١٠٤٩ - ١٠٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح اللَّام، القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة، الأصبحيِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂: (أَنَّ) امرأةً (يَهُودِيَّةً) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (جَاءَتْ تَسْأَلُهَا) عطيَّة (فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ) أي: أجارك (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) مستفهمةً منه عن قول اليهوديَّة ذلك لكونها لم تعلمه قبل: (أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟) بضمِّ الياء بعد همزة الاستفهام وفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَائِذًا بِاللهِ) على وزن: فاعِل، وهو من الصِّفات القائمة مقام المصدر، وناصبُه محذوفٌ، أي: أعوذ عياذًا بك (١)، كقولهم: عُوفِيَ عافيةً، أو منصوبٌ على الحال المؤكِّدة النَّائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوفٌ، أي: أعوذ حال كوني عائذًا بالله (مِنْ ذَلِكَ) أي: من عذاب القبر، وفي رواية مسروقٍ عن عائشة عند المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٧٢]: فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: «نعم، عذاب القبر حقٌّ» قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعدُ صلَّى صلاةً إلَّا تعوَّذ من عذاب القبر. ومناسبة التَّعوُّذ عند الكسوف أنَّ ظلمة النَّهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشَّيء بالشَّيء يُذكَر، فيُخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتِّعاظ بهذا في التَّمسُّك بما ينجي من غائلة الآخرة، قاله ابن المنيِّر في الحاشية. فإن قلت: هل كان ﵊ يعلم ذلك ولا يتعوَّذ؟
стр. 2732
أو كان يتعوَّذ ولم تشعر به عائشة؟ أو سمع ذلك عن اليهوديَّة فتعوَّذ؟ أجاب التوربشتيُّ بأنَّ الطَّحاويَّ نقل أنَّه ﵊ سمع اليهوديَّة بذلك فارتاع، ثمَّ أُوحِيَ إليه بعد ذلك بفتنة القبر، أو أنَّه ﵊ لمَّا رأى استغراب عائشة حيث (١) سمعت ذلك من اليهوديَّة وسألته عنه أعلن به بعد ما كان يُسِرُّ (٢) لِيَرْسَخَ في عقائد أمَّته، ويكونوا منه على خيفةٍ. انتهى. (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا) بفتح الكاف، و «ذات غداةٍ» هو من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو «ذاتَ» زائدةٌ (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء والسِّين المفتوحتَين (فَرَجَعَ ضُحًى) بضمِّ الضَّاد المعجمة مقصورًا منوَّنًا، ارتفاع أوَّل النَّهار، ولا دلالة فيه على أنَّها لا تفعل في وقت الكراهة؛ لأنَّ صلاته لها في الضُّحى وقع اتِّفاقًا، فلا يدلُّ على منع ما سواه (فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ) بفتح الظَّاء المعجمة والنُّون على التَّثنية، و «الحُجَر» بضمِّ الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع حُجرةٍ، بسكون الجيم، والألف والنُّون زائدتان، أي: ظهر الحُجَر، أو الكلمة كلُّها زائدةٌ (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي) صلاة الكسوف (وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ) يصلُّون (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) قرأ فيه نحو سورة البقرة (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو مئة آية (ثُمَّ رَفَعَ) من الرُّكوع (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحو (٣)
стр. 2733
آل عمران، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ والأَصيليِّ: «ثمَّ قام قيامًا» وسقط في رواية ابن عساكر «ثمَّ رفع» (وَهْوَ) أي: القيام (دُونَ القِيَامِ) وفي نسخةٍ: «دونَ قيامِ» (الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو: ثمانين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ) منه (فَسَجَدَ) بفاء التَّعقيب، وهو يدلُّ على عدم إطالة الاعتدال بعد الرُّكوع الثَّاني، وتقدَّم (ثُمَّ قَامَ) من سجوده، ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ رفع فقام» (١) (قِيَامًا طَوِيلًا) نحو سورة النِّساء (وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ) ثالثًا (٢) (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو: سبعين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ) ظاهرُه أنَّ الثَّانية لم يقم فيها قيامين، ولا ركع ركوعين، والظَّاهر أنَّ الرَّاوي اختصره، نعم في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣) ممَّا رقم عليه علامة السُّقوط (ثُمَّ قَامَ) أي: من الرُّكوع، ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ رفع فقام» (قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من المائدة (وَهْوَ دُونَ القيام الأَوَّلِ) اختُلِفَ هل المراد به الأوَّل مِن الثَّانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كلُّ قيامٍ دون الَّذي قبله؟ ومِن ثَمَّ اختُلِفَ في القيام الأوَّل من الثَّانية وركوعه، ويأتي مزيدٌ لذلك -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّكعة الأولى في الكسوف أطول» [خ¦١٠٦٤] (ثُمَّ رَكَعَ) رابعًا (رُكُوعًا طَوِيلًا) نحو خمسين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ) بفاء التَّعقيب أيضًا (وَانْصَرَفَ) من صلاته بعد التَّشهُّد بالسَّلام (فَقَالَ) ﵊ (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) ممَّا ذُكِرَ في حديث عروة من أمره لهم بالصَّلاة والصَّدقة والذِّكر وغير ذلك (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى.
وفي الحديث: أنَّ اليهوديَّة كانت عارفةً بعذاب القبر، ولعلَّه من كونه في التَّوراة أو شيءٍ من كتبهم، وإنَّ (٤) عذاب القبر حقٌّ يجب الإيمان به، وقد دلَّ القرآن في مواضع على أنَّه حقٌّ، فخرَّج ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة، عنه ﷺ في قوله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]
стр. 2734
قال: «عذاب القبر»، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا في شكٍّ من عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. ر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]». وقال قتادة والرَّبيع بن أنسٍ في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]: إنَّ إحداهما (١) في الدُّنيا، والأخرى (٢) عذاب القبر.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٧٢] (٣)، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(٨) (بابُ طُولِ السُّجُودِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) أراد به الرَّدَّ على مانعي (٤) تطويله.
١٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة والموحَّدة بينهما مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ آخره نونٌ، ابن عبد الرَّحمن التَّميميُّ البصريُّ، سكن الكوفة (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ اليماميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُمَر» بضمِّ العين، أي: ابن الخطَّاب، قال الحافظ ابن
стр. 2735
حجرٍ: وهو وهمٌ (أَنَّهُ (١) قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف المفتوحة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: زمنه (نُودِيَ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول: (إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بالرَّفع خبرُ «إنَّ»، و «الصَّلاةَ»: اسمها، ولأبي الوقت: «أَنِ الصَّلاةُ» بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، ورفع «الصَّلاةُ وجامعةٌ» وقد مرَّ مزيدٌ لذلك قريبًا (فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) أي: في ركعةٍ، وقد يُعبَّر بالسُّجود عن الرَّكعة (٢) مِن باب إطلاق الجزء على الكلِّ (ثُمَّ قَامَ) من السُّجود (فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) أي: في ركعةٍ كذلك (ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ) بضمِّ الجيم وتشديد اللَّام المكسورة مبنيًّا للمفعول من التَّجلية، أي: كُشِفَ عنها بين جلوسه في التَّشهُّد والسَّلام، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ثمَّ جلس حتَّى جُلِّيَ» أي: إلى أن جُلِّيَ عنها (قَالَ) أبو سلمة، أو عبد الله بن عمرو (٣): (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا) عبَّرت بالسُّجود عن الصَّلاة كلِّها، كأنَّها قالت: ما صلَّيت صلاةً قطُّ أطول منها، غير أنَّها أعادت الضَّمير المستكنَّ في «كانَ» على السُّجود اعتبارًا بلفظه وهو مذكَّرٌ، وأعادت ضمير «منها» عليه اعتبارًا بمعناه إذ هو مؤنَّثٌ، أو يكون قولها (٤): «منها» على حذف مضافٍ، أي: من سجودها، قاله في «المصابيح». ولا يقال: هذا لا يدلُّ على تطويل السُّجود، لاحتمال أن يُراد بالسَّجدة الرَّكعة -كما مرَّ- لأنَّ الأصل الحقيقة، وإنَّما حملنا لفظ السَّجدة فيما مرَّ أوَّلًا على الرَّكعة للقرينة الصَّارفة عن إرادة الحقيقة إذ لا يُتصوَّر ركعتان في سجدةٍ، وههنا لا ضرورة في الصَّرف عنها، قاله الكِرمانيُّ. واختُلِفَ في استحباب إطالة السُّجود في الكسوف، وصحَّح الرَّافعيُّ عدم إطالته كسائر الصَّلوات، وعليه جمهور أصحاب الشَّافعيِّ، وصحَّح النَّوويُّ التَّطويل، وقال: إنَّه المختار بل الصَّواب، وعليه المحقِّقون من أصحابنا للأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، وقد نصَّ عليه الشَّافعيُّ في مواضع، قال: وعليه فالمختار ما قاله البَغَويُّ: إنَّ السَّجدة الأولى كالرُّكوع الأوَّل، والثَّانية كالثَّاني، وهو مشهور مذهب المالكيَّة.
стр. 2736
(٩) (بابُ) مشروعيَّة (صَلَاةِ الكُسُوفِ جَمَاعَةً. وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (بِهِمْ) أَي: بالقوم، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وصلَّى لهم ابن عبَّاسٍ» (فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ) وصله الإمام الأعظم الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ بلفظ: «كسفت الشَّمس، فصلَّى ابن عبَّاسٍ في صُفَّة زمزم ستَّ ركعاتٍ في أربع سجداتٍ» (وَجَمَّعَ) بتشديد الميم، وفي «اليونينيَّة»: بالتَّخفيف (١) (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) التَّابعيُّ، المدعوُّ بالسَّجَّاد لأنَّه كان يسجد كلَّ يومٍ ألف سجدةٍ، وهو جدُّ الخلفاء العبَّاسيين، وُلِدَ ليلةَ قُتِلَ عليُّ بن أبي طالبٍ، فسُمِّي باسمه، أي: جمع النَّاس لصلاة الكسوف (وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب صلاة الكسوف بالنَّاس، وهذا وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ومراد المؤلِّف بذلك كلِّه الاستشهاد على مشروعيَّة الجماعة في صلاة الكسوف.
стр. 2737
١٠٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمثناة تحتية وسين مهملة مخفَّفةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بنون بعد ألف الوصل ثمَّ خاءٍ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه، ولأبي ذَرِّ في نسخةٍ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «على عهد النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: بالجماعة ليدلَّ على التَّرجمة (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ) وهو يدلُّ على أنَّ القراءة كانت سرًّا، ولذا قالت عائشة كما في بعض الطُّرق عنها: «فحزرتُ قراءته، فرأيت أنَّه قرأ سورة البقرة» وأمَّا قول بعضهم: إنَّ ابن عبَّاسٍ كان صغيرًا، فمقامه آخر الصُّفوف، فلم يسمع القراءة، فحزر المدَّة، فمعارض (١) بأن في بعض طرقه: «قمت إلى جانب النبي ﷺ ، فما سمعت منه حرفًا» ذكره أبو عمر (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من مئة آيةٍ (ثُمَّ رَفَعَ) من الرُّكوع (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من قراءة سورة آل عمران (وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا (٢) من ثمانين آيةً (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من النِّساء (وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من سبعين آيةً (٣) (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) نحوًا من المائدة (وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) نحوًا من خمسين آية (وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) سجدتَين (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) أي: بين جلوسه في التَّشهُّد والسَّلام كما دلَّ عليه قوله في الباب السَّابق: «ثمَّ جلس، ثمَّ جُلِّي عن الشَّمس» [خ¦١٠٥١] (فَقَالَ) بالفاء، وللأَصيليِّ:
стр. 2738
«وقال» (¬ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ) كسوفهما (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَخْسِفَانِ) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ) كذا للأكثر: «تناولْتَ» بصيغة الماضي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «تَناولُ (١)» بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا وضمِّ اللَّام بالخطاب، وللمُستملي: «تتناول» بإثباتها (ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ) بالكافين المفتوحتَين والمهملتَين السَّاكنتَين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «تَكَعْكَعتَ» بزيادة مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ أوَّلَه، أي: تأخَّرتَ، أو تقهقرتَ، وقال أبو عبيدة (٢): كعكعتُه فتكعكعَ وهو يدلُّ على: أنَّ «كعكع (٣)» متعدٍّ، و «تكعكع» لازمٌ، و «كعكع» يقتضي مفعولًا، أي: رأيناك كعكعت نفسَك، ولمسلمٍ: «رأيناك كففت نفسَك» مِن الكفِّ وهو المنع (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فقال» (¬ ﷺ : إِنِّي رَأَيْتُ الجَنَّةَ) أي: رؤيا عينٍ كُشِفَ له عنها، فرآها على حقيقتها، وطُوِيَت المسافة بينهما كبيت المقدس حين (٤) وصفه لقريش، وفي حديث أسماء الماضي في أوائل «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٥] ما يشهد له، حيث قال فيه: «دنت منِّي الجنَّة، حتَّى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطافٍ (٥) من قطافها» أو مَثُلَتْ (٦) له في الحائط كانطباع الصُّور في المرآة، فرأى جميع ما فيها، وفي حديث أنسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في «التَّوحيد» [خ¦٧٢٩٤] ما يشهد له حيث قال فيه: «عُرِضَت عليَّ الجنَّة والنَّار آنفًا في عُرْض هذا الحائط، وأنا أصلِّي»، وفي روايةٍ: «لقد مَثُلَتْ» ولمسلمٍ: «صُوِّرَت»، ولا يقال: الانطباع إنَّما هو في الأجسام الصَّقيلة لأنَّ ذلك
стр. 2739
شرطٌ عاديٌّ، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا له ﷺ (فَتَنَاوَلْتُ) أي: في حال قيامه الثَّاني من الرَّكعة الثَّانية كما رواه سعيد بن منصورٍ من وجهٍ آخر، عن زيد بن أسلم (عُنْقُودًا) منها، أي: من الجنَّة، أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يُقدَّر لي قطفه (وَلَوْ أَصَبْتُهُ) أي: لو تمكَّنت من قطفه، وفي (١) حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة ما يشهد لهذا التَّأويل حيث قال فيه: «أهوى بيده ليتناول شيئًا» (لأَكَلْتُمْ مِنْهُ) أي: من (٢) العنقود (مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) وجه ذلك أنَّه يخلق الله تعالى مكان كلِّ حبَّةٍ تنقطف حبَّةً أخرى كما هو المرويُّ في خواصِّ ثمر الجنَّة، والخطاب عامٌّ في كلِّ جماعةٍ يتأتَّى منهم السَّماع، والأكل إلى يوم القيامة لقوله: «ما بقيت الدُّنيا»، وسبب تركه ﵊ تناول العنقود: قال ابن بطَّالٍ: لأنَّه من طعام الجنَّة وهو لا يفنى، والدُّنيا فانيةٌ لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقال صاحب «المُظْهَرِ»: لأنَّه لو تناوله ورآه النَّاس لكان إيمانهم بالشَّهادة لا بالغيب، فيُخْشى أن يقع رفع التَّوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقال غيره: لأنَّ الجنَّة جزاء الأعمال، والجزاء لا يقع إلَّا في الآخرة (وَأُرِيتُ النَّارَ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء مبنيًّا للمفعول، وأقيم المفعول -الَّذي هو الرَّائي في الحقيقة- مقام الفاعل، و «النَّار» نصبٌ مفعولٌ ثانٍ لأنَّ «أُرِيتُ» مِن الإراءة، وهو يقتضي مفعولَين، ولغير أبي ذرٍّ -
стр. 2740
كما (١) في «الفتح» -: «ورأيت» بتقديم الرَّاء على الهمزة مفتوحتَين، وكانت رؤيته النَّار قبل رؤيته للجنَّة (٢) كما يدلُّ له رواية عبد الرَّزَّاق حيث قال فيها: «عُرِضَت على النَّبيِّ ﷺ النَّار، فتأخَّر عن مصلَّاه حتَّى إنَّ النَّاس لَيركب بعضهم بعضًا، وإذ (٣) رجع عُرِضَت عليه الجنَّة، فذهب يمشي حتَّى وقف في مصلَّاه» ويؤيِّده حديث مسلم حيث قال فيه: «قد جِيء بالنَّار وذلك حين رأيتموني تأخَّرتُ مخافة أن يصيبني من لفحها (٤)»، وفيه: «ثمَّ جِيء بالجنَّة وذلك (٥) حين رأيتموني تقدَّمتُ حتَّى قمتُ مقامي … » الحديث، واللَّام في «النَّار» للعهد، أي: رأيت (٦) نار جهنَّم (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا -كَاليَوْمِ- قَطُّ) «منظرًا» نصبٌ بـ «أَرَ»، و «قطُّ» بتشديد الطَّاء وتخفيفها، ظرفٌ للماضي (٧)، وقوله: (أَفْظَعَ): أقبح وأشنع وأسوأ، صفةٌ للمنصوب، و «كاليوم قَطُّ» اعتراضٌ بين الصِّفة والموصوف، وأدخل كاف التَّشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه، وجوَّز الخطَّابيُّ في: «أفظع» وجهين: أن يكون بمعنى فظيع، كـ «أكبر» بمعنى كبير، وأن يكون «أفعل» تفضيلٍ على بابه على تقديرٍ منه، فصفة (٨) «أَفْعَل» التَّفضيل محذوفةٌ، قال ابن السِّيْد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلًا، وما رأيت كاليوم منظرًا، والرَّجل والمنظر لا يصحُّ أن يُشبَّها باليوم، والنُّحاة تقول: معناه ما رأيت كرجلٍ أراه اليومَ رجلًا، وما رأيت كمنظرٍ رأيته اليومَ منظرًا، وتلخيصه: ما رأيت كرجلٍ اليومَ رجلًا، وكمنظرٍ اليومَ منظرًا،
стр. 2741
فحُذِفَ المضاف وأُقِيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرَّجل والمنظر إلى اليوم لتعلُّقهما به، وملابستهما له باعتبار رؤيتهما فيه. وقال غيره: الكاف هنا: اسمٌ، وتقديره: ما رأيت مثلَ منظر هذا اليوم منظرًا، و «منظرًا» تمييزٌ، ومراده باليوم الوقت الَّذي هو فيه، ذكره الدَّمامينيُّ والبرماويُّ، لكن تعقَّب (١) الدَّمامينيُّ الأخير -وهو قوله: وقال غيره … إلى آخره- بأنَّ اعتباره في الحديث يلزم منه تقدُّم (٢) التَّمييز على عامله، والصَّحيح منعُه، فالظَّاهر في إعرابه أنَّ «منظرًا»: مفعول «أَرَ»، و «كاليومِ»: ظرفٌ مستقرٌّ صفةٌ له، وهو بتقدير مضافٍ محذوفٍ كما تقدَّم، أي: كمنظر اليوم، و «قطُّ»: ظرفٌ لـ «أَرَ»، و «أفظعَ»: حالٌ من اليوم على ذلك التَّقدير، والمفضَّل عليه وجارُه محذوفان، أي: كمنظر اليوم حال كونه أفظعَ من غيره. انتهى. وللحَمُّويي والمُستملي: «فلم أنظر كاليوم قطُّ أفظعَ» (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) استُشكِلَ مع حديث أبي هريرة: «إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً مَن له زوجتان من الدُّنيا، ومقتضاه: أنَّ النِّساء ثلثا أهل الجنَّة»، وأُجيبَ بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهنَّ من النَّار، أو أنَّه خرج مخرج التَّغليظ والتَّخويف، وعُورضَ بإخباره ﵊ بالرُّؤية الحاصلة، وفي حديث جابرٍ: «وأكثر من رأيتُ فيها النِّساء اللَّاتي إِن ائتُمِنَّ أفشين، وإِن سُئِلنَ بخلن، وإن سَأَلن ألحفن، وإن أُعطِين لم يشكرن» فدلَّ على أنَّ المرئيَّ في النَّار (٣) منهنَّ مَن اتَّصف بصفاتٍ ذميمةٍ (قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أصله: بما، بالألف وحُذِفَت تخفيفًا (قال: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟) وللأربعة (٤): «أيكفرن بالله؟» بإثبات همزة الاستفهام (قَالَ) ﵊: (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ) الزَّوج، أي: إحسانه لا ذاته، وعُدِّي الكفر بالله بالباء ولم يُعَدَّ كُفْر العشير بها لأنَّ كفر العشير لا يتضمَّن معنى الاعتراف، ثمَّ فسَّر كفر العشير بقوله: (وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) فالجملة مع الواو مبيِّنةً للجملة الأولى، على طريق: أعجبني زيدٌ وكرمه، وكفرُ الإحسان تغطيتُه (٥) وعدم الاعتراف به، أو جحدُه وإنكاره كما يدلُّ عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ
стр. 2742
الدَّهْرَ كُلَّهُ) عمر الرَّجل، أو الزَّمان جميعه لقصد المبالغة نصبٌ على الظَّرفيَّة (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) قليلًا لا يوافق غرضها في أيِّ شيءٍ كان (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) وليس المراد من قوله: «أحسنْتَ» خطاب رجلٍ بعينه، بل كلُّ مَن يتأتَّى منه الرُّؤية، فهو خطابٌ خاصٌّ لفظًا، عامٌّ معنًى.
(١٠) (بابُ صَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الكُسُوفِ).
١٠٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنِ امْرَأَتِهِ، فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العوَّام (١) (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵂، جدَّة فاطمة وهشام لأبويهما (¬﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ
стр. 2743
عَائِشَةَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق (¬﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء المفتوحة (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «فإذا» (هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ) قائمين فَزِعين؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ) تعني: انكسفت (١) الشَّمس (وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟) أي: علامةٌ لعذاب النَّاس (فَأَشَارَتْ، أَيْ: نَعَمْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْ نعم» بالنُّون بدل الياء (قَالَتْ) أسماء: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي) بالجيم وتشديد اللَّام، أي: غطَّاني (الغَشْيُ) من طول تعب الوقوف، بفتح الغين وسكون الشِّين المعجمتين آخره مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مخفَّفةٌ، وبكسر الشِّين وتشديد المثنَّاة أيضًا (٢): مرضٌ قريبٌ من الإغماء (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي المَاءَ) ليذهبَ الغَشْيُ، وهو يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مجتمعةً، وإلَّا فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من الصَّلاة (حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا وقد» (رَأَيْتُهُ) رؤيا عينٍ (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية (حَتَّى الجَنَّةَُ وَالنَّارَُ) بالرَّفع فيهما على أنَّ «حتَّى» ابتدائية، و «الجنَّةُ» مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: حتَّى الجنَّةُ مرئيَّةٌ، و «النَّارُ» عطفٌ عليه، والنَّصبِ على أنَّها عاطفةٌ، عطفت «الجنَّةَ» على الضَّمير المنصوب في «رأيتهُ»، والجرِّ على أنَّها جارَّةٌ، واستُشكِلَ في «المصابيح» الجرُّ بأنَّه لا وجه له إلَّا العطف على المجرور المتقدِّم، وهو ممتنعٌ لما يلزم عليه من زيادة: «مِنْ» مع المعرفة، والصَّحيحُ منعُه (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة (تُفْتَنُونَ) أي: تُمتحَنون (فِي القُبُورِ مِثْلَ) فتنة (-أَوْ قَرِيبًا مِنْ- فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ) بغير تنوينٍ في: «مثلَ»، وإثباته في: «قريبًا»، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والفوقيَّة، أي: لفظ «مثلَ» أو «قريبًا» (قَالَتْ أَسْمَاءُ: يُؤْتَى أَحَدُكُمْ) في قبره (فَيُقَالُ لَهُ:
стр. 2744
مَا عِلْمُكَ) مبتدأٌ، خبره قوله: (بِهَذَا الرَّجُلِ) محمَّدٍ ﷺ ، ولم يقل: رسول الله لأنَّه يصير تلقينًا (١) لحجَّته (فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أو قال: الموقن» (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ-) الشَّكُّ من فاطمة بنت المنذر (فَيَقُولُ): هو (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) هو (جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) الموصل إلى المراد (فَأَجَبْنَا، وَآمَنَّا) بحذف ضمير المفعول لِلعلم به، أي: قَبِلنا نبوَّته معتقدين مصدِّقين (وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ) حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ) بكسر الهمزة (لَمُوقِنًا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «لمؤمنًا» (وَأَمَّا المُنَافِقُ) الغير المصّدِّق بقلبه لنبوَّته (-أَوِ المُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا) بالمثنَّاة الفوقيَّة بعد التَّحتيَّة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «أيَّهما» بإسقاط الفوقيَّة (قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) قال ابن بطَّالٍ فيما ذكره في «المصابيح»: فيه ذمُّ التَّقليد، وأنَّه لا يستحقُّ اسم العِلم التَّام على الحقيقة، ونازعه ابن المُنيِّر: بأنَّ ما حُكِيَ عن حال هذا المجيب (٢) لا يدلُّ على أنَّه كان عنده تقليدٌ معتبرٌ وذلك لأنَّ التَّقليد المعتبر هو الَّذي لا وهن عند صاحبه، ولا حضور (٣) شكٍّ، وشرْطه أن يعتقد كونه عالمًا، ولو شعر بأنَّ مستنده كون النَّاس قالوا شيئًا فقاله لا نُحِلُّ (٤) اعتقاده، ورجع شَكًّا، فعلى هذا لا يقول المعتقد المصمِّم يومئذٍ: سمعت النَّاس يقولون، لأنَّه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قرَّرنا أنَّه لا يشعر
стр. 2745
بذلك، بل عبارته هنالك -إن شاء الله- مثلها هنا من التَّصميم (١)، وبالحقيقة فلا بدَّ أن يكون للمصمِّم أسبابٌ حَمَلته على التَّصميم غير مجرَّد القول (٢)، وربَّما لا يمكن التَّعبير عن تلك الأسباب كما تقول في العلوم العاديَّة: أسبابها لا تنضبط. انتهى.
(١١) (بابُ مَنْ أَحَبَّ العَتَاقَةَ فِي) حال (كُسُوفِ الشَّمْسِ) بالكاف، و «العَتَاقة» بفتح العين، تقول: عَتَق العبد يعتِق بالكسر، عَتْقًا وعَتَاقًا وعَتَاقةً.
١٠٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولابن عساكر (٣) والأَصيليِّ: «حدَّثني» وللأَصيليِّ: «وحدَّثني» بالواو (٤) (رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى) البصريُّ، المتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته (فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ (قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أمر ندبٍ (بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) بالكاف؛ ليرفع الله بها البلاء عن عباده، ولأبي ذَرٍّ: «بالعتاقة في الكسوف» وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التَّنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظَّاهر الثَّاني لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وإذا كانت من التَّخويف فهي داعيةٌ إلى التَّوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البرِّ، كلٌّ على قَدْر طاقته، ولمَّا كان (٥) أشدُّ ما يُتوقَّع (٦) من التَّخويف النَّار جاء النَّدب بأعلى شيءٍ يتَّقي به النَّار لأنَّه قد جاء: «من أعتق رقبةً مؤمنةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار»، فمَن لم
стр. 2746
يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العامِّ وهو قوله ﵊: «اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ»، ويأخذ من وجوه البرِّ ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة.
(١٢) (بابُ صَلَاةِ الكُسُوفِ فِي المَسْجِدِ).
١٠٥٥ - ١٠٥٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم (بِنْتِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ولأبي الوقت: «ابنة» (عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعدٍ الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا) عطيَّةً (فَقَالَتْ) لها: (أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَائِذًا) أي: أعوذ عياذًا، أو أعوذ حال كوني عائذًا (بِاللهِ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «عائذٌ» بالرَّفع خبرٌ لمحذوفٍ (١)، أي: أنا عائذٌ بالله (مِنْ ذَلِكَ) أي: من عذاب القبر. (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا) بسبب موت ابنه إبراهيم (فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف كـ «مركبًا» (فَرَجَعَ) من الجنازة (ضُحًى) بالتَّنوين، قال في «الصَِّّحاح»: تقول لقيته ضُحًى، و «ضُحى» إذا أردتَ به ضُحَى يومك لم تنوِّنه، ثمَّ بعده
стр. 2747
الضَّحاء ممدودٌ مذكَّرٌ: وهو عند ارتفاع النَّهار الأعلى (فَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ) بفتح النُّون، ولا تقل: ظهرانِيهم، بكسرها، والألف والنُّون زائدتان (١)، و «الحُجَر»: بضمِّ الحاء وفتح الجيم بيوت أزواجه ﵊ وكانت لاصقةً بالمسجد، وعند مسلمٍ من رواية سليمان بن بلالٍ، عن يحيى، عن عمرة: «فخرجت في نسوةٍ بين ظهراني (٢) الحُجَر في المسجد، فأتى النَّبيُّ ﷺ ، من مركبه حتَّى انتهى إلى مصلَّاه الَّذي كان يصلِّي فيه … » الحديث، فصرَّح بكونها في المسجد، ودلَّ على سنِّيَّتها فيه كونه رجع إلى المسجد ولم يصلِّها في الصَّحراء، ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصَّحراء أجدر برؤية الانجلاء، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (فَصَلَّى) صلاة الكسوف (وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ) يصلُّون (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «وقام» (قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) من الرَّكعة الأولى (ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «ثم سجد» (سُجُودًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ) إلى الرَّكعة الثَّانية (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ) من الرَّكعة الأولى (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) من الأولى (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ) من هذه (٣) الثَّانية (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) من هذه الثَّانية، وسقط لأبي ذَرٍّ من قوله «ثمَّ ركع» إلى قوله (ثُمَّ سَجَدَ، وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ) من الرَّكعة الأولى، ونُدِبَ قراءة البقرة بعد الفاتحة، ثمَّ موالياتها في القيامات، كما مرَّ (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة بعد التَّشهد بالتَّسليم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) مِنْ أمْرِه لهم بالصَّدقة والعَتَاقة والذِّكر والصَّلاة (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) لعِظَم هوله، وأيضًا فإنَّ ظلمة الكسوف إذا عمَّت (٤) الشَّمس تناسب ظلمة القبر.
стр. 2748
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ) بالكاف (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا) تنكسف (لِحَيَاتِهِ).
(رَوَاهُ) أي: قوله: «لا تنكسف الشَّمس لموت أحدٍ ولا لحياته» هؤلاء الصَّحابة (أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع ابن الحارث (وَالمُغِيرَةُ) بن شعبة، كما تقدَّم حديثهما في أوَّل «باب الكسوف» [خ¦١٠٤٠] [خ¦١٠٤٣] (وَأَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ، كما سيأتي في الباب التَّالي [خ¦١٠٥٩] (وَابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله، كما تقدَّم في «باب صلاة الكسوف جماعةً» [خ¦١٠٥٢] (وَابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر (١) بن الخطَّاب، كما تقدَّم في الباب الأوَّل [خ¦١٠٤٢] (¬﵃¬).
١٠٥٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان البصريُّ (٢)، وللأَصيليِّ: «يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ الأحمسيِّ (٣) الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٤) الأنصاريُّ البدريُّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ) بالنُّون بعد المثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الكاف (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) لِما كانت الجاهلية تعتقد أنَّهما إنَّما ينخسفان لموت عظيمٍ، والمنجِّمون يعتقدون تأثيرهما في العالم، وكثيرٌ من الكفرة يعتقد (٥) تعظيمهما لكونهما أعظم
стр. 2749
الأنوار، حتَّى أفضى الحال إلى أَنْ عَبَدهما كثيرٌ منهم، خصَّهما ﷺ بالذِّكر تنبيهًا على سقوطهما عن هذه المرتبة لِمَا يعرض لهما من النَّقص وذهاب ضوئهما الَّذي عُظِّما في النِّفوس من أجله (١)، وسقط للأربعة لفظ «ولا لحياته» وقد مرَّ أنَّه من باب التَّتميم، وإلَّا فلم يدَّع أحدٌ أنَّ الكسوف لحياة أحدٍ (وَلَكِنَّهُمَا) أي: كسوفهما (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بالتَّثنية، ولأبي ذَرٍّ: «رأيتموها» بالإفراد، أي: كسفة أحدهما (فَصَلُّوا).
١٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، كلاهما (عَنْ عُرْوَةَ) أبي هشامٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: زمنه (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ) صلاة الكسوف (فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع قائمًا (فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، وَهْيَ) أي: القراءة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «وهو» أي: القيام، أو المقروء (دُونَ قِرَاءَتِهِ (٢) الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) وهو (دُونَ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) قائمًا (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،
стр. 2750
ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور من الركوعين وطوّلهما وطوَّل القراءة في القيامين، ثمَّ انصرف من صلاته (ثُمَّ قَامَ) خطيبًا (فَقَالَ) بعد الحمد والثَّناء: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ) بفتح أوَّله وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) فيجب تكذيب من زعم أنَّ الكسوف (١) علامة على موت أحدٍ أو حياته (وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ) ليتفرَّغوا لعبادته ويتقرَّبوا إليه بأنواع قرباته؛ ولذا قال: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا) بفتح الزَّاي، أي: فالجؤوا (إِلَى الصَّلَاةِ) وغيرها من الخيرات كالصَّدقة وفكِّ الرِّقاب لأنَّها تقي أليم العذاب.
(١٤) (بابُ الذِّكْرِ فِي الكُسُوفِ. رَوَاهُ) أي: الذِّكر عند كسوف الشَّمس (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) عن النَّبيِّ ﷺ كما سبق في «صلاة كسوف الشَّمس جماعةً» [خ¦١٠٥٢] ولفظُه: «فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله».
١٠٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (عَنْ بُرَيْدِ) (٢) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بردةَ بن أبي موسى الأشعريِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث بن أبي موسى (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا) بكسر الزَّاي صفةٌ مشبَّهةٌ، أو
стр. 2751
بفتحها مصدرٌ بمعنى الصِّفة، أو مفعولٌ لمقدَّرٍ (يَخْشَى) أي: يخاف (أَنْ تَكُونَ) في موضع نصبٍ مفعول «يخشى» (السَّاعَةُ) رفعٌ على أنَّ «تكون» تامَّةٌ، أو على أنَّها ناقصةٌ والخبر محذوفٌ، أي: أن تكون السَّاعة قد حضرت، أو نصبٌ على أنَّها ناقصةٌ واسمها محذوفٌ، أي: تكون هذه الآيةُ السَّاعة، أي: علامة حضورها، واستُشكِلَ هذا لكون (١) السَّاعة لها مقدِّماتٌ كثيرةٌ لم تكن وقعت كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثمَّ الأشراط كطلوع الشَّمس من مغربها، والدَّابة، والدَّجال، والدُّخان، وغير ذلك، وأُجيبَ باحتمال أن يكون هذا قبل أن يُعْلِمَه الله تعالى بهذه العلامات (٢)، فهو يَتوقَّع السَّاعة في (٣) كلِّ لحظةٍ. وعُورِضَ بأنَّ قصَّة الكسوف متأخِّرةٌ جدًّا، فقد تقدَّم أنَّ موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتَّفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ بكثير من الأشراط (٤) والحوادث قبل ذلك، وقيل: هو من باب التَّمثيل من الرَّاوي كأنَّه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فهو ﷺ عالمٌ بأنَّ السَّاعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، أو أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الخشية لذلك لقرينةٍ قامت عنده، لكن لا يلزم من ظنِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ خشي ذلك حقيقةً، قال في «المظهر»: لم يعلم أبو موسى ما في قلبه ﷺ . انتهى. وأُجِيبَ بأنَّ تحسين الظَّنِّ بالصَّحابيِّ يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلَّا بتوقيفٍ، وقيل: إنَّه ﵊ جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمَّته أنَّه إذا وقع لهم ذلك كيف يخشون (٥) ويفزعون إلى ذكر الله والصَّلاة والصَّدقة ليدفع عنهم البلايا (فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ) بدون كلمة «ما»، و «قَطُّ» بفتح القاف وضمِّ الطَّاء، لكن لا يقع «قَطُّ» إلَّا بعد الماضي المنفيِّ، فحرف النَّفي هنا مقدَّر كقوله تعالى: ﴿(٦) تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجُّعًا، فحذف «لا»، أو أنَّ لفظ «أطول» فيه معنى عدم المساواة، أي: بما لم يساوِ قَطُّ قيامًا رأيته يفعله، أو «قَطُّ» بمعنى حَسْبُ، أي: صلَّى في ذلك اليوم فحسب بأطول
стр. 2752
قيامٍ رأيته يفعله، أو تكون بمعنى «أبدًا» لكن إذا كانت بمعنى «حسب» تكون القاف مفتوحةً والطَّاء ساكنةً، قال في «المصابيح»: وموضع «رأيته» جرٌّ على الصَّفة؛ إمَّا للمعطوف الأخير وهو «سجود»، وإمَّا للمعطوف عليه أولًا وهو «قيامٍ»، وحَذَف «رأيته» من الأوَّل الَّذي هو القيام؛ لدلالة الثَّاني، أو بالعكس، قال: وإنَّما قلنا ذلك لأنَّه ليس في هذه الجملة ضميرُ غَيبةٍ إلَّا ما هو للواحد المذكَّر (١)، وقد تقدَّمت ثلاثة أشياء، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون معادًا له، وضمير الغَيبة في «رأيته» يحتمل عوده على النَّبيِّ ﷺ ، كما أنَّ فاعل «يفعله» يعود الضَّمير عليه، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب مِن (٢) «يفعله»، فإن قلت: لِمَ لم تُجعل الجملة صفةً لأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، و «أطول» مفردٌ مذكَّرٌ يصحُّ عود الضَّمير المذكَّر عليه، ولا حاجة إلى الحذف إذن؟ قلت: لأنَّه يلزم أن يكون المعنى: أنَّه فعل في قيام الصَّلاة لكسوف الشَّمس وركوعها وسجودها مثلَ أطول شيءٍ كان يفعله في ذلك في غيرها من الصَّلوات، ولم يفعل طولًا زائدًا على ما عهد منه في سواها، وليس كذلك، اللَّهم إلَّا أن يكون صلَّى قبل هذه المرَّة (٣) لكسوفٍ آخر، فيصدق حينئذٍ أنَّه فعل مثلَ أطول شيءٍ (٤) كان يفعله، لكنَّه يحتاج إلى ثبتٍ فحرَّره. انتهى. قلت: في «أوائل الثِّقات» لابن حبَّان: إنَّ الشَّمس كسفت في السَّنة السَّادسة، فصلَّى ﵊ صلاة الكسوف، وقال: «إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله (٥) … » الحديثَ، ثمَّ كسفت في السَّنة العاشرة يوم مات (٦) ابنه إبراهيم (وَقَالَ)
стр. 2753
﵊: (هَذِهِ الآيَاتُ) أي: ككسوف (١) النَّيِّرين والزَّلزلة وهبوب الرِّيح الشَّديدة (الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ) أي: بالكسوف، وللأربعة (٢): «بها» أي: بالكسفة أو الآيات (عِبَادَهُ) قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ) بفتح زاي «افزَعوا» وللحَمُّويي والمُستملي: «إلى ذكر الله (٣)» وهذا موضع التَّرجمة كما (٤) لا يخفى (وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ).
(١٥) (بابُ الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ) كذا بالخاء، وعزاه الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ وأبي الوقت، وفي الفرع وأصله (٥) عن أبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «في (٦) الكسوف» بالكاف (قَالَهُ) أي: الدُّعاء فيه (أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ في حديثه السَّابق قريبًا [خ¦١٠٥٩] (وَعَائِشَةُ) في حديثها الآتي -إن شاء الله تعالى- في الباب الآتي (٧) [خ¦١٠٤٤] (¬﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
١٠٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة الثَّقفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) بكسر العين وبالقاف، الثَّعلبيُّ، بالمثلَّثة
стр. 2754
ثمَّ المهملة، الكوفيُّ، وللأَصيليِّ: «عن زياد بن عِلاقة» (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) الثَّقفيَّ المتوفَّى سنة خمسين عند الأكثر ﵁ حال كونه (يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ ساكنةٍ بعد ألف الوصل ثمَّ كافٍ (يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ) ابنه ﵊ (فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ (١) لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) رادًّا عليهم: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) مخلوقتان (٢) له، لا صنع لهما (لَا يَنْكَسِفَانِ) بنونٍ بعد المثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ كافٍ (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) بضمير التَّثنية، أي: الشَّمس والقمر باعتبار كسوفهما، وللحَمُّويي والمُستملي: «فإذا (٣) رأيتموها» بالإفراد، أي: الآية (فَادْعُوا اللهَ) ولأبي داود من حديث أُبيِّ بن كعبٍ: «ثمَّ جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو» وقد ورد الأمر بالدُّعاء أيضًا في (٤) حديث أبي بكرة وغيره كما هنا، وقد حمله بعضهم على الصَّلاة لكونه كالذِّكر من أجزائها، والأوَّل أَولى لأنَّه جمع بينهما في حديث أبي بكرة كما هنا حيث قال: (وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة لأبي ذَرٍّ، أي: يصفو، وفي الفرع: «تنجلي» بالفوقيَّة من غير عَزْوٍ، وعند سعيد بن منصورٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: «فاذكروا الله، وكبِّروه، وسبِّحوه، وهلِّلوه» وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ.
(١٦) (بابُ قَوْلِ الإِمَامِ فِي خُطْبَةِ الكُسُوفِ: أَمَّا بَعْدُ) هي من الظُّروف المقطوعة المبنيَّة على الضَّمِّ.
١٠٦١ - (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ ممَّا ذكره موصولًا مطوَّلًا (٥) في «كتاب الجمعة» [خ¦٩٢٢]: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن عروة بن الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بتاء التَّأنيث
стр. 2755
والإفراد (فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العوَّام، ووقع عند ابن السَّكن: «حدَّثنا (١) هشامٌ، عن عروة بن الزُّبير، عن فاطمة»، قال الجيانيُّ: وهو وهمٌ، والصَّواب حذفُ عروة بن الزُّبير، لكن اعتذر الحافظ ابن حجرٍ عن ابن السَّكن: باحتمال أنَّه كان عنده هشام بن عروة بن الزُّبير، فَتُصُحِّفَت من النَّاسخ فصارت: عن، وإلَّا فابن السَّكن من كبار الحفَّاظ. انتهى. (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ (قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من الصَّلاة (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ) ﵊ (فَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) ليفصل بين الحمد السَّابق وبين ما يريده من الموعظة والإعلام بما ينفع السَّامع، وقد قال أبو جعفر النَّحاس عن سيبويه: إنَّ معنى «أمَّا بعد»: مهما يكن مِن شيءٍ بعدُ (٢).
(١٧) (بابُ) مشروعيةِ (الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ القَمَرِ) بالكاف.
١٠٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) المروزيُّ، وللأَصيليِّ: «محمود بن غَيْلان» بفتح الغين المعجمة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) بكسر العين بعد السِّين، الضُّبعيُّ -بضمِّ الضَّاد المعجمة وفتح الموحَّدة- البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ يُونُسَ) ابن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث (¬﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ بعد الألف وبالكاف (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت
стр. 2756
والأَصيليِّ: «على عهد النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بزيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ منهما كما مرَّ. واعترضَ الإسماعيليُّ على المؤلِّف بأنَّ هذا الحديث لا مدخل له في هذا الباب لأنَّه لا ذكر للقمر فيه، لا بالتَّنصيص ولا بالاحتمال، وأُجِيبَ بأنَّ ابن التِّين ذكر أنَّ في رواية الأَصيليِّ في هذا الحديث: «انكسف القمر» بدل قوله: «الشَّمس»، لكن نُوزِعَ في ثبوت ذلك، وحينئذ فيجاب: بأنَّ هذا الحديث مختصرٌ من الحديث اللَّاحق له، فأراد المؤلِّف أن يبيِّن (١) أنَّ المختصر بعض المطوَّل، والمطوَّل يُؤخَذ منه المقصود كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وقد روى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: «انكسفت الشَّمس أو القمر»، وفي رواية هشيم (٢): «انكسفت الشَّمس والقمر».
١٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، عبد الله بن عمرو المقعد المِنْقَرِيُّ، بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع بن الحارث ﵁ (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء المفتوحة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ) لكونه مستعجلًا (حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ) بالمثلَّثة، أي: اجتمعوا إليه (فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) بزيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ (فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ بعد الألف (فَقَالَ) ﵊: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الخاء وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» (٣): «ولا لحياته» (وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذَرٍّ: «فإذا» (كَانَ ذَاكَ) أي: الكسوف فيهما،
стр. 2757
وللأربعة (١): «ذلك» باللَّام (فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ) بضمِّ أوَّله وفتح الشِّين، وفي روايةٍ: «حتَّى (٢) يَنْكَشِفَ» بفتح أوَّله وزيادة نونٍ ساكنةٍ وكسر الشِّين، غايةٌ لمقدَّرٍ (٣)، أي: صلُّوا مِن (٤) ابتداء الخسوف منتهين، إمَّا إلى الانجلاء، أو إحداث الله أمرًا، وهذا موضع التَّرجمة؛ إذ أمر بالصَّلاة بعد قوله: «إنَّ الشَّمس والقمر … »، وعند ابن حبَّان من طريق نوح بن قيسٍ عن يونس بن عبيدٍ في هذا الحديث: «فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلُّوا … » وهو أدخل في الباب من قوله هنا: «فإذا كان ذلك … » لأنَّ الأوَّل نصٌّ، وهذا محتملٌ لأن تكون الإشارة عائدةً إلى كسوف الشَّمس، لكنَّ الظَّاهر عود ذلك إلى خسوفهما معًا، وأَصْرَح من ذلك ما وقع في حديث أبي مسعودٍ السَّابق: «كسوف أيِّهما انكسف» [خ¦١٠٤١]، وعند ابن حبَّان من طريق النَّضر بن شميلٍ عن أشعث بإسناده في هذا الحديث: «صلَّى في كسوف الشَّمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم … » وفيه ردٌّ على مَن أطلق -كابن رُشَيدٍ-: أنَّه ﷺ لم يصلِّ فيه، وأَوَّلَ بعضُهم قوله: «صلَّى» أي: أمر بالصَّلاة جمعًا بين الرِّوايتَين، وذكر صاحب «جمع العدَّة»: أنَّ خسوف القمر وقع في السَّنة الرَّابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنَّه ﷺ جمع له النَّاس للصَّلاة، وقال صاحب «الهدى»: لم يُنقل أنَّه صلَّى في كسوف القمر في جماعةٍ، لكن حكى ابن حبَّان في «السِّيرة» له (٥): أنَّ القمر خسف في السَّنة الخامسة، فصلَّى النَّبيُّ ﷺ بأصحابه الكسوف، فكانت أوَّل صلاة كسوفٍ في الإسلام، قال في «فتح الباري»: وهذا إن ثبت انتفى التَّأويل المذكور. وقال مالكٌ والكوفيُّون: يصلَّى في كسوف القمر فرادى ركعتين كسائر النَّوافل، في كلِّ ركعةٍ ركوعٌ واحدٌ وقيامٌ واحدٌ، ولا يُجمَع لها، بل يصلُّونها أفرادًا إذ لم يَرِد (٦) أنَّه ﵊ صلَّاها في جماعةٍ، ولا دعا إلى ذلك، ولأشهب جواز الجمع، قال اللَّخميُّ: وهو أبين، والمذهب: أنَّ النَّاس يصلُّونها في بيوتهم، ولا يكلَّفون الخروج لئلَّا يشقَّ ذلك عليهم
стр. 2758
(وَذَاكَ) وللأربعة: «وذلك» باللَّام (أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَ، يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «في ذلك» باللَّام أي: قالوا ما كانوا يعتقدونه من أنَّ النَّيِّرَين يوجبان تغيُّرًا في العالم من موتٍ وضررٍ، فأعلمَ ﷺ أنَّ ذلك باطلٌ.
(١٨) (باب الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي الكُسُوفِ أَطْوَلُ) من الثَّانية، والثَّانية (١) أطول من الثَّالثة، وهي أطول من الرَّابعة، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب الرَّكعة في الكسوف تُطَوَّل».
١٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مَحْمُودٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «محمود بن غيلان» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بن عبد الله الزُّبيريُّ الأسديُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّةِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) بالكاف (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي سَجْدَتَيْنِ) أي: ركعتين (الأَوَّلُ الأَوَّلُ) (٢) بفتح الهمزة فيهما وتشديد الواو، وفي نسخةٍ: «الأوَّل (٣) فالأوَّل» بالفاء، أي: الرُّكوع الأوَّل (٤) (أَطْوَلُ) من الثَّاني، قال ابن بطَّال: لا خلاف أنَّ الرَّكعة الأولى بقيامَيها وركوعَيها أطولُ من الرَّكعة الثَّانية بقيامَيها وركوعَيها، واتَّفقوا على أنَّ القيام الثَّاني وركوعه فيهما أقصرُ من القيام الأوَّل وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأوَّل من الثَّانية وركوعه، وسببُ هذا الخلاف فهمُ معنى قوله: «وهو دون القيام الأوَّل» هل المرادُ به الأوَّلُ من
стр. 2759
الثَّانية، أو يَرجع إلى الجميع، فيكون كلُّ قيامٍ دون الَّذي قبله؟ ورواية الإسماعيليِّ تعيِّن هذا الثَّاني، ويرجِّحه أيضًا أنَّه لو كان المراد من قوله: القيام الأوَّل، أوَّل قيامٍ من الأُولى فقط لكان القيام الثَّاني والثَّالث مسكوتًا عن مقدارهما، فالأوَّل أكثر فائدةً، قاله في «فتح الباري». وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر كما في فرع «اليونينيَّة» -وعزاها في «فتح الباري» لرواية الإسماعيليِّ-: «الأُولى فالأُولى» بضمِّ الهمزة فيهما، أي: الرَّكعة الأولى أطول من الثَّانية، ووقع في رواية المُستملي: «باب صبِّ المرأة على رأسها الماء إذا أطال الإمام القيام في الرَّكعة الأولى» بدل قوله: «الرَّكعة الأولى في الكسوف أطول» الثَّابت (١) في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، والظَّاهر: أنَّ المصنِّف ترجم لها، وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتَّفق، فضمَّ بعضُهم الكتابة بعضَها إلى بعضٍ، فوقع الخَلْط، ووقع في رواية أبي عليِّ بن شَبُّويه، عن الفَِرَبْريِّ (٢): أنَّه ذكر «باب صبِّ المرأة» أوَّلًا، وقال في الحاشية: ليس فيه حديثٌ، ثمَّ ذكر: «باب الرَّكعة الأولى أطول» وأورد فيه حديث عائشة هذا، وكذا في «مستخرج الإسماعيليِّ»، قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا فالَّذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذرٍّ من اقتصار بعضهم على إحدى التَّرجمتين ليس بجيِّدٍ، أمَّا من اقتصر على الأولى (٣) -وهو المُستملي- فخطأٌ محضٌ إذ لا تعلُّق لها بحديث عائشة، وأمَّا الآخران فمن حيث إنَّهما حذفا التَّرجمة أصلًا، وكأنَّهما استشكلاها فحذفاها، وكذا (٤) حُذِفت من رواية كريمة أيضًا عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وكذا من رواية الأكثر.
(١٩) (بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي) صلاة (الكُسُوفِ) بالكاف.
стр. 2760
١٠٦٥ - ١٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ) بكسر الميم، الجَمَّال -بالجيم- الرَّازيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ابن مسلم» (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، عبد الرَّحمن الدِّمشقيِّ، وثَّقه دحيم و (١) الذُّهليُّ وابن البرقيِّ، وضعَّفه ابن معين لأنَّه لم يروِ عنه غيرُ الوليد، وليس له في «الصَّحيحين» غيرُ هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيُّ وغيره أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزَّهريَّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت: (جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ) بالخاء (بِقِرَاءَتِهِ) حمل الشَّافعيَّة والمالكيَّة وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء هذا الإطلاق على صلاة خسوف القمر لا الشَّمس لأنَّها نهاريَّة، بخلاف الأولى فإنَّها ليليَّةٌ، وتُعقِّبَ بأنَّ الإسماعيليَّ روى حديث الباب من وجهٍ آخَر عن الوليد بلفظ: «كسفت الشَّمس في عهد رسول الله ﷺ … »
стр. 2761
فذكر الحديثَ، واحتجَّ الإمام الشَّافعيُّ بقول ابن عبَّاسٍ: «قرأ نحوًا من قراءة سورة البقرة» لأنَّه لو جهر لم يحتج إلى التَّقدير، وعُورِض باحتمال أن يكون بعيدًا منه، وأُجِيبَ بأنَّ الإمام الشَّافعيَّ ذكر تعليقًا عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّه صلَّى بجنب النَّبيِّ ﷺ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا» ووصله البيهقيُّ من ثلاثة طرقٍ أسانيدها واهيةٌ، وأُجِيبَ -على تقدير صحَّتها- بأنَّ مثبِتَ الجهر معه قدرٌ زائدٌ، فالأخذ به أَولى، وإن ثبت التَّعدُّد فيكون ﵊ فعل ذلك لبيان الجواز، قال ابن العربيِّ: والجهر عندي أَولى لأنَّها صلاةٌ جامعةٌ، يُنادى لها ويُخطَب، فأشبهت العيد والاستسقاء، وقال أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وأحمد بن حنبل: يجهر فيها، وتمسَّكوا بهذا الحديث (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو (ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على «أربعَ» السَّابق.
(وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عَمرو، هو معطوفٌ على قوله: «حدَّثنا ابن نَمِرٍ» لأنَّه مقول الوليد (وَغَيْرُهُ) أي: وقال غيرُ الأوزاعيِّ أيضًا: (سَمِعْتُ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ) فيما وصله مسلمٌ، عن محمَّد بن مهران، عن الوليد بن مسلمٍ، حدَّثنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ) بفتح الخاء المعجمة والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا) يقول: (الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ، أي: احضُروا الصَّلاة حال كونها جامعة (١)، ورُوِيَ برفعهما مبتدأٌ وخبرٌ (٢)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مناديًا بالصَّلاةَُ جامعةًٌ» بإدخال الموحَّدة (٣) مع الوجهين على الحكاية (فَتَقَدَّمَ) ﵊ (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) بنصب «أربعَ» عطفًا على السَّابق، وليس في رواية الأوزاعيِّ تصريحٌ بالجهر. نعم ثبت الجهر في روايته (٤) عند أبي داود والحاكم بلفظ: «قرأ قراءةً طويلةً فجهر بها» (قَالَ الوَلِيد) ثبت: «قال الوليد»
стр. 2762
في نسخةٍ (١): (وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ) بكسر الميم بعد النُّون المفتوحة بكذا، وأخبرني أنَّه (سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهريَّ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث الأوَّل (قَالَ الزُّهْرِيُّ) ابن شهابٍ: (فَقُلْتُ) لعروة: (مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ؟) برفع «عبدُ الله» عطف بيانٍ لقوله: «أخوك» المرفوع على الفاعليَّة لـ «صنع» (٢)، والإشارة في قوله: «ذلك» لفعل أخيه المشار إليه بقوله: (مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ) أي: حين (صَلَّى بِالمَدِينَةِ) النَّبويَّة في الكسوف بركعتين (قَالَ: أَجَلْ) بفتح الجيم وسكون اللَّام، أي: نعم (إِنَّهُ) بكسر الهمزة، للابتداء (أَخْطَأَ السُّنَّةَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قال (٣): من أجل أنَّه» بسكون الجيم وفتح الهمزة للإضافة (تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ نَمِرٍ (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) فيما وصله التِّرمذيُّ (وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ، بالموحَّدة السَّاكنة فيما وصله أحمد (عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ) وسفيان وسليمان ضعيفان، لكن تابعهما على ذكر الجهر عن الزُّهريِّ عُقَيلٌ عند الطَّحاويِّ، وإسحاق بن راشدٍ عند الدَّارقُطنيِّ وغيرهما، فاعتضدا وقَويَا، ولله الحمد.
стр. 2763
((١٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم أبوابُ سجودِ القرآن) كذا للمُستملي، وسقطت البسملة لأبي ذَرِّ، ولغير المُستملي: «باب ما جاء في سجود القرآن» (وسنَّتها) بتاء التَّأنيث، أي: سجدة التَّلاوة، وللأَصيليِّ: «وسنَّته» بتذكير الضَّمير مع تاء التَّأنيث، أي: سنَّة السُّجود، وهي من السُّنن المؤكَّدة عند الشَّافعيَّة لحديث ابن عمر عند أبي داود والحاكم: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسَّجدة كبَّر وسجد، وسجدنا معه» وقال المالكيَّة: وهل هي سنَّةٌ أو فضيلةٌ؟ قولان مشهوران، وقال الحنفيَّة: واجبةٌ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ومطلق الأمر للوجوب، ولنا: «أنَّ زيد بن ثابتٍ قرأ على النَّبيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد» رواه الشَّيخان [خ¦١٠٧٢]، وقول عمر: «أُمِرنا بالسُّجود -يعني: للتِّلاوة- فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه» رواه البخاريُّ [خ¦١٠٧٧]، ووردت في القرآن في خمسةَ عشرَ موضعًا لحديث عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم بإسنادٍ حسنٍ: «أقرأني رسول الله ﷺ خمسَ عشرةَ سجدةً في القرآن، منها: ثلاثٌ في المفصَّل، وفي الحَجِّ سجدتان»، واتَّفقت الشَّافعيَّة والحنفيَّة على السُّجود في أربعَ عشرةَ منها، إلَّا أنَّ الشَّافعية قالوا: في الحجِّ سجدتان، وليس سجدة (١) «ص» سجدة تلاوة، والحنفيَّة عدُّوها لا ثانية الحجِّ، فيسجد في الأعراف عقب آخرها [الأعراف: ٢٠٦]
стр. 2764
وفي (١) الرَّعد عَقِب: ﴿وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وفي الإسراء: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وفي مريم: ﴿وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وأُولى الحجِّ: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ [الحج: ١٨] وثانيتها: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وفي النمل: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وعند الحنفيَّة: ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] وألم السجدة: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] و ﴿ص﴾: ﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] وفصلت: ﴿يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] وعند المالكيَّة: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وآخر النَّجم، والانشقاق (٢): ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] والعَلَق آخرها [العلق: ١٩] فلو سجد قبل تمام الآية ولو بحرف لم يصح لأنَّ وقتها إنَّما يدخل بتمامها، والمشهور عند المالكيَّة -وهو القول القديم للشَّافعيِّ-: إنَّها أحد عشر، فلم يعدُّوا ثانية الحجِّ ولا ثلاثة (٣) المفصَّل لحديث: لم يسجد النَّبيُّ ﷺ في شيءٍ من المفصَّل منذ تحوَّل إلى (٤) المدينة، وأُجِيبَ بأنَّه ضعيفٌ ونافٍ، وغيره صحيحٌ ومثبِتٌ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: «سجدنا مع النَّبيِّ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]» وكان إسلام أبي هريرة سنة سبعٍ من الهجرة. انتهى.
١٠٦٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، بندار البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال المهملة، محمَّد بن جعفرٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ، واسمه: عمرو بن عبد الله الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ) بن يزيد النَّخعيَّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، قَالَ:
стр. 2765
قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ) أي: سورتها حال كونه (بِمَكَّةَ، فَسَجَدَ فِيهَا) أي: في آخرها (وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ) هو أميَّة بن خلفٍ كما يأتي في سورة النَّجم -إن شاء الله تعالى- أو الوليد بن المغيرة، أو عتبة بن ربيعة، أو أبو أُحَيْحَة سعيد بن العاصي، أو أبو لهبٍ، أو المطَّلب بن أبي وداعة، والأوَّل أصحُّ (أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ) وفي «سورة النَّجم» [خ¦١٠٢٠]: «فسجد عليه» (وَقَالَ: يَكْفِينِي) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة أوَّل «يَكفيني» (هَذَا) قال عبد الله بن مسعود: (فَرَأَيْتُهُ) أي: الشَّيخ المذكور (بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) أي: ببدرٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بعدُ قُتِلَ كافرًا». فإن قلت: لِمَ بدأ المؤلِّف بالنَّجم؟ أُجِيبَ لأنَّها (١) أوَّل سورةٍ أنزلت فيها سجدةٌ، كما عند المؤلِّف في رواية إسرائيل [خ¦٤٨٦٣]، وعُورِضَ بأنَّ الإجماع بأنَّ سورة ﴿اقْرَأْ﴾ أوَّل ما نزل، وأُجِيبَ بأنَّ السَّابق مِن «اقرأ» أوائلها، وأمَّا بقيَّتها فبعد ذلك، بدليل قصَّة أبي جهلٍ في نهيه النَّبيَّ ﷺ عن الصَّلاة.
ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الرَّجل عن زوج أمِّه لأنَّ غندرًا ابن امرأة شعبة، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في هذا الباب [خ¦١٠٧٠] وفي «مبعث النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٨٥٣] و «المغازي» [خ¦٣٩٧٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٦٣]، وأبو داود والنَّسائيُّ فيه أيضًا.
(٢) (بابُ سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةُِ) بالجرِّ على الإضافة، وبالرَّفع على الحكاية.
стр. 2766
١٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ، قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هُرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) في الرَّكعة الأولى بعد الفاتحة (﴿الم. تَنزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ) بضمِّ اللَّام على الحكاية، والسَّجدة نصبٌ عطفُ بيانٍ (وَ) في الثَّانية (﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]) ولم يصرِّح بالسُّجود هنا. نعم في «المعجم الصَّغير» للطَّبرانيِّ بإسنادٍ ضعيفٍ من حديثٍ عليٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد في صلاة الصُّبح في ﴿تَنزِيلُ﴾ السَّجدة».
ورواة حديث الباب ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وسبقت مباحثه في «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩١].
(٣) هذا (١) (بابُ) حكم (سَجْدَةِ) سورة (﴿ص﴾).
١٠٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخرُه موحَّدةٌ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي الوقت وللأَصيليِّ: «حمَّاد بن زيدٍ» ولأبي ذَرٍّ: «هو ابن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ): السُّجود في سورة (﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي: ليست من المأمور بها، والعزم في الأصل: عقدُ القلب على الشَّيء، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ أمرٍ محتومٍ، وفي الاصطلاح: ضدُّ الرُّخصة، وهي ما ثبت على خلاف الدَّليل لعذرٍ (وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) موافقةً لأخيه داود -صلوات الله وسلامه عليهما- وشكرًا لقبول توبته، وللنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ، قال: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد في ﴿ص﴾»، وقال:
стр. 2767
«سجدها داود توبةً، ونسجدها شكرًا»، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاريِّ: خطبَنا النَّبيُّ ﷺ يومًا، فقرأ «ص»، فلمَّا مرَّ بالسُّجود تَشَزَّنَّا -بتشديد الزَّاي والنُّون-، أي: تهيَّأنا له، فلمَّا رآنا قال: «إنَّما هي توبةُ نبيٍّ، ولكن قد استعددتم للسُّجود» فنزل وسجد، فيُستحَبُّ السُّجود لـ «ص» في غير الصَّلاةِ لما ذكر، ويحرم فيها لأنَّ سجود الشُّكر لا يُشرَع داخل الصَّلاة، فإنْ سجد (١) فيها عامدًا (٢) عالمًا بتحريمها بطلت صلاته، بخلاف فعلها سهوًا أو جهلًا للعذر، لكنَّه يسجد للسَّهو، ولو سجدها إمامه باعتقادٍ منه كحنفيٍّ لم يتبعه بل يفارقه، أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره لا يسجد للسَّهو على الأصحِّ، قال في «الرَّوضة»: لأنَّ المأموم لا سجود لسهوه، أي: لا سجود عليه في فعلٍ يقتضي سجود السَّهو لأنَّ الإمام يتحمَّله عنه، فلا يسجد لانتظاره، ووجه السُّجود: أنَّه يعتقد أنَّ إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وأنَّ سجود السَّهو توجَّه عليهما، فإذا لم يسجد الإمام سجد المأموم، ذكره في «المجموع» وغيره، ووقع عند المؤلِّف في «تفسير سورة ص» من طريق مجاهدٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ: من أين سجدت؟ فقال: أوَما تقرأ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ … ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾؟ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] ففي هذا (٣) أنَّه استنبط مشروعيَّة السُّجود فيها
стр. 2768
من الآية، وفي حديث الباب أنَّه أخذه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا تعارضَ بينهما لاحتمال أن يكون استفاد (١) من الطَّريقين، وزاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٢] من طريق مجاهدٍ أيضًا (٢): «فقال ابن عبَّاسٍ: نبيُّكم ممَّن أمر أن يُقتدى بهم» فاستنبط منه وجه سجود النَّبيِّ ﷺ فيها من الآية، والمعنى: إذا كان نبيُّكم مأمورًا بالاقتداء بهم فأنت أَولى، وإنَّما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة، وهي نعمةٌ ليس وراءها نعمةٌ، فيجب عليه الشُّكر لذلك.
وفي الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٢]، وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٤) (بابُ سَجْدَةِ) سورة (النَّجْمِ. قَالَهُ) أي: روى السُّجود في سورة النَّجم (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سيأتي في الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦١٠٧١].
١٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «فسجد (٣) فيها» أي: لمَّا فرغ من قراءتها (فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ) الَّذين اطَّلع عليهم
стр. 2769
عبد الله بن مسعودٍ (إِلَّا سَجَدَ) معه ﵊ (فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) الحاضرين: أميَّة بن خَلَفٍ، أو غيره (كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ) شكَّ الرَّاوي (فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) بفتح أوَّل (١) يكفيني.
(فَلَقَدْ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت والأَصيليُّ: «قال عبد الله» أي: ابن مسعودٍ: «فلقد» (رَأَيْتُهُ) أي: الرَّجل (بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا) فيه: أنَّ من سجد معه من المشركين أسلم.
(٥) (بابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ) وفي نسخة: «سجدة المسلمين» (٢) (مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ) بفتح الجيم (لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ) صحيح لأنَّه ليس أهلًا للعبادة (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يَسْجُدُ) في غير الصَّلاة (عَلَى غَير وُضُوءٍ) لم يوافقه أحدٌ عليه لأنَّ السُّجود في معنى الصَّلاة، فلا يصحُّ إلَّا بالوضوء، أو بدله بشروطه. نعم وافق ابنَ عمر الشُّعبيُّ فيما رواه ابن أبي شيبة عنه بسندٍ صحيحٍ، واعترض على التَّرجمة بأنَّه إن أراد المؤلِّف الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجَّة فيه لأنَّ سجوده لم يكن للعبادة، وإن أراد الرَّدَّ على ابن عمر بقوله: «والمشرك نجسٌ» فهو أَشبَه بالصَّواب، وفي رواية الأَصيليِّ: «يسجد (٣) على وضوءٍ» فأسقط لفظ «غير»، والأَولى إثباتها (٤) لانطباق تبويب المصنِّف واستدلاله عليه، ويؤيِّده ما عند ابن أبي شيبة: «أنَّ ابن عمر كان ينزل عن راحلته فيريق (٥) الماء، ثمَّ يركب، فيقرأ السَّجدة، فيسجد وما يتوضَّأ».
стр. 2770
١٠٧١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ (قاَل: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ) زاد الطَّبرانيُّ في «معجمه الصَّغير»: «بمكَّة»، وفيه تنبيهٌ على اتِّحاد قصَّة ابن مسعودٍ السَّابقة وابنِ عبَّاسٍ هذه، قيل: وإنَّما سجد ﵊ لمَّا وصفه الله تعالى في مفتتح السُّورة من أنَّه لا ينطق عن الهوى، وذكر بيان قُربه منه تعالى وأنَّه: ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] وأنَّه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] شكرًا لله تعالى على هذه النِّعمة العظمى، فسجد (١) (وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ) أي: الحاضر منهم، أي: لمَّا (٢) سمعوا ذكر طواغيتهم ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] لا لما قيل ممَّا لا يصحُّ أنَّه أثنى على آلهتهم، وكيف يُتصوَّر ذلك وقد أدخل همزة الإنكار على الاستخبار بعد الفاء في قوله في السُّورة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ [النجم: ١٩] المستدعية لإنكار فعل الشِّرك؟! والمعنى: أتجعلون هؤلاء -أي: اللَّات والعزَّى ومناة- شركاء؟ فأَخْبِروني بأسماء هؤلاء إن كانت آلهةً، وما هي ﴿إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ بمجرَّد متابعة الهوى، لا عن حجَّةٍ أنزل الله تعالى بها. انتهى. ملخَّصًا مِن «شرح المشكاة». وليكن لنا إلى تحرير (٣) المبحث (٤) في هذه القصَّة عودةٌ في «سورة الحجِّ» إن شاء الله تعالى، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة» من ذلك ما يكفي ويشفي، ولله الحمد والمنَّة (وَ) كذا سجد معه ﵊ (الجِنُّ وَالإِنْسُ) هو من باب الإجمال بعد التَّفصيل كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قاله الكِرمانيُّ. وزاد صاحب «اللَّامع