قَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ، وأَفطرتَ وصُمْتُ، قال: «أحسنتِ يا عائشة»، وحديث الباب من قولها غير مرفوعٍ، فلا يُستَدَلُّ به، كما أنَّها لم تشهد زمان (١) فرض الصَّلاة، وتُعُقِّبَ بأنَّه ممَّا لا مجال للرَّأي فيه فله حكم الرفع، ولئن سلَّمنا أنَّها لم تشهد فرض الصَّلاة، لكنَّه مرسلُ صحابيٍّ، وهو حُجَّةٌ لاحتمال أخذها له عنه ﵊، أو عن أحدٍ من أصحابه ممَّن أدرك ذلك، وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الصَّلواتِ فُرِضت ليلةَ الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلَّا الصُّبح، كما روي من طريق الشَّعبيِّ عن مسروقٍ عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ صلاة الحَضَر والسَّفر ركعتين ركعتين، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة (٢) واطمأنَّ، زِيْدَ في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُرِكَتْ صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النهار» رواه ابنا خُزيمة وحِبَّان وغيرهما، ثمَّ بعد أن استقرَّ فرض الرُّباعيَّة خُفِّف منها في السَّفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وبهذا تجتمع الأدلة، ويؤيِّده أنَّ في «شرح المسند»: أنَّ قصر الصَّلاة كان في السَّنة الرَّابعة من الهجرة. (قَالَ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير: (مَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فما» (بَالُ عَائِشَةَ) ﵂ (تُتِمُّ) -بضمِّ أوَّله- الصَّلاة؟ (قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) بن عفَّان ﵁ من جواز القصر والإتمام، فأخذ بأحد الجائزين وهو الإتمام، أو أنَّه كان يرى القصر مُختصًّا بمن كان سائرًا، وأمَّا من أقام في مكانٍ في أثناء سفره فله حُكم المقيم فيتمُّ فيه، والحجَّة فيه ما رواه أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا قدم علينا معاوية حاجًّا صلَّى بنا الظُّهر ركعتين بمكَّة، ثمَّ انصرف إلى دار النَّدوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمِّك لأنَّه كان قد أتمَّ الصَّلاة، قال: وكان عثمان حيث أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكَّة يُصلِّي بها الظُّهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منًى وعرفة قَصَرَ الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ، وأقام بمنًى أتمَّ الصَّلاة، وهذا القولُ رجَّحَه في «الفتح» (٣) لتصريح الرَّاوي بالسَّبب، وقيل غير ذلك ممَّا يطول ذكرُه.
стр. 2802
ورواة حديث الباب ما بين بخاريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وفيه (١): التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وتقدَّم شيءٌ من مباحثه فيها.
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُصَلِّي) المسافر (المَغْرِبَ) ولأبي ذرٍّ: «تُصلِّى المغربُ» (ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ) كالحَضَر لأنَّها وتر النَّهار، ويجوز في: «تُصَلَّى» فتح اللَّام مع المثنَّاة الفوقيَّة، و «المغرب» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، فإن قُلتَ: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النَّهار مع كونها ليليَّة؟ أُجِيبَ بأنَّها لمَّا كانت عقب آخر النهار ونُدِبَ إلى تعجيلها عقب الغروب أُطلِقَ عليها: وتر النهار لقُربِها منه.
١٠٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ) قيدٌ يخرج به ما إذا أعجله السَّير في الحضر؛ كأن كان خارج البلد في بستانٍ مثلًا (يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ) أي: صلاة المغرب (حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ) جمع تأخيرٍ، وهو الأفضل للسائر، أي: فيُصلِّيها ثلاثًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا (قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ) أبي (عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ) أي: التَّأخير المذكور، ولأبي ذرٍّ: «وكان عبد الله بن عمر يفعله» (إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ).
стр. 2803
١٠٩٢ - (وَزَادَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ على رواية شُعيبٍ في قصة صَفيَّة وفعل ابن عمر خاصَّةً، وفيه التَّصريح بقوله: «قال عبد الله: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ » فقط ممَّا وصله الإسماعيليُّ كما في «الفتح»، والذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» كما في «مقدِّمته» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ) ورواه أسامة عنه ﷺ بلفظ: «جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء» (قَالَ سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ المَغْرِبَ) حتَّى دخل وقت العشاء (وَكَانَ اسْتُصْرِخَ) بضمِّ التَّاء آخره معجَمةٌ مبنيًّا للمفعول من الصُّراخ، وهو الاستغاثة بصوتٍ مُرْتَفِعٍ (عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ) أخت المختار بن أبي عبيدٍ الثقفيِّ، أي: أُخبِرَ بموتها بطريق مكَّة، قال سالمٌ: (فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بالرَّفع على الابتداء، أي: الصَّلاة حضرت، أو الخبريَّة، أي: هذه الصَّلاة، أي: وقتها (فَقَالَ) عبد الله لسالم: (سِرْ) أمرٌ من سَارَ يَسِيْرُ، قال سالمٌ: (فَقُلْتُ (١): الصَّلَاةَ ُ) بالرَّفع والنَّصب -كما مرَّ- ولأبي ذَرٍّ: «فقلتُ له (٢): الصَّلاة» (فَقَالَ) عبد الله له: (سِرْ، حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) والميلُ: أربعة آلاف خطوةٍ، وهو ثُلث فرسخٍ -كما مرَّ- والشَّكُّ من الرَّاوي (ثُمَّ نَزَلَ) أي: بعد غروب الشَّفق (فَصَلَّى) أي: المغرب والعَتَمة، جمع بينهما.
رواه المؤلِّف في «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٠].
(ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن عمر: (هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عُمر: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ) من التَّأخير، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يُعْتِم» بعينٍ مهملة ساكنةٍ ثمَّ فوقيَّة مكسورة،
стр. 2804
بدل «يُؤَخِّرُ» أي: يدخل في العَتمة، وللأربعة: «يُقيم» بالقاف بدل العين، من الإقامة (فَيُصَلِّيهَا) أي: المغرب (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ركعاتٍ؛ إذ لا يدخُل القصر فيها، وقد نَقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وأمَّا جواب أبي الخطَّاب بن دحية للملك الكامل حين سأله عن حُكمها بجواز قصرها إلى ركعتين فباطلٌ، كالحديث الَّذي رواه له فيه، بل قيل: إنَّه واضع والمُخْتَلِقُ له، وقد رُمِيَ مع غزارة عِلمه وكثرة حفظه بالمُجَازَفَةِ في النَّقل، وذِكْرِ أشياء لا حقيقة لها (ثُمَّ يُسَلِّمُ) ﵊ منها (ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ) بفتح أوَّله والموحَّدة وآخره مثلَّثة، و «ما» مصدريَّة، أي: قلَّ لَبْثُهُ (حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ) منها (وَلَا يُسَبِّحُ) أي: لا يَتطوَّع بالصَّلاة (بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) وإنَّما خصَّ ابنُ عمر صلاة المغرب والعشاء بالذِّكر لوقوع الجمع له بينهما.
(٧) (بابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِّ) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «على (١) الدَّابَّة» (وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ) زاد غير أبي ذَرٍّ: «به».
١٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المَدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن راشد (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عامر بن ربيعة العَنْزِيِّ (٢)» بفتح المهملة والنُّون والزَّاي (٣) (عَنْ أَبِيهِ) عامر بن ربيعة
стр. 2805
(قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي) النَّافلة (عَلَى رَاحِلَتِهِ) ناقته الَّتي تصلح لأن ترحل (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) ولغير أبي ذَرٍّ: «حيثما توجَّهت» (بِهِ) أي: في جهة مقصده إلى قِبَلِ القِبلة أو غيره، فصوب الطريق بدلٌ من القبلة، فلا يجوز له الانحراف عنه كما لا يجوز الانحراف في الفرض عن القبلة. ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ ومَدِيْنيِّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، قال الذهبيُّ: لعبد الله ولأبيه صحبةٌ، وفيه: التَّحديثُ والقولُ والرُّؤية، وأخرجه أيضًا في «تقصير (١) الصَّلاة» [خ¦١٠٩٧]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».
١٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن ثَوبان -بفتح المثلَّثة- العامريِّ المدنيِّ (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ، فِي غَيْرِ القِبْلَةِ) يتناول الدَّابَّة والرَّاحلة، والدَّابَّةُ أعمُّ، فاختار المؤلِّف في التَّرجمة لفظًا أعمَّ ليتناول اللَّفظين المذكورين، وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٠]: من طريق عُثمان بن عبد الله بن سُراقة عن جابرٍ: أنَّ ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أرضُهم قِبلَ المشرق لمن يخرج من المدينة، فتكون القِبلة على يسار القاصد إليهم.
١٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) النَّرسيُّ (٢) الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)
стр. 2806
بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابنُ خالدٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش الأسديُّ (عَنْ نَافِعٍ قَالَ: وكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) في السَّفر (وَيُوتِرُ) أي (١): يُصَلِّي (عَلَيْهَا) الوتر (وَيُخْبِرُ) ابنُ عُمر (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ) أي: ما ذُكِرَ، لكن يُشكِل صلاته ﵊ الوتر على الرَّاحلة مع كونه واجبًا عليه، وأجيب بأنَّ من خصائصه فعلَه عليها كما في «شرح المهذَّب»، فإن قلت: ما الجمع بين ما رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جُبيرٍ: أنَّ ابن عُمَر كان يُصَلِّي على الرَّاحلة تطوُّعًا، فإذا أراد أن يُوتِر نزل فأوتر على الأرض، وبين قوله في حديث الباب: ويُوتِر على الرَّاحلة؟ أجيب بأنَّه محمولٌ على أنَّه فَعَلَ كلًّا من الأمرين، ويُؤيِّدُ رواية الباب ما سبق في «أبواب الوتر» أنَّه أنكر على سعيد بن يسارٍ نُزوله على (٢) الأرض ليُوتِر، وإنَّما أنكره عليه مع كونه كان يفعله لأنَّه أراد أن يُبَيِّنَ له أنَّ النُّزول ليس بِحتْمٍ، ويحتَمِل أن يُنَزَّلَ فِعْلُ ابن عُمر على حالين، فحيث أوتر على الرَّاحلة كان مُجِدًّا في السَّير، وحيث نزل فأوتر على (٣) الأرض كان بخلاف ذلك، قاله في «فتح الباري». وفي الحديث: جوازُ الوترِ كغيره من النَّوافل على الرَّاحلة، وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد، ولو صلَّى منذورةً أو جنازةً على الرَّاحلة لم يَجُزْ لسلوكهم بالأُولى مسلك واجب الشرع، ولأنَّ الرُّكن الأعظم في الثَّانية القيام، وفعلها على الدَّابة السَّائرة يمحو صورته، ولو فرض إتمامه عليها فكذلك كما اقتضاه كلامهم لأنَّ الرُّخصة في النَّفل إنَّما كانت لكثرته وتكراره، وهذه نادرة، وصرَّح الإمام بالجواز، وصوَّبه الإسنويُّ، قال: وكلام الرَّافعيِّ يقتضيه، وقيس بالرَّاكب الماشي، ولا يُشتَرَطُ طُول السَّفر، فيجوز في القصير، قال الشَّيخ أبو حامد وغيره: مثل أن يخرج إلى ضيعةٍ مسيرتُها ميلٌ أو نحوه، لكن خصَّه مالكٌ بالسَّفر الَّذي تُقصَرُ (٤) فيه
стр. 2807
الصَّلاة، وحُجَّتُه أنَّ هذه الأحاديث إنَّما وردت في أسفاره ﵊، ولم يُنقَل أنَّه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، وحجَّة الجمهور مُطلق الإخبار في ذلك، وقال الحنفيَّة: لا تجوز إلَّا على الأرض.
(٨) (بابُ الإِيمَاءِ) في صلاة النَّفل (عَلَى الدَّابَّةِ) للرُّكوع والسُّجود لمن لم يتمكَّن منهما.
١٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) التَّبوذكيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «موسى بن إسماعيل» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القسمليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويُّ المدنيُّ (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ يُصَلِّي) النَّفل (فِي السَّفَرِ) حال كونه (عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ) حال كونه (يُومِئُ) بالهمزة، أي: يُشيرُ برأسه إلى الرُّكوع والسُّجود، من غير أن يضع جبهته على ظهر الرَّاحلة، وكان يُومِئُ للسُّجود أخفضَ من الرُّكوع تمييزًا بينهما، وليكون البدل على وَفْقِ الأصل، لكن ليس في هذا الحديث أنَّه ﵊ فعل ذلك، ولا أنَّه لم يفعله. نعم في حديثِ جابرٍ المرويِّ في أبي داودَ والتَّرمذيِّ: «بعثني رسول الله ﷺ في حاجةٍ، فجئت وهو يُصلِّي على راحلته نَحْوَ المشرق، والسُّجود أخفض من الرُّكوع» قال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وإنَّما جاز ذلك في النَّافلة تيسيرًا لتكثيرها، فإنَّ ما اتَّسع طريقُه سَهُل فعلُه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت: «توجَّهتْ به يومئ».
(وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ) أي: الإيماء الَّذي يدلُّ عليه قوله: «يومئ».
وهذا الحديث تقدَّم في «أبواب الوتر» في «باب الوتر في السَّفر» [خ¦١٠٠٠].
стр. 2808
(٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (يَنْزِلُ) الرَّاكب (لِلْمَكْتُوبَةِ) أي: لأجل صلاتها.
١٠٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ) أباه (عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ وَهْوَ) أي: حال كونه (عَلَى الرَّاحِلَةِ) حال كونه (يُسَبِّحُ) يُصَلِّي النَّفل (٢) حال كونه (يُومِئُ بِرَأْسِهِ) إلى الرُّكوع والسُّجود، والسُّجود أخفض (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: مقابِلَ (أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ) وللأَصيليِّ: «في صلاةِ» (المَكْتُوبَةِ) أي: المفروضة، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: قد يُتَمَسَّكُ به على أنَّ صلاة الفرض لا تُصلَّى على الرَّاحلة، وليس بقويٍّ في الاستدلال لأنَّه ليس فيه إلَّا ترك الفعل المخصوص، وليس التَّرك بدليلٍ على الامتناع، وقد يُقال: إنَّ دخول وقت الفريضة ممَّا يكثر على المسافر، فترك الصَّلاة على الرَّاحلة دائمًا مع فعل النَّوافل على الرَّاحلة يُشعِرُ بالفرق بينهما في الجواز وعدمه. انتهى. وقد حكى ابن بَطَّال إجماع العلماء على أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يُصلِّي الفريضة على الدَّابَّة من غير عذرٍ إلَّا ما ذُكِرَ في «صلاة شِدَّة الخوف».
١٠٩٨ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنِي يُونُسُ) بن يزيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «كان عبد الله
стр. 2809
بن عمر ﵄ (١) يُصلِّي» (عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ) جملة حاليَّة (مَا يُبَالِي حَيْثُ كَانَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ والكُشْمِيْهَنِيِّ، ولغيرهم: «حيثما كان» (وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ) يُصَلِّي النَّافلة (عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ) بفتح الموحَّدة بعد القاف المكسورة (أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ) أي: وهي سائرة، فلو صُلِّيَت على هودجٍ عليها وهي واقفةٌ صحَّت، وكذا لو كان في سريرٍ يحمله رجالٌ وإنْ مشوا به، بخلاف الدَّابَّة السَّائرة لأنَّ سيرها منسوبٌ إليه بدليل جواز الطَّواف عليها، وفرَّق المتولِّي بينها وبين الرِّجال السَّائرين بالسَّرير، بأنَّ الدَّابَّة لا تكاد تثبت على حالةٍ واحدةٍ، فلا تُراعى الجهة، بخلاف الرِّجال، قال: حتَّى لو كان للدَّابَّة من يلزم لجامها ويُسَيِّرُهَا بحيث لا تختلف الجهة جاز ذلك. انتهى.
١٠٩٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال (٢): (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، الزَّهرانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّسْتَُوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ) بالمثلَّثة المفتوحة، العامريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي) التَّطوُّع (عَلَى رَاحِلَتِهِ) وهي سائرةٌ (نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ) عن راحلته (فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) قال ابن بَطَّال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وقال المهلَّب: هذه الأحاديث تخَصِّص (٣) قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وتُبيِّنُ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] في النَّافلة.
стр. 2810
(١٠) (بابُ) حُكم (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الحِمَارِ).
١١٠٠ - وبه قال (١): (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن صخرٍ الدَّارميُّ المروزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء (٢) المهملة وتشديد الموحَّدة، ابن هلالٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن يحيى العَوذيُّ -بفتح العين المهملة- قال (٣): (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) أخو محمَّد بن سيرين (قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا) بسكون اللَّام (أَنَسًا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أنسَ بنَ مالكٍ ﵁» (حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ) أي: لمَّا سافر إليها يشكو الحَجَّاج الثَّقفيَّ إلى عبد الملك بن مروان، وكان ابن سيرين خرج إليه من البصرة، قال: (فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ) بالمثنَّاة وسكون الميم، موضع بطرف العراق ممَّا يلي الشَّام (فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي) التَّطُوَّع (عَلَى حِمَارٍ) وللأَصيليِّ: «على الحمار» (وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ، يَعْنِي عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ) وفي «الموطَّأ» عن يحيى بن سعيدٍ قال: «رأيت أنسًا وهو يُصلِّي على حمارٍ وهو متوجِّهٌ إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على شيء» (فَقُلْتُ) له: (رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ!) أنكر عليه عدم استقباله القبلة فقط، لا الصَّلاةَ على الحمار (فَقَالَ) أنسٌ مجيبًا له: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ) أي: تركَ الاستقبال الَّذي أنكره عليه، أو أعمَّ حتَّى
стр. 2811
يشمل صلاته على الحمار، ولأبي ذَرٍّ: «يفعله» مضارعًا (لَمْ أَفْعَلْهُ) وروى السَّرَّاج بإسنادٍ حسنٍ من طريق يحيى بن سعيدٍ عن أنسٍ: «أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ يُصلِّي على حمارٍ وهو ذاهبٌ إلى خيبر»، ولمسلمٍ من طريق عمرو بن يحيى المازنيِّ، عن سعيد بن يسارٍ، عن ابن عمر قال: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يصلِّي على حمارٍ وهو متوجِّهٌ إلى خيبر». ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمروزيٌّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والقول، وأخرجه مسلمٌ.
(رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إبراهيمُ بن طَهْمَانَ» (عَنْ حَجَّاجٍ) هو ابنُ حجَّاجٍ الباهليُّ البصريُّ، الملقَّب بزقِّ العسل (عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ زيادة: «ابن مالك» (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: لم يَسُقِ المصنَّف المتن، ولا وقفنا عليه موصولًا من طريق إبراهيم. نعم وقع عند السَّرَّاج من طريق عمرو بن عامر عن حجَّاج بلفظ: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي على ناقته حيث توجَّهت به» قال: فعلى هذا كأنَّ أنسًا قاس الصَّلاة على الرَّاحلة بالصَّلاة على الحمار. انتهى.
(١١) (بابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُْرَ الصَّلَاةِ) بالإفراد، ويجوز الجمع، وكلاهما في «اليونينية» (١)، وزاد الحَمُّويي: «وقبلها» وسقط لابن عساكر: «دُبُرَ الصَّلاة» كما في متن «فرع (٢) اليونينيِّ»، وزاد في الهامش سقوطه أيضًا عند الأَصيليِّ وأبي الوقت، وثبوته عند أبي ذرٍّ، و «دُبُْر»: بضمِّ الدَّال والموحَّدة وبإسكانها أيضًا.
١١٠١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجُعْفيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ:
стр. 2812
«حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضمِّ العين، ابن يزيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب العسقلانيُّ: (أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب (حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «سألت ابن عمر» (فَقَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ أَرَهُ) حال كونه (يُسَبِّحُ) يُصلِّي الرَّواتب الَّتي قبل الفرائض وبعدها (فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾) أي: قُدوَةٌ (﴿حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) وسُنَّةٌ صالحةٌ، فاقتدوا به.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومصريٍّ -بالميم- ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في هذا الباب [خ¦١١٠٢]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا (١) في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود وابن ماجه.
١١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عُمر بن الخطَّاب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) حفصُ بنُ عاصمٍ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ (٢) فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ) في عدد ركعات الفرض (٣) (عَلَى رَكْعَتَيْنِ) أو مُرادُه: لا يزيد نفلًا، ويدلُّ له ما رواه مُسلمٌ بلفظ: «صحبت ابن عمر في طريق مكَّة، فصلَّى لنا الظُّهر ركعتين، ثمَّ أقبل وأقبلنا معه، حتَّى جاء رَحْلَهُ وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع (٤) هؤلاء؟ قلت: يُسَبِّحون، قال: لو كنتُ مسبِّحًا لأتممتُ» يعني: أنَّه (٥) لو كان مُخيَّرًا بين الإتمام وصلاة الرَّاتبة لكان الإتمام أحبَّ إليه، لكنَّه فَهِمَ من القصر التَّخفيف فلذلك كان لا يُصلِّي الرَّاتبة ولا يُتمُّ (وَ) صحبت (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرَ) بن الخطَّاب (وَعُثْمَانَ) بن عفَّان (كَذَلِكَ) أي: صَحِبْتُهُم
стр. 2813
كما صَحِبْتُهُ ﷺ في السَّفر (¬﵃¬) وكانوا لا يزيدون في السَّفر على الرَّكعتين. واستُشكِلَ ذكر عثمان لأنَّه كان في آخر أمره يُتِمُّ الصَّلاة، كما مرَّ، وأُجيب بأنَّه جاء فيه في مسلمٍ: «وصدرًا من خلافته» قال في «المصابيح»: وهو الصَّواب، أو أنَّه كان يُتِمُّ إذا كان نازلًا، وأمَّا إذا كان سائرًا فيقصر، قال الزَّركشيُّ: ولعلَّ ابن عمر أراد في هذه الرِّواية أيَّام عثمان في سائر أسفاره في غير منى لأنَّ إتمامه كان بمنى، وقد روى عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَر عن الزُّهريِّ مرسلًا: أنَّ عثمان إنَّما أتمَّ الصَّلاة لأنَّه نوى الإقامة بعد الحجِّ، ورُدَّ بأنَّ الإقامة بمكَّة للمهاجرين أكثر من ثلاثٍ لا تجوز، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «المغازي» [خ¦٣٩٣٣] في الكلام على حديث العلاء بن الحضرميِّ، وقد سبق أنَّه إنَّما فعل ذلك مُتأوِّلًا جوازهما، فأخذ بأحد الجائزين.
(١٢) (بابُ مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا) وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «في غير دُبُرِ الصلوات (١) وقبلها» وثبت عند أبي ذرٍّ (وَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَي الفَجْرِ) السنَّة (فِي السَّفَرِ) ولأبي ذرٍّ: «في السَّفر ركعتي الفجر».
رواه مسلمٌ من حديث أبي قتادة في قصَّة النَّوم عن صلاة الصُّبح، ففيه: أنَّه صلَّى ركعتين قبل الصُّبح (٢) ثمَّ صلَّى الصُّبح.
١١٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «عمرو بن مُرَّة» بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله الجَمَليِّ، بفتح
стр. 2814
الجيم والميم، الكوفيِّ الأعمى (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن الأنصاريِّ المدنيِّ الكوفيِّ، اختُلِفَ في سماعه من عُمر (قَالَ: مَا أَنْبَأَنَا) ولأبي ذَرِّ: «ما أخبرنا» (أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ) بالهمز، ورفع «غيرُ» بدلًا من «أحدٌ» وذلك أنَّها (ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ) وليس فيه دلالة على نفي الوقوع لأنَّ ابن أبي ليلى إنَّما نفى ذلك عن نفسه فلا تَرِدُ عليه الأحاديث الواردة في الإثبات، وقوله: «ثَمانَِ» بفتح المثلَّثة والنُّون وكسرِها من غير ياء، استغناءً بكسرة النُّون، ولأبي ذرٍّ: «ثماني» بإثباتها، قالت: (فَمَا رَأَيْتُهُ) ﷺ (صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا) أي: من هذه الثَّمان (غَيْرَ أَنَّهُ) ﵊ (يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) قالته دفعًا لتوهُّم من يفهم أنَّه نقص منهما حيث عُبِّر بـ «أخفَّ». وموضع التَّرجمة من حيث إنَّه ﵊ صلَّى الضُّحى في السَّفر، ولم تكن في دُبُرِ صلاة من الصَّلوات، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢٩٢]، ومسلم في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
١١٠٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ) العَنْزِيُّ، ولأبي الوقت في نسخةٍ، وأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة «ابن ربيعة»: (أَنَّ أَبَاهُ) عامر بن ربيعة (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى) وفي نسخةٍ: «يُصلِّي» (السُّبْحَةَ) النَّافلة (بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) سقط قوله: «به» عند الأَصيليِّ.
стр. 2815
١١٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ) أي: يتنفَّل (عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) حال كونه (يُومِئُ بِرَأْسِهِ) إلى الرُّكوع والسُّجود وهو أخفض، وهذا لا يُنافي ما مرَّ من قوله: «لم يُسبِّح» إذ معناه لم أره يُصلِّي النَّافلة على الأرض في السَّفر لأنَّه روي: أنَّه ﵊ كان يقوم جوف اللَّيل في السَّفر، ويتهجَّد فيه، فغير ابن عمر رآه، فيقدَّم المثبت على النَّافي، ويحتمل أنَّه تركه ﷺ لبيان التَّخفيف في نفل السَّفر (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ) عقَّب المرفوع بالموقوف إشارةً إلى أنَّ العمل به مستمرٌّ، لم يلحقه معارضٌ ولا ناسخٌ.
(١٣) (بابُ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ) الطَّويل لا القصير (بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) والظُّهر والعصر، لا الصُّبح مع غيرها، والعصر مع المغرب لعدم وروده، ولا في القصير لأنَّ ذلك إخراجُ عبادةٍ عن وقتها، فاختَصَّ بالطَّويل ولو لمكيٍّ لأنَّ الجمع للسَّفر لا للنُّسك، ويكون تقديمًا وتأخيرًا، فيجوز في الجُمُعة والعصر تقديمًا -كما نقله الزَّركشيُّ واعتمده- لا تأخيرًا لأنَّ الجُمعة لا يتأتَّى
стр. 2816
تأخيرها عن وقتها، ولا تَجمَعُ المتحيِّرة تقديمًا، والأفضل تأخير الأولى إلى الثَّانية للسائر وقت الأولى ولمن بات بمزدلفة، وتقديمُ الثَّانية إلى الأولى للنَّازل في وقتها والواقف بعرفة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى جواز الجمع ذهب كثيرٌ من الصَّحابة والتَّابعين، ومن الفقهاء: الثَّوريُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق وأشهب، ومنعه قومٌ مطلقًا إلَّا بعرفة فيجمع بين الظُّهر والعصر، ومزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء، وهو قول الحسن والنَّخعيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه، وقال المالكيَّة: يختصُّ بمن يَجِدُّ في السَّير، وبه قال اللَّيث، وقيل: يختصُّ بالسَّائر دون النَّازل، وهو قول ابن حبيب، وقيل: يختصُّ بمن له عُذرٌ، وحُكي عن الأوزاعيِّ، وقيل: يجوز جمع التَّأخير دون التَّقديم، وهو مرويٌّ عن مالكٍ وأحمد، واختاره ابن حزمٍ.
١١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المَدِينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) جمع تأخيرٍ (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدَّ أو عزم وترك الهُوينى، ونسبةُ «السَّير» إلى الفعل مجازٌ، وإنَّما اقتصر ابن عمر على ذكر «المغرب والعشاء» دون جمع الظُّهر والعصر لأنَّ الواقعَ له جمعُ المغرب والعشاء، وهو ما سُئِل عنه فأجاب به حين استُصرخ على امرأته صفيَّة بنت أبي (١) عبيد فاستعجل، فجمع بينهما جمع تأخيرٍ كما سبق في «باب يصلِّي المغرب ثلاثًا» [خ¦١٠٩١].
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ.
стр. 2817
١١٠٧ - ١١٠٨ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) ممَّا وصله البيهقيُّ (عَنِ الحُسَيْنِ) بالتَّعريف، ابن ذكوان العوذيِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن حسين» (المُعَلِّمِ) بكسر اللَّام المشدَّدة مِنَ التَّعليم (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ (١) الظُّهْرِ وَالعَصْرِ) جمع تأخيرٍ (إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) بإضافة «ظَهْرِ» إلى «سَيْرٍ»، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ظَهْرٍ» بالتَّنوين، «يسيرُ» بلفظ المضارع، أي: حال كونه يسير. وعزا في «الفتح» الأولى: للأَصيليِّ، والثَّانية: للكُشْمِيْهَنِيِّ، ولفظ: «ظَهْر» مقحمٌ كقوله: «الصَّدقة عن ظهرِ غنًى» وقد يُزاد في مثل هذا الكلام اتِّساعًا، كأنَّ السَّير مستندٌ إلى ظَهْرٍ قويٍّ من المَطيِّ مثلًا، وفيه جناس التَّحريف بين الظَّهرِ والظُّهرِ (وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ. وَ) قال إبراهيم بن طَهْمَانَ (عَنْ حُسَيْنٍ) المعلِّم، كما جزم به أبو نُعيمٍ، أو هو تعليقٌ عن الحسين (٢) لا بقيد كونه من رواية ابن طهمان (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ (٣) عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ) لم يقيِّده بِجِدٍّ في السَّير ولا بعدمه، لكن من يشترطُ الجِدَّ فيه يقول: هو مطلقٌ، فيحمل على المقيَّد، وأُجيب بأنَّ هذا عامٌّ،
стр. 2818
وذلك ذِكْرُ بعضِ أفراده فلا يُخصَّصُ به، وقال ابن بطَّال: كلُّ راوٍ يروي (١) ما رآهُ (٢)، وكلٌّ سُنَّة.
(وَتَابَعَهُ) بالواو، أي: حُسينًا المعلِّم، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «تابعه» (عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) البصريُّ ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «المستخرَج» من طريق عثمان بن عمر بن فارسٍ عنه (وَحَرْبٌ) هو ابن شدَّاد اليَشْكُرِيُّ (عَنْ يَحْيَى) القطَّان البصريِّ (عَنْ حَفْصٍ) هو ابن عُبيد (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك: (جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وسقط قوله: «وحَرْبٌ» في رواية أبي ذَرٍّ كما في «فرع اليونينيَّة» (٣)، والله الموفِّق (٤).
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُؤَذِّنُ) المصلِّي (أَوْ يُقِيمُ) من غير أذانٍ، أو معه (إِذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) وبين الظُّهر والعصر، في السَّفر الطَّويل؟
١١٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ) استحثَّه (السَّيْرُ فِي السَّفَرِ) الطَّويل (يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المغْرِبِ) أي (٥): إلى أن يغيب الشَّفق كما رواه مسلم كالمؤلِّف في «الجهاد»، ولعبد الرَّزَّاق عن نافعٍ: «فأخَّر (٦)
стр. 2819
المغرب بعد ذهاب الشَّفق حتَّى ذهب هويٌّ من اللَّيل» (حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا (١) وَبَيْنَ) صلاة (العِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ) بالسَّند المذكور: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ) أي: التَّأخير والجمع بين الصَّلاتين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وكان عبد الله بن عمر ﵄ يفعله» (إِذَا أَعْجَلَهُ) استحثَّه (السَّيْرُ، وَيُقِيمُ) ولأبي ذَرٍّ: «يُقيم» بإسقاط الواو (المَغْرِبَ) يحتمل الإقامة وحدها، أو يريد ما تقام به الصَّلاة من أذانٍ وإقامةٍ، وليس المراد نفسَ الأذان، وعن نافعٍ عن ابن عمر عند الدَّارقُطنيِّ: «فنزل فأقام الصَّلاة، وكان لا ينادي بشيءٍ من الصَّلاة في السَّفر» (فَيُصَلِّيهَا) أي: المغرب (ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ) منها (ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ) أي: ثمَّ قلَّ مدَّة لبثه، وذلك اللَّبث لقضاء بعض حوائجه ممَّا هو ضروريٌّ، كما وقع في الجمع بمزدلفة في إناخة الرَّواحل (حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ) منها (وَلَا يُسَبِّحُ) ولا يتنفَّل (بَيْنَهَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بينهما» أي: بين المغرب والعشاء (بِرَكْعَةٍ) من إطلاق الجُزء على الكُلِّ (وَلَا) يسبِّح أيضًا (بَعْدَ) صلاة (العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ) أي: بركعتين، كما في قوله «بركعة» (حَتَّى) أي (٢): إلى أن (يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) يتهجَّد، وروى ابن أبي شيبة عن نافعٍ عن ابن عمر: «أنَّه كان لا يتطوَّع في السَّفر قبل الصَّلاة ولا بعدها، وكان يصلِّي من اللَّيل»، وفي حديث حفص بن عاصمٍ السَّابق في «باب من لم يتطوَّع في السَّفر دبر الصَّلوات» [خ¦١١٠١] قال: «سافر ابن عمر فقال: صحبتُ النَّبيَّ ﷺ فلم أره يُسبِّح في السَّفر» وهو شاملٌ لرواتب الفرائض وغيرها، قال النَّوويُّ: لعلَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي الرَّواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، أو لعلَّه تركها بعض الأوقات لبيان الجواز. انتهى. وإذا قلنا بمشروعيَّة الرَّواتب فيه -وهو مذهبنا- فإن جَمَع الظُّهر والعصر قدَّم سنَّة الظُّهر الَّتي قبلها، وله تأخيرُها سواءٌ جمعَ تقديمًا أو تأخيرًا، وتوسيطُها إن جمع تأخيرًا سواءٌ قدَّم الظُّهر أم العصر، وأخَّر سنَّتها الَّتي بعدها، وله توسيطُها (٣) إن جمع تأخيرًا (٤) وقدَّم الظُّهر وأخَّر عنهما سنَّة العصر (٥)،
стр. 2820
وله توسيطها (١) وتقديمها إن جمع تأخيرًا سواءٌ قدَّم الظُّهر أم العصر، وإذا جمع المغرب والعشاء أخَّر سنَّتيهما مُرتَّبةً، سنَّة المغرب ثمَّ سنَّة العشاء ثمَّ الوتر، وله توسيط سنَّةِ المغرب إن جمع تأخيرًا وقدَّم المغرب، وتوسيط سنَّة العشاء إن جمع تأخيرًا وقدَّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع، قاله في «شرح الرَّوض».
١١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) هو (٢) ابن رَاهُوْيَه -كما جزم به أبو نُعيمٍ- أو إسحاق بن منصورٍ الكوسج -كما قاله أبو عليٍّ الجيَّانيُّ- قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «أخبرنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) التَّنُّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «عبد الصمد بن عبد الوارث» قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) بالمهملة المفتوحة وإسكان الرَّاء آخره موحَّدة، ابن شدَّاد (٣) اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثير (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، يَعْنِي: المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) يحتمل جمع (٤) التَّقديم والتَّأخير، وأورد المؤلِّف هذا الحديث مُفسَّرًا بحديث ابن عمر السَّابق [خ¦١١٠٩] لأنَّ في حديث أنس إجمالًا، والمفسَّر -بالفتح- تابعٌ للمفسِّر، بالكسر.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ ومروزيٍّ.
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُؤَخِّرُ) المسافر (الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ)
стр. 2821
بزايٍ وغينٍ معجمةٍ، أي: قبل أن تميل؛ وذلك إذا فاء الفيء. (فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) رواه أحمد بلفظ: كان إذا زاغت في منزله جمع بين الظُّهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله (١) سار حتَّى إذا كانت (٢) العصر نزل فجمع بين الظُّهر والعصر.
١١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ) بن عبد الله بن سهل الكنديُّ (الوَاسِطِيُّ) أبوه قَدِمَ مِصر فوُلِد له بها حسَّان المذكور، واستمرَّ بها إلى أن توفِّي بها (٣) سنة ثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ) بضمِّ الميم وفتح الفاء والضَّاد المعجمة المشدَّدة (بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة المخفَّفة (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رسول الله) ولأبي ذرٍّ (٤): «النَّبيُّ» (¬ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ) أي: تميل (الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) في وقت العصر (وَإِذَا زَاغَتْ) أي: الشمس، قبل أن يرتحل (صَلَّى الظُّهْرَ) أي: والعصر، كما رواه إسحاق بن رَاهُوْيَه في هذا الحديث عند الإسماعيليِّ كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (ثُمَّ رَكِبَ). وقد حمل أبو حنيفة أحاديث الجمع على الجمع المعنويِّ (٥) الصُّوريِّ، وهو: أنَّه أخَّر الظُّهر مثلًا إلى آخر وقتها، وعجَّل العصر في أوَّل وقتها، وأُجيب بأنَّه صرَّح بالجمع في وقت إحدى الصَّلاتين حيث قال: أخَّر الظُّهر إلى وقت العصر.
стр. 2822
ورجال هذا الحديث الخمسة ما بين مصريٍّ -بالميم- وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ارْتَحَلَ) المسافر (بَعْدَمَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: مالت (صَلَّى الظُّهْرَ) أي: والعصر جَمْعَ تقديمٍ (ثُمَّ رَكِبَ).
١١١٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قتيبة بن سعيد» (قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ ابْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة فيهما (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ) عن (١) راحلته (فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فإذا» (زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ) كذا في الكتب المشهورة عن عُقَيْل بغير ذكر «العصر»، وقد تمسَّك به من منع جمع التَّقديم، وقد قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديثٌ قائمٌ. انتهى. وقد روى إسحاق بن رَاهُوْيَه حديث الباب عن شَبَابَةَ بن سَوَّارٍ فقال: «إذا كان في سفرٍ فزالت الشَّمس صلَّى الظُّهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل» أخرجه الإسماعيليُّ، ولا يقدح تفرُّد إسحاق به عن شَبَابة (٢)، ولا تفرُّد جعفر الفِرْيَابيِّ به عن إسحاق لأنَّهما إمامان حافظان. والمشهور في جمع التَّقديم حديث أبي داود والتِّرمذيِّ من طريق اللَّيث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطُّفيل عن معاذ بن جبلٍ: «أنَّ
стр. 2823
النَّبيَّ ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشَّمس أخَّر الظُّهر حتَّى يجمعها إلى العصر، فيصلِّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشَّمس صلَّى الظُّهر والعصر جميعًا … » الحديثَ، لكنَّه أُعِلَّ بتفرُّد قتيبة به عن اللَّيث، بل أشار البخاريُّ إلى أنَّ بعض الضُّعفاء أدخله على قتيبة كما حكاه الحاكم في «علوم الحديث»، وله طريقٌ أخرى عن معاذ بن جبلٍ، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعدٍ عن أبي الزُّبير عن أبي الطُّفيل، لكن هشامٌ مُختَلَفٌ فيه فقد ضعَّفه ابن معينٍ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه ولا يُحتَجُّ به، وقد خالفَ الحفَّاظُ من أصحاب أبي الزُّبير كمالكٍ والثَّوريِّ وقُرَّة بن خالدٍ، فلم يذكروا في روايتهم جمع التَّقديم، وقد ورد فيه حديثٌ عن ابن عبَّاس أخرجه أحمد، وتقدَّم أوَّل الباب السَّابق، وأورده أبو داود تعليقًا، والتِّرمذي في بعض الرِّوايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشميُّ وهو ضعيفٌ، لكن له شاهدٌ من طريق حمَّادٍ عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عبَّاس لا أعلمه إلَّا مرفوعًا: «أنَّه كان إذا نزل منزلًا في السَّفر فأعجبه أقام فيه (١) حتَّى يجمع بين الظُّهر والعصر ثمَّ يرتحل، فإذا لم يتهيَّأ له المنزل مدَّ في السَّير، فسار حتَّى ينزل فيجمع بين الظُّهر والعصر» أخرجه البيهقيُّ ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أنَّه مشكوكٌ في رفعه، والمحفوظ أنَّه موقوفٌ، وقد أخرجه البيهقيُّ من وجهٍ آخر مجزومًا بوقفه على (٢) ابن عبَّاس، ولفظه: «إذا كنتم سائرين … » فذكر (٣) نحوَه، قاله في «فتح الباري». وقد روى مسلمٌ عن جابرٍ: «أنَّه ﷺ جمع بين الظُّهر والعصر بعرفة في وقت الظُّهر» فلو لم يَرِدْ مِنْ فِعلِه إلَّا هذا لكان أدلَّ دليلٍ على جواز جمع التَّقديم في السَّفر»، قال الزُّهريُّ: سألتُ سالمًا: هل يُجمع بين الظُّهر والعصر في السَّفر؟ فقال: نعم، ألا ترى إلى صلاة النَّاس بعرفة؟ ويُشترط لجمع التَّقديم ثلاثة شروطٍ: تقديم الأولى على الثَّانية لأنَّ الوقت لها والثَّانية تَبَعٌ، فلا تتقدَّم على متبوعها، وأن ينوي الجمع في الأولى، وأن يوالي بينهما لأنَّ الجمع يجعلهما (٤)
стр. 2824
كصلاةٍ واحدةٍ، ولأنَّه ﵊ لمَّا جمع بينهما بنَمِرة وَالَى بينهما، وترك الرَّواتب، وأقام الصَّلاة بينهما. رواه الشَّيخان. نعم لا يضرُّ فَصْلٌ يسيرٌ في العُرف، وإن جمع تأخيرًا فلا يُشترط إلَّا نيَّةُ التَّأخير للجمع في وقت الأولى ما بقي قدر ركعةٍ، فإن أخَّرها حتَّى فات وقت الأداء بلا نيَّةٍ للجمع عصى وقضى.
(١٧) (بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ) متنفِّلًا لعذرٍ أو غيره، ومُفترضًا عند العَجْز، إمامًا كان المصلِّي أو مأمومًا أو مُنفردًا.
١١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) وسقط قوله: «ابن سعيدٍ» عند الأَصيليِّ وأبي الوقت (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ) أي (١): والحال أنَّه (شَاكٍ) بتخفيف الكَّاف والتَّنوين، أي: مُوجَعٌ
стр. 2825
يشكو من مزاجه انحرافًا عن الاعتدال، ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «شاكي» بإثبات الياء، وفيه شذوذٌ (فَصَلَّى جَالِسًا) لكونه خُدِشَ شِقُّهُ (وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ) ﵊: (أَنِ اجْلِسُوا) وهذا منسوخٌ بصلاته ﷺ في مرض موته جالسًا والنَّاس خلفه قيامًا كما مرَّ في «باب إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به» [خ¦٦٨٩]. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊ من صلاته (قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي: ليُقتدى به (فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) من الرُّكوع (فَارْفَعُوا) منه.
١١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (¬﵁ قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ) ولابن عساكر: «عن» (فَرَسٍ، فَخُدِشَ) بضمِّ الخاء المعجمة وكسر الدَّال، أي: انقشر جِلده (-أَوْ فَجُحِشَ- شِقُّهُ الأَيْمَنُ) بكسر الشِّين المعجمة (١)، وجُحِشَ، بضمِّ الجيم وكسر المهملة وبالمعجمة آخره، شكٌّ من الرَّاوي، وهما بمعنًى (فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى) الفرض (قَاعِدًا) لمشقَّة القيام (فَصَلَّيْنَا قُعُودًا) اقتداءً به، لكنَّه منسوخٌ كما مرَّ قريبًا (وَقَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي: ليُقتدى به (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (٢) من الرُّكوع (فَارْفَعُوا) منه (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقولوا: اللَّهمَّ ربَّنا» (وَلَكَ الحَمْدُ) بالواو، أي: بعد قولهم: سمع الله لمن حمده.
стр. 2826
١١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج (قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الرَّاء في الأوَّل وضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة قال: (أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ) المعلِّم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصاد المهملتين (¬﵁: أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ . ح) وبه قال: (وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ) وللحَمُّويي والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، في نُسخةٍ: «وحدَّثنا» بالجمع، ولابن عساكر: «وحدَّثني» وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي في نسخة: «وزاد إسحاق» هو شيخه ابن منصور السَّابق كما قاله ابن حجر، أو إسحاق بن إبراهيم كما نصَّ عليه (١) الكلاباذيُّ والمِزِّيُّ في «الأطراف» فيما نقله العينيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) التَّنُّوريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) عبد الوارث بن سعيد (قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ) بالألف واللَّام، لِلَمح الصِّفة لأنَّهما لا يدخلان في الأعلام، وهو المعلِّم السَّابق (عَنِ ابْنِ (٢) بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عبد الله، وفي «اليونينيَّة»: «عن أبي بُرَيدة»، وقال في هامشها: إنَّ صوابه بالنُّون بدل الياء (٣) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء مع التَّنكير، ولأبي ذَرٍّ: «الحصين» وفيه التَّصريح بالتَّحديث عن عِمران، واستغنى به عن تكلُّف ابن حِبَّان في إقامة الدَّليل على أنَّ ابن بُرَيدة عاصر عِمران (وَكَانَ) ابن حصينٍ (مَبْسُورًا) بفتح الميم وسكون الموحَّدة وبعدها سينٌ مهملة، أي: كان به بواسير، وهي في عُرف الأطباء: نفاطَاتٌ تحدث في نفس المُقعدة ينزل منها مادَّةٌ (قَالَ: سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت في نسخةٍ: «أنَّه: سأل» (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: النَّفل أو الفرض حال كونه (قَاعِدًا، فَقَالَ) ﵊: (إِنْ صَلَّى) حال كونه (قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى) نفلًا حال كونه (قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى)
стр. 2827
حال كونه (نَائِمًا) بالنُّون، يعني: مضطجعًا على هيئة النَّائم، كما يدلُّ عليه قوله في رواية أبي داود: «فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ»، وكذا في رواية التِّرمذيِّ وابن ماجه وأحمد في «سننه»، وفيها: عن عمران بن حصين قال: كنت رجلًا ذا أسقامٍ كثيرةٍ، وبـ «الاضطجاع» فسَّره به المؤلِّف كما يأتي في الباب التَّالي إن شاء الله تعالى، وهذا كلُّه يردُّ على الخطَّابيِّ حيث حمل النَّوم على الحقيقيِّ الذي إذا وجده يقطع الصَّلاة، وادَّعى أنَّ الرِّواية: «ومن صلَّى بإيماءٍ» على أنَّه جارٌّ ومجرورٌ، وأنَّ المجرور (١) مصدر «أومأ»، وغَلِط فيه النَّسائيُّ، وقال: إنَّه صحَّفه (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ) إلَّا النَّبيّ ﷺ فإنَّ صلاتَه قاعدًا لا ينقص أجرُها عن صلاته قائمًا لحديث عبد الله بن عمر (٢) المرويِّ في مسلمٍ وأبي داود والنَّسائيِّ قال: بلغني أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صلاة الرَّجل قاعدًا على نصف أجر (٣) الصَّلاة … »، فأتيتُه فوجدتُه يُصلِّي جالسًا، فوضعت يدي على رأسي، فقال: ما لكَ يا عبد الله؟ فأخبرته، فقال: «أجل، ولكنِّي لست كأحدٍ منكم» وهذا ينبني على أنَّ المتكلِّم داخلٌ في عموم خطابه، وهو صحيحٌ، وقد عدَّ الشَّافعيَّة هذه المسألة في (٤) خصائصه، وسؤال عمران بن حصينٍ عن الرَّجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فالمرأة والرَّجل في ذلك سواءٌ، والنِّساء شقائق الرِّجال، وهل ترتيب الأجر فيما ذُكِر في المتنفِّل أو المفترِض؟ حمله بعضهم على المتنفِّل القادر، ونقله ابن التِّين وغيره عن أبي عبيدٍ (٥)، وابن الماجِشون وإسماعيل القاضي وابن شعبان والإسماعيليِّ والدَّاوديِّ وغيرهم، ونقله التِّرمذيُّ عن
стр. 2828
الثَّوريِّ، وحمله آخرون -منهم الخطَّابيُّ- على المفترِض الَّذي يمكنه أن يتحامل، فيقوم مع مشقَّةٍ وزيادة ألمٍ، فجعل أجره على النَّصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام لزيادة الأجر وإن كان يجوز قاعدًا، وكذا في الاضطجاع، وعند أحمد بسندٍ رجالُه ثقاتٌ، من طريق ابن جريجٍ عن ابن شهابٍ عن أنسٍ قال (١): «قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة وهي مُحَمَّة، فَحُمَّ النَّاس، فدخل النَّبيُّ ﷺ المسجد والنَّاس يُصلُّون من قعودٍ، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم»، وصنيع المؤلِّف يدلُّ على ذلك، حيث أدخلَ في الباب حديثي عائشة وأنسٍ، وهما في صلاة المفترض قطعًا.
ورواة هذا الحديث بطريقيه كلُّهم بصريُّون إلَّا شيخ المؤلِّف وابن بريدة فمروزيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في البابين التَّاليين لهذا، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٨) (بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ) ظاهرُه: أنَّ المؤلِّف يختار جواز الإيماء، وهو أحد الوجهين للشَّافعيَّة، والموافق للمشهور عند المالكيَّة من (٢) جوازه قاعدًا مع القُدرة على الرُّكوع والسُّجود، والأصحُّ عند المتأخِّرين عدمُ الجواز للقادر وإن جاز التَّنفُّل مضطجعًا، بل لا بدَّ من الإتيان بهما حقيقةً.
١١١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) بكسر اللَّام المشدَّدة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ
стр. 2829
الموحَّدة: (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا) بالموحَّدة السَّاكنة (وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ) شيخ المؤلِّف (مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ) بدل قوله: أنَّ عِمران، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن حصين» (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (قَاعِدٌ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى) حال كونه (قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ) من القاعد (وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى) حال كونه (نَائِمًا) بالنُّون (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ) وليس فيه ذِكر ما تُرجِم له من الإيماء، إنَّما فيه ذِكر النُّوم، وقد اعترضه الإسماعيليُّ فنسبه إلى تصحيف «نائمًا» الَّذي بالنون بمعنى (١) اسم الفاعل «بإيماءٍ» بالموحَّدة الَّتي بعدها مصدر «أومأ» فلذا ترجم به، وليس كما قال الإسماعيليُّ فقد وقع في رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ هنا: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «قوله: «نائمًا» عندي أنَّ معناه: مضطجعًا هنا (٢)» وأُطلِق عليه النَّوم لكثرة ملازمته له، وهذا التَّفسير وقع مثله في رواية عفَّان عن عبد الوارث في هذا الحديث عند الإسماعيليِّ، قال عبد الوارث: النَّائم: المضطجع، وهذا يَرُدُّ على الإسماعيليِّ كما ترى، وكأنَّ البخاريَّ كوشف به، وحكاه ابن رُشَيدٍ عن (٣) رواية الأَصيليِّ: «بإيماء» بالموحَّدة على التَّصحيف، ولا يخفى ما فيه، والله الموفِّق.
(١٩) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يُطِقْ) أي: المصلِّي أن يصلِّي (قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ (٥))
стр. 2830
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جُرَيجٍ عنه بمعناه: (إِنْ) وللمُستملي والحَمُّويي: «إذا» (لَمْ يَقْدِرْ) لمانعٍ شرعيٍّ من مرضٍ أو غيره على (١) (أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى القِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ).
مطابقته للتَّرجمة من حيثُ العَجْزُ، لكن الأوَّل (٢) من حيث العجز عن القعود، وهذا عن التَّحول إلى القبلة.
١١١٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن المبارك (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحُسَيْنُ المُكْتِبُ) بضمِّ الميم وإسكان الكاف وكسر المثنَّاة الفوقيَّة مخفَّفة، وقيل: بتشديدها مع فتح الكاف، وهي رواية أبي ذرٍّ كما في «الفرع» و «أصله» وهو ابن ذكوان المعلِّمُ الَّذي يُعلِّم الصِّبيان الكتابة (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁¬) أنه (٣) (قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ) أي: عن (٤) صلاة المريض كما رواه التِّرمذيُّ، ودلَّ عليه قوله في أوَّله: «وكانت بي بواسير» (فَقَالَ) ﵊: (صَلِّ) حال كونك (قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) بأن وجدتَ مشقَّةً شديدةً بالقيام، أو خوفَ زيادة مرضٍ أو هلاكٍ أو غرقٍ ودوران رأسٍ لراكب سفينةٍ (فَقَاعِدًا) أي: فصلِّ حال كونك قاعدًا كيف شئت. نعم قعودُه مفترشًا أفضل لأنَّه قعودٌ (٥) لا يعقبه سلامٌ كالقعود للتَّشهُّد الأوَّل، والإقعاء -وهو أن
стр. 2831
يجلس على وركيه وينصب فخذيه، وزاد أبو عبيدة: ويضع يديه على الأرض- مكروه للنَّهي عنه في الصَّلاة كما رواه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط البخاريِّ (فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أي: القعود للمشقَّة المذكورة (فَعَلَى) أي: فصلِّ على (جَنْبٍ) -وجوبًا- مستقبل (١) القبلة بوجهك، رواه الدَّارقُطنيُّ من حديث عليٍّ، واضطجاعه على الأيمن أفضل، ويُكره على الأيسر بلا عذر كما جزم به في «المجموع»، وزاد النَّسائيُّ: «فإن لم تستطع فمستلقيًا» أي: وأخمصاه للقبلة، ورأسه أرفع بأن تُرفع وسادته (٢) ليتوجَّه بوجهه للقبلة (٣)، لكن هذا كما قاله في «المهمَّات» في غير الكعبة، أمَّا فيها فالمتَّجه جواز الاستلقاء على ظهره وعلى وجهه لأنَّه كيفما توجَّه متوجِّهٌ لجزءٍ منها، ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فإن قدر المصلِّي على الرُّكوع فقط كرَّره للسُّجود، ومن قدر على زيادةٍ على أكمل الرُّكوع تعيَّنت تلك الزِّيادة للسُّجود لأنَّ الفرق بينهما واجبٌ على المتمكِّن، ولو عجز عن السُّجود إلَّا أن يسجد بمقدَّم (٤) رأسه أو صدغه، وكان بذلك أقرب إلى أرضٍ، وجب لأنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن ذلك أيضًا أومأ برأسه، والسُّجود أخفض من الرُّكوع، فإن عجز عن إيمائه (٥) فببصره، فإن عجز عن الإيماء ببصره إلى أفعالِ الصَّلاة أجراها على قلبه بسُنَنِها ولا إعادة عليه، ولا تسقط عنه الصَّلاة وعقلُه ثابتٌ لوجود مناط (٦) التَّكليف. وهذا التَّرتيب قال به معظم الشَّافعيَّة لقوله ﵊: «إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم» هكذا استدلَّ به الغزاليُّ، وتعقَّبه الرَّافعيُّ بأنَّ الخبر أمرٌ بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده … ،
стр. 2832
إلى آخر ما ذكر (١)، وأجاب عنه ابن الصَّلاح بأنَّا لا نقول: إنَّ الآتي بالقعود آتٍ بما استطاعه من القيام مثلًا، ولكنَّا نقول: يكون آتيًا (٢) بما استطاعه من الصَّلاة لأنَّ المذكورات أنواعٌ لجنس الصَّلاة بعضُها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيًا بما استطاع من الصَّلاة، وتُعقِّب بأنَّ كون هذه المذكورات من الصَّلاة فرعٌ لشرعيَّة (٣) الصَّلاة بها، وهو محلُّ النِّزاع. انتهى. واستدلَّ بقوله في حديث النَّسائيِّ: «فإن لم تستطع فمستلقيًا … » أنَّه لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالةٍ أخرى كالإشارة … ، إلى آخر ما مرَّ، وهو قول الحنفيَّة والمالكيَّة وبعض الشَّافعيَّة.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَلَّى) المريض العاجز عن القيام فرضًا أو نفلًا (قَاعِدًا، ثُمَّ صَحَّ) في أثناء صلاته بأن عوفي (أَوْ وَجَدَ خِفَّةً) في مرضه بحيث وجد قدرةً على القيام (تَمَّمَ مَا بَقِيَ) من صلاته، ولا يستأنفها، خلافًا لمحمَّد بن الحسن، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يُتِمُّ» بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، وللأَصيليِّ: «يُتَمِّمُ» بفتح الفوقيَّة وكسر الميم الأولى (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (إِنْ شَاءَ المَرِيضُ صَلَّى) الفرض (رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (قَائِمًا، وَرَكْعَتَيْنِ) حال كونه (قَاعِدًا) عند عجزه عن القيام، ولفظ ابن أبي شيبة: «يصلِّي المريض على الحالة التي هو عليها». انتهى. ونازع العينيُّ في كونه بمعنى ما ذكره المؤلِّف، ولأبي ذَرٍّ: «صلَّى ركعتين قاعدًا، وركعتين قائمًا» بالتَّقديم والتَّأخير.
стр. 2833
١١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنسٍ (١) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ) حال كونه (قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ) أي: دخل في السِّنِّ، وسيأتي (٢) في أثناء «صلاة اللَّيل» من هذا الوجه: «حتَّى إذا كَبِرَ» [خ¦١١٤٨]، وعند مسلمٍ من رواية عثمان بن أبي سلمة عن عائشة: «لم يمت حتَّى كان أكثر صلاته جالسًا» وعنده أيضًا من حديث حفصة: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى في سُبحَتِه قاعدًا حتَّى كان قبل وفاته بعامٍ، فكان يصلِّي في سبحته قاعدًا» (٣). (فَكَانَ يَقْرَأُ) حال كونه (قَاعِدًا، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً) قائمًا (ثُمَّ رَكَعَ) ولأبي ذَرٍّ: «يركع» بصيغة المضارع، وسقط عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ لفظ: «آيةً» الأولى، وقوله: «أو أربعين آية (٤)» شكٌّ من الرَّاوي أنَّ عائشة قالت أحدهما أو هما معًا، بحسب وقوع ذلك منه مرَّةً كذا ومرَّةً كذا، أو بحسب طول الآيات وقصرها.
١١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ يَزِيدَ) -من الزِّيادة- المخزوميِّ الأعور المدنيِّ (وَأَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، سالم بن أبي (٥) أميَّة القرشيِّ المدنيِّ (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما،
стр. 2834
ابن معمر التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ) بالرَّفع، وهو واضحٌ مع التَّنوين، وفي «اليونينيَّة»: بغير تنوينٍ، وروي: «نحوًا» بالنَّصب مفعول به على أنَّ «مِنْ» زائدةٌ في قول الأخفش، مفعول به بالمصدر المضاف إلى الفاعل وهو «قراءته»، و «مِنْ» زائدةٌ على قول الأخفش، أو على أنَّ «من قراءته» صفةٌ لفاعل «بقي» قامت مقامه لفظًا ونويَ ثبوته، وانتصب «نحوًا» على الحال، أي: فإذا بقي باقٍ (١) من قراءته نحوًا (مِنْ ثَلَاثِينَ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «آيةً» (أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ثم ركع» بصيغة الماضي (ثُمَّ سَجَدَ (٢)) و (يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور كقراءة (٣) ما بقي قائمًا وغيره (فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ) وفرغ من ركعتي الفجر (نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ) للرَّاحة من تعب القيام، والشَّرط مع الجزاء جوابُ الشَّرط الأوَّل (٤)، ولا منافاة بين قول عائشة: «كان يُصلِّي جالسًا» وبين نفي حفصة المرويِّ في التِّرمذيِّ: «ما رأيته صلَّى في سُبحته قاعدًا حتَّى كان قبل وفاته بعامٍ، فإنَّه كان (٥) يصلِّي في سبحته قاعدًا» لأنَّ قول عائشة: «كان يصلِّي جالسًا» لا يلزم منه أن يكون صلَّى جالسًا قبل وفاته بأكثر من عام لأنَّ «كان» لا تقتضي الدَّوام، بل ولا التَّكرار على أحد القولين عند أهل الأصول، ولئن سلَّمنا أنَّه صلَّى قبل وفاته بأكثر من عامٍ جالسًا، فلا تنافي لأنَّها إنَّما نَفَت (٦) رؤيَتَها،
стр. 2835
لا وقوع (١) ذلك في الجملة، قال في «الفتح»: ودلَّ حديث عائشة على جواز القعود في (٢) أثناء صلاة النَّافلة لمن افتتحها قائمًا، كما يُباح له أن يفتتحها قاعدًا ثمَّ يقوم؛ إذ لا فرق بين الحالتين، ولا سيَّما مع وقوع ذلك منه ﷺ في الرَّكعة الثَّانية، خلافًا لمن أبى ذلك، واستدلَّ به على أنَّ من افتتح صلاته مضطجعًا ثمَّ استطاع الجلوس أو القيام أتمَّها على ما أدَّت (٣) إليه حاله.
стр. 2836
((١٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذَرٍّ (أبواب التَّهَجُّدِ).
(١) (باب التَّهَجُّدِ) أي: الصَّلاة (بِاللَّيْلِ) وأصله ترك الهُجود، وهو النَّوم، وقال ابن فارس: المتهجِّد: المصلِّي ليلًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من اللَّيل» وهو أوفق للفظ القرآن (١) (وَقَوْلُِهِ بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾) أي بعضه (﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾) أي: اترك الهجود للصَّلاة؛ كالتَّأثُّم (٢) والتَّحرُّج، والضَّمير للقرآن (﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]) فريضةً زائدةً لك على الصَّلوات المفروضة، خُصِّصْتَ بها من بين أمَّتك، روى الطَّبراني (٣) بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّافلة للنَّبيِّ ﷺ خاصَّة؛ لأنَّه أُمِرَ بقيام اللَّيل، وكُتِبَ عليه دون أُمَّته»، لكن صحَّح النَّوويُّ: أنَّه نُسِخَ عنه التَّهجُّد كما نُسخ عن أمَّته، قال: ونقله الشَّيخ أبو حامدٍ عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ أو الصَّحيح، ففي مسلمٍ عن عائشة ما يدلُّ عليه. أو فضيلةً لك؛ فإنَّه قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ وحينئذٍ
стр. 2837
فلم يكن فعل (١) ذلك يكفِّر شيئًا، وترجع التَّكاليف كلُّها في حقِّه ﵊ قُرَّةَ عينٍ وإلهامَ طبعٍ، وتكون صلاته في الدُّنيا مثل تسبيح أهل الجنَّة في الجنَّة، ليس على وجه الكُلفة ولا التَّكليف، وهذا كلُّه يتفرَّع (٢) على طريقة إمام الحرمين، وأمَّا على (٣) طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا لوجب وإن لم يكن وعيدٌ؛ فلا يمتنع حينئذٍ بقاء التَّكاليف في حقِّه ﵊ على ما كانت عليه، مع طمأنينته ﵊ من ناحية الوعيد، وعلى كلا التَّقديرين فهو معصومٌ ولا عتب ولا ذَنْب، لا يقال (٤): إنَّه لم يأمره أن يستغفر (٥) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] ونحوه إلَّا ممَّا يغفره له؛ لأنَّا نقول: استغفاره تعبُّدٌ على الفرض، والتَّقدير، أي: أستغفرك ممَّا عساه أن يقع لولا عصمتُك إيَّاي، وزاد أبو ذرٍّ في روايته تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: «اسهر به».
١١٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ:
стр. 2838
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) المكِّيُّ الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) حال كونه (يَتَهَجَّدُ) أي: من جوف اللَّيل كما في رواية مالكٍ عن أبي الزُّبير عن طاوس عن ابن عباس (١) (قَالَ) في موضع نصب خبر «كان» أي: كان ﵊ عند قيامه من اللَّيل مُتهجِّدًا يقول. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أنَّ «قال» جواب «إذا»، والجملة الشَّرطيَّة خبر «كان»: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) وفي رواية أبي الزُّبير المذكورة: «قيَّام» بالألف، ومعناه والسَّابق و «القيُّوم» معنًى واحد، وقيل: القيِّم معناه: القائم بأمور الخلق ومدبِّرهم، ومدبِّر العالم في جميع أحواله، ومنه: قيِّمُ الطِّفل. والقيُّوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كلُّ موجودٍ، حتَّى لا يُتصوَّر وجود شيءٍ ولا دوام وجوده إلَّا به، قال التُّوربشتيُّ: والمعنى: أنت الَّذي تقوم بحفظها (٢) وحفظ من أحاطت به (٣) واشتملت عليه، تؤتي كلًّا ما به قوامه، وتقوم على كلِّ شيءٍ من خلقك بما تراه من تدبيرك، وعبَّر بقوله: «من» في قوله (٤): «ومن فيهن» دون «ما»؛ تغليبًا للعقلاء على غيرهم (وَلَكَ الحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٥)) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ولك الحمد أنت نور السَّموات والأرض» بزيادة: «أنت» المقدَّرة على الرِّواية الأولى، فيكون قوله فيها «نور» خبر مبتدأ محذوف، وإضافة النُّور إلى السَّموات والأرض؛ للدَّلالة على سعة إشراقه وفُشوِّ إضاءته، وعلى هذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: منوِّرهما؛ يعني: أنَّ كلَّ شيءٍ
стр. 2839
استنار منهما (١) واستضاء فبقدرتك وجُودِك (٢)، والأجرام النَّيِّرة بدائع فطرتك، والعقل والحواسُّ خلقُك وعطيَّتك، قيل: وسمِّي بالنُّور لِمَا اختصَّ به من إشراق الجلال، وسُبُحات العظمة الَّتي تضمحلُّ الأنوار دونها، ولما هَيَّأ للعالم من النُّور؛ ليهتدوا به في عالم الخلق، فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه (٣)، بل هو المستحقُّ له المدعوُّ به ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وزاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ومن فيهنَّ» (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) كذا للحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ملك السَّموات والأرض» والأوَّل أشبه بالسِّياق (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ) المتحقِّقُ وجودُه، وكلُّ شيءٍ ثبت وجوده وتحقَّق فهو حقٌّ، وهذا الوصف للرَّبِّ ﷻ بالحقيقة والخصوصيَّة لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممَّن يقال فيه ذلك فهو بخلافه (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الثَّابت المتحقِّق، فلا (٤) يدخله خُلْفٌ ولا شكٌّ في وقوعه وتحقُّقه (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي: رؤيتك في الدَّار الآخرة حيث لا مانع، أو لقاءُ جزائك لأهل السَّعادة والشَّقاوة، وهو داخلٌ فيما قبله، فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ، وقيل: «ولقاؤك حقٌّ» أي: الموت، وأبطله النَّوويُّ (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) أي: كلٌّ منهما موجودٌ (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يوم القيامة، وأصل السَّاعة: الجزء القليل من اليوم أو اللَّيلة، ثمَّ استُعير للوقت الَّذي (٥) تُقام فيه القيامة، يريد أنَّها ساعةٌ خفيفةٌ يحدث فيها أمرٌ عظيمٌ، وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه (٦)، وليناط به كلَّ مرَّة معنًى آخَرُ، وفي تقديم الجارِّ والمجرور إفادة التَّخصيص، وكأنَّه ﵊ لمَّا خصَّ الحمد بالله؛ قيل: لمَ خصصتني بالحمد؟ قال: لأنَّك أنت الَّذي تقوم بحفظ المخلوقات …
стр. 2840
إلى غير ذلك، فإن قلت: لم عرَّفَ «الحقَّ» في قوله: «أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ»، ونكَّر في البواقي؟ قال الطِّيبيُّ: عرَّفها للحصر؛ لأنَّ الله هو الحقُّ الثَّابت الدَّائم الباقي، وما سواه في معرض الزَّوال، قال لبيدٌ:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ ........................
وكذا وَعْدُه مختصٌّ بالإنجاز دون وعد غيره، وقال السُّهيليُّ: التَّعريف للدَّلالة على أنَّه المستحِقُّ لهذا الاسم بالحقيقة؛ إذ هو مقتضى هذه الأداة، وكذا في «وعدك الحقُّ» لأنَّ وعدَه كلامُهُ، وتركت في (١) البواقي؛ لأنَّها أمور مُحدَثةٌ، والمُحدَث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاءُ ما يدوم منه عُلِمَ بالخبر الصَّادق لا من جهة استحالة فنائه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يرِد عليه قوله في هذا الحديث: «وقولك حقٌّ»، مع أنَّ قوله كلامه القديم، فيُنظر وجهه. انتهى. قال الطِّيبيُّ: وههنا سرٌّ دقيقٌ؛ وهو أنَّه ﷺ لمَّا نظر في (٢) المقام الإلهيِّ ومقرَّبي حضرة الرُّبوبيَّة، عظَّم شأنه، وفخَّم منزلته، حيث ذكر النَّبيِّين، وعرَّفها باللَّام الاستغراقيَّة (٣)، ثمَّ خصَّ محمَّدًا ﷺ من بينهم وعطفه عليهم إيذانًا بالتَّغاير، وأنَّه فائقٌ عليهم بأوصافٍ مختصَّة به، فإنَّ تغيُّر الوصف بمنزلة التَّغيُّر في الذَّات، ثمَّ حَكمَ عليه استقلالًا بأنَّه حقٌّ، وجرَّده عن ذاته كأنَّه غيرُه، وأوجب عليه تصديقه، ولمَّا رجع إلى مقام العبوديَّة ونظر إلى افتقار نفسه؛ نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ)