← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أصبنا ما كُتِبَ لنا من الطَّيِّبات في دنيانا، فلم يبقَ لنا بعد استيفاء حظِّنا شيءٌ منها (١)، والمراد بالحظِّ: الاستمتاع والتَّنعُّم الَّذي يشغل الالتذاذ (٢) به عن الدِّين وتكاليفه، حتَّى يعكف همَّته على استيفاء اللَّذات، أمَّا من تمتَّع بنعم الله ورزقه الَّذي خلقه الله (٣) تعالى لعباده؛ ليتقوَّى (٤) بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشُّكر، فهو عن ذلك بمعزلٍ (ثُمَّ جَعَلَ) عبد الرَّحمن (يَبْكِي) خوفًا من تخلُّفه عن اللَّحاق بالدَّرجات العُلى. وشيخ المؤلف من أفراده، والثَّلاثة البقيَّة مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا (٥) المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٧٥] و «المغازي» [خ¦٤٠٤٥]. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يُوجَدْ) للميِّت (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ) اقتصر عليه. ١٢٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ، المجاور بمكَّة، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ»، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ) أباه (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ) بإسقاط هاء الضَّمير (وَكَانَ) عبد الرَّحمن يومئذٍ (صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ

стр. 3082

-وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (١) والمُستملي: «في برده» بالضَّمير الرَّاجع إلى مصعب (٢) (إِنْ غُطِّيَ) بضمِّ الغين مبنيًّا للمفعول (رَأْسُهُ) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل (بَدَتْ) ظهرت (رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا) ظهر (رَأْسُهُ) قال المهلَّب وابن بطَّالٍ: وإنَّما استحبَّ (٣) أن يكفَّن في هذه البردة؛ لكونه قُتِل فيها، قال ابن حجرٍ: وفي هذا الجزم نظرٌ، بل الظَّاهر: أنَّه لم يجد (٤) له غيرها؛ كما هو مقتضى التَّرجمة (وَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ) عمُّ النَّبيِّ ﷺ (وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وروى الحاكم في «مستدركه» من حديث أنسٍ: أنَّ حمزة كُفِّن أيضًا كذلك (٥) (ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا-) شكٌّ من الرَّاوي (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة مَن قيل في حقِّه: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني: من كانت العاجلة همَّه، ولم يرد غيرها، تفضَّلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد، وقُيِّد المعجَّل والمعجَّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنَّه لا يجد كلُّ متمنٍّ ما يتمنَّاه، ولا كلُّ واحدٍ جميع ما يهواه (ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) في وقت الإفطار. (٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا لَمْ يَجِدْ) من يتولَّى أمر الميِّت (كَفَنًا إِلَّا مَا يُوَارِي) يستر (رَأْسَهُ) مع بقيَّة جسده (أَوْ) يستر (قَدَمَيْهِ) مع بقيَّة جسده (غَطَّى) (٦) ولأبي ذَرٍّ: «غُطِّي» بضمِّ المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رَأْسَهُ).

стр. 3083

١٢٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) (١) بضمِّ عين «عُمَر»، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة قال: (حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحَّدة الأولى بينهما ألفٌ، ابن الأَرَتِّ، بفتح الهمزة والرَّاء وتشديد المثنَّاة الفوقيَّة (¬﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كوننا (نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته لا الدُّنيا، والمراد بالمعيَّة: الاشتراك في حكم الهجرة؛ إذ لم يكن معه ﵊ إلَّا أبو بكرٍ وعامر بن فهيرة (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) وفي روايةٍ [خ¦٣٩١٤]: «وجب أجرنا على الله» أي: وجوبًا شرعيًّا، أي: بما وجب بوعده الصِّدق لا عقليًّا؛ إذ لا يجب على الله شيءٌ (٢) (فَمِنَّا مَنْ مَاتَ (٣) لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ) من الغنائم الَّتي تناولها من أدرك زمن الفتوح (شَيْئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها؛ لينالها متوفِّرة (٤) في الآخرة (مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار بن قصيٍّ، يجتمع مع النَّبيِّ ﷺ في قصيٍّ (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة وفتح النُّون، أي: أدركت ونضجت (لَهُ ثَمَرَتُهُ) ولأبي ذَرٍّ: «ثمره» (فَهُوَ يَهْدَُِبُهَا) بفتح (٥) المثنَّاة التَّحتيَّة

стр. 3084

وسكون الهاء وتثليث الدَّال، أي: يجنيها (١)، وعبَّر بالمضارع؛ ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له (٢) في مشاهدة السَّامع (قُتِلَ) أي: مصعبٌ (يَوْمَ أُحُدٍ) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافيَّةٌ (فَلَمْ نَجِدْ) له (٣) (مَا نُكَفِّنُهُ) زاد أبو ذَرٍّ: «به» (إِلَّا بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ) لقصرها (فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ) بطرف البردة (وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال المعجمة وكسر الخاء المعجمة (٤) والرَّاء، نبتٌ بالحجاز (٥) طيِّب الرَّائحة، وفي الحديث من الفوائد: أنَّ الواجب من الكفن ما يستر (٦) العورة، قال في «المجموع»: واحتمال أنَّه لم يكن له غير النَّمرة مدفوعٌ بأنَّه بعيدٌ ممَّن خرج للقتال، وبأنَّه لو سُلِّم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال، ثمَّ من المسلمين. انتهى. وقد يُقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر، وهو ساتر، ويُجاب بأنَّ التَّكفين به لا يكفي إلَّا عند تعذُّر التَّكفين بالثَّوب؛ كما صرَّح به الجرجانيُّ؛ لما فيه من الإزراء (٧) بالميِّت، على أنَّه ورد في أكثر طرق الحديث: أنَّه قُتِل يوم أحدٍ، فلم يخلف إلَّا (٨)

стр. 3085

نمرةً، وبالجملة، فالأصحُّ: أنَّ أقلَّ الكفن ساتر العورة، لكن استشكلَ الإسنويُّ الاقتصار على ساتر العورة بما في النَّفقات من أنَّه لا يحلُّ الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة وإن (١) لم يتأذَّ بحرٍّ أو بردٍ؛ لأنَّه تحقيرٌ وإذلالٌ، فامتناعه في الميِّت الحرِّ أَولى، وأجيب عنه بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي، إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحيُّ (٢) المفلس يبقى له ما يحمله لاحتياجه إلى التَّجمُّل للصَّلاة وبين النَّاس، ولأنَّ الميِّت يُستَر بالتُّراب عاجلًا بخلاف العبد، والأَولى أن يُجاب بأنَّه لا فرق بين المسألتين؛ إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًّا لله تعالى في السَّتر، بل لكونه حقًّا للعبد، حتَّى إذا أسقطه جاز، وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنَّه ممَّن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيءٌ. (٢٨) (باب مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ) أي: أعدَّه، وليست السِّين للطَّلب (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخةٍ: «فلم ينكِر» بكسرها، على أنَّ فاعل الإنكار النَّبيُّ ﷺ . ١٢٧٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال (٣) (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ)

стр. 3086

عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، سلمة بن دينارٍ الأعرج القاصِّ (١)، من عُبَّاد أهل المدينة وزهَّادهم (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (¬﵁: أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) رفعٌ بقوله: «منسوجةٍ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل، أي: أنَّها لم تقطع من ثوبٍ فتكون بلا حاشيةٍ، أو أنَّها جديدةٌ لم يُقطَع هدبها ولم تُلبَس بعدُ، قال سهلٌ: (أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «تدرون» بإسقاطها (مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ) سهلٌ: (نَعَمْ) هي، وفي تفسيرها بها (٣) تجوُّز؛ لأنَّ البردة: كساءٌ، والشَّملة: ما يُشتَمَل به، فهي أعمُّ، لكن لمَّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها (قَالَتْ) أي: المرأة للنَّبيِّ ﷺ : (نَسَجْتُهَا) أي: البردة (بِيَدِي) حقيقةً أو مجازًا (فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وعُرِفَ ذلك بقرينة حالٍ، أو تقدَّم قولٌ صريحٌ (فَخَرَجَ) ﵊ (إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ) وفي رواية هشام بن عمَّارٍ، عن عبد العزيز، عند (٤) ابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وعند الطَّبرانيِّ من رواية هشام بن سعدٍ، عن أبي حازمٍ: فاتَّزر بها، ثمَّ خرج (فَحَسَّنَهَا) أي: نسبها إلى الحُسن، وللمصنِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨١٠] من طريق يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازمٍ: فجسَّها، بالجيم من غير نونٍ (فُلَانٌ) هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ كما في «الطَّبرانيِّ»، فيما ذكره المحبُّ الطَّبريُّ في «الأحكام» له، لكن قال صاحب «الفتح» إنَّه لم يره في «المعجم الكبير»، لا في مسند سهلٍ، ولا عبد الرَّحمن، أو هو سعد بن أبي وقَّاصٍ، أو هو (٥) أعرابيٌّ كما في «الطَّبرانيِّ» من طريق زمعة بن صالحٍ عن أبي حازمٍ، لكنَّ زمعة ضعيفٌ (فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا!) بالنَّصب على التَّعجُّب (قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ) نفيٌ للإحسان (لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا) وفي نسخةٍ عند أبي ذَرٍّ: «محتاجٌ» بالرَّفع بتقدير: هو (ثُمَّ سَأَلْتَهُ) إيَّاها (وَعَلِمْتَ أَنَّهُ

стр. 3087

لَا يَرُدُّ) سائلًا بل يعطيه ما يطلبه (قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ) ﵊ (لأَلْبَسَهَا) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخةٍ: «لألبَسه» وهو الَّذي في الفرع وأصله (إِنَّمَا سَأَلْتُهُ) إياها (لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ) وعند «الطَّبرانيِّ» من طريق هشام بن سعدٍ: قال سهلٌ (١): فقلت للرَّجل: لِمَ سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنِّي أردت أن أخبأها حتَّى أُكفَّن فيها، فأفاد أنَّ المعاتب له من الصَّحابة سهلُ بن سعدٍ، وفي رواية أبي غسَّان [خ¦٦٠٣٦]: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ ﷺ ، وفيه التَّبرُّك بآثار الصَّالحين، وجواز إعداد الشَّيء قبل وقت الحاجة إليه، لكن قال أصحابنا: لا يُندب أن يعدَّ لنفسه كفنًا؛ لئلَّا يحاسب على اتِّخاذه، أي: لا (٢) على اكتسابه؛ لأنَّ ذلك ليس (٣) مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأنَّ تكفينه من ماله واجبٌ، وهو يحاسب (٤) عليه بكلِّ حالٍ، إلَّا أن يكون من جهة حِلٍّ وأثرِ ذي صلاحٍ، فَحَسُن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطَّيِّب وغيره، بل للوارث إبداله لأنَّه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك، ولو أعدَّ له قبرًا يُدفن فيه فينبغي أنَّه (٥) لا يُكرَه؛ لأنَّه للاعتبار، بخلاف الكفن، قاله الزَّركشيُّ. ورواة الحديث الأربعة مدنيُّون إلَّا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه ابن ماجه في «اللِّباس». (٢٩) (باب) حكم (اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «الجنازة».

стр. 3088

١٢٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بفتح القاف في الأوَّل وضمِّ العين وإسكان القاف في الثَّاني، السَّوائيُّ العامريُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ خَالِدٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن خالدٍ الحذَّاء» (عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ) بضمِّ الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (¬﵂ قَالَتْ) ولأبي ذَرٍّ: «أنها قالت»: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء، وعند الإسماعيليِّ من رواية يزيد بن أبي حكيمٍ، عن الثَّوريِّ بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله ﷺ (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، بدليل قولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ الياء وفتح الزَّاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتِّمٍ (١)، فكأنَّها قالت: كره لنا اتِّباع الجنائز من غير تحريمٍ، وهذا قول الجمهور، ورخَّص فيه مالكٌ، وكرهه للشَّابَّة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي، واستدلَّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأةً، فصاح بها، فقال: «دعها يا عمر … » الحديث، وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، ومن طريقٍ أخرى برجالٍ ثقاتٍ، وأمَّا ما رواه ابن ماجه أيضًا وغيره ممَّا يدلُّ على التَّحريم فضعيفٌ، ولو صحَّ حمل على ما يتضمَّن حرامًا. فائدة: روى الطَّبرانيُّ (٢) من طريق إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عطيَّة، عن جدَّته أمِّ عطيَّة، قالت: لمَّا دخل رسول الله ﷺ المدينة جمع النِّساء في بيتٍ، ثمَّ بعث إلينا عمر، فقال: إنِّي رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكنَّ، بعثني لأبايعكنَّ على ألَّا تسرقْن (٣)، وفي آخره: وأمَرَنا أن نخرج في العيد العواتقَ، ونهانا أن نخرج في جنازةٍ، قال في «الفتح»: وهذا يدلُّ على أنَّ رواية أمِّ عطيَّة الأولى من مرسل الصَّحابة. (٣٠) (باب حَدِّ المَرْأَةِ) من مصدر الثُّلاثيِّ، ولأبي ذَرٍّ: «إحداد المرأة» (عَلَى) ميِّتٍ (غَيْرِ

стр. 3089

زَوْجِهَا) ثلاثة أيَّامٍ؛ لما يغلب عليها من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد من غير وجوبٍ سواءً كان الميِّت قريبًا أو أجنبيًّا، وهو لغةً: المنع، واصطلاحًا: ترك التَّزيُّن بالمصبوغ من اللِّباس والخضاب والتَّطيُّب، والمشهور: أنَّه بالحاء المهملة، ويُروَى: الإجداد، بالجيم من جَدَدْتُ الشَّيء: قطعتُه؛ لأنَّها انقطعت عن الزِّينة وما كانت عليه. ١٢٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، ابن لاحقٍ قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) التَّميميُّ (١) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: تُوُفِي ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (¬﵂، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ) ولأبي ذر (٢) عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يومُ الثَّالث» بإضافة الصِّفة إلى الموصوف (دَعَتْ بِصُفْرَةٍ) بطيبٍ فيه صفرةٌ (فَتَمَسَّحَتْ بِهِ، وَقَالَتْ: نُهِينَا) ورواه أيُّوب عن ابن سيرين بلفظ «أُمرنا بأن لا نُحدَّ على هالك فوق ثلاث … » الحديث (٣)، ممَّا أخرجه عبد الرَّزَّاق، وللطَّبرانيِّ (٤)، عن ابن سيرين، عن أمِّ عطيَّة، بلفظ: قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول … ، فذكر معناه (أَنْ نُحِدَّ) على ميتٍ (٥)، والإحداد: ترك المرأة الزِّينة كلَّها من: اللِّباس والطِّيب والحليِّ والكحل والدُّهن عن

стр. 3090

الميِّت (١) (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) بلياليها، و «نُحِدَّ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٢) من الرُّباعيِّ، و «أَنْ» مصدريَّةٌ، وحُكِيَ: فتح أوَّله وكسر ثانيه وضمُّه (٣) من الثُّلاثي، ولم يعرف الأصمعيُّ إلَّا الأوَّل (إِلَّا بِزَوْجٍ) أي: بسببه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا لزوجٍ» باللَّام بدل الموحَّدة، وفي «العِدَد» من طريقه: «إلَّا على زوجٍ» [خ¦٥٣٣٤] وكلُّها بمعنى السَّببيَّة، ورواته بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول. ١٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال (٤): (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأمويُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) بضمِّ الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذَرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميَّة، ربيبة النَّبيِّ ﷺ ، أمُّها أمُّ المؤمنين: أمُّ سلمة (قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ) بسكون العين وتخفيف المثنَّاة، ولأبي ذَرٍّ: «نعِيُّ» بكسر العين وتشديد المثناة (٥)، أي: خبر موت (أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (مِنَ الشَّأْمِ) قال في «الفتح»: فيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلافٍ (٦) بين العلماء بالأخبار، والجمهور على أنَّه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل:

стр. 3091

سنة ثلاثٍ، قال: ولم أرَ في شيءٍ من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنُّها وهمًا، وعند ابن أبي شيبة، عن حُميد (١) بن نافعٍ: جاء نعيٌ لأخي أمِّ حبيبة، أو حميمٍ لها … الحديث، فلا مانع من التَّعدُّد (دَعَتْ) بنت أبي سفيان (أُمُّ حَبِيبَةَ) رملة أمُّ المؤمنين (¬﵂ بِصُفْرَةٍ) نوعٍ من الطِّيب، فيه صفرةٌ (فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا) هما جانبا الوجه فوق الذَّقن إلى ما تحت الأذن (وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً) فيه إدخالُ لام الابتداء على خبر «كان» الواقعة خبرًا لـ «إنَّ» (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) نفيٌ بمعنى: النَّهي على سبيل التَّأكيد (أَنْ تُحِدَّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ؛ كما جاء مصرَّحًا به في روايةٍ، والوصف بالإيمان فيه إشعارٌ بالتَّعليل، فإنَّ من آمن بالله ولقائه (٢) لا يجترئ على مثله من العظائم (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ) وجوبًا للإجماع على إرادته (٣) (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) من الأيَّام بلياليها، سواءٌ في ذلك الصَّغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الأقراء وغيرهما، وكذا الذِّمِّيَّة، وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإنَّ الذِّمِّيَّة كذلك، ومثلها فيما يظهر المعاهدةُ والمستأمنة، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيِّين، وأبو ثورٍ، وبعض المالكيَّة: لا يجب على الزَّوجة الكتابيَّة، بل يختصُّ بالمسلمة؛ لقوله: «تؤمن بالله (٤) … » إلى آخره، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا (٥) في (٦) إنكاره المفاهيم، وكذا التَّقييد بالأربعة (٧) أشهر وعشرٍ، خرج على غالب المعتدَّات،

стр. 3092

وإلَّا فالحامل بالوضع، وعليها الإحداد، سواءٌ قصرت المدَّة أو طالت. ورواته الثَّلاثة الأُوَل مكِّيُّون والرَّابع مدنيٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول. ١٢٨١ - ١٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء وسكون الزَّاي، و «عَمرو» بفتح العين (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) هو أبو أفلح (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) أنَّها (أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: لمَّا بلغها موت أبيها (١) أبي سفيان كما مرَّ [خ¦١٢٨٠] (فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ) كبيرةٍ أو صغيرةٍ (تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) هو من خطاب التَّهييج؛ لأنَّ المؤمن هو الَّذي ينتفع بخطاب الشَّارع وينقاد له، فهذا الوصف لتأكيد التَّحريم لما يقتضيه سياقه، ومفهومه: أنَّ خلافه منافٍ للإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فإنَّه يقتضي تأكيد أمر التَّوكل (٣) بربطه بالإيمان، وقوله: (تُحِدُّ) بحذف «أَنْ» النَّاصبة ورفع الفعل، مثل: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) من اللَّيالي (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أي: فإنَّها تحدُّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

стр. 3093

وَعَشْرًا) فالظَّرف متعلِّقٌ بمحذوفٍ في المستثنى، دلَّ عليه الفعل المذكور في المستثنى منه، والاستثناء متَّصلٌ، إن جعل بيانًا لقوله: «فوق ثلاثٍ»، فيكون (١) المعنى: لا يحلُّ لامرأةٍ أن (٢) تحدَّ أربعة أشهرٍ وعشرًا على ميِّت، إلَّا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا، وإن (٣) جعل معمولًا لـ «تحدَّ» مضمرًا، فيكون منقطعًا، أي: لكن تحدُّ على ميِّتٍ (٤) زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا. قالت زينب بنت أبي سلمة: (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِي أَخُوهَا) يحتمل (٥) على بُعْدٍ أن يكون هو عُبَيد الله، بالتَّصغير، الَّذي مات كافرًا بالحبشة بعد أن أسلم، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكَّر سوء مصيره، أو هو أخٌ لها من أمِّها، أو من الرَّضاع، وليس هو أخوها عبد الله -بفتح العين- لأنَّه استُشهِدَ بأحدٍ، وكانت زينب إذ ذاك صغيرةً جدًّا، ولا أخوها أبو أحمد عبدٌ بغير إضافةٍ؛ لأنَّه مات بعد أخته زينب بسنةٍ، كما جزم به ابن إسحاق وغيره، وقد استُشكِلَ التَّعبير بـ «ثمَّ» المقتضية للعطف على التَّراخي والتَّشريك في الحكم والتَّرتيب في قولها: «ثمَّ دخلت على زينب» إذ مقتضاه: أن تكون قصَّة زينب هذه بعد قصَّة أمِّ حبيبة، وهو غير صحيحٍ؛ لأنَّ زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصَّحيح، وأُجِيبَ بأنَّ في دلالة «ثمَّ» على التَّرتيب خلافًا، ولئن سلَّمنا ضعف الخلاف؛ فإنَّ «ثمَّ» هنا لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم، وذلك كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم، ثمَّ ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، أي: ثمَّ أخبرك بأنَّ الَّذي صنعته أمسِ أعجبُ (فَدَعَتْ (٦)) أي: زينب بنت جحشٍ (بِطِيبٍ فَمَسَّتْ) زاد أبو ذَرٍّ: «به» أي: شيئًا من جسدها (ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ) زاد أبو ذَرٍّ: «يقول»: (لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ) بحذف «أَنْ» والرَّفع (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وهذا الحديث هو العمدة في وجوب الإحداد على الزَّوج الميِّت، ولا خلاف فيه

стр. 3094

في الجملة وإن اختُلِفَ في بعض فروعه، واستُشكِلَ بأنَّ مفهومه: «إلَّا على زوجٍ»، فإنَّه يحلُّ لها الإحداد، فأين الوجوب؟ وأُجيبَ بأنَّ الإجماع على الوجوب، فاكتفى به، وأيضًا فإنَّ في حديث أمِّ عطيَّة النَّهي الصَّريح عن الكحل، وعن لبس (١) ثوبٍ مصبوغٍ، وعن الطِّيب، فلعلَّه مستند (٢) الإجماع، وفي حديث أمِّ سلمة (٣) عند النَّسائيِّ وأبي داود قالت: قال النَّبيُّ ﷺ : «لا تلبس المتوفَّى عنها زوجها المعصفر من الثِّياب» الحديث، وظاهره أنَّه مجزومٌ على النَّهي، وفي روايةٍ لأبي داود: «لا تحدُّ المرأة فوق ثلاثٍ إلَّا على زوجٍ، فإنَّها تحدُّ أربعة أشهرٍ وعشرًا» فهذا أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ ليس المراد معنى الخبر (٤)، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به: الأمر اتِّفاقًا، والله أعلم (٥). (٣١) (باب) مشروعيَّة (زِيَارَةِ القُبُورِ) وسقط الباب والتَّرجمة لابن عساكر. ١٢٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا

стр. 3095

ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ) زاد في رواية يحيى بن أبي كثيرٍ، عند عبد الرَّزَّاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ أو غيره، ولم تُعرَف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في روايةٍ لمسلمٍ (١) ما يشعر بأنَّه ولدها، ولفظه: تبكي على صبيٍّ لها، وصُرِّح به في مرسل يحيى بن أبي كثيرٍ المذكور، ولفظه: قد أُصيبتْ بولدها (فَقَالَ) لها: يا أمة الله (اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي) قال الطِّيبيُّ: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثَّواب (قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي) أي: تنحَّ وابعُدْ، فهو من أسماء الأفعال (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح الصَّاد في «تُصَب» مبنيًّا للمفعول، وعند المصنِّف في «الأحكام» من وجهٍ آخر عن شعبة: فإنَّك خِلْوٌ من مصيبتي [خ¦٧١٥٤] بكسر الخاء المعجمة وسكون اللَّام، خاطبته بذلك (وَ) الحال أنَّها (لَمْ تَعْرِفْهُ) إذ لو عرفته؛ لم تخاطبه بهذا الخطاب (فَقِيلَ لَهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «لم تُصَبْ بمصيبتي، فقيل لها»: (إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وعند المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٥٤]: فمرَّ بها رجلٌ، فقال لها (٢): إنَّه رسول الله ﷺ ، وفي رواية أبي يَعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت له (٣): لا، وللطَّبرانيِّ في «الأوسط» من طريق عطيَّة عن أنسٍ: أنَّ الَّذي سألها هو الفضل بن العبَّاس، وزاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الَّذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ ، وإنَّما اشتبه عليها ﷺ ؛ لأنَّه من تواضعه لم يكن يستتبع النَّاس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء (فَأَتَتْ) بَابَ (النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) يمنعون النَّاس من الدُّخول عليه، وفي رواية «الأحكام»: «بوَّابًا» [خ¦٧١٥٤] بالإفراد، فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح «المشكاة» بأنَّه لما قيل لها: إنَّه النَّبيُّ ﷺ استشعرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ أو بوَّابٌ، يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ) معتذرةً عمَّا سبق منها، حيث قالت: «إليك عنِّي»: (لَمْ أَعْرِفْكَ) فاعذرني

стр. 3096

من تلك الرَّدَّة وخشونتها (فَقَالَ) لها ﵊: (إِنَّمَا الصَّبْرُ) الكامل (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار؛ فإنَّ من شيمتي ألَّا أغضب إلَّا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثَّواب بالجزع، وعدم الصَّبر أوَّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵊ تلك الجفوة، لصدورها عنها في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبيَّن (١) لها أنَّ حقَّ هذا الصَّبر أن يكون في أوَّل الحال، فهو الَّذي يترتَّب عليه الثَّواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنَّه على طول الأيَّام يسلو كما يقع لكثيرٍ من أهل المصائب، بخلاف أوَّل وقوع المصيبة، فإنَّه يصدم القلب بغتةً، وقد قيل: إنَّ المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يؤجر على حسن نيَّته، وجميل صبره، ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيبَ: من حيث إنَّه ﷺ لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميِّتها، وإنَّما أمرها بالصَّبر والتَّقوى؛ لِمَا رأى من جزعها، فدلَّ على الجواز، واستُدِلَّ به على زيارة القبور، سواءٌ كان الزَّائر رجلًا أو امرأة، وسواءٌ كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النَّوويُّ: وبالجواز قَطَع الجمهور، وقال صاحب «الحاوي» أي: الماورديُّ: لا تجوز زيارة قبر الكافر. وهو غلطٌ. انتهى. وحجَّة الماورديِّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي الاستدلال بذلك نظرٌ لا يخفى، وبالجملة: فتستحَبُّ زيارة قبور المسلمين للرِّجال؛ لحديث مسلمٍ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنَّها تذكِّر الآخرة»، وسُئِلَ مالكٌ عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثمَّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسانٌ ولم يقل إلَّا خيرًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا، وعن طاوس: كانوا يستحبُّون ألَّا يتفرَّقوا عن الميِّت سبعة أيَّام؛ لأنَّهم يُفتنون ويحاسَبون في قبورهم سبعة أيَّامٍ، وتُكرهَ للنِّساء لجزعهنَّ (٢)، وأمَّا حديث أبي هريرة المرويُّ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ-: «لعن الله زوَّارات القبور»

стр. 3097

فمحمولٌ على ما إذا كانت زيارتهنَّ للتَّعديد والبكاء والنَّوح على ما جرت به عادتهنَّ، وقال القرطبيُّ: وحمل بعضهم حديث التِّرمذيِّ في المنع على من تكثر الزِّيارة؛ لأنَّ «زوَّارات» للمبالغة. انتهى. لو قيل بالحرمة في حقِّهن في هذا الزَّمان، ولا سيَّما نساء مصر لَمَاَ بَعُدَ؛ لِمَا في خروجهنَّ من الفساد، ولا يكره لهنَّ زيارة قبر النَّبيِّ ﷺ ، بل تندَب، وينبغي -كما قال ابن الرِّفعة والقمُوليُّ- أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك. وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه (١) في «الجنائز» [خ¦١٢٥٢] و «الأحكام» [خ¦٧١٥٤] ومسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ. (٣٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف في الباب، عن ابن عبَّاسٍ عن عمر [خ¦١٢٨٧] (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ) المتضمِّن للنَّوح المنهيِّ عنه (عَلَيْهِ) وليس المراد دمَعَ العين؛ لجوازه، وإنَّما المراد البكاء الَّذي يتْبعه النَّدب والنَّوح، فإنَّ ذلك إذا اجتمع سُمِّي بكاءً، قال الخليل: من قَصَر البكا، ذهب به إلى معنى الحزن، ومَن مدَّه ذهب به إلى معنى الصَّوت، وقيَّده (٢) بالبعضيَّة تنبيهًا على أنَّ حديث ابن عمر [خ¦١٢٨٦] المطلق محمولٌ على حديث ابن عبَّاسٍ عن

стр. 3098

عمر [خ¦١٢٨٧] الآتي كلٌّ منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب (إِذَا كَانَ) الميِّت في حال حياته راضيًا بذلك بأن يكون (النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ) بضمِّ السِّين وتشديد النُّون، أي: من طريقته وعادته، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: هذا منه، أي: من المؤلِّف، حملٌ للنَّهي عن ذلك، أي: أنَّه يوصي بذلك، فيعذَّب بفعل نفسه، فتعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» بأنَّ الظَّاهر أنَّ البخاريَّ لا يعني الوصيَّة، وإنَّما يعني العادة، وعليه يدلُّ قوله: «من (١) سنَّته» إذ السُّنَّة: الطَّريقة والسِّيرة، يعني: إذا كان الميِّت قد عوَّد أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته، وينوحوا عليه بما لا يجوز، وأقرَّهم على ذلك، فهو داخلٌ في الوعيد، وإن لم يوصِ، فإنْ أوصى فهو أشدُّ. انتهى. وليس قوله: «إذا كان النَّوح من سنَّته» من المرفوع، بل هو من كلام المؤلِّف، قاله تفقُّهًا (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾) بترك المعاصي الشَّاملة للنَّوح وغيره (﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]) بالنُّصح والتَّأديب لهم، فمنَ علم أنَّ لأهله عادةً بفعلٍ منكرٍ من نَوحٍ أو غيره، وأهمل نهيَهم عنه، فما وقى أهله ولا نفسه من النَّار (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا تقدَّم موصولًا في حديثٍ لابن (٣) عمر في «الجمعة» [خ¦٨٩٣]: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فمَن ناح ما (٤) رعى نفسه ولا رعيَّته الَّذين هم أهله؛ لأنَّهم يقتدون به في سنَّته (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ) النَّوح، كمن لا شعور عنده بأنَّهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدَّى ما عليه بأن نهاهم (فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) مستدلَّةً لما أنكرت على عمر ﵁ حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا [خ¦١٢٨٨]:

стр. 3099

«إنَّ الميِّت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه» بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَزِرُ﴾) سقطت الواو من «﴿وَلَا تَزِرُ﴾» لغير أبي ذرٍّ (١)، لا تحمل (﴿وَازِرَةٌ﴾) نفسٌ آثمةٌ (﴿وِزْرَ﴾) نفسٍ (﴿أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) والجملة جواب «إذا» المتضمِّنة (٢) معنى الشرط، والحاصل: أنَّه إذا لم يكن من سنَّته؛ فلا شيء عليه، كقول عائشة، فالكاف للتَّشبيه و «ما» مصدريَّةٌ، أي: كقول عائشة ﵂ (وَهُوَ) أي: ما استدلَّت به عائشة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (كَقَوْلِهِ (٣): ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ -ذُنُوبًا- ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾) وليست: «ذنوبًا»، من التِّلاوة وإنَّما هو في «تفسير مجاهد»، فنقله المصنِّف عنه، والمعنى: وإن تَدعُ نفسٌ أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يُحمل بعض ما عليها (﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾) أي: من وزره (﴿شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨]) وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضَّالين المضلِّين، فإنَّهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكلُّ ذلك أوزارهم ليس فيها شيءٌ من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو كقوله: «﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾» وقعت في رواية أبي ذرٍّ وحده، كما أفاده في «الفتح»، ثمَّ عطف المؤلِّف على أوَّل التَّرجمة قوله: (وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ) في المصيبة (فِي غَيْرِ نَوْحٍ) وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ، وصحَّحه الحاكم، لكن ليس على شرط المؤلِّف، ولذا اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدَّالَّة على مقتضاه (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا وصله المؤلِّف في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٧] وغيرها، من جملة حديثٍ لابن مسعودٍ: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) أي: من حيث الظُّلم (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل الَّذي قتل

стр. 3100

هابيل ظلمًا وحسدًا (كِفْلٌ) أي: نصيبٌ (مِنْ دَمِهَا، وَذَلِكَ) أي: كون الكفل على ابن آدم الأوَّل (لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ) ظلمًا، أي: فكذلك من كانت طريقته النَّوح على الميِّت؛ لأنَّه سنَّ النِّياحة في أهله، وفيه الرَّدُّ على القائل بتخصيص التَّعذيب بمن يباشر الذَّنب بقوله أو فعله، لا بمن كان سببًا فيه، ولا يخفى سقوطه. ١٢٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وإسكان الموحَّدة، عبد الله بن عثمان (وَمُحَمَّدٌ) هو ابن مقاتلٍ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ) ولأبي ذَرٍّ: «بنت» (النَّبِيِّ ﷺ ¬) زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ) أي: في حال القبض ومعالجة الرُّوح، فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنَّه في حالةٍ كحالة النَّزع، قيل: الابن المذكور هو عليُّ بن أبي العاص بن الرَّبيع، واستُشكِلَ بأنَّه عاش حتَّى ناهز الحلم، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أردفه على راحلته يوم الفتح، فلا يقال فيه: صبيٌّ

стр. 3101

عرفًا، أو هو عبد الله بن عثمان بن عفَّان من رقيَّة بنته ﷺ ؛ لما رواه البلاذريُّ في «الأنساب»: أنَّه لمَّا تُوفِّي وضعه النَّبيُّ ﷺ في حجره وقال: «إنَّما يرحم الله من عباده الرُّحماء»، أو: هو محسنٌ؛ لما روى البزَّار في «مسنده» عن أبي هريرة، قال: ثقل ابنٌ لفاطمة ﵂، فبعثت إلى النَّبيِّ ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب، ولا ريب أنَّه مات صغيرًا، أو: هي أُمامة بنت زينب لأبي العاص بن الرَّبيع؛ لما عند أحمد، عن أبي معاوية بسند البخاريِّ، وصوَّبه الحافظ ابن حجرٍ، وأجاب عما استُشكِلَ -من قوله: «قُبِضَ»، مع كون أمامة عاشت بعد النَّبيِّ ﷺ حتَّى تزوَّجها عليُّ بن أبي طالبٍ، وقُتِل عنها- بأنَّ الظَّاهر: أنَّ الله أكرم نبَّيه ﵊ لما سلَّم لأمر ربِّه، وصبَّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرَّحمة والشَّفقة بأن عافى ابنة ابنته، فخلصت من تلك الشِّدَّة، وعاشت تلك المدَّة، وقال العينيُّ: الصَّواب قول من قال: «ابني» أي: بالتَّذكير، لا ابنتي بالتَّأنيث؛ كما نصَّ عليه في حديث الباب، وجمع البرماويُّ بين ذلك باحتمال تعدُّد الواقعة في بنتٍ واحدةٍ أو بنتين، أرسلت زينب في عليٍّ أو أمامة، أو رقيَّة في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليٍّ (فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ) ﵊ (يُقْرِئُ) عليها¬ (السَّلَامَ) بضمِّ الياء، من «يُقرِئُ» (ويَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الَّذي أراد أن يأخذه هو الَّذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، وقدَّم الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخِّرًا في الواقع؛ لأنَّ المقام يقتضيه، ولفظ: «ما» في الموضعين مصدريَّةٌ، أي: إنَّ لله الأخذ والإعطاء، أو موصولةٌ، والعائد محذوفٌ وكذا الصِّلة للدَّلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاؤه وغيرهما (وَكُلٌّ عِنْدَهُ) أي: وكلُّ من الأخذ والإعطاء عند الله، أي: في علمه

стр. 3102

(بِأَجَلٍ مُسَمًّى) مقدَّرٍ (١) ومؤجَّل (فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب من ربِّها؛ ليحسب (٢) لها ذلك من عملها الصَّالح (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ) ﷺ حال كونها (تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ) ووقع في رواية عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أنَّها راجعته مرَّتين، وأنَّه إنَّما قام في ثالث مرَّةٍ (وَمَعَهُ) بإثبات واو الحال، وللحَمُّويي والمُستملي: «معه» (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ) آخرون ذكر منهم في غير هذه الرِّواية: عبادة بن الصَّامت، وأسامة راوي الحديث، فمشوا إلى أن دخلوا بيتها (فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّبِيُّ) أو: الصَّبيَّة، و «رفع» بالرَّاء، وفي رواية حمَّادٍ [خ¦٧٣٧٧]: «دُفِعَ» بالدَّال، وبيَّن شعبة في روايته [خ¦٥٦٥٥]: أنَّه وضع في حجره ﵊ (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ) بتاءين في أوَّله، أي: تضطرب وتتحرَّك، أي: كلمَّا صار إلى حالةٍ لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى؛ لقربه من الموت، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ (قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ (٣) قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ) بفتح الشِّين المعجمة وتشديد النُّون: قربةٌ خَلِقَةٌ يابسةٌ، وجزم به (٤) في رواية حمَّادٍ [خ¦٧٣٧٧] ولفظه: ونفسه تتقعقع كأنَّها في (٥) شَنٍّ (فَفَاضَتْ) ولأبي ذرٍّ: «وفاضت» (عَيْنَاهُ) ﷺ بالبكاء، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ البكاء العاري عن النَّوح لا يؤاخذ به الباكي، ولا الميِّت (فَقَالَ سَعْدٌ) هو ابن عبادة المذكور: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟) وفي رواية عبد الواحد [خ¦٧٤٤٨] قال سعد بن عبادة: تبكي؟ وزاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: وتنهى عن البكاء (فَقَالَ) ﵊: (هَذِهِ) الدَّمعة الَّتي تراها من حزن القلب بغير تعمُّدٍ ولا استدعاءٍ لا مؤاخذة عليها (رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ) تعالى (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإنَّما» (يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) نصبٌ على أنَّ «ما» في قوله: «وإنَّما» (٦) كافَّةٌ، ورفعٌ على أنَّها (٧)

стр. 3103

موصولةٌ، أي: إنَّ الَّذين يرحمهم الله من عباده الرُّحماء، جمع رحيمٍ من صيغ المبالغة، ومقتضاه: أنَّ رحمته تعالى تختصُّ بمن اتَّصف بالرَّحمة وتحقَّق بها، بخلاف مَن فيه أدنى رحمةٍ، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمروٍ، عند أبي داود وغيره: «الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن»، والرَّاحمون: جمع راحمٍ، فيدخل فيه كلُّ مَن فيه أدنى رحمةٍ، فإن قلت: ما الحكمة في إسناد فعل الرَّحمة في حديث الباب إلى الله، وإسناده في حديث أبي داود المذكور (١) إلى الرَّحمن؟ أجاب الخُوَيِّيُّ (٢)، بما حاصله: أنَّ لفظ الجلالة دالٌّ على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنَّه حيث ورد، يكون الكلام مسوقًا للتَّعظيم، فلمَّا ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت؛ ليكون الكلام جاريًا على نسق التَّعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإنَّ لفظ الرَّحمن دالٌّ على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلُّ ذي رحمةٍ وإن قلَّت. ورواةُ الحديث الثَّلاثة الأُول مروزيُّون، وعاصم وأبو عثمان بصريَّان، وفيه التَّحديث، والإخبار، والقول، وأخرجه أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٥] و «النُّذور» [خ¦٦٦٥٥] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٨]، ومسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 3104

١٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال (١) (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو العقديُّ (قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الخزاعيُّ (٢) (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) العامريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ) أي: جنازتها، وكانت سنة تسعٍ، ولأبي ذَرٍّ: «بنتًا للنَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) هي: أمُّ كلثومٍ زوج عثمان بن عفَّان (٣) ﵁، لا رقيَّة، لأنَّها توفِّيت والنَّبيُّ ﷺ ببدرٍ، فلم يشهد جنازتها (قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) جملةٌ وقعت حالًا (جَالِسٌ عَلَى) جانب (القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) بفتح الميم، وهذا موضع التَّرجمة كما لا يخفى (قَالَ: فَقَالَ) ﵊: (هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟) بقافٍ ثمَّ فاءٍ، وزاد ابن المبارك عن فُليح: أُراه يعني: الذَّنب، ذكره المصنِّف تعليقًا في «باب من يدخل قبر المرأة» [خ¦١٣٤٢] ووصله الإسماعيليُّ وقيل: لم يجامع تلك اللَّيلة، وبه جزم ابن حزمٍ، وفي رواية ثابتٍ عن أنسٍ عند المؤلِّف في «التَّاريخ الأوسط»: «لا يدخل القبر أحدٌ قارف اللَّيلة» فتنحَّى عثمان (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريُّ: (أَنَا) لم أقارف اللَّيلة، قيل: والسِّرُّ في إيثار أبي طلحة على عثمان: أنَّ عثمان (٤) قد جامع بعض جواريه تلك اللَّيلة، فتلطَّف النَّبيُّ ﷺ في منعه من النُّزول في قبر زوجته، حيث لم يعجبه أنَّه اشتغل عنها تلك اللَّيلة بذلك، لكن يحتمل أنَّه طال مرضها، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظنُّ أنَّها تموت تلك اللَّيلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنَّه واقعَ بعد موتها، بل ولا حين احتضارها (قَالَ) ﵊ لأبي طلحة:

стр. 3105

(فَانْزِلْ (١)) بالفاء (قَالَ (٢): فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا). وفي الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف (٣) أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٤٢]. ١٢٨٦ - ١٢٨٧ - ١٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، عبد الله بن عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بتصغير عبد الثاني، كـ «مُلَيْكَة»، واسمه: زهيرٌ (قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ) هي: أمُّ أبَان كما صُرِّح به في «مسلمٍ» (وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر و (٤) ابن عبَّاسٍ (أَوْ

стр. 3106

قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا) شكَّ ابن جريجٍ (ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي) زاد مسلمٌ من طريق أيُّوب عن ابن أبي (١) مُلَيكة: فإذا صوتٌ من الدَّار، وعند الحُميديِّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن ابن أبي مليكة: فبكى النِّساء (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أخيها: (أَلَا تَنْهَى) النِّساء (٢) (عَنِ البُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ (٣) بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فأرسلها (٤) مرسَلةً، ولمسلمٍ عن عمرة بنت عبد الرَّحمن: سمعت عائشة، وذكر لها أنَّ عبد الله بن عمر يقول: «إنَّ الميِّت يعذب ببكاء الحيِّ عليه … » الحديث، أي: سواءً كان الباكي من أهل الميِّت أَمْ لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله: «ببكاء أهله» خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ المعروف (٥) أنَّه إنَّما يبكي على الميِّت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا عند ابن أبي شيبة: «من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» فيُحمَل المطلق في حديث الباب على هذا المقيَّد. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ) أي: ابن عبَّاس (قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ) قافلًا من حجَّةٍ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، مفازةٌ بين مكَّة والمدينة (إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ) أصحاب إبلٍ عشرةٍ فما فوقها مسافرين، فاجؤوه (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم: شجرةٌ عظيمةٌ من العضاه (فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ:

стр. 3107

فَنَظَرْتُ، فَإِذَا (١) صُهَيْبٌ) بضم الصَّاد، ابن سنان بن قاسطٍ؛ بالقاف، وكان من السَّابقين الأوَّلين المعذَّبين في الله (فَأَخْبَرْتُهُ) أي: أخبرت عمر بذلك (فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ) له: (ارْتَحِلْ فَالحَقْ) بكسر الحاء المهملة في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، أمرٌ (٢) من اللُّحوق (بأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ) كذا لأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): بالموحَّدة قبل الهمزة، ولغيره: «فالحق أمير المؤمنين» فلحق به حتَّى دخلنا المدينة (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ) ﵁ بالجراحة الَّتي مات بها، وكان ذلك عقب حجِّه المذكور (دَخَلَ صُهَيْبٌ) حال (٤) كونه (يَبْكِي) حال كونه (يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ (٥)) بألف النُّدبة فيهما؛ لتطويل مدِّ الصَّوت، وليست علامة إعرابٍ في الأسماء السِّتَّة، والهاء للسَّكت لا ضميرٌ، لكنَّ الشَّرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيُقَدَّر أنَّ الأخوَّة والصَّاحبيَّة كانا معلومين معروفين حتَّى يصحَّ وقوعهما للنُّدبة (فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ (٦) بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) قيَّده ببعض البكاء فحُمِل على ما فيه نياحةٌ جمعًا بين الأحاديث. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ (٧) اللهُ عُمَرَ) قال الطِّيبيُّ: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: «يرحم الله عمر» تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ (واللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ

стр. 3108

عَلَيْهِ) يحتمل أن يكون جزمها بذلك؛ لكونها سمعت صريحًا من النَّبيِّ ﷺ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن (لَكِنْ) بإسقاط الواو، ولأبي ذَرٍّ: «ولكن» (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بإسكان نون «لكنْ»، فـ «رسولُ» (١) مرفوعٌ، وبتشديدها فهو منصوبٌ (قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ) أي: كافيكم أيُّها المؤمنون قوله تعالى في (٢) القرآن: (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]) أي: لا تؤاخَذ نفسٌ بذنب غيرها (٣) (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ (٤) ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]) تقريرٌ لنفي ما ذهب إليه ابن عمر: من أنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله، وذلك أنَّ بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك، فعند ذلك سكت ابن عمر، كما (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا) بعد ذلك، لكن قال الزَّين بن المُنيِّر: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة، وقال القرطبيُّ: ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلًا للتَّأويل، ولم يتعيَّن له محملٌ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيِّن الحاجة حينئذٍ، وقال الخطَّابيُّ: الرِّواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيلٌ بالظَّنِّ، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع (٥) روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما، فالميِّت إنَّما تلزمه العقوبة بما تقدَّم من وصيَّته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجودٌ في أشعارهم كقول طرفة بن العبد: إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنةَ معبدِ وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه» كما مرَّ، وبه قال

стр. 3109

المزنيُّ وإبراهيم الحربيُّ وآخرون من الشَّافعيَّة وغيرهم، فإذا (١) لم يوص به الميِّت لم يُعذَّب، قال الرَّافعيُّ: ولك أن تقول: ذنب الميِّتِ الأمرُ بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه، وأُجِيبَ بأنَّ الذَّنب على السَّبب يعظم بوجود المُسبَّب، وشاهده حديث: «من سنَّ سنَّةً سيِّئةً»، وقيل: التَّعذيب: توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به؛ كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: «الميِّت يُعذَّب ببكاء الحيِّ إذا قالت النَّائحة: وا عضداه، وا ناصراه، وا كاسياه (٢)، جُبذ (٣) الميت، وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها (٤)؟»، وقال الشَّيخ أبو حامدٍ: الأصحُّ أنَّه محمولٌ على الكافر وغيره من أصحاب الذُّنوب. ١٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ) أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة: (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تقول (٥)): أي: لمَّا قيل لها: إنَّ عبد الله بن عمر يقول: «إنَّ الميِّت ليعذَّب ببكاء الحيِّ عليه»، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن، أَمَا إنَّه لم يكذب، ولكنَّه نسي أو أخطأ، كذا في «الموطَّأ» و «مسلمٍ»: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ (٦) عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) بكفرها، في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء.

стр. 3110

١٢٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) الخزَّاز (١) -بزاءَين معجمتين- الكوفيُّ، قال المؤلِّف: جاءنا نعيه سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) سليمان (وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشِّين المعجمة (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى: عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁¬) بالجراحة التي مات منها (جَعَلَ صُهَيْبٌ) ﵁ يبكي و (يَقُولُ: وَاأَخَاهُ) بألف النُّدْبة، وهاءِ السَّكت ساكنةٍ في «اليونينيَّة» (٢) (فَقَالَ عُمَرُ) منكرًا عليه بكاءه؛ لرفعه صوته بقوله: «واأخاه» خوفًا من استصحابه ذلك، أو زيادته عليه بعد موته: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ) أي: المقابل للميِّت، أو المراد بالحيِّ: القبيلة، وتكون اللَّام فيه بدلًا من الضَّمير، والتَّقدير: يُعذَّب ببكاء حيِّه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرِّواية الأخرى [خ¦١٢٨٦]: «ببكاء أهله عليه»، وهو صريحٌ في أنَّ الحكم ليس خاصًّا بالكافر، وظاهره: أنَّ صهيبًا سمع الحديث من النَّبيِّ ﷺ ، وكأنَّه نسيه حتَّى ذكَّره به عمر ﵄. ورواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز». (٣٣) (باب مَا يُكْرَهُ) كراهة تحريمٍ (مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ) و «مِنْ» لبيان الجنس، و «النِّياحة»: رفع الصَّوت بالنَّدب، قاله (٣) في «المجموع»، وقيَّده غيره بالكلام المسجَّع (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) لمَّا مات خالد بن الوليد ﵁ سنة إحدى وعشرين بحمص أو ببعض قراها أو

стр. 3111

بالمدينة، واجتمع نسوةُ المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهنَّ فانْهَهُنَّ؛ فقال: (دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ) هي كنية خالدٍ (مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ) (١) بفتح النُّون وسكون القاف، آخره عينٌ مهملةٌ (أَوْ لَقْلَقَةٌ) بلامين وقافين، وهذا الأثر وصله المؤلِّف في «تاريخه الأوسط» من طريق الأعمش عن شقيقٍ، قال المؤلِّف كالفرَّاء: (وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ) أي: يوضع (عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ) المرتفع، وقال الإسماعيليُّ: «النَّقع» هنا: الصَّوت العالي، و «اللقَّلقة»: حكاية ترديد صوت (٢) النَّوَّاحة، وحكى سعيد بن منصورٍ: أنَّ النَّقع شقُّ الجيوب، وحُكِيَ في «مصابيح الجامع» عن الأكثرين: أنَّ النَّقع رفع الصَّوت بالبكاء، قال الزَّركشيُّ: والتَّحقيق: أنَّه مشتَركٌ، يُطلَق على الصَّوت (٣) وعلى الغبار، ولا يبعد أن يكونا مرادين، يعني: في قوله: «ما لم يكن نقعٌ أو لقلقةٌ»، لكن حمله على وضع التُّراب أَولى؛ لأنَّه قرن به اللَّقلقة وهي الصَّوت، فحَملُ اللفظ على معنيين أَولى من معنًى واحدٍ. ١٢٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال (٤): (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بكسر العين في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني مصغَّرًا غير مضافٍ، هو أبو الهذيل الطَّائيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء، الوالبيُّ -بالموحَّدة- الأسديُّ (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (¬﵁ قَالَ (٥): سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ) بفتح الكاف وكسر الذَّال (٦) المعجمة (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) غيري، قال ابن حجرٍ: معناه: أنَّ الكذب على الغير قد أُلِفَ واستُسهِلَ خَطْبُهُ، وليس

стр. 3112

الكذب عليه بالغًا مبلغ ذلك في السُّهولة، وإذا كان دونه في السُّهولة فهو أشدُّ منه في الإثم، وبهذا التَّقرير يندفع اعتراض من أَورَدَ: أنَّ الَّذي يدخل عليه الكاف أتمُّ، والله أعلم (١)، فإنَّه (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ) أي: فليتَّخذ (مَقْعَدَهُ) مسكنه (مِنَ النَّارِ) فهو أشدُّ في الإثم من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا باقيًا إلى يوم القيامة. (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة وفتح الحاء؛ مبنيًّا للمفعول من الماضي (يُعَذَّبْ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مجزومٌ، فـ «مَنْ» شرطيَّةٌ، وفيه استعمال الشَّرط بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويُروى: «يعذبُ» بالرَّفع؛ وهو الذي في «اليونينيَّة» (٢)، فـ «مَنْ» موصولةٌ أو شرطيَّةٌ على تقدير: فإنَّه يُعذَّب، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣) والمُستملي: «من يُنَحْ» بضمِّ أوَّله وفتح النون وجزم المهملة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من يُنَاحُ» بضمِّ أوَّله، وبعد النون ألفٌ، على أنَّ «مَنْ» موصولةٌ (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بإدخال حرف الجرِّ على «ما» فهي مصدريَّةٌ غير ظرفيَّةٍ، أي بالنِّياحة، أي: مدَّةَ النُّواح (٤) عليه، والنُّون مكسورةٌ عند الجميع، قال في «الفتح»: ولبعضهم: «ما نيح» بغير موحَّدة على أنَّ «ما» ظرفيَّةٌ، قال العينيُّ: ما في هذه الرِّواية للمدَّة، أي: يُعذَّب مدَّة النَّوح عليه، ولا يقال: «ما» ظرفيَّة، وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النَّوح: أنَّ الكذب عليه ﷺ أشدُّ من الكذب على غيره، إشارةٌ إلى أنَّ الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل. ورواته الأربعة كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا التِّرمذيُّ.

стр. 3113

١٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جَبَلة، بالجيم والموحَّدة المفتوحتين (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين (عَنْ أَبِيهِ) عمر (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة وفتح المهملة، وزيادة لفظة: «في قبره». (تَابَعَهُ) أي: تابع عبدانَ (عَبْدُ الأَعْلَى) بن حمَّادٍ، ممَّا وصله أبو يَعلى في «مسنده»، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الأوَّل من الزِّيادة، والثَّاني تصغير (١): زَرْع (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) يعني: عن سعيد بن المسيَّب (وَقَالَ آدَمُ) بن أبي إياسٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بإسنادِ حديث الباب، لكن بغير لفظ متنه، وهو قوله: (المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ) وقد تفرَّد آدم بهذا اللَّفظ.

стр. 3114

(٣٤) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ، فهو بمنزلة الفصل من الباب السَّابق، وسقط لكريمة والهرويِّ. ١٢٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّدٌ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي) عبد الله (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ) حال كونه (قَدْ مُثِّلَ بِهِ) بضمِّ الميم وتشديد (٢) المثلَّثة المكسورة، أي: جُدِعَ أنفه وأذنه، أو مذاكيره، أو شيءٌ من أطرافه (حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا) بضمِّ السِّين المهملة وتشديد الجيم، و «ثوبًا» نصبٌ بنزع الخافض، أي: غُطِّي بثوبٍ (فَذَهَبْتُ) حال كوني (أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ) الثَّوب، و «أن» مصدرية، أي: أريد كشفه (فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ) الثوب (فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «فأمر به رسول الله» (¬ ﷺ فَرُفِعَ) بضمِّ الرَّاء (فَسَمِعَ صَوْتَ) امرأةٍ (صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ) المرأة الصَّائحة؟ (فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو) فاطمة (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) شكٌّ من سفيان، فإن كانت بنت عمرٍو تكون (٤) أخت المقتول عمَّة جابرٍ، وإن كانت أخت عمرٍو، تكون عمة المقتول، وهو عبد الله (قَالَ) ﵊: (فَلِمَ تَبْكِي؟) بكسر اللَّام وفتح الميم،

стр. 3115

استفهامٌ عن غائبةٍ (١) (أَوْ لَا تَبْكِي) شكٌّ من الرَّاوي، هل استفهم أو نهى؟ (فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «تظلُّ بأجنحتها» (حَتَّى رُفِعَ) فلا ينبغي أن يُبكى عليه مع حصول هذه المنزلة، بل يُفرَح له بما صار إليه. ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة السَّابقة في قوله ﵊ لمَّا سمع صوت المرأة الصَّائحة: «من هذه؟» لأنَّه إنكارٌ في نفس الأمر وإن لم يُصرِّح به. (٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ). ١٢٩٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ) بزايٍ مضمومةٍ وموحَّدةٍ مفتوحةٍ، ابن الحارث بن عبد الكريم (اليَامِيُّ) بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ وبميمٍ مخفَّفةٍ، من بني يام، وللحَمُّويي والمُستملي، وعزاها في «الفتح» و «العمدة» للكُشْمِيْهَنِيِّ: «الأيامي» بزيادة همزةٍ في أوَّله (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا) أي: من أهل سنَّتنا، ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد خروجه عن الدِّين؛ لأنَّ المعاصي لا يُكفَّر بها عند أهل السُّنَّة. نعم يكفُر باعتقاد حِلِّها، وعن سفيان أنَّه كره الخوض في تأويله، وقال: ينبغي أن

стр. 3116

يُمْسَك عنه؛ ليكون أوقع في النُّفوس وأبلغ في الزَّجر (مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ) كبقيَّة الوجوه، والخدود، جمع: خدٍّ، قال في «العمدة» (١): وإنَّما جُمِعَ وإن كان ليس للإنسان إلَّا خدان فقط باعتبار إرادة الجمع، فيكون من باب (٢) مقابلة الجمع بالجمع، وإمَّا على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وقول العرب: شابتْ مفارقُه وليس إلَّا مفرقٌ واحدٌ (وَشَقَّ الجُيُوبَ) بضمِّ الجيم، جمع: جيبٍ، مِنْ: جابه، أي: قطعه، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ (٣) الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] وهو ما يُفتَح من الثَّوب؛ ليدخل فيه الرَّأس للبسه، وفي روايةٍ: «من لَكَمَ» بالكاف، كما في «اليونينيَّة» (٤) (وَدَعَا بِدَعْوَى) أهل (الجَاهِلِيَّةِ) وهي زمان أهل (٥) الفترة قبل الإسلام بأن قال في بكائه ما يقولون ممَّا لا يجوز شرعًا، كـ: واجبلاه، واعضداه، وخصَّ الجيب بالذِّكر في التَّرجمة دون أخويه، تنبيهًا على أنَّ النَّفي الَّذي حاصله التَّبرِّي يقع بكلِّ واحدٍ من الثَّلاثة، ولا يشترط فيه وقوعها معًا، ويؤيِّده روايةٌ لمسلمٍ بلفظ: «أو شق الجيوب، أو دعا … » إلى آخره؛ ولأنَّ شقَّ الجيب أشدُّها قبحًا مع ما فيه من خسارة المال في غير وجهٍ، ويستفاد من قوله في حديث أبي موسى الآتي إن شاء الله تعالى بعد بابٍ «أنا بريءٌ ممَّن برئ منه رسول الله ﷺ » [خ¦١٢٩٦]: تفسير النَّهي هنا به، وأصل البراءة الانفصالُ من الشَّيء، فكأنَّه توعَّده بأنَّه (٦) لا يُدْخله في شفاعته مثلًا، وهذا يدلُّ على تحريم ما ذكر من شقِّ الجيب وغيره، وكأنَّ السَّبب في ذلك ما تضمَّنه من عدم الرِّضا بالقضاء، فإن وقع التَّصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التَّسخُّط (٧) مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النَّفي على الإخراج من الدِّين (٨)، قاله في «الفتح».

стр. 3117

ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (١) التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «مناقب قريش» [خ¦٣٥١٩] و «الجنائز» [خ¦١٢٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الجنائز»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (رَثَى (٢) النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الرَّاء مع القصر بلفظ الماضي، ورفع «النَّبيُّ» على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «باب رثاء النَّبيِّ ﷺ » بإضافة «باب» لتاليه، وكسرِ راء «رِثاء»، وتخفيفِ المثلَّثة، والمدِّ، وخفضِ تاليه بالإضافة (سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، نصبٌ على المفعوليَّة، والمراد هنا: توجُّعه ﵊ وتحزُّنه على سعدٍ، لكونه مات بمكَّة بعد الهجرة منها (٣)، لا مدح الميِّت وذكر محاسنه، الباعث على تهييج الحزن، وتجديد اللَّوعة، إذ الأوَّل مباحٌ، بخلاف الثَّاني، فإنَّه منهيٌّ عنه، وقد أطلق الجوهريُّ الرِّثاء على عدِّ محاسن الميِّت مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه، والأَوجه: حمْل النَّهي على ما فيه تهييج الحزن -كما مرَّ- أو على ما يظهر فيه تبرُّمٌ، أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه دون ما عدا ذلك، فما زال كثيرٌ من الصَّحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النَّبيِّ ﷺ فيه (٤): ماذا على من شمَّ تربة أحمد … ألَّا يشم مدى الزَّمان غواليا صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنَّها … صُبَّت على الأيَّام عُدْن لياليا

стр. 3118

١٢٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (¬﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي) بالدَّال المهملة (عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ من الهجرة (مِنْ وَجَعٍ) اسمٌ لكلِّ مرضٍ (اشْتَدَّ بِي) أي: قوي عليَّ (فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ) الغاية (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد (إِلَّا ابْنَتِ (١)) كذا كُتِبَ في «اليونينيَّة» بالتَّاء المثنَّاة (٢) الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل (٣): هي عائشة، وقيل: إنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، قيل: ما (٤) كانت له عصبةٌ، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذُّكور (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار (قَالَ) ﵊: (لَا) تتصدَّق بالثُّلثين (فَقُلْتُ): أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنِّصف (٥)، وللحَمُّويي والمُستملي: «فالشَّطر» بالفاء، والرَّفع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، تقديره: فالشَّطر أتصدَّق به؟ وقيَّده (٦) الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ

стр. 3119

في «أماليه»: الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار: أفعل، والخفض معطوفٌ (١) على قوله: «بثلثي مالي» (فَقَالَ) ﵊: (لَا) تتصدق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (الثُّلُثُ) بالرَّفع، فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، أي: يكفيك الثُّلث، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروع الثُّلث، أو مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: الثُّلث كافٍ، والنَّصب على الإغراء، أو بفعلٍ مضمرٍ، أي: أعطِ الثُّلث (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالموحَّدة، مبتدأٌ وخبرٌ (أَوْ) قال: (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالذَّال المعجمة وفتح الهمزة في «اليونينيَّة» تترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، أو يسألونهم بأكفِّهم، و «أَنْ تذر» بفتح الهمزة: على أنَّها مصدريَّةٌ، فهي وصِلَتُها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر: «خيرٌ»، وبالكسر: على أنَّها شرطيَّةٌ، والأصل كما قاله (٢) ابن مالكٍ: إن تركت ورثتك أغنياء فخيرٌ، أي: فهو خيرٌ لك، فحذف فاء (٣) الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، ثمَّ عطف على قوله: «إنَّك أن تذر» ما هو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته (إِلَّا أُجِرْتَ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الَّذي تجعله (فِي في امْرَأَتِكَ) وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: «تجعلُ» برفع اللَّام، و «ما» كافَّةٌ كفَّت «حتَّى» عن عملها، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: ليس كذلك؛ إذ لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي (٤) اسمٌ موصولٌ، و «حتَّى» عاطفةٌ، أي: إلَّا أُجِرت بتلك النَّفقة الَّتي تبتغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الَّذي تجعله في فم امرأتك، ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فإن قلت: يُشتَرط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يُعاد الخافض؟ وأجاب بأنَّ ابن مالكٍ قيَّده بألَّا تتعيَّن «حتَّى» للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتَّى بنيِّهم، قال ابن هشامٍ: يريد أنَّ الموضع الَّذي يصحُّ أن تحلَّ «إلى» فيه محلَّ «حتَّى» العاطفة، فهي محتملةٌ للجارَّة، فيُحتاج حينئذٍ إلى إعادة

стр. 3120

الجارِّ عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشَّهر حتَّى في آخره بخلاف المثال وما في الحديث، ثمَّ أورد (١) سؤالًا آخر، فقال: فإن قلت: لا يُعطَفُ على الضَّمير المخفوض إلَّا بإعادة الخافض؟ وأجاب بأنَّ المختار عند ابن مالكٍ وغيره خلافه؛ وهو المذهب الكوفيُّ، لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنَّه لو جُعِل العطف على المنصوب المتقدِّم، أي: لن تنفق نفقة حتَّى الشَّيء الَّذي تجعله في في (٢) امرأتك إلَّا أُجِرت؛ لاستقام، ولم يرد شيءٌ ممَّا تقدَّم. انتهى. وفيه: أنَّ المباح إذا قُصِد به وجه الله صار طاعة ويُثاب عليه، وقد نبَّه عليه بأخسِّ الحظوظ الدُّنيويَّة الَّتي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجهَ الله ويحصل به الأجر فغيْرُه بالطَّريق الأَولى، قال سعدٌ: (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المشدَّدة مبنيًّا للمفعول، يعني بمكَّة بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أأخلَّف» بهمزة الاستفهام (بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن» (تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنَّك لن تموت بمكَّة، وهذا من إخباره ﵊ بالمغيَّبات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، ولعلَّ: للتَّرجِّي إلَّا إذا وردت عن الله ورسوله، فإنَّ معناها: التَّحقيق، قال البدر الدَّمامينيُّ: وفيه دخول «أَنْ» على خبر «لعلَّ»، وهو قليلٌ، فيحتاج إلى التَّأويل (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، من الإمضاء، وهو الإنفاذ، أي: أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: الَّتي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم
следующие страницы →