه (٤) تغليب أحد الفعلين. انتهى. (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بضمير التَّثنية، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فإذا رأيتموها» بالإفراد (فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ) بفتح الزَّاي وبالعين المهملة، أي: توجَّهوا إليها. واستُنبِطَ منه: أنَّ الجماعة ليست شرطًا في صحَّتها لأنَّ فيه إشعارًا بالمبادرة إلى الصَّلاة والمسارعة إليها، وانتظارُ الجماعة قد يؤدِّي إلى فواتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصَّلاة. نعم يُستَحَبُّ لها الجماعة، وفي قوله: «ثمَّ سجد سجودًا طويلًا» الرَّدُّ على من زعم أنَّه لا يُسَنُّ تطويل السُّجود في الكسوف، ويأتي البحث فيه حيث ذكره المؤلِّف في بابٍ مفردٍ. (٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يُخَوِّفُ اللهُ عِبَادَهُ بِالكُسُوفِ، قاَلَهُ أَبُو مُوسَى) كذا للأربعة، ولغيرهم: «وقال أبو موسى» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف، بعد ثمانية أبوابٍ.

стр. 2726

١٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء الثَّقفيُّ البغلانيُّ، وسقط «بن سعيد» لأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا كسفت الشَّمس، وقالوا: إنَّما كسفت لموت إبراهيم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: كسوفهما؛ لأنَّ التَّخويف إنَّما هو بخسوفهما (١) لا بذاتهما، وإن كان في (٢) كلِّ شيءٍ من خلقه آيةٌ من آياته، ولذا قال الشَّافعيُّ -فيما رأيته في «سنن البيهقيِّ» - في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الاية [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الاية [البقرة: ١٦٤] مع ما (٣) ذكر الله من الآيات في كتابه: ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلَّا مع الشَّمس والقمر، فأمر ألَّا يسجد لهما، وأمر بأن يُسجَد له، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشَّمس والقمر، واحتمل أن يكون إنَّما نهى عن السُّجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلَّ رسول الله ﷺ على أن يصلِّي لله عند كسوفهما، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات (٤) غيرهما. انتهى. (لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ) إذ هما خلقان مسخَّران، ليس

стр. 2727

لهما سلطانٌ في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذرٍّ هنا: «ولا لحياته» بلام قبل الحاء، وله في أخرى: «ولا حياته» بحذفها (وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا) أي: بالكسفة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «بهما» (عِبَادَهُ) ولأبي ذَرٍّ، عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «ولكن يخوِّف الله بهما عباده» ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولكن الله يخوِّف بها (٢) عباده» (٣)، فالكسوف من آياته تعالى المخوِّفة، أمَّا إنِّه آية من آيات الله فلأنَّ الخلق عاجزون عن ذلك، وأمَّا إنَّه من الآيات المخوِّفة (٤) فلأنَّ تبديل (٥) النُّور بالظُّلمة تخويفٌ، والله تعالى إنَّما يخوِّف عباده (٦) ليتركوا المعاصي، ويرجعوا لطاعته (٧) الَّتي بها (٨) فوزُهم، وأفضلُ الطَّاعات بعد الإيمان الصَّلاة، وفيه: ردٌّ على أهل الهيئة حيث قالوا: إنَّ الكسوف أمرٌ عاديٌّ لا تأخير فيه ولا تقديم لأنَّه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويفٌ ولا فزعٌ، ولم يكن للأمر بالصَّلاة والصَّدقة معنًى، ولَئِن سلَّمنا ذلك فالتَّخويف باعتبار أنَّه يذكِّر بالقيامة (٩) لكونه أُنموذجًا (١٠)، قال الله تعالى:

стр. 2728

﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الاية [القيامة: ٧ - ٨] ومن ثمَّ قام ﵊ فزعًا يخشى (١) أن تكون السَّاعة كما في روايةٍ أخرى، وكان ﵊ إذا اشتدَّ هبوب الرِّياح تغيَّر، ودخل وخرج خشية أن يكون كريح عادٍ وإن كان هبوب الرِّياح أمرًا عاديًّا، وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقلَّ من ذلك؛ إذ كلُّ ما في العالم عُلْويِّه وسُفْلِيِّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله تعالى وتمام قهره، فإن قلت: التَّخويف عبارةٌ عن إحداث الخوف بسببٍ، ثمَّ قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذٍ يلزم الخلف في الوعيد، فالجواب كما في «المصابيح» المنعُ لأنَّ الخلف وضدُّه من عوارض الأقوال، وأمَّا الأفعال فلا، إنَّما هي من جنس المعاريض، والصَّحيح عندنا -فيما يتميَّز به الواجب- أنَّه التَّخويف، ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة، فإن قيل: الوعيد لفظٌ فكيف يخلُص من الخُلْف؟ فالجواب أنَّ لفظ الوعيد عامٌّ أريد به الخصوص، غير أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: لعلِّي داخلٌ في العموم، فيحصل له التَّخويف، فيحصل الخوف (٢) وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن (٣) أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه (٤) في بيان أنَّه خارجٌ منه، فيجتمع حينئذٍ الوعيد والمغفرة، ولا خُلْفَ، ومصداقه في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قاله الدَّمامينيُّ. (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ، وسقط ذلك كلُّه للأربعة (لَمْ) ولأبي الوقت (٥) والأَصيليِّ وابن عساكر (٦): «ولم» (يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ) (٧) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ، بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وتشديد النُّون، البصريُّ فيما أخرجه المؤلِّف في «صلاة كسوف القمر» [خ¦١٠٦٣] (وَشُعْبَةُ) بن الحجَّاج مَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «كسوف القمر» [خ¦١٠٦٢]

стр. 2729

(وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ -ممَّا سبق- (١) في «أوَّل الكسوف» [خ¦١٠٤٠] (وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن دينار الرَّبعيُّ ممَّا وصله الطَّبرانيُّ من رواية حجَّاج بن منهالٍ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن عُبيد (٢) المذكور: (يُخَوِّفُ اللهُ بِهَا) وللحَمُّويي: «بهما» (عِبَادَهُ) وسقطت الجلالة لغير أبي ذَرٍّ (٣) (وَتَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ في روايته عن الحسن (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلَّثة، ابن عبد الملك الحُمرانيُّ، بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ، ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ يعني: في حذف قوله: «يخوِّف الله بهما عباده» (وَتَابَعَهُ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبوذكيُّ كما جزم به المزِّيُّ، أو هو ابن داود الضَّبِّيُّ كما (٤) قاله الدُّمياطيُّ، لكن رجَّح الحافظ ابن حجرٍ الأوَّل بأنَّ ابن (٥) إسماعيل معروفٌ في رجال البخاريِّ، بخلاف ابن داود (عَنْ مُبَارَكٍ) بضمِّ الميم وفتح الموحَّدة، هو ابن فَضَالة بن أبي أميَّة القرشيُّ العدويُّ البصريُّ، وقد روى هذا الطَّبرانيُّ من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغٍ من (٦) رواية سليمان بن حربٍ، كلاهما عن مباركٍ (عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: «بها» أي: بالكسفة، ولأبي الوقت: «عن النَّبيِّ ﷺ ، يخوِّف الله بهما» ولأبي ذَرٍّ كذلك إلَّا أنَّه قال: «يخوِّف بهما» (عِبَادَهُ) فأسقط لفظَ الجلالة بعد «يخوِّف»، ولفظَ: «إنَّ الله تعالى» قبلها كأبي الوقت، وفي هذه المتابعة الرَّدُّ على ابن أبي

стр. 2730

خيثمة حيث نفى سماع الحسن من (١) أبي بكرة، فإنَّه قال فيها: أخبرني أبو بكرة، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النَّافي، وقد سبق مزيدٌ لذلك قريبًا، ووقع في «اليونينيَّة» (٢) في رواية غير أبي ذَرٍّ: متابعة أشعث عن الحسن عَقِب قوله في آخر متابعة موسى: «يخوِّف (٣) بهما (٤) عباده»، قال في الفتح: والصَّواب تقديمها لخلوِّ رواية أشعث من قوله: «يخوِّف بهما عباده». نعم في بعض النُّسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش «اليونينيَّة» لأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر متقدِّمةً على متابعة موسى، والله أعلم. (٧) (بابُ التَّعَوُّذِ) بالله (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) حين يدعو فيها، أو بعد الفراغ منها.

стр. 2731

١٠٤٩ - ١٠٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح اللَّام، القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة، الأصبحيِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂: (أَنَّ) امرأةً (يَهُودِيَّةً) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (جَاءَتْ تَسْأَلُهَا) عطيَّة (فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ) أي: أجارك (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) مستفهمةً منه عن قول اليهوديَّة ذلك لكونها لم تعلمه قبل: (أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟) بضمِّ الياء بعد همزة الاستفهام وفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَائِذًا بِاللهِ) على وزن: فاعِل، وهو من الصِّفات القائمة مقام المصدر، وناصبُه محذوفٌ، أي: أعوذ عياذًا بك (١)، كقولهم: عُوفِيَ عافيةً، أو منصوبٌ على الحال المؤكِّدة النَّائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوفٌ، أي: أعوذ حال كوني عائذًا بالله (مِنْ ذَلِكَ) أي: من عذاب القبر، وفي رواية مسروقٍ عن عائشة عند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٧٢]: فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: «نعم، عذاب القبر حقٌّ» قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلَّى صلاةً إلَّا تعوَّذ من عذاب القبر. ومناسبة التَّعوُّذ عند الكسوف أنَّ ظلمة النَّهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشَّيء بالشَّيء يُذكَر، فيُخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتِّعاظ بهذا في التَّمسُّك بما ينجي من غائلة الآخرة، قاله ابن المنيِّر في الحاشية. فإن قلت: هل كان ﵊ يعلم ذلك ولا يتعوَّذ؟

стр. 2732

أو كان يتعوَّذ ولم تشعر به عائشة؟ أو سمع ذلك عن اليهوديَّة فتعوَّذ؟ أجاب التوربشتيُّ بأنَّ الطَّحاويَّ نقل أنَّه ﵊ سمع اليهوديَّة بذلك فارتاع، ثمَّ أُوحِيَ إليه بعد ذلك بفتنة القبر، أو أنَّه ﵊ لمَّا رأى استغراب عائشة حيث (١) سمعت ذلك من اليهوديَّة وسألته عنه أعلن به بعد ما كان يُسِرُّ (٢) لِيَرْسَخَ في عقائد أمَّته، ويكونوا منه على خيفةٍ. انتهى. (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، و «ذات غداةٍ» هو من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو «ذاتَ» زائدةٌ (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء والسِّين المفتوحتَين (فَرَجَعَ ضُحًى) بضمِّ الضَّاد المعجمة مقصورًا منوَّنًا، ارتفاع أوَّل النَّهار، ولا دلالة فيه على أنَّها لا تفعل في وقت الكراهة؛ لأنَّ صلاته لها في الضُّحى وقع اتِّفاقًا، فلا يدلُّ على منع ما سواه (فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ) بفتح الظَّاء المعجمة والنُّون على التَّثنية، و «الحُجَر» بضمِّ الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع حُجرةٍ، بسكون الجيم، والألف والنُّون زائدتان، أي: ظهر الحُجَر، أو الكلمة كلُّها زائدةٌ (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) صلاة الكسوف (وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ) يصلُّون (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) قرأ فيه نحو سورة البقرة (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو مئة آية (ثُمَّ رَفَعَ) من الرُّكوع (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحو (٣)

стр. 2733

آل عمران، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ والأَصيليِّ: «ثمَّ قام قيامًا» وسقط في رواية ابن عساكر «ثمَّ رفع» (وَهْوَ) أي: القيام (دُونَ القِيَامِ) وفي نسخةٍ: «دونَ قيامِ» (الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو: ثمانين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ) منه (فَسَجَدَ) بفاء التَّعقيب، وهو يدلُّ على عدم إطالة الاعتدال بعد الرُّكوع الثَّاني، وتقدَّم (ثُمَّ قَامَ) من سجوده، ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ رفع فقام» (١) (قِيَامًا طَوِيلًا) نحو سورة النِّساء (وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ) ثالثًا (٢) (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو: سبعين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ) ظاهرُه أنَّ الثَّانية لم يقم فيها قيامين، ولا ركع ركوعين، والظَّاهر أنَّ الرَّاوي اختصره، نعم في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣) ممَّا رقم عليه علامة السُّقوط (ثُمَّ قَامَ) أي: من الرُّكوع، ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ رفع فقام» (قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من المائدة (وَهْوَ دُونَ القيام الأَوَّلِ) اختُلِفَ هل المراد به الأوَّل مِن الثَّانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كلُّ قيامٍ دون الَّذي قبله؟ ومِن ثَمَّ اختُلِفَ في القيام الأوَّل من الثَّانية وركوعه، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّكعة الأولى في الكسوف أطول» [خ¦١٠٦٤] (ثُمَّ رَكَعَ) رابعًا (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو خمسين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ) بفاء التَّعقيب أيضًا (وَانْصَرَفَ) من صلاته بعد التَّشهُّد بالسَّلام (فَقَالَ) ﵊ (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) ممَّا ذُكِرَ في حديث عروة من أمره لهم بالصَّلاة والصَّدقة والذِّكر وغير ذلك (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى. وفي الحديث: أنَّ اليهوديَّة كانت عارفةً بعذاب القبر، ولعلَّه من كونه في التَّوراة أو شيءٍ من كتبهم، وإنَّ (٤) عذاب القبر حقٌّ يجب الإيمان به، وقد دلَّ القرآن في مواضع على أنَّه حقٌّ، فخرَّج ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة، عنه ﷺ في قوله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]

стр. 2734

قال: «عذاب القبر»، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا في شكٍّ من عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. ر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]». وقال قتادة والرَّبيع بن أنسٍ في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]: إنَّ إحداهما (١) في الدُّنيا، والأخرى (٢) عذاب القبر. وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٧٢] (٣)، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ. (٨) (بابُ طُولِ السُّجُودِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) أراد به الرَّدَّ على مانعي (٤) تطويله. ١٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة والموحَّدة بينهما مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ آخره نونٌ، ابن عبد الرَّحمن التَّميميُّ البصريُّ، سكن الكوفة (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ اليماميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُمَر» بضمِّ العين، أي: ابن الخطَّاب، قال الحافظ ابن

стр. 2735

حجرٍ: وهو وهمٌ (أَنَّهُ (١) قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف المفتوحة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: زمنه (نُودِيَ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول: (إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بالرَّفع خبرُ «إنَّ»، و «الصَّلاةَ»: اسمها، ولأبي الوقت: «أَنِ الصَّلاةُ» بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، ورفع «الصَّلاةُ وجامعةٌ» وقد مرَّ مزيدٌ لذلك قريبًا (فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) أي: في ركعةٍ، وقد يُعبَّر بالسُّجود عن الرَّكعة (٢) مِن باب إطلاق الجزء على الكلِّ (ثُمَّ قَامَ) من السُّجود (فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) أي: في ركعةٍ كذلك (ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ) بضمِّ الجيم وتشديد اللَّام المكسورة مبنيًّا للمفعول من التَّجلية، أي: كُشِفَ عنها بين جلوسه في التَّشهُّد والسَّلام، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ثمَّ جلس حتَّى جُلِّيَ» أي: إلى أن جُلِّيَ عنها (قَالَ) أبو سلمة، أو عبد الله بن عمرو (٣): (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا) عبَّرت بالسُّجود عن الصَّلاة كلِّها، كأنَّها قالت: ما صلَّيت صلاةً قطُّ أطول منها، غير أنَّها أعادت الضَّمير المستكنَّ في «كانَ» على السُّجود اعتبارًا بلفظه وهو مذكَّرٌ، وأعادت ضمير «منها» عليه اعتبارًا بمعناه إذ هو مؤنَّثٌ، أو يكون قولها (٤): «منها» على حذف مضافٍ، أي: من سجودها، قاله في «المصابيح». ولا يقال: هذا لا يدلُّ على تطويل السُّجود، لاحتمال أن يُراد بالسَّجدة الرَّكعة -كما مرَّ- لأنَّ الأصل الحقيقة، وإنَّما حملنا لفظ السَّجدة فيما مرَّ أوَّلًا على الرَّكعة للقرينة الصَّارفة عن إرادة الحقيقة إذ لا يُتصوَّر ركعتان في سجدةٍ، وههنا لا ضرورة في الصَّرف عنها، قاله الكِرمانيُّ. واختُلِفَ في استحباب إطالة السُّجود في الكسوف، وصحَّح الرَّافعيُّ عدم إطالته كسائر الصَّلوات، وعليه جمهور أصحاب الشَّافعيِّ، وصحَّح النَّوويُّ التَّطويل، وقال: إنَّه المختار بل الصَّواب، وعليه المحقِّقون من أصحابنا للأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، وقد نصَّ عليه الشَّافعيُّ في مواضع، قال: وعليه فالمختار ما قاله البَغَويُّ: إنَّ السَّجدة الأولى كالرُّكوع الأوَّل، والثَّانية كالثَّاني، وهو مشهور مذهب المالكيَّة.
следующие страницы →