← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

عمر نوحٍ بنحو الضِّعف (١). انتهى. لكن هل يجتمع التَّضعيفان أو لا؟ محلُّ بحثٍ، وهل يدخل في التَّضعيف ما زيد في المسجد النَّبويِّ في زمن الخلفاء الرَّاشدين ومَن (٢) بعدهم أم لا؟ إِنْ غلَّبْنا اسم الإشارة في قوله: «في (٣) مسجدي هذا» انحصر التَّضعيف فيه، ولم يعمَّ ما زيد فيه؛ لأنَّ التَّضعيف إنَّما ورد في مسجده، وقد أكَّده بقوله: «هذا»، وبذلك صرَّح (٤) النَّوويُّ بخلاف المسجد الحرام، فإنَّه يعمُّ الحرم كلَّه كما مرَّ. واستُنبِطَ منه: تفضيل مكَّة على المدينة؛ لأنَّ الأمكنة تشرف بفضل (٥) العبادة فيها على غيرها ممَّا تكون العبادة فيه (٦) مرجوحةً، وهو قول الجمهور، وحُكِيَ عن مالكٍ وابن وهبٍ ومُطرِّفٍ وابن حبيبٍ من أصحابه، لكنَّ المشهور عن مالكٍ وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المنصفين (٧) من المالكيَّة، واستثنى القاضي عياضٌ البقعة الَّتي دُفِنَ فيها النَّبيُّ ﷺ ، فحكى الاتِّفاق على أنَّها أفضل بقاع الأرض، بل قال ابن عقيلٍ الحنبليُّ: إنَّها أفضل من العرش. ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون، إلَّا شيخ المؤلِّف، فأصله من دمشق، وهو من أفراده، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ». (٢) (باب) فضل (مَسْجِدِ قُبَاءٍ) بضمِّ القاف ممدودًا، وقد يُقصَر، ويذكَّر على أنَّه اسم موضعٍ،

стр. 2942

فيُصرَف، ويؤنَّث على أنَّه اسم بقعةٍ، فلا (١)، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميالٍ أو ميلانٍ، وهو أوَّل مسجدٍ أسَّسه ﷺ ، والمسجد المؤسَّس على التَّقوى في قول جماعةٍ من السَّلف، منهم: ابن عبَّاسٍ، وهو مسجد بني عمرو بن عوفٍ، وسُمِّيَ باسم بئرٍ هناك، وفي وسطه مَبْرك ناقته ﵊، وفي صحنه ممَّا يلي القبلة شبهُ محرابٍ، هو أوَّل موضعٍ ركع فيه ﷺ ثَمَّ. ١١٩١ - ١١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ، زاد الهرويُّ: «هو (٢) الدورقيُّ» نسبةً إلى لبس القلانس الدَّورقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، و «عُلَيَّة» أمُّه، قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى) أي: في الضُّحى، أو من جهة الضُّحى (إِلَّا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمُِ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ) بجرِّ «يوم» بدلًا من «يومين»، أو بالرَّفع: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: أحدُهما يومُ، وللهرويُّ والأَصيليُّ: «يومَ» كاللَّاحق بالنَّصب على الظَّرفيَّة، ودال «يقدَم» مفتوحةٌ، وقال العينيُّ: مضمومةٌ، و «بمكَّة» بموحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «مكَّة» بحذفها (فَإِنَّهُ) أي: ابن عمر (كَانَ يَقْدَمُهَا) أي: مكَّة (٣) (ضُحًى) أي: في ضحوة النَّهار (فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ) الحرام (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) سنَّة الطَّواف (خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمُِ) عطفٌ على «يوم» السَّابق، فيُعرَب إعرابه (يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ

стр. 2943

سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ) ابتغاء الثَّواب، روى النَّسائيُّ حديث سهل بن حُنيفٍ مرفوعًا: «مَن خرج حتَّى يأتي مسجد قُباء فيصلِّي فيه، كان له عدل عمرةٍ»، وعند التِّرمذيِّ من حديث أُسيد بن ظهيرٍ (١) رفعه (٢): «الصَّلاة في مسجد قُباء كعمرةٍ»، وعند ابن شَبَّة (٣) في «أخبار المدينة» بإسنادٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: لأَن أصلِّي في مسجد قُباء ركعتين أحبُّ إليَّ من أن آتيَ بيت المقدس مرَّتين، لو يعلمون ما في قباء، لضربوا إليه أكباد الإبل. وفيه: فضل مسجد قباء والصَّلاة فيه، لكن لم (٤) يثبت فيه تضعيفٌ كالمساجد الثَّلاثة (قَالَ) نافع: (وَكَانَ) ابن عمر (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ) أي: مسجد قباء، أي: يوم السَّبت، كما سيأتي قريبًا (٥) -إن شاء الله تعالى- في الباب اللَّاحق، حال كونه (رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ: وَكَانَ) أي: ابن عمر، ولأبي ذَرٍّ: «وماشيًا، وكان» (يَقُولُ) له (٦) أي: لنافع: (إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ صَلَّى) بفتح الهمزة، أي: لا أمنع أحدًا الصَّلاة، وللهرويِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «إن صلَّى» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ: «أَن يصلِّي» (فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَلَّا تَتَحَرَّوْا (٧)) أي: لا (٨) تقصدوا (طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا) فتصلُّوا في وقتَيْهما.

стр. 2944

ورواةُ (١) الحديثِ الخمسةُ ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٥٨٩]، ومسلمٌ في «الحجِّ» وأبو داود. (٣) (باب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ). ١١٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (٢) (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ، بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، التَّبوذكيُّ، بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمليُّ، بفتح القاف وسكون المهملة مخفَّفًا، البصريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ) حال كونه (مَاشِيًا) تارة (وَرَاكِبًا) أخرى، وأطلق في السَّابقة إتيانه ﵊ مسجد قباءٍ من غير تقييدٍ بيومٍ (٣)، وقيَّده هنا، فيحمل المُطلَق على هذا المقيَّد؛ لأنَّه (٤) قُيِّد في السَّابقة (٥) في الموقوف بخلاف المرفوع، وخصَّ السَّبت لأجل مواصلته لأهل قباءٍ، وتفقُّد حال من تأخَّر منهم عن حضور الجمعة معه في مسجده بالمدينة (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (٦) (¬﵁¬) وللأَصيليِّ والهرويِّ: «وكان ابن عمر ﵄» (يَفْعَلُهُ) أي: الإتيان يوم السَّبت، كما مرَّ. (٤) (باب إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا).

стр. 2945

١١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) زاد الأَصيليُّ: «ابن سعيد» أي: القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب (¬﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً) وللهرويِّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «مسجدَ قباءٍ» (رَاكِبًا) تارةً (وَمَاشِيًا) أخرى، بحسب ما يتيسَّر، والواو بمعنى «أو»، واستدلَّ به ابن حبيبٍ من المالكيَّة -كما نقله العينيُّ- على أنَّ المدنيَّ إذا نذر الصَّلاة في مسجد قباءٍ لزمه ذلك، وحكاه عن ابن عبَّاسٍ (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، عبد الله، ممَّا وصله مسلمٌ وأبو يعلى فقال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (عَنْ نَافِعٍ) أي: عن ابن عمر: (فَيُصَلِّي فِيهِ) أي: في مسجد قباءٍ (رَكْعَتَيْنِ) ادَّعى الطَّحاويُّ أنَّ هذه الزِّيادة مدرَجةٌ، قالها أحدُ الرُّواة من عنده؛ لعلمه أنَّه ﵇ كان من عادته أنه (١) لا يجلس حتَّى يصلِّي، واستُدِلَّ به: على أنَّ صلاة النَّهار كصلاة اللَّيل ركعتين، وعُورِضَ بحديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن أبيه، عن جدِّه رفعه: «مَن توضَّأ فأسبغ الوضوء، ثمَّ غدا (٢) إلى مسجد قباءٍ، لا يريد غيره، ولا يحمله على الغدوِّ إلَّا الصَّلاة في مسجد قباءٍ، فصلَّى فيه أربع ركعاتٍ، يقرأ في كلِّ ركعةٍ بأمِّ القرآن (٣)، كان له مثل (٤) أجر المعتمر إلى بيت الله»، رواه الطَّبرانيُّ، لكن فيه يزيد بن عبد الملك النَّوفليُّ، وهو ضعيفٌ. ولمَّا ذكر المؤلِّف فضل الصَّلاة في المسجد الشَّريف النَّبويِّ المدنيِّ شرع ينبِّه على أنَّ

стр. 2946

بعض بقاعه أفضل من بعضٍ فقال: (٥) (باب فَضْلِ مَا بَيْنَ القَبْرِ) الشَّريف (وَالمِنْبَرِ) المنيف. ١١٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة، ابن زيد بن عاصمٍ الأنصاريِّ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ المَازِنِيِّ) بكسر الزَّاي بعدها نونٌ، الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي) الموصول: مبتدأٌ، خبرُه قولُه: (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) منقولةً منها، كالحجر الأسود، أو تُنقَل بعينها إليها، كالجذع الَّذي (١) حنَّ إليه ﷺ ، أو توصِل الملازم للطَّاعات فيها إليها، فهو مجازٌ باعتبار المآل، كقوله [خ¦٢٨١٨]: «الجنَّة تحت ظلال السُّيوف» أي: الجهاد مآله الجنَّة، فهذه البقعة المقدَّسة روضةٌ من رياض الجنَّة الآن، وتعود إليها، ويكون للعامل فيها روضةٌ (٢) بالجنَّة، والمراد بـ «البيت»: قبره أو مسكنه، ولا تفاوت بينهما؛ لأنَّ قبره في حجرته، وهي بيته، ويأتي مزيدٌ لذلك في أواخر «فضل المدينة» [خ¦١٨٨٨] إن شاء الله بعونه وقوته. ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف وهو من أفراده، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الصَّلاة». ١١٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، زاد الأَصيليُّ والهرويُّ: «ابن عمر» أي: العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، آخره موحَّدةٌ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ ممَّا

стр. 2947

صحَّ عند «اليونينيَّة» (١): «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) لم يثبت خبرٌ عن بقعةٍ أنَّها من الجنَّة بخصوصها، إلَّا هذه البقعة المقدَّسة (وَمِنْبَرِي) هذا بعينه (عَلَى حَوْضِي) نهر الكوثر الكائن داخل الجنَّة، لا حوضه الَّذي خارجها بجانبها، المستمدُّ من الكوثر، يعيده الله فيضعه عليه، أو أنَّ له هناك منبرًا على حوضه يدعو النَّاس عليه (٢) إليه، وعند النَّسائيِّ: «ومنبري على تُرْعةٍ من تُرَع الجنَّة»، ووقع في رواية أبي ذرٍّ الهرويِّ سقوط: «ومنبري على حوضي». ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا شيخه، فبصريٌّ من أفراده، وفيه التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٨٨] وفي «الحوض» [خ¦٦٥٨٨] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ». (٦) (باب) فضل (مَسْجِدِ بَيْتِ المَُقَْدَِّّسِ) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدَّال، وبفتح القاف بعد (٣) ضمِّ الميم مع تشديد الدَّال، والقُدُْس؛ بغير ميم مع ضمِّ القاف وسكون الدَّال وبضمِّها، وله عدَّة أسماء تَقْرُب من العشرين، منها: إيلياء، بالمدِّ والقصر وبحذف الياء الأولى.

стр. 2948

١١٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، قال (١): (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ قال: (سَمِعْتُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحة (مَوْلَى زِيَادٍ) بالزَّاي وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كلُّها حِكَمٌ (فَأَعْجَبْنَنِي) الأربع، وهي بسكون الموحَّدة بصيغة الجمع للمؤنَّث (وَآنَقْنَنِي) بهمزةٍ ممدودةٍ ثمَّ نونٍ مفتوحةٍ ثمَّ قافٍ ساكنةٍ، بعدها نونان (٢)، أي: أفرحنَنِي وأسررْنَني (٣) إحداها (٤) (قَالَ: لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا مَعَهَا زَوْجُهَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلَّا ومعها» بالواو (أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) وهو (٥) من النساء: مَن حَرُم نكاحُها على التأبيد بسببٍ مباحٍ لحرمتها، فاحتُرِزَ بقوله: «على التَّأبيد» مِن أخت المرأة، وبقوله: «بسببٍ مباحٍ» من أمِّ الموطوءة بشبهةٍ؛ لأنَّ وطء الشُّبهة لا يوصف بالإباحة، وبـ «حرمتها» من الملاعنة، فإنَّ تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبةً وتغليظًا (وَ) الثَّانية: (لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ) يوم عيدِ (الفِطْرِ) ليحصل الفصل بين الصَّوم والفطر (وَالأَضْحَى) لأنَّ فيه دعوةَ الله الَّتي دعا عباده إليها، مِن تضييفه وإكرامه لأهل منًى وغيرهم؛ لما شرَع لهم من ذبح النُّسك والأكل منها، والإجماع على تحريم صومهما، لكنَّ مذهب أبي حنيفة: لو نذر صوم يوم النَّحر أفطر، وقضى يومًا مكانه (وَ) الثَّالثة: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ) صلاة (الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ) صلاة (العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) الشمس (وَ) الرَّابعة: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ) الاستثناء مفرَّغٌ (٦)، والتَّقدير: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى موضعٍ، ولازِمُه منعُ السَّفر إلى كلِّ موضعٍ غيرها، كزيارة صالحٍ أو قريبٍ أو صاحبٍ، أو طلب علمٍ أو تجارةٍ، أو نزهةٍ، لأنَّ المستثنى منه في المفرَّغ يُقَدَّر بأعمِّ العامِّ، لكنَّ المراد بالعموم هنا:

стр. 2949

الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما تقدَّم تقديره (١): (مَسْجِدِ الحَرَامِ) بمكَّة (وَمَسْجِدِ) المكان (الأَقْصَى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة، أو عن الأقذار والخَبَث، وهو مسجد بيت المقدس، وقد روى ابن ماجه حديث أنسٍ مرفوعًا: «وصلاةٌ في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاةٍ»، وعند الطَّبرانيِّ (٢) عن أبي الدَّرداء رفعه أيضًا: «والصَّلاة في بيت المقدس بخمس مئة صلاةٍ»، وعند النَّسائيِّ وابن ماجه عن ابن عمر: «أنَّ سليمان بن داود لمَّا فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله تعالى: ألَّا يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلَّا الصَّلاة فيه إلَّا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه» الحديث (وَمَسْجِدِي) بطَيْبَة، واختصاص هذه الثَّلاثة بالأفضليَّة؛ لأنَّ الأوَّل فيه حجُّ النَّاس وقبلتهم أحياءً وأمواتًا، والثَّاني: قبلة الأمم السَّالفة، والثَّالث: أُسِّس على التَّقوى وبناه خير البَريَّة، زاده الله شرفًا، والأفضليَّة بينهم بالتَّرتيب المذكور في الحديث الأوَّل من (٣) الباب الأوَّل، واختُلِفَ في: شدِّ الرِّحال إلى غيرها، كالذَّهاب إلى زيارة الصَّالحين أحياءً وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة للصَّلاة فيها، والتَّبرُّك بها، فقال أبو محمَّدٍ الجوينيُّ: يحرم عملًا بظاهر هذا (٤) الحديث، واختاره القاضي حسين، وقال به القاضي عياضٌ وطائفةٌ، والصحيح (٥) عند إمام

стр. 2950

الحرمين وغيره من الشَّافعية الجواز، وخصُّوا النَّهي بمن نذر الصَّلاة في غير الثَّلاثة، وأمَّا قصد غيرها لغير ذلك كالزِّيارة فلا يدخل في النَّهي، وخصَّ بعضهم النَّهي فيما حكاه الخطَّابيُّ بالاعتكاف في غير الثَّلاثة، لكن قال في «الفتح»: ولم أرَ عليه دليلًا. ورواة هذا (١) الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٩٥].

стр. 2951

((٢١)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة في غير رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر. (أَبْوَابُ) حكم (العَمَلِ في الصَّلاةِ) كذا في نسخة الصَّغانيِّ مع إثبات البسملة. (١) (باب) حكم (اسْتِعَانَةِ اليَدِ) أي: وضعها على شيءٍ (فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ) ذلك (مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ) احتُرِزَ به عمَّا يصدر على (١) قصد العبث فإنَّه مكروهٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ) كَيَدِه إذا كان من أمر الصَّلاة، مثل: تحويله ﵇ ابن عبَّاسٍ (٢) إلى جهة يمينه في الصَّلاة الآتي في الحديث التَّالي، وإذا جازت الاستعانة بها للصَّلاة، فكذا بما شاء من جسده قياسًا عليها (وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ، وله من العمر ستٌّ وتسعون سنةً (قَلَنْسُوَتَهُ) بفتح القاف واللَّام وسكون النُّون وضمِّ المهملة، بيده حال كونه (فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَهَا) بها كذا بالواو للنَّسفيِّ، وأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، وفي رواية القابسيِّ: «أو رفعها» على الشَّكِّ (وَوَضَعَ

стр. 2952

عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁ كَفَّهُ) الأيمن (عَلَى رُصْغِهِ الأَيْسَرِ) أي: في الصَّلاة، والرُّصْغُ بالصَّاد لغةٌ في الرُّسغ بالسِّين، وهي أفصح من الصَّاد، وهو المفصل بين السَّاعد والكفِّ (إِلَّا أَنْ يَحُكَّ) أي: عليٌّ (جِلْدًا، أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا) كذا أخرجه في «السَّفينة الجرائديَّة» بتمامه، لكن قال: «إذا قام إلى الصَّلاة فكبَّر (١) ضرب»، بدل قوله: «وضع»، وزاد: «فلا يزال كذلك حتَّى يركع». وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه، لكن بلفظ: «إلَّا أن يصلح ثوبه، أو يحكَّ جسده»، وليس هذا الاستثناء من بقيَّة ترجمة الباب، كما توهَّمه الإسماعيليُّ وتبعه ابن رُشَيدٍ، ونقله مغلطاي في شرحه عن أوَّلهما، ويدخل في الاستعانة التَّعلُّق بالحبل والاعتماد على العصا ونحوهما (٢). ١١٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيِّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (بْنِ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الوالبيِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مصغَّرًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي: أنَّ كُريبًا أخبر (٣) مَخْرمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 2953

عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ بَاتَ) ليلةً (عِنْدَ مَيْمُونَةَ) الهلاليَّة (أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ -وَهْيَ خَالَتُهُ- قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى) وفي نسخةٍ: «في» (عَرْضِ الوِسَادَةِ) بفتح العين على المشهور (وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ) زوجته ميمونة (فِي طُولِهَا) أي: طول الوسادة (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبل انتصافه (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) أي: بعد انتصافه (١) (بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بيديه» أي: مسح بهما عينيه، من باب إطلاق الحالِّ -وهو النَّوم- على المحلِّ -وهو العَين- إذ النَّوم لا يُمسَح (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊ (العَشْرَ آيَاتٍ) بإسقاط «أل»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «الآيات» (خَوَاتِيمَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بعد الفوقيَّة، ولهم ولابن عساكر: «خواتم (٢)» بإسقاط التَّحتيَّة (سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

стр. 2954

وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السُّورة (ثُمَّ قَامَ) ﵊ (إِلَى شَنٍّ) بفتح المعجمة: قِرْبَةٍ خَلِقَةٍ (مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) بأن أتى به وبمندوباته (ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) رسول الله ﷺ من قراءة العشر الآيات والوضوء (ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى) حال كونه (يَفْتِلُهَا) بكسر المثنَّاة، أي: يدلكها (بِيَدِهِ) لينبِّهه عن (١) غفلةِ أدب الائتمام، وهو القيام على يمين الإمام إذا كان الإمام وحده، أو ليؤنسه لكون ذلك كان ليلًا، وفي الرِّواية السَّابقة في «باب التَّخفيف في الوضوء» [خ¦١٣٨] «فحوَّلني فجعلني عن يمينه»، وقد استنبط المؤلِّف من هذا: استعانة المصلِّي بما يتقوَّى (٢) به على صلاته، فإنَّه إذا (٣) جاز للمصلِّي أن يستعين بيده في صلاته فيما (٤) يختصُّ بغيره، فاستعانته بها في أمر نفسه، ليتقوَّى بذلك على صلاته وينشط لها إذا احتاج أَولى (فَصَلَّى) ﵊ (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) الجملة ثنتا عشرة ركعةً (ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ (٥) المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الصُّبح ولم يتوضَّأ؛ لأنَّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوؤه (ثُمَّ خَرَجَ) ﵊ إلى المسجد (فَصَلَّى الصُّبْحَ) فيه. ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في اثني عشر موضعًا [خ¦١٨٣] [خ¦٦٩٨] [خ¦٩٩٢] [خ¦٤٥٧١] [خ¦٥٩١٩] [خ¦٦٣١٦]. (٢) (باب مَا يُنْهَى مِنَ الكَلَامِ) وللأَصيليِّ: «ما ينهى (٦) عنه من الكلام» (فِي الصَّلَاةِ).

стр. 2955

١١٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، محمَّد بن عبد الله، ونسبَه لجدِّه؛ لشهرته به، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح المعجمة، محمَّد الضَّبِّيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد (١) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أَنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) السَّلام وفي رواية أبي وائلٍ: ونأمر (٣) بحاجتنا (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون، وقيل بكسرها، مَلِك الحبشة إلى مكَّة من الهجرة الأولى، أو إلى المدينة من الهجرة الثَّانية، وكان النَّبيُّ ﷺ حينئذٍ يتجهَّز لغزوة بدرٍ (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا) أي: باللَّفظ، فقد روى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ على ابن مسعودٍ في هذه القصَّة السَّلام بالإشارة، وزاد مسلمٌ في رواية ابن فُضيل: «قلنا: يا رسول الله، كنَّا نسلِّم عليك في الصَّلاة فتردَّ علينا (٤) … » الحديث. (وَقَالَ) ﵊ لمَّا فرغ من الصَّلاة: (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا)

стр. 2956

عظيمًا؛ لأنَّها مناجاةٌ مع الله تعالى، تستدعي الاستغراق في خدمته، فلا يصحُّ (١) فيها الاشتغال بغيره، أوالتَّنوين للتَّنويع، أي: كقراءة القرآن، والذِّكر، والدُّعاء، وزاد في رواية أبي وائلٍ أيضًا: «إنَّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنَّ الله تعالى قد أحدث ألَّا تكلَّموا (٢) في الصَّلاة»، وزاد في رواية كلثومٍ الخزاعيِّ: «إلَّا بذكر الله»، وفي رواية أبي ذَرٍّ كما في الفرع، وعزاه في «الفتح» لأحمد عن ابن (٣) فُضيلٍ: «لَشُغْلًا» بزيادة لام التَّأكيد. وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) محمَّد بن عبد الله قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) زاد الهرويُّ والأَصيليُّ: «السَّلوليُّ» بفتح المهملة وضمِّ اللَّام الأولى نسبةً إلى سَلُول، قبيلةٌ من هوازن، قال: (حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ) بضمِّ الهاء وفتح الرَّاء، البَجليُّ الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان ابن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيدَ النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ) أي: نحو طريق محمَّد بن فُضيلٍ عن الأعمش … إلى آخره. ورجال الحديث من الطَّريقين كلُّهم كوفيُّون. ١٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيدَ بن زاذان (٤) التَّميميُّ الفرَّاء قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) زاد الهرويُّ والأَصيليُّ وابن عساكر: «هو ابن يونس» (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ بن سعدٍ الأحمسيِّ البجليِّ (عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ) بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الموحَّدة، آخره لامٌ بعد المثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، الأحمسيِّ (عَنْ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن أبي إياس

стр. 2957

(الشَّيْبَانِيِّ) بفتح المعجمة، الكوفيِّ (قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بفتح الهمزة والقاف، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وليس للشَّيبانيِّ عن ابن أرقم غير هذا الحديث (إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ) بتخفيف النُّون بعد الهمزة المكسورة ولام التَّأكيد (فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ) وفي لفظٍ: «ويسلِّم (١) بعضنا على بعضٍ في الصَّلاة (٢)» (حَتَّى) أي: إلى أن (نَزَلَتْ ﴿حَافِظُواْ﴾) أي: داوموا (﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الاية [البقرة: ٢٣٨]) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾» أي: العصر، وعليه الأكثرون ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) أي: ساكتين (٤)؛ لأنَّ لفظ الرَّاوي يُشْعِر به، فحمْلُه عليه أَولى وأَرجح؛ لأنَّ المُشاهد للوحي والتَّنزيل يعلم سبب النُّزول، وقال أهل التَّفسير: خاشعين ذليلين بين يديه، وحينئذٍ فالكلام منافٍ للخشوع، إلَّا ما كان من أمر الصَّلاة، وللأَصيليِّ: «﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية (٥)» (فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) بضمِّ الهمزة، أي: عمَّا كنَّا نفعله من ذلك، وزاد مسلمٌ: «ونُهينا عن الكلام»، وليس المراد مطلقه، فإنَّ الصَّلاة ليس فيها حالة سكوتٍ حقيقةً، واستُدلَّ بهذه الزيادة (٦) على أنَّ الأمر بشيءٍ ليس نهيًا عن ضدِّه؛ إذ لو كان كذلك لم يُحتَج إلى قوله: «ونهينا عن الكلام»، وأُجِيبَ بأنَّ دلالته على ذلك دلالة التزامٍ، ومِن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعلَّه ذُكِرَ لكونه أَصْرح. وقال ابن دقيق العيد: قوله: «ونُهينا عن الكلام»، يقتضي أنَّ كلَّ شيءٍ يُسمَّى كلامًا فهو منهيٌّ عنه حملًا للَّفظ على عمومه، ويحتمل أن تكون اللَّام للعهد الرَّاجع إلى قوله: «يكلِّم الرَّجل منَّا صاحبه بحاجته» وظاهرُ هذا: أنَّ نسخ الكلام في الصَّلاة وقع في المدينة (٧)؛ لأنَّ الآية مدنيَّةٌ باتِّفاقٍ،

стр. 2958

فتعيَّن أنَّ المراد بقوله: «فلمَّا رجعنا من عند النَّجاشيِّ» في الهجرة الثَّانية، ولم يكونوا يجتمعون (١) بمكَّة إلَّا نادرًا، والَّذي تقرَّر: أنَّ الصَّلاة تبطل بالنُّطق عمدًا من غير القرآن والذِّكر والدُّعاء بحرفين أَفْهَما أَوْ لا، نحو: قم، وعن، أو حرفٌ مفهِمٌ، نحو: قِ، مِن الوقاية، وكذا مدَّةٌ بعد حرفٍ؛ لأنَّها ألفٌ، أو واوٌ، أو ياءٌ؛ لحديث (٢) مسلمٍ: «إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام النَّاس» والكلام يقع على المفهِم وغيره الَّذي هو حرفان، وتخصيصُه بالمفهِم اصطلاح النُّحاة، واختُلِف في النَّاسي ومَن سبَقَ لسانُه، فلا يبطلها قليلُ كلامهما عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة مطلقًا، لنا: حديث ذي اليدين [خ¦٧١٤] وكذا الجاهل للتَّحريم إن قَرُب عهده بالإسلام، بخلاف بعيد العهد به لتقصيره بترك التَّعلُّم، وهذا بخلاف الكثير، فإنَّه مبطلٌ، ويُعذَر في التَّنحنح وإن ظهر به حرفان؛ للغلبة، وتَعذُّر قراءة الفاتحة (٣) لا الجهر؛ لأنَّه سنَّةٌ لا ضرورةَ إلى التَّنحنح له، ولو أكره على الكلام بطلت لنُدرة الإكراه، ولا تبطل بالذِّكر والدُّعاء العاري عن المخاطبة، فلو خاطب (٤) كقوله لعاطسٍ: رحمك الله، بطلت، بخلاف: ﵀، بالهاء، ولو تكلَّم بنظم القرآن قاصدًا التَّفهيم (٥) كـ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] مفهِمًا به من يستأذن في أخذ شيءٍ أَن يأخذه، إن قصد معه القراءة لم تبطل، فإن قصد التَّفهيم فقط بطلت، وإن لم يقصد شيئًا ففي «التَّحقيق» الجزمُ بالبطلان، وقوله: «إن كنَّا لنتكلَّم» حكمُه حكمُ المرفوع، وكذا قوله: «أُمِرنا» لقوله فيه: «على عهد النَّبيِّ ﷺ »، حتَّى ولو لم يقيَّد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا. ورواة هذا (٦) الحديث السِّتَّة كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف (٧) فرازيٌّ (٨)، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٣٤]، وأخرجه مسلمٌ

стр. 2959

في «الصَّلاة» وكذا أبو داود، وأخرجه (١) التِّرمذيُّ فيها (٢) وفي «التَّفسير». (٣) (باب مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالحَمْدِ فِي) أثناء (الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ) إذا نابهم فيها شيءٌ كتنبيه إمام على سهوٍ، وإذنٍ لمستأذن في الدُّخول، وإنذارِ أعمى أن يقع في بئرٍ ونحوها، وقُيِّد بالرَّجل لتخرج (٣) النِّساء، وأتى بالحمد بعد التَّسبيح تنبيهًا على أنَّ الحمد يقوم مقام التَّسبيح؛ لأنَّ الغرض التَّنبيه على عروض أمرٍ لا مجرد التَّسبيح والتَّحميد. ١٢٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، ابن قعنبٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة والزَّاي، واسمه سلمة (٤) (عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح المهملة (٥) وإسكان الهاء (¬﵁¬) زاد الأَصيليُّ والهرويُّ: «ابن سعْدٍ» بسكون العين (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بسكون الميم، زاد الأَصيليُّ والهرويُّ أيضًا «ابن الحارث» (وَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي: حضرت (فَجَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن (أَبَا بَكْرٍ)

стр. 2960

الصِّدِّيق (¬﵄، فَقَالَ: حُبِسَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: تأخَّر في بني عمرٍو (فَتَؤُمُّ النَّاسَ؟) بحذف همزة الاستفهام (قَالَ) أبو بكرٍ: (نَعَمْ) أؤمُّهم (إِنْ شِئْتُمْ) فيه: أنَّه لا يؤمُّ جماعةً إلَّا برضاهم وإن كان أفضلهم (فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ (١) أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى) أي: فشرع في الصَّلاة بالنَّاس (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من بني عمرٍو، حال كونه (يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ) حال كونه (يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ (٢)) بالموحَّدة والحاء المهملة، ولابن عساكر: «في التَّصفيح» وهو مأخوذٌ من صفحتي الكفِّ وضرْب إحداهما (٣) على الأخرى (قَالَ سَهْلٌ) أي: ابن سعدٍ المذكور، ولأبوي ذَرٍّ والوقت ممَّا صحَّ عند اليونينيِّ: «فقال سهلٌ» (هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟) أي: تفسيره (هُوَ: التَّصْفِيقُ) بالقاف بدل الحاء، وهذا يؤيِّد قول الخطَّابيِّ وأبي عليٍّ القالي والجوهريِّ وغيرهم: إنِّهما بمعنًى واحدٍ، وفي «الإكمال» للقاضي عياضٍ حكايةُ قولٍ: أنَّه بالحاء الضَّرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى (٤)، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى، فبطل دعوى ابن حزمٍ نفي الخلاف في أنَّهما بمعنًى واحدٍ، وقيل بالحاء الضَّرب بأصبعين للإنذار والتَّنبيه، وبالقاف بجميعها للَّهو واللَّعب (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا) من التَّصفيح (التَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ) ﵇ (إِلَيْهِ) ﵁: (مَكَانَكَ) أي: الْزَمْه ولا تتغيَّر عمَّا أنت فيه (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (يَدَيْهِ) بالتَّثنية؛ للدُّعاء (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى، حيث رفع الرَّسول ﵊ مرتبته بتفويض الإمامة إليه (ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى

стр. 2961

وَرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ) بالواو، ولابن عساكر: «فتقدَّم» (النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى) بالنَّاس، فإن قلت: ما وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة، فإنَّه ذُكِرَ فيها لفظ: التَّسبيح، وليس هو فيه؟ أجيب: من حيث إنَّه ذكر هذا الحديث بتمامه في «باب من دخل ليؤمَّ النَّاس» [خ¦٦٨٤]، فجاء الإمام الأوَّل؛ لأنَّ فيه قوله ﵊: «من نابه شيءٌ في (١) صلاته فليسبِّح، فإنَّه إذا سبَّح التُفِتَ إليه، وإنَّما التَّصفيق للنِّساء» فاكتُفِيَ به؛ لأنَّ الحديث واحدٌ. ولا يقال: عُلِمَ التَّسبيح من الحمد بالقياس عليه؛ لأنَّا نقول: حَمْد أبي بكرٍ إنَّما كان على تأهيل الرَّسول له للإمامة كما مرَّ، وقد صُرِّح بذلك في رواية «باب من دخل ليؤمَّ النَّاس» [خ¦٦٨٤] «ولفظه: فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ » من ذلك، فإن قلت: لِمَ لا يكون المراد من التَّرجمة: جواز التَّسبيح والحمد مطلقًا في الجملة من غير تقييدٍ بتنبيهٍ، وتحصل المطابقة بين التَّرجمة وبين (٢) ما ساقه من الحديث، ويكون التَّسبيح مقاسًا (٣) على الحمد، والحديث مخصِّصًا لعموم قوله في التَّرجمة السَّابقة حيث قال: «باب ما يُنهى من الكلام في الصَّلاة»؟ فالجواب: لعلَّهم إنَّما حملوا هذه التَّرجمة على ما ذُكِرَ؛ لقوله بعد «باب التَّصفيق للنِّساء» [خ¦١٢٠٣] إذ مقابِلُه التَّسبيح، وهما كما وقع التَّصريح به من الشَّارع ﵊ لمن نابه شيءٌ في صلاته. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في سبعة مواضع [خ¦٦٨٤] [خ¦١٢١٨] [خ¦١٢٣٤] [خ¦٢٦٩٠] [خ¦٢١٩٠] وترجم في كلِّ منها بما يناسبه. (٤) (باب) حكم (مَنْ سَمَّى قَوْمًا) في الصَّلاة (أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً) بفتح الجيم، والنَّصب على المصدريَّة (وَهُوَ) أي: والحال أنَّ المسلِّم (لَا يَعْلَمُ) حكم ذلك إبطالًا وصحَّةً،

стр. 2962

هل يكون حكمه (١) حكمَ العامد، أو حكمَ النَّاسي؟ وقد ثبت لفظة «مواجهةً» للحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعزاها في «الفتح» لكريمة، وسقطت لأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، وحكى ابن رُشَيدٍ: إسقاط هاء «غيره» وإضافة: «مواجهةً» عن رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وللكِرمانيِّ حكاية روايةٍ أخرى، وهي «على غير مواجهه (٢)» بلفظ اسم الفاعل المضاف إلى الضَّمير وإضافة الغير إليه. ١٢٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) بسكون الميم، الضُّبعيُّ، بضمِّ المعجمة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ) زاد الهرويُّ: «العَمِّيُّ» بفتح العين المهملة (٣) وتشديد الميم، هو (عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) البصريُّ، وذكره بكنيته، ثم باسمه، قال (٤): (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)

стр. 2963

بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين (١) (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ) بالإفراد والرَّفع (٢)، مبتدأٌ خبرُه: (فِي الصَّلَاةِ) ويُروى: «التَّحيَّةَ» بالنَّصب مفعول «نقول (٣)»، واستُشكِلَ: من حيث إنَّ مقول القول لا بدَّ أن يكون جملةً، وقوله (٤): «التَّحيَّة» مفردٌ، وأُجِيب بأنَّه في حكم الجملة؛ لأنَّه عبارةٌ عن قولهم: السَّلام على فلان؛ كقولهم: قلت قصَّةً، وقلت خبرًا (٥) (وَنُسَمِّي) أي: نقول: السَّلام على جبريل وميكائيل، كما في حديث: «باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد» [خ¦٨٣٥] (وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) في حديث: «باب ما ينهى من (٦) الكلام» [خ¦١١٩٩] السَّابق قريبًا (٧): «كنَّا نسلِّم على النَّبيِّ ﷺ ، وهو في الصَّلاة فيردُّ علينا وهو في الصَّلاة … » الحديث، وكان ابن مسعودٍ قد هاجر إلى الحبشة، وعهْدُه وعهْدُ أصحابه أنَّ الكلام في الصَّلاة جائزٌ، فوقع النَّسخ في غيبتهم، ولم يبلغهم، فلمَّا قدموا فعلوا العادة في أوَّل صلاةٍ صلَّوها معه ﷺ ، فلمَّا سلَّم نهاهم في المستقبل، وعذَرهم لغيبتهم وجهلهم بالحكم، فلم يُلزمهم الإعادة، مع أنَّ إمكان العلم كان يتأتَّى في حقِّهم بأن يسألوا قبل الصَّلاة: أَحَدَث (٨) أمرٌ أم لا؟ وبهذا إيجابٌ عن استشكال المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وقال في «المصابيح»: إنِّه الجواب الصَّحيح (فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: ما ذُكِرَ من تسميتهم وتسليمهم (فَقَالَ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ) أي: أنواع التَّعظيم (لِلَّهِ) المتفضِّل بها (وَالصَّلَوَاتُ) الدُّعاء، أو الخَمْس المعروفة وغيرها، أو الرَّحمة (وَالطَّيِّبَاتُ) ما طاب من الكلام وحَسُن، ومعناه: أنَّ التَّحيَّات وما بعدها مستحقَّةٌ لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها لغيره (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى

стр. 2964

عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) أي: السَّلام الَّذي وُجِّه إلى الأنبياء المتقدِّمة، موجَّهٌ إليك أيُّها النَّبيُّ، والسَّلام الَّذي وُجِّه إلى الأمم السَّالفة (١) من الصُّلحاء علينا وعلى إخواننا، فالتَّعريف للعهد التَّقريريِّ، قاله الطِّيبيُّ. وقيل غير ذلك، وفي (٢) قوله: «وعلى عباد الله الصَّالحين» بعد قوله: «السَّلام علينا» مِن ذكر العامِّ بعد الخاصِّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أمرهم بإفراد السَّلام عليه بالذِّكر لشرفه ومزيد حقِّه عليهم، وتخصيص أنفسهم، فإنَّ الاهتمام بها أهمُّ، ثمَّ أتبعه بشهادة التَّوحيد لله، والرِّسالة لنبيِّه ﵊؛ لأنَّه منبع الخيرات وأساس الكمالات، ثمَّ قال: (فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ) أي: قلتم ما ذُكِرَ (فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «عبدٍ»، وما بينهما اعتراضٌ (فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) من ملكٍ أو مؤمنٍ. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه ابن ماجه في «الصَّلاة». (٥) (بابُ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ) بإضافة «باب» لتاليه، ولأبي ذَرٍّ (٣) بالتَّنوين، أي: هذا بابٌ يُذكَر فيه التَّصفيق للنِّساء. ١٢٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: التَّسْبِيحُ) بأن يقول مَن نابهُ شيءٌ في صلاته كتنبيه (٤) إمامه، وإنذاره (٥) أعمى: «سبحان الله»، لا يكون إلَّا (لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ) بالصَّاد والقاف، لا يكون إلَّا (لِلنِّسَاءِ)

стр. 2965

إذا نابهنَّ شيءٌ في صلاتهنَّ، وهذا مذهب الجمهور؛ للأمر به في رواية حمَّاد بن زيدٍ، عن أبي حازمٍ في «الأحكام» [خ¦٧١٩٠] بلفظ: «فليسبِّح الرِّجال وليصفِّق (١) النِّساء» خلافًا لمالكٍ حيث قال: التَّسبيح للرِّجال والنِّساء جميعًا، وأمَّا قوله: «والتَّصفيق للنِّساء» أي: من شأنهنَّ في غير الصَّلاة، وهو على جهة الذَّمِّ له، ولا ينبغي فعله في الصَّلاة لرجلٍ ولا امرأةٍ، ورواية حمَّادٍ السَّابقة تعارضُ ذلك؛ إذ هي نصٌّ فيه، وكأنَّ منع المرأة من التَّسبيح؛ لأنَّها مأمورةٌ بخفض صوتها مطلقًا لما يُخشى من الافتتان، ومِن ثَمَّ مُنِعَت من الأذان مطلقًا، ومن الإقامة للرِّجال، ومُنِعَ الرِّجال من التَّصفيق؛ لأنَّه من شأن النِّساء. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». ١٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) قال ابن حجرٍ: هو ابن جعفرٍ، أي: البلخيُّ، وجوَّز الكِرمانيُّ أن يكون يحيى بنَ موسى الخَتِّيَّ، بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة؛ لأنَّهما رُوِيا عن وكيعٍ في «الجامع»، فيما قاله الكلاباذيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (¬﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيحُ) بالحاء المهملة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «والتَّصفيق» بالقاف، بأن تضرب بطن اليمنى على ظهر اليسرى (لِلنِّسَاءِ) فلو ضربت على

стр. 2966

بطنها على وجه اللَّعب بطلت صلاتها وإن كان قليلًا؛ لمنافاة اللَّعب للصَّلاة (١)، ولو صفَّق الرَّجل جاهلًا بذلك فليس (٢) عليه إعادة صلاته؛ لأنَّه ﵊ لم يأمر مَن صفَّق جاهلًا (٣) بالإعادة؛ لأنَّه عملٌ يسيرٌ لا يفسد الصَّلاة، كما تقرَّر، ويأتي في كلام المصنِّف «باب مَن صفَّق من الرِّجال جاهلًا في صلاته لم تفسد صلاته» (٤) [خ¦٢١/ ١٤ - ١٩١٩]. (٦) (باب مَنْ رَجَعَ القَهْقَرَى) بفتح القافين، بينهما هاءٌ ساكنةٌ وبفتح الرَّاء، أي: مشى إلى خلفٍ من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه (فِي صَلَاتِهِ) ولأبي ذَرٍّ ممَّا صحَّ عند اليونينيِّ: «في الصَّلاة» (أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ) أي: لأجل أمرٍ (يَنْزِلُ بِهِ، رَوَاهُ) أي: كلُّ واحدٍ من رجوع المصلِّي القهقرى، وتقدُّمه لأمرٍ ينزل به (سَهْلُ بنُ سَعْدٍ) المذكور آنفًا (عن النَّبيِّ ﷺ ¬) فيما رواه المؤلِّف في «الصَّلاة على المنبر والسُّطوح»، من أوائل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٧٧] بلفظ: «فاستقبل القبلة، وكبَّر وقام النَّاس خلفه، فقرأ وركع، فركع النَّاس خلفه، ثمَّ رفع رأسه، ثمَّ رجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثمَّ عاد إلى المنبر، ثمَّ قرأ، ثمَّ ركع، ثمَّ رفع رأسه، ثمَّ رجع القهقرى حتَّى سجد بالأرض … » الحديث.

стр. 2967

١٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (قَالَ يُونُسُ) بن يزيد: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا (١) هُمْ فِي) صلاة (الفَجْرِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِهِمْ، فَفَجَأَهُمُ) بفتح الجيم، ولأبي ذَرٍّ مما صحَّ عند اليونينيِّ: «ففجِئهم» بكسرها، وصوَّبه، وقال ابن التِّين: كذا وقع في «الأصل» بالألف، وحقُّه أن يُكتَب بالياء؛ لأنَّ عينه مكسورةٌ كـ «وطئهم» أي: فاجأهم (٢) (النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂¬) كذا في أصل الحافظ شرف الدِّين الدِّمياطيِّ بخطِّه، وهو الَّذي في «اليونينيَّة»، وقال القطب الحلبيُّ الحافظ: في سماعنا إسقاط لفظ (٣): «حجرة» (فَنَظَرَ) ﵊ (إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ) بالصَّاد المهملة، وللحَمُّويي والمُستملي: «فنكس» بالسِّين المهملة، أي: رجع بحيث لم يستدبر القبلة، أي: رجع (أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) إلى وراء (عَلَى عَقِبَيْهِ) بالتَّثنية (وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ) بأن يخرجوا منها حال كون ذلك (فَرَحًا) أي: فرحين (بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا) صلاتكم، أي: أشار بالإتمام، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ (ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِي) ﷺ (ذَلِكَ اليَوْمَ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» (٤): «في ذلك اليوم». (٧) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا) وهو (فِي الصَّلَاةِ) لا يجيبها، فإن أجابها

стр. 2968

بطلت صلاته على الأصحِّ فيهما، وقيل: تجب إجابتها وتبطل الصَّلاة (١)، وقيل: تجب ولا تبطل، كذا في «البحر» للرُّويانيِّ، وقيل: إن كانت فرضًا وضاق وقتها لا يجيب، وإلَّا فيجيب، وقد رُوِيَ في الوجوب حديثٌ مرسلٌ، رواه ابن أبي شيبة عن حفص بن غياثٍ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن محمَّد بن المنكدر، عنه ﷺ قال: «إذا دعتك أمُّك في الصَّلاة فأجبها، وإن (٢) دعاك أبوك فلا تجبه»، وأُوِّل على إجابتها بالتَّسبيح، وقال ابن حبيبٍ: إن (٣) كان في نافلةٍ فليخفِّفْ، ويسلِّم، ويجيبها (٤). ١٢٠٦ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ من طريق عاصم بن عليٍّ، شيخ المؤلِّف عنه مطوَّلًا قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) ولأبي ذَرٍّ ممَّا صحَّ عند (٥) اليونينيِّ: «ابن ربيعة» أي: ابن شُرَحْبِيل بن حَسَنة المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج المدنيِّ

стр. 2969

(قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «قال النَّبيُّ» (¬ ﷺ : نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا) جريجًا (وَهْوَ) أي: والحال أنه (فِي صَوْمَعَةٍ) بفتح الصاد المهملة، بوزن فَوْعَلَة من صمعت إذا دققت؛ لأنَّها دقيقة الرَّأس، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «في صومعته» بزيادة مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبل الهاء، وكان في صلاته، قيل (١): ولم يكن الكلام في الصَّلاة ممنوعًا منه (٢) في شريعته (قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الجيم (قَالَ) جريجٌ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فقال» (اللَّهُمَّ) قد اجتمع حقُّ إجابة (أُمِّي وَ) حقُّ (٣) إتمام (صَلَاتِي) فوفِّقني لأفضلهما، ثمَّ (قَالَتْ) ثانيًا: (يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ) قد اجتمع حقُّ إجابة (أُمِّي وَ) حقُّ إتمام (صَلَاتِي) ثمَّ (قَالَتْ) في الثَّالثة: (يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ) قد اجتمع حقُّ إجابة (أُمِّي وَ) حقُّ إتمام (صَلَاتِي) وعدمُ إجابته (٤) لها مع ترديد ندائها له يُفهم ظاهره: أنَّ الكلام عنده يقطع الصَّلاة، ولمَّا لم يجبها في الثَّالثة (٥)، وآثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها، واختار (٦) التزام مراعاة حقِّ الله على حقِّها (قَالَتِ) داعيةً عليه بلفظ النَّفي: (اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «في وجوه» (المَيَامِيسِ) بميمَين الأولى مفتوحةٌ والثَّانية مكسورةٌ، بعد كلٍّ منهما مثنَّاةٌ الثَّانيةُ ساكنةٌ، جمع: مومِسة، بكسر الميم، وهي: الزَّانية، وغلَّط ابن الجوزيِّ إثبات المثنَّاة الأخيرة، وصوَّب حذفها، وخُرِّج على

стр. 2970

إشباع الكسرة، وقد كان من كرامة الله تعالى لجريجٍ أَنْ أَلْهَمَ الله (١) أمَّه الاقتصاد في الدَّعوة، فلم تقل: اللَّهم امتحنْه، بل (٢) إنَّما قالت: اللَّهم لا تمته حتَّى تريه وجوه المياميس (٣)، فلم تقتضِ الدَّعوة إلَّا كدرًا يسيرًا، بل أعقبت سرورًا كثيرًا (وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ) امرأةٌ (رَاعِيَةٌ تَرْعَى الغَنَمَ) الضَّأن، فوقع عليها رجلٌ (فَوَلَدَتْ) منه غلامًا (فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الوَلَدُ؟ قَالَتْ (٤): مِنْ جُرَيْجٍ) صاحب الصَّومعة (نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ) وأحبلني هذا الولد (قَالَ جُرَيْجٌ) لمَّا بلغه ذلك: (أَيْنَ هَذِهِ) المرأة (الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟) ثمَّ (قَالَ) ولابن عساكر: «قالوا (٥)»: (يَا بَابُوسُ) بفتح المُوحَّدة وبعد الألف موحَّدةٌ أخرى مضمومةٌ وبعد الواو السَّاكنة سينٌ مهملةٌ، بوزن فاعول، هو الصَّغير، أو اسمٌ للرَّضيع، أو لذلك الولد بعينه (مَنْ أَبُوكَ؟) أي: خُلِقت مِن ماءِ مَن؟ فأنطق اللهُ الغلامَ آيةً له، و (قَالَ: رَاعِي الغَنَمِ) وسمَّاه أبًا مجازًا أو يكون في شرعهم أنَّه يلحقه. واعلم: أنَّه لمَّا تعارض عند جريجٍ حقُّ الصَّلاة وحقُّ الصِّلة لأمِّه (٦) رجَّح حقَّ الصَّلاة، وهو الحقُّ، لكنَّ حقَّ الصِّلة المرجوح لم يذهب هدرًا؛ ولذا أُجِيبت فيه الدَّعوة اعتبارًا لكونه ترك الصِّلة، وحسُنَت عاقبته، وظهرت كرامته اعتبارًا بحقِّ الصَّلاة، ولم يكن

стр. 2971

ذلك تناقضًا، بل هو من جنس قوله ﵊ [خ¦٢٢١٨]: «واحتجبي منه يا سودةُ» اعتبارًا للشَّبه المرجوح، وقول ابن بطَّالٍ: إنَّ سبب دعائها عليه؛ لإباحة الكلام إذ ذاك، معارَضٌ بقول جريجٍ المشهود له بالكرامة: «أمِّي وصلاتي» إذ ظاهره عدم إباحته -كما مرَّ- وهو مصيبٌ في ذلك، ولا يقال: إن كان جريج مصيبًا في نظره، وأوخذ بإجابة الدَّعوة فيه لزم التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ الحقَّ: أنَّ المؤاخذة هنا ليست عقوبةً، وإنَّما هي تنبيهٌ على عِظَم حقِّ الأمِّ وإن كان مرجوحًا، قاله ابن المنيِّر، فيما نقله في «المصابيح». ورواة هذا (١) الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بصيغة الإفراد، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» [خ¦٣٤٣٦] وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٦]، ومسلمٌ في «باب برِّ الوالدين». (٨) (باب مَسْحِ الحَصَا) أو التُّراب أو غيرهما ممَّا يُصلَّى عليه، ولأبي ذَرٍّ ممَّا صحَّ عند اليونينيِّ: «الحصاة» (فِي الصَّلَاةِ). ١٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة، ابن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَيْقِيبٌ) بضمِّ الميم وفتح المهملة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر القاف، بعدها مُثنَّاةٌ تحتانيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ موحَّدةٌ، ابن أبي فاطمة الدَّوسيُّ المدنيُّ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي) شأن (الرَّجُلِ) حال كونه (يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ) أي: في المكان الَّذي (يَسْجُدُ) فيه (قَالَ) ﵊: (إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا) أي: مسوِّيًا التُّراب (فَوَاحِدَةًٌ) بالنَّصب، بتقدير: فامسحْ واحدةً، أو

стр. 2972

افعل واحدةً، أو فليكن واحدةً، أو بالرَّفع: مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: فواحدةٌ تكفيك، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروعُ فعلةٌ واحدةٌ، أي: لئلَّا يلزم العمل الكثير المبطل، أو عدم (١) المحافظة (٢) على الخشوع، أو لئلَّا يجعل بينه وبين الرَّحمة الَّتي تواجهه حائلًا، وأُبيحَ له المرَّة لئلَّا يتأذَّى به في سجوده، وفي حديث أبي ذرٍّ عند أصحاب «السُّنن» مرفوعًا: «إذا قام أحدكم إلى الصَّلاة؛ فإنَّ الرَّحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى»، وقوله: «إذا قام» (٣) أراد به: الدُّخول في الصَّلاة ليوافق حديث الباب، فلا يكون منهيًّا عن المسح قبل الدُّخول فيها، بل الأَولى أن يفعل ذلك حتَّى لا يشتغل بالُهُ وهو في الصَّلاة به، والتَّعبير بالرَّجل: خرج مخرج الغالب، وإلَّا فالحكم جارٍ في جميع المكلَّفين، وحكاية النَّوويِّ: الاتِّفاق على كراهة مسح الحصى وغيره في الصَّلاة معارضٌ (٤) بما في «المعالم» للخطَّابيِّ عن مالكٍ: أنَّه لم ير به (٥) بأسًا وكان يفعله، ولعلَّه لم يبلغه الخبر. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالإفراد والجمع، والعنعنة، وليس لمعيقيبٍ في هذا الكتاب غير هذا الحديث، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٩) (باب) جواز (بَسْطِ الثَّوْبِ) على الأرض (فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ) عليه لأنَّه عملٌ يسيرٌ.

стр. 2973

١٢٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) (١) بن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، ابن المفضَّل، بالضَّاد المعجمة المشدَّدة المفتوحة قال (٢): (حَدَّثَنَا غَالِبٌ) بالمعجمة وكسر اللَّام، وزاد أبو ذرٍّ: «القَطَّان» (عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح الموحَّدة وإسكان الكاف، المزنيُّ (٣) البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ) من شدَّة الحرِّ (بَسَطَ ثَوْبَهُ) المنفصل عنه أو المتَّصل به، غير المتحرِّك بحركته عمدًا (٤) (فَسَجَدَ عَلَيْهِ) وإنَّما لم تبطل الصَّلاة بذلك، مع أنَّه من غير جنسها لقلَّته؛ إذ كلُّ عملٍ قليلٍ، كالخطوتين أو الضَّربتين غير مبطلٍ، بخلاف الكثير، كالثَّلاث المتواليات. نعم يُستثنى من القليل الأكل فتبطل به؛ لإشعاره بالإعراض عنها، إلَّا أن يكون ناسيًا أو جاهلًا تحريمه، فلا تبطل به، وأمَّا الكثير فتبطل به (٥) مع النِّسيان، أو جهل التَّحريم في الأصحِّ. وقد سبق الحديث في «باب السُّجود على الثَّوب في شدَّة الحرِّ» في أوائل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٨٥]. (١٠) (باب مَا يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ) غير ما تقدَّم.

стр. 2974

١٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ، القعنبيُّ الحارثيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم بن أبي أميَّة المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي) بكسر اللَّام (فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي) يحتمل أن يكون من غير مماسَّةٍ، بل بحائلٍ من ثوبٍ ونحوه (فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت والأَصيليِّ (١) «أمدُّ رجليَّ، ورفعتهما، ومددتهما» بالتَّثنية في الثَّلاثة. ومطابقة التَّرجمة للحديث من حيث إنَّ الغمز عملٌ يسيرٌ لا تبطل به (٢) الصَّلاة. ١٢١٠ - وبه قال: (حدَّثنا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (حدَّثنا شَبَابَةُ) بمعجمةٍ وموحَّدتين، الأولى مخفَّفة، بينهما ألفٌ، ابن سوارٍ المدائنيُّ الخراسانيُّ الأصل، قال (٣): (حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة، الجمحيِّ، أبي الحارث المدنيِّ، نزيل البصرة (عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ صلَّى صَلَاةً قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت «فقال»: (إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي) في صفة هرٍّ، وفي رواية شعبة السَّابقة من وجهٍ آخرَ في «باب: ربط الغريم في المسجد» [خ¦٤٦١]: «إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّت عليَّ» وظاهره: أنَّ المراد بالشَّيطان في هذه الرِّواية غير إبليس كبير الشَّياطين (فَشَدَّ) بالشِّين المعجمة، أي: حمل

стр. 2975

(عَلَيَّ) حال كونه (يَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ) ولغير الحَمُّويي والمُستملي: «ليقطع» بلام التَّعليل، فإن قلت: قد ثبت [خ¦٣٢٩٤] أنَّ الشَّيطان يفرُّ من ظلِّ عمر، وأنَّه يسلك في غير فجِّه، ففراره من النَّبيِّ ﷺ أَولى، فكيف شدَّ عليه ﵊، وأراد قطع صلاته ﵊؟ أُجِيبَ بأنَّه ليس المراد حقيقة الفرار، بل بيان قوَّة عمر ﵁، وصلابته على قهر الشَّيطان، وقد وقع التَّصريح بأنَّه ﷺ قهره وطرده كما قال (١) (فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ) لكونه مشخَّصًا في صورةٍ يمكن أخذه معها، وهي صورة الهرِّ (فَذَعَتُّهُ) بالذَّال المعجمة والعين المهملة المفتوحتين والمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة، فعلٌ ماضٍ للمتكلِّم وحده، والفاء للعطف (٢)، أي: غمزته غمزًا شديدًا، وعند ابن (٣) أبي شيبة بالدَّال المهملة، أي: دفعته دفعًا شديدًا (وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ) أي: قصدت ربطه (إِلَى سَارِيَةٍ) من سواري المسجد (حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «أو تنظروا إليه» بالشَّكِّ (فَذَكَرْتُ قَوْلَ) أخي (سُلَيْمَانَ ﵇: رَبِّ) اغفر لي و (﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]

стр. 2976

فَرَدَّهُ اللهُ) حال كونه (خَاسِئًا) مطرودًا مبعدًا متحيِّرًا، زاد في رواية كريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا: (ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: فَذَعَتُّهُ، بِالذَّالِ) المعجمة وتخفيفها (أَيْ: خَنَقْتُهُ، وَ) أمَّا (فَدَعَّتُّهُ) بالدَّال والعين المشدَّدة المهملتين مع تشديد المثنَّاة فـ (مِنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (١) [الطور: ١٣] أَيْ: يُدْفَعُونَ، وَالصَّوَابُ: فَدَعَتُّهُ) بالمهملة وتخفيف العين (إِلَّا أَنَّهُ) يعني: شعبة (كَذَا قَالَ: بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ) وهذه الزيادةُ ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «فدعتُّه» على معنى: دفعته من حيث كونه عملًا يسيرًا، واستُنبِطَ منه: أنَّ العمل اليسير غير مبطلٍ للصَّلاة، كما مرَّ. (١١) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ) وصاحبها (فِي الصَّلَاةِ) ماذا يفعل؟ (وَقَالَ قَتَادَةُ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عنه بمعناه: (إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ) بضمِّ الهمزة، أي: المصلِّي (يَتْبَعُِ السَّارِقَ، وَيَدَعُِ الصَّلَاةَ) أي: يتركها، والعين مضمومةٌ أو مكسورةٌ، وزاد عبد الرَّزَّاق: فيرى صبيًّا على بئرٍ، فيتخوَّف أن يسقط فيها، قال: ينصرف له، أي: وجوبًا، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ من أُخِذَ ماله ظلمًا وهو في الصَّلاة يصلِّي صلاة شدَّة الخوف، وكذا في كلِّ مباحٍ، كهربٍ من حريقٍ وسيلٍ وسبعٍ لا معدل عنه، وغريمٍ له عند إعساره وخوف حبسه بأن لم يصدِّقه غريمه، وهو الدَّائن في إعساره وهو عاجزٌ عن بيِّنة الإعسار (٤).

стр. 2977

١٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي، الحارثيُّ البصريُّ (قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزَّاي: سبع كُوَر بين البصرة وفارس، لكلِّ كورةٍ منها اسمٌ، ويجمعها: الأهواز، ولا ينفرد واحدٌ منها بهوزٍ، قاله صاحب العين وغيره (نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ) بمهملاتٍ، أي: الخوارج؛ لأنَّهم اجتمعوا بحروراء، قريةٌ من قرى الكوفة، وبها كان التحكيم، وكان الَّذي يقاتلهم إذ ذاك هو (١) المهلَّب بن أبي صُفْرة، كما في رواية عمرو بن مرزوقٍ، عن شعبة، عند (٢) الإسماعيليِّ (فَبَيْنَا أَنَا) مبتدأٌ، خبره (عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ) بضمِّ الجيم والرَّاء بعدها فاءٌ، وقد تسكن الرَّاء: مكانٌ أكله السَّيل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حَرْف نهرٍ» بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الرَّاء، أي: جانبه، واسم النَّهر: دُجَيْلٌ، بالجيم مصغَّرًا (إِذَا رَجُلٌ) وللمُستملي والحَمُّويي، وعزاها العينيُّ كابن حجرٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ بدل المُستملي: «إذ جاء رجلٌ» (يُصَلِّي) العصر (وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ) فرسه (بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا) قد أجمعوا على أنَّ المشي الكثير المتوالي في الصلاة المكتوبة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل، وفي رواية عمرو بن مرزوقٍ ما يؤيِّد ذلك، فإنَّه قال: فأخذها، ثمَّ رجع القهقرى، فإنَّ في رجوعه القهقرى ما يُشعِر بأنَّ مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، فهو عملٌ يسير، ومشيٌ قليلٌ، ليس فيه استدبار القبلة فلا يضرُّ (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (هُوَ) أي: الرَّجل المصلِّي المتنازع (أَبُو بَرْزَةَ) نضلة بن عبيدٍ (الأَسْلَمِيُّ) نزيل البصرة (فَجَعَلَ رَجُلٌ) مجهولٌ (مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ) يدعو عليه ويسبُّه (٣)، وفي رواية حمادٍ: انظروا إلى هذا الشَّيخ، ترك صلاته من أجل

стр. 2978

فرسٍ، وزاد عمرو بن مرزوقٍ في آخره: قال: فقلت للرَّجل: ما أرى الله إلَّا مخزيك، شتمت رجلًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ (فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ) أبو برزة من صلاته (قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ) الَّذي قلتموه آنفًا (وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ، أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أوْ ثَمَانِ) بغير ياءٍ ولا تنوينٍ، وللحَمُّويي والمُستملي: «ثمانيَ» بياءٍ مفتوحةٍ من غير تنوينٍ، وخرَّجه ابن مالكٍ في «شرح التَّسهيل»: على أنَّ الأصل ثماني غزواتٍ، فحُذِفَ المضاف، وأُبقِي المضاف إليه على حاله، وحَسَّن الحذفَ دلالةُ المتقدِّم، أو أنَّ الإضافة غير مقصودةٍ، وترك تنوينه لمشابهته (١) جواري لفظًا، وهو ظاهرٌ معنًى لدلالته على جمعٍ (٢)، أو يكون في اللَّفظ ثمانيًا -بالنَّصب والتَّنوين- إلَّا أنَّه كُتِبَ على اللُّغة الرَّبيعيَّة، فإنَّهم يقفون على المنوَّن المنصوب بالسُّكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى ألفٍ. انتهى. وتُعُقِّبَ الأخير في «المصابيح» بأنَّ التَّخريج إنَّما هو لقوله: «ثمانيَ» بلا تنوينٍ، وقد صرَّح هو (٣) بذلك في «التَّوضيح»، فلا وجه حينئذٍ للوجه الثَّالث، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو ثمانيًا»، وفي رواية عمرو بن مرزوقٍ الجزم بـ «سبع غزواتٍ» من غير شكٍّ (وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ) أي: تسهيله على أمَّته في الصَّلاة وغيرها، وأشار به إلى الرَّدِّ على من شدَّد عليه في أنْ يترك دابَّته تذهب، ولا يقطع صلاته، ولا يجوز أن يفعله أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من النَّبيِّ ﷺ (وَإِنِّي) بكسر الهمزة وتشديد النُّون، والياء اسمها (إِنْ كُنْتُ) بكسر الهمزة شرطيَّةٌ، والتَّاء اسم «كان» (أَنْ أُرَاجِعَ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء ثمَّ ألفٌ، وللحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ وابن عساكر: «أَرْجع» بفتح الهمزة وسكون الرَّاء (مَعَ (٤) دَابَّتِي) و «أَنْ» -بفتح الهمزة- مصدريَّةٌ، بتقدير لام العلَّة قبلها، أي: وإن كنت لأن أرجع (٥)، وخبرُ «كان» (٦): (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ (٧) أَدَعَهَا) أي: أتركها (تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا) بفتح اللَّام الَّذي ألفته واعتادته، وهذه الجملة الشَّرطيَّة سدَّت مسدَّ خبر

стр. 2979

«إنَّ» في «إنِّي»، وفي بعض الأصول بفتح همزة «أَنْ كنت» على المصدريَّة، ولام العلَّة محذوفةٌ، والضَّمير المرفوع في: «كنتُ» اسمها، و «أَنْ أَرجع» بفتح الهمزة بتأويل مصدر مرفوعٍ بالابتداء، خبره «أحبُّ إليَّ»، والجملة الاسميَّة (١) خبر «كان»، وعلى هذا فخبر «إنَّ» في «إنِّي»، محذوفٌ (٢) لدلالة الحال عليه، أي: وإنِّي وإن (٣) فعلت ما رأيتموه من اتِّباع الفرس (٤)؛ لأجل كون رجوعها أحبُّ إليَّ من تركها (فَيَشُقَُّّ عَلَيَّ) بنصب القاف عطفًا على المنصوب في قوله: «أحبُّ إليَّ من أن أدعَهَا»، وبالرَّفع: على معنى: فذلك يشقُّ عليَّ؛ لأنَّ منزله كان بعيدًا، فلو تركها وصلَّى لم يأت أهله إلى اللَّيل؛ لبعد المسافة. ١٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة الفوقيَّة (٥)، المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيلي وابن عساكر: «فقام رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ) الرُّكوع (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ) بباء الجرِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيلي (٦): «سورة» (أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيلي

стр. 2980

وابن عساكر: «حين» (قَضَاهَا) أي: فرغ من الرَّكعة (وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ) المذكور من القيامين والرُّكوعين (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا) أي: الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أي: الخسوف الَّذي دلَّ عليه قولها (١): «خسفت» (فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة والجيم مبنيًّا للمفعول، من الإفراج (لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ) بضمِّ الواو وكسر العين مبنيًّا للمفعول، جملةٌ في محلِّ خفضٍ صفةٌ لـ «شيءٍ» (حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «رأيته» بإثبات الضَّمير، ولمسلمٍ: «لقد رأيتُني»، قال ابن حجرٍ: وهو (٢) أَوْجه، وقال الزَّركشيُّ: قيل: وهو الصَّواب، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نسلِّم انحصار الصَّواب فيه، بل الأوَّل صوابٌ أيضًا، وعليه: فالضَّمير المنصوب محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، والمعنى: أبصرت ما أبصرت حال كوني (أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا) بكسر القاف: ما يُقطف، أي: يُقطَع ويُجتَنى، كالذِّبح، بمعنى: المذبوح، والمراد به (٣): عنقودٌ مِنَ العِنَب، أي: أريد أخذه (مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ) أي: طَفِقْتُ (أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء (بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) لم يقل: جعلت أتأخَّر، كما قال: جعلت أتقدَّم؛ لأنَّ التَّقدُّم كاد أن يقع بخلاف التَّأخُّر، فإنَّه وقع، قاله الكِرمانيُّ، واعترضه الحافظ أبو الفضل بأنَّه وقع التَّصريح بوقوع التَّقدُّم والتَّأخُّر جميعًا في حديث جابرٍ عند مسلمٍ، وأجاب العينيُّ بأنَّه لا يرد على الكِرمانيِّ ما قاله؛ لأنَّ «جعلت» في قوله هنا بمعنى: طفقت، الَّذي وضع للدَّلالة على الشُّروع، وقد بنى الكِرمانيُّ السُّؤال والجواب عليه، وأيضًا لا يلزم أن يكون حديث عائشة مثل حديث جابرٍ من كلِّ الوجوه وإن كان الأصل متَّحدًا (وَرَأَيْتُ فِيهَا) أي: في (٤) جهنَّم (عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، وبضمِّ اللَّام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة مصغَّرًا (وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ) أي: سمَّى النُّوق الَّتي تُسمَّى (السَّوَائِبَ) جمع: سائبة، وهي ناقةٌ لا تُركَب ولا تُحبَس عن كلأ وماءٍ (٥)
следующие страницы →