← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

اللَّيل تطوُّعًا بعد فريضةٍ، وقال (١) البرهان النَّسفيُّ في «الشِّفاء» (٢): أمَرَه أن يختار على الهجود التَّهجُّد، وعلى التَّزمُّل التَّشمُّر للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنَّه ﵇ قد تشمَّر لذلك وأصحابه حقَّ التَّشمُّر (٣)، وأقبلوا (٤) على إحياء لياليهم، ورفضوا الرُّقاد والدَّعة، وجاهدوا فيه (٥) حتَّى انتفخت أقدامهم، واصفرَّت ألوانهم، وظهرت السِّيما على وجوههم، حتَّى رحمهم ربُّهم، فخفَّف عنهم، وحكى الشَّافعيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ آخر السُّورة نسخ افتراضَ قيام اللَّيل إلَّا ما تيسَّر منه؛ لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نُسِخَ فرض ذلك بالصَّلوات الخمس. (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) أي: اقرأه مترسِّلًا (٦)، بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال أبو بكر بن طاهرٍ: تدبَّر لطائف خطابه، وطالِبْ نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾) أي: القرآن؛ لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن، أو: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾) مصدرٌ: من «نشأ» إذا قام ونهض (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا﴾) بكسر الواو وفتح الطَّاء ممدودًا؛ كما في قراءة أبي عمرٍو وابن عامرٍ، والباقون بفتح الواو وسكون الطَّاء من غير مدٍّ، أي: قيامًا (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾) أشدُّ مقالًا، وأثبت قراءةً؛ لهدوء الأصوات، وقيل: أعجلُ إجابةً للدُّعاء (﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٣ - ٧]): تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهمَّاتك وشواغلك، وعن السُّدِّيِّ: تطوُّعًا كثيرًا، وقال السَّمرقنديُّ: فراغًا طويلًا تقضي حوائجك فيه؛

стр. 2872

ففرِّغ نفسك لصلاة اللَّيل (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام اللَّيل، أو الضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدرٍ مقدَّرٍ، أي: علم أن لا يصحَّ منكم ضبطُ الأوقات، ولا يتأتَّى حسابها بالتَّسوية إلَّا بالاحتياط، وهو شاقٌّ عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) رخَّص لكم في ترك القيام المقدَّر (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾) فصلُّوا ما تيسَّر عليكم من قيام اللَّيل، وهو ناسخٌ للأوَّل، ثم نُسِخا جميعًا بالصَّلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثمَّ بيَّن حكمة النَّسخ بقوله: (﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾) لا يقدرون على قيام اللَّيل (﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾) يسافرون (﴿فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾) في طلب (١) الرِّزق منه تعالى (﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يجاهدون في طاعة الله (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) الواجبتين، أو المراد: صدقة الفطر؛ لأنَّه لم يكن بمكَّة زكاةٌ، ومن فسَّرها بها جعل آخر السُّورة من المدنيِّ (﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾) بسائر الصَّدقات المستحبَّة، وسمَّاه قرضًا تأكيدًا للجزاء (﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾) عملٍ صالحٍ وصدقةٍ بنيَّةٍ خالصةٍ (﴿تَجِدُوهُ﴾) أي: ثوابَه (﴿عِندَ اللهِ﴾) (٢) في الآخرة (﴿هُوَ خَيْرًا﴾) نصب ثاني مفعولي «وجد» (﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾) زاد في نسخةٍ: «﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر». (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله عبد بن حُميد بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ عنه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: «قال ابن عبَّاس»: (نَشَأَ) بفتحاتٍ مهموزًا معناه: (قَامَ) يتهجَّد (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: بلسان الحبشة، وليس في القرآن شيءٌ بغير العربيَّة، وإن ورد (٣) من ذلك شيءٌ فهو من توافق اللُّغتين، وعلى هذا فـ ﴿نَاشِئَةَ﴾ -كما مرَّ- مصدرٌ بوزن فاعِلَة، من نشأ؛ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النَّفسُ النَّاشئة باللَّيل، أي: الَّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وفي «الغريبين» لأبي عُبيد: كلُّ ما حدث باللَّيل وبدأ فهو ناشئٌ، وفي «المجاز» لأبي عبيدة: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: آناء اللَّيل، ناشئةً بعد ناشئةٍ.

стр. 2873

(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا. ١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (¬﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.

стр. 2874

ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ (١)، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢]. (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن جعفر عن حميدٍ (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ، كما جزم به خلفٌ (وَأَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (الأَحْمَرُ) أو الواو زائدةٌ في «وأبو» من النَّاسخ؛ فإنَّ أبا خالد اسمه سليمان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، ومتابعةُ أبي خالدٍ وصلها المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢]. (١٢) (باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ) أي: قفاه، أو مؤخَّر العنق، أو مؤخَّر الرَّأس، أو وسطه (إِذَا) نام و (لَمْ يُصَلِّ) صلاة العشاء (بِاللَّيْلِ). ١١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليسُ، أو أحدُ أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) ظاهره التَّعميم في المخاطبين ومَن في معناهم، ويمكن أن يُخَصَّ منه من صلَّى العشاء في جماعة -كما مرَّ- ومن ورد في حقِّه أنَّه يُحفَظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي

стр. 2875

لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسيِّ عند نومه؛ فقد ثبت: «أنَّه يُحفَظُ من الشَّيطان حتَّى يُصبح» (إِذَا هُوَ نَامَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إذا هو نائمٌ» بوزن فاعِل، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أصوب، وهو الَّذي في «الموطَّأ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية «الموطَّأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب، بل الظَّاهر أنَّ رواية المُستملي أصوب؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّةٌ، والخبر فيها اسمٌ (ثَلَاثَ عُقَدٍ) نصب مفعول «يعقد»، و «عُقَد»؛ بضمِّ العين وفتح القاف: جمع عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بيده (كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (١): «على مكان كلِّ عقدة»، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عند مكان كلِّ عُقدةٍ» تأكيدًا وإحكامًا لِمَا يفعله قائلًا: باقٍ أو بقي (٢) (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أو «عليك ليلٌ» مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّم، فـ «ليلٌ» رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك (٣) (فَارْقُدْ) كأنَّ الفاء رابطة شرطٍ مقدَّرٍ، أي: وإذا كان كذلك؛ فارقد ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متَّسعٌ. وهل هذا العقد حقيقة؟ فيكون من باب عقد السَّواحر (٤) ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه منه عقدةً، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر، فيتأثَّر المسحور حينئذٍ بمرضٍ أو تحريك قلبٍ أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس، لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد (٥) في شعر الرَّأس أو غيره؟ الأقرب أنَّه في غيره؛ لأنَّه ليس لكلِّ أحدٍ شعرٌ، وفي رواية ابن ماجه: «على قافية رأس أحدكم بالليل (٦) حبلٌ فيه ثلاث عقدٍ»، ولأحمد: «إذا نام أحدكم عُقد على رأسه ثلاث عقدٍ (٧) بجَريرٍ» وهو بفتح الجيم: الحبل، وقيل: «العقد» مجازٌ؛ كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائمِ بفعلِ السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقده ذلك تصرُّف من يحاول عَقده؛ كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم، وقيل: معنى «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي:

стр. 2876

حجبنا (١) الحسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فينتبهوا؛ فالمراد: تثقيله في النَّوم وإطالته، فكأنَّه قد شدَّ عليه شدادًا، وعَقدَه (٢) ثلاث عُقَد، والتَّقييد بالثلاث: إمَّا للتَّأكيد، أو أنَّ الَّذي ينحلُّ به عقده ثلاثةٌ: الذِّكر، والوضوء، والصَّلاة، كما أشار إليه بقوله: (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) من نومه (فَذَكَرَ اللهَ) بكلِّ ما صدق عليه الذِّكر؛ كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، والاشتغال بالعلم الشَّرعيِّ (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) واحدةٌ من الثَّلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أخرى ثانيةٌ (فَإِنْ صَلَّى) الفريضة أو النَّافلة (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ) الثَّلاث كلُّها، وظاهره: أنَّ العُقَدَ كلَّها تنحلُّ بالصَّلاة خاصَّةً، وهو كذلك في حقِّ من لم يحتج إلى الطَّهارة؛ كمن نام متمكِّنًا مثلًا ثمَّ انتبه فصلَّى من قبل أن يذكر أو يتطهَّر؛ لأنَّ الصَّلاة تستلزم الطَّهارة، وتتضمَّن الذِّكر، وقوله: «عقده» ضبطها في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع والإفراد كما ترى. قال ابن قرقول في «مطالعه» كعياض ﵀ في «مشارقه»: اختلف في الآخرة منها فقط، فوقع في «الموطَّأ» لابن وضَّاح على الجمع، وكذا ضبطناه في «البخاريِّ»، وكلاهما -يعني: الجمع والإفراد- صحيحٌ، والجمع أوجه، لا سيَّما وقد جاء في رواية مسلمٍ: في الأولى: «عقدة»، وفي الثَّانية: «عقدتان»، وفي الثَّالثة: «العقد». انتهى. فقد تبيَّن أنَّ قول من قال: «إنَّه في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع مع نصب الدَّال، ناشئٌ (٣) عن عدم تأمُّله لِما في «اليونينيَّة»، ولعلَّه لم يقف على «اليونينيَّة» نفسها، بل على ما هو مقابَلٌ عليها أو مكتوبٌ منها، وخفي على الكاتب أو المقابِل ذلك؛ لدقَّة ذلك؛ كمواضع فيها مُحيت لا تُدرك إلَّا بالتَّأمُّل التَّام، ويؤيِّد ما قلتُه قول القاضي السَّابق فتأمَّله، وأمَّا تخريج النَّصب على الاختصاص أو غيره؛ فلا يُصار إليه إلَّا عند ثبوت الرِّواية، ولا أعرفه، ومن ادَّعى أنَّ النَّصب مع الجمع رواية فعليه البيان. وقوله (٤): (فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) أي: لسروره لِما (٥) وفَّقه الله له من الطَّاعة، وما وُعِد به من الثَّواب، وما زال عنه من عُقَد الشَّيطان (طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك الله له في نفسه من هذا التَّصرُّف الحسن، كذا قيل، قال في «الفتح»: والظَّاهر: أنَّ في صلاة اللَّيل سرًّا في طيب النَّفس وإن لم يستحضر المصلِّي شيئًا ممَّا ذُكِر (وَإِلَّا) بأن ترك الذِّكر والوضوء والصَّلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)

стр. 2877

بتركه ما كان اعتاده أو قصده من فعل الخير، ووصف النَّفس بالخبث -وإن كان وقع النَّهيُ عنه في قوله ﵊ [خ¦٦١٧٩]: «لا يقولنَّ أحدُكم: خبُثت نفسي» - للتَّنفير والتَّحذير، أو النَّهي لمن يقول ذلك، وهنا إنَّما أخبر عنه بأنَّه كذلك، فلا تضادَّ. (كَسْلَانَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشَّيطان به بتفويته الحظَّ الأوفر من قيام اللَّيل، فلا يكاد تَخِفُّ عليه صلاةٌ ولا غيرها من القربات، و «كسلان»: غير منصرفٍ للوصف وزيادة الألف والنُّون، مذكَّر «كسلى»، ومقتضى قوله: «وإلَّا أصبح» أنَّه إن (١) لم يجمع الأمور الثَّلاثة دخل تحت من يُصبح خبيثًا كسلان وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوَّة والخفَّة، فمن ذكر الله مثلًا كان في ذلك أخفَّ ممَّن لم يذكر أصلًا، وهذا الذَّمُّ مختصٌّ بمن لم يقم إلى الصَّلاة (٢) وضيَّعها، أمَّا من كانت له عادةٌ فغلبته عينه؛ فقد ثبت أنَّ الله يكتب له أجر صلاته ونومُه عليه صدقة، ولا يبعد أن يجيء مثل ما ذُكِرَ في نوم النَّهار؛ كالنَّوم حالة الإبراد مثلًا، ولا سيَّما على تفسير البخاريِّ من أنَّ المراد بالحديث: الصَّلاة المفروضة (٣)، قاله في «الفتح»، فإن قلت: الحديث مُطلَقٌ، يدلُّ على عقده رأس جميع المكلَّفين؛ من صلَّى ومن لم يصلِّ، وإنَّما تنحلُّ عمَّن أتى بالثَّلاث، والتَّرجمة مقيَّدةٌ برأس من لم يصلِّ، فما وجه المطابقة؟ أجيب بأنَّ مراده: أنَّ استدامة العقد إنَّما تكون على من (٤) ترك الصَّلاة، وجُعِل من صلَّى وانحلَّت عقده كمن لم يُعقَد عليه؛ لزوال أثره، قاله المازريُّ، وقوله في التَّرجمة: «إذا لم يصلِّ» أعمُّ من ألَّا يصلِّي العشاء أو غيرها من صلاة اللَّيل، ولا قرينة للتَّقييد بالعشاء، وظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ العقد يكون عند النَّوم، سواء صلَّى قبله أم (٥) لم يصلِّ، قاله في «عمدة القاري»، رادًّا على صاحب «الفتح» حيث قال: ويحتمل أن تكون الصَّلاة المنفيَّة في التَّرجمة صلاة العشاء، فيكون التَّقدير: إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشَّيطان إنَّما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلَّاها لا سيَّما في الجماعة؛ فإنَّه كمن قام اللَّيل في حَلِّ عُقَد الشيطان. وهذا الحديث أخرجه أبو داود.

стр. 2878

١١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ) بفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسماعيل ابن عُلَيَّة» بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، اسم أمِّه، واسم أبيه: إبراهيم بن سهم الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عِمْرَان بن مِلْحان العطارديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بفتح الدَّال وضمِّها (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ) بمثلَّثةٍ ساكنةٍ ولامٍ مفتوحةٍ بعدها غينٌ معجمةٌ مبنيًّا للمفعول، أي: يُشقُّ أو يُخدَشُ (فَإِنَّهُ) الرَّجل (يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بكسر الفاء وضمِّها وبالضَّاد المعجمة، أي: يترك حفظه والعمل به (وَيَنَامُ) ذاهلًا (عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) العشاء حتَّى يخرج وقتها، أو الصُّبح؛ لأنَّها الَّتي تفوت بالنَّوم غالبًا. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ) قال في «الفتح»: كذا للمُستملي وحده، ولغيره: «بابٌ» فقط، وهو بمنزلة الفصل من سابقه، وفي «اليونينيَّة»: «باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشَّيطان في أذنه»، فليتأمَّل مع ما قبله (١). ١١٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلام بن سليمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا)

стр. 2879

ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمِر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصورٍ عن عبد الرَّحمن بن يزيد النَّخَعيِّ عن ابن مسعودٍ ما يُؤخذ منه أنَّه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: «وايم الله، لقد بال في أذن صاحبكم ليلةً» يعني: نفسَه (فَقِيلَ) أي: قال رجلٌ من الحاضرين: (مَا زَالَ) الرَّجل المذكور (نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) اللَّام للجنس، أو المراد: المكتوبة فتكون للعهد، ويدلُّ له قول سفيان فيما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه»: «هذا عبدٌ نام عن الفريضة» (فَقَالَ) ﵊: (بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُْنِهِ) بضمِّ الهمزة والذَّال وسكونها، ولا استحالة أن يكون بولُه حقيقةً؛ لأنَّه ثبت أنَّه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من بوله، أو هو كنايةٌ عن صرفه عن الصَّارخ بما يقرُّه في أذنه حتَّى لا ينتبه، فكأنَّه ألقى في أذنه بولَه، فاعتلَّ سمعه بسبب ذلك، وقال التُّوربشتيُّ: يحتمل أن يقال: إنَّ الشَّيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحقِّ، وقال في «شرح المشكاة»: خصَّ الأذن بالذِّكر والعينُ أنسب بالنَّوم؛ إشارةً إلى ثقل النَّوم، فإنَّ المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات، ونداء: حيَّ على الصَّلاة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم إنامةً ثقيلةً لا تُنَبِّهُهُم فيها الأصواتُ، وخُصَّ البول من بين الأخبثين؛ لأنَّه مع خباثته أسهل مدخلًا في تجاويف الخروق والعروق ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. ورواة هذا (٢) الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».

стр. 2880

(١٤) (باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «في الصَّلاة» (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) وهو الثُّلث الأخير منه (وَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وقال الله» وللأَصيليِّ: «وقول الله »: (﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾) رُفِعَ بـ «قليلًا» على الفاعليَّة (أَيْ: مَا يَنَامُونَ) وللحَمُّويي: «﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾: ينامون» و ﴿مَا﴾ زائدةٌ، و ﴿يَهْجَعُونَ﴾: خبر «كان»، و ﴿قَلِيلًا﴾ إمَّا ظرفٌ، أي: زمانًا قليلًا، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ إمَّا صفةٌ أو متعلِّقٌ بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أي: هجوعًا قليلًا، ولو جُعلت «ما» مصدريَّة، فـ ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ فاعل ﴿قَلِيلًا﴾، و ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ أو حالٌ من المصدر، و «من»: للابتداء، ولا يجوز أن تكون نافيةً؛ لأنَّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، ولابن عساكر: «ما ينامون»، وعند الأَصيليِّ: «﴿يَهْجَعُونَ﴾ … الآية». (﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]) أي: أنَّهم مع قلَّة هجوعهم وكثرة تهجُّدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنَّهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، وسقط في رواية الأَصيليِّ ما (١) بعد ﴿يَهْجَعُونَ﴾ إلى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وسقط عند أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). ١١٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنبيُّ (عَنْ) إمام الأئمَّة (مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (وَأَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان (الأَغَرِّ) بغينٍ معجمةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ، الثَّقفيِّ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ نزول رحمةٍ، ومزيد لطفٍ، وإجابة دعوةٍ، وقبول معذرةٍ، كما هو ديدن (٣) الملوك الكرماء، والسَّادة

стр. 2881

الرُّحماء، إذا نزلوا بقرب قومٍ محتاجين ملهوفين، فقراء مستضعفين، لا نزول حركة وانتقالٍ لاستحالة ذلك على الله تعالى، فهو نزولٌ معنويٌّ. نعم يجوز حملُه على الحسِّيِّ، ويكون راجعًا إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل (١) عبارة عن مَلَكِه الَّذي ينزل بأمره ونهيه، وقد حكى ابن فورك: أنَّ بعض المشايخ ضبطه بضمِّ الياء من «يَنْزل»، قال القرطبيُّ: وكذا قيَّده بعضهم فيكون معدًّى إلى مفعولٍ محذوفٍ، أي: يُنْزِلُ الله مَلَكًا، قال: ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ: «إنَّ الله يُمهِل حتَّى يمضيَ شطر اللَّيل الأوَّل (٢)، ثمَّ يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ فيُستجاب له؟ … » الحديث، وبهذا يرتفع الإشكال، قال الزَّركشيُّ: لكن روى ابن حبَّان في «صحيحه»: «ينزل الله إلى السَّماء فيقول: لا أسأل (٣) عن عبادي غيري»، وأجاب عنه في «المصابيح» بأنَّه لا يلزم من إنزاله الملَك أن يسأله عمَّا صنع العباد، ويجوز أن يكون الملَك مأمورًا بالمناداة، ولا يُسأل ألبتَّة عمَّا كان بعدها فهو أعلم بما كان وبما يكون، لا تخفى عليه خافيةٌ، وقوله: «﵎» جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) لأنَّه لمَّا أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة؛ أتى بما يدلُّ على التَّنزيه (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) منه (٤)، بالرَّفع صفةٌ لـ «ثُلُثُ»، وتخصيصه بـ «اللَّيل» وبـ «الثُّلث الأخير» منه (٥) لأنَّه وقت التَّهجُّد وغفلة النَّاس عمَّن يتعرَّض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النِّيَّة خالصةً، والرَّغبة إلى الله تعالى وافرةً، وذلك مظنَّة القَبول والإجابة، ولكن اختلفت الرِّوايات في تعيين الوقت على ستَّة أقوالٍ يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في «كتاب الدُّعاء» في «باب الدُّعاء نصف اللَّيل» [خ¦٦٣٢١] بعون الله. (يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي

стр. 2882

فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنَّصب على جواب الاستفهام، وبالرَّفع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أستجيب له، وكذلك حكم (١) «فأعطيه» «فأغفر له»، وليست السِّين للطلب، بل «أستجيب» بمعنى: أُجيب (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) وزاد حجَّاج بن أبي منيعٍ عن جدِّه عن الزُّهريِّ عند الدَّارقُطنيِّ في آخر الحديث: «حتَّى الفجر»، والثَّلاثة -الدُّعاء، والسُّؤال، والاستغفار- إمَّا بمعنًى واحدٍ، فذكرها للتَّوكيد، وإمَّا لأنَّ المطلوب لدفع المضارِّ أو جلب المسارِّ، وهذا إمَّا دنيويٌّ أو دينيٌّ، ففي الاستغفار إشارةٌ إلى الأوَّل، وفي السُّؤال إشارةٌ إلى الثَّاني، وفي الدُّعاء إشارةٌ إلى الثَّالث، وإنَّما خصَّ الله تعالى هذا الوقت بالتَّنزُّل (٢) الإلهيِّ والتَّفضُّل على عباده باستجابة دعائهم وإعطائهم سؤلهم؛ لأنَّه وقت غفلةٍ واستغراقٍ في النَّوم واستلذاذٍ به، ومفارقةُ اللَّذَّة والدَّعة صعبٌ (٣) لا سيَّما أهل الرَّفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التَّعب، ولا سيَّما في قِصَر اللَّيل، فمن آثر القيام لمناجاة ربِّه والتَّضرع إليه مع ذلك، دلَّ على خلوص نيَّته وصحَّة رغبته فيما عند ربِّه تعالى (٤). ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا أنَّ (٥) ابن مسلمة سكن البصرة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٢١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (١٥) (باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ) بالصَّلاة أو القراءة أو الذِّكر ونحوها. (وَقَالَ سَلْمَانُ) الفارسيُّ (لأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵄¬) وفي نسخةٍ: «وقاله سلمان»، وضُبِّب في «اليونينيَّة»

стр. 2883

على «الهاء» (١)، ممَّا وصله المؤلِّف في حديثٍ طويلٍ في «كتاب الأدب» [خ¦٦١٣٩] عن أبي جُحَيْفَةَ لمَّا زاره وأراد أن يقوم للتَّهجُّد: (نَمْ) فنام (فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ) سلمان له: (قُمْ) قال: فصلَّينا، فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى النَّبيَّ ﷺ فذكر له ذلك (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ) أي: في جميع ما ذكر. ١١٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو الوليد» (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، قال المؤلِّف: (ح: وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن حرب الواشحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «كيف كانت» ولأبي الوقت: «كيف كان صلاة النَّبيِّ»، ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ) فإن كان به حاجةٌ إلى الجماع جامَعَ، ثمَّ ينام (فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ) بواوٍ ومثلَّثةٍ وموحَّدةٍ مفتوحاتٍ، أي: نهض (فَإِنْ كَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «فإن كانت» (بِهِ حَاجَةٌ) للجماع قضى حاجته و (اغْتَسَلَ) فجواب الشَّرط محذوفٌ، وهو «قضى حاجته» -كما مرَّ- ولفظ: «اغتسل» يدلُّ عليه، وليس بجوابٍ (وَإِلَّا) بأن لم يكن جامع (تَوَضَّأَ وَخَرَجَ) إلى المسجد للصَّلاة، ولمسلمٍ: قالت: «كان ينام أوَّل اللَّيل ويُحيي آخره، ثمَّ إن كانت له حاجةٌ إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النِّداء الأوَّل قالت: وَثَبَ -و (٢) لا والله ما قالت: قام- فأفاض عليه الماء -و (٣) لا والله ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد-، وإن لم

стр. 2884

يكن جُنُبًا توضَّأ وضوء الرَّجل للصَّلاة، ثمَّ صلَّى ركعتين»، فصرَّح بجواب «إن» الشَّرطيَّة. وفي التَّعبير: بـ «ثمَّ» في حديث الباب فائدةٌ، وهي أنَّه ﵇ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء اللَّيل بالتَّهجُّد، فإنَّ الجدير به ﵇ أداء العبادة قبل قضاء الشَّهوة، قال في «شرح المشكاة»: ويمكن أن يُقال: إنَّ «ثُمَّ» هنا لتراخي الإخبار، أخبرت أوَّلًا أنَّ عادته ﵇ كانت مستمرَّةً بنوم أوَّل اللَّيل وقيام آخره، ثمَّ إن اتَّفق أحيانًا أن يقضي حاجته من نسائه (١) قضى حاجته، ثمَّ ينام في كلتا الحالتين (٢)، فإذا انتبه عند النِّداء الأوَّل، إن كان جنبًا اغتسل، وإلَّا توضَّأ. ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: «حدَّثنا أبو الوليد»، وفي الرِّواية الأخرى: «قال لنا» بصورة التَّعليق، وقد وصله الإسماعيليُّ، وفيه التَّحديث والسُّؤال والقول والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. (١٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: صلاته (بِاللَّيْلِ فِي) ليالي (رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ) وسقط قوله «باللَّيل» عند المُستملي والحَمُّويي. ١١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ (٣) ﷺ فِي) ليالي (رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 2885

يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: غير ركعتي الفجر. وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عبَّاسٍ: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي في رمضان عشرين ركعةً والوتر»، فإسناده ضعيفٌ، وقد عارضه حديث عائشة هذا -وهو في «الصَّحيحين» - مع كونها أعلمُ بحاله ﵊ ليلًا من غيرها (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي: أربع ركعاتٍ، وأمَّا ما سبق من أنَّه كان يصلِّي مثنى مثنى، ثمَّ واحدةً، فمحمولٌ على وقتٍ آخر، فالأمران جائزان (فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) لأنَّهنَّ في نهايةٍ من كمالِ الحسن والطُّول، مستغنياتٍ لظهور حسنهنَّ وطولهنَّ عن السُّؤال عنه والوصف (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ) بفاء العطف على السَّابق، وفي بعضها: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) ولا يُعارَض بنومه ﵊ بالوادي؛ لأنَّ طلوع الفجر متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب، وفيه دلالةٌ على كراهة النَّوم قبل الوتر؛ لاستفهام عائشة عن (١) ذلك؛ كأنَّه (٢) تقرَّر عندها منع ذلك فأجابها بأنَّه ﷺ ليس هو في ذلك كغيره. وهذا الحديث أخرجه في أواخر «الصَّوم» [خ¦٢٠١٣] وفي «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٦٩]، ومسلم في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. ١١٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبد الله الزَّمِن قَالَ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ) حال كونه (جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ) بكسر الموحَّدة، أي: أسنَّ، وكان ذلك قبل موته بعامٍ (قَرَأَ) حال كونه (جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ

стр. 2886

السُّورَةِ ثَلَاثُونَ) زاد الأَصيليُّ: «آيةً» (أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً) شكٌّ من الرَّاوي (قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ). فيه الرَّدُّ على من اشترط على من افتتح النَّافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيٌّ عن أشهب وبعض الحنفيَّة، وحديث مسلم الذي احتجُّوا به لا يلزم منه منع (١) ما رواه عروة عنها؛ فإنَّه كان يفعل كلًّا من ذلك بحسب النَّشاط. ورواته ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ. (١٧) (باب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بضمِّ الطَّاء، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وفضل الصَّلاة عند الطُّهور باللَّيل والنَّهار» وهي المناسبة لحديث الباب، وفي بعض النُّسخ وهي رواية أبي الوقت (٢): «بعد الوضوء» بدل قوله: «عند الطُّهور». ١١٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبةً إلى جدِّه، وإلَّا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بالمهملة المفتوحة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، يحيى بن سعيدٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ) مؤذِّنه (عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ) في الوقت الَّذي كان ﵊ يقصُّ فيه رؤياه، ويعبِّرُ ما رآه غيره من أصحابه: (يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ

стр. 2887

عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ) «أرجى» (١): على وزن أفعل التَّفضيل المبنيِّ من المفعول، وهو سماعيٌّ، مثل: أَشْغَل وأَعْذَر، أي: أكثر مشغوليَّةً ومعذوريَّةً، فالعمل ليس براجٍ للثَّواب، وإنَّما هو مرجوُّ الثَّواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنَّه السَّبب الدَّاعي إليه، والمعنى: حدِّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فَإِنِّي سَمِعْتُ) أي: اللَّيلة، كما في «مسلمٍ» في «النَّوم» لأنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة وإن كان النَّبيُّ ﷺ يدخلها يقظةً كما وقع له (٢) في المعراج، إلَّا أنَّ بلالًا لم يدخل، وقال التُّوربشتيُّ: هذا شيءٌ كوشف به ﷺ من عالم الغيب في نومه أو يقظته، ونرى ذلك -والله أعلم- عبارةً عن مسارعة بلالٍ إلى العمل الموجِب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؟ أي: تعمل قبل ورود أمري إليك؟ (٣). انتهى. لكنَّه لمَّا كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله أقرَّه واستحمده عليه (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدَّال المهملة والفاء المشدَّدة، أي: صوت مشيك فيهما (بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ) ظرفٌ للسَّماع (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي) من (أَنِّي) بفتح الهمزة، و «من» المقدَّرة قبلها صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وثبتت في رواية مسلمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أنْ» بنون خفيفةٍ بدل «أنِّي» (لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) زاد مسلمٌ: «تامًّا» والظَّاهر أنَّه لا مفهوم له، أي: لم (٤) أتوضَّأ وضوءًا (فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بغير تنوين (٥) «ساعة» على الإضافة (٦)، كما في بعض الأصول المقابَل على «اليونينيَّة»، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها: «ساعةٍ» بالتَّنوين وجرِّ «ليلٍ» على البدل، وهو الَّذي ضبطه به الحافظ ابن حجر والعينيُّ، ولم يتعرَّض لضبطه البرماويُّ كالكِرمانيِّ، ونكَّر «ساعة» لإفادة العموم، فتجوز هذه الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وعورض بأنَّ الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وأجيب بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفوريَّة، فيُحمل على تأخير الصَّلاة قليلًا ليخرج وقت الكراهة،

стр. 2888

ورُدَّ (١) بأنَّه في حديث بُريدة عند التِّرمذيِّ وابن خزيمة في نحو هذه القصَّة: «ما أصابني حدثٌ قطُّ إلَّا توضَّأت عندها»، ولأحمد من حديثه: «إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين» فدلَّ على أنَّه كان يُعقب الحدث بالوضوء والوضوء، بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان (٢) (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليُّ «لرَبِّي» (بِذَلِكَ الطُّهُورِ) بضمِّ الطَّاء (مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) أي (٣): ما قُدِّر عليَّ وهو (٤) أعمُّ من النَّوافل والفرائض، ولأبي ذَرٍّ: «ما كُتِب إليَّ» بتشديد الياء، و «كُتِبَ» على صيغة المجهول، والجملة في موضع نصبٍ، و «أن أصلِّي» في موضع رفعٍ. قال ابن التِّين: إنَّما اعتقد بلال ذلك؛ لأنَّه علم من النَّبيِّ ﷺ أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال، وأنَّ عمل السِّرِّ أفضل من عمل الجهر، قال في «الفتح»: والذي يظهر: أنَّ المراد بالأعمال الَّتي سأله عن أرجاها: الأعمال المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروض أفضل قطعًا. انتهى. والحكمة في فضل الصَّلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أنَّ الصَّلاة عقب الطُّهور أقرب إلى اليقين منها إذا تباعدت؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلَّف، ثانيهما: ظهور أثر الطُّهور باستعماله في استباحة الصَّلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكِّدٌ لها ومحقِّقٌ، وتقدُّمُ بلال بين يدي الرَّسول ﵊ في الجنَّة على عادته في اليقظة لا يستدعي أفضليته على العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، بل هو سَبْقُ خدمةٍ كما يسبق العبد سيِّده. وفيه إشارةٌ إلى (٥) بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قُرب منزلته، وذلك منقبةٌ عظيمةٌ لبلالٍ، والظَّاهر: أنَّ هذا (٦) الثَّواب وقع بذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» لأنَّ أصل الدُّخول إنَّما يقع برحمة الله تعالى، واقتسام المنازل بحسب الأعمال.

стр. 2889

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مفسِّرًا: (دَفَّ نَعْلَيْكَ، يَعْنِي تَحْرِيكَ) نعليك، يقال: دَفَّ الطائر؛ إذا حرَّك جناحيه، وسقط قول أبي عبد الله هذا إلى «تحريك» عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، كذا في حاشية الفرع، وفي أصله علامة السُّقوط أيضًا لابن عساكر. ورواة الحديث كوفيُّون إلَّا شيخه، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب». (١٨) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ) خشية الملال المفضي إلى تركها، فيكون كأنَّه رجع فيما بذله من نفسه وتطوَّع به. ١١٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو المِنْقريُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنوريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنانيِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا عبد العزيز بن صهيبٍ» (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) المسجد (فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ) الأسطوانتين المعهودتين (١) (فَقَالَ: مَا هَذَا الحَبْلُ؟ قَالُوا) أي: الحاضرون من الصَّحابة (٢)، وللأَصيليِّ: «فقالوا»: (هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ) بنت جحشٍ أمِّ المؤمنين ﵂ (فَإِذَا فَتَرَتْ) بالفاء والفوقيَّة والرَّاء المفتوحات، أي: كسلت عن القيام (تَعَلَّقَتْ) به (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا) يكون هذا الحبل، أو لا يُمدُّ، أو لا تفعلوه، وسقطت هذه

стр. 2890

الكلمة عند مسلم (حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ) بكسر لام «ليصلِّ» وفتح نون «نَشاطه» أي: ليُصلِّ أحدُكم وقت نشاطه، أو الصَّلاة الَّتي نَشِطَ لها، وقال بعضهم: يعني: ليُصلِّ الرَّجل عن كمال الإرادة والذَّوق، فإنَّه في مناجاة ربِّه، فلا تجوز له المناجاة عند الملال. انتهى. وللأَصيليِّ: «بنشاطه» بزيادة الموحَّدة أوَّله، أي: متلبِّسًا به (فَإِذَا فَتَرَ) في أثناء القيام (فَلْيَقْعُدْ) ويتمَّ صلاته قاعدًا، أو إذا فتر بعد فراغ بعض التَّسليمات فليقعد؛ لإيقاع ما بقي من نوافله قاعدًا، أو إذا فتر بعد انقضاء البعض فليترك (١) بقيَّة النَّوافل جملةً إلى أن يحدُث له نشاطٌ، أو إذا فتر بعد الدُّخول فيها فليقطعها، خلافًا للمالكيَّة حيث منعوا من قطع النَّافلة بعد التلبُّس بها. ١١٥١ - (قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأكثر، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثنا عبد الله»، وكذا رويناه في «الموطَّأ» من (٢) رواية القعنبيِّ، قال ابن عبد البرِّ: تفرَّد القعنبيُّ بروايته عن مالكٍ في «الموطأ» دون بقيَّة رواته، فإنَّهم اقتصروا على طرفٍ منه مختصرٍ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ) وللأَصيليِّ: «فقلت»: (فُلَانَةُ) غير منصرفٍ، وهي الحولاء بنت تويت (لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ) (٣)

стр. 2891

ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «لا تنام اللَّيلَ» بالنَّصب (١) على الظَّرفيَّة، قال عروة: (فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا) بفاء العطف وضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول، وللمُستملي: «تَذكُر» بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه بلفظ المضارع، وللحَمُّويي: «يُذْكَر» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ويحتمل أن يكون على هاتين الرِّوايتين من قول عائشة، وعلى كلٍّ من الثَّلاثة تفسيرٌ لقولها: لا تنام اللَّيل (فَقَالَ) ﵊: (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، بمعنى: اكفف (عَلَيْكُمْ) أي: الزموا (مَا) ولأبي الوقت: «بما» (تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ) صلاة وغيرها (فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم فيهما، قال البيضاويُّ: الملال: فتورٌ يعرِض لِلنَّفس من كثرة مزاولة شيءٍ، فيورث الكَلال في الفعل والإعراض عنه، وأمثال ذلك على الحقيقة إنَّما يصدق في حقِّ من يعتريه التَّغيُّر والانكسار، فأمَّا من تنزَّه عن ذلك فيستحيل تصُّور هذا المعنى في حقِّه، فإذا أُسنِد إليه؛ أُوِّل بما هو منتهاه وغاية معناه؛ كإسناد الرَّحمة والغضب والحياء والضحك إلى الله تعالى؛ فالمعنى -والله أعلم-: اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم، فإنَّ الله تعالى لا يُعرض عنكم إعراض الملول، ولا يُنقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط، فإذا فترتم فاقعدوا؛ فإنَّكم إذا مللتم من العبادة وأتيتم بها على كلالٍ (٢) وفتورٍ كانت معاملة الله معكم حينئذٍ معاملة الملول (٣)، وقال التُّوربشتيُّ: إسناد الملال إلى الله تعالى على طريقة الازدواج والمشاكلة، والعرب تذكر إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى وإن خالفتها معنًى، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. (١٩) (باب مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ) لإشعاره بالإعراض عن العبادة.

стр. 2892

١١٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الحُسَيْنِ) بالموحَّدة والمهملة، و «الحُسين»: مصغَّر، البغداديُّ القَنْطريُّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر في «الجهاد» [خ¦٤٣٨٠] قَالَ: (حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ) بضمِّ الميم وفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، ضدُّ المنذر، الحلبيُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «مبشِّر بن إسماعيل» (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، قال المؤلِّف: (ح (١): وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قَالَ: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا»، وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ) لم يسمَّ (كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ) أي بعضه، ولأبي الوقت في نسخةٍ ولأبي ذَرٍّ: «من اللَّيل» أي: فيه كـ ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيها (فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ). (وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن عمَّار الدِّمشقيُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ وغيره (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي العِشْرِينَ) بكسر العين والرَّاء بينهما معجمةٌ ساكنةٌ، عبد الحميد بن حبيبٍ الدِّمشقيُّ البيروتيُّ كاتب

стр. 2893

الأوزاعيِّ، تُكلِّم فيه، قال (١): (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الكاف (ابْنِ ثَوْبَانَ) بفتح المثلثة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (مِثْلَهُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «بهذا مثله (٢)». وفائدة ذكر المؤلِّف لذلك التَّنبيه على أنَّ زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متَّصل الأسانيد؛ لأنَّ يحيى قد صرَّح بسماعه من (٣) أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يصرِّح بالتَّحديث (وَتَابَعَهُ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: «تابعه» بإسقاطها، أي: تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أبو حفصٍ الشَّاميُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) وقد وصل هذه المتابعةَ مسلمٌ. (٢٠) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو كالفصل من سابقه. ١١٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) بالموحَّدة المشدَّدة، آخره مهملةٌ، السَّائب بن فَرُّوخٍ، بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة وبالخاء المعجمة، الشَّاعر الأعمش التَّابعيِّ المشهور (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) هو ابن العاص (¬﵄، قَالَ (٤): قَالَ لِي النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة مبنيًّا للمفعول،

стр. 2894

والهمزة فيه للاستفهام، ولكنَّه خرج عن الاستفهام الحقيقيِّ، ومعناه هنا: حمل المخاطب على الإقرار بأمرٍ قد استقرَّ عنده ثبوته: (أَنَّكَ) بفتح الهمزة لأنَّه مفعولٌ ثانٍ للإخبار (تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟) نصبٌ على الظَّرفيَّة كاللَّيل، قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ) القيام والصِّيام (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ) بفتح الهاء والجيم والميم (١)، أي: دخلت (عَيْنُكَ) في موضعها، وضعف بصرها لكثرة السَّهر، ولأبي ذَرٍّ: «إذا فعلت هجمت عينك» وزاد الدَّاوديُّ «ونحل جسمك» (وَنَفِهَتْ) بفتح النُّون وكسر الفاء، وعن القطب الحلبيِّ فتحها، أي: كلَّت وأَعيتْ (نَفْسُكَ) من مشقَّة التَّعب (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ) عليك (حَقٌّ) رفعٌ على الابتداء، و «لنفسك» خبره مقدَّمًا، والجملة خبر «إنَّ» واسمها ضمير الشَّأن محذوفًا، أي: إنَّ الشَّأن لنفسك حقٌّ، وهذه رواية كريمة وابن عساكر، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حقًّا» نصبٌ على أنَّه اسم «إنَّ» أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريَّة ممَّا أباحه الله لها من الأكل والشُّرب والرَّاحة الَّتي يقوم بها البدن؛ ليكون أعون على الطَّاعة. نعم من حقوق النَّفس قطعها عمَّا سوى الله تعالى بالكليَّة، لكن ذلك يختصُّ بالتَّعلُّقات القلبيَّة (وَلأَهْلِكَ) زوجك، أو أعمُّ ممَّن تلزمك نفقته عليك (حَقٌّ) رفعٌ أيضًا، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٢) فقط: «حقًّا» بالنَّصب، ومرَّ توجيههما، أي: تنظر لهما فيما لا بدَّ لهما منه من أمور الدُّنيا والآخرة، وسقط لفظ «عليك» هنا في الموضعين، وزاد في «الصيام» [خ¦١٩٧٥] من وجهٍ آخرَ: «وإنَّ لعينك عليك حقًّا»، وفي روايةٍ [خ¦١٩٧٤] [خ¦١٩٧٥]: «وإنَّ لزَورك عليك حقًّا» أي: لزائرك (فَصُمْ) في بعض الأيَّام (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة في بعضها، لتجمع بين المصلحتَين، وفيه إشارةٌ إلى ما سبق من صوم داود (وَقُمْ) صلِّ في بعض اللَّيل (وَنَمْ) في بعضه، والأمر فيها للنَّدب (٣). واستُنبِطَ منه: أنَّ مَن تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طُبِع عليه، يقع له الخلل في الغالب، وربَّما يغلب ويعجز (٤).

стр. 2895

ورواته: سفيان وعمرو وأبو العبَّاس مكِّيُّون، وشيخه من أفراده، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٤] [خ¦١٩٧٥] [خ¦١٩٧٦] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤١٨]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢١) (باب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والعين المهملة، وبعد الألف راءٌ مشدَّدةٌ، أي: انتبه (مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى) مع صوت من استغفارٍ أو تسبيحٍ أو نحوه، وإنَّما استعمله هنا دون الانتباه والاستيقاظ لزيادة معنًى، وهو الإخبار بأنَّ مَن هبَّ من نومه ذاكرًا الله تعالى مع الهبوب، فسأل الله تعالى خيرًا أعطاه، فقال: «تعارَّ» ليدلَّ على المعنيين. ١١٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ، وسقط لأبي ذَرٍّ «ابن الفضل» قَالَ: (أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ) زاد أبو ذَرٍّ: «هو ابن مسلمٍ» (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، وللأَصيليِّ: «أخبرنا» ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا الأوزاعيُّ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) بضمِّ العين مصغَّرًا، الدِّمشقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (١) (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) بضمِّ الجيم وتخفيف النُّون والدَّال المهملة وهاء التَّأنيث، مختلفٌ في صحبته، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ) لمَّا كان التَّعارُّ اليقظة (٢) مع صوتٍ، احتمل أن تكون الفاء تفسيريَّةً لما يصوِّت به المستيقظ؛ لأنَّه قد يصوِّت بغير ذكرٍ، فخصَّه بمن صوَّت بقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّااللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ) زاد أبو نُعَيمٍ في «الحِلية» من وجهين عن عليِّ ابن المدينيِّ: «يحيي ويميت» (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،

стр. 2896

الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) زاد النَّسائيُّ وابن ماجه وابن السِّنيِّ: «العليِّ العظيم»، وسقط قوله «لا إله إلَّا الله» عند الأَصيليِّ وأبوي ذرٍّ والوقت (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي -أَوْ دَعَا- اسْتُجِيبَ) زاد الأَصيليُّ: «له»، و «أو» للشَّكِّ، وعند الإسماعيليِّ: ثُمَّ قال: «ربِّ اغفر لي، غفر له»، أو قال: «فدعا استجيب له» شكَّ الوليد، واقتصر النَّسائيُّ على الشِّقِّ الأوَّل (فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وصلَّى قُبلت» (صَلَاتُهُ) إن صلَّى، والفاء في: «فإن توضَّأ» للعطف على «دعا» أو على قوله: «لا إله إلَّا الله»، والأوَّل أظهر، قاله الطِّيبيُّ، وترك ذكر الثَّواب ليدلَّ على ما لا يدخل تحت الوصف، كما في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] وهذا إنَّما يتَّفق لمن تعوَّد الذِّكر واستأنس به، وغلب عليه، حتَّى صار الذِّكر له حديث نفسه في نومه ويقظته، فأكرم من اتَّصف بذلك بإجابة دعوته وقبول صلاته، وقد صرَّح ﷺ باللَّفظ وعرَّض بالمعنى بجوامع كَلِمه الَّتي أُوتيَها حيث قال: «من (٢) تعارَّ من اللَّيل (٣) … » إلى آخره. ورواته كلُّهم شاميُّون إلَّا شيخه فمروزيٌّ، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ على قول من يقول بصحبة جنادة، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه أبو داود في «الأدب» (٤)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»، وابن ماجه في «الدُّعاء».

стр. 2897

١١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الهَيْثَمُ) بفتح الهاء وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، بعدها مثلَّثةٌ مفتوحةٌ (ابْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر المهملة ونونين، الأولى خفيفةٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ يَقْصُصُ) بسكون القاف، جملةٌ حاليَّةٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «(١) يقصُّ (٢)» (فِي) جملة (قِصَصِهِ) بكسر القاف، جمع قصَّةٍ، والَّذي في «اليونينيَّة» وفرعها: فتح قاف «قَصصه» (٣)، أي: مواعظه (وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَذْكُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَخًا لَكُمْ) هو قول أبي هريرة، أو من قول النَّبيِّ ﷺ ، والمعنى: أنَّ الهيثم سمع أبا هريرة يقول وهو يعظ، وانجرَّ كلامه إلى ذكره ﵊، وذكر ما قال من قوله ﵇: «إنَّ أخًا لكم» (لَا يَقُولُ: الرَّفَثَ) يعني: الباطل من القول والفحش، قال الهيثم أو قال (٤) الزُّهريُّ: (يَعْنِي بِذَلِكَ: عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء وتخفيف الواو وفتح الحاء، الأنصاريَّ الخزرجيَّ، حيث قال يمدح النَّبيَّ ﷺ : (وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ) القرآن، والجملة حاليَّةٌ (إِذَا) ولأبي الوقت في نسخةٍ: «كما» (انْشَقَّ مَعْرُوفٌ) فاعل «انشقَّ» (مِنَ الفَجْرِ) بيانٌ لـ «معروف» (سَاطِعُ) مرتفعٌ، صفةٌ لـ «معروف» أي: أنَّه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الوقت السَّاطع من الفجر (أَرَانَا) ولأبي الوقت: «أنار» (الهُدَى) مفعولٌ ثانٍ لـ «أرانا» (بَعْدَ العَمَى) بعد الضَّلالة (فَقُلُوبُنَا بِهِ) ﷺ (مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ) من المغيَّبات (وَاقِعُ، يَبِيتُ) حال كونه (يُجَافِي) يرفع (جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ) كنايةٌ عن صلاته باللَّيل (إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ) وهذه الأبيات من الطَّويل، وأجزاؤه ثمانيةٌ وهي (٥): فَعولُن مَفاعيلُن … إلى آخره، و (٦) البيت الأخير منها بمعنى (٧) التَّرجمة؛ لأنَّ التَّعارَّ هو: السَّهر والتَّقلُّب على الفراش، وكان ذلك إمَّا للصَّلاة أو للذِّكر أوللقراءة، وفي

стр. 2898

البيت الأوَّل الإشارة إلى علمه (١) ﷺ ، وفي الثَّالث إلى عمله، وفي الثَّاني إلى تكميله الغير، فهو ﷺ كاملٌ مكمَِّّلٌ (٢). (تَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ بن يزيد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ، عن ابن شهابٍ فيما أخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد ابن الوليد الحمصيُّ ممَّا وصله البخاريُّ في «التَّاريخ الصَّغير»، والطَّبرانيُّ في «الكبير» قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (٣)، محمَّد بن مسلمٍ (الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المسَيَّب (وَالأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) وأشار به إلى أنَّه اختُلِفَ على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فاتَّفق يونس وعُقَيلٌ على أنَّ شيخه فيه الهيثم، وخالفهما الزُّبيديُّ فأبدله بسعيد بن المسيَّب والأعرج، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا يبعد أن يكون الطَّريقان صحيحين، فإنَّهم حفَّاظٌ ثقاتٌ، والزُّهريُّ صاحب حديثٍ مكثرٌ، ولكنَّ ظاهر صنيع البخاريِّ ترجيح رواية يونس لمتابعة عُقَيلٍ له، بخلاف الزُّبيديِّ. ١١٥٦ - ١١٥٧ - ١١٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّ (٤) بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ) بهمزة قطع: ديباجٌ غليظٌ، فارسيٌّ مُعرَّبٌ (فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ

стр. 2899

مَكَانًا مِنَ الجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ (١) إِلَيْهِ) في «التَّعبير» [خ¦٧٠١٥]: «إلَّا طارت بي إليه» (وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ) بسكون المثلَّثة وفتح النُّون، ولأبي الوقت: «آتيَين» على صيغة اسم الفاعل، مِن الإتيان (أَتَيَانِي، أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ) لي: (لَمْ تُرَعْ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء، أي: لا يكون بك خوفٌ (خَلِّيَا عَنْهُ) فقصصتها على حفصة (فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى (٢) رُؤْيَايَ) اسمُ جنسٍ مضافٌ إلى ياء (٣) المتكلِّم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) قال نافع: (فَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (¬﵁ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانُوا) أي: الصَّحابة (لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا أَنَّهَا) أي: ليلة القدر (فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ) بغير همزٍ، ولأبي ذَرٍّ: «تواطأت» بالهمز، بوزن تفاعلت، وكذا هو في «أصل الدِّمياطيِّ» أي: توافقت (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيْهَا) بسكون التَّحتيَّة في «اليونينيَّة» (فَلْيَتَحَرَّهَا) أي: طالبًا و (٤) مجتهدًا لها، فليطلبها (مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «في العشر الأواخر». (٢٢) (باب المُدَاوَمَةِ عَلَى) صلاة (رَكْعَتَي الفَجْرِ) الَّتي قبل فرض الصُّبح سفرًا وحضرًا. ١١٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن الزِّيادة قَالَ: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاصٌ، بكسر الميم وسكون القاف وبالصَّاد المهملة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ ابْنُ رَبِيعَةَ) نسبةً لجدِّه، وأبوه: شُرَحبيل القرشيُّ (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الرَّاء آخره كافٌ، القرشيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂

стр. 2900

قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى) وللحَمُّويي (١) والمُستملي: «وصلَّى» بواو العطف (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) بفتح النُّون، وهو شاذٌّ، ولأبي ذَرٍّ: «ثمانِيَ» بكسرها ثمَّ ياءٌ مفتوحةٌ على الأصل (وَرَكْعَتَيْنِ) حال كونه (جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ): أذان الصُّبح وإقامته، ولمسلمٍ: «ركعتين خفيفتين بين النِّداء والإقامة» (وَلَمْ يَكُنْ) ﵊ (يَدَعُهُمَا) يتركهما، وفي «اليونينيَّة» بسكون عَين «يدعْهما» بدلُ فعلٍ من فعلٍ، أي: لم يدعهما على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] (أَبَدًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، واستعمله للماضي (٢) وإن كان المقرَّر استعماله للمستقبل، و «قَطُّ» للماضي؛ للمبالغة إجراءً للماضي مجرى المستقبل، كأنَّ ذلك دأبه لا يتركه، واستدلَّ به القائل بالوجوب، وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ، كما أخرجه عنه (٣) ابن أبي شيبة، واستدلَّ به بعض الشَّافعيَّة للقديم: في أنَّها أفضل التَّطوُّعات، والجديد: أنَّ أفضلها الوتر. ورواته ما بين بصريٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديثُ، والعنعنة، والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». (٢٣) (باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) بكسر الضِّاد من الضَّجعة؛ لأنَّ المراد: الهيئة، ويجوز الفتح على إرادة (٤) المرَّة. ١١٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن

стр. 2901

الزِّيادة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاصٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو (١) الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن النَّوفليُّ، يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) لأنَّه كان يحبُّ التَّيمُّن (٢) في شأنه كلِّه، أو تشريعٌ لنا؛ لأنَّ القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه (٣) لاستغرق نومًا؛ لكونه أبلغ في الرَّاحة، بخلاف اليمين فيكون معلَّقًا، فلا يستغرق، وهذا بخلافه ﷺ ؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، وروى أبو داود بإسنادٍ على شرط الشَّيخين: «إذا صلَّى أحدكم الرَّكعتين قبل الصُّبح فليضطجع على يمينه»، فقال مروان بن الحكم: أَمَا يجزئ أحدنا ممشاه في (٤) المسجد حتَّى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، واستدلَّ به ابن حزمٍ على وجوبهما (٥)، وأُجِيبَ بحمل الأمر فيه على الاستحباب، فإنْ لم يفصل بالاضطجاع فبحديثٍ أو تحوُّلٍ من (٦) مكانه أو نحوهما. واستحبَّ البغويُّ في «شرح السُّنَّة» الاضطجاع بخصوصه، واختاره في «شرح المهذَّب» للحديث السَّابق، وقال: فإن تعذَّر عليه فصل بكلامٍ، وأمَّا إنكار ابن مسعودٍ الاضطجاع، وقول إبراهيم النَّخعيِّ: هي ضجعة الشَّيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة؛ فهو محمولٌ على أنَّه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعودٍ يدلُّ على أنَّه إنَّما أنكر تحتُّمه، فإنَّه قال في آخر كلامه: إذا سلَّم فقد فَصَل. (٢٤) (باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ) سنَّة الفجر (وَلَمْ يَضْطَجِعْ).

стр. 2902

١١٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة وفتح الحاء والكاف، مِن الحكم، العبديُّ النَّيسابوريُّ قال (١): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بن أبي (٢) أميَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً (٣) حَدَّثَنِي) ولا تضادَّ بين هذا وبين ما في «سنن أبي داود» من طريق مالكٍ: أنَّ كلامه ﵊ لعائشة كان بعد فراغه من صلاة اللَّيل، وقبل أن يصلِّي ركعتي الفجر؛ لاحتمال أن يكون كلامه لها كان قبل ركعتي الفجر وبعدهما (٤) (وَإِلَّا) أي: وإن لم أكن مستيقظةً (اضْطَجَعَ) للرَّاحة من تعب القيام، أو ليفصل بين الفرض والنَّفل بالحديث أوالاضطجاع (حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ) (٥) بضمِّ الياء (٦) وإسكان الهمزة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع، وضبطه في «الفتح» بضمِّ أوَّله وفتح المعجمة الثَّقيلة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى نودي (٧)» من النِّداء، واستُدِلَّ به على عدم استحباب الضِّجعة، وأُجِيبَ بأنَّه لا يلزم من كونه ربَّما تركها عدمُ الاستحباب، بل يدلُّ تركه لها أحيانًا على عدم الوجوب، والأمر بها في رواية التِّرمذيِّ محمولٌ على الإرشاد (٨) إلى الرَّاحة والنَّشاط لصلاة الصُّبح، وفيه أنَّه لا بأس بالكلام المباح بعد ركعتي الفجر، قال ابن العربيِّ: ليس في السُّكوت في ذلك الوقت فضلٌ مأثورٌ، إنَّما ذلك بعد صلاة الصُّبح إلى طلوع الشَّمس. ورواته ما بين نيسابوريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه أيضًا مسلمٌ والتِّرمذيُّ.

стр. 2903

(٢٥) (باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) ركعتين ركعتين يسلِّم من (١) كلِّ ثنتين، وهذا الباب ثابتٌ هنا في الفرع وأصله (٢)، وفي أكثر النُّسخ بعد باب: «ما يقرأ في ركعتي الفجر» وعليه مشى في «فتح الباري» وغيره (وَيُذْكَرُ ذَلِكَ) أي: ما ذُكِرَ من التَّطوُّع مَثْنى مَثْنى (عَنْ عَمَّارٍ) أي: ابن ياسرٍ (٣)، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال محمَّدٌ» يعني: البخاريّ: «ويُذْكر» ولأبي الوقت: «قال: ويُذكَر عن عمَّارٍ» (وَأَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ) الصَّحابيَّين (وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشَّعثاء البصريِّ (وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ) التَّابعيِّين (¬﵃¬). (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا) أي: أرض المدينة، وقد أدرك كبار التَّابعين، كسعيد بن المسيَّب، ولَحِق قليلًا من صغار الصَّحابة، كأنس بن مالكٍ (إِلَّا يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث، أي: ركعتين، ولأبي ذَرٍّ: «اثنين» (مِنَ النَّهَارِ) ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ عليه موصولًا كالَّذي قبله.

стр. 2904

١١٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي) بفتح الميم والواو، واسمه -كما في «تهذيب الكمال» - زيدٌ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ) أي: صلاتها ودعاءَها، وهي طلب الخِيَرة، بوزن: العِنَبة (فِي الأُمُورِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ زيادة: «كلِّها» جليلِها وحقيرها، كثيرها وقليلها؛ ليسألْ أحدكم حتَّى شِسْع نعله (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ) اهتمامًا بشأن ذلك (يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ) أي: قصد أمرًا ممَّا (١) لا يعلم وجه الصَّواب فيه، أمَّا ما هو معروفٌ خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا (٢). نعم قد (٣) يفعل ذلك لأجل وقتها المخصوص كالحجِّ في هذه السَّنة؛ لاحتمال عدوٍّ أو فتنةٍ أو نحوهما (فَلْيَرْكَعْ) فليصلِّ ندبًا في غير وقت كراهةٍ (رَكْعَتَيْنِ) من باب ذِكْر الجزء وإرادة الكلِّ، واحتُرِزَ بالرَّكعتين عن الواحدة، فإنَّها لا تجزئ، وهل إذا صلَّى أربعًا بتسليمةٍ يجزئ؟ وذلك لحديث أبي أيُّوبٍ الأنصاريِّ المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» وغيره (٤): «ثمَّ صلِّ ما كتب اللهُ لك» فهو دالٌّ على أنَّ الزِّيادة على الرَّكعتين لا تضرُّ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأمره ﵊ بصلاة ركعتين (مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ) بالتَّعريف، فلا تحصل سنَّتها بوقوع دعائها بعد فرضٍ، وللأَصيليِّ: «من غير فريضةٍ» (ثُمَّ لِيَقُل) ندبًا (٥)، بكسر لام الأمر المعلَّق بالشَّرط، وهو «إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر» (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ) أي: أطلب منك بيان ما هو خيرٌ لي (بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي: أطلب منك أن تجعل لي قدرةً عليه، والباء فيهما للتَّعليل، أي: بأنَّك أَعْلَمُ وأَقْدَر، أو للاستعانة، أو الاستعطاف كما في ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] أي: بحقِّ قدرتك وعلمك الشَّاملين (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ) إذ كلُّ عطائك فضلٌ، ليس لأحدٍ عليك حقٌّ في نعمةٍ (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ) استأثرت بها، لا يعلمها غيرك إلَّا من ارتضيته، وفيه: إذعانٌ بالافتقار إلى الله تعالى

стр. 2905

في كلِّ الأمور، والتزام لذلَّة العبوديَّة (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ) وهو كذا وكذا، ويسمِّيه (خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي) حياتي (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-) الشَّكُّ من الرَّاوي (فَاقْدُرْهُ لِي) بضمِّ الدَّال في «اليونينيَّة» (١)، وحكى عياضٌ: «فاقدِره (٢)» بكسرها عن الأَصيليِّ، قال القرافيُّ في آخر (٣) «كتاب أنوار البروق»: من الدُّعاء المحرَّم الدُّعاء المرتَّب (٤) على استئناف المشيئة، كمن يقول: اقدرْ لي الخير؛ لأنَّ الدُّعاء بوضعه اللُّغويِّ إنَّما يتناول المستقبل دون الماضي؛ لأنَّه طلبٌ، وطلب الماضي محالٌ، فيكون مقتضى هذا الدُّعاء: أن يقع تقدير الله في المستقبل من الزَّمان، والله تعالى يستحيل عليه استئناف المشيئة، و (٥) التَّقدير: بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدُّعاء مقتضى (٦) مذهب مَن يرى أَنْ لا قضاء، وأنَّ الأمر أُنُفٌ، كما أخرجه مسلمٌ عن الخوارج، وهو فسقٌ بإجماعٍ (٧)، وحينئذٍ (٨) فيُجابُ عن قوله هنا: «فاقدره لي» بأن يتعيَّن أن يعتقد أنَّ (٩) المراد بالتَّقدير هنا: التَّيسير على سبيل المجاز، والدَّاعي إنَّما أراد هذا المجاز، وإنَّما يحرم الإطلاق عند عدم النِّيَّة (وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ) أدِمْه وضاعفه (وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ) وهو كذا وكذا، ويسمِّيه (شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي) حياتي (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ) شكٌّ من الرَّاوي (فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) فلا تعلِّق بالي بطلبه، وفي دعاء بعض العارفين: اللَّهم لا تُتعب بدني في طلب ما لم تقدِّرْه لي، ولم يكتفِ بقوله:

стр. 2906

«فاصرفه عنِّي» لأنَّه قد يصرف الله تعالى عن المستخير ذلك (١) الأمرَ، ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متطلِّعًا (٢) متشوِّفًا (٣) إلى حصوله، فلا يطيب له خاطرٌ، فإذا صرفه الله وصرفه (٤) عنه، كان ذلك أكمل، ولذا قال: (وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ) بهمزة قطعٍ، أي: اجعلني راضيًا به؛ لأنَّه إذا قدَّر له الخير ولم يرض به كان منكَّد العيش آثمًا بعدم (٥) رضاه بما قدَّره الله له مع كونه خيرًا له (قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي: في أثناء دعائه عند ذكرها بالكناية عنها في قوله: «أَنَّ هذا الأمرَ»، كما مرَّ (٦). وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٩٠]، وأبو داود في «الصَّلاة»، وكذا التِّرمذيُّ وابن ماجه فيها (٧)، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» و «البعوث» و «اليوم واللَّيلة». ١١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشر بن فرقدٍ البرجميُّ (٨) التَّميميُّ الحنظليُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن أبي هندٍ المدينيِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضمِّ السِّين وفتح اللَّام (الزُّرَقِيِّ) أنَّه (سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث

стр. 2907

(بْنَ رِبْعِيٍّ) بكسر الرَّاء وإسكان الموحَّدة (الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «المجلس» (فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) تحيَّة المسجد ندبًا، والحديث سبق في «باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين» [خ¦٤٤٤]. ١١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا دعتْه مُلَيكة جدَّة أنسٍ لطعامٍ صنعتْه له، فأكل منه، ثمَّ قال: «قوموا فلأصلِّي (١) لكم»، قال أنسٌ: فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ (٢)، فنضحته بماءٍ، فقام رسول الله ﷺ ، وصففتُ أنا واليتيم، والعجوزُ من ورائنا، فصلَّى لنا رسول الله ﷺ (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ). ١١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «يحيى ابن بكيرٍ» قَالَ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ).

стр. 2908

١١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ (١) والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَخْطُبُ) يوم الجمعة: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) ندبًا. ١١٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ) المخزوميُّ، وفي هامش الفرع وأصله (٢) من غير رقمٍ: «ابن سليمان المكِّيُّ» قال: (سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) الإمامَ المفسِّر (يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ همزة «أُتيَ» مبنيًّا للمفعول (¬﵄ فِي مَنْزِلِهِ) بمكَّة (فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ الكَعْبَةَ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ) بصيغة المتكلِّم وحده مِن المضارع، وكان القياس أن يقول: فوجدت بعد فأقبلت، لكنْ عَدَلَ عنه لاستحضار صورة الوجْدان وحكايته عنها (رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ) من الكعبة (وَأَجِدُ بِلَالًا) مؤذِّنه (عِنْدَ البَابِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «على الباب» حال كونه (قَائِمًا فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى) بإسقاط همزة الاستفهام المنويَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَصلَّى» (رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ) صلَّى فيها (قُلْتُ: فَأَيْنَ) صلَّى فيها؟ (قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ) بضمِّ الهمزة والطَّاء

стр. 2909

(ثُمَّ خَرَجَ) من الكعبة (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ) أي: مواجهةِ (١) بابِهَا، أو في جهتها، فيكون أعمَّ من جهة الباب، وسبق الحديث في «باب قول الله: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾» [البقرة: ١٢٥] في أوائل «الصَّلاة» [خ¦٣٩٧]. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي الفرع وأصله (٢) علامة سقوط ذلك عن ابن عساكر، وفي هامشهما (٣) التَّصريح بسقوطه أيضًا عن أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا وصله في «باب صلاة الضُّحى في الحضر» [خ¦١١٧٨] ولأبي ذَرٍّ (٤) والأَصيليِّ: «وقال أبو هريرة» (¬﵁: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى). (وَقَالَ عِتْبَانُ) بكسر العين وسكون الفوقيَّة، ممَّا سبق موصولًا في «باب المساجد في البيوت» [خ¦٤٢٥] ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «عتبان بن مالكٍ»: (غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ) ﷺ ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (٥) (¬﵁، بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) قال في «المصابيح»: قال ابن المُنيِّر: رأى البخاريُّ الاستدلال بالاستخارة والتَّحيَّة والأفعال المستمرَّة أَولى من الاستدلال بقوله: «صلاة اللَّيل مَثْنى مَثْنى» لأنَّه لا يقوم الاستدلال به على النَّهار إلَّا بالقياس، ويكون القياس حينئذٍ كالمعارض لمفهوم قوله: «صلاة اللَّيل» فإنَّ ظاهره: أنَّ صلاة النَّهار ليست كذلك، وإلَّا سقطت فائدة تخصيص اللَّيل، والجواب: أنَّه ﵊ إنَّما خصَّ اللَّيل لأجل أنَّ فيه الوتر، خشيةَ أن يُقاسَ على الوتر غيرُه (٦)، فيتنفَّل المصلِّي باللَّيل أوتارًا، فبيَّن أنَّ الوتر لا يُعاد، وأنَّ بقيَّة صلاة الليل: مَثْنى مَثْنى، وإذا ظهرت فائدة التَّخصيص سوى المفهوم، صار حاصل الكلام: صلاة النَّافلة (٧) مَثْنى مَثْنى، فيعمُّ اللَّيل والنَّهار، فتأمَّله، فإنَّه لطيفٌ جدًّا. انتهى.

стр. 2910

(٢٦) (باب الحَدِيثِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «يعني: بعد ركعتي الفجر». ١١٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالمٌ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) أبو أميَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال أبو النَّضر: حدَّثني عن أبي سلمة» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ). قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (فَإِنَّ بَعْضَهُمْ) هو مالك بن أنسٍ الإمامُ كما أخرجه الدَّارقُطنيُّ (يَرْوِيهِ: رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) اللَّتين قبل الفرض (قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ) أي: الأمرُ ذاك (١). (٢٧) (باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَمَنْ سَمَّاهُمَا) أي: الرَّكعتين، وللحَمُّويي والمُستملي (٢) والكُشْمِيْهَنِيِّ: «سمَّاها» بالإفراد، أي: سنَّة الفجر (تَطَوُّعًا) نصبٌ مفعولٌ ثانٍ لـ «سمَّاها». ١١٦٩ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الموحَّدة وتخفيف التَّحتيَّة، وبعد الألف نونٌ، و «عَمْرٌو» بفتح العين وسكون الميم، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ
следующие страницы →