← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أدخل أبويه النَّار، فيقال: أيُّها السِّقط المراغم ربَّك أدخل أبويك الجنَّة، فيجرُّهما (١) بسرره حتَّى يدخلهما الجنَّة» (قَالَتِ امْرَأَةٌ) هي: أمُّ سُليمٍ والدة أنسٍ، كما رواه الطَّبرانيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ، أو أمُّ مبشِّر -بكسر المعجمة المشدَّدة (٢) - رواه الطَّبرانيُّ أيضًا، أو أمُّ هانئ، كما عند ابن بشكوال، ويحتمل التَّعدُّد: (وَ) إن مات لها (اثْنَانِ، قَالَ) ﵊: (وَاثْنَانِ) وكأنَّه أُوحِيَ إليه بذلك في الحال، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عينٍ، أو كان عنده العلم بذلك، لكنَّه أشفق عليهم أن يتَّكلوا، فلمَّا سُئِلَ عن ذلك لم يكن (٣) بدٌّ من الجواب. ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. ١٢٥٠ - (وَقَالَ شَرِيكٌ) هو ابن عبد الله (عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) عبد الرَّحمن، ممَّا وصله ابن أبي شيبة بمعناه (٤)، ولفظ ابن أبي شيبة: حدثنا شريك (٥) حدّثنا عبد الرَّحمن بن الأصبهانيِّ قال: أتاني أبو صالحٍ يعزيني عن ابنٍ لي، فأخذ يُحدِّث عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «ما من امرأةٍ تدفن ثلاثةَ أفراطٍ إلَّا كانوا لها حجابًا من النَّار» فقالت امرأةٌ: يا رسول الله، قدَّمت اثنين، قال: «واثنين»، قال: ولم تسأل عن الواحد، قال أبو هريرة: فيمن لم يبلغوا الحِنْث (٦). (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ (٧) أَبُو هُرَيْرَةَ:

стр. 3047

لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ) (١) وظاهر السِّياق أن (٢) هذه الزِّيادة عن أبي هريرة (٣) موقوفةٌ، ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ أبا هريرة وأبا سعيدٍ اتَّفقا على السِّياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، فهو مرفوعٌ أيضًا. ١٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ) رجلٌ أو امرأةٌ (ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ) أي: فيدخلها، وفي «الأيمان والنذور» عند المؤلِّف من رواية مالكٍ، عن الزُّهريِّ: «لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد تمسُّه النَّار» [خ¦٦٦٥٦] (إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المهملة وتشديد اللَّام، و «القَسَم» بفتح القاف والسِّين، أي: ما تحلُّ به اليمين، أي: يكفِّرها، تقول: فعلته تحلَّة القَسَم، أي: لم أفعله إلَّا بقدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ، وقال الطِّيبيُّ: هو مَثَلٌ في القليل المفرط في القلَّة، والمراد به هنا: تقليل الورود، أو المسُّ، أو قلَّة زمانه، وقوله: «فيلجَ» نصبٌ؛ لأنَّ الفعل المضارع يُنصَب بعد النَّفي بـ «أنْ» مقدَّرةً بعد الفاء، لكن حكى الطِّيبيُّ (٤)، فيما ذكره عنه جماعةٌ، وأقرُّوه عليه، ورأيته في «شرح المشكاة» له منعه عن بعضهم، وذكره ابن فرشتاه في «شرح المشارق» عن الشَّيخ أكمل الدِّين معلِّلًا بأنَّ شرط ذلك أن يكون (٥) ما قبل الفاء وما بعدها سببًا، ولا سببيَّة (٦) هنا؛ لأنَّه

стр. 3048

ليس موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النَّار، وبيان ذلك -كما نبَّه عليه صاحب «مصابيح الجامع» - أنَّك تعمد إلى الفعل الَّذي هو غير موجبٍ، فتجعله موجبًا، وتُدخِل عليه «إنْ» الشَّرطيَّة، وتجعل الفاء وما بعدها مِن الفعل جوابًا، كما تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أي: أَنْ تطغوا فيه، فحلول الغضب حاصلٌ، وفي قوله: ما تأتينا فتحدِّثنا إن تأتنا، فالحديث واقعٌ، وهنا إذا قلت: إن يمت لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولد، فولوج النَّار حاصلٌ لم يستقم، قال الطِّيبيُّ وكذا الشَّيخ أكمل الدِّين: فالفاء هنا بمعنى: «الواو» الَّتي للجمع، وتقديره: لا يجتمع لمسلمٍ موت ثلاثةٍ من أولاده وولوجه النَّار. انتهى. وأجاب ابن الحاجب والدَّمامينيُّ واللَّفظ له بأنَّه (١) يجوز النَّصب بعد الفاء الشَّبيهة بفاء السَّببيَّة بعد النَّفي مثلًا وإن لم تكن السَّببيَّة حاصلةً، كما قالوا في أحد وجهي ما تأتينا فتحدِّثنا: إنَّ النَّفي يكون راجعًا في الحقيقة إلى التَّحديث (٢) لا إلى الإتيان، أي: ما يكون منك إتيانٌ يعقبه حديثٌ، وإن حصل مطلق الإتيان، كذلك هنا، أي: لا يكون موت ثلاثةٍ من الولد، يعقبه ولوج النَّار، فيرجع (٣) النَّفيُ إلى القيد خاصَّةً، فيحصل المقصود ضرورة أن مسَّ النَّار إن لم يكن يعقب موت الأولاد، وجب دخول الجنَّة، إذ ليس بين النَّار والجنَّة منزلةٌ أخرى في الآخرة، ولم يقيِّد الأولاد في هذا الحديث كغيره، بكونهم لم يبلغوا الحنث، وحينئذٍ فيكون قوله في ما سبق: «لم يبلغوا الحنث»، لا مفهوم له كما مرَّ، وزاد في رواية غير الأربعة هنا «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ، مستشهدًا لتقليل مدَّة الدُّخول: «﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾» [مريم: ٧١] داخلها دخول جوازٍ لا دخول عقابٍ، يمرُّ بها المؤمن وهي خامدةٌ (٤) وتنهار بغيرهم، روى النَّسائيُّ والحاكم من حديث جابرٍ مرفوعًا: «الورود: الدُّخول، لا يبقَ برٌّ ولا فاجرٌ إلَّا دخلها، فتكون على المؤمنين (٥) بردًا وسلامًا»، وقيل: ورودها: الجواز

стр. 3049

على الصِّراط، فإنَّه ممدودٌ عليها، رواه الطَّبرانيُّ وغيره، من طريق بسر (١) بن سعيدٍ، عن أبي هريرة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: «يستوون كلُّهم على متنها، ثمَّ ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نديَّةً أبدانُهم». وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدب» والنَّسائيُّ في «التَّفسير» وابن ماجه في «الجنائز»، وحديث شريكٍ مقدَّمٌ على حديث مسلمٍ في رواية أبي ذَرٍّ. (٧) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ) شابَّةً أو عجوزًا (عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي). ١٢٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ) والحال أنَّها (تَبْكِي، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) بألَّا تجزعي، فإنَّ الجزع يحبط الأجر (وَاصْبِرِي) فإنَّ الصَّبر يجزل الأجر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عدم الصَّبر ينافي التَّقوى. وقد أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٢٨٣]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٨) (باب غُسْلِ المَيِّتِ) وهو فرض كفايةٍ (وَوُضُوئِهِ) أي: الميت، وهو سنَّةٌ، أو الضَّمير فيه

стр. 3050

للغاسل لا للميِّت، وكأنَّه انتزع الوضوء من مطلق الغسل؛ لأنَّه منزَّلٌ (١) على المعهود في (٢) غسل الجنابة، وقد تقرَّر عندهم الوضوء فيه (بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ) متعلِّق بالغسل بأن يُخلَطا ويغسل بهما للتَّنظيف، فلا يُحسَب عن الواجب للتَّغيُّر (وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) بالحاء المهملة وتشديد النُّون (ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المتوفى سنة إحدى وخمسين، واسم ابنه هذا عبد الرَّحمن، أي: طيَّبه بالحنوط، وهو كلُّ شيءٍ خلطته من الطِّيب للميِّت خاصَّةً (وَحَمَلَهُ وَصَلَّى) عليه (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) ولو كان الميِّت نجسًا لم يطهِّرْه الماء والسِّدر، ولا الماء وحده، ولَمَا مسَّه ابن عمر، ولغَسَل مَا مسَّه من أعضائه، وهذا وصله مالكٌ في «الموطَّأ» عن نافعٍ: أنَّ عبد الله بن عمر حَنَّط فذكره (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ: (المُسْلِمُ لَا يَنْجَُسُ) بضمِّ الجيم وفتحها (حَيًّا وَلَا مَيِّتًا) وقد رواه مرفوعًا الدَّارقُطنيُّ والحاكم (وَقَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقَّاصٍ؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت سعدٍ، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وقال سعيدٌ» بزيادة ياءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أَولى؛ كما أخرجه ابن أبي شيبة (٣)، لمَّا غسَّل سعيد بن زيدِ بن عمرٍو بالعقيق (٤) وحنَّطه وكفَّنه: (لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ) بكسر الجيم والسِّين الأولى من «مَسِسْتُه» (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ) هو طرفٌ من حديث أبي هريرة من (٥) «كتاب الغسل» [خ¦٢٨٣]، في «باب الجنب يمشي في السُّوق».

стр. 3051

١٢٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعبٍ (الأَنْصَارِيَّةِ) وكانت تغسل الميتات (¬﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ) زينب زوج أبي العاص بن الرَّبيع، والدة أُمامة كما في «مسلمٍ»، أو أمُّ كلثوم كما في «أبي داود»، قال الحافظ عبد العظيم المنذريُّ: والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّ أمَّ كلثومٍ تُوفِّيت والنَّبيُّ ﷺ غائبٌ ببدرٍ، وتُعقِّب بأنَّ الَّتي تُوفِّيت وهو ﵇ (١) ببدرٍ رقية لا أمُّ كلثوم (فَقَالَ) ﵊: (اغْسِلْنَهَا) وجوبًا مرَّةً واحدةً عامَّةً لبدنها، أي: بعد إزالة النَّجس إن كان، نعم صحَّح النَّوويُّ الاكتفاء لهما بالواحدة (٢) في غير غسل الميِّت، أمَّا فيه فلا تكفي (٣) (ثَلَاثًا) ندبًا، فالأمر للوجوب بالنِّسبة إلى أصل الغسل، وللنَّدب (٤) بالنِّسبة إلى الإيتار، كما قرَّره ابن دقيق العيد، وقال المازريُّ: قيل: الغسل سنَّةٌ، وقيل: واجبٌ، وسبب الخلاف قوله الآتي: «إنْ رأيتنَّ» هل يرجع إلى الغسل أو إلى الزِّيادة في العدد؟ وفي هذا الأصل خلافٌ في الأصول، وهو أنَّ الاستثناء أو الشَّرط المُعقِب جملًا هل يرجع إلى الجميع، أو إلى ما أخرجه الدليل، أو إلى الأخير؟ لكن قال الأُبِّيُّ: إنَّ القول بالسُّنيَّة (٥) لابن أبي زيدٍ والأكثر، والقول بالوجوب، أي: على الكفاية للبغداديِّين. انتهى. (أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسَّان، عن حفصة: «اغسلنها وترًا ثلاثًا

стр. 3052

أو خمسًا» [خ¦١٢٦٣] (أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ) وفي رواية أيُّوب عن حفصة في الباب الآتي: «ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» [خ¦١٢٥٤] قال في «الفتح»: ولم أر في شيءٍ من الرِّوايات بعد قوله: «سبعًا» التَّعبير بأكثر من ذلك إلَّا في روايةٍ لأبي داود، وأمَّا سواها فإمَّا: «أو (١) سبعًا»، وإمَّا: «أو (٢) أكثر من ذلك»، فيحتمل تفسير قوله: «أو أكثر من ذلك» بالسَّبع، وبه قال أحمد، فكُرِه الزِّيادة على السَّبع، وقال الماورديُّ (٣): الزِّيادة على السَّبع سَرَفٌ. انتهى. وقال أبو حنيفة: لا يزاد على الثَّلاث (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ لأنَّه خطابٌ لمؤنَّثةٍ، أي: إن أداكنَّ اجتهادكنَّ إلى ذلك بحسب الحاجة إلى الإنقاء لا التَّشهِّي، فإن حصل الإنقاء بالثَّلاث لم يشرع ما فوقها، وإلَّا زيد وترًا حتَّى يحصل الإنقاء، وهذا بخلاف طهارة الحيِّ، فإنَّه لا يزيد على الثَّلاث، والفرق: أنَّ طهارة الحيِّ محض تعبُّدٍ، وهنا المقصود النَّظافة، وقول الحافظ ابن حجرٍ كالطِّيبيِّ، فيما حكاه عن المظهريِّ في (٤) «شرح المصابيح»: و «أو» هنا للتَّرتيب، لا للتَّخيير. تعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم ينقل عن أحدٍ أنَّ «أو» تجيء للتَّرتيب، والباء في قوله: (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) متعلِّقٌ (٥) بقوله: «اغسلنها»، ويقوم نحو السِّدر كالخطميِّ مقامه، بل هو أبلغ في التَّنظيف، نعم السِّدر أَولى للنَّصِّ عليه، ولأنَّه أمسك للبدن، وظاهره تكرير الغسلات به إلى أن يحصل الإنقاء، فإذا حصل وجب الغسل بالماء الخالص عن السِّدر، ويُسَنُّ ثانيةً وثالثةً كغسل الحيِّ (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) أي: في غير المُحْرِم للتَّطيُّب وتقويته للبدن، والشَّكُّ من الرَّاوي أيَّ اللَّفظين قال، والأَوَّل محمولٌ على الثَّاني؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الإثبات، فيصدق بكلِّ شيءٍ منه (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بمدِّ

стр. 3053

الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النُّون الأولى المفتوحة وكسر الثَّانية، أي: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا) بصيغة الماضي لجماعة المتكلِّمين، وللأَصيليِّ: «فرغن» بصيغة الماضي للجمع المؤنَّث (آذَنَّاهُ) أي: أعلمناه (فَأَعْطَانَا حَِقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة وقد تُكسَر، وهي لغة هُذَيلٍ، بعدها قافٌ ساكنةٌ، أي: إزاره، والحقو في الأصل: معقد الإزار، فسُمِّي به ما يُشَدُّ على الحقو توسُّعًا (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) ولغير الأربعة: «إيَّاها» بقطع همزة «أشعرنها» أي: اجعلنه شعارها، ثوبها الَّذي يلي جسدها، والضَّمير الأوَّل: للغاسلات، والثَّاني: للميِّت، والثَّالث: للحقو (تَعْنِي) أمُّ عطيَّة: (إِزَارَهُ) ﵊، وإنَّما فعل ذلك لينالها بركة ثوبه، وأخَّره ولم يناولهنَّ إيَّاه أوَّلًا؛ ليكون قريب العهد من جسده المكرَّم، حتَّى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصلٌ، لا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم. ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٩) (باب مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ) أي: استحباب غسل الميِّت (وِتْرًا). ١٢٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) وللأَصيليِّ: «محمَّد بن المثنَّى» وقال الجيانيُّ: يحتمل أن

стр. 3054

يكون محمَّد بن سلامٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (الثَّقَفِيُّ) البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة الأنصاريَّة (¬﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ) زينب أُمَّ أمامة (فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بكسر الكاف، وزاد في الرِّواية السَّابقة: «إن رأيتنَّ ذلك» (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) مخلوطين، قال ابن المُنيِّر: وهو مشعرٌ بأنَّ غسل الميِّت للتَّنظيف؛ لأنَّ الماء المضاف لا يُتطهَّر به. انتهى. نعم يحتمل ألَّا يتغيَّر وصف الماء بالسِّدر، بأن يمعك بالسِّدر، ثمَّ يغسل بالماء في كلِّ مرَّةٍ، فإنَّ لفظ الحديث لا يأبى ذلك (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا) وفي السَّابقة [خ¦١٢٥٣]: «كافورًا أو شيئًا من كافورٍ» على الشَّكِّ، وجزم هنا بالشِّقِّ الأوَّل (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بالمدِّ وكسر الذَّال: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ) أعلمناه (فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَِقْوَهُ) بفتح الحاء وكسرها، أي: إزاره (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) بقطع همزة «أَشعرنها» أي: اجعلنه يلي (١) جسدها (فَقَالَ) بالفاء، وللأَصيليِّ: «وقال» (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بالإسناد السَّابق: (وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ) بنت سيرين (بِمِثْلِ حَدِيثِ) أخيها (مُحَمَّدٍ) أي: ابن سيرين (وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا) لأنَّ الله وترٌ يحبُّ الوتر، وهذا موضع التَّرجمة كما لا يخفى (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) فزاد هذه الأخيرة ولم يقل: «أو أكثر من ذلك» إذ لم يجتمعا إلَّا عند أبي داود كما مرَّ [خ¦١٢٥٣] (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا (أَنَّهُ) ﵊ (قَالَ): (ابْدَؤُوْا) بجمع المذكَّر (٢) تغليبًا للذُّكور؛ لأنَّهنَّ كنَّ محتاجاتٍ إلى معاونة الرِّجال في حمل الماء إليهنَّ وغيره، أو باعتبار الأشخاص، أو النَّاس، ولأبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «ابدأن» (بِمَيَامِنِهَا) جمع: ميمنة؛ لأنَّه ﵊ كان يحب التَّيامن (٤) في شأنه كلِّه (وَ) ابدأن أيضًا (بِمَوَاضِعِ الوُضُوءِ) زاد أبو ذَرٍّ: «منها» (وَكَانَ فِيهِ) أيضًا: (أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَمَشَطْنَاهَا) بالتَّخفيف، أي: سرَّحنا شعرها

стр. 3055

(ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي (١): ثلاثة (٢) ضفائر بعد أن خلَّلناه (٣) بالمشط، وفي روايةٍ: «فضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرونٍ، وألقيناها خلفها» وهذا مذهب الشَّافعيَّة وأحمد، وقال الحنفيَّة: يُجعَل ضفيرتان على صدرها. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُبْدَأُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بِمَيَامِنِ المَيِّتِ) عند غسله، تفاؤلًا أن يكون من أصحاب اليمين. ١٢٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليَّة قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّدٍ (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ) لنا (رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ) زينب: (ابْدَأْنَ) بجمع المؤنَّث (بِمَيَامِنِهَا) أي: بالأيمن من كلِّ بدنها في الغسلات الَّتي لا وضوء فيها (وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا) أي: في الغسلة المتَّصلة بالوضوء، وهو يردُّ على أبي قلابة حيث قال: يبدأ بالرَّأس ثمَّ باللِّحية. (١١) (باب) استحباب البداءة بغسل (مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنَ المَيِّتِ).

стр. 3056

١٢٥٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربه السَّختيانيُّ البلخيُّ، المشهور بخت، قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح (١) (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة الأنصاريَّة (¬﵂¬) أنَّها (٢) (قَالَتْ: لَمَّا غَسَّلْنَا) زينب (بِنْتَ (٣) النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: ابْدَؤُوْا) ذكره باعتبار الأشخاص أو لغير ذلك، كما مرَّ قريبًا [خ¦١٢٥٤] وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ابدأن» وهو الوجه (٤)؛ لأنَّه خطابٌ للنِّسوة (بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ) زاد أبو ذَرٍّ: «منها» أي: من الابنة، والبداءة بالميامن ومواضع الوضوء ممَّا زادته حفصة في روايتها عن أمِّ عطيَّة على (٥) أخيها محمَّدٍ، والحكمة في أمره ﵊ بالوضوء: تجديد أثرِ سيما المؤمنين في ظهور أثر الغُرَّة والتَّحجيل، ومذهب الحنفيَّة كالشَّافعيَّة سنيَّة الوضوء للميِّت، لكن قال الحنفيَّة: لا يمضمض ولا يستنشق لتعذُّر إخراج الماء من الفم والأنف. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ؟) نعم تُكفَّن فيه، ودعوى الخصوصيَّة في ذلك بالشَّارع ﵊ غير مسلَّمةٍ، فهو للتَّشريع. ١٢٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ) العنبريُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو (٦) ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة ﵂ (قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ:

стр. 3057

«قال»: (تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «ابنة النَّبيِّ» بالألف (١) في الأوَّل، وللأَصيليِّ: «بنت رسول الله» (¬ ﷺ ، فَقَالَ لَنَا: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ) ذلك (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) أعلمنني، اجتمع ثلاث نوناتٍ: لام الفعل، ونون النِّسوة، ونون الوقاية، فأُدغِمَت الأولى في الثَّانية (فَآذَنَّاهُ): أعلمناه (فَنَزَعَ مِنْ حَِقْوِهِ) معقد الإزار منه (إِزَارَهُ) واستعمال الحقو هنا على الحقيقة، وفي السَّابق على المجاز، وقول الزَّركشيِّ: إنَّ هذا مجازٌ، والسَّابقَ حقيقةٌ وَهَمٌ؛ لأنَّه في أصل الوضع لمعقد الإزار من الجسد، إلَّا أنْ يدَّعي أنَّ استعماله في الإزار صار حقيقةً عرفيَّةً (وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا) بقطع الهمزة (إِيَّاهُ) أي: اجعلنه ممَّا يلي جسدها، والدِّثار ما فوقه. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُجْعَلُ الكَافُورُ) ولغير أبي ذَرٍّ: «يَجعل» بفتح أوَّله «الكافورَ» نصبٌ (فِي آخِرِه) أي: آخر الغسل. ١٢٥٨ - ١٢٥٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن حفصٍ الثَّقفيُّ البكراويُّ البصريُّ،

стр. 3058

قاضي كرمان قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) الأنصاريَّة (قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي زينب على المشهور كما مرَّ [خ¦١٢٥٣] (فَخَرَجَ، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فخرج النَّبيُّ ﷺ فقال» أي: لأمِّ عطيَّة ومن معها من النِّسوة: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ) ذلك، فوَّض ذلك لآرائهنَّ (١)، بحسب المصلحة والحاجة، لا بحسب التَّشهِّي، فإنَّ ذلك زيادةٌ غير محتاجٍ إليها، فهو من قبيل الإسراف؛ كما في ماء الطَّهارة (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) يتعلَّق بـ «اغسلنها» (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا) بأنْ يُجعَل في ماءٍ، ويُصَبَّ على الميِّت في آخر غسله (٢)، هذا ظاهر الحديث، وقيل: إذا كمل غسله طُيِّب بالكافور قبل التَّكفين، ويُكرَه تركه كما نصَّ عليه في «الأمِّ»، وليكن بحيث لا يفحش التَّغيُّر به إن لم يكن صلبًا، والحكمة فيه: التَّطيُّب للمصلِّين والملائكة، وتقوية البدن ودفعه الهوامَّ، وردع ما يتحلَّل (٣) من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إلى الميِّت لشدَّة برده، ومن ثمَّ جعل في الآخرة إذ لو كان في غيرها لأذهبه الماء، وقوله: (أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) شكٌّ من الرَّاوي أيُّ اللَّفظين قاله (٤) ﵊؟ وهل يقوم غير الكافور كالمسك مقام الكافور (٥) عند عدمه أم لا؟ نعم أجازه أكثرهم، وأمر به عليٌّ ﵁ في حنوطه، وقال: هو من فضل حنوط النَّبيِّ ﷺ (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) أعلمنني (قَالَتْ) أمُّ عطيَّة: (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَِقْوَهُ) بفتح الحاء وتُكسَر: إزاره (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) اجعلنه ملاصقًا لبشرتها. (وَ) بالإسناد السَّابق (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ

стр. 3059

أُمِّ عَطِيَّةَ) الأنصاريَّة (¬﵂ بِنَحْوِهِ) أي: بنحو الحديث الأوَّل (وَقَالَتْ) بالواو، وللأَصيليِّ: «قالت»: (إِنَّهُ قَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ) ذلك (قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا) أي: شعر رأسها، فهو من مجاز المجاورة (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ضفائر، فإن قلت (١): ما وجه إدخال هذه التَّرجمة المتعلِّقة (٢) بالغسل، بين ترجمتين متعلِّقتين بالكفن؟ أُجيبَ بأنَّ العرف تقديم ما يحتاج إليه الميِّت قبل الشُّروع في غسله، أو قبل الفراغ منه، ومن جملة ذلك الحنوط. (١٤) (باب نَقْضِ شَعَرِ) رأس (المَرْأَةِ) الميتة عند الغسل، والتَّقييد بالمرأة كأنَّه جرى على الغالب، وإلَّا فظاهرٌ أنَّ الرَّجل إذا كان له شعرٌ طويلٌ كذلك (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ، من طريق أيُّوب عنه: (لَا بَأْسَ أَنْ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» (٣) «بأن» (يُنْقَضَ شَعَرُ المَيِّتِ) ذكرًا كان أو أنثى، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «شعر المرأة». ١٢٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوب، وقال ابن شَبُّويه عن الفَِرَبْريِّ: هو أحمد (٤) بن صالحٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا ابن وهبٍ» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيُّ: (وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ) أي: قال أيُّوب: سمعت … كذا، وسمعت حفصة، فالعطف على

стр. 3060

مقدَّرٍ (قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂: أَنَّهُنَّ) هي ومن معها من النِّساء اللَّواتي (١) باشرن غسل بنت رسول الله ﷺ (جَعَلْنَ رَأْسَ) أي: شعر رأس (بِنْتِ) ولأبي الوقت: «ابنة» (رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ضفائر، وكأنَّ سائلًا قال: كيف جعلنه ثلاثة قرونٍ؟ فقالت أمُّ عطيَّة: (نَقَضْنَهُ) أي: شعر رأسها، لأجل إيصال الماء إلى أصوله، وتنظيفه من الأوساخ (ثُمَّ غَسَلْنَهُ) أي: الشَّعر (ثُمَّ جَعَلْنَهُ) بعد الغسل (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) لينضمَّ ويجتمع ولا ينتشر. (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ؟) والشِّعار: ما يلي الجسد، والدِّثار: ما فوقه (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة نحوه، كما قاله في «الفتح»: (الخِرْقَةُ الخَامِسَةُ) من أكفان المرأة الخمسة (يَشُدُّ) الغاسل، وفي «اليونينيَّة» بالفوقيَّة (بِهَا الفَخِذَيْنِ وَالوَرِكَيْنِ) بنصبهما على المفعوليَّة، والفاعل: الضَّمير في «يشدُّ» المقدَّر بالغاسل، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «يُشَدُّ» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «الفخذان والوركان» برفعهما: مفعولان، نابا عن الفاعل (تَحْتَ الدِّرْعِ) بكسر الدَّال، وهو القميص. ١٢٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، ولابن شَبُّويه عن الفَِرَبْريِّ: أحمد بن صالحٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا ابن وهب» قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَنَّ أَيُّوبَ) السَّختيانيَّ (أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ) محمَّدًا (يَقُولُ: جَاءَتْ أُمُّ

стр. 3061

عَطِيَّةَ ﵂، امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) برفع «امرأةٌ» عطف بيانٍ (مِنَ اللَّاتِي بَايَعْنَ) زاد في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: «النَّبيَّ ﷺ » (قَدِمَتِ البِصْرَةَ) بدلٌ من: جاءت، حال كونها (تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا) أي: تسارع المجيء لأجله (فَلَمْ تُدْرِكْهُ) إمَّا لأنَّه مات، أو خرج من البصرة (فَحَدَّثَتْنَا) أي: أمُّ عطيَّة (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) الجارُّ يتعلَّق بـ «اغسلنها» (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، قَالَتْ) أي: أمُّ عطيَّة: (فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حَِقْوَهُ) بفتح الحاء وقد تُكسَر: إزاره (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) بقطع همزة «أشعرنها» أي: اجعلنه شعارًا لها، قال أيوب: (وَلَمْ يَزِدْ) أي: ابن سيرين، وللأَصيليِّ: «ولم تزد» بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: أمُّ عطيَّة (عَلَى ذَلِكَ) بخلاف حفصة أخته، فإنَّها زادت في روايتها عن أمِّ عطيَّة أشياء، منها البداءة بميامنها ومواضع الوضوء، قال أيُّوب: (وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ) ﵊ كانت المغسولة، فـ «أيُّ» مبتدأٌ محذوفُ الخبر، ولا ينافي هذا (١) تسميةُ الآخر لها بزينب؛ لأنَّه علم ما لم يعلمه أيُّوب (وَزَعَمَ) أي: أيُّوب (أَنَّ الإِشْعَارَ) في قوله في الحديث: «أشعرنها» معناه: (الفُفْنَهَا فِيهِ) قال أيُّوب: (وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، وكان أعلم التَّابعين بعلم الموتى (يَأْمُرُ بِالمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: تُلَفُّ (وَلَا تُؤْزَرَ) بضمِّ التَّاء وسكون الهمزة وفتح الزَّاي (٢) مبنيًّا للمفعول أيضًا، أي: لا يجعل الشِّعار عليها مثل الإزار؛ لأنَّ الإزار لا يعمُّ البدن بخلاف الشِّعار، ولأبي ذَرٍّ: «ولا تَأَزَّر (٣)» بفتح المثنَّاة والهمزة وتشديد الزَّاي من التَّأزُّر. (١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُجْعَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، ولغير الأربعة: «هل يجعل» (شَعَرُ) رأس (المَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ضفائر.

стр. 3062

١٢٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحَّدة، ابن عقبة السوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن حسَّان (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح الذَّال المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: ضَفَرْنَا) بضادٍ معجمةٍ ساقطةٍ خفيفة الفاء (شَعَرَ) رأس (بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زينب، أي: نسجناه عريضًا (تَعْنِي) أمُّ عطيَّة: (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ذوائب (وَقَالَ) بالواو، وللأَصيليِّ: «قال» (وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، وللأربعة: «عن سفيان» أي: بهذا الإسناد السَّابق: (نَاصِيَتَهَا) ذؤابةً (١) (وَقَرْنَيْهَا) أي: جانبي (٢) رأسها ذؤابتين، زاد الإسماعيليُّ: «ثمَّ ألقيناه خلفها»، وفيه: ضفر شعر الميِّت خلافًا لمن منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضَّفر، أي: لم يعرف فعل أمِّ عطيَّة حتَّى يكون سنَّةً، بل يُلَفُّ، وعن الحنفيَّة: يُرسَل خلفها وعلى وجهها مفرَّقًا، قالوا: وهذا قول صحابيٍّ، والشَّافعيُّ لا يرى قوله حجَّةً، وكذا فِعله، وأمُّ عطيَّة أخبرت بذلك عن فعلهنَّ، ولم تخبر به عن النَّبيِّ ﷺ ، وأُجيبَ بأنَّ الأصل ألَّا يُفعَل بالميِّت (٣) شيءٌ من القُرَب إلَّا بإذنٍ من الشَّارع، وقال النَّوويُّ: الظَّاهر اطِّلاعه ﵊ على ذلك، وتقريره له. انتهى. وهو عجيبٌ ففي «صحيح ابن حِبَّان»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بذلك، ولفظه: «واجعلن لها (٤) ثلاثة قرونٍ» وترجم عليه ذكر البيان بأنَّ أمَّ عطيَّة إنَّما مشطت قرونها بأمر النَّبيِّ ﷺ ، لا من تلقاء نفسها.

стр. 3063

(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُلْقَى شَعَرُ المَرْأَةِ خَلْفَهَا) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت: «يُجعَل» وزاد الحَمُّويي: «ثلاثة قرون». ١٢٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) (١) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ) بالصَّرف وعدمه الأزديِّ البصريِّ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (٢) (¬﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زينب أو أمُّ كلثوم، والأوَّل هو المشهور (فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) ﵊: (اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ) والماء (وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) بحسب الحاجة (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بالمدِّ وكسر الذَّال وتشديد النُّون، أي: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا؛ آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَِقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة وكسرها (٣) (فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي: ذوائب (وَأَلْقَيْنَاهَا) بالواو، أي: الذَّوائب، وللأربعة: «فألقيناها» (خَلْفَهَا) وقال الحنفيَّة: ضفيرتان على صدرها فوق الذراع (٤). ولمَّا فرغ المؤلِّف (٥) من بيان أحكام غسل الميت (٦) شرع في بيان أحكام الكفن فقال: (١٨) (باب الثِّيَابِ البِيضِ لِلْكَفَنِ).

стр. 3064

١٢٦٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «عبد الله بن المبارك» قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) قالت (١): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ) بتخفيف الياء، نسبةً إلى اليمن (بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، نسبة إلى السَّحول، وهو القصَّار؛ لأنَّه يسحلها، أي: يغسلها، أو إلى سحول قرية باليمن، وقيل: بالضَّمِّ اسمُ القرية (٢) أيضًا (مِنْ كُرْسُفٍ) بضمِّ أوَّله وثالثه، أي: قطنٍ، وصحَّح التِّرمذيُّ والحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «البسوا ثياب البيض (٣)؛ فإنَّها أطيب وأطهر، وكفِّنوا فيها موتاكم»، وفي «مسلم»: «إذا كَفَّن أحدُكم أخاه؛ فليُحسْن كفنه»، قال النَّوويُّ: المراد بإحسان الكفن بياضه ونظافته، قال البغويُّ: وثوب القطن أَولى، وقال التِّرمذيُّ: وتكفينه ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ أصحُّ ما ورد في كفنه (لَيْسَ فِيهِنَّ) أي:

стр. 3065

في الثَّلاثة الأثواب، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ليس فيها» (قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) أي: ليس موجودًا أصلًا، بل هي الثَّلاثة فقط، قال النَّوويُّ: وهو ما فسَّره (١) به الشَّافعيُّ والجمهور؛ وهو الصَّواب الَّذي يقتضيه ظاهر الحديث (٢)، وهو أكمل الكفن للذَّكر، ويحتمل أن تكون الثَّلاثة الأثواب خارجةً عن القميص والعمامة، فيكون ذلك خمسة، وهو تفسير مالكٍ، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠] يحتمل بلا عمدٍ أصلًا أو بعمدٍ غير مرئيَّةٍ لهم، ومذهب الشَّافعيَّة (٣): جواز زيادة القميص والعمامة على الثَّلاثة من غير استحبابٍ، وقال الحنابلة: إنَّه مكروهٌ. ورواة الحديث ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «باب الكفن بغير قميصٍ» [خ¦١٢٧١] وفي «باب الكفن بلا عمامةٍ» [خ¦١٢٧٣]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (١٩) (باب) جواز (الكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ) فالثَّلاثة ليست واجبةً، بل الواجب لغير المحرِم ثوبٌ واحدٌ

стр. 3066

ساترٌ لكلِّ البدن، وعلى هذا جرى الإمام أحمد (١) والغزاليُّ وجمهور الخراسانيِّين، وقال النَّوويُّ في «مناسكه»: إنَّه المذهب الصَّحيح، وصحَّح (٢) في بقيَّة كتبه ما عزاه للنَّصِّ، والجمهور: أنَّ أقلَّه ساتر العورة فقط كالحيِّ؛ ولحديث مصعبٍ الآتي إن شاء الله تعالى في «باب إذا لم يوجد إلَّا ثوبٌ واحدٌ» [خ¦١٢٧٥] وعلى القول بذلك يختلف قدر الواجب بذكورة الميِّت وأنوثته، فيجب في المرأة ما يستر بدنها إلَّا وجهها وكفَّيها، حرَّةً كانت أو أمةً؛ لزوال الرِّقِّ بالموت؛ كما ذكره في «كتاب الأيمان»، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى عند شرح حديث مصعبٍ [خ¦١٢٧٥]. ١٢٦٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ) وللأَصيليِّ: «حمَّاد بن زيدٍ» (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، وأصله: بين، زِيدَ (٣) فيه الألف والميم، ظرف زمانٍ مضافٌ إلى جملةٍ (٤) (رَجُلٌ) لم يعرف الحافظ ابن حجرٍ اسمه (وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) للحجِّ عند

стр. 3067

الصَّخرات، وليس المراد خصوص الوقوف المقابل للقعود؛ لأنَّه كان راكبًا ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الرَّاكب (إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ) ناقته الَّتي صلحت للرَّحل، والجملة جواب: «بينما» (فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ-: فَأَوْقَصَتْهُ) شكَّ (١) الرَّاوي، والمعروف عند أهل اللُّغة بدون الهمزة، فالثَّاني شاذٌّ، أي: كسرت عنقه، والضَّمير المرفوع في «وقصته» للرَّاحلة، والمنصوب للرَّجل (قَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) غير الَّذي عليه، فيُستَدلُّ به على إبدال ثياب المحرِم، قال في «الفتح»: وليس بشيءٍ؛ لأنَّه سيأتي -إن شاء الله تعالى في «الحجِّ» -[خ¦١٨٤٩] بلفظ: في «ثوبَيه»، وللنَّسائيِّ من طريق يونس بن نافعٍ، عن عمرو (٢) بن دينارٍ: «في ثوبيه اللَّذَين (٣) أحرم فيهما» وإنَّما لم يزده ثالثًا تكرمةً له، كما في الشَّهيد حيث قال: «زمِّلوهم بدمائهم»، وقال النَّوويُّ في «المجموع»: لأنَّه لم يكن له مالٌ غيرهما (وَلَا تُحَنِّطُوهُ) بتشديد النُّون المكسورة، أي: لا تجعلوا في شيءٍ من غسلاته، أو في كفنه حنوطًا (وَلَا تُخَمِّرُوا) بالخاء المعجمة، أي: لا تغطُّوا (رَأْسَهُ) بل أبقوا له أثر إحرامه من منع ستر رأسه إن كان رجلًا، ووجهه وكفَّيه إن كان امرأةً، ومِن منعِ المخيط وأخذِ ظفره وشعره (فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) أي: بصفة الملبِّين بنُسُكه (٤) الذي مات فيه من حجٍّ أو عمرةٍ أو هما، قائلًا: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على أنَّ المحرم إذا مات يبقى في حقِّه حكم الإحرام، وهو مذهب الشَّافعيِّ ﵀،

стр. 3068

وخالف في ذلك مالكٌ وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى، وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محلِّ التَّكليف، وهو الحياة، لكن اتَّبع الشَّافعيُّ الحديث، وهو مقدَّمٌ على القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث ما قيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّل هذا الحكم في هذا الإحرام بعلَّةٍ لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنَّه (١) يُبْعث يوم القيامة ملبِّيًا، وهذا الأمر لا يُعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير (٢) النَّبيِّ ﷺ ، والحكم إنَّما يُعمَّم (٣) في غير محلِّ (٤) النص بعموم علَّته وغير هؤلاء (٥) يرى أنَّ هذه العلَّة إنَّما ثبتت (٦) لأجل الإحرام، فتعمُّ كلَّ محرمٍ. انتهى. (٢٠) (باب الحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ) بفتح الحاء وضمِّ النُّون، ويقال: الحِناط، بالكسر، قال الأزهريُّ: ويدخل فيه الكافور، وذريرة القصب، والصَّندل الأحمر، والأبيض، وقال غيره: الحنوط: ما يُخلَط من الطِّيب للموتى خاصَّةً، ولا يقال لطِيبْ الأحياء: حنوطٌ. ١٢٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح الموحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا)

стр. 3069

بالميم (رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ) عند الصَّخرات، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ) بصادٍ فعينٍ (١) (أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ) بتقديم العين على الصَّاد، أي: قتلته سريعًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) قال القاضي عياضٌ: أكثر الرِّوايات: «ثوبيَه» بالهاء، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: فيه جواز التَّكفين في ثوبين، والأفضل ثلاثةٌ (وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ) بذلك أخذ الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: يُفعَل به ما يُفعَل بالحلال (٢)؛ لحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إِلَّا من ثلاثٍ» فعبادة الإحرام انقطعت عنه، قال ابن دقيق العيد -كما مرَّ-[خ¦١٢٦٥]: وهو مقتضى القياس، لكنَّ الحديث بعد أن ثبت يُقدَّم على القياس، وقال بعض المالكيَّة: حديث المحرم هذا خاصٌّ به، ويدلُّ عليه قوله: (فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا) فأعاد الضَّمير عليه، ولم يقل: فإنَّ المحرم، وحينئذٍ فلا يتعدَّى حكمه إلى غيره إلَّا بدليلٍ، وجوابه (٣) ما قاله ابن دقيق العيد: إنَّ العلَّة إنَّما ثبتت (٤) لأجل الإحرام، فتعمُّ كلَّ محرمٍ. انتهى. ومطابقته للتَّرجمة بطريق المفهوم من (٥) منع الحنوط للمحرم. (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ) إذا مات؟ وسقط الباب وتاليه لابن عساكر. ١٢٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ) أي: كسر عنقه فمات، لكنَّ

стр. 3070

نسبته للبعير مجازٌ إن كان (١) مات من الوقعة عنه، وإن أثَّرت ذلك (٢) بفعلها فحقيقةٌ (وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهْوَ) أي: الرَّجل الموقوص (مُحْرِمٌ) بالحجِّ عند الصَّخرات بعرفة، والواو في: «ونحن»، وفي: «وهو» للحال (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه إباحة غسل المحرم الحيِّ بالسِّدر، خلافًا لمن كرهه له (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) فليس الوتر في الكفن شرطًا في الصِّحَّة -كما مرَّ- وفي روايةٍ «ثوبيه» بالهاء، وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنَّه لا يُكفَّن في المخيط، وإحدى الرِّوايتين مفسِّرةٌ للأخرى (وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الميم، مِن: أَمَسَّ (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا) بدالٍ مهملةٍ بدل المثنَّاة التَّحتيَّة، كذا للأكثر (٣)، وفي رواية المُستملي: «ملبِّيًا»، والتَّلبيد: جمع شعر الرَّأس بصمغٍ أو غيره؛ ليلتصق شعره فلا يشعث في الإحرام، لكن أنكر القاضي عياضٌ هذه الرِّواية، وقال: الصَّواب: «ملبِّيًا» بدليل رواية «يلبِّي» فارتفع الإشكال، وليس للتَّلبيد هنا معنًى، قال الزَّركشيُّ، وكذا رواه البخاريُّ في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٣٩]: «فإنَّه يُبعَث يُهِلُّ». انتهى. قال البرماويُّ: وكلُّ هذا لا ينافي رواية: «ملبِّدًا» إن صحَّت؛ لأنَّه حكاية حاله عند موته. انتهى. يعني: أن الله يبعثه على هيئته التي مات عليها. ١٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (وَأَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، كلاهما (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم، الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ) بالرَّفع: صفةٌ لـ «رجلٍ (٤)»؛ لأنَّ

стр. 3071

«كان» تامَّةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «واقفًا» بالنَّصب: على أنَّها ناقصةٌ (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ) عند الصَّخرات (فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ في روايته: (فَوَقَصَتْهُ) بالقاف بعد الواو مِن: الوقص، وهو كسر العنق كما مرَّ (وَقَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (فَأَقْصَعَتْهُ) بتقديم الصَّاد على العين، ولأبي ذَرِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (١): «فأقعصته» بتقديم العين (فَمَاتَ، فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ) بالنُّون (وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ في روايته: (يُلَبِّي) بصيغة المضارع المبني للفاعل (وَقَالَ عَمْرٌو) هو (٢) ابن دينارٍ: (مُلَبِّيًا) على صيغة اسم الفاعل، منصوبٌ على الحال، والفرق بينهما: أنَّ الفعل يدلُّ على التَّجدُّد، والاسم يدلُّ على الثُّبوت. (٢٢) (باب الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) زاد المُستملي: «ومن كُفِّن بغير قميصٍ» بضمِّ الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، من «يُكَفُّ» في الموضعين، أي: خِيطَت حاشيته أو لم تُخَطْ؛ لأنَّ الكفَّ خياطة الحاشية، وضبطه بعضهم بفتح الياء وضمِّ الكاف وتشديد الفاء، وصوَّبه ابن رُشَيد، أي: يتبرَّك بإلباس قميص الصَّالح للميِّت (٣)، سواءً كان يكفُّ عن الميِّت العذاب أو لا يكفُّ، وضبطه آخر بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الفاء، وجزم المهلَّب بأنَّه الصَّواب، وأنَّ الياء سقطت من الكاتب، قال ابن بطَّالٍ: فالمراد طويلًا كان القميص أو قصيرًا، والأوَّل أَولى، وفي «الخلافيَّات» للبيهقيِّ من طريق ابن عونٍ قال: كان محمَّد بن سيرين يستحبُّ أن يكون قميص الميِّت كقميص الحيِّ مكفَّفًا مزرَّرًا.

стр. 3072

١٢٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهدٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵄: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، ابن سلولٍ، رأس المنافقين (لَمَّا تُوُفِي) في ذي القعدة سنة تسعٍ، منصرَفَ رسول الله ﷺ من تبوك، وكانت مدَّة مرضه عشرين ليلةً، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوَّال (جَاءَ ابْنُهُ) (٢) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة وخيارهم (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وسقط قوله: «يا رسولَ الله» عند أبي ذرٍّ (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) بالجزم جواب الأمر، والضَّمير لعبد الله بن أُبَيٍّ (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطَّبريِّ من طريق الشَّعبيِّ: لمَّا احتُضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله إنَّ أبي احتُضِر، فأُحبُّ أن تحضره وتصلِّي عليه، فكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النَّبيِّ ﷺ أن يحضر عنده ويصلِّي عليه، لا سيما وقد ورد ما يدلُّ على أنَّه فعل ذلك بعهدٍ من أبيه، فأخرج عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ،

стр. 3073

والطَّبريُّ من طريق سعيدٍ، كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أُبَيٍّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا دخل عليه (١)، قال: أهلكك حبُّ يهود؟ قال: يا رسول الله، إنَّما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يُعطيه قميصه يُكَفَّن فيه، قال في «الفتح»: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكَم بن أبَان، عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ (٢): لمَّا مرض عبد الله بن أُبَيٍّ، جاءه النَّبيُّ ﷺ ، فقال: امنن عليَّ، فكفِّنِّي في قميصك وصلِّ عليَّ، قال الحافظ ابن حَجَرٍ: وكأنَّه أراد بذلك دفع (٣) العار عن ولده وعشيرته بعد موته (٤)، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه (٥)، وقد (٦) وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٧) من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك؛ لِمَا (٨) سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلَّق بهذه القصَّة (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ) أي: أعطى النَّبيُّ ﷺ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأةً لأبيه عبد الله بن أُبيٍّ؛ لأنَّه لمَّا أُسِرَ العبَّاس ببدرٍ، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له -وكان رجلًا طويلًا- فألبسه قميصه، فكافأه ﷺ بذلك كي لا (٩) يكون لمنافقٍ عليه يدٌ لم يكافئه عليها، أو لأنَّه ما سُئل شيئًا قطُّ فقال: لا، أو إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأمَّا قول المهلَّب: رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يُظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك، فتعقَّبه ابن المنيِّر فقال: هذه هفوةٌ ظاهرةٌ، وذلك أنَّ الإسلام لا يتبعَّض، والعقيدة شيءٌ واحدٌ؛ لأنَّ بعض معلوماتها شرطٌ في البعض، والإخلال ببعضها إخلالٌ بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن

стр. 3074

بالبعض وكفر بالبعض؛ كما أنكر على من كفر بالكلِّ. انتهى. (فَقَالَ) ﵊: (آذِنِّي) بالمدِّ وكسر الذَّال المعجمة، أي: أعلمني (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، وبه جوابًا للأمر (فَآذَنَهُ) أعلمه (فَلَمَّا أَرَادَ) ﵊ (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) ابن الخطَّاب (¬﵁¬) بثوبه (فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ) أي: عن الصَّلاة (عَلَى المُنَافِقِينَ) وفهم ذلك عمر ﵁ من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لأنَّه لم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر هذا الحديث: فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي «تفسير سورة براءة» [خ¦٤٦٧٠] من وجهٍ آخرَ عن عبد الله بن عمر، فقال: تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فَقَالَ) ﵊: (أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ) بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ، تثنية: خِيَرَة، كعِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاويُّ: يريد التَّساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصَّ عليه بقوله: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فقال ﵊: «لأزيدنَّ على السَّبعين» [خ¦٤٦٧٠] ففهم من السَّبعين العدد المخصوص؛ لأنَّه الأصل (فَصَلَّى) ﵊ (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أُبَيٍّ (فَنَزَلَتْ) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) لأنَّ الصَّلاة دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ له، وهو ممنوعٌ في حقِّ الكافر، وإنَّما لم ينه عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصَّلاة عليه؛ لأنَّ الضِّنَّة بالقميص كان مخلًّا بالكرم، ولأنَّه كان مكافأةً لإلباسه العبَّاس قميصه كما مرَّ، وزاد أبو ذرٍّ في روايته: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» أي: ولا تقف على قبره للدَّفن أو الزِّيارة، واستُشكِلَ تخييره ﵊ بين الاستغفار لهم وعدمه مع قوله تعالى:

стр. 3075

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (١) [التوبة: ١١٣] فإنَّ هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالبٍ حين قال: «والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَى عنك» [خ¦١٣٦٠] وهو متقدِّمٌ على الآية الَّتي فهم منها التَّخيير، وأُجِيبَ بأنَّ المنهيَّ عنه في هذه الآية استغفارٌ مرجوُّ الإجابة، حتَّى لا (٢) يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم؛ كما في أبي طالبٍ، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنَّه استغفار لسانٍ (٣) قصد به تطييب قلوبهم. انتهى. وفي الحديث: أنَّه تحرم الصَّلاة على الكافر، ذمِّيٍّ وغيره. نعم يجب دفن الذِّمِّيِّ وتكفينه، وفاءً بذمَّته؛ كما يجب إطعامه وكسوته حيًّا، وفي معناه المعاهد والمؤمن بخلاف الحربيِّ والمرتدِّ والزِّنديق، فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم، وقد ثبت أمره ﵊ بإلقاء قتلى بدرٍ في القليب بهيئتهم، ولا يجب غسل الكافر؛ لأنَّه ليس من أهل التَّطهير، ولكنَّه يجوز، وقريبه الكافر أحقُّ به. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٦] و «التفسير» [خ¦٤٦٧٠]، ومسلمٌ في «اللِّباس» وفي «التَّوبة» والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «الجنائز» وابن ماجه فيه. ١٢٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زيادٍ النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ)

стр. 3076

سفيان (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن دينارٍ (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ ومفعولٍ (بَعْدَ مَا دُفِنَ) دُلِّي في حفرته، وكان أهله خشَوا على النَّبيِّ ﷺ المشقَّة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله ﵊، فلمَّا وصل وجدهم قد دلَّوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه (فَأَخْرَجَهُ) منها (فَنَفَثَ فِيهِ) أي: في جلده (مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ) إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه؛ كما في حديث ابن عمر، لكن استُشكِلَ هذا مع قول ابنه في حديث ابن عمر [خ¦١٢٦٩]: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفِّنه فيه، فأعطاه قميصه، وأجيب بأنَّ معنى قوله: فأعطاه، أي: أنعم عليه (١) بذلك، فأطلق على العِدَةِ اسم العطيَّة مجازًا لتحقُّق وقوعها، وقيل: أعطاه ﵊ أحد قميصَيْه أوَّلًا، ثمَّ لمَّا حضر أعطاه الثَّاني بسؤال ولده، وفي «الإكليل» للحاكم ما يؤيِّد ذلك. (٢٣) (باب الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ) هذه التَّرجمة ثابتةٌ للأكثرين، وسقطت للمُستملي، لكنَّه زادها في الَّتي قبلها عقب قوله «أو (٢) لا يُكَفُّ»، فقال: «ومن كُفِّن بغير قميصٍ» كما بيَّنته. ١٢٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولٍَ) كذا هنا (٣)، والَّذي في «اليونينيَّة» «أَثْوَابِ» بالخفض من غير تنوينٍ،

стр. 3077

«سحولَ» بفتح اللَّام، ولأبي ذَرٍّ: «أثوابٍ سُحول» وهو (١) بضمِّ السِّين فيهما، جمع: سحلٍ، وهو الثَّوب الأبيض النَّقيُّ، أو بالفتح نسبةً إلى سَحول، قريةٍ باليمن، وقوله: (كُرْسُفٍ) بضمِّ الكاف والسِّين، بينهما راءٌ ساكنةٌ، عطف بيانٍ لـ «سحول» أي: ثلاثة أثوابٍ بيضٍ نقيَّةٍ من قطنٍ (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) يحتمل نفي وجودهما بالكليَّة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثَّلاثة خارجةٌ عن القميص والعمامة، والأوَّل أظهر، وبه قال الشَّافعيُّ، وبالثَّاني قال المالكيَّة، نعم؛ يجوز التَّقميص عند الشَّافعيِّ (٢) من غير استحبابٍ؛ لأنَّ ابن عمر كفَّن ابنًا له في خمسة أثوابٍ: قميصٍ، وعمامةٍ، وثلاث (٣) لفائف، رواه البيهقيُّ، قال في «المهذَّب» و «شرحه»: والأفضل ألَّا يكون في الكفن قميصٌ ولا عمامةٌ، فإن كان لم يُكرَه، لكنَّه خلاف الأَولى؛ لخبر عائشة السَّابق. انتهى. ١٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ (٤) حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) (٥) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ). (٢٤) (باب الكَفَنِ وَلا عِمَامَةٌ) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «بلا عمامة» بالموحَّدة بدل الواو،

стр. 3078

ولأبي ذَرِّ عن المُستملي (١): «الكفن في الثِّياب البيض» والرِّواية الأولى أَولى، وإن كان الحديث شاملًا لهذه لئلَّا تتكرَّر التَّرجمة من غير فائدةٍ. ١٢٧٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، عبد الله الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ) في «طبقات ابن سعدٍ»، عن الشَّعبيِّ: إزارٌ ورداءٌ ولفافةٌ (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ). (٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ) أي: من رأسه لا من الثُّلث، وهو قول خِلَاسٍ، وقال طاوسٌ: من الثُّلث إن قلَّ المال، وهو مقدَّمٌ وجوبًا على الدُّيون اللَّازمة للميِّت؛ لحديث مصعب بن عُمَيرٍ لمَّا قُتِلَ يوم أحدٍ، ولم يوجد ما يكفَّن فيه إلَّا برده (٢)؛ فأمر ﵊ بتكفينه فيه، ولم يسأل، ولا (٣) يبعد من حال من ليس له إلَّا بردةٌ أن يكون عليه دينٌ، نعم يُقَدَّم حقٌّ تعلَّق بعين المال، كالزَّكاة، والمرهون، والعبد الجاني المتعلِّق برقبته مالٌ، أو قَوَدٌ وعُفِي على مالٍ، والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا (وَبِهِ) أي: بأنَّ الكفن (٤) من جميع المال (قَالَ

стр. 3079

عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله الدَّارميُّ (١) من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ) بن دعامة (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) ممَّا هو (٢) جميعه (٣) عند عبد الرَّزَّاق: (الحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ) أي: لا من الثُّلث (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ممَّا وصله الدَّارميُّ: (يُبْدَأُ بِالكَفَنِ) أي: ومؤونة (٤) التَّجهيز (ثُمَّ بِالدَّيْنِ) اللَّازم له لله، أو لآدميٍّ؛ لأنَّه أحوط للميِّت (ثُمَّ بِالوَصِيَّةِ) ثمَّ ما بقي للورثة، وأمَّا تقديم الوصيَّة عليه (٥) ذكرًا في قوله تعالى: ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فلكونها قربةً، والدَّين مذمومٌ غالبًا، ولكونها مشابهةً للإرث من جهة أخذها بلا عوضٍ، وشاقَّةً على الورثة، والدَّين (٦) نفوسهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه، فقُدِّمت عليه بعثًا على وجوب إخراجها، والمسارعة إليه (٧)، ولهذا عطف بـ «أو» للتَّسوية بينهما في الوجوب عليهم، وليفيد تأخُّر الإرث عن أحدهما، كما يفيد تأخُّره عنهما بمفهوم الأَولى (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا وصله الدَّارميُّ: (أَجْرُ) حفر (القَبْرِ وَ) أجر (الغَسْلِ هُوَ مِنَ الكَفَنِ) أي: من حكم الكفن في كونه من رأس المال لا من الثُّلث. ١٢٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ) الأزرقيُّ على الصَّحيح، ويقال: الزَّرقيُّ

стр. 3080

صاحب «تاريخ مكَّة»، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن (قَالَ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل (ابْنُ عَوْفٍ ﵁ يَوْمًا بِطَعَامِهِ) بالضَّمير الرَّاجع إليه، وكان صائمًا (فَقَالَ: قُتِلَ) بضمِّ القاف، مبنيًّا للمفعول (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ الميم وسكون الصَّاد وفتح العين (١) المهملتين، مرفوعٌ: نائبٌ عن الفاعل، و «عُمَير» بضمِّ العين مصغَّرًا القرشيُّ العبدريُّ، قال عبد الرَّحمن ابن عوفٍ: (وَكَانَ) مصعب (خَيْرًا مِنِّي) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدُهُ (٢)) بالضَّمير العائد على «مصعب»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو رواية الأكثر، قال: ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «إلَّا بردةٌ» بلفظ واحدِ البرود. انتهى. والَّذي في الفرع عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بالضَّمير، والبُرد: نمرةٌ، كالمئزر، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ ظاهره أنَّه لم يوجد ما يملكه إلَّا البردة المذكورة (وَقُتِلَ حَمْزَةُ) بن عبد المطَّلب في غزوة أُحدٍ (-أَوْ رَجُلٌ آخَرُ-) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في الفرع وأصله (٤) -: «إلَّا برده» بالضَّمير الرَّاجع لمصعبٍ (٥)، قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ: (لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ (٦) قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا) يعني:

стр. 3081

أصبنا ما كُتِبَ لنا من الطَّيِّبات في دنيانا، فلم يبقَ لنا بعد استيفاء حظِّنا شيءٌ منها (١)، والمراد بالحظِّ: الاستمتاع والتَّنعُّم الَّذي يشغل الالتذاذ (٢) به عن الدِّين وتكاليفه، حتَّى يعكف همَّته على استيفاء اللَّذات، أمَّا من تمتَّع بنعم الله ورزقه الَّذي خلقه الله (٣) تعالى لعباده؛ ليتقوَّى (٤) بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشُّكر، فهو عن ذلك بمعزلٍ (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرَّحمن (يَبْكِي) خوفًا من تخلُّفه عن اللَّحاق بالدَّرجات العُلى. وشيخ المؤلف من أفراده، والثَّلاثة البقيَّة مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا (٥) المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٧٥] و «المغازي» [خ¦٤٠٤٥]. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يُوجَدْ) للميِّت (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) اقتصر عليه. ١٢٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ، المجاور بمكَّة، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ»، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ) بإسقاط هاء الضَّمير (وَكَانَ) عبد الرَّحمن يومئذٍ (صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ

стр. 3082

-وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «في برده» بالضَّمير الرَّاجع إلى مصعب (٢) (إِنْ غُطِّيَ) بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول (رَأْسُهُ) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل (بَدَتْ) ظهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهر (رَأْسُهُ) قال المهلَّب وابن بطَّالٍ: وإنَّما استحبَّ (٣) أن يكفَّن في هذه البردة؛ لكونه قُتِل فيها، قال ابن حجرٍ: وفي هذا الجزم نظرٌ، بل الظَّاهر: أنَّه لم يجد (٤) له غيرها؛ كما هو مقتضى التَّرجمة (وَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ) عمُّ النَّبيِّ ﷺ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وروى الحاكم في «مستدركه» من حديث أنسٍ: أنَّ حمزة كُفِّن أيضًا كذلك (٥) (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة مَن قيل في حقِّه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العاجلة همَّه، ولم يرد غيرها، تفضَّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، وقُيِّد المعجَّل والمعجَّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنَّه لا يجد كلُّ متمنٍّ ما يتمنَّاه، ولا كلُّ واحدٍ جميع ما يهواه (ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) في وقت الإفطار. (٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يَجِدْ) من يتولَّى أمر الميِّت (كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي) يستر (رَأْسَهُ) مع بقيَّة جسده (أَوْ) يستر (قَدَمَيْهِ) مع بقيَّة جسده (غَطَّى) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «غُطِّي» بضمِّ المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رَأْسَهُ).

стр. 3083

١٢٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) (١) بضمِّ عين «عُمَر»، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة قال: (حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحَّدة الأولى بينهما ألفٌ، ابن الأَرَتِّ، بفتح الهمزة والرَّاء وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة (¬﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كوننا (نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته لا الدُّنيا، والمراد بالمعيَّة: الاشتراك في حكم الهجرة؛ إذ لم يكن معه ﵊ إلَّا أبو بكرٍ وعامر بن فهيرة (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) وفي روايةٍ [خ¦٣٩١٤]: «وجب أجرنا على الله» أي: وجوبًا شرعيًّا، أي: بما وجب بوعده الصِّدق لا عقليًّا؛ إذ لا يجب على الله شيءٌ (٢) (فَمِنَّا مَنْ مَاتَ (٣) لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ) من الغنائم الَّتي تناولها من أدرك زمن الفتوح (شَيْئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها؛ لينالها متوفِّرة (٤) في الآخرة (مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قصيٍّ، يجتمع مع النَّبيِّ ﷺ في قصيٍّ (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون، أي: أدركت ونضجت (لَهُ ثَمَرَتُهُ) ولأبي ذَرٍّ: «ثمره» (فَهُوَ يَهْدَُِبُهَا) بفتح (٥) المثنَّاة التَّحتيَّة

стр. 3084

وسكون الهاء وتثليث الدَّال، أي: يجنيها (١)، وعبَّر بالمضارع؛ ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له (٢) في مشاهدة السَّامع (قُتِلَ) أي: مصعبٌ (يَوْمَ أُحُدٍ) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافيَّةٌ (فَلَمْ نَجِدْ) له (٣) (مَا نُكَفِّنُهُ) زاد أبو ذَرٍّ: «به» (إِلَّا بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ) لقصرها (فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ) بطرف البردة (وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال المعجمة وكسر الخاء المعجمة (٤) والرَّاء، نبتٌ بالحجاز (٥) طيِّب الرَّائحة، وفي الحديث من الفوائد: أنَّ الواجب من الكفن ما يستر (٦) العورة، قال في «المجموع»: واحتمال أنَّه لم يكن له غير النَّمرة مدفوعٌ بأنَّه بعيدٌ ممَّن خرج للقتال، وبأنَّه لو سُلِّم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال، ثمَّ من المسلمين. انتهى. وقد يُقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر، وهو ساتر، ويُجاب بأنَّ التَّكفين به لا يكفي إلَّا عند تعذُّر التَّكفين بالثَّوب؛ كما صرَّح به الجرجانيُّ؛ لما فيه من الإزراء (٧) بالميِّت، على أنَّه ورد في أكثر طرق الحديث: أنَّه قُتِل يوم أحدٍ، فلم يخلف إلَّا (٨)

стр. 3085

نمرةً، وبالجملة، فالأصحُّ: أنَّ أقلَّ الكفن ساتر العورة، لكن استشكلَ الإسنويُّ الاقتصار على ساتر العورة بما في النَّفقات من أنَّه لا يحلُّ الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة وإن (١) لم يتأذَّ بحرٍّ أو بردٍ؛ لأنَّه تحقيرٌ وإذلالٌ، فامتناعه في الميِّت الحرِّ أَولى، وأجيب عنه بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي، إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحيُّ (٢) المفلس يبقى له ما يحمله لاحتياجه إلى التَّجمُّل للصَّلاة وبين النَّاس، ولأنَّ الميِّت يُستَر بالتُّراب عاجلًا بخلاف العبد، والأَولى أن يُجاب بأنَّه لا فرق بين المسألتين؛ إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًّا لله تعالى في السَّتر، بل لكونه حقًّا للعبد، حتَّى إذا أسقطه جاز، وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنَّه ممَّن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيءٌ. (٢٨) (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ) أي: أعدَّه، وليست السِّين للطَّلب (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخةٍ: «فلم ينكِر» بكسرها، على أنَّ فاعل الإنكار النَّبيُّ ﷺ . ١٢٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال (٣) (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ)
следующие страницы →