فَرَدَّهُ اللهُ) حال كونه (خَاسِئًا) مطرودًا مبعدًا متحيِّرًا، زاد في رواية كريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا: (ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: فَذَعَتُّهُ، بِالذَّالِ) المعجمة وتخفيفها (أَيْ: خَنَقْتُهُ، وَ) أمَّا (فَدَعَّتُّهُ) بالدَّال والعين المشدَّدة المهملتين مع تشديد المثنَّاة فـ (مِنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (١) [الطور: ١٣] أَيْ: يُدْفَعُونَ، وَالصَّوَابُ: فَدَعَتُّهُ) بالمهملة وتخفيف العين (إِلَّا أَنَّهُ) يعني: شعبة (كَذَا قَالَ: بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ) وهذه الزيادةُ ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «فدعتُّه» على معنى: دفعته من حيث كونه عملًا يسيرًا، واستُنبِطَ منه: أنَّ العمل اليسير غير مبطلٍ للصَّلاة، كما مرَّ.
(١١) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ) وصاحبها (فِي الصَّلَاةِ) ماذا يفعل؟ (وَقَالَ قَتَادَةُ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عنه بمعناه: (إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ) بضمِّ الهمزة، أي: المصلِّي (يَتْبَعُِ السَّارِقَ، وَيَدَعُِ الصَّلَاةَ) أي: يتركها، والعين مضمومةٌ أو مكسورةٌ، وزاد عبد الرَّزَّاق: فيرى صبيًّا على بئرٍ، فيتخوَّف أن يسقط فيها، قال: ينصرف له، أي: وجوبًا، ومذهب الشَّافعيَّة: أنَّ من أُخِذَ ماله ظلمًا وهو في الصَّلاة يصلِّي صلاة شدَّة الخوف، وكذا في كلِّ مباحٍ، كهربٍ من حريقٍ وسيلٍ وسبعٍ لا معدل عنه، وغريمٍ له عند إعساره وخوف حبسه بأن لم يصدِّقه غريمه، وهو الدَّائن في إعساره وهو عاجزٌ عن بيِّنة الإعسار (٤).
стр. 2977
١٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الزَّاي، الحارثيُّ البصريُّ (قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزَّاي: سبع كُوَر بين البصرة وفارس، لكلِّ كورةٍ منها اسمٌ، ويجمعها: الأهواز، ولا ينفرد واحدٌ منها بهوزٍ، قاله صاحب العين وغيره (نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ) بمهملاتٍ، أي: الخوارج؛ لأنَّهم اجتمعوا بحروراء، قريةٌ من قرى الكوفة، وبها كان التحكيم، وكان الَّذي يقاتلهم إذ ذاك هو (١) المهلَّب بن أبي صُفْرة، كما في رواية عمرو بن مرزوقٍ، عن شعبة، عند (٢) الإسماعيليِّ (فَبَيْنَا أَنَا) مبتدأٌ، خبره (عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ) بضمِّ الجيم والرَّاء بعدها فاءٌ، وقد تسكن الرَّاء: مكانٌ أكله السَّيل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حَرْف نهرٍ» بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الرَّاء، أي: جانبه، واسم النَّهر: دُجَيْلٌ، بالجيم مصغَّرًا (إِذَا رَجُلٌ) وللمُستملي والحَمُّويي، وعزاها العينيُّ كابن حجرٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ بدل المُستملي: «إذ جاء رجلٌ» (يُصَلِّي) العصر (وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ) فرسه (بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا) قد أجمعوا على أنَّ المشي الكثير المتوالي في الصلاة المكتوبة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل، وفي رواية عمرو بن مرزوقٍ ما يؤيِّد ذلك، فإنَّه قال: فأخذها، ثمَّ رجع القهقرى، فإنَّ في رجوعه القهقرى ما يُشعِر بأنَّ مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، فهو عملٌ يسير، ومشيٌ قليلٌ، ليس فيه استدبار القبلة فلا يضرُّ (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (هُوَ) أي: الرَّجل المصلِّي المتنازع (أَبُو بَرْزَةَ) نضلة بن عبيدٍ (الأَسْلَمِيُّ) نزيل البصرة (فَجَعَلَ رَجُلٌ) مجهولٌ (مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ) يدعو عليه ويسبُّه (٣)، وفي رواية حمادٍ: انظروا إلى هذا الشَّيخ، ترك صلاته من أجل
стр. 2978
فرسٍ، وزاد عمرو بن مرزوقٍ في آخره: قال: فقلت للرَّجل: ما أرى الله إلَّا مخزيك، شتمت رجلًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ (فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ) أبو برزة من صلاته (قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ) الَّذي قلتموه آنفًا (وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ، أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أوْ ثَمَانِ) بغير ياءٍ ولا تنوينٍ، وللحَمُّويي والمُستملي: «ثمانيَ» بياءٍ مفتوحةٍ من غير تنوينٍ، وخرَّجه ابن مالكٍ في «شرح التَّسهيل»: على أنَّ الأصل ثماني غزواتٍ، فحُذِفَ المضاف، وأُبقِي المضاف إليه على حاله، وحَسَّن الحذفَ دلالةُ المتقدِّم، أو أنَّ الإضافة غير مقصودةٍ، وترك تنوينه لمشابهته (١) جواري لفظًا، وهو ظاهرٌ معنًى لدلالته على جمعٍ (٢)، أو يكون في اللَّفظ ثمانيًا -بالنَّصب والتَّنوين- إلَّا أنَّه كُتِبَ على اللُّغة الرَّبيعيَّة، فإنَّهم يقفون على المنوَّن المنصوب بالسُّكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى ألفٍ. انتهى. وتُعُقِّبَ الأخير في «المصابيح» بأنَّ التَّخريج إنَّما هو لقوله: «ثمانيَ» بلا تنوينٍ، وقد صرَّح هو (٣) بذلك في «التَّوضيح»، فلا وجه حينئذٍ للوجه الثَّالث، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو ثمانيًا»، وفي رواية عمرو بن مرزوقٍ الجزم بـ «سبع غزواتٍ» من غير شكٍّ (وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ) أي: تسهيله على أمَّته في الصَّلاة وغيرها، وأشار به إلى الرَّدِّ على من شدَّد عليه في أنْ يترك دابَّته تذهب، ولا يقطع صلاته، ولا يجوز أن يفعله أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من النَّبيِّ ﷺ (وَإِنِّي) بكسر الهمزة وتشديد النُّون، والياء اسمها (إِنْ كُنْتُ) بكسر الهمزة شرطيَّةٌ، والتَّاء اسم «كان» (أَنْ أُرَاجِعَ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء ثمَّ ألفٌ، وللحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ وابن عساكر: «أَرْجع» بفتح الهمزة وسكون الرَّاء (مَعَ (٤) دَابَّتِي) و «أَنْ» -بفتح الهمزة- مصدريَّةٌ، بتقدير لام العلَّة قبلها، أي: وإن كنت لأن أرجع (٥)، وخبرُ «كان» (٦): (أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ (٧) أَدَعَهَا) أي: أتركها (تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا) بفتح اللَّام الَّذي ألفته واعتادته، وهذه الجملة الشَّرطيَّة سدَّت مسدَّ خبر
стр. 2979
«إنَّ» في «إنِّي»، وفي بعض الأصول بفتح همزة «أَنْ كنت» على المصدريَّة، ولام العلَّة محذوفةٌ، والضَّمير المرفوع في: «كنتُ» اسمها، و «أَنْ أَرجع» بفتح الهمزة بتأويل مصدر مرفوعٍ بالابتداء، خبره «أحبُّ إليَّ»، والجملة الاسميَّة (١) خبر «كان»، وعلى هذا فخبر «إنَّ» في «إنِّي»، محذوفٌ (٢) لدلالة الحال عليه، أي: وإنِّي وإن (٣) فعلت ما رأيتموه من اتِّباع الفرس (٤)؛ لأجل كون رجوعها أحبُّ إليَّ من تركها (فَيَشُقَُّّ عَلَيَّ) بنصب القاف عطفًا على المنصوب في قوله: «أحبُّ إليَّ من أن أدعَهَا»، وبالرَّفع: على معنى: فذلك يشقُّ عليَّ؛ لأنَّ منزله كان بعيدًا، فلو تركها وصلَّى لم يأت أهله إلى اللَّيل؛ لبعد المسافة.
١٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة الفوقيَّة (٥)، المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (فَقَامَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيلي وابن عساكر: «فقام رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ) الرُّكوع (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الرُّكوع (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ) بباء الجرِّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيلي (٦): «سورة» (أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيلي
стр. 2980
وابن عساكر: «حين» (قَضَاهَا) أي: فرغ من الرَّكعة (وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ) المذكور من القيامين والرُّكوعين (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمَا) أي: الشَّمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أي: الخسوف الَّذي دلَّ عليه قولها (١): «خسفت» (فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة والجيم مبنيًّا للمفعول، من الإفراج (لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ) بضمِّ الواو وكسر العين مبنيًّا للمفعول، جملةٌ في محلِّ خفضٍ صفةٌ لـ «شيءٍ» (حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «رأيته» بإثبات الضَّمير، ولمسلمٍ: «لقد رأيتُني»، قال ابن حجرٍ: وهو (٢) أَوْجه، وقال الزَّركشيُّ: قيل: وهو الصَّواب، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا نسلِّم انحصار الصَّواب فيه، بل الأوَّل صوابٌ أيضًا، وعليه: فالضَّمير المنصوب محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، والمعنى: أبصرت ما أبصرت حال كوني (أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا) بكسر القاف: ما يُقطف، أي: يُقطَع ويُجتَنى، كالذِّبح، بمعنى: المذبوح، والمراد به (٣): عنقودٌ مِنَ العِنَب، أي: أريد أخذه (مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ) أي: طَفِقْتُ (أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ) بكسر الطَّاء (بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ) لم يقل: جعلت أتأخَّر، كما قال: جعلت أتقدَّم؛ لأنَّ التَّقدُّم كاد أن يقع بخلاف التَّأخُّر، فإنَّه وقع، قاله الكِرمانيُّ، واعترضه الحافظ أبو الفضل بأنَّه وقع التَّصريح بوقوع التَّقدُّم والتَّأخُّر جميعًا في حديث جابرٍ عند مسلمٍ، وأجاب العينيُّ بأنَّه لا يرد على الكِرمانيِّ ما قاله؛ لأنَّ «جعلت» في قوله هنا بمعنى: طفقت، الَّذي وضع للدَّلالة على الشُّروع، وقد بنى الكِرمانيُّ السُّؤال والجواب عليه، وأيضًا لا يلزم أن يكون حديث عائشة مثل حديث جابرٍ من كلِّ الوجوه وإن كان الأصل متَّحدًا (وَرَأَيْتُ فِيهَا) أي: في (٤) جهنَّم (عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، وبضمِّ اللَّام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة مصغَّرًا (وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ) أي: سمَّى النُّوق الَّتي تُسمَّى (السَّوَائِبَ) جمع: سائبة، وهي ناقةٌ لا تُركَب ولا تُحبَس عن كلأ وماءٍ (٥)
стр. 2981
لنذر صاحبها -إن حصل ما أراد من شفاءِ المريض أو غيره- أنَّها سائبةٌ، فإن قلت: من أين تُؤخَذ المطابقة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيبَ: من التَّقدُّم والتَّأخُّر المذكورين، وحملًا على اليسير دون الكثير المبطل، فافهم.
وسبق الحديث في «صلاة (١) الكسوف» [خ¦١٠٤٤].
(١٢) (باب مَا يَجُوزُ مِنَ البُصَاقِ) بالصَّاد، ويجوز إبدالها زايًا (وَ) ما يجوز من (النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ).
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الكاف، ممَّا وصله أحمد وصحَّحه ابنا خزيمة وحِبَّان من حديث عطاء بن السَّائب عن أبيه (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص، في حديثٍ قال فيه: (نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ) ولابن عساكر: «في الكسوف»، وهو محمولٌ على أنَّه لم يظهر فيه حرفان، فلو ظهرا، أفهما أو لم يفهما، بطلت الصَّلاة إن كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم، وعُورض بما (٢) ثبت في حديث ابن عمرٍو عند أبي داود فإنَّ فيه: ثمَّ نفخ في آخر سجوده فقال: «أف أف» فصرَّح بظهور الحرفين، وهذه الزِّيادة من رواية حمَّاد بن سلمة عن عطاءٍ، وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن معين وأبي داود والطَّحاويِّ وغيرهم، وأجاب الخطَّابيُّ بأنَّ «أف» لا تكون كلامًا حتَّى تُشَدَّد الفاء، قال: والنافخ في نفخه لا يُخرج الفاء صادقةً من مخرجها، وتعقَّبه ابن الصَّلاح بأنَّه لا يستقيم على قول الشَّافعيَّة: إنَّ الحرفين كلامٌ مبطلٌ أفهما أو (٣) لم يفهما، وعبَّر المؤلِّف (٤) بلفظ: «يُذْكَر» المقتضي للتَّمريض؛ لأنَّ عطاء بن السَّائب مختلَفٌ في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره، لكن أورده ابن خزيمة من رواية سفيان الثَّوريِّ عنه، وهو ممَّن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثَّقه العجليُّ وابن حِبَّان، وليس هو من شرطه.
стр. 2982
١٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ، بمعجمةٍ ثمَّ مهملةٍ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بن زيد بن درهمٍ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي) جدار (قِبْلَةِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (١) المدنيِّ (فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ) أي: القصد منه تعالى، أو ثوابه ، أو عظمته تعالى (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: مواجهة (أَحَدِكُمْ، فَإِذَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «إذا» (كَانَ فِي صَلَاتِهِ (٢) فَلَا يَبْزُقَنَّ) بضمِّ الزَّاي ونون التَّوكيد الثَّقيلة (أَوْ قَالَ: لَا يَتَنَخَّمَنَّ) بالميم بعد الخاء، مِن النُّخامة بضمِّ النُّون، لِمَا يخرج من الصَّدر، وفي رواية الأربعة: «فلا يتنخعنَّ» بالعين، وهو بمعنى الميم، وقيل: بالعين من الصَّدر، وبالميم من الرَّأس (ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا) بالمثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فحكَّها» بالكاف، أي: النُّخامة (بِيَدِهِ).
سبق في رواية «باب حكِّ المخاط بالحصى» [خ¦٤٠٨]: فتناول حصاةً فحكَّها (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ) بالزَّاي فيهما (عَلَى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن» (يَسَارِهِ) لا عن يمينه، وهذا الموقوف قد رُوِيَ مرفوعًا من حديث أنسٍ [خ¦١٢١٤].
١٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن بشَّارٍ، بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، العبديُّ -بالموحَّدة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة، محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج بن الورد العتكيُّ الواسطيُّ، ثمَّ البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ)
стр. 2983
زاد أبو ذرٍّ والوقت والأَصيلي: «ابن مالكٍ» (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ) المؤمن (فِي الصَّلَاةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١): «إذا قام أحدُكم في الصَّلاة» (فَإِنَّهُ) أي: المصلِّي (يُنَاجِي رَبَّهُ) من جهة مساررته بالقرآن والذِّكر، والبارئ يناجيه من جهة لازم ذلك؛ وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز، فإنَّ القرينة صارفةٌ له عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلامَ محسوسٌ إلَّا من جهة العبد (فَلَا يَبْزُقَنَّ) المصلِّي (بَيْنَ يَدَيْهِ) في جهة القبلة المعظَّمة (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) فإنَّ عليه كاتب الحسنات (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى) أي: في غير المسجد، أمَّا فيه فلا يبزقنَّ إلَّا في ثوبه، وهذا محمولٌ على عدم النُّطق فيه بحرفين كما في النَّفخ، أو التَّنخُّم (٢)، أو البكاء، أو الضَّحك، أو الأنين، أو التأوُّه، أو التَّنحنح، وكره مالكٌ النَّفخ فيها، وقال: لا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق، وفي «المدوَّنة»: النَّفخ بمنزلة الكلام، فيقطعها، وعن أبي حنيفة ومحمَّدٍ: إن كان يُسمع فهو بمنزلة الكلام، وإلَّا فلا، وقال الحنفيَّة: إن كان البكاء من خشية الله لا تبطل به الصَّلاة مطلقًا.
(١٣) (باب) حكم (مَنْ صَفَّقَ) حال كونه (جَاهِلًا مِنَ الرِّجَالِ) لتنبيه إمامٍ و (٣) غيره (فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ) لأنَّه ﵊ لم يأمر النَّاس بإعادة الصَّلاة لمَّا فعلوه فيها في «قصَّة إمامة الصِّدِّيق»، وقُيِّد بـ «الجاهل» ليخرج العامد، وبـ «الرِّجال» ليخرج النِّساء.
(فِيهِ) أي: فيما ترجم له (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁¬) وسقط عند الأَصيليِّ «سهل بن سعدٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حيث قال: لمَّا أخذ النَّاس في التَّصفيح لتنبيه الصِّدِّيق على مكانه ﵊: «التَّسبيح للرِّجال، والتَّصفيق للنِّساء» [خ¦١٢٠٣] [خ¦١٢٠٤] كما مرَّ، ولم يأمرهم بالإعادة لجهلهم بالحكم.
стр. 2984
(١٤) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ، أَوِ انْتَظِرْ، فَانْتَظَرَ فَلَا بَأْسَ).
١٢١٥ - وبه قال: (حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيِرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أخبرنا سُفْيانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيْ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ) بإسكان الهاء والعين، السَّاعديِّ (¬﵁ قال: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو) بالواو، ولأبي الوقت: «عاقدي» أي: وهم كانوا عاقدي (أُزُرِهِمْ) بضمَّتين، جمع إزار، وهو الملحفة، وفي الفرع «أزْرهم» بسكون الزَّاي (٢) (مِنَ الصِّغَرِ) أي: من صغر أُزُرهم (عَلَى رِقَابِهِمْ) فكان أحدهم يعقد إزاره على رقبته، وكان هذا في أوَّل الإسلام حين قلَّة ذات اليد (فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ) إذ كنَّ متأخِّرات عن صفِّ الرِّجال قبل أن يدخلن في الصَّلاة؛ ليدخلن فيها على علمٍ، أو وهُنَّ فيها كما يقتضيه التَّعبير بفاء العطف في قوله: «فقيل للنِّساء»: (لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوْسَكُنَّ) من السُّجود (حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ) حال كونهم (جُلُوسًا) لِمَا عُرِفَ من ضيق أُزُر الرِّجال؛ لئلَّا تقع أعينهنَّ على عوراتهم، واستُنبِطَ منه: التَّنبيه على جواز إصغاء المصلِّي في الصَّلاة إلى الخطاب الخفيف وتفهُّمه، وهو مبنيٌّ على أنَّه قيل لهنَّ ذلك داخل الصَّلاة، لكن جزم الإسماعيليُّ بأنَّه خارجها، وحينئذٍ فلا معنى لقول المؤلِّف في التَّرجمة للمصلِّي، ولا وجه لجزمه، بل الأمر محتملٌ؛ لأن يكون القول خارج الصَّلاة وداخلها (٣)، ويكون القائل في غير الصَّلاة، فلا يتعيَّن أحد الاحتمالين إلَّا بدليلٍ، نعم مقتضى التَّعبير بالفاء في قوله: «فقيل للنِّساء» يعين وقوعه وهنَّ داخلها -كما مرَّ- لكن وقع عند المؤلِّف في «باب إذا كان الثَّوب ضيِّقًا» [خ¦٣٦٢] بدون التَّعبير بالفاء، ولفظه: «وقال»، وفسَّر القائل به ﵊ (٤)،
стр. 2985
وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ويقال» وهو أعمُّ من أن يكون النَّبيّ ﷺ أو غيره.
(١٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَرُدُّ) المصلِّي (السَّلَامَ) باللَّفظ على المسلم (فِي الصَّلَاةِ) لأنَّه خطابُ آدميٍّ.
١٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيُّ الحافظ، أخو عثمان قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المُعجَمة، محمَّدٌ، واسم جدِّه غزوان (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ) السَّلام (فَلَمَّا رَجَعْنَا) من عند النَّجاشيِّ ملك الحبشة إلى المدينة (سَلَّمْتُ عَلَيْهِ) وهو في الصَّلاة (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ) السَّلام باللَّفظ (وَقَالَ) ﵊ لمَّا فرغ من الصَّلاة، وللمُستملي: «قال»: (إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا) لا يمكن معه الاشتغال بغيرها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «لشغلًا» بزيادة لام التَّأكيد.
стр. 2986
١٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، عبد الله بن عمرٍو التَّميميُّ المقعدُ المِنْقَريُّ، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ، بفتح المثنَّاة وتشديد النُّون، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ) بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاءٌ معجمةٌ مكسورةٌ، وهو لغةً: السَّيِّئ الخُلُق، عَلَمٌ عليه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والموحَّدة آخره مهملةٌ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ) في غزوة بني المصطلق (فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ) السَّلام باللَّفظ (فَوَقَعَ فِي قَلْبِي) سقط (١) من الحزن (مَا اللهُ أَعْلَمُ بِهِ) ممَّا لا أقدِّر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، و «ما» فاعلٌ لقوله (٢): «وقع»، والجلالة الشَّريفة: مبتدأٌ، وخبره التَّالي (٣) (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ) بفتح الواو والجيم، أي: غَضِب (عَلَيَّ أَنِّي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أَنْ» (أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ) السَّلام باللَّفظ (فَوَقَعَ فِي قَلْبِي) من الحزن (أَشَدُّ مِنَ) الَّذي وقع فيه في (المَرَّةِ الأُولَى) في رواية مسلمٍ من طريق أبي (٤) الزُّبير عن جابرٍ: «فقال لي بيده هكذا»، وفي روايةٍ أخرى: «فأشار إليَّ»، فيُحمَل قوله في رواية البخاريِّ: «فلم يردَّ عليَّ» أي: باللَّفظ كما مرَّ، وكأنَّ جابرًا لم يعرف أوَّلًا أنَّ المراد بالإشارة الرَّدُّ عليه؛ فلذلك قال: «فوقع في قلبي ما الله أعلم به» (ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ) السلام بعد أن فرغ من صلاته باللفظ (فَقَالَ) وفي رواية: «وقال» (إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ) السَّلام إلَّا (أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، وَكَانَ) عليه الصَّلاة السَّلام يصلِّي نفلًا وهو راكبٌ (عَلَى رَاحِلَتِهِ) حال كونه (مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ) مستقبلًا صوب مقصده (٥).
стр. 2987
ورواة (١) الحديث الخمسة بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة».
(١٦) (باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ) أي: بالمصلِّي (٢).
١٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَميلٍ -بفتح الجيم- الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ، بفتح الموحَّدة وإسكان المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) ابن أبي حازمٍ سلمة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ المدنيِّ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بإسكان الهاء والعين، ابن مالك بن خالدٍ، الأنصاريِّ السَّاعديِّ (¬﵁ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بسكون الميم (بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ) من خصومةٍ (فَخَرَجَ) ﵊ (يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ) بضمِّ الحاء، أي: تعوَّق هناك (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أي: حضرت،
стр. 2988
والواو للحال (فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ) رغبةٌ في (أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ) أبو بكر: (نَعَمْ) أؤمُّهم (١) (إِنْ شِئْتَ) أي: يا (٢) بلال، وللحَمُّويي: «إن شئتم» (فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ) لأنَّ المؤذِّن هو الَّذي يقيم الصَّلاة، كما أنَّه هو الَّذي يقدِّم للصَّلاة؛ لأنَّه خادم أمر الإمامة (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ) شارعًا في الصَّلاة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «وكبَّر النَّاس» (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ) وللحَمُّويي والمُستملي: «قام (٣) من الصَّفِّ» (فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ) بالحاء (قَالَ سَهْلٌ) في تفسيره: (التَّصْفِيحُ) بالحاء المهملة (٤) (هُوَ: التَّصْفِيقُ) بالقاف (قَالَ) سهلٌ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ) التَّصفيح (التَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ) بالنَّاس (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَهُ) بالإفراد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «يديه» (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى على ما أنعم عليه به من تفويض الرَّسول إليه أمر الإمامة؛ لما فيه من مزيد رفعة درجته، وهذا موضع التَّرجمة، واستُنبِطَ منه: أنَّ رفع اليدين للدُّعاء ونحوه في الصَّلاة لا يبطلها ولو كان في غير موضعه، ولذا أقرَّ النَّبيُّ ﷺ أبا بكرٍ عليه (ثُمَّ رَجَعَ) أبو بكرٍ (القَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ) لمَّا تأدَّب الصِّدِّيق هذا التَّأدُّب معه ﵊ أورثه مقامه والإمامة بعده، فكان ذلك التَّأخُّر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن اثبت مكانك سعيًا إلى قدَّام، بكلِّ خطوةٍ إلى وراء مراحل إلى قُدَّام تنقطع فيها أعناق المطيِّ (وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وصلَّى» (لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ) من صلاته (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الكريم (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «حين نابكم في الصَّلاة» (أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ) من الرِّجال (شَيْءٌ) أي: من (٥) نزل به أمر من الأمور (فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتَ) ﵇ (إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ) ولأبي ذَرٍّ: «أن تصلِّي
стр. 2989
حين» (أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟) ولأبي ذرِّ عن المُستملي (١) والحَمُّويي: «حيث (٢) أشرتُ عليك» (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الحاء المهملة، واسمه: عثمان، أسلم يوم الفتح، وتُوفِّي في المحرَّم سنةَ أربعَ عشرةَ وهو ابن سبعٍ وتسعين سنةً، وكانت وفاة ولده الصِّدِّيق قبله، فورث منه السُّدس، فردَّه على ولد أبي بكرٍ، وإنَّما لم يقل الصِّدِّيق: ما كان لي، أو ما كان لأبي بكرٍ تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ) أي: قدَّام (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬).
(١٧) (بابُ) حكم (الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصَّاد المهملة، من الخاصرة، وهو وضع اليد عليها في المشهور، أو مِن المخصرة، وهي العصا، أي: يأخذها بيده يتوكَّأ عليها (٣)، أو مِن الاختصار، ضدُّ التَّطويل، أي: يختصر السُّورة، أو يخفِّف الصَّلاة، فيحذف (٤) الطُّمأنينة.
١٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٥) حَمَّادٌ) أي: ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) هو السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نُهِيَ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، أي: نهى النَّبيُّ ﷺ ، كما في رواية هشامٍ الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى،
стр. 2990
ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نَهى» مبنيًّا للفاعل، ولم يسمِّه (١) (عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ) لأنَّ إبليس أُهبِطَ متخصِّرًا (٢)، رواه ابن أبي شيبة، أو أنَّ اليهود تُكثر من فعله، فنهى عنه كراهة التَّشبُّه بهم، أخرجه المؤلِّف في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٨] أو لأنَّه راحة أهل (٣) النَّار، رواه ابن أبي شيبة، والنَّهي محمولٌ على الكراهة (٤) عند (٥) ابن عمر وابن عبَّاسٍ وعائشة، وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة ومالكٌ، وذهب إلى التَّحريم أهل الظَّاهر.
(وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُردوسيُّ، بضمِّ القاف، ممَّا وصله المؤلِّف هنا [خ¦١٢٢٠]: (وَ) قال (أَبُو هِلَالٍ) محمَّد بن سليم الراسبيُّ، ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ في «الأفراد» من طريق عمرو بن مرزوقٍ، عنه (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت وفي بعض الأصول: «نهى النَّبيُّ» (٦) (¬ ﷺ ¬) وبهذا الطَّريق صار الحديث مرفوعًا.
١٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بسكون الميم، الصَّيرفيُّ الفلَّاس قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) القُردوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (عَنْ
стр. 2991
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نُهِيَ) بضمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نهى النَّبيُّ ﷺ » (أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا (١)) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مخصِّرًا (٢)» بتشديد الصَّاد.
(١٨) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (يُفْكِرُ الرَّجُلُ) وكذا كلُّ مكلَّفٍ (الشَّيْءَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الفاء وكسر الكاف مخفَّفةً، و «الشَّيء» نصبٌ على المفعوليَّة، ولأبي ذَرِّ (٤): «تَفَكُّرُ الرَّجلِ (٥)» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والفاء وضمِّ الكاف المشدَّدة، ولابن عساكر: «شيئًا» (٦)، وللأَصيليِّ: «في الشَّيء» (فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ممَّا رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي عثمان النَّهديِّ عنه: (إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي) لأجل الجهاد (وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ) وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق عروة بن الزُّبير (٧): قال عمر ﵁: إنِّي لأحسب جزية البحرين وأنا في الصَّلاة، وروى صالح بن أحمد ابن حنبل في «كتاب المسائل» عن أبيه، من (٨) طريق همام بن الحارث قال: إنَّ عمر ﵁ صلَّى المغرب فلم يقرأ، فلمَّا انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّك لم تقرأ، فقال: إنِّي حدَّثتُ نفسي وأنا في الصَّلاة بِعِيْرٍ جهَّزتها من المدينة حتَّى دخلت الشَّام، ثم أعاد (٩) وأعاد القراءة، وهذا يدلُّ على أنَّه (١٠) أعاد لترك القراءة، لا لكونه كان مستغرقًا في الفكرة.
стр. 2992
١٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسَج قال: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عبادة ابن العلاء بن حسَّان القيسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ) بضمِّ العين (هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، المكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، و «مُلَيْكَة» (١) بضمِّ الميم وفتح اللَّام مصغَّرًا (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) بضمِّ العين وسكون القاف (¬﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا، دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) ﵅ (ثُمَّ خَرَجَ، وَرَأَى مَا (٢) فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ، فَقَالَ: ذَكَرْتُ) أي: تفكَّرت (وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا) من تِبْرِ الصَّدقة، وهو ما كان من الذَّهب غير مضروبٍ (فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ) قال: (يَبِيتَ عِنْدَنَا) خوفًا من حبس صدقة المسلمين (فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ).
فإن قلت: ما موضع التَّرجمة؟ أُجِيبَ (٣): «ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا» لأنَّه تفكَّر في أمر التِّبر وهو في الصَّلاة ولم يعدها.
١٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) أبوه: عبد الله، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، المخزوميُّ
стр. 2993
مولاهم المصريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ جَعْفَرٍ) هو ابن (١) ربيعة المصريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (قَالَ: قَالَ) لي (٢) (أَبُو هُرَيْرَةَ) في رواية الإسماعيليِّ: «عن أبي هريرة» (¬﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ) بضمِّ الهمزة وكسر الذَّال (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) حال كونه (لَهُ ضُرَاطٌ) حقيقةً أو مجازًا عن (٣) شغله نفسه بالتَّصويت (حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ) بعد الفراغ من التَّأذين (أَقْبَلَ) الشَّيطان (فَإِذَا ثُوِّبَ) بضمِّ المثلَّثة وكسر الواو المشدَّدة (٤)، أي: أُقيمَت الصَّلاة (أَدْبَرَ) الشَّيطان (فَإِذَا سَكَتَ) بعد الفراغ من الإقامة (أَقْبَلَ) الشَّيطان (فَلَا يَزَالُ بِالمَرْءِ) المصلِّي (يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ (٥) يَذْكُرُ، حَتَّى لَا يَدْرِي) وهو في الصَّلاة (كَمْ صَلَّى) ثلاثًا (٦) أم أربعًا (٧) (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ممَّا هو طرفٌ من حديثٍ يأتي في «السَّهو» [خ¦١٢٣١] [خ¦١٢٣٢] وليس هو من رواية جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة: (إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ) أي: ما ذُكِرَ من كونه لا يدري وهو في صلاته كم صلَّى (فَلْيَسْجُدْ) ندبًا (سَجْدَتَيْنِ) للتَّردُّد في زيادتها (وَهُوَ قَاعِدٌ) بعد أن يأخذ باليقين، ويطرح المشكوك (٨) فيه، ويأتي بالباقي، ولا يرجع في فعلها إلى ظنِّه، ولا إلى قول غيره وإن كان جمعًا كثيرًا (وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (مِنْ (٩) أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬).
стр. 2994
١٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ، المعروف بالزَّمِن العَنَزِيُّ -بفتح النُّون والزَّاي- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارسٍ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: يَقُولُ النَّاسُ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في الرِّواية عن النَّبيِّ ﷺ (فَلَقِيتُ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (فَقُلْتُ: بِمَا) بإثبات ألف «ما» الاستفهاميَّة مع دخول الجارِّ عليها، وهو قليلٌ، ولأبي ذَرٍّ: «بِمَ» (قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البَارِحَةَ) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: أقرب ليلةٍ مضت (فِي العَتَمَةِ؟) من (١) صلاة العشاء (فَقَالَ: لَا أَدْرِي) ما قرأ (فَقُلْتُ: لَمْ) بغير همزةٍ (٢) (تَشْهَدْهَا؟) شهودًا تامًّا، وكأنَّه اشتغل بغير أمر الصَّلاة حتَّى نسي السُّورة الَّتي قُرِئت (قَالَ) الرَّجل: (بَلَى) شهدتها، قال أبو هريرة (٣): (قُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا) كأنَّ أبا هريرة شغل فكره بأفعال الصَّلاة حتَّى (٤) ضبطها وأتقنها.
ورواة هذا (٥) الحديث الخمسة ما بين بَصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار، والعنعنة، والقول، وهو من أفراده، والله أعلم.
стр. 2995
((٢٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم. باب مَا جَاءَ فِي) حكم (السَّهْوِ) الواقع في الصَّلاة (إِذَا قَامَ) المصلِّي (مِنْ رَكْعَتَي الفَرِيضَةِ) ولم يجلس عقبهما، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «من ركعتي الفرض» ولفظ: «باب» ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ.
١٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، وسقط «ابن أنس» لأبي ذَرٍّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز (الأَعْرَجِ) ولفظ: «عبد الرَّحمن» ساقطٌ (١) في رواية الهرويِّ وأبي الوقت (٢) والأَصيليِّ وابن عساكر، وقال في «الفتح»: ثابتةٌ في رواية كريمة، ساقطةٌ في رواية الباقين (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الحاء المهملة (٣)، وألف قبل باء ابن؛ لأنَّها اسم أمِّه أو أمِّ أبيه (¬﵁ أَنَّهُ (٤) قَالَ: صَلَّى لَنَا) أي: بنا، أو لأجلنا (رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) في الرِّواية التَّالية [خ¦١٢٢٥] أنَّها الظُّهر (ثُمَّ قَامَ) إلى الرَّكعة الثَّالثة (فَلَمْ يَجْلِسْ) أي: ترك
стр. 2996
التَّشهُّد مع قعوده المشروع له المستلزم تركه ترك التَّشهُّد (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) إلى الثَّالثة، زاد الضَّحَّاك بن عثمان، عن الأعرج، عند ابن خزيمة: فسبَّحوا به، فمضى في صلاته، واستُنبِطَ منه: أنَّ من سها عن التَّشهُّد الأوَّل حتَّى قام إلى الرَّكعة ثمَّ ذكر لا يرجع، فقد سبَّحوا به ﵊، فلم يرجع لتلبُّسه بالفرض، فلم يبطله للسُّنَّة، فلو عاد (١) عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته لزيادته قعودًا عمدًا (٢)، أو ناسيًا أنَّه في الصَّلاة فلا تبطل، ويلزمه القيام عند تذكُّره، أو جاهلًا تحريمه، فكذا لا تبطل في الأصحِّ، وأنَّه لو تخلَّف المأموم عن انتصابه للتَّشهُّد بطلت صلاته، إلَّا أن ينوي مفارقته فيُعذَر، ولو عاد الإمام قبل قيام المأموم حرم قعوده معه لوجوب القيام عليه بانتصاب الإمام، ولو انتصب معه ثمَّ عاد هو لم تجز متابعته في العود؛ لأنَّه إمَّا مخطئٌ به فلا يوافقه في الخطأ، أو عامدٌ فصلاته باطلةٌ، بل يفارقه، أو ينتظره حملًا على أنَّه عاد ناسيًا، وقيل: لا ينتظره، فلو عاد معه عالمًا بالتَّحريم بطلت صلاته، أو ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل (فَلَمَّا قَضَى) ﵊ (صَلَاتَهُ) فرغ منها، أي: ما عدا تسليم التَّحليل بدليل قوله: (وَنَظَرْنَا) أي: وانتظرنا (تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو ندبًا عند الجمهور، وفرضًا عند الحنفيَّة (وَهُوَ جَالِسٌ) أي: أنشأ السُّجود جالسًا، فالجملة حاليَّةٌ (ثُمَّ سَلَّمَ) بعد ذلك وسلَّم النَّاس معه، قال الزُّهريُّ: وفِعْله قبل السَّلام هو آخِرُ الأمرين من فِعْله ﵊، ولأنَّه لمصلحة الصَّلاة، فكان قبل السَّلام، كما لو نسي سجدةً منها، وأجابوا عن سجوده بعده في خبر ذي اليدين الآتي [خ¦١٢٢٧]-إن شاء الله تعالى- بحمله على أنَّه لم يكن عن قصدٍ، وهو يردُّ على مَن ذهب إلى أنَّ جميعه بعد السَّلام كالحنفيَّة، وفيه: أنَّ سجود السَّهو وإن كثر السَّهو سجدتان، فلو اقتصر على واحدةٍ ساهيًا (٣) لم يلزمه شيءٌ، أو عامدًا بطلت صلاته؛ لتعمُّده الإتيان بسجدةٍ زائدةٍ ليست مشروعةً، لكن جزم القفَّال في «فتاويه» بأنَّها لا تبطل، وأنَّه يكبِّر لهما كما يكبِّر في غيرهما (٤) من السُّجود،
стр. 2997
وأنَّ المأموم يتابع الإمام ويلحقه سهو إمامه، فإن سجد لزمه (١) متابعته، فإن تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يسجد إمامه فيسجد هو على النَّصِّ.
١٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ) أي: من ركعتين (مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا) أي: بين الاثنتين (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: فرغ منها حقيقةً بأن سلَّم منها (٢)، أو مجازًا بأن فرغ من التَّشهُّد المختوم بالصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ وآله (سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو، وسجدهما النَّاس معه (ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد أن سجد السَّجدتين من غير تشهُّدٍ بعدهما، كسجود التِّلاوة، وذهب الحنفيَّة إلى أنَّه يتشهَّد، واستدلُّوا بقوله: «فلمَّا قضى صلاته ونظرنا تسليمه» أنَّ السَّلام ليس من الصَّلاة، حتَّى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلِّم تمَّت صلاته.
(٢) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا صَلَّى) المصلِّي الرُّباعية (خَمْسًا) أي: خمس ركعات، فزاد ركعةً.
١٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثنا أبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عنِ الحَكَمِ) بفتحَتين، ابن عُتَيبة، بالمثنَّاة ثمَّ الموحَّدة مصغَّرًا، الفقيه الكوفيِّ (عنْ إبْراهِيم) بن يزيد النَّخعيِّ (عنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ
стр. 2998
خمْسًا، فَقِيلَ لَهُ) ﵊ لمَّا سلَّم: (أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (فَقَالَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «قال»: (وَمَا ذَاكَ؟) أي: وما سؤالكم عن الزِّيادة في الصَّلاة؟ (قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ) ﵊ بعد أن تكلَّم (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (بَعْدَ مَا سَلَّمَ) أي: بعد سلام الصَّلاة؛ لتعذُّر السُّجود قبله، لعدم علمه بالسَّهو، ولم يذكر في الحديث، هل انتظره الصَّحابة أو اتَّبعوه في الخامسة؟ والظَّاهر أنَّهم اتَّبعوه لتجويزهم الزِّيادة في الصَّلاة؛ لأنَّه كان زمان توقُّع النَّسخ، أمَّا غير الزَّمن النَّبويِّ فليس للمأموم أن (١) يتْبع إمامه في الخامسة مع علمه بسهوه؛ لأنَّ الأحكام استقرَّت، فلو تبعه بطلت صلاته لعدم العذر، بخلاف من سها كسهوه، واستدلَّ الحنفيَّة بالحديث: على أنَّ سجود السَّهو كلَّه بعد السَّلام، وظاهر صنيع المؤلِّف (٢) يقتضي التَّفرقة بين ما (٣) إذا كان السَّهو بالنُّقصان أو الزِّيادة، ففي النُّقصان: يسجد قبل السَّلام؛ كما في التَّرجمة السَّابقة، وفي الزِّيادة: يسجد بعده، وبذلك -لما ذُكِرَ- قال مالكٌ والمزنيُّ والشَّافعيُّ في القديم، وحَمَلَ في (٤) الجديد السُّجود (٥) فيه: على أنَّه تداركٌ للمتروك (٦) قبل السَّلام سهوًا؛ لما في حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ الآمر بالسُّجود قبل السَّلام من التَّعرُّض للزِّيادة ولفظه: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى فليطرحِ الشَّكَّ، وليَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم»، وفي قولٍ قديمٍ ثانٍ للشَّافعيِّ أيضًا: يتخيَّر، إن شاء سجد قبل السَّلام وإن شاء بعده؛ لثبوت الأمرين عنه ﷺ كما مرَّ، ورجَّحه البيهقيُّ، ونقل الماورديُّ وغيره الإجماع على جوازه، وإنَّما الخلاف في الأفضل، وكذا (٧) أطلق النَّوويُّ، وتُعقِّب بأنَّ إمام الحرمين نقل في «النِّهاية» الخلاف في الإجزاء عن المذهب، واستبعد القول بالجواز، وذهب أحمد إلى أنَّه يُستعمَلُ كلُّ حديثٍ فيما يرد (٨) فيه، وما لم يرد فيه شيءٌ يسجد فيه قبل السَّلام.
стр. 2999
(٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا سَلَّمَ) المصلِّي (فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ) سلَّم (في ثَلَاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ) منه، ما يكون الحكم؟ ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «سجد» بغير فاءٍ، وهي أوجه، و «في» بمعنى: مِن.
١٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (٢) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ الظُّهْرَ أَوِ العَصْرَ) بالشَّكِّ، وسبق في «باب الإمامة» [خ¦٧١٥] الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند (٣) مسلم في روايةٍ له، وفي أخرى له أيضًا الجزم بالعصر، والشَّكُّ من أبي هريرة كما تبيَّن من رواية ابن عونٍ، عن محمَّد بن سيرين، عند النَّسائيِّ، ولفظه: قال أبو هريرة ﵁: صلَّى النَّبيُّ ﷺ إحدى صلاتي العشيِّ، قال أبو هريرة: لكنِّي نسيت، فبيَّن أبو هريرة أنَّ الشَّكَّ منه (٤)، وهو يعكِّر على ما حكاه النَّوويُّ عن المحقِّقين أنَّهما قضيَّتان، بل يُجمَع بأنَّ أبا هريرة رواه كثيرًا على الشَّكِّ، ومرَّةً غلب على ظنِّه أنَّها الظُّهر فجزم بها، ومرَّةً أنَّها العصر فجزم بها (٥)، وفي قول أبي هريرة: «صلَّى بنا» تصريحٌ بحضوره ذلك، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ وأحمد وغيرهما، من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة: «بينما أنا أصلِّي مع
стр. 3000
رسول الله ﷺ » وهو يردُّ على الطَّحاويِّ حيث حمل قوله: «صلَّى بنا» على المجاز، وأنَّ المراد صلَّى بالمسلمين، متمسِّكًا بما قاله الزُّهريُّ، ووهَّموه فيه، وهو أنَّ القصَّة لذي الشِّمالين فقط (١) المستشهد ببدرٍ قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فالصَّواب: أنَّ القصَّة لذي اليدين فقط وهو غيره، قال أبو عمر: وقول من قال: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يوم بدرٍ غير صحيحٍ، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين (٢)، ولسنا ندافعهم (٣) أنَّ ذا الشِّمالين قُتِلَ ببدر، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السِّير ذا الشِّمالين فيمن قُتِلَ ببدرٍ، وأنَّه خزاعيٌّ، وأمَّا ذو اليدين الَّذي شهد سهو النَّبيِّ ﷺ فسُلَمِيٌّ، واسمه الخِرْباق (٤)، نعم روى النَّسائيُّ ما يدلُّ على أنَّهما واحدٌ «ذي اليدين»، و «ذي الشِّمالين» (٥)، ولفظه: فقال له ذو الشِّمالين ابن عمرٍو: أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «ما يقول ذو اليدين؟» فصرَّح بأنَّ ذا الشِّمالين هو ذو اليدين، لكن نصَّ الشَّافعيُّ في اختلاف الحديث فيما نقله في «الفتح» وأبو عبد الله الحاكم والبيهقيُّ وغيرهم (٦): أنَّ ذا الشِّمالين غير ذي اليدين، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة»: إنَّه قول الحفَّاظ وسائر العلماء إلَّا الزُّهريَّ، واتَّفقوا على تغليطه، وقال أبو عمر: وأمَّا قول الزُّهريِّ: إنَّه ذو الشِّمالين، فلم يُتابَع عليه، وقد اضطرب الزُّهريُّ في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنَّقل تركه من روايته خاصَّةً، ولم يعوِّل عليه فيه أحدٌ، فليس قوله (٧): إنَّه المقتول ببدرٍ، حجَّةً، فقد تبيَّن غلطه في ذلك، والله أعلم (فَسَلَّمَ) ﵊ في الرَّكعتين (فَقَالَ له ذُو اليَدَيْنِ) الخِرْباق السُّلَمِيُّ: (الصَّلَاةُ -يَا رَسُولَ اللهَ-) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (أَنَقَصَتْ؟!) بهمزة الاستفهام وفتح النُّون، فيكون الفعل لازمًا، وبضمِّها متعدِّيًا (فَقَالَ
стр. 3001
النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ) الَّذين صلَّوا معه ﵃: (أَحَقٌّ) بالرَّفع: مبتدأٌ، دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله: (مَا يَقُولُ؟) أي: ذو اليدين، سادٌّ مسدَّ الخبر، أو «أحقٌّ» خبرٌ، وتاليه مبتدأٌ (قَالُوا: نَعَمْ) حقٌّ ما يقول (١) (فَصَلَّى) ﵊ (رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بمثنَّاتين تحتيَّتين بعد الرَّاء، ولأبي الوقت وابن عساكر: «أخراوين» بألفٍ ثمَّ واوٍ بعد الرَّاء على خلاف القياس (ثُمَّ سَجَدَ) ﵊ (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو، كسجدتي الصَّلاة يجلس (٢) مفترشًا بينهما، ويأتي بذكر السُّجود للصَّلاة فيهما، وعن بعضهم أنَّه يُندَب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، قال النَّوويُّ كالرَّافعيِّ: وهو لائقٌ بالحال، قال الزَّركشيُّ: إنَّما يُتمُّ إذا لم يتعمَّد ما يقتضي السُّجود، فإن تعمَّد فليس بلائقٍ (٣)، بل اللائق الاستغفار، ثم يتورَّك ويسلِّم ولا يتشهَّد بعد السُّجود، وإنَّما بنى ﵊ على الرَّكعتين بعد أن تكلَّم لأنَّه كان ساهيًا، لظنِّه ﵊ أنَّه خارج الصَّلاة، والكلام سهوًا لا يقطعها خلافًا للحنفيَّة، وأمَّا كلام ذي اليدين والصَّحابة فلأنَّهم (٤) لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصَّلاة؛ لتجويزهم نسخ الصَّلاة من الأربع إلى الرَّكعتين، وتُعقِّب بأنَّهم تكلَّموا بعد قوله ﵊: «لم تقصر»، أو أنَّ (٥) كلامهم كان خطابًا له ﵊؛ وهو غير مبطلٍ عند قومٍ، أو أنَّهم لم يقع منهم كلامٌ، إنَّما أشاروا إليه، أي: نعم، كما في «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «أَوْمَؤُوا».
وبالإسناد السَّابق: (قَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن إبراهيم المذكور، وهو ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة عن غُندر عن شعبة (وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ) عقبهما (وَتَكَلَّمَ) ساهيًا (ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ) منها (وَسَجَدَ) ﵁ (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فإن قلت: ليس في حديث الباب إلَّا التَّسليم في اثنتين، وليس فيه التَّسليم في ثلاثٍ، وحينئذٍ فلا مطابقة بينه وبين التَّرجمة في الجزء الثَّاني، أُجِيبَ بأنَّه قد ورد التَّسليم في ثلاثٍ عند مسلمٍ من حديث عمران بن الحُصين، فكأنَّه أشار إليه في التَّرجمة.
стр. 3002
(٤) (باب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) أي: بعدهما (وَسَلَّمَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (وَالحَسَنُ) هو البصريُّ عقب سجدتي السَّهو (وَلَمْ يَتَشَهَّدَا) كما وصله ابن أبي شيبة من طريق قتادة عنهما (وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَتَشَهَّدُ) بحرف النَّفي (١) كما في الفرع وغيره من الأصول، وهو موافقٌ لما رواه قتادة عن أنسٍ والحسن، فاقتدى بهما في ذلك، لكن حمل الحافظ ابن حجرٍ لفظ: «لا» على الزِّيادة؛ لما في رواية عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عنه قال: يتشهد في سجدتي السَّهو من غير ذكر: «لا»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يجوز أن يكون عن قتادة روايتان، وبأنَّه (٢) إذا قيل بزيادة: «لا» فيما ذكره البخاريُّ، فلقائلٍ أن يقول: لعلَّها سقطت فيما رواه عبد الرَّزَّاق. انتهى.
١٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الأصبحيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) وللأَصيليِّ: «أخبرنا مالكٌ عن أيُّوب» (ابْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ) بفتح السِّين وكسر التَّاء (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ) أي: ركعتين (فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ) الخِرْباق، بكسر الخاء المعجمة وسكون الرَّاء بعدها موحَّدةٌ، آخره قافٌ، وكان في يديه طولٌ: (أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ) بفتح القاف وضمِّ الصَّاد (أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
стр. 3003
فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «و (١) قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) للنَّاس المصلِّين معه: (أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟) فيما قاله (٢) (فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ) أي: صدق (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: اعتدل، لأنَّه كان مستندًا إلى الخشبة، كما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦١٢٢٩] أو أنَّ (٣) فيه تعريضًا بأنَّه أحرم، ثمَّ جلس، ثمَّ قام، قال في «المصابيح»: وهو أحد القولين، وإلَّا فلا يُتصوَّر استئناف القيام إلَّا بهذه الطَّريقة (فَصَلَّى) رسول الله ﷺ (اثْنَتَيْنِ) ركعتين (أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) ثمَّ كبَّر فرفع، ثم كبَّر فسجد، وكان سجوده فيهما (مِثْلَ سُجُودِهِ) الَّذي للصَّلاة (أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ) من سجوده ولم يتشهَّد، ثمَّ سلَّم، وهذا يهدم قاعدة المالكيَّة ومَن وافقهم أنَّه إذا كان السَّهو بالنُّقصان يسجد قبل السَّلام.
وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح المهملة وتسكين الرَّاء آخره موحَّدةٌ، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ) أبي بشرٍ (سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ) التَّميميِّ البصريِّ (قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ) هو (٤) ابن سيرين: (فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ؟ قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) تشهُّدٌ، ومفهومه: وروده في غير حديثه، ويؤيِّده حديث عمران بن حُصينٍ عند أبي داود وابن حبَّان والحاكم: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثمَّ تشهَّد، ثمَّ سلَّم»، وضعَّفه البيهقيُّ وابن عبد البرِّ وغيرهما، وَوَهَّموا أشعث راويه؛ لمخالفته غيره من الحفَّاظ عن ابن سيرين.
(٥) (باب يُكَبِّرُ) السَّاهي في صلاته (فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ) ولغير الأربعة: «باب من يكبِّر».
стр. 3004
١٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بن سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) التستريُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ) بفتح العين وكسر الشِّين وتشديد الياء: الظُّهر أو العصر (قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين، بالإسناد المذكور (وَأَكْثَرُ) بالمثلَّثة أو الموحَّدة (ظَنِّي العَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) بنصب «العصرَ» على المفعوليَّة، ولأبي ذَرٍّ: «العصرُ» بالرَّفع، وفي حديث عمران: الجزم بأنَّها العصر، وفي رواية يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عند مسلمٍ: الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند البخاريِّ [خ¦٧١٥] في لفظٍ من رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، وقد أجاب النَّوويُّ عن هذا الاختلاف بما حكاه عن المحقِّقين: أنَّهما قضيَّتان، لكن قال في «شرح تقريب الأسانيد»: والصَّواب: أنَّ قصَّة أبي هريرة واحدةٌ، وأنَّ (١) الشَّكَّ من أبي هريرة، ويوضِّح ذلك ما رواه النَّسائيُّ من رواية ابن عون (٢)، عن محمَّد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: صلَّى النَّبيُّ ﷺ إحدى صلاتي العشيِّ (٣)، قال أبو هريرة: ولكني نسيت، قال: فصلَّى بنا ركعتين … ، فبيَّن أبو هريرة في روايته هذه -وإسنادها صحيحٌ- أنَّ الشَّكَّ منه، وإذا كان كذلك، فلا يقال: هما واقعتان، وأمَّا قول ابن سيرين السَّابق: «وأكثر ظنِّي» فهو شكٌّ آخَرُ من ابن سيرين، وذلك أنَّ أبا هريرة حدَّثه بها معيَّنة كما عيَّنها لغيره، ويدلُّ على أنَّه عيَّنها له قول البخاريِّ [خ¦٤٨٢] في بعض طرقه: قال ابن سيرين: سمَّاها أبو هريرة، ولكنِّي نسيت أنا (ثُمَّ
стр. 3005
سَلَّمَ) في حديث عمران بن حُصينٍ المرويِّ في «مسلمٍ»: أنَّه سلَّم في ثلاثِ ركعاتٍ، وليس باختلافٍ، بل هما قضيَّتان، كما حكاه النَّوويُّ في «الخلاصة» عن المحقِّقين (ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ) بتشديد الدَّال المفتوحة، أي: في جهة القبلة، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ، أي: موضوعةٍ بالعرض (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) أي: على الخشبة (وَفِيهِمْ) أي: المصلِّين معه (١) (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وفي رواية ابن عونٍ [خ¦٤٨٢]: فهاباه، بزيادة الضَّمير (وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ) رفعٌ على الفاعليَّة، وبالمهملات المفتوحات، أي: الَّذين يسارعون إلى الشَّيء (٢)، ويقدمون عليه بسرعة، وفي «القاموس»: «وسَرَعَان النَّاس» محرَّكةً: أوائلهم المستبقون إلى الأمر، ويُسكَّن، وقال عياضٌ: ضبطه الأَصيليُّ في «البخاريِّ»: «سُرْعان النَّاس (٣)» بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، ووجَّهه: أنَّه جمع سريع، كقفيزٍ وقُفْزانٍ، وكثيبٍ وكثبانٍ (فَقَالُوا: أَقَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ القاف (٤) مبنيًّا للمفعول، وفتحِها على صيغة المعلوم، وفي رواية ابن عونٍ: بحذف همزة الاستفهام (وَرَجُلٌ) هناك (يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ : ذُو اليَدَيْنِ) وللأربعة: «ذا اليدين» بالنَّصب، أي: يسمِّيه: ذا اليدين (فَقَالَ) للنَّبيِّ ﷺ لمَّا غلب عليه من الحرص على تعلُّم العلم: (أَنَسِيتَ أَمْ) بالميم، ولأبي الوقت (٥): «أو» (قَصُرَتْ؟) أي: الصَّلاة، بفتح القاف وضمِّ الصَّاد، وإنَّما سكت العُمَران ولم يسألاه لكونهما هاباه -كما مرَّ- مع علمهما أنَّه سيبيِّن أَمْرَ ما وقع، ولعلَّه كان بعد النَّهي عن السُّؤال، ولم ينفرد ذو اليدين بالسُّؤال، فعند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث معاوية بن حُديجٍ (٦): أنَّه سأله (٧) عن ذلك
стр. 3006
طلحة بن عبيد الله، ولكنَّه ذكر (١) أنَّه كان بقيت من الصَّلاة ركعةٌ، ويجوز أن تكون العصر، فيوافق حديث عمران بن حُصينٍ، فيكون قد سأله طلحةُ مع الخِرباق أيضًا (فَقَالَ) ﵊: (لَمْ أَنْسَ) في اعتقادي، لا في (٢) نفس الأمر (وَلَمْ تُقْصَرْ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولم تَقصُر» بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وهذا صريحٌ في نفي النِّسيان، وفي (٣) نفي القصر، وهو يفسِّر المراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «كلُّ ذلك لم يكن»، وهو أشمل مِن لو قيل: لم يكن كلُّ ذلك؛ لأنَّه من باب تقوِّي الحكم، فيفيد التَّأكيد في المسند والمسند إليه، بخلاف الثَّاني؛ إذ ليس فيه تأكيدٌ أصلًا، فيصحُّ أن يقال: لم يكن كلُّ ذلك، بل كان بعضه، ولا يصحُّ أن يُقال: كلُّ ذلك لم يكن بل كان (٤) بعضه، كما تقرَّر في البيان (٥)، وهذا القول من رسول الله ﷺ ردٌّ على ذي اليدين في موضع استعمال (٦) الهمزة و «أَمْ»، وليس بجوابٍ لأنَّ السُّؤال بالهمزة و «أَمْ» عن تعيين أحد المستويين، وجوابه: تعيين أحدهما، يعني: كلُّ ذلك لم يكن، فكيف تسأل بالهمزة و «أم»؟ ولذلك بيَّن السَّائل بقوله في رواية أبي سفيان: «قد كان بعض ذلك»، وفي (٧) هذه الرِّواية: (قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ) لأنَّه لمَّا نفى الأمرين، وكان مقرَّرًا عند الصَّحابيِّ أنَّ السَّهو غير جائزٍ عليه في الأمور البلاغيَّة جزم بوقوع النِّسيان لا القصر، وفائدة جواز السَّهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشَّرعيِّ إذا وقع مثله لغيره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكَّر أنَّه لم يتمَّها، كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد سجدتي السَّهو حتَّى يقَّنه (٨) الله ذلك، فلم يقلِّدهم في ذلك، إذ (٩) لم يطل الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ
стр. 3007
رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ) وظاهره: الاكتفاء بتكبيرة السُّجود، ولا يشترط تكبيرة الإحرام، وهو قول الجمهور، وحكى القرطبيُّ: أنَّ قول مالكٍ لم يختلف في وجوب السَّلام بعد (١) سجدتي السَّهو، قال: وما يُتحلَّل منه بسلامٍ لا بدَّ له من تكبيرة الإحرام، ويؤيِّده ما رواه أبو داود من طريق حمَّاد بن زيدٍ، عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبَّر، ثمَّ كبَّر وسجد للسَّهو، وقال أبو داود: ولم يقل أحدٌ: «فكبَّر، ثمَّ كبَّر» إلَّا حمَّاد بن زيدٍ، فأشار إلى شذوذ هذه الزِّيادة. انتهى. وقد اشتمل حديث الباب على فوائد كثيرةٍ، واستدلَّ به من قال من أصحاب الشَّافعيِّ ومالك أيضًا: إنَّ الأفعال الكثيرة في الصَّلاة الَّتي ليست من جنسها إذا وقعت على وجه السَّهو لا تبطلها؛ لأنَّه خرج سَرَعان النَّاس، وفي بعض طرق الصَّحيح: أنَّه ﵊ خرج إلى منزله ثمَّ رجع، وفي بعضها: أتى جِذْعًا في قبلة المسجد، واستند إليه، وشبَّك بين أصابعه، ثمَّ رجع ورجع النَّاس وبنى بهم، وهذه أفعالٌ كثيرةٌ، لكن للقائل بأنَّ الكثير يُبطل، أن يقول: هذه غير كثيرةٍ، كما قاله ابن الصَّلاح (٢)، وحكاه القرطبيُّ عن أصحاب مالكٍ، والرُّجوع في الكثرة والقلَّة إلى العُرْف على الصَّحيح، والمذهب الَّذي قطع به جمهور أصحاب الشَّافعيِّ أنَّ النَّاسي في ذلك كالعامد، فيبطلها الفعل الكثير ساهيًا.
ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة.
١٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمام، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «اللَّيث» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن
стр. 3008
هرمز (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بنت الحارث بن عبد المطَّلب، وهي أمُّ عبد الله، أو أمُّ أبيه، ويكتب: «ابن بُحَينةَ» بألفٍ قبل الباء، واسم أبيه مالك بن القِشْب، بكسر القاف وسكون المعجمة ثمَّ موحَّدةٌ، جندب (الأَسْدِيِّ) بسكون السِّين، وأصله: الأزديُّ نسبةً إلى أزدٍ، فأُبدِلَت الزَّاي سينًا (حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ) الصَّواب: إسقاط «بني» لأنَّ جدَّه حالف المطَّلب بن عبد منافٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ) مع التَّشهد فيه، وقام النَّاس معه إلى الثالثة (١) (فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ) ولم يسلِّم (سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (فَكَبَّرَ) بالفاء، وللأربعة: «يُكبِّر» بالمثنَّاة التَّحتيَّة المضمومة وكسر الموحَّدة (فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ) جملةٌ حاليَّةٌ (وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ) لأنَّ سهو الإمام غير المُحْدِث يلحق المأمومَ، بخلاف ما إذا بان إمامه محدثًا فلا يلحقه سهوه، ولا يتحمَّل هو عنه إذ لا قدوةَ حقيقةً حال السَّهو (مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ) المستلزم تركه ترك التَّشهُّد، على ما لا يخفى.
(تَابَعَهُ) أي: تابع اللَّيثَ (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد العزيز بن عبد الملك، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (فِي التَّكْبِيرِ) في سجدتي السَّهو.
والحديث سبق قريبًا في «باب ما جاء في السَّهو، إذا قام من ركعتي الفريضة» [خ¦١٢٢٤] [خ¦١٢٢٥].
(٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا لَمْ يَدْرِ) المصلِّي (كَمْ صَلَّى: ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ) أي: والحال أنَّه جالسٌ.
стр. 3009
١٢٣١ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، الزَّهرانيُّ قال: (حدَّثنا هِشامُ بنُ أبِي عَبْدِ الله الدَّسْتَوائِيُّ) بفتح الدَّال والفوقيَّة مع المدِّ (عَنْ يَحْيَى بنِ أبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «له» (ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ) أي: أدبر وله ضراطٌ إلى غايةٍ لا يسمع فيها الأذان، ويحتمل أن تكون «حتَّى» ليست لغاية الإبعاد في الإدبار، بل غايةٌ للزِّيادة في الضُّراط، أي: أنَّه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذِّن، لكن يدلُّ على أنَّ المراد زيادة البعد ما في «مسلمٍ» عن جابرٍ مرفوعًا: «إنَّ الشَّيطان إذا سمع النِّداء بالصَّلاة ذهب حتَّى يكون مكان الرَّوحاء (٢)» قال سليمان -يعني: الأعمش-: فسألته عن الرَّوحاء، فقال: هي من المدينة على (٣) ستَّةٍ وثلاثين ميلًا، قال الطِّيبيُّ: وشبَّه شغل الشَّيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصَّوت الَّذي يملأ السَّمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثمَّ سمَّاه ضراطًا تقبيحًا له (فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «قَضَى» بفتح القاف مبنيًّا للفاعل، و «الأذان» نصبٌ على المفعوليَّة، أي: فرغ منه (أَقْبَلَ) الشَّيطان (فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا) بضمِّ المثلَّثة مبنيًّا للمفعول، أي: أُقيم (أَدْبَرَ) الشَّيطان (فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ) أي: فُرِغ من الإقامة (أَقْبَلَ) الشَّيطان (حَتَّى يَخْطِرَ) قال القاضي عياضٌ: بكسر الطَّاء، ضبطتُه عن المتقنين وهو الوجه، يعني: يوسوس، وأكثر الرُّواة على الضَّمِّ، ومعناه: السُّلوك والمرور، أي: يدنو فيمرُّ (بَيْنَ المَرْءِ) الإنسان (وَنَفْسِهِ) فيذهله عمَّا هو فيه (يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) بفتح الظَّاء، أي: يصير (إِنْ يَدْرِي) بكسر الهمزة، وهي نافيةٌ، أي: ما يدري (كَمْ صَلَّى) قال المهلَّب:
стр. 3010
وإنَّما يهرب الشَّيطان من سماع الأذان، ويجيء عند الصَّلاة؛ لاتِّفاق الكلِّ على الإعلان بشهادة التَّوحيد وإقامة الشَّريعة، كما يفعل يوم عرفة؛ لِمَا روي (١) من اتِّفاق الكلِّ على شهادة التَّوحيد، وتنزُّل الرَّحمة، فييأس أن يردَّهم عمَّا أعلنوا به من ذلك، ويوقن بالخيبة بما تفضَّل الله به عليهم من ثواب ذلك؛ لئلَّا يسمعه ويذكر معصية الله ومضادَّته (٢) أمره، فلا يملك الحدث؛ لما حصل له من الخوف. انتهى. وقيل: لئلَّا يسمع الأذان، فيضطرَّ إلى أن يشهد له يوم القيامة؛ لقوله ﵊ [خ¦٦٠٩]: «لا يسمع صوت المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلَّا شهد له يوم القيامة»، أو هو إبقاءٌ له على مخالفة أمر الله، واستمراره على معصيته وعدم الانقياد إليه، فإذا دعا داعي الله فرَّ منه، وأعرض عنه، فإذا حضرت الصَّلاة حضر مع المصلِّين غير مشاركٍ لهم في الصَّلاة، بل ساعيًا في إبطالها عليهم، وهذا أبلغ في المعصية ممَّا لو غاب عن الصَّلاة بالكلِّيَّة، فصار حضوره عند الصَّلاة من جنس هربه عند الأذان، قاله في «شرح التَّقريب» (فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى: ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ) أي: قبل التَّسليم بعد أن يأخذ بالأقلِّ؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ (٣) المرويِّ في «مسلمٍ»: «فليطرحِ الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استيقن» فيحمل حديث أبي هريرة عليه، فيأتي بركعةٍ يتمُّ بها، قيل: ولا معنى للسُّجود، والأظهر: أنَّ له معنًى، وهو تردُّده، فإن كان المأتيُّ به زائدًا فالزِّيادة تقتضيه، وإلَّا فالتَّردُّد يضعف النِّيَّة، ويحوج (٤) إلى الجبر، ولا يقلِّد غيره وإن كثروا وراقبوه؛ لقوله في حديث أبي سعيدٍ المذكور: «وليَبْنِ على اليقين» ولأنَّه تردَّد في فعل نفسه، فلا يأخذ بقول غيره فيه، كالحاكم إذا حكم ونسي (٥) حكمه؛ لا يأخذ بقول الشُّهود عليه.
стр. 3011
(٧) (باب السَّهْوِ فِي الفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ) أي: هل هما سواءٌ، أو يفترق حكمهما؟
(وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي العالية (سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ) وكان يراه سنَّةً، فدلَّ ذلك (١) على أنَّ حكمه كالفرض.
١٢٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي) فرضًا أو نفلًا، فإن قلت: قوله في الرِّواية السَّابقة قبل هذه: «إذا نودي بالصَّلاة» [خ¦١٢٣١] قرينة في أنَّ المراد الفريضة، وكذا قوله: «إذا ثُوِّب»، أُجِيب بأنَّ ذلك لا يمنع تناول النَّافلة؛ لأنَّ الإتيان بها حينئذٍ مطلوبٌ؛ لقوله ﷺ [خ¦٦٢٤]: «بين كلِّ أذانين صلاةٌ» (جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ) بتخفيف الموحَّدة المفتوحة على الصَّحيح، أي: خلط عليه أمر صلاته (حَتَّى لَا يَدْرِيَ) أحدكم (كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) والجمهور على مشروعيَّة سجود السَّهو في التَّطوُّع، إلَّا ابن (٢) سيرين وقتادة، فإنَّهما قالا: لا سجود فيه.
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كُلِّمَ) بضمِّ الكاف وكسر اللَّام المشدَّدة (وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَاسْتَمَعَ) أي: المصلِّي لم تفسد صلاته.
стр. 3012
١٢٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي: ابن يحيى الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) وهو ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ، بضمِّ الموحَّدة في الأوَّل والكاف في الثَّاني مصغَّرَين: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في الأوَّل، وفتحها في الثَّاني، هو (١) الزُّهريُّ الصَّحابيُّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ) على وزن: أَفْعَل، القرشيَّ الزُّهريَّ الصَّحابيَّ، عمَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (¬﵃، أَرْسَلُوهُ) بالهاء، وفي نسخةٍ: «أرسلوا» أي: كريبًا (إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا) أصله: اسْأَلْها (عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) أي: عن صلاتهما (بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إنَّا أُخْبِرْنا) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، قيل المخبر: عبد الله بن الزُّبير: (أنَّكِ) وللأَصيليِّ: «عنك أنَّك» (تُصَلِّينَهُما) بنونٍ قبل الهاء مع التَّثنية، أي: الرَّكعتين، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبوي ذَرٍّ والوقت: «تصلِّيهما» بحذفها، ولأبي ذَرٍّ أيضًا وابن عساكر: «تصلِّيها» بحذفها على الإفراد، أي: الصَّلاة (وقَدْ بَلَغَنَا) فيه إشارةٌ إلى أنَّهم
стр. 3013
لم يسمعوا ذلك منه ﷺ ، وقد سمَّى ابن عبَّاسٍ الواسطة، كما سبق في «المواقيت» [خ¦٥٨١] حيث قال: شهد عندي رجالٌ مرضيُّون، وأرضاهم عندي عمرُ: (أنّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا) أي: عن الصَّلاة، ولأبي ذَرِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنه» أي: عن الفعل (وَ) بالإسناد السَّابق (قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (وكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (عَنْها) أي: عن الصَّلاة، أي: لأجلها، وللأَصيليِّ: «عنهما» بالتَّثنية أي: عن الرَّكعتين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنه» أي: عن الفعل، وروى ابن أبي شيبة من طريق الزُّهريِّ، عن السَّائب، هو ابن يزيد، قال: رأيت عمر ﵁ يضرب المنكدر على الصَّلاة بعد العصر، ولأبي الوقت في نسخةٍ: «عليها» (فَقَالَ) وللأربعة «قال» (كُرَيْبٌ) بالإسناد السَّابق: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي) به (فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا) أي: عن الصَّلاة (ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا) أي: الرَّكعتين (حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ) فصلَّاهما حينئذٍ بعد الدُّخول (وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ) بفتح المهملتين (مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون بنتها (١) زينب، لكن في رواية المصنِّف في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]: فأرسلت إليه الخادم (فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ، قُولِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «فقولي» (لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» «عن هاتين الرَّكعتين اللَّتين بعد العصر» (وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا! فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ) ما أمرت به من القيام والقول (فَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ) هو والد أمِّ سلمة، واسمه سهيلٌ، أو حذيفة بن المغيرة المخزوميُّ، ولأبي ذَرٍّ: «يا ابنة أبي أميَّة» (سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) اللَّتين (بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ) ولأبي الوقت في غير «اليونينية» (٢) «أناسٌ» (مِنْ عَبْدِ القَيْسِ) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]: «بالإسلام من قومهم»، وعند الطَّحاويِّ من وجهٍ آخر: «فجاءني مالٌ (٣)» (فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ) الرَّكعتان اللَّتان كنت أصلِّيهما بعد الظُّهر، فشُغِلت
стр. 3014
عنهما، فصلَّيتهما الآن، وقد كان من عادته ﵊ أنَّه إذا فعل شيئًا من الطَّاعات؛ لم يقطعه أبدًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ففعلت الجارية، فكلَّمته مثل ما قالت لها أمُّ سلمة، فأشار النبيُّ ﷺ بيده»، ورواته ما بين كوفيٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه أربعةٌ من الصَّحابة، رجلان وامرأتان، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، والإرسال، والبلاغ، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]، ومسلم في «الصَّلاة» وكذا أبو داود.
(٩) (باب) حكم (الإِشَارَةِ) الواقعة (فِي الصَّلَاةِ) من المصلِّي.
(قَالَهُ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما مرَّ في الحديث السَّابق [خ¦١٢٣٣].
١٢٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ، مولاهم، البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 3015
يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّد بن عبد الله القاريُّ، بتشديد الياء، المدنيُّ، نزيل الإسكندرية (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَلَغَهُ: أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ) وهو أنَّ أهل قباء اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة، فأُخبِرَ رسول الله ﷺ (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ) صلاة العصر (فَجَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن لمَّا حضرت العصر (إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁¬) وكان ﵊ قال لبلالٍ: «إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمُرْ أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ) أبو بكر: (نَعَمْ) أؤمُّهم (إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلَالٌ) الصَّلاة (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ) أي: تكبيرة الإحرام لأجل النَّاس (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ) شرعوا فيه، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ التَّصفيق يكون باليد، وحركتها به كحركتها بالإشارة (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ) لعلمه بالنَّهي عنه (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ) التَّصفيق (التَفَتَ) أبو بكر (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ) بالنَّاس (فَرَفَعَ أبو بَكْرٍ ﵁ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ) بلفظه صريحًا، أو رفع رأسه إلى السَّماء شكرًا (١) لله تعالى (وَرَجَعَ القَهْقَرى ورَاءهُ حَتَّى قامَ في الصَّفِّ) وفهم الصِّدِّيق أنَّ الأمر للتَّكريم لا للإيجاب، وإلَّا لم تجز له المخالفة (فَتَقَدَّمَ رسولُ الله ﷺ فَصَلَّى للنَّاسِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بالنَّاس» بالموحَّدة بدل اللَّام (فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على النَّاسِ فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وللأربعة (٢) «فقال: أيُّها النَّاس» (مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ) شرعتم (فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ) وفي نسخةٍ: «في (٣) الصَّلاة» (فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ إِلَّا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ