← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

١٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ، قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هُرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) في الرَّكعة الأولى بعد الفاتحة (﴿الم. تَنزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ) بضمِّ اللَّام على الحكاية، والسَّجدة نصبٌ عطفُ بيانٍ (وَ) في الثَّانية (﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]) ولم يصرِّح بالسُّجود هنا. نعم في «المعجم الصَّغير» للطَّبرانيِّ بإسنادٍ ضعيفٍ من حديثٍ عليٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد في صلاة الصُّبح في ﴿تَنزِيلُ﴾ السَّجدة». ورواة حديث الباب ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وسبقت مباحثه في «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩١]. (٣) هذا (١) (بابُ) حكم (سَجْدَةِ) سورة (﴿ص﴾). ١٠٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخرُه موحَّدةٌ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي الوقت وللأَصيليِّ: «حمَّاد بن زيدٍ» ولأبي ذَرٍّ: «هو ابن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ): السُّجود في سورة (﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي: ليست من المأمور بها، والعزم في الأصل: عقدُ القلب على الشَّيء، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ أمرٍ محتومٍ، وفي الاصطلاح: ضدُّ الرُّخصة، وهي ما ثبت على خلاف الدَّليل لعذرٍ (وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) موافقةً لأخيه داود -صلوات الله وسلامه عليهما- وشكرًا لقبول توبته، وللنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ، قال: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد في ﴿ص﴾»، وقال:

стр. 2767

«سجدها داود توبةً، ونسجدها شكرًا»، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاريِّ: خطبَنا النَّبيُّ ﷺ يومًا، فقرأ «ص»، فلمَّا مرَّ بالسُّجود تَشَزَّنَّا -بتشديد الزَّاي والنُّون-، أي: تهيَّأنا له، فلمَّا رآنا قال: «إنَّما هي توبةُ نبيٍّ، ولكن قد استعددتم للسُّجود» فنزل وسجد، فيُستحَبُّ السُّجود لـ «ص» في غير الصَّلاةِ لما ذكر، ويحرم فيها لأنَّ سجود الشُّكر لا يُشرَع داخل الصَّلاة، فإنْ سجد (١) فيها عامدًا (٢) عالمًا بتحريمها بطلت صلاته، بخلاف فعلها سهوًا أو جهلًا للعذر، لكنَّه يسجد للسَّهو، ولو سجدها إمامه باعتقادٍ منه كحنفيٍّ لم يتبعه بل يفارقه، أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره لا يسجد للسَّهو على الأصحِّ، قال في «الرَّوضة»: لأنَّ المأموم لا سجود لسهوه، أي: لا سجود عليه في فعلٍ يقتضي سجود السَّهو لأنَّ الإمام يتحمَّله عنه، فلا يسجد لانتظاره، ووجه السُّجود: أنَّه يعتقد أنَّ إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وأنَّ سجود السَّهو توجَّه عليهما، فإذا لم يسجد الإمام سجد المأموم، ذكره في «المجموع» وغيره، ووقع عند المؤلِّف في «تفسير سورة ص» من طريق مجاهدٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ: من أين سجدت؟ فقال: أوَما تقرأ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ … ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾؟ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] ففي هذا (٣) أنَّه استنبط مشروعيَّة السُّجود فيها

стр. 2768

من الآية، وفي حديث الباب أنَّه أخذه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا تعارضَ بينهما لاحتمال أن يكون استفاد (١) من الطَّريقين، وزاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٢] من طريق مجاهدٍ أيضًا (٢): «فقال ابن عبَّاسٍ: نبيُّكم ممَّن أمر أن يُقتدى بهم» فاستنبط منه وجه سجود النَّبيِّ ﷺ فيها من الآية، والمعنى: إذا كان نبيُّكم مأمورًا بالاقتداء بهم فأنت أَولى، وإنَّما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة، وهي نعمةٌ ليس وراءها نعمةٌ، فيجب عليه الشُّكر لذلك. وفي الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٢]، وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير». (٤) (بابُ سَجْدَةِ) سورة (النَّجْمِ. قَالَهُ) أي: روى السُّجود في سورة النَّجم (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سيأتي في الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦١٠٧١]. ١٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «فسجد (٣) فيها» أي: لمَّا فرغ من قراءتها (فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ) الَّذين اطَّلع عليهم

стр. 2769

عبد الله بن مسعودٍ (إِلَّا سَجَدَ) معه ﵊ (فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) الحاضرين: أميَّة بن خَلَفٍ، أو غيره (كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ) شكَّ الرَّاوي (فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) بفتح أوَّل (١) يكفيني. (فَلَقَدْ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت والأَصيليُّ: «قال عبد الله» أي: ابن مسعودٍ: «فلقد» (رَأَيْتُهُ) أي: الرَّجل (بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا) فيه: أنَّ من سجد معه من المشركين أسلم. (٥) (بابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ) وفي نسخة: «سجدة المسلمين» (٢) (مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ) بفتح الجيم (لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ) صحيح لأنَّه ليس أهلًا للعبادة (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يَسْجُدُ) في غير الصَّلاة (عَلَى غَير وُضُوءٍ) لم يوافقه أحدٌ عليه لأنَّ السُّجود في معنى الصَّلاة، فلا يصحُّ إلَّا بالوضوء، أو بدله بشروطه. نعم وافق ابنَ عمر الشُّعبيُّ فيما رواه ابن أبي شيبة عنه بسندٍ صحيحٍ، واعترض على التَّرجمة بأنَّه إن أراد المؤلِّف الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجَّة فيه لأنَّ سجوده لم يكن للعبادة، وإن أراد الرَّدَّ على ابن عمر بقوله: «والمشرك نجسٌ» فهو أَشبَه بالصَّواب، وفي رواية الأَصيليِّ: «يسجد (٣) على وضوءٍ» فأسقط لفظ «غير»، والأَولى إثباتها (٤) لانطباق تبويب المصنِّف واستدلاله عليه، ويؤيِّده ما عند ابن أبي شيبة: «أنَّ ابن عمر كان ينزل عن راحلته فيريق (٥) الماء، ثمَّ يركب، فيقرأ السَّجدة، فيسجد وما يتوضَّأ».

стр. 2770

١٠٧١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ (قاَل: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ) زاد الطَّبرانيُّ في «معجمه الصَّغير»: «بمكَّة»، وفيه تنبيهٌ على اتِّحاد قصَّة ابن مسعودٍ السَّابقة وابنِ عبَّاسٍ هذه، قيل: وإنَّما سجد ﵊ لمَّا وصفه الله تعالى في مفتتح السُّورة من أنَّه لا ينطق عن الهوى، وذكر بيان قُربه منه تعالى وأنَّه: ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] وأنَّه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] شكرًا لله تعالى على هذه النِّعمة العظمى، فسجد (١) (وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ) أي: الحاضر منهم، أي: لمَّا (٢) سمعوا ذكر طواغيتهم ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] لا لما قيل ممَّا لا يصحُّ أنَّه أثنى على آلهتهم، وكيف يُتصوَّر ذلك وقد أدخل همزة الإنكار على الاستخبار بعد الفاء في قوله في السُّورة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ [النجم: ١٩] المستدعية لإنكار فعل الشِّرك؟! والمعنى: أتجعلون هؤلاء -أي: اللَّات والعزَّى ومناة- شركاء؟ فأَخْبِروني بأسماء هؤلاء إن كانت آلهةً، وما هي ﴿إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ بمجرَّد متابعة الهوى، لا عن حجَّةٍ أنزل الله تعالى بها. انتهى. ملخَّصًا مِن «شرح المشكاة». وليكن لنا إلى تحرير (٣) المبحث (٤) في هذه القصَّة عودةٌ في «سورة الحجِّ» إن شاء الله تعالى، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة» من ذلك ما يكفي ويشفي، ولله الحمد والمنَّة (وَ) كذا سجد معه ﵊ (الجِنُّ وَالإِنْسُ) هو من باب الإجمال بعد التَّفصيل كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قاله الكِرمانيُّ. وزاد صاحب «اللَّامع

стр. 2771

الصَّبيح»: أو تفصيلٌ بعد إجمالٍ لأنَّ كلًّا من المسلمين والمشركين شاملٌ للإنس والجنِّ، فإن قلت: من أين علم ابن عبَّاسٍ سجود الجنِّ؟ جوَّزنا جواز رؤيتهم بطريق الكشف، لكن ابن عبَّاسٍ لم يحضر القصَّة لصغر سنِّه؟ أُجِيبَ باحتمال استناده في ذلك إلى إخباره ﵊ إما بمشافهته (١) له، أو بواسطةٍ (وَرَوَاهُ) أي: الحديث (ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطَّاء وسكون الهاء آخره نونٌ، ولأبي الوقت في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إبراهيم بن طهمان» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ. والحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٨٦٢]، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة». (٦) (بابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ) أي: آيتها (وَ) الحال أنَّه (لَمْ يَسْجُدْ). ١٠٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ) الزَّهرانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (٢) (يَزِيدُ ابْنُ خُصَيْفَةَ) مِن الزِّيادة، و «خُصَيفَة» بضمِّ المعجمة وفتح المهملة والفاء (عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ) بضمِّ القاف وفتح السِّين المهملة مصغَّرًا، هو يزيد بن عبد الله بن قسيطٍ اللَّيثيُّ الأعرج المدنيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة وتخفيف المهملة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي: عطاء أخبر ابن قسيطٍ: (أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاريَّ (¬﵁¬) عن السُّجود في آخر النَّجم (فَزَعَمَ) أي: فأخبر (أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى

стр. 2772

النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾) أي: سورتها (فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) لبيان الجواز لأنَّه لو كان واجبًا لأمره بالسُّجود، وقد روى البزَّار والدَّارقُطنيُّ بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ عن أبي هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد في سورة النَّجم، وسجدنا معه» وعند ابن مردويه في «التَّفسير» عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن: «أنَّه رأى أبا هريرة يسجد في خاتمة النَّجم، فسأله، فقال: إنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ يسجد فيها»، وأبو هريرة إنَّما أسلم بالمدينة، وأمَّا قول ابن القصَّار: إنَّ الأمر بالسُّجود في النَّجم ينصرف إلى الصَّلاة، فمردودٌ بفعله (١). ورواة حديث الباب مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسُّؤال، وأخرجه المؤلِّف في «سجود القرآن» [خ¦١٠٢٣]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- والنَّسائيُّ. ١٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بالذَّال المعجمة، هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة القرشيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ، وهو المذكور قريبًا (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (٢) (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) تمسَّك به المالكيَّة، وبنحو حديث عطاء بن يسارٍ: سألت أُبَيَّ بن كعبٍ فقال: ليس في المفصَّل سجدةٌ، قال الشَّافعيُّ في القديم: قال مالكٌ: في القرآن إحدى عشرة سجدةً، ليس في المفصَّل منها شيءٌ،

стр. 2773

قال الشَّافعيُّ ﵀: وأُبَيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابتٍ في العلم بالقرآن كما لا يجهله (١) أحدٌ، زيدٌ قرأ على النَّبيَّ ﷺ عام مات، وقرأ أُبَيٌّ على النَّبيِّ ﷺ مرَّتين، وقرأ ابن عبَّاسٍ على أُبَيٍّ، وهم ممَّن لا يُشكُّ (٢) إن شاء الله أنَّهم ممَّا (٣) لا يقولونه إلَّا بالإحاطة مع قول من لقينا من أهل المدينة، وكيف يَجهلُ أُبَيُّ بن كعبٍ سجود القرآن؟ وقد بلغنا أنَّه (٤) ﷺ قال لأُبَيٍّ: «إنَّ الله أمرني أن أقرئك القرآن»، قال البيهقيُّ: ثمَّ قطع الشَّافعيُّ في الجديد بإثبات السُّجود في المفصَّل في رواية المزنيِّ، و «مختصر البويطيِّ»، والرَّبيع، وابن أبي الجارود. (٧) (بابُ سَجْدَةِ ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]). ١٠٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) ولأبي ذَرٍّ: «مسلم بن إبراهيم» أي: القصَّاب البصريُّ (وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، ابن يزيد الزَّهرانيُّ البصريُّ (قَالَا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن أبي (٥) عبد الله الدَّستَُوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَرَأَ) سورة: (﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ بِهَا) الباء ظرفيَّةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت في نسخةٍ: «فيها» قال أبو سلمة: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «سجد» بلفظ الماضي، بدل: «يسجدُ» المضارع، والهمزة في: «أَلم أرك؟!» للاستفهام الإنكاريِّ المشعر بأنَّ العمل استقرَّ على خلاف السُّجود فيها، كما رُوِيَ أنَّه لم يسجد في المفصَّل منذ

стр. 2774

تحوَّل إلى المدينة، وكذلك أنكر عليه أبو رافعٍ كما (١) في حديثه الآتي -إن شاء الله تعالى- في «باب مَن قرأ السجدة في الصَّلاة فسجد فيها» [خ¦١٠٧٨] حيث قال لهما هذه السَّجدة، لكن أبو سلمة وأبو رافعٍ لم ينازعا أبا هريرة بعد أن أعلمهما أنه ﷺ سجد فيها، ولا احتجَّا (٢) عليه بالعمل، وحينئذٍ فلا دلالة فيه لمن لا يرى السُّجود فيها في الصَّلاة، ولا لمن قال: إنَّ النَّظر ألَّا يسجدَ فيها لأنَّها إخبار بأنَّه ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. (٨) (بابُ مَنْ سَجَدَ) للتلاوة (لِسُجُودِ القَارِئِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله (٣) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ (لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ) بفتح الحاء المهملة وإسكان الذَّال المعجمة وفتح اللَّام، وفتح تاء «تَمِيمٍ» وكسر ميمه، أبو سلمة الضَّبِّي (وَهْوَ غُلَامٌ) جملة حاليَّةٌ (فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ) أي: ابن مسعودٍ: (اسْجُدْ) أنت لِنسجدَ نحن أيضًا (فَإِنَّكَ إِمَامُنَا) (٤) أي: متبوعنا لتعلُّق السَّجدة بنا من جهتك، وزاد الحَمُّويي: «فيها» أي: إمامنا في السَّجدة، وليس معناه: إن لم تسجد لا نسجد لأنَّ السَّجدة كما تتعلَّق بالقارئ تتعلَّق بالسَّامع غير القاصد السَّماع، والمستمع القاصد، ولو لقراءة مُحْدِثٍ وصبيٍّ وكافرٍ

стр. 2775

وامرأةٍ ومصلٍّ وتاركٍ لها، لكنَّها من (١) المستمع والسَّامع عند سجود القارئ آكد منها عند عدم سجوده لما قيل: إنَّ سجودهما يتوقَّف على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به، ولهما الرَّفع من السُّجود قبله، ذكره في «الرَّوضة». قال القاضي: ولا سجود لقراءة جنبٍ وسكران، أي: لأنَّها غير مشروعةٍ لهما، زاد الإِسنويُّ في «الكوكب»: ولا ساهٍ ونائمٍ لعدم قصدهما التِّلاوة، وقال الزَّركشيُّ: وينبغي السُّجود لقراءة مَلَكٍ أو جِنِّيٍّ، لا لقراءة درَّةٍ ونحوها لعدم القصد. انتهى. وسقط قوله «وقال ابن مسعود … » إلى آخره عند الأَصيليِّ. ١٠٧٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا عُبيد الله» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ) معه (حَتَّى مَا (٢) يَجِدُ أَحَدُنَا) أي: بعضنا (مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ) لكثرة السَّاجدين وضيق المكان.

стр. 2776

(٩) (بابُ ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ السَّجْدَةَ). ١٠٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، الضَّرير، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث فقط (قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء (قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ) جملة حاليَّةٌ (فَيَسْجُدُ) ﵊ (وَنَسْجُدُ) نحن (مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ) لضيق الموضع وكثرتنا (حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا) ليس المراد كلَّ واحدٍ، بل البعض غير المعيَّن (لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) جملةٌ في محلِّ (١) نصبٍ لأنَّها وقعت صفةً لـ «موضعًا» المنصوب على المفعوليَّة لـ «يجد»، وقد روى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عمر بن الخطَّاب ﵁ قال: «إذا اشتدَّ الزِّحام فليسجد أحدكم على ظَهْر أخيه» أي: ولو بغير إذنه، مع أنَّ الأمر فيه يسيرٌ، قاله في «المطْلَب»، ولا بدَّ من إمكانه من القدرة على رعاية هيئة السَّاجد بأن يكون على مرتفعٍ، والمسجود عليه في منخفضٍ، وبه قال أحمد والكوفيُّون، وقال مالكٌ: يمسك، فإذا رفعوا سجد، وإذا قلنا: بجواز السُّجود في الفرض فهو أجوز في سجود القرآن لأنَّه سنَّةٌ، وذاك فرضٌ.

стр. 2777

(١٠) (بابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ) لحديث الباب الآتي -إن شاء الله تعالى- ولحديث زيد بن ثابتٍ السَّابق قريبًا: «أنَّه قرأ على النَّبيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها». وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فمحمول على النَّدب، أو على أنَّ المراد به سجود الصَّلاة، أو في (١) الصَّلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجود التِّلاوة على النَّدب على قاعدة الشَّافعيِّ في حمل المشترك على معنَييْه، وأوجبه الحنفيَّة لأنَّ آيات السَّجدة كلَّها دالَّةٌ على الوجوب لاشتمال بعضها على الأمر بالسُّجود لأنَّ مطلق الأمر للوجوب، واحتواء (٢) بعضها على الوعيد الشَّديد على تركه، وانطواء (٣) بعضها على استنكاف الكفرة عن السُّجود، والتَّحرُّز (٤) عن التَّشبُّه بهم واجبٌ، وذلك بالسُّجود وانتظام بعضها على الإخبار عن فعل الملائكة، والاقتداء بهم لازمٌ لأنَّ فيه تَبرُّؤًا من الشَّيطان حيث لم يُقتَد به، وحديث زيدٍ لا ينفي الوجوب لأنَّه لا يقتضي إلَّا تركها متَّصلةً بالتِّلاوة، والأمرُ في الآيتين للوجوب لتجرُّده عن القرينة الصَّارفة عن الوجوب، وحملُه على سجود الصَّلاة يحتاج إلى دليلٍ، واستعماله في الصَّلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجدة (٥) التِّلاوة على النَّدب، استعمال لمفهومين مختلفين في حالةٍ واحدةٍ، وهو ممتنعٌ. انتهى. واحتجَّ الطَّحاويُّ للنَّدبيَّةِ بأنَّ الآيات الَّتي في سجود التِّلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو

стр. 2778

بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في الَّتي بصيغة الأمر: هل فيها سجودٌ أم (١) لا؟ وهي ثانية الحجِّ، وخاتمة النَّجم واقرأ، فلو كان سجود التِّلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أَولى أن يُتَّفَق على السُّجود فيه ممَّا ورد بصيغة الخبر. (وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ بمعناه: (الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا) أي: لقراءة السَّجدة، أي: لا يكون مستمعًا (قَالَ) عمران: (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبِرني (لَوْ قَعَدَ لَهَا؟!) وهمزة «أَرأيتَ» للاستفهام الإنكاريِّ، قال المؤلِّف: (كَأَنَّهُ) أي: عمران (لَا يُوجِبُهُ) أي: السُّجود (عَلَيْهِ) أي: الَّذي قعد (٢) لها للاستماع، وإذا لم يجب على المستمع فعدمه على السَّامع أَولى (وَقَالَ سَلْمَانُ) الفارسيُّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ من طريق أبي عبد الرَّحمن السُّلمي قال: مرَّ سلمان على قومٍ قعودٍ، فقرؤوا السَّجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: (مَا لِهَذَا) أي: للسَّماع (غَدَوْنَا) أي: لم نقصده فلا نسجد (وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان (¬﵁: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا) أي: قصد سماعها وأصغى إليها (٣)، لا (٤) على سامعها، وهذا وصله عبد الرَّزَّاق بمعناه بإسنادٍ صحيحٍ عن معمرٍ عن الزُّهريِّ عن ابن (٥) المسيَّب عنه (وَقَالَ) ابنُ شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) ممَّا وصله عبد الله بن وهبٍ عن يونس عنه: (لَا يَسْجُدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة فيهما ورفع الدَّال، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «لا تَسْجُدْ إلَّا أن تكون» بالفوقيَّة فيهما وسكون الدَّال (طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا) أي: في سفرٍ لأنَّه قسيم الحضر (فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ) أي: فلا بأس عليك ألَّا تستقبل القبلة عند السُّجود، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ الواجب لا يُؤدَّى على الدَّابَّة في (٦) الأمن (وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيدٍ الكنديُّ أو الأزديُّ، المعروف: بابن أخت النَّمر، والنَّمر خال أبيه

стр. 2779

يزيد، هو النَّمر بن جبل (١)، وتُوفِّي السَّائب فيما قاله أبو نُعيمٍ: سنة اثنتين وثمانين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصَّحابة (لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ) بتشديد الصَّاد المهملة، الَّذي يقرأ (٢) القصص والأخبار والمواعظ لكونه ليس قاصدًا لتلاوة القرآن، أو لا يكون قاصدًا للسَّماع، أو كان يسمعه ولم يكن يستمع، أو كان لم يجلس له، فلا يسجد، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذا الأثر موصولًا. انتهى. ١٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّيميُّ (٣) الرَّازيُّ، المعروف بالصَّغير (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (٤) (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيَّ (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله بن عُبيد الله، واسم أبي مُلَيكة: زهير بن عبد الله الأحول (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمان (٥) (التَّيْمِيِّ) القرشيِّ (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهُدَيْرِ) بضمِّ الهاء وفتح الدَّال المهملة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ (التَّيْمِيِّ) القرشيِّ المدنيِّ التَّابعيِّ الجليل (-قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي: ابن أبي مليكة: (وَكَانَ رَبِيعَةُ) بن عبد الله بن الهدير (مِنْ خِيَارِ النَّاسِ-، عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ

стр. 2780

عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) الجارُّ مُتعلِّقٌ بـ «أخبرني» والأوَّل وهو «عن عثمانَ» متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لا بـ «أخبرني»؛ لأنَّ حرفي جرٍّ بمعنًى لا يتعلَّقان بفعلٍ واحدٍ، والتَّقدير: أخبرني أبو بكرٍ راويًا عن عثمان عن ربيعة عن قصَّة حضوره مجلس عمر أنَّه: (قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ) ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠] (نَزَلَ) عن المنبر (فَسَجَدَ) على الأرض (وَسَجَدَ النَّاسُ) معه (حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا) أي: بسورة النَّحل (حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ) ولأبي ذَرٍّ: «جاءت السَّجدة» (قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إنَّما» بزيادة ميمٍ بعد النُّون (نَمُرُّ بِالسُّجُودِ) أي: بآيته (فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ) السُّنَّة (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) ظاهرٌ في عدم الوجوب لأنَّ انتفاء الإثم عمَّن (١) ترك الفعل مختارًا يدلُّ على عدم وجوبه، وقد قاله بمحضرٍ من الصَّحابة، ولم ينكره عليه أحدٌ، فكان إجماعًا سكوتيًّا (وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁، وَزَادَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أي: وقال ابن جريجٍ: أخبرني ابن أبي مليكة بالإسناد السَّابق أنَّ نافعًا زاد (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) ممَّا هو موقوفٌ عليه (إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ) ولأبي ذَرٍّ: «لم يفرضْ علينا السُّجود» أي: بل هو سنَّةٌ، وأجاب بعض الحنفيَّة بالتَّفرقة بين الفرض والواجب على قاعدتهم بأنَّ نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب، وأُجِيبَ بأنَّ انتفاء الإثم عن التَّرك مختارًا يدلُّ على النَّدبيَّة (إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) السُّجودَ، فالمرء مخيَّرٌ: إن شاء سجد، وإن شاء ترك، وحينئذٍ فلا وجوبَ، وادِّعاءُ المزِّيِّ كالحميديِّ أنَّ هذا معلَّقٌ غير موصولٍ وهمٌ، ويشهد لاتِّصاله أنَّ عبد الرَّزَّاق قال في «مصنَّفه» عن ابن جريجٍ: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة … فذكره، وقال في آخره: قال ابن جريجٍ: وزادني نافعٌ عن ابن عمر: أنَّه قال: «لم يفرض علينا السُّجود إلَّا أن نشاء»، وكذلك رواه الإسماعيليُّ والبيهقيُّ وغيرهما، قاله في «الفتح». (١١) (بابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا) أي: بتلك السَّجدة، لا يكره له ذلك خلافًا لمالك حيث قال بكراهة ذلك في الفريضة الجهرية والسِّرِّيَّة منفردًا أو في جماعةٍ، وسقط لفظ «بها» للأَصيليِّ.

стр. 2781

١٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانيةِ، ابن سليمان التَّيميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَبِي) سليمان بن طرخان التَّيميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (بَكْرٌ) هو ابن عبد الله المزنيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيع (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (العَتَمَةَ) أي: صلاة العشاء (فَقَرَأَ) سورة (﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ) أي: عند آخر السَّجدة منها (فَقُلْتُ) له: (مَا هَذِهِ) السَّجدة الَّتي سجدتها في الصَّلاة؟ (قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ ﷺ ¬) أي: داخل الصَّلاة كما في رواية أبي الأشعث عن معمر (فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ) أي: حتَّى أموت. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٦٦]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ. (١٢) (بابُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «للسُّجود مع الإمام من الزِّحام (١)». ١٠٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «صدقة بن الفضل» (قَالَ: أَخْبَرَنَا (٢) يَحْيَى) القطَّان، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «يحيى بن سعيد» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفصٍ العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ) زاد عليُّ بن مسهرٍ في روايته عن عُبيد الله: «ونحن عنده» (فَيَسْجُدُ) ﵊ (وَنَسْجُدُ) نحن (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ونسجد معه حتَّى» (مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ

стр. 2782

جَبْهَتِهِ) من الزِّحام، أي: في غير وقت صلاةٍ كما في رواية مسلمٍ، وزاد الطَّبرانيُّ من طريق مصعب بن ثابتٍ، عن نافعٍ في هذا الحديث: «حتَّى يسجد الرَّجل على ظهر أخيه»، وله أيضًا من رواية المِسور بنِ مَخرمة عن أبيه قال: «أظهر أهل مكَّة الإسلام، يعني: في أوَّل الأمر حتَّى إن كان النَّبيُّ ﷺ ليقرأ السَّجدة (١) فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزِّحام، حتَّى قدم رؤساء أهل مكَّة، وكانوا في الطَّائف، فرجعوهم عن الإسلام».

стр. 2783

((١٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم أبوابُ التَّقْصِيرِ) كذا للمُستملي، وسقطت البسملة لأبي ذَرٍّ، ولأبي الوقت: «أبواب تقصير الصَّلاة». (١) (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ) مصدر «قَصَّر» بالتَّشديد، أي: تقصير الفرض الرُّباعيِّ إلى ركعتين في كلِّ سفرٍ طويلٍ مباحٍ، طاعةً كان كسفر الحجِّ أو غيرها ولو مكروهًا كسفر تجارةٍ، تخفيفًا على المسافر لما يلحقه من تعب السَّفر، والأصل فيه مع ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الاية [النساء: ١٠١]، قال يعلى بن أميَّة: قلت لعمر: إنَّما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن النَّاس، فقال: عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ ، فقال: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» رواه مسلمٌ، فلا قصْر في الصُّبح والمغرب، ولا في سفر معصيةٍ خلافًا لأبي حنيفة حيث أجازه في كلِّ سفرٍ، وفي «شرح المسند» لابن الأثير: كان قصر الصَّلاة في السَّنة الرَّابعة من الهجرة، وفي «تفسير

стр. 2784

الثَّعلبيِّ»: قال ابن عبَّاسٍ: أوَّل صلاةٍ قُصِرَت صلاةُ العصر، قصرها رسول الله ﷺ بعسفان في غزوة أنمارٍ (وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟) وفي نسخة «اليونينيَّة»: «يقصِّر» بالتَّشديد، أي: وكم يومًا يمكث المسافر لأجل القصر؟ فـ «كم» هنا استفهاميَّة بمعنى: أيُّ عددٍ، ولا يكون تمييزه إلَّا مفردًا خلافًا للكوفيِّين، ويكون مَنصوبًا، ولفظة: «حتَّى» هنا للتَّعليل لأنَّها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معانٍ: انتهاء الغاية -وهو الغالب-، والتَّعليل، وبمعنى: «إلَّا» الاستثنائيَّة (١)، وهذا أقلُّها، ولفظة: «يقيم» معناها: يمكث، وجواب «كَمْ» محذوفٌ، تقديره: تسعةَ عشرَ يومًا كما في حديث الباب، قاله العينيُّ. ١٠٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان الأحول (وَحُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (٢)، كلاهما (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄

стр. 2785

قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسولُ الله» (¬ ﷺ ¬) في فتح مكَّة (تِسْعَةَ عَشَرَ) بتقديم الفوقيَّة على السِّين، أي: «يومًا» بليلته حال كونه (يَقْصُرُ) الصَّلاة الرُّباعية لأنَّه كان مترِّددًا، متى تهيَّأ (١) له فراغ حاجته -وهو انجلاء حرب هوازن- ارتحل، و «يقصر» بضمِّ الصَّاد، وضبطها المنذريُّ بضمِّ الياء وتشديد الصَّاد مِن التَّقصير، وقد أخرج الحديث أبو داود من هذا الوجه بلفظ: «سبعة عشر» بتقديم السِّين على الموحَّدة، وله أيضًا من حديث عمران بن حصين: «غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكَّة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلِّي إلَّا ركعتين»، قال في «المجموع»: في سنده من لا يحتجُّ به، لكن رجَّحه الشَّافعيُّ على حديث ابن عبَّاسٍ: «تسعة عشر»، ولأبي داود أيضًا عن ابن عبَّاسٍ: «أقام ﷺ بمكَّة عام الفتح خمسة عشر، يقصر الصَّلاة»، وضعَّفها النَّوويُّ في «الخلاصة»، قال ابن حجرٍ: وليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ رواتها ثقاتٌ، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النَّسائيُّ من رواية عِرَاك بن مالكٍ عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنَّها صحيحةٌ فليحمل على أنَّ الرَّاوي ظنَّ أنَّ الأصل رواية «سبعة عشر» فحذف منها يومي الدُّخول والخروج، فذكر أنَّها «خمسةَ عشر». انتهى. وقال البيهقيُّ: أصحُّ الرِّوايات فيه رواية ابن عبَّاسٍ وهي الَّتي ذكرها البخاريُّ، ومن ثمَّ اختارها ابن الصَّلاح والسُّبكيُّ، ويمكن الجمع كما قاله البيهقيُّ: بأنَّ راوي: «تسعة عشر» عدَّ يومي الدُّخول والخروج، وراوي: «سبعة عشر» لم يعدَّهما، وراوي: «ثماني عشرة» عدَّ أحدهما، وهذا الجمع يُشْكِل على قولهم: يقصر ثمانية عشر غير يومي الدُّخول والخروج. انتهى. قال ابن عبَّاسٍ: (فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا) فأقمنا (تِسْعَةَ عَشَرَ) يومًا (قَصَرْنَا) الصَّلاة (٢) الرُّباعية، وذلك عند توقُّع الحاجة يومًا فيومًا (وَإِنْ زِدْنَا) في الإقامة على تسعةَ عشرَ يومًا (أَتْمَمْنَا) الصَّلاة أربعًا. ورواة (٣) الحديث ما بين بصريٍّ (٤) وواسطيٍّ (٥) وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين: عاصمٌ وحصينٌ

стр. 2786

وعكرمة، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٨] [خ¦٤٢٩٩]، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». ١٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرٍو المنقريُّ المقعد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ) يوم السَّبت بين الظُّهر والعصر لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة (إِلَى مَكَّةَ) أي: إلى الحجِّ، كما في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق عند مسلمٍ (فَكَانَ) ﵊ (يُصَلِّي) الفرائض (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) أي: إلَّا المغرب، رواه البيهقيُّ (حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ) قال يحيى: (قُلْتُ) لأنسٍ: أ (أَقَمْتُمْ) بحذف همزة الاستفهام (بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا) أي: وبضواحيها (عَشْرًا) أي: عشرة أيَّام، وإنَّما حذف التَّاء من (١) العشرة، مع أنَّ اليوم مذَكَّرٌ لأنَّ المميَّز إذا لم يذكر جاز في العدد التَّذكير والتَّأنيث، واستُشكِل (٢) إقامته ﵊ المدَّة المذكورة يقصر الصَّلاة مع ما تقرَّر أنَّه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيَّامٍ بموضعٍ عيَّنه انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها وإن زاد عليه لحديث: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا» وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكَّة ومساكنة الكفَّار، رواهما (٣) الشَّيخان، فالتَّرخيص في الثَّلاث يدلُّ على بقاء حكم

стр. 2787

السَّفر بخلاف الأربعة، ولا ريب أنَّه ﵊ في حجَّة الوداع كان (١) جازمًا بالإقامة بمكَّة المدَّة المذكورة، وأُجِيبَ بأنَّه ﵊ قَدِمَ مكَّة لأربعٍ خلون من ذي الحجَّة، فأقام بها غير يومي الدُّخول والخروج إلى مِنى، ثمَّ بات بمِنى، ثم سار إلى عرفاتٍ، ورجع فبات بمزدلفة، ثمَّ سار إلى مِنى، فقضى نسكه، ثمَّ إلى مكَّة، فطاف، ثمَّ رجع إلى مِنى، فأقام بها ثلاثًا يقصر، ثمَّ نفر منها بعد الزَّوال في ثالث أيَّام التَّشريق، فنزل بالمحصَّب، وطاف في ليلته للوداع، ثمَّ رحل من مكَّة قبل صلاة الصُّبح، فلم يقم بها أربعًا في (٢) مكان واحدٍ، وقال أبو حنيفة: يجوز القصر ما لم ينوِ الإقامة خمسةَ عشرَ يومًا. ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وأخرجه النَّسائيُّ فيها و «الحجّ». (٢) (بابُ) حكم (الصَّلَاةِ بِمِنًى) بكسر الميم، يُذكَّر ويُؤنَّث، فإن قصد الموضع فمذكَّرٌ ويكتب بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة فمؤنَّثٌ ولا ينصرف ويكتب (٣) بالياء، والمختار: تذكيره، وسُمِّي: مِنًى لِمَا يُمنَى فيه -أي: يُراق- من الدِّماء، والمراد الصَّلاة بها في أيَّام الرَّمي، واختُلِفَ في المقيم بها هل يقصر أو يتمُّ؟ ومذهب المالكيَّة: القصر حتَّى أهل مكَّة وعرفة ومزدلفة

стр. 2788

للسُّنَّة، وإلَّا فليس ثَمَّ مسافة قصرٍ، فيتمُّ أهل مِنى بها، ويقصُرون (١) بعرفة ومزدلفة (٢)، وضابطه عندهم: أنَّ أهل كلِّ مكانٍ يتمُّون به، ويقصرون (٣) فيما سواه، وأُجِيبَ بحديث أنَّه ﵊، كان يصلِّي بمكَّة ركعتين، ويقول: «يا أهل مكَّة أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ» رواه التِّرمذيُّ، فكأنَّه ترك إعلامهم بذلك بمِنى استغناءً بما تقدَّم بمكَّة، وأُجِيبَ بأنَّ الحديث ضعيفٌ لأنَّه من رواية عليِّ بن زيد (٤) بن جُدْعان، سلَّمنا صحَّته لكنَّ القصَّة كانت في الفتح، ومِنى كانت في حجَّة الوداع، فكان لا بدَّ من بيان ذلك لبُعْد (٥) العهد (٦). ١٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفصٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁¬) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن عبد الله بن عمر ﵄» (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى) أي: وغيره، كما عند مسلمٍ من رواية سالمٍ عن أبيه، الرُّباعيَّة (رَكْعَتَيْنِ) للسَّفر (وَ) كذا مع (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرَ) الفاروق (وَمَعَ عُثْمَانَ) ذي النُّورين ﵃ (صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) بكسر الهمزة، أي: من أوَّل خلافته، وكانت مدَّتها ثمان سنين، أو ستَّ سنين (ثُمَّ أَتَمَّهَا) بعد ذلك لأنَّ الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لِمَا فيه من المشقَّة.

стр. 2789

١٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ (قَالَ: حَدَثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَنْبَأَنَا) من الإنباء، وهو في (١) عُرْف المتقدِّمين بمعنى الإخبار والتَّحديث، ولم يذكر هذا اللَّفظ فيما سبق (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعي (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمثلَّثة، الخُزاعيَّ، أخا عبيد الله (٢) بن عمر بن الخطَّاب لأمِّه (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ) بمدِّ الهمزة وفتحاتٍ «أَفْعَل» تفضيلٍ مِن الأمن، ضدُّ الخوف (مَا كَانَ) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما كانت» بزيادة تاء التَّأنيث (بِمِنًى) الرُّباعيَّة (رَكْعَتَيْنِ) (٣) وكلمة: «ما» مصدريَّةٌ، ومعناه: الجمع لأنَّ ما أضيف إليه «أفعل (٤)» التَّفضيل (٥) يكون جمعًا، والمعنى: صلَّى بنا والحال أنَّا (٦) أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا من غير خوفٍ، وإسناد الأمن إلى الأوقات مجازٌ، والباء في «بمِنًى» ظرفيَّةٌ تتعلَّق بقوله: «صلَّى»، وفيه: دليلٌ على جواز القصر في السَّفر من غير خوفٍ، وإن دلَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] على الاختصاص لأنَّ ما في الحديث رخصةٌ، وما في الآية عزيمةٌ، يدلُّ عليه قوله عليه (٧) الصَّلاة والسَّلام المرويُّ في «مسلم»: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم».

стр. 2790

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإنباء والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٦]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وأبو داود في «الحجِّ»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. ١٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قتيبة بن سعيدٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) العبديُّ، ولأبي ذَرٍّ: «ابن زيادٍ» (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ لا التَّيميُّ (١) (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) مِن الزِّيادة، النَّخعيَّ (يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁¬) المكتوبة الرُّباعيَّة (بِمِنًى) في حال إقامته بها أيَّام الرَّمي (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فقيل في ذلك» أي: فيما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعاتٍ (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاسْتَرْجَعَ) قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لِمَا رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر، لا لكون الإتمام لا يجزي (ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) المكتوبة (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «الصِّدِّيق» (¬﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) وسقط قوله: «بمنًى» عند أبي ذرٍّ في أصلٍ، وثبت في غيره (فَلَيْتَ حَظِّي) بالحاء المهملة والظَّاء المعجمة، أي: فليت نصيبي (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ) وللأَصيليِّ: «من أربع ركعتان» (مُتَقَبَّلَتَانِ) «منْ» في قوله: «مِن أربع» للبدليَّة كـ «هي» في ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفيه تعريضٌ بعثمان (٢) أي: ليته صلَّى ركعتين بدل الأربع كما صلَّى النَّبيُّ ﷺ

стр. 2791

وصاحباه وهو إظهارٌ لكراهة مخالفتهم، لا يقال: إن ابن مسعودٍ كان يرى القصر واجبًا (١) كما قال الحنفيَّة، وإلَّا لَمَا استرجع، ولا أنكر بقوله: «صلَّيت مع رسول الله ﷺ … » إلى آخره، لأنَّا نقول: قوله: «ليت حظِّي من أربع ركعاتٍ» يردُّ ذلك لأنَّ ما لا يجزئ لا حظَّ له (٢) فيه لأنَّه فاسدٌ، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من الصَّحابة عثمان عليه، ويؤيِّده ما روى أبو داود: «أنَّ ابن مسعودٍ صلَّى أربعًا، فقيل له: عِبْت على عثمان، ثمَّ صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرٌّ»؛ إذ لو كان بدعةً لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا. ورواة هذا الحديث ما بين بلخيٍّ و (٣) بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الحجِّ» وكذا النَّسائيُّ. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ؟). ١٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ) بتشديد الرَّاء، وكان يَبري النَّبل أو القَصَب، واسمه: زيادُ بن فيروزٍ على المشهور، وليس هو أبا العالية الرّياحيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) مكَّة يوم

стр. 2792

الأحد (لِصُبْحِ رَابِعَةٍ) من ذي الحجَّة، وخرج إلى مِنًى في الثَّامن، فصلَّى بمكَّة إحدى وعشرين صلاةً، من أوَّل ظهر الرَّابع إلى آخر ظهر الثَّامن، فهي أربعة أيَّامٍ ملفَّقةٍ، وهذا موضع التَّرجمة، وإن لم يصرِّح في الحديث بغايةٍ فإنَّها معروفةٌ في (١) الواقع، أو المرادُ إقامتُه إلى أن توجَّه إلى المدينة، وهي عشرة أيَّامٍ سواء -كما مرَّ- في حديث أنسٍ، وكنَّى بقوله: (يُلَبُّونَ بِالحَجِّ) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم ﵇ وأصحابه، حال كونهم محرمين بالحجِّ (فَأَمَرَهُمْ) ﵊ (أَنْ يَجْعَلُوهَا) أي: حجَّتهم (عُمْرَةً) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذِّكر لأنَّ قوله: «بالحجِّ» يدلُّ على الحجَّة (إِلَّا مَنْ مَعَهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا مَن كان معه» (الهَدْيُ) بفتح الهاء وسكون الدَّال: ما يُهدى من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ووجه استثناء المُهدِي (٢) أنَّه لا يجوز له التَّحلُّلُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفسخ الحجِّ خاصٌّ بالصَّحابة الَّذين حجُّوا معه ﵊ كما رواه أبو داود وابن ماجه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «هَدْيٌ» بالتَّنكير. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ». (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا العاليةَ (عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ في روايته (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله، وهي موصولةٌ عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والقران والإفراد» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٦٨]. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي كَمْ يَقْصُرُ) المصلِّي (الصَّلَاةَ؟) بفتحِ المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون

стр. 2793

القاف وضمِّ الصَّاد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُقصَرُ الصَّلاة» بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وسكون (١) القاف والصَّاد المفتوحة المخفَّفة، وللأَصيليِّ: «تُقَصَّر الصَّلاة» بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف والصَّاد المشدَّدة مبنيًّا للمفعول فيهما، و «الصَّلاة» رفع نائبٍ عنه فيهما أيضًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديث هذا الباب (يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا) وللأربعة (٢) وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ فقط: «السَّفر يومًا وليلة» أي: وسَمَّى مدَّة اليوم واللَّيلة سفرًا (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃¬) ممَّا وصله البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ (يَقْصُرَانِ) بضمِّ الصَّاد (وَيُفْطِرَانِ) بضمِّ أوله وكسر الطَّاء (فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) بضمِّ الموحَّدة والرَّاء وقد (٣) تُسَكَّن (٤)، ذهابًا غير الإياب، ومثله إنَّما يُفعلُ عن توقيفٍ، فلو قصد مكانًا على مَرحلةٍ بنيَّة ألَّا يُقِيْمَ فيه فلا قَصْرَ له ذهابًا ولا إيابًا وإن نالته مشقَّة مرحلتين متواليتين لِمَا روى الشافعيُّ بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس أنَّه سُئِلَ: «أتُقْصَرُ الصَّلاةُ إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عُسْفان وإلى جدَّة وإلى الطائف»، فقدَّرها بالذهاب وحده، وقد روي عنه (٥) مرفوعًا بلفظ: «يا أهلَ مكَّة لا تقصروا الصَّلاة في أدنى من أربعة بُرُدٍ، من مكَّة إلى عُسْفَان» رواه الدَّارقُطني وابن أبي شيبة، لكنْ في إسناده ضعفٌ من أجل عبد الوهَّاب بن مجاهد. قال البخاريُّ: (وَهْيَ) أي: الأربعةُ بُرُدٍ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) يقينًا أو ظنًّا ولو باجتهادٍ؛ إذ كلُّ بريدٍ أربعة فَراسخ، وكلُّ فرسخٍ ثلاثة أميالٍ، فهي ثمانيةٌ وأربعون مِيْلًا هاشميَّة، نسبةً لبني هاشمٍ لتقديرهم لها وقت خِلافتهم بعد تقدير بني أُمَيَّة، لا هاشمَ نفسه كما وقع للرَّافعي،

стр. 2794

والميل من الأرض: مُنْتَهَى مَدِّ البصر لأنَّ البصر يميلُ عنه إلى (١) وجه الأرض حتَّى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريُّ، وقيل: أن ينظر إلى الشَّخص في أرضٍ مُسَطَّحةٍ فلا يدري أهو رجلٌ أو امرأةٌ؟ أو هو ذاهبٌ أو آتٍ؟ وهو أربعة آلاف خطوةٍ، والخطوة: ثلاثة أقدامٍ، فهو اثنا عشر ألف قدمٍ، وبالذِّراع ستَّة آلاف، والذِّراع: أربعة وعشرون إصبعًا معترضاتٍ، والإصبع: ستُّ شَعَراتٍ معتدلات معترضات، والشُّعيرة: ستُّ شُعيراتٍ من شَعرِ البِرْذَونِ، وقد حَرَّرَ بعضهم الذِّراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور: خمسة آلاف ذراع ومئتان وخمسون ذراعًا. انتهى. فمسافة القصر بالبرد: أربعةٌ، وبالفراسخ: ستَّة عشر، وبالأميال: ثمانية وأربعون، وبالأقدام: خمس مئة ألفٍ وستَّة وسبعون ألفًا، وبالأذرع: مئتا ألفٍ وثمانية وثمانون ألفًا، وبالأصابع: ستَّة آلاف ألفٍ وتسع مئة ألفٍ واثنا عشر ألفًا، وبالشُّعيرات: أحد وأربعون ألف ألف حبَّة (٢)، وأربع مئة ألف واثنان وسبعون ألفًا، وبالشَّعرات: مئتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمان مئة ألفٍ واثنان وثلاثون ألفًا، وبالزَّمن: يومٌ وليلةٌ، مع المعتاد من النُّزول والاستراحة والأكل والصَّلاة ونحوها، وعن ابن عبَّاس قال: «تُقْصَرُ الصَّلاة في مسيرة يومٍ وليلةٍ» رواه ابن أبي شَيبة بإسنادٍ صحيح، وذلك مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وضبطُها بذلك تحديدٌ لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة كما مرَّ، ولأنَّ القصر والجمع على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة، بخلاف تقدير القُلَّتَيْنِ ونحوهما، والبَرُّ كالبَحر (٣)، فلو قطع المسافة فيه في ساعةٍ قَصَرَ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وهو ستَّة عشر» بالتَّذكير، بدل: «وهي»، وسقط ذلك كلّه إلى آخر قوله: «فرسخًا» لابن عساكر.

стр. 2795

١٠٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة، أو هو ابن نصر السَّعدي، أو ابن منصور الكَوسَج، والأوَّل هو الرَّاجح، وسقط: «إبراهيم الحنظليُّ» لأبي ذرٍّ والأَصيلي (١) (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة الليثيِّ: (حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن عاصم العمريُّ، واستُدلَّ به على أنّه إذا قيل للشَّيخ: حدَّثكم فلانٌ بكذا، مع القرينة، صحَّ التَّحمُّل، لكن في «مسند إسحاق» في آخره: فأقرَّ به أبو أسامة وقال: نعم (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) بكسر الرَّاء لالتقاء السَّاكنين، سفرًا مباحًا أو لحجِّ فرضٍ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بلياليها، ولمسلمٍ: «ثلاث ليالٍ»، أي: بأيَّامها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فوق ثلاثة أيامٍ»، وللأَصيليِّ: «لا تُسَافِرُ المرأةُ ثلاثًا» (إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) بفتح الميم وسكون الحاء: الَّذي لا يحلُّ له نكاحُها، وتمسَّك به الحنفيَّة في أنَّ سفر القصر ثلاثة أيامٍ لأنَّ المرأة يجوز لها الخروج في أقلَّ منها لقصر المسافة وخفَّة الأمر، وإنَّما الرُّخصة في طويلٍ (٢) فيه مشقَّةٌ وتعبٌ، وأجيب بأنَّه لو كانت العلَّة ذلك لجاز للمرأة السَّفر فيما دون ذلك بلا محرَمٍ، لكنَّه لم يَجُزْ، والنَّهي للمرأة عن السَّير وحدها مُتَعَلِّقٌ بالزَّمان، فلو قطعت مسيرة ساعةٍ واحدةٍ مثلًا في يومٍ تامٍّ تعلَّق بها النهي، بخلاف المسافر، فإنَّه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلًا في يومين لم يَقْصِرْ، فافترقا. ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة (٣)، وأخرجه مسلمٌ.

стр. 2796

١٠٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد بن مغربل الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمري (عَنْ نَافِعٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرني» بالإفراد «نافع» (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ) مجزومٌ بـ «لا» النَّاهية، والكسرة لالتقاء السَّاكنين (ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) جعلها كالأولى تابعة، وللأَصيليِّ: «إلَّا معها ذو محرمٍ» فجعلها متبوعة، ولا فرق بينهما في المعنى، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا ومعها ذو مَحرم» بالواو قبل «معها»، وليس في «اليونينيَّة» واو (١)، ولمسلمٍ وأبي داود من حديث أبي سعيدٍ: «إلَّا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرمٍ منها». (تَابَعَهُ) أي: تابع عُبَيْدَ (٢) الله (أَحْمَدُ) بن محمَّد المروزيُّ أحد شيوخ المؤلِّف، وليس أحمد ابن حنبل حيث رواه (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ١٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن

стр. 2797

ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسم أبي ذئبٍ: هشام، العامريُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَعِيدٌ) هو ابن أبي سعيدٍ (المَقْبُرِيُّ) بضمِّ الموحدة، نسبةً إلى مقبرةٍ بالمدينة كان مجاورًا لها (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ (١) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «عن النبيِّ» (¬ ﷺ : لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) خرج مخرج الغالب، وليس المراد إخراج سوى المؤمنة لأنَّ الحُكم يعمُّ كلَّ امرأةٍ، مسلمةً كانت (٢) أو كافرةً، كتابيَّةً كانت أو حربيَّة، أو هو وصفٌ لتأكيد التَّحريم لأنَّه تعريضٌ أنَّها إذا سافرت بغير محرمٍ فإنَّها مخالفةٌ شرطَ الإيمان بالله واليوم الآخر لأنَّ التَّعرُّض إلى وصفها بذلك إشارةٌ إلى التزام الوقوف عند ما نُهيت عنه، وأنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر (٣) يقضي لها بذلك (أَنْ تُسَافِرَ) أي: لا يحلُّ لامرأةٍ مُسافَرتُها (مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) حالَ كونها (لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ) بضمِّ الحاء وسكون الرَّاء، أي: رجلٌ ذو حُرْمَةٍ منها بنسبٍ أو غير نسبٍ. و «مَسِيْرَةَ»: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى: السَّير؛ كالمعيشة بمعنى: العيش، وليست التَّاء فيه للمرَّة (٤). واستُشْكِلَ قوله في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في الحديث الأوَّل: «فوق ثلاثة أيام» حيث دلَّ على عدم جواز سفرها وحدها فوق ثلاثةٍ، والحديث الثَّاني: على (٥) عدم جواز ثلاثة، والثَّالث: على عدم جواز يومين، فمفهومُ الأوَّل ينافي الثَّاني، والثَّاني ينافي الثَّالث. وأُجيبَ بأنَّ مفهوم العدد لا اعتبار له، قاله الكِرمانيُّ. لكن قوله: «والثَّالث: على عدم جواز يومين» فيه نظر إلَّا أن يُقَدَّر في الحديث يوم بليلته، وليلة بيومها، قال: واختلاف الأحاديث لاختلاف جواب السَّائلين. (تَابَعَهُ) أي: ابن أبي ذئبٍ في لفظ مَتْنِ روايته السَّابقة (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، ممَّا وصله أحمد (وَسُهَيْلٌ) هو ابن أبي صالحٍ ممَّا وصله أبو داود وابن حبَّانَ (وَمَالِكٌ) الإمامُ ممَّا وصله مسلمٌ وغيره (عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) قال ابن حجر: واختُلِف على سُهيلٍ وعلى مالكٍ، وكأنَّ الرِّواية الَّتي جزم بها المُصَنِّفُ أرجحُ عنده منهم، ورجَّح الدَّارقُطنيُّ: أنَّه

стр. 2798

عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ليس فيه «عن أبيه»، كما رواه معظم رواة «الموطَّأ»، لكنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولة، ولا سيَّما إذا كان حافظًا، وقد وافق ابنَ أبي ذئبٍ على قوله: «عن أبيه» اللَّيثُ بن سعدٍ، عند أبي داود، واللَّيثُ وابنُ أبي ذئبٍ من أثبتِ النَّاس في سعيدٍ، وأمَّا رواية سهيلٍ، فذكر ابن عبد البرِّ أنَّه اضطرب في إسنادها ومتنها. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَقْصُرُ) الرُّباعيَّة (إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ) قاصدًا سفرًا طويلًا (وَخَرَجَ عَلِيٌّ) من الكوفة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عليُّ بن أبي طالب» (¬﵁، فَقَصَرَ) الصَّلاة الرُّباعيَّة (وَهْوَ يَرَى البُيُوتَ) أي: والحال أنَّه يرى بيوت الكوفة (فَلَمَّا رَجَعَ) من سفره هذا (قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الكُوفَةُ) فهل تتمُّ الصَّلاة أو تَقْصُر؟ وسقط لفظ: «له» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: لَا) نُتِمُّها (حَتَّى نَدْخُلَهَا) لأنَّا في حُكم المسافرين حتَّى ندخلها. وهذا التَّعليق وصله الحاكم من رواية الثَّوريِّ عن وِرْقَاء بن إياس -بكسر الواو وبعد الرَّاء قافٌ ثمَّ مَدَّة- عن عليِّ بن ربيعة قال: خرجنا مع عليٍّ … ، فذكره، وموضع (١) التَّرجمة من هذا الأثر ظاهر. واختُلِف متى يحصل ابتداء السَّفر حتَّى يُبَاح القصر؟ فعند الشَّافعيَّة يحصل ابتداؤه من بلدٍ له سورٌ بمفارقة سور البلد المختصِّ به وإن كان داخلُه مواضعَ خربةٍ ومزارع لأنَّ جميع ما هو داخلُه معدودٌ من البلدة، فإن كان وراءه دُوْرٌ مُتلاصقةٌ؛ صحَّح النَّوويُّ عدَم اشتراط مجاوزتها لأنَّها لا تُعَدُّ من البلد، وإن لم يكن له سورٌ فمبدؤه مجاوزة العُمْران حتَّى لا يبقى بيتٌ مُتَّصِلٌ ولا مُنْفَصِلٌ، لا الخراب الَّذي لا عمارةَ وراءه، ولا البساتين والمزارع المتَّصلة بالبلد، والقرية كبلدٍ، فيشترط مجاوزة العمران فيها، لا الخراب والبساتين والمزارع وإن كانت مُحَوَّطة، وأَوْلُ سَفَرِ ساكن الخيام كالأعراب مجاوزةُ الحِلَّة، وقال الحنفيَّة: إذا

стр. 2799

فارق بيوت المِصْر، وفي «المبسوط»: إذا خلَّف عمرانَ المِصْر، وقال المالكيَّة: يشترط في ابتداء القصر أن يُجاوِزَ البَلَديُّ البَلَد والبساتينَ المسكونة الَّتي في حُكمِها على المشهور، وهو ظاهر «المدوَّنة»، وعن مالكٍ: إن كانت قرية جُمُعَةٍ فحتَّى يُجاوِزَ ثلاثة أميالٍ، وأن يجاوز ساكنُ البادية حِلَّتَهُ وهي البيوت التي ينصبها من شعر أو غيره، وأما السَّاكن بقرية لا بناء بها ولا بساتين فبمجرد الانفصال عنها. ١٠٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، كما نصَّ عليه المِزِّيُّ في «الأطراف» (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله القرشيِّ التَّيميِّ (وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم وسكون التَّحتيَّة، الطَّائفيِّ المكيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عن أنسِ بنِ مالكٍ» (¬﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «مع رسول الله» (¬ ﷺ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعاتٍ (وَبِذِي الحُلَيْفَةِ) بضمِّ المهمَلة وفتح اللام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «والعصر بذي الحُلَيْفَة» أي: وصَلَّيتُ صلاةَ العصر بذي الحُلَيْفَة (رَكْعَتَيْنِ) قصرًا؛ لا يُقال: إنَّه يدلُّ على استباحة قصر الصَّلاة في السَّفر القصير لأنَّ بين المدينة وذي الحليفة ستةَ أميالٍ؛ لأنَّ ذا الحُلَيفة لم تكن غايةَ سفره، وإنَّما خرج قاصدًا مكَّةَ، فنزل بها، فحضرتِ العصر فصلَّاها بها. ١٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الصَّلَاةُ) بالإفراد (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ (١)) أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، و «الصَّلاة» مبتدأٌ، و «أوَّل» بدلٌ منه، أو مبتدأٌ ثانٍ خبره «ركعتان»، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز نصب لفظ «أوَّل» على الظَّرفيَّة، و «الصَّلاة» مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: فُرِضت ركعتين في أوَّل فرضها، وأصل الكلام: الصَّلاة

стр. 2800

فُرِضت ركعتين في أوَّل أزمنة فرضها، فهو ظرفٌ للخبر المُقَدَّر، و «ما»: مصدريَّة، والمضاف محذوفٌ كما تقرَّر، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ركعتين» بالياء نصبٌ على الحال السادِّ مسدَّ الخبر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفرع»، ولم يعرفها صاحب «المصابيح» -: «الصَّلوات» بالجمع، واستشكلها (١) من حيث اقتصار عائشة ﵂ معها على قولها: «ركعتين»؛ لوجوب التَّكرير في مثله، وقد وُجِدَتْ في روايةِ كريمةَ، وهي من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ركعتين ركعتين» بالتَّكرير، وحينئذٍ فزال الإشكال، ولله الحمد. (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) قال النَّوويُّ: أي: على جواز الإتمام (وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ) على سبيل التَّحتُّم، وقد استدلَّ بظاهره الحنفيَّة على عدم جواز الإتمام في السَّفر على أنَّ القصر عزيمةٌ لا رُخصةٌ، ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنَّه يدلُّ على أنَّ الأصل الإتمام لأنَّ القصر إنَّما يكون عن تمامٍ سابقٍ، ونفيُ الجُناح (٢) يدلُّ على جوازه دون وجوبه، فإن قلتَ: فما الجواب عن تقييد الآية بالخوف؟ أجيب بأنَّها وإن دلَّت بمفهوم المُخالفة (٣) على أنَّه لا يجوز القصر في غير حالة الخوف، لكن من شرط مفهوم المخالفة إن لم يخرج مَخرَج الأغلب فلا اعتبار بذلك الشَّرط كما في الآية فإنَّ الغالب من أحوال المسافرين (٤) الخوف. انتهى. وقال البيضاويُّ: شريطة (٥) باعتبار الغالب في ذلك الوقت ولذلك لم يعتبر مفهومها، وقد تظاهرت السُّنن على جوازه أيضًا في حال الأمن، أي: في السَّفر، ولا حاجة في القصر (٦) إلى تأويل الآية كما أَوَّلَه الحنفيَّةُ نُصرَةً لمذهبهم بأنَّهم ألِفوا الأربع، فكان مَظِنَّةً لأن يخطر ببالهم أنَّ عليهم نقصانًا في القصر، فسُمِّي الإتيان بها قصرًا على ظنِّهم، ونُفِيَ الجُناح فيه لتطييب أنفسهم بالقصر، قاله البيضاويُّ. ورأيته في بعض شروح «الهداية»، ويؤيِّد القول بالرُّخصة حديثُ: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم» لأنَّ الواجب لا يُسمى رُخْصَةً، وقولُ عائشة المرويُّ عند البيهقيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: يا رسول الله،

стр. 2801

قَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ، وأَفطرتَ وصُمْتُ، قال: «أحسنتِ يا عائشة»، وحديث الباب من قولها غير مرفوعٍ، فلا يُستَدَلُّ به، كما أنَّها لم تشهد زمان (١) فرض الصَّلاة، وتُعُقِّبَ بأنَّه ممَّا لا مجال للرَّأي فيه فله حكم الرفع، ولئن سلَّمنا أنَّها لم تشهد فرض الصَّلاة، لكنَّه مرسلُ صحابيٍّ، وهو حُجَّةٌ لاحتمال أخذها له عنه ﵊، أو عن أحدٍ من أصحابه ممَّن أدرك ذلك، وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الصَّلواتِ فُرِضت ليلةَ الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلَّا الصُّبح، كما روي من طريق الشَّعبيِّ عن مسروقٍ عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ صلاة الحَضَر والسَّفر ركعتين ركعتين، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة (٢) واطمأنَّ، زِيْدَ في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُرِكَتْ صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النهار» رواه ابنا خُزيمة وحِبَّان وغيرهما، ثمَّ بعد أن استقرَّ فرض الرُّباعيَّة خُفِّف منها في السَّفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وبهذا تجتمع الأدلة، ويؤيِّده أنَّ في «شرح المسند»: أنَّ قصر الصَّلاة كان في السَّنة الرَّابعة من الهجرة. (قَالَ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير: (مَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فما» (بَالُ عَائِشَةَ) ﵂ (تُتِمُّ) -بضمِّ أوَّله- الصَّلاة؟ (قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ من جواز القصر والإتمام، فأخذ بأحد الجائزين وهو الإتمام، أو أنَّه كان يرى القصر مُختصًّا بمن كان سائرًا، وأمَّا من أقام في مكانٍ في أثناء سفره فله حُكم المقيم فيتمُّ فيه، والحجَّة فيه ما رواه أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا قدم علينا معاوية حاجًّا صلَّى بنا الظُّهر ركعتين بمكَّة، ثمَّ انصرف إلى دار النَّدوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمِّك لأنَّه كان قد أتمَّ الصَّلاة، قال: وكان عثمان حيث أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكَّة يُصلِّي بها الظُّهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منًى وعرفة قَصَرَ الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ، وأقام بمنًى أتمَّ الصَّلاة، وهذا القولُ رجَّحَه في «الفتح» (٣) لتصريح الرَّاوي بالسَّبب، وقيل غير ذلك ممَّا يطول ذكرُه.

стр. 2802

ورواة حديث الباب ما بين بخاريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وفيه (١): التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وتقدَّم شيءٌ من مباحثه فيها. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُصَلِّي) المسافر (المَغْرِبَ) ولأبي ذرٍّ: «تُصلِّى المغربُ» (ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ) كالحَضَر لأنَّها وتر النَّهار، ويجوز في: «تُصَلَّى» فتح اللَّام مع المثنَّاة الفوقيَّة، و «المغرب» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، فإن قُلتَ: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النَّهار مع كونها ليليَّة؟ أُجِيبَ بأنَّها لمَّا كانت عقب آخر النهار ونُدِبَ إلى تعجيلها عقب الغروب أُطلِقَ عليها: وتر النهار لقُربِها منه. ١٠٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ) قيدٌ يخرج به ما إذا أعجله السَّير في الحضر؛ كأن كان خارج البلد في بستانٍ مثلًا (يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ) أي: صلاة المغرب (حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ) جمع تأخيرٍ، وهو الأفضل للسائر، أي: فيُصلِّيها ثلاثًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا (قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ) أبي (عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ) أي: التَّأخير المذكور، ولأبي ذرٍّ: «وكان عبد الله بن عمر يفعله» (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ).

стр. 2803

١٠٩٢ - (وَزَادَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ على رواية شُعيبٍ في قصة صَفيَّة وفعل ابن عمر خاصَّةً، وفيه التَّصريح بقوله: «قال عبد الله: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ » فقط ممَّا وصله الإسماعيليُّ كما في «الفتح»، والذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» كما في «مقدِّمته» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ) ورواه أسامة عنه ﷺ بلفظ: «جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء» (قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ المَغْرِبَ) حتَّى دخل وقت العشاء (وَكَانَ اسْتُصْرِخَ) بضمِّ التَّاء آخره معجَمةٌ مبنيًّا للمفعول من الصُّراخ، وهو الاستغاثة بصوتٍ مُرْتَفِعٍ (عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) أخت المختار بن أبي عبيدٍ الثقفيِّ، أي: أُخبِرَ بموتها بطريق مكَّة، قال سالمٌ: (فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بالرَّفع على الابتداء، أي: الصَّلاة حضرت، أو الخبريَّة، أي: هذه الصَّلاة، أي: وقتها (فَقَالَ) عبد الله لسالم: (سِرْ) أمرٌ من سَارَ يَسِيْرُ، قال سالمٌ: (فَقُلْتُ (١): الصَّلَاةَ ُ) بالرَّفع والنَّصب -كما مرَّ- ولأبي ذَرٍّ: «فقلتُ له (٢): الصَّلاة» (فَقَالَ) عبد الله له: (سِرْ، حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) والميلُ: أربعة آلاف خطوةٍ، وهو ثُلث فرسخٍ -كما مرَّ- والشَّكُّ من الرَّاوي (ثُمَّ نَزَلَ) أي: بعد غروب الشَّفق (فَصَلَّى) أي: المغرب والعَتَمة، جمع بينهما. رواه المؤلِّف في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٠]. (ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن عمر: (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عُمر: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ) من التَّأخير، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يُعْتِم» بعينٍ مهملة ساكنةٍ ثمَّ فوقيَّة مكسورة،

стр. 2804

بدل «يُؤَخِّرُ» أي: يدخل في العَتمة، وللأربعة: «يُقيم» بالقاف بدل العين، من الإقامة (فَيُصَلِّيهَا) أي: المغرب (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ركعاتٍ؛ إذ لا يدخُل القصر فيها، وقد نَقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وأمَّا جواب أبي الخطَّاب بن دحية للملك الكامل حين سأله عن حُكمها بجواز قصرها إلى ركعتين فباطلٌ، كالحديث الَّذي رواه له فيه، بل قيل: إنَّه واضع والمُخْتَلِقُ له، وقد رُمِيَ مع غزارة عِلمه وكثرة حفظه بالمُجَازَفَةِ في النَّقل، وذِكْرِ أشياء لا حقيقة لها (ثُمَّ يُسَلِّمُ) ﵊ منها (ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ) بفتح أوَّله والموحَّدة وآخره مثلَّثة، و «ما» مصدريَّة، أي: قلَّ لَبْثُهُ (حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ) منها (وَلَا يُسَبِّحُ) أي: لا يَتطوَّع بالصَّلاة (بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) وإنَّما خصَّ ابنُ عمر صلاة المغرب والعشاء بالذِّكر لوقوع الجمع له بينهما. (٧) (بابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِّ) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «على (١) الدَّابَّة» (وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ) زاد غير أبي ذَرٍّ: «به». ١٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المَدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن راشد (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عامر بن ربيعة العَنْزِيِّ (٢)» بفتح المهملة والنُّون والزَّاي (٣) (عَنْ أَبِيهِ) عامر بن ربيعة

стр. 2805

(قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي) النَّافلة (عَلَى رَاحِلَتِهِ) ناقته الَّتي تصلح لأن ترحل (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) ولغير أبي ذَرٍّ: «حيثما توجَّهت» (بِهِ) أي: في جهة مقصده إلى قِبَلِ القِبلة أو غيره، فصوب الطريق بدلٌ من القبلة، فلا يجوز له الانحراف عنه كما لا يجوز الانحراف في الفرض عن القبلة. ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ ومَدِيْنيِّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، قال الذهبيُّ: لعبد الله ولأبيه صحبةٌ، وفيه: التَّحديثُ والقولُ والرُّؤية، وأخرجه أيضًا في «تقصير (١) الصَّلاة» [خ¦١٠٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة». ١٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن ثَوبان -بفتح المثلَّثة- العامريِّ المدنيِّ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ، فِي غَيْرِ القِبْلَةِ) يتناول الدَّابَّة والرَّاحلة، والدَّابَّةُ أعمُّ، فاختار المؤلِّف في التَّرجمة لفظًا أعمَّ ليتناول اللَّفظين المذكورين، وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٠]: من طريق عُثمان بن عبد الله بن سُراقة عن جابرٍ: أنَّ ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أرضُهم قِبلَ المشرق لمن يخرج من المدينة، فتكون القِبلة على يسار القاصد إليهم. ١٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسيُّ (٢) الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)
следующие страницы →