(٧) (باب السَّهْوِ فِي الفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ) أي: هل هما سواءٌ، أو يفترق حكمهما؟
(وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي العالية (سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ) وكان يراه سنَّةً، فدلَّ ذلك (١) على أنَّ حكمه كالفرض.
١٢٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي) فرضًا أو نفلًا، فإن قلت: قوله في الرِّواية السَّابقة قبل هذه: «إذا نودي بالصَّلاة» [خ¦١٢٣١] قرينة في أنَّ المراد الفريضة، وكذا قوله: «إذا ثُوِّب»، أُجِيب بأنَّ ذلك لا يمنع تناول النَّافلة؛ لأنَّ الإتيان بها حينئذٍ مطلوبٌ؛ لقوله ﷺ [خ¦٦٢٤]: «بين كلِّ أذانين صلاةٌ» (جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ) بتخفيف الموحَّدة المفتوحة على الصَّحيح، أي: خلط عليه أمر صلاته (حَتَّى لَا يَدْرِيَ) أحدكم (كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) والجمهور على مشروعيَّة سجود السَّهو في التَّطوُّع، إلَّا ابن (٢) سيرين وقتادة، فإنَّهما قالا: لا سجود فيه.
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كُلِّمَ) بضمِّ الكاف وكسر اللَّام المشدَّدة (وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَاسْتَمَعَ) أي: المصلِّي لم تفسد صلاته.
стр. 3012
١٢٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أي: ابن يحيى الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) وهو ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ، بضمِّ الموحَّدة في الأوَّل والكاف في الثَّاني مصغَّرَين: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في الأوَّل، وفتحها في الثَّاني، هو (١) الزُّهريُّ الصَّحابيُّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ) على وزن: أَفْعَل، القرشيَّ الزُّهريَّ الصَّحابيَّ، عمَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (¬﵃، أَرْسَلُوهُ) بالهاء، وفي نسخةٍ: «أرسلوا» أي: كريبًا (إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا) أصله: اسْأَلْها (عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) أي: عن صلاتهما (بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إنَّا أُخْبِرْنا) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، قيل المخبر: عبد الله بن الزُّبير: (أنَّكِ) وللأَصيليِّ: «عنك أنَّك» (تُصَلِّينَهُما) بنونٍ قبل الهاء مع التَّثنية، أي: الرَّكعتين، ولابن عساكر في نسخةٍ وأبوي ذَرٍّ والوقت: «تصلِّيهما» بحذفها، ولأبي ذَرٍّ أيضًا وابن عساكر: «تصلِّيها» بحذفها على الإفراد، أي: الصَّلاة (وقَدْ بَلَغَنَا) فيه إشارةٌ إلى أنَّهم
стр. 3013
لم يسمعوا ذلك منه ﷺ ، وقد سمَّى ابن عبَّاسٍ الواسطة، كما سبق في «المواقيت» [خ¦٥٨١] حيث قال: شهد عندي رجالٌ مرضيُّون، وأرضاهم عندي عمرُ: (أنّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا) أي: عن الصَّلاة، ولأبي ذَرِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنه» أي: عن الفعل (وَ) بالإسناد السَّابق (قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (وكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (عَنْها) أي: عن الصَّلاة، أي: لأجلها، وللأَصيليِّ: «عنهما» بالتَّثنية أي: عن الرَّكعتين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنه» أي: عن الفعل، وروى ابن أبي شيبة من طريق الزُّهريِّ، عن السَّائب، هو ابن يزيد، قال: رأيت عمر ﵁ يضرب المنكدر على الصَّلاة بعد العصر، ولأبي الوقت في نسخةٍ: «عليها» (فَقَالَ) وللأربعة «قال» (كُرَيْبٌ) بالإسناد السَّابق: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي) به (فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا) أي: عن الصَّلاة (ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا) أي: الرَّكعتين (حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ) فصلَّاهما حينئذٍ بعد الدُّخول (وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ) بفتح المهملتين (مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون بنتها (١) زينب، لكن في رواية المصنِّف في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]: فأرسلت إليه الخادم (فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ، قُولِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «فقولي» (لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» «عن هاتين الرَّكعتين اللَّتين بعد العصر» (وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا! فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ) ما أمرت به من القيام والقول (فَأَشَارَ) ﵊ (بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ) هو والد أمِّ سلمة، واسمه سهيلٌ، أو حذيفة بن المغيرة المخزوميُّ، ولأبي ذَرٍّ: «يا ابنة أبي أميَّة» (سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ) اللَّتين (بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ) ولأبي الوقت في غير «اليونينية» (٢) «أناسٌ» (مِنْ عَبْدِ القَيْسِ) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]: «بالإسلام من قومهم»، وعند الطَّحاويِّ من وجهٍ آخر: «فجاءني مالٌ (٣)» (فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ) الرَّكعتان اللَّتان كنت أصلِّيهما بعد الظُّهر، فشُغِلت
стр. 3014
عنهما، فصلَّيتهما الآن، وقد كان من عادته ﵊ أنَّه إذا فعل شيئًا من الطَّاعات؛ لم يقطعه أبدًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ففعلت الجارية، فكلَّمته مثل ما قالت لها أمُّ سلمة، فأشار النبيُّ ﷺ بيده»، ورواته ما بين كوفيٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه أربعةٌ من الصَّحابة، رجلان وامرأتان، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، والإرسال، والبلاغ، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٧٠]، ومسلم في «الصَّلاة» وكذا أبو داود.
(٩) (باب) حكم (الإِشَارَةِ) الواقعة (فِي الصَّلَاةِ) من المصلِّي.
(قَالَهُ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما مرَّ في الحديث السَّابق [خ¦١٢٣٣].
١٢٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ، مولاهم، البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 3015
يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمَّد بن عبد الله القاريُّ، بتشديد الياء، المدنيُّ، نزيل الإسكندرية (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَلَغَهُ: أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ) وهو أنَّ أهل قباء اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة، فأُخبِرَ رسول الله ﷺ (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ) صلاة العصر (فَجَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن لمَّا حضرت العصر (إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁¬) وكان ﵊ قال لبلالٍ: «إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمُرْ أبا بكرٍ فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ) أبو بكر: (نَعَمْ) أؤمُّهم (إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلَالٌ) الصَّلاة (وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ) أي: تكبيرة الإحرام لأجل النَّاس (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ) شرعوا فيه، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ التَّصفيق يكون باليد، وحركتها به كحركتها بالإشارة (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ) لعلمه بالنَّهي عنه (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ) التَّصفيق (التَفَتَ) أبو بكر (فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ) بالنَّاس (فَرَفَعَ أبو بَكْرٍ ﵁ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ) بلفظه صريحًا، أو رفع رأسه إلى السَّماء شكرًا (١) لله تعالى (وَرَجَعَ القَهْقَرى ورَاءهُ حَتَّى قامَ في الصَّفِّ) وفهم الصِّدِّيق أنَّ الأمر للتَّكريم لا للإيجاب، وإلَّا لم تجز له المخالفة (فَتَقَدَّمَ رسولُ الله ﷺ فَصَلَّى للنَّاسِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بالنَّاس» بالموحَّدة بدل اللَّام (فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على النَّاسِ فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وللأربعة (٢) «فقال: أيُّها النَّاس» (مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ) شرعتم (فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ) وفي نسخةٍ: «في (٣) الصَّلاة» (فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ إِلَّا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ
стр. 3016
أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: ما كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف فاءٌ، اسمه: عثمان بن عامرٍ، ولم يقل: ما لي، ولا: ما لأبي بكرٍ (١)، تحقيرًا لنفسه (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لأنَّ الإمامة محلُّ رياسةٍ وموضع فضيلةٍ.
١٢٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ، الكوفيُّ نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (حَدَّثَنَا) سفيان (الثَّوْرِيُّ) بالمثلَّثة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) بنت الصِّدِّيق (¬﵂ وَهِيَ تُصَلِّي) حال كونها (قَائِمَةً وَالنَّاسُ قِيَامٌ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟) جملةٌ اسميَّةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وقعت مقول القول (فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «قلت»: (آيَةٌ؟) بحذف همزة الاستفهام، خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هي علامةٌ لعذاب النَّاس (فَقَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «فأشارت» (بِرَأْسِهَا، أَيْ نَعَمْ) تفسيرٌ لقولها: «فأشارت»، وهو (٢) قطعةٌ من حديثٍ سبق في «باب مَن أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس» من «كتاب (٣) العلم» [خ¦٨٦].
١٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) وللأَصيليِّ: «إسماعيل بن أبي أويسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂
стр. 3017
زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ) بتخفيف الكاف، وأصله: شاكي، نحو: قاضٍ، أصله: قاضي، استُثقِلَت الضَّمَّة على الياء فحُذِفَت، وهو من الشِّكاية، وهي المرض، أي: شاكٍ عن مزاجه لانحرافه عن الصِّحَّة، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت «شاكي» بإثبات الياء (جَالِسًا) نصبٌ على الحال (وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ) حال كونهم (قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ) بيده (أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﷺ من الصلاة (قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي: يُقتَدى به ويُتَّبَع، ومن شأن التَّابع ألَّا يسبق متبوعه، ولا يتقدَّم في موقفه (فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (فَارْفَعُوا) رؤوسكم، والفاء فيهما للتَّعقيب.
وسبق الحديث في «باب إنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤتَمَّ به» [خ¦٦٨٨].
стр. 3018
((٢٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لأبي ذَرٍّ (فِي الجَنَائِزِ) بفتح الجيم، جمع جَِنَازة، بالفتح والكسر: اسمٌ للميِّت في النَّعش، أو بالفتح: اسمٌ لذلك، وبالكسر: اسمٌ للنَّعش وعليه الميِّت، وقيل: عكسه، وقيل: هما لغتان فيهما، فإن لم يكن عليه الميِّت، فهو سريرٌ ونعشٌ، وهو (١): من جَنَزه، يجنزه، إذا ستره، ذكره ابن فارسٍ وغيره، وقال الأزهريُّ: لا يُسمَّى جنازةً حتَّى يُشدَّ الميِّت عليه مكفَّنًا. وذكر هذا الباب هنا دون الفرائض؛ لاشتماله على الصَّلاة، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «كتاب الجنائز، بسم الله الرحمن الرحيم، باب ما جاء في الجنائز»، ولابن عساكر: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الجنائز» (وَمَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ) عند خروجه من الدُّنيا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: دخل الجنَّة، كما رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ، والحاكم بإسنادٍ صحيحٍ، فحذف جواب «مَنْ»، و «آخرَ» بالنَّصب لأبي ذَرٍّ، خبر «كان» مقدَّمٌ (٢) على اسمها، وهو لا إله إلَّا الله، وساغ كونها مسندًا إليها مع أنَّها جملةٌ؛ لأنَّ المراد بها لفظها، فهي في حكم المفرد، ولغير أبي ذَرٍّ: «آخرُ» بالرَّفع: اسم «كان»، وكأنَّه لم يثبت عند المؤلِّف في التَّلقين حديثٌ على شرطه، فاكتفى
стр. 3019
بما يدلُّ عليه، ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة من وجهٍ آخرَ: «لقِّنوا موتاكم: لا إله إلَّا الله»، قال في «المجموع»: أي: من قَرُبَ موته، وهذا من باب تسمية الشَّيء باسم ما يصير إليه، كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] فيذكر عند المحتضر: لا إله إلَّا الله ليتذكَّر، بلا زيادةٍ عليها، فلا تُسَنُّ زيادة: محمَّدٌ رسول الله؛ لظاهر الأخبار (١)، وقيل: تُسنُّ زيادتها (٢)؛ لأن المقصود بذلك التَّوحيد، ورُدَّ بأنَّ هذا موحِّدٌ، ويُؤخَذ من هذه العلَّة ما بحثه الإسنويُّ: أنَّه لو كان كافرًا لُقِّن الشَّهادتين وأُمِرَ بهما (وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحَّدة، ممَّا وصله المؤلِّف في «التَّاريخ»، وأبو نُعيمٍ في «الحلية»: (أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: كلمتا الشَّهادة (مِفْتَاحَ الجَنَّةِ) بنصب: «مفتاح» في رواية أبي ذَرٍّ، ورفعه لغيره على أنَّه خبر «ليس»، أو اسمها (قَالَ) وهبٌ: (بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ) جيادٌ (فُتِحَ لَكَ) فهو من باب حذف النَّعت إذا دلَّ السِّياق عليه؛ لأنَّ مسمَّى المفتاح لا يعقل إلَّا بالأسنان، ومراده «بالأسنان»: الأعمال المنجية المنضمَّة إلى كلمة التَّوحيد، وشبَّهها بأسنان المفتاح من حيث الاستعانة بها في فتح المغلقات وتيسير المستصعبات، وقول الزَّركشيِّ: أراد بها القواعد الَّتي بُنِيَ الإسلام عليها، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ من جملة القواعد كلمة الشَّهادة الَّتي عبَّر عنها بالمفتاح، فكيف تُجعَل بعد ذلك من الأسنان؟ (وَإِلَّا) بأن جئت بمفتاحٍ لا أسنانَ له (لَمْ يُفْتَحْ لَكَ) فتحًا تامًّا، أو في أوَّل الأمر، وهذا بالنِّسبة إلى الغالب، وإلَّا فالحقُّ: أنَّ أهل الكبائر في مشيئة الله تعالى، ومَن قال: لا إله إلَّا الله مخلصًا، أَتَى بمفتاح وله أسنانٌ، لكن مَن خلط ذلك بالكبائر حتَّى مات مصرًّا عليها؛ لم تكن أسنانه قويَّةً، فربَّما طال علاجه، وهذا رواه ابن إسحاق في «السِّيرة» (٣) مرفوعًا بلفظ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا (٤) أرسل العلاء بن الحضرميِّ، قال له: «إذا سُئِلتَ عن مفتاح الجنَّة، فقل: مفتاحها لا إله إلَّا الله»، ورُوِيَ عن معاذ بن جبلٍ ممَّا أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب» مرفوعًا نحوه، وزاد: «ولكن مفتاحٌ بلا أسنانٍ، فإن جئت بمفتاحٍ له أسنانٌ فُتِح لك، وإلَّا لم يُفْتَح لك»، وهذه الزِّيادة نظير ما أجاب به وهبٌ، فيحتمل أن تكون مدرجَةً في حديث معاذٍ.
стр. 3020
١٢٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح الميم فيهما، الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ) هو ابن حَيَّان، بفتح المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة (الأَحْدَبُ، عَنِ المَعْرُورِ) بفتح الميم وإسكان العين المهملة وبالرَّاء المكرَّرة (ابْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَتَانِي) في المنام (آتٍ) هو (١) جبريل (مِنْ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي-) جزم في «التَّوحيد» بقوله: «فبشَّرني» [خ¦٧٤٨٧] (أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي) أمَّة الإجابة، أو أمَّة الدَّعوة (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) نفي الشِّرك يستلزم إثبات التَّوحيد، قال أبو ذَرٍّ: (قُلْتُ) لأبي الوقت في نسخةٍ ولأبي ذَرٍّ (٢): «فقلت: أيدخل الجنَّة؟» (وَإِنْ زَنَىَ وإنْ سَرَقَ؟) وللتِّرمذيِّ: «قال أبو ذَرٍّ: يا رسول الله» وجملة الشَّرط في محلِّ نصبٍ على الحال (قال: وإنْ زَنَىَ وإنْ سَرقَ) يدخل الجنَّة. لا يقال: مفهوم الشَّرط أنَّه إذا لم يَزْنِ ولم يسرق، لا يدخل الجنَّة (٣)، إذ انتفاء الشَّرط يستلزم انتفاء المشروط؛ لأنَّه على حدِّ: «نعم العبد صهيبٌ، لو لم يخَفِ الله لم يعصه»، فمن لم يزْنِ ولم (٤) يسرق أَولى بالدُّخول ممَّن زنى وسرق، واقتصر من (٥) الكبائر على نوعين؛ لأنَّ الحقَّ إمَّا لله، أو للعباد، فأشار بالزِّنا إلى حقِّ الله، وبالسَّرقة إلى حقِّ العباد، لكنَّ الَّذي استقرَّت عليه
стр. 3021
قواعد الشَّرع أنَّ حقوق الآدميِّين لا تسقط بمجرَّد الموت على الإيمان، نعم، لا يلزم من عدم سقوطها ألَّا يتكفَّل الله بها عمَّن يريد أن يدخله (١) الجنَّة، ومن ثمَّ ردَّ ﷺ على أبي ذرٍّ استبعاده، أو المراد بقوله: «دخل الجنة» (٢) أي: صار إليها إمَّا ابتداءً من أوَّل الحال، وإمَّا بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية، وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الكبائر لا تسلُبُ اسم الإيمان، فإنَّ من ليس بمؤمنٍ لا يدخل الجنَّة وفاقًا، وأنَّها لا تحبط الطَّاعات.
١٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) كلمةً: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) وسقط لأبي ذَرِّ وابن عساكر «شيئًا»، قال ابن مسعودٍ: (وَقُلْتُ أَنَا) كلمةً أخرى: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) لأنَّ انتفاء السَّبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشِّرك انتفى دخول النَّار، وإذا انتفى دخول النَّار لزم دخول الجنَّة؛ إذ لا دارَ بين الجنَّة والنَّار، وأصحاب الأعراف قد عُرِفَ استثناؤهم من العموم، ولم تختلف الرِّوايات في «الصَّحيحين» في أنَّ المرفوع: هو (٣) الوعيد، والموقوف: الوعد، نعم، قال النَّوويُّ: وجد في بعض الأصول المعتمدة من (٤) «صحيح مسلمٍ» عكس هذا، قال رسول الله ﷺ : «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة»، قلت أنا: ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النَّار، وهكذا ذكره الحميديُّ في «الجمع بين الصَّحيحين»،
стр. 3022
عن «صحيح مسلمٍ»، وكذا رواه أبو عَوانة في كتابه المخرَّج على مسلم، والظَّاهر: أنَّ ابن مسعودٍ نسي مرَّةً، وهي الرِّواية الأولى، وحفظ مرَّةً، وهي الأخرى، فرواهما مرفوعين، كما رواهما جابرٌ عند مسلمٍ بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان (١)؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النَّار»، لكن قال في «الفتح»: إنَّه وهمٌ، وإنَّ الإسماعيلي بيَّن أنَّ المحفوظ عن وكيعٍ كما في البخاريِّ، وبذلك جزم ابن خزيمة في «صحيحه»، والصَّواب: رواية الجماعة، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون وهمًا وقد وقع عند مسلمٍ؟ كذا قال، فليُتأمَّل. قال في «المصابيح»: وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يفسِّر معنى قوله: من كان آخر كلامه بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا، ولا يُشتَرط أن يتلفَّظ بذلك عند الموت إذا كان حكم الإيمان بالاستصحاب، وذكر قول وهبٍ أيضًا تفسيرًا لكون مجرَّد النُّطق لا يكفي ولو كان عند الخاتمة، حتَّى يكون هناك عملٌ، خلافًا للمرجِئة، وكأنَّه يقول: لا تعتقد (٢) الاكتفاء بالشَّهادة وإن قارنت (٣) الخاتمة، ولا تعتقد الاحتياج إليها قطعًا (٤) إذا تقدَّمت حكمًا، والله أعلم.
ورواة حديث الباب كلُّهم كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٩٧] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان» والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(٢) (باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ).
стр. 3023
١٢٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة ثمَّ مثلَّثةٌ، ابن أبي الشَّعثاء المحاربيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بميمٍ مضمومةٍ فقافٍ مفتوحةٍ فراءٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ (عَنِ البَرَاءِ) بتخفيف الرَّاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «عن البراء ابن عازبٍ» (¬﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) وهو فرض كفايةٍ، وظاهر قوله: «اتِّباع الجنائز»: أنَّه بالمشي خلفها، وهو أفضل عند الحنفيَّة، والأفضل عند الشَّافعيَّة المشي أمامها؛ لحديث أبي داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ يمشون أمام الجنازة. ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا حديث: «امشوا خلف الجنازة» (١) فضعيفٌ، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّ الاتِّباع محمولٌ على الأخذ في طريقها، والسَّعي لأجلها، كما يقال: الجيش يتبع السُّلطان، أي: يتوخَّى موافقته وإن تقدَّم كثيرٌ منهم في المشي والرُّكوب، وعند المالكيَّة ثلاثة أقوالٍ: التَّقدُّم، والتَّأخُّر، وتقدُّم الماشي وتأخُّر الرَّاكب، وأمَّا النِّساء فيتأخَّرن بلا خلافٍ (وَعِيَادَةِ المَرِيضِ) أي: زيارته، مسلمٌ أو ذميٌّ، قريبٌ للعائد أو جارٌ له (٢)، وفاءً بصلة الرَّحم وحقِّ الجوار، وهي فضيلةٌ لها ثوابٌ، إلَّا ألَّا يكون للمريض متعهِّدٌ، فتعهُّده لازمٌ، وفي «مسلمٍ» عن ثوبان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في مخرفة الجنَّة حتَّى يرجع» وأراد بـ «المخرفة»: البستان، يعني: يستوجب الجنَّة ومخارفها، وفي «البخاريِّ» [خ¦١٣٥٦] عن أنسٍ قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ ﷺ فمرض، فأتاه النَّبيُّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلِمْ»، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له:
стр. 3024
أطع أبا القاسم، فأسلمَ، فخرج النَّبيُّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الَّذي أنقذه من النَّار»، وقال في «المجموع»: وسواءٌ الرمد (١) وغيره، وسواءٌ الصَّديق والعدوُّ ومن يعرفه ومن لا يعرفه؛ لعموم الأخبار، قال الأذرعي (٢): والظَّاهر: أنَّ المعاهد والمستأمن كالذِّميِّ، قال: وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة وأهل الفجور والمكوس إذا لم تكن قرابةٌ ولا جوارٌ ولا رجاءُ توبةٍ نظرٌ، فإنَّا مأمورون بمهاجرتهم، ولتكن العيادة غِبًّا، فلا يواصل (٣) كلَّ يومٍ إلَّا أن يكون مغلوبًا، ومحلُّ ذلك في غير القريب والصَّديق ونحوهما ممَّن (٤) يستأنس به المريض، أو يتبرَّك به، أو يشقُّ عليه عدم رؤيته كلَّ يومٍ، أمَّا هؤلاء فيواصلونها ما لم يُنهَوا أو يعلموا كراهته (٥) لذلك، وقول الغزاليِّ: إنَّما يُعاد بعد ثلاثٍ؛ لخبرٍ ورد فيه، رُدَّ (٦) بأنَّه موضوعٌ، ويدعو له وينصرف، ويُستحَبُّ أن يقول (٧) في دعائه: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرَّاتٍ، رواه التِّرمذيُّ، وحسَّنه، ويخفِّف المكث عنده، بل تُكرَه إطالته لما فيه من إضجاره، ومنعه من بعض تصرُّفاته (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) إلى وليمة النِّكاح، وهي لازمةٌ إذا لم يكن ثمَّة ما يتضرَّر به في الدِّين من الملاهي، ومفارش الحرير ونحوهما (وَنَصْرِ المَظْلُومِ) مسلمًا كان أو ذمِّيًّا بالقول أو بالفعل (وَإِبْرَارِ القَسَمِ) بفتحاتٍ وكسر همزة «إبرار» إِفْعال، من البرِّ خلاف الحِنث، ويُروى: «المُقْسِم» بضمِّ الميم وسكون القاف وكسر السِّين، أي: تصديق مَن أقسم عليك، وهو أن يفعل ما سأله الملتمِس، وأقسم عليه أن يفعله، يقال: برَّ وأبرَّ القسم، إذا صدَّقه، وقيل: المراد من المقْسِم: الحالف، ويكون المعنى: أنَّه لو حلف أحدٌ على أمرٍ مستقبلٍ وأنت تقدر على تصديق يمينه، كما لو أقسم ألَّا يفارقك حتَّى تفعل كذا وكذا (٨)، وأنت تستطيع فعله، فافعل (٩)
стр. 3025
كيلا (١) تُحْنِث يمينه (٢)، وهو خاصٌّ فيما يجمل (٣) من مكارم الأخلاق، فإن ترتَّب على تركه مصلحةٌ فلا، ولذا قال ﵊ لأبي بكرٍ في قصَّة تعبير الرُّؤيا [خ¦٧٠٤٦]: «لا تُقسِم» حين قال: أقسمت عليك يا رسول الله؛ لتخبرني بالَّذي أصبت (وَرَدِّ السَّلَامِ) وهو فرض كفايةٍ عند مالكٍ والشَّافعيِّ، فإن انفرد المُسَلَّم عليه تعيَّن عليه (٤) (وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ) إذا حمد الله، بالشِّين المعجمة والمهملة في: «تشميت»، والمعجمة أعلاها (٥) مشتقٌّ من الشَّوامت، وهي (٦) القوائم، كأنَّه دعا بالثَّبات على طاعة الله، فيقول: يرحمك الله، وهو سنَّةٌ على الكفاية (وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ) وفي روايةٍ: «عن سبعٍ: آنيةُِ الفضَّة» بالجرِّ بدلٌ مِن «سبعٍ»، وبالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: أحدها (٧) آنية الفضَّة، وهي حرامٌ على العموم للسَّرف والخيلاء (وَ) عن (خَاتَمِ الذَّهَبِ) وهو حرامٌ أيضًا (وَ) عن (الحَرِيرِ) وهو حرام على الرِّجال دون النِّساء كسابقه، فإطلاق النَّهي مع كونهنَّ يُباح لهنَّ بعضها دخله التَّخصيص بدليلٍ آخر؛ كحديث (٨): «هذان -أي: الذَّهب والحرير- حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثها» (وَ) عن (الدِّيبَاجِ) الثِّياب المتَّخذة من الإبريسم (وَ) عن (القَسِّيِّ) بقافٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، وفُسِّرَت في «كتاب اللِّباس» [خ¦٧٧/ ٢٨ - ٨٦٨٩] بأنَّها ثيابٌ يُؤتَى بها من الشَّام أو مصر مضلَّعة فيها حريرٌ أمثال الأترجِّ، أو كتَّانٌ مخلوطٌ بحريرٍ، وقيل: من القزِّ، وهو رديء الحرير (وَ) عن (الإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، غليظُ الدِّيباج (٩)، وسقط من هذا الحديث الخصلة السَّابعة، وهي: ركوب المياثر، بالمثلَّثة، وقد ذكرها
стр. 3026
في «الأشربة» [خ¦٥٦٣٥] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٦٣] وهي الوطاء يكون على السَّرج من حريرٍ أو صوفٍ أو غيره، لكن الحرمة متعلِّقةٌ بالحرير، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى (١)، وذكر الثَّلاثة بعد الحرير من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ اهتمامًا بحكمها، أو دفعًا لتوهُّم أنَّ اختصاصها باسمٍ يخرجها عن حكم العامِّ، أو أنَّ العُرف فرَّق أسماءها لاختلاف مسمَّياتها، فربَّما توهَّم متوهِّمٌ (٢) أنَّها غير الحرير، فإن قلت: قد تعمل من غير الحرير ممَّا يحلُّ، فما وجه النَّهي؟ أُجِيب بأنَّ النَّهي قد يكون للكراهة (٣)، كما أنَّ المأمورات بعضها للوجوب وبعضها للنَّدب، وإطلاق (٤) النَّهي فيها (٥) استعمالٌ للَّفظ (٦) في حقيقته ومجازه، وهو جائزٌ عند الشَّافعيِّ، ومن يمنع ذلك، يجعلْه لقدرٍ مشتركٍ بينهما مجازًا، ويُسمَّى بعموم المجاز، فإن قيل: كيف يقول (٧) الشَّافعيُّ ذلك مع أنَّ شرط المجاز أن يكون معه قرينةٌ تصرفه (٨) عن الحقيقة؟ قيل: المراد قرينةٌ تقتضي إرادة المجاز، أو أن يُصرَف عن الحقيقة أوَّلًا، وقد جوَّزوا في الكناية نحو: كثير الرَّماد إرادةَ المعنى الأصليِّ مع إرادة لازمه، فكذا المجاز.
ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٤٥] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٦٣] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٠] و «النّذور» [خ¦٦٦٥٤] و «النكاح» [خ¦٥١٧٥] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٣٥] و «الأشربة» [خ¦٥٦٣٥]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان» و «اللِّباس»، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «الأيمان والنُّذور» و «الزِّينة»، وابن ماجه في «الكفارات» و «اللِّباس» (٩).
стр. 3027
١٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو الذُّهليُّ، كما قاله (١) الكلاباذيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، التِّنِّيسيُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ) يعمُّ وجوب (٢) العين والكفاية والنَّدب: (رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) بفتح الدَّال (وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ) إذا حَمِد، ويستوي في هذه الخمس جميعُ المسلمين: برُّهم وفاجرهم، وعطف المندوب على الواجب سائغٌ (٣) إن دلَّ (٤) عليه القرينة، كما يقال: صم رمضان وستًّا من شوَّال، وزاد مسلمٌ في روايةٍ سادسة: «وإذا استنصحك فانصح له».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عمرو بن أبي سلمة (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام (قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ، وهذه المتابعة ذكرها مسلمٌ (وَرَوَاهُ سَلَامَةُ) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذَرٍّ: «سلامة بن رَوحٍ» بفتح الرَّاء، ابن خالدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ، وهو عمُّ «سلامة» السَّابق.
(٣) (باب الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ) أي: لُفَّ (فِي أَكفَانِهِ) بالجمع، ولغير الأربعة: «في (٥) كفنه».
стр. 3028
١٢٤١ - ١٢٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَعْمَرٌ) هو ابن رَاشِدٍ (وَيُونُسُ) هو (١) ابن يزيد، كلاهما (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط في رواية أبي ذَرٍّ «زوجَ النَّبيِّ … » إلى آخره، (أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنُْحِ) بضمِّ المهملة والنُّون وتُسَكَّن وبالحاء المهملة، منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي (حَتَّى نَزَلَ) عن فرسه (فَدَخَلَ المَسْجِدَ) النَّبويَّ (فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَيَمَّمَ) أي: قصد (النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ مُسَجًّى) بضمِّ الميم وفتح السِّين والجيم المشدَّدة، أي: مغطًّى (بِبُرْدِ حِبَرَةٍ) كعِنَبَةٍ، بإضافة «بُرْد» أو بوصفه: ثوبٌ يمانيٌّ مخطَّطٌ أو أخضر (فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ) لازمٌ، وثلاثيُّه: كبَّ، متعدٍّ، عكس ما هو مشهورٌ من قواعد التَّصريف، فهو من النَّوادر (فَقَبَّلَهُ) بين عينيه (ثُمَّ (٢) بَكَى) اقتداءً به ﵊ حيث دخل على عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ، فأكبَّ عليه وقبَّله، ثمَّ بكى حتَّى سالت دموعه
стр. 3029
على وجنَتَيه، رواه التِّرمذيُّ (فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ) (١) الباء في «بأبي» تتعلَّق (٢) بمحذوفٍ، اسمٌ، أي: أنت مفدًّى بأبي، فيكون مرفوعًا مبتدأً وخبرًا، أوفعلٌ فيكون ما بعده نصبًا، أي: فديتك بأبي (يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يَجْمَعُ الله) برفع «يجمع» (عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) في الدُّنيا، أشار به إلى الرَّدِّ على من زعم: أنَّه يحيا فيقطع أيدي رجال؛ لأنَّه لو صحَّ ذلك لزم أن يموت موتةً (٣) أخرى، فأخبر أنَّه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالَّذي مرَّ على قريةٍ؛ أو لأنَّه يحيا في قبره ثمَّ لا يموت (أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ) بصيغة المجهول، وللحَمُّويي والمُستملي: «كتبَ اللهُ عليك» (٤) (فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن: (فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، خَرَجَ وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ) له: (اجْلِسْ، فَأَبَى) أن يجلس؛ لِمَا حصل له من الدَّهشة والحزن (فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ) ﵁ (فَقَالَ) أبو بكرٍ: (أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]) قرأها (٥) تعزِّيًا وتصبُّرًا، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾» (وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فوالله» (٦) (لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ الآيَةَ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «أنزلها» يعني: هذه الآية (حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا).
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية التَّابعيِّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث، والإخبار، والقول، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٥٢] وفي «فضل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٧]، والنَّسائيُّ في «الجنائز»، وكذا ابن ماجه.
стр. 3030
١٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة: (أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ) بنت الحارث بن ثابتٍ (امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) عطف بيانٍ، أو رفعٌ بتقدير: هي امرأةٌ (بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ) في موضع رفع خبر «أنَّ»: (أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً) الهاء ضمير الشَّأن، و «اقتُسِم» بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول، وتاليه نائبُ الفاعل، و «قرعة» نصبٌ بنزع (١) الخافض، أي بقرعةٍ، أي: اقتسم الأنصار المهاجرين بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في منازلهم لمَّا دخلوا عليهم المدينة (فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بالظَّاء المعجمة والعين المُهمَلة، الجمحيُّ القرشيُّ، أي: وقع في سهمنا (فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ) كذا في «اليونينيَّة» (٢) (وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّي وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) عليه (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ) بالسِّين المهملة، وهي كنية عثمان (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لك (لَقَدْ
стр. 3031
أَكْرَمَكَ اللهُ) جملةٌ من المبتدأ والخبر، ومثل هذا التَّركيب يُستعمَل عرفًا ويراد به معنى القسم، كأنَّها قالت: أقسم بالله لقد أكرمك الله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟) أي: عثمان، ولأبي ذَرٍّ: «أنَّ الله قد أكرمه» (فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) مفدًّى، أو أفديك به (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟) إذا لم يكن هو من المكرمين، مع إيمانه وطاعته الخالصة (فَقَالَ) ﵇، وللأَصيليِّ: «قال»: (أَمَّا هُوَ) أي: عثمان (فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ) أي: الموت (وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ) وأمَّا غيره فخاتمة أمره غير معلومةٍ، أهو ممَّن يُرجى له الخير عند اليقين أم لا؟ (وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِي) ولا بكم، هو موافقٌ لما في سورة الأحقاف [الآية: ٩] وكان ذلك قبل نزول آية الفتح ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لأنَّ الأحقاف مكيَّةٌ، والفتح مدنيَّةٌ بلا خلافٍ فيهما، وكان أوَّلًا لا يدري؛ لأنَّ الله لم يعلمه، ثم درى بأنْ أعلمه الله (١) بعد ذلك، أو المراد: ما أدري ما يُفعل بي، أي: في الدُّنيا من نفعٍ وضرٍّ (٢)، وإلَّا فاليقين القطعيُّ بأنَّه خير البريَّة يوم القيامة، وأكرم الخلق، قاله القرطبيُّ والبرماويُّ، وقال البيضاويُّ: أي: في الدَّارين على التَّفصيل؛ إذ لا علم بالغيب، ولا لتأكيد النَّفي المشتمل على ما يفعل بي و «ما» إمَّا موصولةٌ منصوبةٌ، أو استفهاميَّةٌ مرفوعةٌ. انتهى. فأصل الإكرام معلومٌ، قال البرماويُّ: وكثير من التَّفاصيل، أي: معلومٌ أيضًا، فالخفيُّ (٣) بعض التَّفاصيل، وأمَّا قول البرماويِّ -كالكِرمانيِّ (٤) والزَّركشيِّ، وسيأتي في سورة الأحقاف-: إنَّها منسوخةٌ بأوَّل سورة (٥) الفتح، تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه خبرٌ،
стр. 3032
وهو لا يدخله النَّسخ، فلا يقال: فيه منسوخٌ وناسخٌ. انتهى. ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «ما يُفعل به» أي: بعثمان، قال في «الفتح»: وهو غلطٌ منه، فإنَّ المحفوظ في رواية اللَّيث هذا، ولذا عقَّبه المصنِّف برواية نافع بن يزيد عن عُقيل الَّتي لفظها: «ما يفعل به» (قَالَتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) وفي الحديث: أنَّه لا يجزم في أحدٍ بأنَّه من أهل الجنَّة، إلَّا إن نصَّ عليه الشَّارع كالعشرة، لا سيما والإخلاص أمرٌ قلبيٌّ لا يُطَّلَع عليه.
ورواته ما بين مصريٍّ -بالميم- وأيليٍّ (٢) ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّة، وأخرجه أيضًا في «الجنائز» و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٧] و «التَّفسير» و «الهجرة» [خ¦٣٩٢٩] و «التَّعبير» [خ¦٧٠١٨]، والنَّسائيُّ في «الرؤيا».
وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء وسكون التَّحتيَّة ثمَّ راءٍ، نسبةً (٣) لجدِّه، واسم أبيه: كثير المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث المذكور (وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ) مولى شرحبيل بن حسنة، القرشيُّ المصريُّ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف: (مَا يُفْعَلُ بِهِ) بالهاء بدل الياء، أي بعثمان؛ لأنَّه لا يعلم من ذلك إلَّا ما يُوحَى إليه، واكتفى المؤلِّف بهذا القدر إشارةً إلى أنَّ باقي الحديث متَّفقٌ عليه (وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، ممَّا وصله المؤلِّف في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٧] (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، ممَّا وصله ابن أبي عمر في «مسنده»، عن ابن عيينة عنه (وَمَعْمَرٌ) ممَّا وصلَه المؤلِّف في «باب العين الجارية» من «كتاب التَّعبير» [خ¦٧٠١٨] من طريق ابن المبارك عنه.
стр. 3033
١٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضمِّ الغين المعجمة، محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي) عبد الله بن عمرٍو يوم أُحُدٍ في شوَّال سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكان المشركون مثَّلوا به، جدعوا أنفه وأذنيه (جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ) حال كوني (أَبْكِي) عليه (وَيَنْهَوْنِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «ينهونني» بزيادة نونٍ ثانيةٍ بعد الواو على الأصل (عَنْهُ) أي: عن البكاء، ولفظة: «عنه» ساقطةٌ لأبي ذَرٍّ (وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي) عنه (فَجَعَلَتْ عَمَّتِي) شقيقةُ أبي (١) عبدِ الله ابن عمرو (فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) معزِّيًا لها ومخبرًا لها بما آل إليه من الخير: (تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فما» (زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) مجتمعين عليه، متزاحمين على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره (٢) بما أعدَّ الله له من الكرامة، أو أظلُّوه من الحرِّ لئلَّا يتغيَّر، أو لأنَّه من السَّبعة الَّذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه (٣)، و «أو» ليست للشَّكِّ، بل من (٤) كلامه ﵊ للتَّسوية بين البكاء وعدمه (٥)، أي: فوالله إنَّ الملائكة تظلُّه، سواءٌ تبكين أم لا (حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) من مقتله (٦)، وهذا قاله ﵊ بطريق الوحي،
стр. 3034
فلا يعارضه ما في حديث أمِّ العلاء السَّابق [خ¦١٢٤٣] لأنَّه أنكر عليها قطعها، إذ لم تعلم هي من أمره شيئًا، وقد أخرج هذا (١) الحديث المؤلِّف أيضًا في «الفضائل» [خ¦٤٠٨٠]، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «المناقب»، ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «جعلت أكشف الثَّوب عن وجهه»؛ لأنَّ الثَّوب أعمُّ من أن يكون الَّذي سجَّوه به ومن الكفن.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعبة (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ المُنْكَدِرِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «أخبرني محمَّد بن المنكدر» أنَّه (سَمِعَ جَابِرًا ﵁¬) وهذا وصله مسلمٌ من طريق عبد الرَّزَّاق عنه، وأوَّله: جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد … ، وذكر المؤلِّف هذه المتابعة لينفي ما وقع في ابن ماهان من «صحيح مسلم»، عن عبد الكريم، عن محمَّد بن عليٍّ (٢) بن حسينٍ، عن جابرٍ: فجعل محمَّد بن عليٍّ بدل محمَّد بن المنكدر، فبيَّن البخاريُّ أنَّ الصَّواب: محمَّد بن المنكدر، كما رواه شعبة.
(٤) (باب الرَّجُلِ يَنْعَى) الميِّت، حذف مفعول ينعى وهو الميِّت؛ لدلالة الكلام عليه، وذُكِرَ
стр. 3035
المفعول الآخر الَّذي عُدِّي له بحرف الجرِّ (١)، أي: يظهر خبر موته (إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ) ولا يستنيب فيه أحدًا ولو كان رفيعًا، والتَّأكيد، أي: في قوله: بنفسه (٢)، للضَّمير المستكن في «ينعى»، فهو عائدٌ إلى النَّاعي لا المنعيِّ، أو يرجع الضَّمير إلى المنعيِّ وهو الميِّت، أي: ينعى إلى أهل الميِّت نفسُ الميت، أو بسبب ذهاب نفسه (٣)، وفائدة التَّرجمة بذلك دفع توهُّم أنَّ هذا من إيذاء أهل الميِّت، وإدخال المساءة عليهم، والإشارة إلى أنَّه مباحٌ، بل صرَّح النَّوويُّ في «المجموع» باستحبابه؛ لحديث الباب، ولنعيه جعفر بن أبي طالبٍ وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ولما يترتَّب عليه من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره للصَّلاة عليه، والدُّعاء والاستغفار له، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك، نعم، يُكرَه نعي الجاهليَّة للنَّهي (٤) عنه، رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه وصحَّحه، وهو النِّداء بموت الشَّخص، وذكر مآثره ومفاخره، قال المتولِّي وغيره: ويكره مرثيَّة الميِّت وهي عدُّ محاسنه؛ للنَّهي عن المراثي. انتهى. والوجه: حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة النَّدب الآتي بيانها إن شاء الله تعالى، وإلَّا فيلزم اتَّحادها معه، وقد أطلقها الجوهريُّ على عدِّ محاسنه مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه، فيكره كلٌّ منهما؛ لعموم النَّهي عن ذلك، والأَوجه: حمل النَّهي عن ذلك على ما يظهر فيه تبرُّمٌ، أو على فعله
стр. 3036
مع الاجتماع له، أو على (١) الإكثار منه، أو على ما يُجدِّد الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثيرٌ من الصَّحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النَّبيِّ ﷺ فيه:
ماذا على من شمَّ تربة أحمد … ألَّا يشمَّ مدى الزَّمان غواليا
صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنَّها … صُبَّت على الأيَّام عُدْنَ لياليا
وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نفسه» بحذف حرف الجرِّ، أي: ينعي نفس الميت إلى أهله، وللأَصيليِّ حذف (٢) لفظ: «أهله» وليس له وجهٌ (٣).
١٢٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، عبد الله المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى) أي: أخبر أصحابه بموت (النَّجَاشِيِّ) أصحمة، وقد كانوا أهله، أو بمثابة أهله ويستحقُّون أخذ عزائه، ومن ثمَّ أدخله في التَّرجمة (فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) في رجب في السَّنة التَّاسعة (خَرَجَ) بهم (إِلَى المُصَلَّى) وذكر السُّهيليُّ من حديث سلمة ابن الأكوع أنَّه صلَّى عليه (٤) بالبقيع (فَصَفَّ بِهِمْ) ﷺ (٥)، «صفَّ» هنا لازمٌ، والباء في «بهم» بمعنى: مع، أي: صفَّ معهم، ويحتمل أن يكون متعدِّيًا والباء زائدة للتَّوكيد، أي: صفَّهم؛ لأنَّ الظَّاهر
стр. 3037
أنَّ الإمام متقدِّمٌ، فلا يوصف بأنَّه صافٌّ معهم إلَّا على المعنى الآخر، وليس في هذا الحديث ذكر كم صفَّهم صفًّا، لكنَّه يُفهَم من الرِّواية الأخرى [خ¦١٣١٧]: فكنت في الصَّفِّ الثَّاني أو الثَّالث (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) منها تكبيرة الإحرام، وفيه: جواز الصَّلاة على الغائب عن (١) البلد، ولو كان دون مسافة القصر، وفي غير جهة القبلة والمصلِّي مستقبلها، قال ابن القطان (٢): لكنَّها لا تُسقِط الفرضَ، قال الزَّركشيُّ: ووجهه: أنَّ فيه إزراءً وتهاونًا بالميِّت، لكن الأقرب السُّقوط؛ لحصول الفرض، قال الأذرعيُّ: وينبغي أنَّها لا تجوز على الغائب حتَّى يعلم أو يظنَّ أنَّه قد غُسِّل، إلَّا أن يقال: تقديم الغسل شرطٌ عند الإمكان فقط، ولا تجوز على الغائب في البلد وإن كبرت؛ لتيسُّر الحضور، وقول من يمنع الصَّلاة على الغائب محتجًّا بأنَّه كُشِفَ له عنه، فليس غائبًا، لو سُلِّم صحَّتُه فهو غائبٌ عن الصَّحابة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣١٨]، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ مختصرًا.
١٢٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المُقْعَدُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيلي: «أخبرنا» (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ
стр. 3038
البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ) هو ابن حارثة، وقصَّته هذه في غزوة مؤتة، وهو موضعٌ في أرض البلقاء من أطراف الشَّام، وذلك أنَّه ﵇ أرسل إليها سريَّةً في جمادى الأولى سنة ثمانٍ، واستعمل عليهم زيدًا، وقال: «إِن أُصيبَ زيدٌ فجعفر بن أبي طالبٍ على النَّاس، فإن أُصيبَ جعفر فعبد الله بن رواحة» فخرجوا وهم ثلاثة آلافٍ، فتلاقوا مع الكفَّار فاقتتلوا (فَأُصِيبَ) زيدٌ، أي: قُتِلَ (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الرَّاية (جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة، الأنصاريُّ، أحد النُّقَباء ليلة العقبة (فَأُصِيبَ) وإخباره ﵊ بموتهم نعيٌ، فهو (٢) موضع التَّرجمة، ووقع في «علامات النُّبوَّة» التَّصريح به حيث قال: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا … » الحديث [خ¦٣٦٣٠] (وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ) بذالٍ معجمةٍ وراءٍ مكسورةٍ، أي: لتسيلان (٣) بالدُّموع، واللَّام للتَّأكيد (ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) بكسر الهمزة وسكون الميم وفتح الرَّاء، أي: تأميرٍ من النَّبيِّ ﷺ ، لكنَّه (٤) رأى المصلحة في ذلك لكثرة العدوِّ، وشدَّة بأسهم، وخوف هلاك المسلمين، ورضي النَّبيُّ ﷺ بما فعل، فصار ذلك أصلًا في الضَّرورات، إذا عظم الأمر واشتدَّ الخوف سقطت الشُّروط (فَفُتِحَ لَهُ) بضمِّ الفاء الثَّانية.
وقد أخرجه المؤلف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٩٨] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٠] و «فضل خالد» [خ¦٣٧٥٧] و «المغازي» [خ¦٤٢٦٢]، والنَّسائي في «الجنائز».
(٥) (باب الإِذْنِ بِالجَنَازَةِ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال المعجمة، أي: الإعلام بها إذا انتهى
стр. 3039
أمرها، ليُصلَّى عليها، فهذه (١) التَّرجمة -كما نبَّه عليه الزَّين بن المنيِّر- مرتَّبةٌ على التَّرجمة السَّابقة؛ لأنَّ النَّعي إعلامُ من لم يتقدَّم له علمٌ بالميِّت، والإذن إعلامُ مَن علم بتهيئة أمره.
(وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ) نفيعٌ، ممَّا هو طرفُ حديثٍ سبق في «باب (٢) كنس المسجد» [خ¦٤٥٨] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في رجلٍ أسود أو امرأةٍ سوداء، كان يقمُّ المسجد، فمات، فسأل عنه ﵊ فقالوا: مات، فقال: (أَلَّا) بتشديد اللَّام، وفي «اليونينيَّة»: بالتَّخفيف (كُنتُمْ آذَنْتُمُونِي) أعلمتموني به.
١٢٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) «هو ابن سلامٍ» كما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفَِرَبْريِّ، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالخاء والزَّاي المعجمتين- الضَّرير (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان (الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ إِنْسَانٌ) هو طلحة بن البراء بن عميرٍ البلويُّ حليف الأنصار، كما عند الطَّبرانيِّ من طريق عروة بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، عن حصين بن وَحْوَحٍ الأنصاريِّ، بمهملتين، بوزن: جَعْفَر (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ) في مرضه، زاد الطَّبرانيُّ فقال: «إنِّي لا أرى طلحة إلَّا قد حدث فيه الموت، فإذا مات (٣) فآذنوني به وعجِّلوا، فإنَّه لا ينبغي لجيفة مسلمٍ أن تُحبَس بين ظهراني أهله» (فَمَاتَ بِاللَّيْلِ) قبل أن يبلغ النَّبيُّ ﷺ بني سالم بن عوفٍ، وكان (٤) قال لأهله لمَّا دخل الليل: إذا متُّ فادفنوني، ولا تدعوا رسول الله ﷺ ، فإنِّي أخاف عليه يهود أن يصاب بسببي (فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح (أَخْبَرُوهُ)
стр. 3040
بموته ودفنه ليلًا (فَقَالَ) ﵊: (مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟) بشأنه (قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ) بالرَّفع (فَكَرِهْنَا -وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ-) بالرَّفع أيضًا على أنَّ «كان» تامَّةٌ فيهما، وجملة: «وكانت ظلمة» اعتراضٌ (أَنْ نَشُقَّ) أي: كرهنا المشقَّة (عَلَيْكَ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) وعند الطَّبرانيِّ: فجاء حتَّى وقف على قبره، فصفَّ النَّاس معه، ثمَّ رفع يديه، فقال: «اللَّهم القَ طلحة يضحك إليك وتضحك إليه»، وفيه جواز الصَّلاة على قبرٍ غير الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، أمَّا قبورهم، فلا لخبر «الصَّحيحين»: «لعن الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [خ¦١٣٣٠] ورواة حديث الباب الخمسة كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبيكنديٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦) (باب فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ) ذكرٌ أو أنثى، فردٌ أو جمعٌ (فَاحْتَسَبَ) أي: صبر راضيًا بقضاء الله تعالى راجيًا فضله، ولم يقع التَّقييد بذلك في أحاديث الباب، نعم وقع (١) في بعض طرق الحديث، فعند ابن حِبَّان والنَّسائيِّ من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنسٍ رفعه: «مَن احتسب من صلبه ثلاثةً دخل الجنَّة»، ولمسلمٍ من حديث أبي هريرة: «لا يموت لإحداكنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبهم إِلَّا دخلت الجنَّة» الحديث، «مَن أعطى ثلاثةً من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة»، وفي الموطأ عن أبي النضر السُّلَمي رفعه (٢) ولأحمد والطَّبرانيِّ، عن عقبة بن عامرٍ رفعه: «لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد (٣)، فيحتسبهم، إلَّا كانوا له جُنَّة من
стр. 3041
النَّار (١)»، والمطلق محمولٌ على المقيَّد؛ لأنَّ الثَّواب لا يترتَّب إلَّا على النِّيَّة، فلا بدَّ من قيد الاحتساب، لكن في «معجم الطَّبرانيِّ» عن ابن مسعود مرفوعًا: «مَن مات له ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، سلَّم أو لم يسلِّم، رضي أو لم يرضَ، صبر أو (٢) لم يصبر، لم يكن له ثوابٌ إلَّا الجنَّة» لكنَّ إسناده ضعيفٌ، وللأَصيليِّ في نسخةٍ: «فاحتسبه» (وَقَالَ اللهُ) وللأربعة: «وقول الله» بالجرِّ عطفًا على «مَن مات»، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ ولفظ: المصيبة عامٌّ، يشمل: المصيبة بالولد وغيره، وساق المؤلِّف هذه الآية تأكيدًا لقوله: «فاحتسب» لأنَّ الاحتساب لا يكون إلَّا بالصَّبر.
١٢٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمروٍ، بفتح العين فيهما، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ) سقطت «مِنْ» الثَّانية في رواية ابن عُليَّة عن عبد العزيز في أواخر «الجنائز» [خ¦١٣٨١] فهي زائدةٌ هنا بخلافها في قوله: «ما من النَّاس» فإنَّها للبيان، و «مسلم» اسم «ما»، والاستثناء وما معه (٣) الخبرُ، وقيَّده بالمسلم ليخرج الكافر فهو مخصوصٌ بالمسلم (يُتَوَفَّى) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (له) وعند ابن ماجه: «ما من مسلمَين يُتوفَّى لهما» (ثَلَاثٌ) بحذف التَّاء لكون المميِّز محذوفًا، فيجوز التَّذكير والتَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ في
стр. 3042
نسخةٍ «ثلاثة» بإثباتها على إرادة الأنفس أو الأشخاص، وقد اختلف في مفهوم العدد: هل هو حجَّةٌ أم لا؟ فعلى قول من لا يجعله حجَّةً لا يمتنع (١) حصول الثَّواب المذكور بأقلَّ من ثلاثةٍ، بل ولو جعلناه حجَّةً فليس نصًّا قاطعًا، بل دلالته ضعيفةٌ، يقدَّم عليها غيرها عند معارضتها، و (٢) قد وقع في بعض طرق الحديث التَّصريح بالواحد، فأخرج الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من حديث جابر بن سَمُرة مرفوعًا: «مَن دفن ثلاثةً فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنَّة»، فقالت أمُّ أيمن: أو اثنين؟ فقال: «أو اثنين (٣)» فقالت: وواحدًا؟ فسكت ثمَّ قال: «وواحدًا» وعند التِّرمذيِّ -وقال: غريبٌ- من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من قدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنًا حصينًا من النَّار» قال أبو ذرٍّ: قدَّمتُ اثنين، قال: «واثنين»، قال أبيُّ بن كعبٍ: قدَّمت واحدًا، قال: «وواحدًا»، لكن قال في «الفتح»: ليس في ذلك ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريكٍ الَّتي علَّق المصنِّف إسنادها، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: ولم نسأله عن الواحد. نعم روى المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٤] من (٤) حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدُّنيا، ثمَّ احتسبه إلَّا الجنَّة»، وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو (٥) أصحُّ ما ورد في ذلك، وهل يدخل في ذلك من مات له ولدٌ فأكثر في حالة الكفر، ثمَّ أسلم بعد ذلك، أو لا بدَّ أن يكون موتهم في حالة (٦) إسلامه؟ قد يدلُّ للأوَّل حديث [خ¦١٤٣٦]: «أسلمت على ما أسلفت من خيرٍ»، لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرُّجوع إليها أَولى، فمنها: حديث أبي ثعلبة الأشجعيِّ المرويِّ في «مسند أحمد» و «المعجم الكبير» قلت: يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام فقال: «من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة»، وحديث عمرو بن عَبَسَة (٧) عند أحمد وغيره، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولد له ثلاثة أولادٍ في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث
стр. 3043
أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إيَّاهم». وهل يدخل (١) أولاد الأولاد، سواءً كانوا أولاد البنين، أو أولاد البنات، لصدق الاسم عليهم أو لا يدخلون؟ لأنَّ إطلاق الأولاد عليهم ليس حقيقةً، وقد ورد تقييد الأولاد بكونهم من صلبه، وهو مخرجٌ (٢) أولاد الأولاد، فإن صحَّ فهو قاطعٌ للنِّزاع، ففي حديث عثمان بن أبي العاصي في «مسند أبي يَعلى» و «المعجم الكبير» للطَّبرانيِّ مرفوعًا، بإسنادٍ فيه عبد الرَّحمن بن إسحاق أبو شيبة القرشيُّ، وهو ضعيفٌ: «لقد استجنَّ بجنَّةٍ حصينةٍ من النَّار، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام» (لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ) بكسر المهملة وسكون النُّون آخره مثلَّثةٌ: سنَّ التَّكليف الَّذي يُكتَب فيه الإثم، وخصَّ الإثم بالذِّكر؛ لأنَّه الَّذي يحصل بالبلوغ؛ لأنَّ الصَّبيَّ قد يُثابُ، قال أبو العبَّاس القرطبيُّ: وإنَّما خصَّهم بهذا الحدِّ؛ لأنَّ الصَّغير حبُّه أشدُّ، والشَّفقة عليه أعظم. انتهى. ومقتضاه: أنَّ من بلغ الحنث؛ لا يحصل لمن فقده ما ذكره (٣) من الثَّواب وإن كان في فقد الولد ثوابٌ في الجملة، وبذلك صرَّح كثيرٌ من العلماء، وفرَّقوا بين البالغ وغيره، لكن، قال الزَّين بن المُنيِّر والعراقيُّ في «شرح تقريب الأسانيد» (٤): إذا قلنا: إنَّ مفهوم الصِّفة ليس بحجَّةٍ، فتعليق الحكم بالَّذين لم يبلغوا الحلم لا يقتضي أنَّ البالغين ليسوا كذلك، بل يدخلون (٥) في ذلك بطريق
стр. 3044
الفحوى؛ لأنَّه إذا ثبت ذلك في الطِّفل الَّذي هو كَلٌّ على أبوَيْه، فكيف لا يثبت في الكبير الَّذي بلغ معه السَّعي، ولا ريب أنَّ التَّفجُّع على فقد الكبير أشدُّ، والمصيبة به أعظم، ولا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن (١) أبيه بأموره، ويساعده (٢) في معيشته، وهذا معلومٌ مشاهدٌ، والمعنى الَّذي ينبغي أن يعلَّل به ذلك قوله: (إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ) قال الكِرمانيُّ وتبعه البرماويُّ: الظَّاهر أنَّ الضَّمير يرجع للمسلم الَّذي تُوفِّي أولاده لا إلى الأولاد، وإنَّما جُمِعَ باعتبار أنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، فيفيد العموم. انتهى. وعلَّله بعضهم بأنَّه لمَّا كان يرحمهم في الدُّنيا، جُوزِيَ بالرَّحمة في الآخرة، وقد تعقَّب الحافظ ابن حجرٍ -وتبعه العلَّامة العينيُّ- الكِرمانيَّ بأنَّ ما قاله غير ظاهرٍ، وأنَّ الظَّاهر رجوعه للأولاد؛ بدليل قوله في حديث عمرو بن عبسة عند الطَّبرانيِّ: «إلَّا أدخله الله برحمته هو وإيَّاهم الجنَّة»، وحديث أبي (٣) ثعلبة الأشجعيِّ: «أدخله الله (٤) الجنَّة بفضل رحمته إياهما»، قاله بعد قوله: «مَن مات له ولدان» فوضح بذلك أنَّ الضَّمير في قوله: «إيَّاهم» للأولاد لا للآباء، أي: بفضل رحمة الله للأولاد، وعند ابن ماجه من هذا الوجه: «بفضل رحمة الله إيَّاهم»، وللنَّسائيِّ من حديث أبي ذَرٍّ: «إلَّا غفر الله لهما بفضل رحمته»، وفي «معجم الطَّبرانيِّ» من حديث حبيبة بنت سهلٍ وأمِّ مبشِّرٍ: «ومَن لم يُكتَب عليه إثمٌ فرحمته أعظم، وشفاعته أبلغ»، وفي «معرفة الصَّحابة» لابن منده، عن شراحيل المنقريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن تُوفِّي له أولادٌ في سبيل الله دخل بفضل حسبتهم (٥) الجنَّة»، وهذا إنَّما هو في البالغين الَّذين يُقتَلون في سبيل الله، والعلم عند الله تعالى.
ورواة حديث الباب الأربعة بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه ابن ماجه في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ.
стр. 3045
١٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الأزديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ) اسمه: عبد الله (عَنْ ذَكْوَانَ) أبي صالحٍ السَّمَّان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁: أَنَّ النِّسَاءَ) في رواية مسلمٍ: أنَّهنَّ كنَّ (١) من نساء الأنصار (قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا) فجعل لهنَّ يومًا (فَوَعَظَهُنَّ) فيه (وَقَالَ) بالواو، من جملة ما قال لهنَّ، وللأربعة: «فقال»: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثلاثٌ» (مِنَ الوَلَدِ كَانُوا) أي: الثَّلاثة (لَهَا) وسقط «لها» لغير أبي الوقت، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «كنَّ لها» (حِجَابًا مِنَ النَّارِ) أُنِّث باعتبار النَّفس، أو النَّسمة، والولد يتناول الذَّكر والأنثى، والمفرد والجمع، ويخرج السِّقْطُ، لكن ورد في أحاديث منها حديث ابن ماجه، عن أسماء بنت عابسٍ (٣)، عن أبيها، عن عليٍّ مرفوعًا: «إنَّ السِّقْط ليراغم ربَّه إذا
стр. 3046
أدخل أبويه النَّار، فيقال: أيُّها السِّقط المراغم ربَّك أدخل أبويك الجنَّة، فيجرُّهما (١) بسرره حتَّى يدخلهما الجنَّة» (قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي: أمُّ سُليمٍ والدة أنسٍ، كما رواه الطَّبرانيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ، أو أمُّ مبشِّر -بكسر المعجمة المشدَّدة (٢) - رواه الطَّبرانيُّ أيضًا، أو أمُّ هانئ، كما عند ابن بشكوال، ويحتمل التَّعدُّد: (وَ) إن مات لها (اثْنَانِ، قَالَ) ﵊: (وَاثْنَانِ) وكأنَّه أُوحِيَ إليه بذلك في الحال، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عينٍ، أو كان عنده العلم بذلك، لكنَّه أشفق عليهم أن يتَّكلوا، فلمَّا سُئِلَ عن ذلك لم يكن (٣) بدٌّ من الجواب.
ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
١٢٥٠ - (وَقَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) عبد الرَّحمن، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه (٤)، ولفظ ابن أبي شيبة: حدثنا شريك (٥) حدّثنا عبد الرَّحمن بن الأصبهانيِّ قال: أتاني أبو صالحٍ يعزيني عن ابنٍ لي، فأخذ يُحدِّث عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «ما من امرأةٍ تدفن ثلاثةَ أفراطٍ إلَّا كانوا لها حجابًا من النَّار» فقالت امرأةٌ: يا رسول الله، قدَّمت اثنين، قال: «واثنين»، قال: ولم تسأل عن الواحد، قال أبو هريرة: فيمن لم يبلغوا الحِنْث (٦). (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ (٧) أَبُو هُرَيْرَةَ:
стр. 3047
لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ) (١) وظاهر السِّياق أن (٢) هذه الزِّيادة عن أبي هريرة (٣) موقوفةٌ، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ أبا هريرة وأبا سعيدٍ اتَّفقا على السِّياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، فهو مرفوعٌ أيضًا.
١٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ) رجلٌ أو امرأةٌ (ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ) أي: فيدخلها، وفي «الأيمان والنذور» عند المؤلِّف من رواية مالكٍ، عن الزُّهريِّ: «لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد تمسُّه النَّار» [خ¦٦٦٥٦] (إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المهملة وتشديد اللَّام، و «القَسَم» بفتح القاف والسِّين، أي: ما تحلُّ به اليمين، أي: يكفِّرها، تقول: فعلته تحلَّة القَسَم، أي: لم أفعله إلَّا بقدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ، وقال الطِّيبيُّ: هو مَثَلٌ في القليل المفرط في القلَّة، والمراد به هنا: تقليل الورود، أو المسُّ، أو قلَّة زمانه، وقوله: «فيلجَ» نصبٌ؛ لأنَّ الفعل المضارع يُنصَب بعد النَّفي بـ «أنْ» مقدَّرةً بعد الفاء، لكن حكى الطِّيبيُّ (٤)، فيما ذكره عنه جماعةٌ، وأقرُّوه عليه، ورأيته في «شرح المشكاة» له منعه عن بعضهم، وذكره ابن فرشتاه في «شرح المشارق» عن الشَّيخ أكمل الدِّين معلِّلًا بأنَّ شرط ذلك أن يكون (٥) ما قبل الفاء وما بعدها سببًا، ولا سببيَّة (٦) هنا؛ لأنَّه
стр. 3048
ليس موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النَّار، وبيان ذلك -كما نبَّه عليه صاحب «مصابيح الجامع» - أنَّك تعمد إلى الفعل الَّذي هو غير موجبٍ، فتجعله موجبًا، وتُدخِل عليه «إنْ» الشَّرطيَّة، وتجعل الفاء وما بعدها مِن الفعل جوابًا، كما تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أي: أَنْ تطغوا فيه، فحلول الغضب حاصلٌ، وفي قوله: ما تأتينا فتحدِّثنا إن تأتنا، فالحديث واقعٌ، وهنا إذا قلت: إن يمت لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولد، فولوج النَّار حاصلٌ لم يستقم، قال الطِّيبيُّ وكذا الشَّيخ أكمل الدِّين: فالفاء هنا بمعنى: «الواو» الَّتي للجمع، وتقديره: لا يجتمع لمسلمٍ موت ثلاثةٍ من أولاده وولوجه النَّار. انتهى. وأجاب ابن الحاجب والدَّمامينيُّ واللَّفظ له بأنَّه (١) يجوز النَّصب بعد الفاء الشَّبيهة بفاء السَّببيَّة بعد النَّفي مثلًا وإن لم تكن السَّببيَّة حاصلةً، كما قالوا في أحد وجهي ما تأتينا فتحدِّثنا: إنَّ النَّفي يكون راجعًا في الحقيقة إلى التَّحديث (٢) لا إلى الإتيان، أي: ما يكون منك إتيانٌ يعقبه حديثٌ، وإن حصل مطلق الإتيان، كذلك هنا، أي: لا يكون موت ثلاثةٍ من الولد، يعقبه ولوج النَّار، فيرجع (٣) النَّفيُ إلى القيد خاصَّةً، فيحصل المقصود ضرورة أن مسَّ النَّار إن لم يكن يعقب موت الأولاد، وجب دخول الجنَّة، إذ ليس بين النَّار والجنَّة منزلةٌ أخرى في الآخرة، ولم يقيِّد الأولاد في هذا الحديث كغيره، بكونهم لم يبلغوا الحنث، وحينئذٍ فيكون قوله في ما سبق: «لم يبلغوا الحنث»، لا مفهوم له كما مرَّ، وزاد في رواية غير الأربعة هنا «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ، مستشهدًا لتقليل مدَّة الدُّخول: «﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾» [مريم: ٧١] داخلها دخول جوازٍ لا دخول عقابٍ، يمرُّ بها المؤمن وهي خامدةٌ (٤) وتنهار بغيرهم، روى النَّسائيُّ والحاكم من حديث جابرٍ مرفوعًا: «الورود: الدُّخول، لا يبقَ برٌّ ولا فاجرٌ إلَّا دخلها، فتكون على المؤمنين (٥) بردًا وسلامًا»، وقيل: ورودها: الجواز
стр. 3049
على الصِّراط، فإنَّه ممدودٌ عليها، رواه الطَّبرانيُّ وغيره، من طريق بسر (١) بن سعيدٍ، عن أبي هريرة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: «يستوون كلُّهم على متنها، ثمَّ ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نديَّةً أبدانُهم».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدب» والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وابن ماجه في «الجنائز»، وحديث شريكٍ مقدَّمٌ على حديث مسلمٍ في رواية أبي ذَرٍّ.
(٧) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ) شابَّةً أو عجوزًا (عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي).
١٢٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ) والحال أنَّها (تَبْكِي، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) بألَّا تجزعي، فإنَّ الجزع يحبط الأجر (وَاصْبِرِي) فإنَّ الصَّبر يجزل الأجر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عدم الصَّبر ينافي التَّقوى.
وقد أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٢٨٣]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٨) (باب غُسْلِ المَيِّتِ) وهو فرض كفايةٍ (وَوُضُوئِهِ) أي: الميت، وهو سنَّةٌ، أو الضَّمير فيه
стр. 3050
للغاسل لا للميِّت، وكأنَّه انتزع الوضوء من مطلق الغسل؛ لأنَّه منزَّلٌ (١) على المعهود في (٢) غسل الجنابة، وقد تقرَّر عندهم الوضوء فيه (بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ) متعلِّق بالغسل بأن يُخلَطا ويغسل بهما للتَّنظيف، فلا يُحسَب عن الواجب للتَّغيُّر (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) بالحاء المهملة وتشديد النُّون (ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المتوفى سنة إحدى وخمسين، واسم ابنه هذا عبد الرَّحمن، أي: طيَّبه بالحنوط، وهو كلُّ شيءٍ خلطته من الطِّيب للميِّت خاصَّةً (وَحَمَلَهُ وَصَلَّى) عليه (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) ولو كان الميِّت نجسًا لم يطهِّرْه الماء والسِّدر، ولا الماء وحده، ولَمَا مسَّه ابن عمر، ولغَسَل مَا مسَّه من أعضائه، وهذا وصله مالكٌ في «الموطَّأ» عن نافعٍ: أنَّ عبد الله بن عمر حَنَّط فذكره (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ: (المُسْلِمُ لَا يَنْجَُسُ) بضمِّ الجيم وفتحها (حَيًّا وَلَا مَيِّتًا) وقد رواه مرفوعًا الدَّارقُطنيُّ والحاكم (وَقَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاصٍ؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت سعدٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وقال سعيدٌ» بزيادة ياءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أَولى؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، لمَّا غسَّل سعيد بن زيدِ بن عمرٍو بالعقيق (٤) وحنَّطه وكفَّنه: (لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) بكسر الجيم والسِّين الأولى من «مَسِسْتُه» (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ) هو طرفٌ من حديث أبي هريرة من (٥) «كتاب الغسل» [خ¦٢٨٣]، في «باب الجنب يمشي في السُّوق».