← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

((١٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذَرٍّ (أبواب التَّهَجُّدِ). (١) (باب التَّهَجُّدِ) أي: الصَّلاة (بِاللَّيْلِ) وأصله ترك الهُجود، وهو النَّوم، وقال ابن فارس: المتهجِّد: المصلِّي ليلًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من اللَّيل» وهو أوفق للفظ القرآن (١) (وَقَوْلُِهِ بالجرِّ عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾) أي بعضه (﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾) أي: اترك الهجود للصَّلاة؛ كالتَّأثُّم (٢) والتَّحرُّج، والضَّمير للقرآن (﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]) فريضةً زائدةً لك على الصَّلوات المفروضة، خُصِّصْتَ بها من بين أمَّتك، روى الطَّبراني (٣) بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّافلة للنَّبيِّ ﷺ خاصَّة؛ لأنَّه أُمِرَ بقيام اللَّيل، وكُتِبَ عليه دون أُمَّته»، لكن صحَّح النَّوويُّ: أنَّه نُسِخَ عنه التَّهجُّد كما نُسخ عن أمَّته، قال: ونقله الشَّيخ أبو حامدٍ عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ أو الصَّحيح، ففي مسلمٍ عن عائشة ما يدلُّ عليه. أو فضيلةً لك؛ فإنَّه قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ وحينئذٍ

стр. 2837

فلم يكن فعل (١) ذلك يكفِّر شيئًا، وترجع التَّكاليف كلُّها في حقِّه ﵊ قُرَّةَ عينٍ وإلهامَ طبعٍ، وتكون صلاته في الدُّنيا مثل تسبيح أهل الجنَّة في الجنَّة، ليس على وجه الكُلفة ولا التَّكليف، وهذا كلُّه يتفرَّع (٢) على طريقة إمام الحرمين، وأمَّا على (٣) طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا لوجب وإن لم يكن وعيدٌ؛ فلا يمتنع حينئذٍ بقاء التَّكاليف في حقِّه ﵊ على ما كانت عليه، مع طمأنينته ﵊ من ناحية الوعيد، وعلى كلا التَّقديرين فهو معصومٌ ولا عتب ولا ذَنْب، لا يقال (٤): إنَّه لم يأمره أن يستغفر (٥) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] ونحوه إلَّا ممَّا يغفره له؛ لأنَّا نقول: استغفاره تعبُّدٌ على الفرض، والتَّقدير، أي: أستغفرك ممَّا عساه أن يقع لولا عصمتُك إيَّاي، وزاد أبو ذرٍّ في روايته تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: «اسهر به». ١١٢٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ:

стр. 2838

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) المكِّيُّ الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) حال كونه (يَتَهَجَّدُ) أي: من جوف اللَّيل كما في رواية مالكٍ عن أبي الزُّبير عن طاوس عن ابن عباس (١) (قَالَ) في موضع نصب خبر «كان» أي: كان ﵊ عند قيامه من اللَّيل مُتهجِّدًا يقول. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أنَّ «قال» جواب «إذا»، والجملة الشَّرطيَّة خبر «كان»: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) وفي رواية أبي الزُّبير المذكورة: «قيَّام» بالألف، ومعناه والسَّابق و «القيُّوم» معنًى واحد، وقيل: القيِّم معناه: القائم بأمور الخلق ومدبِّرهم، ومدبِّر العالم في جميع أحواله، ومنه: قيِّمُ الطِّفل. والقيُّوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كلُّ موجودٍ، حتَّى لا يُتصوَّر وجود شيءٍ ولا دوام وجوده إلَّا به، قال التُّوربشتيُّ: والمعنى: أنت الَّذي تقوم بحفظها (٢) وحفظ من أحاطت به (٣) واشتملت عليه، تؤتي كلًّا ما به قوامه، وتقوم على كلِّ شيءٍ من خلقك بما تراه من تدبيرك، وعبَّر بقوله: «من» في قوله (٤): «ومن فيهن» دون «ما»؛ تغليبًا للعقلاء على غيرهم (وَلَكَ الحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٥)) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ولك الحمد أنت نور السَّموات والأرض» بزيادة: «أنت» المقدَّرة على الرِّواية الأولى، فيكون قوله فيها «نور» خبر مبتدأ محذوف، وإضافة النُّور إلى السَّموات والأرض؛ للدَّلالة على سعة إشراقه وفُشوِّ إضاءته، وعلى هذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: منوِّرهما؛ يعني: أنَّ كلَّ شيءٍ

стр. 2839

استنار منهما (١) واستضاء فبقدرتك وجُودِك (٢)، والأجرام النَّيِّرة بدائع فطرتك، والعقل والحواسُّ خلقُك وعطيَّتك، قيل: وسمِّي بالنُّور لِمَا اختصَّ به من إشراق الجلال، وسُبُحات العظمة الَّتي تضمحلُّ الأنوار دونها، ولما هَيَّأ للعالم من النُّور؛ ليهتدوا به في عالم الخلق، فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه (٣)، بل هو المستحقُّ له المدعوُّ به ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وزاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ومن فيهنَّ» (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) كذا للحَمُّويي والمُستملي، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لك ملك السَّموات والأرض» والأوَّل أشبه بالسِّياق (وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ) المتحقِّقُ وجودُه، وكلُّ شيءٍ ثبت وجوده وتحقَّق فهو حقٌّ، وهذا الوصف للرَّبِّ ﷻ بالحقيقة والخصوصيَّة لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممَّن يقال فيه ذلك فهو بخلافه (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الثَّابت المتحقِّق، فلا (٤) يدخله خُلْفٌ ولا شكٌّ في وقوعه وتحقُّقه (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي: رؤيتك في الدَّار الآخرة حيث لا مانع، أو لقاءُ جزائك لأهل السَّعادة والشَّقاوة، وهو داخلٌ فيما قبله، فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ، وقيل: «ولقاؤك حقٌّ» أي: الموت، وأبطله النَّوويُّ (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) أي: كلٌّ منهما موجودٌ (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يوم القيامة، وأصل السَّاعة: الجزء القليل من اليوم أو اللَّيلة، ثمَّ استُعير للوقت الَّذي (٥) تُقام فيه القيامة، يريد أنَّها ساعةٌ خفيفةٌ يحدث فيها أمرٌ عظيمٌ، وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه (٦)، وليناط به كلَّ مرَّة معنًى آخَرُ، وفي تقديم الجارِّ والمجرور إفادة التَّخصيص، وكأنَّه ﵊ لمَّا خصَّ الحمد بالله؛ قيل: لمَ خصصتني بالحمد؟ قال: لأنَّك أنت الَّذي تقوم بحفظ المخلوقات …

стр. 2840

إلى غير ذلك، فإن قلت: لم عرَّفَ «الحقَّ» في قوله: «أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ»، ونكَّر في البواقي؟ قال الطِّيبيُّ: عرَّفها للحصر؛ لأنَّ الله هو الحقُّ الثَّابت الدَّائم الباقي، وما سواه في معرض الزَّوال، قال لبيدٌ: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ ........................ وكذا وَعْدُه مختصٌّ بالإنجاز دون وعد غيره، وقال السُّهيليُّ: التَّعريف للدَّلالة على أنَّه المستحِقُّ لهذا الاسم بالحقيقة؛ إذ هو مقتضى هذه الأداة، وكذا في «وعدك الحقُّ» لأنَّ وعدَه كلامُهُ، وتركت في (١) البواقي؛ لأنَّها أمور مُحدَثةٌ، والمُحدَث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاءُ ما يدوم منه عُلِمَ بالخبر الصَّادق لا من جهة استحالة فنائه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يرِد عليه قوله في هذا الحديث: «وقولك حقٌّ»، مع أنَّ قوله كلامه القديم، فيُنظر وجهه. انتهى. قال الطِّيبيُّ: وههنا سرٌّ دقيقٌ؛ وهو أنَّه ﷺ لمَّا نظر في (٢) المقام الإلهيِّ ومقرَّبي حضرة الرُّبوبيَّة، عظَّم شأنه، وفخَّم منزلته، حيث ذكر النَّبيِّين، وعرَّفها باللَّام الاستغراقيَّة (٣)، ثمَّ خصَّ محمَّدًا ﷺ من بينهم وعطفه عليهم إيذانًا بالتَّغاير، وأنَّه فائقٌ عليهم بأوصافٍ مختصَّة به، فإنَّ تغيُّر الوصف بمنزلة التَّغيُّر في الذَّات، ثمَّ حَكمَ عليه استقلالًا بأنَّه حقٌّ، وجرَّده عن ذاته كأنَّه غيرُه، وأوجب عليه تصديقه، ولمَّا رجع إلى مقام العبوديَّة ونظر إلى افتقار نفسه؛ نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ)

стр. 2841

أي (١): فوَّضت أمري إليك (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) رجعت إليك مُقبلًا بقلبي عليك (وَبِكَ) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خَاصَمْتُ) مَن خاصمَني من الكفَّار، أو بتأييدك ونُصرَتك قاتلتُ (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من أبى قَبول ما أرسلتني به، وقدَّم جميع صِلات هذه الأفعال عليها؛ إشعارًا بالتَّخصيص، وإفادةً للحصر (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) قبل هذا الوقت (وَمَا أَخَّرْتُ) عنه (وَمَا أَسْرَرْتُ) أخفيت (وَمَا أَعْلَنْتُ) أظهرت، أي: ما حدَّثتُ به نفسي، وما تحرَّك به لساني؛ قاله تواضعًا وإجلالًا لله تعالى، أو تعليمًا لأمَّته، وتُعُقِّب في «الفتح» الأخير بأنَّه لو كان للتَّعليم فقط؛ لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا، فالأَولى أنَّه للمجموع (أَنْتَ المُقَدِّمُ) لي في البعث في الآخرة (وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) لي في البعث في الدُّنيا، وزاد ابن جريجٍ في «الدَّعوات» [خ¦٧٣٨٥]: «أنت إلهي» (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة بالإسناد السَّابق -كما بيَّنه أبو نُعيمٍ، أو هو من تعاليقه؛ ولذا علَّم عليه المِزِّيُّ علامة التَّعليق، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه ليس بجيِّدٍ-: (وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ) بن أبي المخارق البصريُّ: (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد السَّابق أيضًا: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) الأحول خال ابن (٢) أبي نجيح: (سَمِعَهُ) وللأَصيليِّ: «سمعته» (مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) صرَّح سفيان بسماع سليمان له من طاوس؛ لأنَّه أورده قبل بالعنعنة، ولم يقل سليمان في روايته: «ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله»، ولأبي ذَرٍّ وحده: «قال عليُّ بن خَشْرَمٍ» بفتح الخاء وسكون الشِّين المعجمتين وفتح الرَّاء آخره ميمٌ، «قال سفيان» وليس ابن خشرم من شيوخ المؤلِّف. نعم؛ هو من شيوخ الفَِرَبْريِّ، فالظَّاهر أنَّه من روايته عنه.

стр. 2842

(٢) (باب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ) في مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «أفضل الصَّلاة بعد الفريضة صلاة اللَّيل»، وهو يدلُّ على أنَّه أفضل من ركعتي الفجر، وقوَّاه النَّوويُّ في «الرَّوضة»، لكن الحديث اختُلِف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، ومن ثمَّ لم يخرِّجه المؤلِّف، والمعتمد تفضيل الوتر على الرَّواتب وغيرها كالضُّحى؛ إذ قيل بوجوبه، ثمَّ ركعتي الفجر؛ لحديث عائشة المرويِّ في «الصَّحيحين» [خ¦١١٦٩]: «لم يكن النَّبيُّ ﷺ على شيءٍ من النَّوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر»، وحديث مسلم: «ركعتا الفجر خيرٌ من الدُّنيا وما فيها»، وهما أفضل من ركعتين في جوف اللَّيل، وحملوا حديث أبي هريرة السَّابق على أنَّ النَّفل المطلق المفعول في اللَّيل أفضلُ من المطلق المفعول في النَّهار، وقد مدح الله المتهجِّدين في آياتٍ كثيرةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] و ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ويكفي: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وهي الغاية، فمن عرف فضيلة قيام اللَّيل بسماع الآيات والأخبار والآثار الواردة فيه، و (١) استحكم رجاؤه وشوقه إلى ثوابه ولذَّة مناجاته لربِّه، وخلوته به؛ هاجه الشَّوق وباعِثُ التَّوق، وطَرَدا (٢) عنه النَّوم، وقال بعض الكُبراء من القدماء: أوحى الله تعالى إلى بعض الصِّدِّيقين: إنَّ لي عبادًا يحبُّوني وأحبُّهم، ويشتاقون إليَّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، فإن حذوتَ طريقهم أحببتُك، قال: يا رَبّ وما علاماتهم؟ قال: يحِنُّون إلى غروب الشَّمس كما تحنُّ الطَّير إلى أوكارها، فإذا جَنَّهمُ اللَّيلُ؛ نَصَبوا لي (٣) أقدامهم، وافترشوا إليَّ وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملَّقوا (٤) بإنعامي، فبين صارخٍ وباكٍ، ومتأوِّهٍ

стр. 2843

وشاكٍ، بعيني ما يتحمَّلون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حُبِّي، أوَّلُ ما أعطيهم أن (١) أقذف من نوري في قلوبهم؛ فيُخبِرون عنِّي كما أُخبِرُ عنهُم. ١١٢١ - ١١٢٢ - وبالسَّند السَّابق (٢) إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ. (ح) لتحويل السَّند، وليست في «اليونينيَّة» (٣): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان المروزيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) المذكور (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا) كفُعْلَى؛ بالضَّمِّ من غير تنوينٍ، أي: في النَّوم (قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنِّي أرى» (رُؤْيَا) زاد في «التَّعبير (٤)» من وجهٍ آخَرَ [خ¦٧٠٢٨]: فقلت في نفسي: لو كان فيك خيرٌ؛ لرأيت مثل ما يرى هؤلاء (فَأَقُصَّهَا) بالنَّصب وفاءٍ قبل الهمزة، أي:

стр. 2844

أُخْبِر (١) بها، ولأبي الوقت في نسخةٍ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أقُصَّها» (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ؛ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ) أي: مَبْنِيَّة الجوانب (كَطَيِّ البِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) بفتح القاف، أي: جانبان (وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ) بضمِّ الهمزة (قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الرَّاء وجزم المهملة، أي: لم تُخَف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٨] «لن تُراعَ» بإثبات الألف، وللقابسيِّ: «لن تُرَعْ» بحذف الألف، واستُشكِل من جهة أنَّ «لن» حرف نصبٍ، ولم تَنصب هنا، وأجيب بأنَّه مجزوم بـ «لن» على اللُّغة القليلة المحكيَّة عن الكسائيِّ، أو سُكِّنت العين للوقف، ثم شُبِّه بسكون المجزوم، فحذف الألف قبله، ثمَّ أُجري الوصل مُجرى الوقف، قاله ابن مالك، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نُسلِّم أنَّ فيه إجراء الوصل مجرى الوقف؛ إذ لم يصله المَلَكُ بشيءٍ بعده، ثمَّ قال: فإن قلت: إنَّما وجَّه ابن مالكٍ بهذا في الرِّواية الَّتي فيها: «لم تُرَعْ» وهذا يتحقَّق فيه ما قاله من إجراء الوصل مُجرى الوقف، وأجاب عنه فقال: لا نُسلِّم؛ إذ يحتمل أنَّ المَلَكَ نطق بكلِّ جملةٍ منها منفردةً عن الأخرى، ووقف (٢) على آخرها؛ فحكاه كما وقع. انتهى. (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ (٣) عَبْدُ اللهِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٢٩] من رواية نافعٍ عن ابن عمر: «إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ» (لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) «لو» للتَّمنِّي لا للشَّرط؛ ولذا لم يذكر الجواب، قال سالمٌ: (فَكَانَ) بالفاء، أي: عبد الله، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وكان» (بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) فإن قلت: من أين أخذ ﵊ التَّفسير بقيام اللَّيل من هذه الرُّؤيا؟ أجاب المهلَّب بأنَّه إنَّما فسَّر ﵊ هذه الرُّؤيا بقيام اللَّيل؛ لأنَّه لم يَرَ شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيُذَكِّرَ بالنَّار، وعَلِم مبيته بالمسجد، فعبَّر عن ذلك بأنَّه مُنَبِّهٌ (٤) على قيام اللَّيل فيه. وفي الحديث: أنَّ قيام اللَّيل يُنجي من النَّار، وفيه:

стр. 2845

كراهة كثرة النَّوم باللَّيل، وقد روى سُنَيْد (١) عن يوسف بن محمَّد ابن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعًا: «قالت أمُّ سليمانٍ لسليمان: يا بنيَّ؛ لا تكثر النَّوم باللَّيل؛ فإنَّ كثرة النَّوم باللَّيل تَدَعُ الرَّجل فقيرًا يوم القيامة»، وكان بعض الكُبراء يقف على المائدة كلَّ ليلةٍ ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا؛ فتشربوا كثيرًا؛ فترقدوا كثيرًا، فتتحسَّروا (٢) عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير؛ وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام. وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار (٣)، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «باب نوم الرِّجال (٤) في المسجد» [خ¦٤٤٠] كما سبق، وفي «باب فضل (٥) من تعارَّ من اللَّيل» [خ¦١١٥٦] و «مناقب ابن عمر» [خ¦٣٧٣٨]، ومسلمٌ في «فضائل ابن عمر». (٣) هذا (٦) (باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ) للدُّعاء والتَّضرُّع إلى الله تعالى؛ إذ هو أبلغ أحوال التَّواضع والتَّذلُّل، ومن ثمَّ كان أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ. ١١٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ

стр. 2846

يُصَلِّي) من اللَّيل (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ) أي: الإحدى عشرة ركعة (صَلَاتَهُ) باللَّيل، قال البيضاويُّ: بنى الشَّافعيُّ عليه مذهبه في الوتر، وقال: إنَّ أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٩٩٤] (يَسْجُدُ (١) السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ) الألف واللَّام؛ لتعريف الجنس، فيشمل سجود الإحدى عشرة، والتَّاء فيه لا تنافي ذلك، والتَّقدير: يسجد (٢) سجدات تلك الرَّكعات طويلةً (قَدْرَ) أي: بقدر، ويصحُّ جعله وصفًا لمصدرٍ محذوفٍ، أي: سجودًا قَدْرَ، أو يمكث مكثًا قدر (مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) من السَّجدة، وكان يُكْثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، اللَّهمَّ اغفر لي» رواه المؤلِّف فيما سبق في «صفة الصَّلاة» من حديث عائشة [خ¦٨١٧] وعنها: كان ﷺ يقول في صلاة اللَّيل في سجوده: «سبحانك لا إله إلَّا أنت» رواه أحمد في «مسنده» بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ، وكان السَّلف يطوِّلون السُّجود أسوةً حسنةً به ﵊، وقد (٣) كان ابن الزُّبير يسجد حتَّى تنزل العصافير على ظهره كأنَّه حائطٌ (وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) للاستراحة من مكابدة اللَّيل، ومجاهدة التَّهجُّد (حَتَّى يَأْتِيَهُ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ) أي: لصلاة الصُّبح. وموضع التَّرجمة منه قوله: يسجد السَّجدة … إلى آخره؛ لأنَّ ذلك يستدعي طول زمان السُّجود. (٤) (باب تَرْكِ القِيَامِ) أي: قيام اللَّيل (لِلْمَرِيضِ). ١١٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن قيس (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبًا) بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، آخِرُه موحَّدةٌ؛ ابن

стр. 2847

عبد الله البجليَّ (يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: مَرِضَ (فَلَمْ يَقُمْ) لصلاة اللَّيل (لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ) نصبٌ على الظَّرفيَّة، وزاد في «فضائل (١) القرآن» [خ¦٤٩٨٣]: «فأتته امرأة فقالت: يا محمَّد؛ ما أُرى شيطانك إلَّا قد تركك، فأنزل الله تعالى ﴿وَالضُّحَى﴾ … إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]». ورواته الأربعة كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه في «قيام اللَّيل» [خ¦١١٢٥] أيضًا، وفي (٢) «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٣] و «التَّفسير» [خ¦٤٩٥٠]، ومسلم في «المغازي» والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّعبير». ١١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليِّ (¬﵁ قَالَ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «عن» (النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هي أمُّ جميلٍ بنت حربٍ أخت أبي سفيان، امرأة أبي لهب حمالةُ الحطب كما رواه الحاكم: (أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ) برفع النُّون (٣) فاعلُ «أبطأ» (فَنَزَلَتْ) سورة (﴿وَالضُّحَى﴾) صدر النَّهار، أو النَّهار كلّه (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾) أقبل بظلامه (﴿مَا وَدَّعَكَ﴾) جواب القَسَم، أي: ما قَطَعك (﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]) أي: ما قَلاكَ، أي: ما أبغضك. وهذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظٍ آخر، أخرجه المصنِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٥١] قال: «قالت امرأةٌ: يا رسول الله؛ ما أُرى صاحبك إلَّا أبطأ عنك»، قال في «الفتح»: وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان؛ لأنَّ هذه عبَّرت بقولها: صاحبَك، وتلك عبَّرت بقولها (٤): شيطانُك، وهذه عبَّرت بقولها: يا رسول الله، وتلك عبَّرت بقولها: يا محمَّد، وسياق هذا يُشعر بأنَّها قالته توجُّعًا وتأسُّفًا، وتلك قالته

стр. 2848

شماتةً وتهكُّمًا، وفي «تفسير بقيِّ بن مَخْلَد» قال: قالت خديجة للنَّبيِّ ﷺ حين أبطأ عليه (١) الوحي: «إنَّ ربَّك قد قَلاك»، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾ وأخرجه إسماعيل القاضي في «أحكامه»، والطَّبريُّ في «تفسيره»، وأبو داود في «أعلام النُّبوَّة» بإسنادٍ قويٍّ وتُعقِّب بالإنكار؛ لأنَّ خديجة قويَّة الإيمان، لا يليق (٢) نسبة هذا القول إليها، وأجيب بأنَّه ليس فيه ما يُنكَر؛ لأنَّ المستنكر قولُ المرأة: شيطانك، وليست عند أحدٍ منهم، وفي رواية إسماعيل القاضي وغيره: «ما أرى صاحبك» بدل «ربِّك»، والظَّاهر أنَّها عنت بذلك: جبريل ﵇، فإن قلت: ما موضع التَّرجمة من الحديث؟ أجيب بأنَّه من حيث كونه تتمَّةَ الحديث السَّابق، وذلك أنَّه أراد أن ينبِّه على أنَّ الحديث واحدٌ؛ لِاتِّحاد مَخرجه وإن كان السَّبب مختلفًا، وعند ابن أبي حاتم عن جندب: «رُمي رسول الله ﷺ بحجر في إصبَعه فقال: هل أنت إلَّا إصبَعٌ دَمِيتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لم يقُم، فقالت له امرأةٌ: ما أرى شيطانك إلَّا قد تركك، فنزلت ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣) [الضحى: ١ - ٣]». (٥) (باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أمَّتَه أو المؤمنين (عَلَى صَلاةِ اللَّيْلِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «على قيام اللَّيل» (وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ) يحتمل أن يكون قوله: «على قيام اللَّيل» أعمَّ من الصَّلاة والقراءة والذِّكر والشُّكر وغير ذلك، وحينئذٍ يكون قوله: «والنَّوافل» من (٤) عطف

стр. 2849

الخاصِّ على العامِّ (وَطَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من الطُّرُوق، أي: أتى باللَّيل (فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا ﵉ لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ) أي: للتَّحريض على القيام للصَّلاة. ١١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي ذرٍّ: «(١) محمَّد بن مقاتل» قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولغير الأَصيليِّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قَالَ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ) لم يُنوَّن في «اليونينيَّة» «هند» (٢) (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ!) نصبٌ على المصدر (مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) كالتَّقرير والبيان لسابقه؛ لأنَّ «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم، و «اللَّيلة» ظرفٌ للإنزال، أي: ما أُنزل (٣) في اللَّيلة (مِنَ الفِتْنَةِ؟) بالإفراد، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الفتن»، قال في «المصابيح»: أي: الجزئيَّة القريبة المأخذ، أو المراد: ماذا أُنزل من مقدِّمات الفتن؟ وإنَّما التجأنا إلى هذا التَّأويل؛ لقوله ﵊: «أنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ جاء أصحابي ما يوعدون»، فزمانه ﵊ جديرٌ بأن يكون حُمي من الفتن، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وإتمام النِّعمة أمانٌ من الفتنة (٤)، وأيضًا

стр. 2850

فقول حذيفة لعمر [خ¦٥٢٥]: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا؛ يعني: بينه وبين الفتنة (١) التي تموج كموج البحر، وتلك إنَّما استحقَّت بقتل عمر ﵁، وأمَّا الفتن الجزئيَّة فهي كقوله [خ¦٥٢٥]: «فتنة الرَّجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصِّيام والصَّدقة». (مَاذَا أُنْزِلَ) بالهمزة المضمومة، وللأَصيليِّ: «نزل» (مِنَ الخَزَائِنِ) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا، وقال في «شرح المشكاة»: عبَّر عن الرَّحمة بـ «الخزائن» لكثرتها وعزَّتها، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعن العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابٌ مؤديَّة إليه، وجمَعهما لكثرتهما وسعتهما (مَنْ يُوقِظُ) ينبِّه (صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟) زاد في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ عند المصنِّف في «الأدب» [خ¦٦٢١٨] وغيره في هذا الحديث: «يُريدُ أزواجه حتَّى يُصلِّين»، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّ فيه التَّحريض على صلاة اللَّيل، وعدمُ الإيجابِ يُؤخذ من ترك إلزامهنَّ (٢) بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يَا) قوم (رُبَّ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) من ألوان الثِّياب عرفتُها (فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٌٍ) من أنواع الثِّياب (فِي الآخِرَةِ) وقيل: عاريةٌٍ من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشفُّ من الثِّياب، وقيل: نهى عن التَّبرُّج، وقال في «شرح المشكاة»: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصَّلاة؛ أي (٣): لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله ﷺ ، وقوله: «عارية»، بالجرِّ صفةٌ لـ «كاسية»، أو بالرَّفع خبر مبتدأٍ مضمر، أي: هي عاريةٌ، و «رُبَّ» للتَّكثير، وإن كان أصلها التَّقليل، متعلِّقةٌ وجوبًا بفعلٍ ماضٍ متأخِّر، أي: عرفتها ونحوه كما مرَّ. وهذا الحديث وإن خُصَّ بأزواجه ﷺ ؛ لكن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص

стр. 2851

السَّبب، فالتقدير: رُبَّ نفسٍ -كما مرَّ- أو نسمةٍ. ١١٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، المشهور بزين العابدين (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «اليونينيَّة»: «﵇» بدل التَّصلية، و «فاطمة» نُصب عطفًا على الضَّمير المنصوب في سابقه (لَيْلَةً) من اللَّيالي، ذكرها؛ تأكيدًا، وإلا؛ فالطُّروق: هو الإتيان ليلًا (فَقَالَ) ﵊ لهما حثًّا وتحريضًا: (أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) هو من المتشابه، وفيه طريقان: التَّأويل والتَّفويض، وفي رواية حكيم بن حكيم عن الزُّهريِّ عن عليٍّ بن الحسين عن أبيه عند النَّسائيِّ: قال عليٌّ: «فجلستُ وأنا أَعْرُكُ (١) عيني، وأنا أقول: والله ما نصلِّي إلَّا ما كتب الله (٢) لنا، وإنَّما أنفسنا بيد الله» (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا؛ بَعَثَنَا) بفتح المثلَّثة (٣) فيهما، أي: إذا شاء الله أن يوقظنا أيقظنا (فَانْصَرَفَ) ﵊

стр. 2852

عنَّا مُعرضًا مُدبرًا (حِينَ قُلْنَا) وللأربعة (١): «حين قلتُ له» (ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا) بفتح أوَّل «يرجع» أي: لم يجبني بشيءٍ (ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ) أي: حال كونه (٢) (مُوَلٍّ) مُعرِضٍ مُدبرٍ، حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) متعجِّبًا من سرعة جوابه وعدم موافقته له (٣) على الاعتذار بما اعتذر به، قاله النَّوويُّ (وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) قيل: قاله تسليمًا لعذره، وأنَّه لا عتب عليه، قال ابن بطَّال: ليس للإمام أن يُشَدِّد في النَّوافل، فإنَّه ﷺ قَنِعَ بقوله: أنفسنا بيد الله؛ فهو في (٤) عذرٍ في النَّافلة لا في الفريضة. ورواة هذا الحديث السِّتة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وإسناد زين العابدين من أصحِّ الأسانيد وأشرفها الواردة فيمن روى عن أبيه عن جدِّه، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا (٥) في «الاعتصام» [خ¦٧٣٤٧] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ. ١١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (٦) (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بكسر همزة «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة، وأصله: إنَّه كان، فحذف ضمير الشَّأن وخفَّف النُّون (لَيَدَعُ العَمَلَ) بفتح لام «لَيدع» الَّتي للتَّأكيد، أي: ليَتْركُ العمل (وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ) أي:

стр. 2853

لأجل خشية (أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ) بنصب «فيُفرض» عطفًا على «أن يعمل»، وليس مراد عائشة أنَّه كان يترك العمل أصلًا وقد فرضه الله عليه أو ندبه، بل المراد ترك أمرهم أن يعملوه معه؛ بدليل ما في الحديث الآتي [خ¦١١٢٩]: «أنَّهم لمَّا اجتمعوا إليه في اللَّيلة الثَّالثة أو الرَّابعة؛ ليصلُّوا معه التَّهجد؛ لم يخرج إليهم»، ولا ريب أنَّه صلَّى حِزبَه تلك اللَّيلة (وَمَا سَبَّحَ) وما تنفَّلَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا) أي: لَأُصلِّيها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «وإنِّي لَأستحبُّها» من الاستحباب، وذكر هذه الرِّواية العينيُّ ولم يعزُها، والبرماويُّ والدَّمامينيُّ عن «الموطَّأ»، وهذا من عائشة إخبار بما رأت، وقد ثبت: «أنَّه ﷺ صلَّاها يوم الفتح» [خ¦١١٠٣] وأوصى بها أبوي ذَرٍّ وهريرة [خ¦١١٧٨] بل عدَّها العلماء من الواجبات الخاصَّة به. ووجه مطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من قول عائشة: إن كان لَيدع العمل وهو يحبُّ أن يعمل به؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ أحبَّه استلزم التَّحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض. ١١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى) صلاة اللَّيل (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلة من ليالي رمضان (فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ) اللَّيلة (القَابِلَةِ) أي: الثَّانية، وللمُستملي: «ثم صلَّى من القابل» أي: من الوقت القابل (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد أحمد في رواية ابن جريج: «حتَّى سمعت ناسًا منهم يقولون: الصَّلاة!»، والشَّكُّ ثابتٌ في رواية مالكٍ، ولمسلمٍ من رواية يونس عن ابن شهابٍ: «فخرج رسول الله ﷺ في اللَّيلة الثَّانية، فصلَّوا معه، فأصبح النَّاس يذكرون ذلك، فكثُر أهل المسجد من

стр. 2854

اللَّيلة الثَّالثة، فخرج (١) فصلَّوا بصلاته، فلمَّا كانت اللَّيلة الرَّابعة؛ عجز المسجد عن أهله»، ولأحمد من رواية سفيان بن حسين عنه: «فلمَّا كانت اللَّيلة الرَّابعة؛ غصَّ المسجد بأهله» (فَلَمَّا أَصْبَحَ) ﵊ (قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) أي: من حرصكم على صلاة التَّراويح، وفي رواية عقيل [خ¦٩٢٤]: «فلمَّا قضى صلاة الفجر؛ أقبل على النَّاس فتشهَّد، ثم قال: أمَّا بعد؛ فإنَّه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم» (وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) زاد في رواية يونس: «صلاة اللَّيل فتعجِزوا عنها» أي: يشقَّ عليكم؛ فتتركوها مع القدرة، وليس المراد العجز الكلِّيَّ، فإنَّه يُسِقط التَّكليف من أصله، قالت عائشة: (وَذَلِكَ) أي: ما ذُكر كان (فِي رَمَضَانَ) واستُشكِل قوله: «إنِّي خشيت أن تُفرَض عليكم»، مع قوله في حديث الإسراء [خ¦٣٤٩]: «هنَّ خمسٌ، وهنَّ خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ»، فإذا أُمن التَّبديل؛ فكيف يقع الخوف من الزِّيادة؟ وأجاب في «فتح الباري» باحتمال أن يكون المخوف افتراض قيام اللَّيل؛ بمعنى: جعل التَّهجُّد في المسجد جماعةً شرطًا في صحَّة التَّنفُّل باللَّيل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت [خ¦٧٢٩٠]: «حتَّى خشيت أن يُكتب عليكم ولو كُتب عليكم؛ ما قمتم به، فصلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم» فمنعهم من التَّجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه (٢)، وأمِن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم، أو يكون المخوف افتراض قيام اللَّيل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، أو يكون المخوف افتراض قيام رمضان (٣) خاصَّةً، كما سبق أنَّ ذلك كان في رمضان، وعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأنَّ قيام رمضان (٤) لا يتكرَّر كلَّ يوم في السَّنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. انتهى.

стр. 2855

(٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد الحَمُّويي في نسخةٍ والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليُّ: «اللَّيل»، وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء؛ من الورم، وسقط ذلك -أي: «حتَّى ترم قدماه» - عند (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي والمُستملي: «باب قيام اللَّيل للنَّبيِّ ﷺ » (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) ممَّا وصله في «سورة الفتح» من «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٧]: (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان يقوم»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قام حتَّى» (تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) بحذف إحدى التَّاءين وتشديد الطَّاء وفتح الرَّاء، بصيغة الماضي (٢)، وللأَصيليِّ: «قام رسول الله ﷺ حتَّى تتفطَّرَ قدماه» بمثنَّاتين فوقيَّتين على الأصل وفتح (٣) الرَّاء (وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ) كما فسَّره به أبو عبيدة في «المجاز» (﴿انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ) كذا فسَّره الضَّحَّاك فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عنه موصولًا. ١١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ابن كِدَام العامريُّ الهلاليُّ (عَنْ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء، ابن عِلَاقَةَ الثَّعلبيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ) بن شُعبة (¬﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ) بكسر همزة «إن» وتخفيف النُّون، وحذف ضمير الشَّأن، تقديره: إنَّه كان؛ وبفتح لام «لَيقوم» للتَّأكيد، وكسر لام «لِيصَلِّي»، ولكريمةَ: «لَيقوم يصلِّي» بحذف لام «يصلِّي»، وللأربعة: «أو لَيصلِّي» مع فتح اللَّام على الشَّكِّ (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بكسر الرَّاء وتخفيف الميم،

стр. 2856

منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (أَوْ سَاقَاهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية خلَّاد بن يحيى [خ¦٦٤٧١]: «حتَّى ترمَ، أو تنتفخ قدماه (١)» (فَيُقَالُ لَهُ) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي حديث عائشة [خ¦٤٨٣٧]: «لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟» (فَيَقُولُ: أَفَلَا) الفاء مُسبِّبٌ عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجُّدي لِما غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) يعني: غفران الله لي (٢) سببٌ لأن أقومَ أتهجَّدُ شكرًا له (٣)، فكيف أتركه؟! كأنَّ المعنى: ألا أشكره وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين؟! فإنَّ الشَّكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثمَّ وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النِّسبة، وليست إلَّا بالعبادة، والعبادة عين الشُّكر. وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى المَلال؛ لأنَّ حالة النَّبيِّ ﷺ كانت أكملَ الأحوال، فكان لا يملُّ من العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنَّه قال: «وجُعِلَت قرَّة عيني في الصَّلاة» رواه النَّسائيُّ، فأمَّا غيره ﵊؛ فإذا خشي الملل ينبغي له (٤) ألَّا يكدَّ نفسه حتَّى يملَّ، نعم؛ الأخذ بالشدَّة أفضل؛ لأنَّه إذا كان هذا فِعل المغفورِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ فكيف بمن جُهِل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النَّار؟ ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وهو من الرُّباعيَّات، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الرَّقاق» [خ¦٦٤٧١] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٦]، ومسلمٌ في أواخر الكتاب، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 2857

(٧) (باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ) بفتحتين: قُبيل (١) الصُّبح، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «عند السَّحُور» بفتح السِّين وضمِّ الحاء: ما يتسحَّر به، ولا يكون إلَّا قبيل الصُّبح أيضًا. ١١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، الثَّقفيَّ الطَّائفيَّ التَّابعيَّ الكبير، وليس بصحابيٍّ. نعم أبوه صحابيٌّ، و «عمرو» في الموضعين بالواو (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ) أي: لابن عمرو: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ) أي: أكثر ما يكون محبوبًا (إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ) أي: أكثر ما يكون (٢) محبوبًا (إِلَى اللهِ صِيَامُ) وفي روايةٍ: «وأحبُّ الصَّوم إلى الله صومُ» (دَاوُدَ) واستعمال «أحبُّ» بمعنى: «محبوب» قليلٌ؛ لأنَّ الأكثر في أفعل التَّفضيل أن يكون بمعنى الفاعل، ونسبة المحبَّة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما (وَكَانَ) داود ﵊ (يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) في الوقت الَّذي ينادي فيه الرَّبُّ تعالى: هل من سائلٍ؟ هل من مستغفرٍ؟ (وَيَنَامُ سُدُسَهُ) ليستريح من نَصَبِ القيام في بقية اللَّيل، وإنَّما كان هذا أحبَّ إلى الله تعالى؛ لأنَّه أخذٌ بالرِّفق على النُّفوس الَّتي يُخشى منها السَّآمة الَّتي هي سببٌ إلى ترك العبادة، والله تعالى يحبُّ أن يوالي فضله، ويديم إحسانه، قاله الكِرمانيُّ. وإنَّما كان ذلك أرفق؛ لأنَّ النَّوم بعد القيام يُريح البدن، ويُذهب ضرر السَّهر وذبول الجسم، بخلاف السَّهر إلى الصَّباح،

стр. 2858

وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصُّبح وأذكار النَّهار بنشاطٍ وإقبالٍ، وأنَّه (١) أقرب إلى عدم الرِّياء؛ لأنَّ مَن نام السُّدس الأخير أصبح ظاهر اللَّون، سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يُخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد (وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) وقال ابن المنيِّر: كان داود ﵊ يقسم ليله ونهاره لحقِّ ربِّه وحقِّ نفسه، فأمَّا اللَّيل؛ فاستقام له فيه (٢) ذلك في كلِّ ليلةٍ، وأما النَّهار؛ فلمَّا تعذَّر (٣) عليه أن يُجزِّئه بالصِّيام؛ لأنَّه لا يتبعَّض؛ جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا (٤)، فيتنزل ذلك منزلة التَّجزئة في شخص اليوم. ورواة هذا الحديث مكِّيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمدنيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٠]، ومسلم في «الصَّوم» وكذا أبو داود وابن ماجه والنَّسائيُّ فيه وفي «الصَّلاة» أيضًا. ١١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جَبَلة؛ بفتح الجيم والموحَّدة، الأزديُّ العتكيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَشْعَثَ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة آخره مثلَّثةٌ قال: (سَمِعْتُ أَبِي) أبا الشَّعثاء؛ سليم بن أسود المحاربيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) هو ابن الأجدع (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «إلى رسول الله» (¬ ﷺ ؟ قَالَتِ): هو (الدَّائِمُ) الذي يستمرُّ عليه عامِلهُ؛ والمراد بالدَّوام: العرفيُّ،

стр. 2859

لا شمول الأزمنة؛ لأنَّه متعذّرٌ، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لعائشة: (مَتَى كَانَ يَقُومُ) ﵊؟ (قَالَتْ: يَقُومُ) فيصلِّي، ولأبي ذَرٍّ: «قالت: كان يقوم» (إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) وهو الدِّيك؛ لأنَّه يكثر الصِّياح في اللَّيل، قال ابن ناصرٍ: وأوَّل ما يصيح نصف اللَّيل غالبًا، وهذا (١) موافقٌ لقول ابن عبَّاسٍ: نصف اللَّيل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، وقال ابن بطَّال: يصرخ عند ثلث اللَّيل، وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن زيد بن خالد الجُّهني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تسبُّوا الدِّيك؛ فإنَّه يُوقِظ للصَّلاة»، وإسناده جيدٌ، وفي لفظٍ: «فإنَّه يدعو إلى الصَّلاة»، وليس المراد أن يقول بصُرَاخِه حقيقةً: الصَّلاة، بل العادة جرت أنَّه يصرخ صرخاتٍ متتابعةً عند طلوع الفجر وعند الزَّوال، فطرةً فطره الله عليها، فيذْكُرُ النَّاس بصُرَاخه الصَّلاة، وفي «معجم الطَّبرانيِّ» عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إن لله ديكًا أبيض، جناحاه مُوشَّيان بالزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذِّن في كلِّ سحرٍ، فيسمع تلك الصَّيحة أهل السَّموات والأرضين (٢) إلَّا الثَّقلين: الجنَّ والإنس، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ضُمَّ جناحيك، وغُضَّ صوتك، فيعلم أهل السَّموات والأرض إلَّا الثَّقلين أنَّ السَّاعة قد اقتربت»، وعند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الشعب» عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ لله ديكًا، رجلاه في التُّخوم، وعنقه تحت العرش مطويَّة، فإذا كان هنيَّةٌ (٣) من اللَّيل؛ صاح: سبُّوحٌ قدُّوسٌ، فصاحت الدِّيكة»، وهو في «كامل ابن عديٍّ» في ترجمة عليِّ بن أبي (٤) عليِّ اللَّهَبيِّ، قال: وهو يروي أحاديث منكرةً عن جابرٍ.

стр. 2860

وفي حديث الباب (١): الاقتصاد في العبادة، وترك التَّعمُّق فيها، ورواته ما بين مروزيٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية الابن عن الأب، والتَّابعيِّ عن الصَّحابيَّة، والتَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه أيضًا في هذا الباب [خ¦١١٣٢] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٦١]، ومسلم في «الصَّلاة» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذَرٍّ عن السَّرخسيِّ -وهو في «اليونينيَّة» لابن عساكر-: «محمَّد بن سالمٍ» بتقديم الألف على اللَّام، وهو سهوٌ من السَّرخسيِّ؛ لأنَّه ليس في (٢) شيوخ المؤلِّف أحدٌ يقال له: محمَّد بن سالمٍ، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة»، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد» (قَالَ (٣): أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سَلَّام بن سُلَيم الكوفيُّ (عَنِ الأَشْعَثِ) بن أبي الشَّعثاء بإسناده المذكور (قَالَ: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) الدِّيك في نصف اللَّيل، أو ثلثه الأخير؛ لأنَّه إنَّما يُكِثرُ الصِّياحَ فيه (قَامَ فَصَلَّى) لأنَّه وقت نزول الرَّحمة، والسُّكون وهدوء الأصوات، وأفادت هذه الرِّواية ما كان يصنع إذا قام، وهو قوله: «قام فصلَّى»، بخلاف رواية شُعبة فإنَّها مجملةٌ، وللمُستملي والحَمُّويي: «ثمَّ قام إلى الصَّلاة». ١١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبُوذَكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهريُّ (قَالَ: ذَكَرَ أَبِي) سعد بن إبراهيم، ولأبي داود: حدَّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ عَائِشَةَ ﵂

стр. 2861

قَالَتْ: مَا أَلْفَاهُ) بالفاء، أي: وجده ﵊ (السَّحَرُ) بالرَّفع فاعل «ألفى» (عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا) بعد القيام الَّذي مبدؤه عند سماع الصَّارخ؛ جمعًا بينه وبين رواية مسروق السَّابقة، وهل المراد حقيقة النَّوم، أو اضطجاعه على جنبه؛ لقولها في الحديث الآخر [خ¦١١١٩]: «فإن كنت يقظى (١) حدَّثني، وإلَّا؛ اضطجع»، أو كان نومه خاصًّا باللَّيالي الطِّوال وفي غير رمضان دون القصار؟ لكن يحتاج إخراجها إلى دليلٍ (تَعْنِي) عائشةُ (النَّبِيَّ ﷺ ¬) فسَّرت (٢) الضَّمير المنصوب في «ألفاه» بالنَّبيِّ ﷺ ، وليس بإضمارٍ قبل الذِّكر؛ لأنَّ أمَّ سلمة كانت سألت عائشة عن نوم النَّبيِّ ﷺ (٣) وقت السَّحر بعد ركعتي الفجر، وكانتا في ذكره ﵊. وفي هذا الحديث رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ، والتَّحديث والرِّواية بطريق الذِّكر والعنعنة والقول، ورواية الابن عن الأب، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود وابن ماجه. (٨) (باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ) بالفاء (٤)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولم» (يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «من تسحَّر ثمَّ قام إلى الصَّلاة». ١١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّوْرَقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عُبَادة؛ بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) ولأبي ذَرٍّ: «سعيد بن أبي عَرُوبة» بفتح العين وضمِّ الرَّاء مخفَّفًا (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ

стр. 2862

وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ تَسَحَّرَا) أكلا السَّحور (فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَُحُورِهِمَا) بفتح السِّين، اسم لما يُتَسحَّر به، وقد تُضمُّ كالوُضوء والوَضوء (قَامَ (١) نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة الصُّبح (فَصَلَّى، قُلْنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقلنا» (لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَُحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً) قال التُّوربشتيُّ: هذا تقديرٌ لا يجوز لعموم المسلمين الأخذُ به، وإنَّما أخذ به ﵊ لإطلاع الله إيَّاه، وقد كان ﵊ معصومًا عن الخطأ في أمر الدِّين، وسبق هذا الحديث في «باب وقت الفجر» [خ¦٥٧٦]. (٩) (باب طُولِ القِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «طول الصَّلاة في قيام اللَّيل»، وهي توافق حديث الباب؛ لأنَّه يدلُّ ظاهره (٢) على طول الصَّلاة، لا على طول القيام بخصوصه، لكنَّه يلزم من طولها طوله على ما لا يخفى، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «باب القيام في صلاة اللَّيل». ١١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ (٣) ﷺ لَيْلَةً) من اللَّيالي (فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ) قصدتُ (بِأَمْرِ سَوْءٍ) بفتح السِّين وإضافة «أمر» إليه (قُلْنَا: وَمَا) ولأبي الوقت: «ما» (هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ) من طول قيامه (وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بالمعجمة، أي: أتركه،

стр. 2863

وإنَّما جعله سوءًا وإن كان القعود في النَّفل جائزًا؛ لأنَّ فيه تركَ الأدب معه ﵊ وصورةَ مخالفته، وقد كان ابن مسعودٍ قويًّا محافظًا على الاقتداء به ﷺ ، فلولا أنَّه طوَّل كثيرًا لم يهمَّ بالقعود، وقد اختُلف: هل الأفضل في صلاة النَّفل (١) كثرةُ الرُّكوع والسُّجود أو طولُ القيام؟ فقال بكلٍّ قومٌ؛ فأمَّا القائلون بالأوَّل؛ فتمسَّكوا بنحو حديث ثوبان عند مسلمٍ: «أفضل الأعمال كثرة الرُّكوع والسُّجود»، وتمسَّك القائلون بالثَّاني بحديث مسلمٍ أيضًا: «أفضل الصَّلاة طول القنوت»، والذي يظهر: أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ (٢)، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّلاة» والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل». ١١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الطحَّان (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلَمِيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ) أي: إذا قام لعادته (مِنَ اللَّيْلِ؛ يَشُوصُ) بشينٍ معجمةٍ وصادٍ مهملةٍ، أي: يدلك (فَاهُ بِالسِّوَاكِ) استشكل ابن بطَّال (٣) هذا الحديث حتَّى عدَّ ذكره هنا (٤) غلطًا من ناسخٍ، أو أنَّ المؤلِّف اخترمته المنيَّة قبل تنقيحه، وأجيب باحتمال أنَّه أراد حديث حذيفة في

стр. 2864

مسلمٍ: أنَّه ﷺ قرأ البقرة والنِّساء وآل عمران في ركعةٍ، لكن لم يذكره؛ لأنَّه ليس على شرطه، وأنَّ رؤية (١) شوصه بالسِّواك هي ليلة صلَّى فيها، فحكى البخاريُّ بعضه تنبيهًا على بقيَّته، أو تنبيهًا بأحد حديثَي حذيفة على الآخر، وقال ابن المنيِّر: يحتمل عندي أن يكون أشار بمعنى (٢) التَّرجمة من جهة أنَّ استعمال السِّواك حينئذٍ يدلُّ على ما يناسبه من كمال الهيئة والتَّأهُّب للعبادة، وأخذ النَّفس حينئذٍ بما تؤخذ به في النَّهار، وكأنَّ ليله ﵊ نهارٌ، وهو دليل طول القيام فيه، ويُدفع أيضًا وهم من لعلَّه يتوهَّم أنَّ القيام كان خفيفًا بما ورد من حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٣٨]: فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وابن عبَّاس إنَّما أراد وضوءًا رشيقًا مع إكمالٍ (٣) وإسباغٍ يدلُّ على كماله. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: أطال الخِطابة ولم يكشف الخَطْب، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع. انتهى. وقال ابن رشيدٍ: إنَّما أدخله؛ لقوله: «إذا قام للتَّهجُّد»، أي: إذا قام لعادته (٤). وقد بُيِّنت (٥) عادته في الحديث الآخر، ولفظ «التَّهجُّد» مع ذلك مُشعِرٌ بالسَّهر، ولا شكَّ (٦) أنَّ في التَّسوُّك (٧) عونًا على دفع النَّوم؛ فهو مُشعرٌ بالاستعداد للإطالة (٨)، قال في «الفتح» (٩): وهذا أقرب هذه التَّوجيهات. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ (١٠) وواسطيٍّ وكوفيِّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «السِّواك»، كما سبق في «الوضوء» [خ¦٢٤٥].

стр. 2865

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ كان (١) صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ؟) ولأبي الوقت في نسخةٍ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «باللَّيل»، وسقط «كان» الأولى عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، والتَّبويب كلُّه عند الأَصيليِّ، وللمُستملي: «باب كيف صلاة اللَّيل؟ وكيف … »، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وكم كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي باللَّيل؟». ١١٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا) في «المعجم الصَّغير» للطَّبرانيِّ: أنَّ ابن عمر هو السَّائل، لكن يُعكِّر عليه ما في «مسلم»: عن ابن عمر (٢) أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ -وأنا بينه وبين السَّائل- وفي «أبي داود»: أنَّ رجلًا من أهل البادية (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟) أي: عددها (قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى) يُسلِّم من كلِّ ركعتين، و «مثنى» في محلِّ رفع خبر مبتدأٍ؛ وهو قوله: «صلاة اللَّيل»، والتَّكرير للتأكيد؛ لأنَّ الأوَّل مكرَّرٌ معنًى؛ لأنَّ معناه: اثنان اثنان؛ ولذلك امتنع من الصَّرف، وقال الزَّمخشريُّ: وإنَّما لم ينصرف؛ لتكرار العدل فيه، وزعم سيبويه أنَّ عدم صرفه؛ للعدل والصِّفة، وتعقَّبه في «الكشَّاف» بأنَّ الوصفيَّة لا يُعرَّج عليها؛ لأنَّها لو كانت مؤثِّرة في المنع من الصَّرف؛ لقلت: مررت بنسوةٍ أربعَ، مفتوحًا، فلما صُرف عُلم أنَّها ليست بمؤثِّرة، والوصفيَّة ليست بأصلٍ؛ لأنَّ الواضع لم يضعها لتقع وصفًا، بل عَرَض لها ذلك؛ نحو: مررت بحيَّةٍ ذراعٍ، ورجلٍ أسدٍ، فـ «الذِّراع» و «الأسد» ليسا بصفتين لـ «الحيَّة»، و «الرَّجل» حقيقةً (فَإِذَا خِفْتَ

стр. 2866

الصُّبْحَ) أي: دخول وقته (فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ) ركعةٍ مفردةٍ، وهو حجَّةٌ للشَّافعيَّة على جواز الإيتار بركعةٍ واحدةٍ، قال النَّوويُّ: وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ بواحدةٍ، ولا تكون الرَّكعة الواحدة صلاةً قطُّ، والأحاديث الصحيحة تردُّ عليه، ومباحث ذلك سبقت في «باب الوتر» [خ¦٩٩٣] وهذا الحديث يطابق (١) الجزء الأول من (٢) التَّرجمة، وبه احتجَّ أبو يوسف ومحمَّد ومالك والشَّافعيُّ وأحمد: أنَّ صلاة اللَّيل مثنى مثنى؛ وهو أن يُسَلِّم في آخر كلِّ ركعتين، وأمَّا صلاة النَّهار؛ فقال أبو يوسف ومحمَّد: أربع، وعند أبي حنيفة: أربع في اللَّيل والنَّهار، وعند الشَّافعيِّ: مثنى مثنى فيهما، واحتجَّ بما رواه الأربعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: «صلاة اللَّيل والنَّهار مثنى مثنى (٣)». نعم؛ له أن يُحرِم بركعةٍ وبمئةٍ مثلًا، وفي كراهة الاقتصار على ركعةٍ فيما لو أحرم مطلقًا وجهان: أحدهما: نعم؛ يُكره بناءً على القول بأنَّه إذا نذر صلاةً لا تكفيه ركعةٌ، والثَّاني: لا، بل قال في «المطلب»: الَّذي يظهر استحبابُه خروجًا من خلاف بعض أصحابنا وإن لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنَّه يلزمه بالشُّروع ركعتان، فإن لم ينو عددًا أو جَهِل كم صلَّى جاز، لما في «مسند الدَّارميِّ»: «أنَّ أبا ذرٍّ صلَّى عددًا كثيرًا، فلمَّا سلَّم؛ قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفعٍ أو على وترٍ؟ فقال: إن لا أكن أدري؛ فإنَّ الله يدري»، فإن (٤) نوى عددًا؛ فله أن ينوي الزِّيادة عليه والنُّقصان منه، والعدد عند النُّحَاة: ما وضع لكمية الشَّيء، فالواحد عددٌ، فتدخل فيه الرَّكعة، وعند جمهور الحُسَّاب: ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين على السَّواء، فالواحد ليس بعددٍ، فلا تدخل فيه الرَّكعة، لكنَّه يدخل في حكمه هنا بالأَولى؛ لأنَّه إذا

стр. 2867

جاز التَّغيير بالزِّيادة في الرَّكعتين؛ ففي الرَّكعة -الَّتي قيل: يُكره الاقتصار عليها في الجملة- أَولى، ومعلومٌ أنَّ تغييرها بالنَّقص ممتنعٌ، فإن نوى أربعًا وسلَّم من ركعتين أو من ركعة، أو قام إلى خامسةٍ عامدًا قبل تغيير النِّيَّة؛ بطلت صلاته؛ لمخالفته ما نواه بغير نيَّة؛ لأنَّ الزَّائد صلاةٌ، فتحتاج إلى نيَّةٍ، ولو قام إليها ناسيًا، فتذكَّر وأراد الزِّيادة أو لم يُرِدْها؛ لزمه العودُ إلى القعود؛ لأنَّ المأتيَّ به سهوًا لغوٌ، وسجد للسهو آخر صلاته لزيادة القيام، ومن نوى عددًا؛ فله الاقتصار على تشهُّدٍ آخر صلاته، وله أن يتشهَّد بلا سلامٍ في كلِّ ركعتين، كما في الرُّباعيَّة، وفي كلِّ ثلاثٍ أو أكثر؛ كما في «التَّحقيق» و «المجموع»؛ لأنَّ ذلك معهودٌ في الفرائض في الجملة، لا في كلِّ (١) ركعةٍ؛ لأنَّه اختراع صورةٍ في الصَّلاة لم تُعهد، قاله في «أسنى المطالب». ١١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والرَّاء المهملة، نصر بن عمران الضُّبَعِيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «كانت» (صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: يُسلِّم بين كلِّ ركعتين، كما صُرِّح به في رواية طلحة بن نافعٍ (يَعْنِي: بِاللَّيْلِ) وسبق الحديث في أوَّل «أبواب الوتر» [خ¦٩٩٤].

стр. 2868

١١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، كما جزم به أبو نُعيمٍ، لا ابن سيَّارٍ (١) النَّصيبيُّ، ولا رواية له في الكتب السِّتَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت (٢) والأَصيليِّ: «أخبرنا» (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عبيد الله بن موسى» أي: ابن باذام (قَالَ: أَخْبَرَنَا (٣) إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي (٤) إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسديِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ) بفتح الواو وتشديد المثلَّثة وبعد الألف موحَّدة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ) عدد (صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ:) تارةً (سَبْعٌ، وَ) تارةً (تِسْعٌ، وَ) أخرى (٥) (إِحْدَى عَشْرَةَ) وقع ذلك منه في أوقاتٍ مختلفةٍ بحسب اتِّساع الوقت وضيقه، أو عذرٍ من مرضٍ أو غيره، أو (٦) كِبَرِ سِنِّه، وفي النَّسائيِّ عنها: «أنَّه كان يُصلِّي من اللَّيل تسعًا، فلمَّا أسنَّ صلَّى سبعًا»، قيل: وحكمة اقتصاره على إحدى عشرة ركعة أنَّ (٧) التَّهجُّد والوتر يختصُّ باللَّيل، وفرائض النَّهار: الظُّهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث وتر النَّهار، فناسب أن تكون صلاة اللَّيل كصلاة النَّهار في العدد جملةً وتفصيلًا، قاله في «فتح الباري»، ويعكِّر عليه صلاة الصُّبح؛ فإنَّها نهاريَّة؛ لآية: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ (٨)﴾ [البقرة: ١٨٧] والمغرب ليليَّة (٩) لحديث: «إذا أقبل اللَّيل من ههنا (١٠) فقد أفطر الصَّائم» فليتأمَّل (سِوَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) فالمجموع: ثلاث

стр. 2869

عشرة ركعة، وأمَّا (١) ما رواه الزُّهريُّ عن عروة عنها -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- في «باب ما يقرأ في ركعتي الفجر» [خ¦١١٧٠] بلفظ: «كان يصلِّي باللَّيل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلِّي إذا سمع النِّداء بالصُّبح (٢) ركعتين خفيفتين»؛ فظاهره يخالف ما ذُكِر، فأجيب باحتمال أن تكون أضافت إلى صلاة اللَّيل سنَّة العشاء؛ لكونه كان يصلِّيها في بيته، أو ما (٣) كان يفتتح به صلاة اللَّيل، فقد ثبت في «مسلمٍ» عنها: «أنَّه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين»، ويؤيِّد هذا الاحتمال رواية أبي سلمة عند المصنِّف وغيره: «يصلِّي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا» [خ¦٢٠١٣] فدلَّ على أنَّها لم تتعرَّض للرَّكعتين الخفيفتين، وتعرَّضت لهما في رواية الزُّهري، والزِّيادة من الحافظ مقبولةٌ. ١١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مصغَّرًا، العبسيُّ الكوفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الأسود بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) بالبناء على الفتح وسكون شين «عشرة»، كما أجازه الفرَّاء (مِنْهَا) أي: من ثلاث عشرة: (الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ) وفي بعض النُّسخ: «وركعتي الفجر» نصبٌ على المفعول معه، وفي رواية مسلمٍ من هذا الوجه: «كانت صلاته عشر ركعاتٍ، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة»، وهذا كان غالب عادته ﵇.

стр. 2870

(١١) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: صلاته (بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ) بواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «من نومه» (وَ) باب (مَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «وما نُسخ»: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾) أصله: المتزمِّل؛ وهو الذي يتزمَّل في الثِّياب، أي: يلتفُّ فيها، قُلِبت التَّاء زايًا، وأدغمت في الأخرى، أي: يا أيَّها المتلفِّفُ (١) في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي: يا محمَّد، قد زمَّلت القرآن (﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾) منه (﴿نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٣]) أي: على النِّصف، وهو بدلٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ من النِّصف، كأنَّه قال: قُمْ أقلَّ من نصف اللَّيل، والضَّمير في ﴿مِنْهُ﴾ للنِّصف؛ والمعنى: التَّخيير بين أمرين: أن يقوم أقلَّ من النِّصف على البَتِّ، وبين أن يختار أحد الأمرين: النُّقصان من النِّصف، والزِّيادة عليه، قاله في «الكشَّاف»، وتعقَّبه في «البَحر» بأنَّه يلزم منه التَّكرار؛ لأنَّه على تقدير (٢): قم أقلَّ من نصف اللَّيل؛ يكون قوله: ﴿أَوِ انقُصْ﴾ مِن نصف اللَّيل تكرارًا، أو بدلٌ (٣) من ﴿قَلِيلًا﴾ فكأنَّ في الآية تخييرًا بين ثلاثٍ: بين قيام النِّصف بتمامه، أو قيام أنقصَ منه (٤)، أو أزيد، ووُصِفَ النِّصف بالقلَّة بالنِّسبة إلى الكلِّ، قال في «الفتح»: وبهذا -أي: الأخير- جزم الطَّبريُّ، وأَسنَد ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراسانيِّ، وفي حديث مسلمٍ من طريق سعد بن هشامٍ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «افترض الله تعالى قيام اللَّيل في أوَّلِ هذه السُّورة» -يعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فقام نبيُّ الله ﷺ وأصحابه حولًا حتَّى أنزل الله في آخر هذه السُّورة التَّخفيف، فصار قيام

стр. 2871

اللَّيل تطوُّعًا بعد فريضةٍ، وقال (١) البرهان النَّسفيُّ في «الشِّفاء» (٢): أمَرَه أن يختار على الهجود التَّهجُّد، وعلى التَّزمُّل التَّشمُّر للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنَّه ﵇ قد تشمَّر لذلك وأصحابه حقَّ التَّشمُّر (٣)، وأقبلوا (٤) على إحياء لياليهم، ورفضوا الرُّقاد والدَّعة، وجاهدوا فيه (٥) حتَّى انتفخت أقدامهم، واصفرَّت ألوانهم، وظهرت السِّيما على وجوههم، حتَّى رحمهم ربُّهم، فخفَّف عنهم، وحكى الشَّافعيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ آخر السُّورة نسخ افتراضَ قيام اللَّيل إلَّا ما تيسَّر منه؛ لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نُسِخَ فرض ذلك بالصَّلوات الخمس. (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) أي: اقرأه مترسِّلًا (٦)، بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال أبو بكر بن طاهرٍ: تدبَّر لطائف خطابه، وطالِبْ نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾) أي: القرآن؛ لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن، أو: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾) مصدرٌ: من «نشأ» إذا قام ونهض (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا﴾) بكسر الواو وفتح الطَّاء ممدودًا؛ كما في قراءة أبي عمرٍو وابن عامرٍ، والباقون بفتح الواو وسكون الطَّاء من غير مدٍّ، أي: قيامًا (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾) أشدُّ مقالًا، وأثبت قراءةً؛ لهدوء الأصوات، وقيل: أعجلُ إجابةً للدُّعاء (﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٣ - ٧]): تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهمَّاتك وشواغلك، وعن السُّدِّيِّ: تطوُّعًا كثيرًا، وقال السَّمرقنديُّ: فراغًا طويلًا تقضي حوائجك فيه؛

стр. 2872

ففرِّغ نفسك لصلاة اللَّيل (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام اللَّيل، أو الضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدرٍ مقدَّرٍ، أي: علم أن لا يصحَّ منكم ضبطُ الأوقات، ولا يتأتَّى حسابها بالتَّسوية إلَّا بالاحتياط، وهو شاقٌّ عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) رخَّص لكم في ترك القيام المقدَّر (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾) فصلُّوا ما تيسَّر عليكم من قيام اللَّيل، وهو ناسخٌ للأوَّل، ثم نُسِخا جميعًا بالصَّلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثمَّ بيَّن حكمة النَّسخ بقوله: (﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾) لا يقدرون على قيام اللَّيل (﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾) يسافرون (﴿فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾) في طلب (١) الرِّزق منه تعالى (﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يجاهدون في طاعة الله (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) الواجبتين، أو المراد: صدقة الفطر؛ لأنَّه لم يكن بمكَّة زكاةٌ، ومن فسَّرها بها جعل آخر السُّورة من المدنيِّ (﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾) بسائر الصَّدقات المستحبَّة، وسمَّاه قرضًا تأكيدًا للجزاء (﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾) عملٍ صالحٍ وصدقةٍ بنيَّةٍ خالصةٍ (﴿تَجِدُوهُ﴾) أي: ثوابَه (﴿عِندَ اللهِ﴾) (٢) في الآخرة (﴿هُوَ خَيْرًا﴾) نصب ثاني مفعولي «وجد» (﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾) زاد في نسخةٍ: «﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله عبد بن حُميد بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ عنه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: «قال ابن عبَّاس»: (نَشَأَ) بفتحاتٍ مهموزًا معناه: (قَامَ) يتهجَّد (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: بلسان الحبشة، وليس في القرآن شيءٌ بغير العربيَّة، وإن ورد (٣) من ذلك شيءٌ فهو من توافق اللُّغتين، وعلى هذا فـ ﴿نَاشِئَةَ﴾ -كما مرَّ- مصدرٌ بوزن فاعِلَة، من نشأ؛ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النَّفسُ النَّاشئة باللَّيل، أي: الَّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وفي «الغريبين» لأبي عُبيد: كلُّ ما حدث باللَّيل وبدأ فهو ناشئٌ، وفي «المجاز» لأبي عبيدة: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: آناء اللَّيل، ناشئةً بعد ناشئةٍ.

стр. 2873

(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا. ١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (¬﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.

стр. 2874

ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ (١)، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢]. (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن جعفر عن حميدٍ (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ، كما جزم به خلفٌ (وَأَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (الأَحْمَرُ) أو الواو زائدةٌ في «وأبو» من النَّاسخ؛ فإنَّ أبا خالد اسمه سليمان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، ومتابعةُ أبي خالدٍ وصلها المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢]. (١٢) (باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ) أي: قفاه، أو مؤخَّر العنق، أو مؤخَّر الرَّأس، أو وسطه (إِذَا) نام و (لَمْ يُصَلِّ) صلاة العشاء (بِاللَّيْلِ). ١١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليسُ، أو أحدُ أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) ظاهره التَّعميم في المخاطبين ومَن في معناهم، ويمكن أن يُخَصَّ منه من صلَّى العشاء في جماعة -كما مرَّ- ومن ورد في حقِّه أنَّه يُحفَظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي

стр. 2875

لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسيِّ عند نومه؛ فقد ثبت: «أنَّه يُحفَظُ من الشَّيطان حتَّى يُصبح» (إِذَا هُوَ نَامَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إذا هو نائمٌ» بوزن فاعِل، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أصوب، وهو الَّذي في «الموطَّأ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية «الموطَّأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب، بل الظَّاهر أنَّ رواية المُستملي أصوب؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّةٌ، والخبر فيها اسمٌ (ثَلَاثَ عُقَدٍ) نصب مفعول «يعقد»، و «عُقَد»؛ بضمِّ العين وفتح القاف: جمع عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بيده (كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (١): «على مكان كلِّ عقدة»، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عند مكان كلِّ عُقدةٍ» تأكيدًا وإحكامًا لِمَا يفعله قائلًا: باقٍ أو بقي (٢) (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أو «عليك ليلٌ» مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّم، فـ «ليلٌ» رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك (٣) (فَارْقُدْ) كأنَّ الفاء رابطة شرطٍ مقدَّرٍ، أي: وإذا كان كذلك؛ فارقد ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متَّسعٌ. وهل هذا العقد حقيقة؟ فيكون من باب عقد السَّواحر (٤) ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه منه عقدةً، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر، فيتأثَّر المسحور حينئذٍ بمرضٍ أو تحريك قلبٍ أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس، لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد (٥) في شعر الرَّأس أو غيره؟ الأقرب أنَّه في غيره؛ لأنَّه ليس لكلِّ أحدٍ شعرٌ، وفي رواية ابن ماجه: «على قافية رأس أحدكم بالليل (٦) حبلٌ فيه ثلاث عقدٍ»، ولأحمد: «إذا نام أحدكم عُقد على رأسه ثلاث عقدٍ (٧) بجَريرٍ» وهو بفتح الجيم: الحبل، وقيل: «العقد» مجازٌ؛ كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائمِ بفعلِ السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقده ذلك تصرُّف من يحاول عَقده؛ كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم، وقيل: معنى «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي:
следующие страницы →