← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

يُمْسَك عنه؛ ليكون أوقع في النُّفوس وأبلغ في الزَّجر (مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ) كبقيَّة الوجوه، والخدود، جمع: خدٍّ، قال في «العمدة» (١): وإنَّما جُمِعَ وإن كان ليس للإنسان إلَّا خدان فقط باعتبار إرادة الجمع، فيكون من باب (٢) مقابلة الجمع بالجمع، وإمَّا على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وقول العرب: شابتْ مفارقُه وليس إلَّا مفرقٌ واحدٌ (وَشَقَّ الجُيُوبَ) بضمِّ الجيم، جمع: جيبٍ، مِنْ: جابه، أي: قطعه، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ (٣) الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] وهو ما يُفتَح من الثَّوب؛ ليدخل فيه الرَّأس للبسه، وفي روايةٍ: «من لَكَمَ» بالكاف، كما في «اليونينيَّة» (٤) (وَدَعَا بِدَعْوَى) أهل (الجَاهِلِيَّةِ) وهي زمان أهل (٥) الفترة قبل الإسلام بأن قال في بكائه ما يقولون ممَّا لا يجوز شرعًا، كـ: واجبلاه، واعضداه، وخصَّ الجيب بالذِّكر في التَّرجمة دون أخويه، تنبيهًا على أنَّ النَّفي الَّذي حاصله التَّبرِّي يقع بكلِّ واحدٍ من الثَّلاثة، ولا يشترط فيه وقوعها معًا، ويؤيِّده روايةٌ لمسلمٍ بلفظ: «أو شق الجيوب، أو دعا … » إلى آخره؛ ولأنَّ شقَّ الجيب أشدُّها قبحًا مع ما فيه من خسارة المال في غير وجهٍ، ويستفاد من قوله في حديث أبي موسى الآتي إن شاء الله تعالى بعد بابٍ «أنا بريءٌ ممَّن برئ منه رسول الله ﷺ » [خ¦١٢٩٦]: تفسير النَّهي هنا به، وأصل البراءة الانفصالُ من الشَّيء، فكأنَّه توعَّده بأنَّه (٦) لا يُدْخله في شفاعته مثلًا، وهذا يدلُّ على تحريم ما ذكر من شقِّ الجيب وغيره، وكأنَّ السَّبب في ذلك ما تضمَّنه من عدم الرِّضا بالقضاء، فإن وقع التَّصريح باستحلاله مع العلم بتحريم التَّسخُّط (٧) مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النَّفي على الإخراج من الدِّين (٨)، قاله في «الفتح».

стр. 3117

ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (١) التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «مناقب قريش» [خ¦٣٥١٩] و «الجنائز» [خ¦١٢٩٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الجنائز»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (رَثَى (٢) النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الرَّاء مع القصر بلفظ الماضي، ورفع «النَّبيُّ» على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «باب رثاء النَّبيِّ ﷺ » بإضافة «باب» لتاليه، وكسرِ راء «رِثاء»، وتخفيفِ المثلَّثة، والمدِّ، وخفضِ تاليه بالإضافة (سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو، نصبٌ على المفعوليَّة، والمراد هنا: توجُّعه ﵊ وتحزُّنه على سعدٍ، لكونه مات بمكَّة بعد الهجرة منها (٣)، لا مدح الميِّت وذكر محاسنه، الباعث على تهييج الحزن، وتجديد اللَّوعة، إذ الأوَّل مباحٌ، بخلاف الثَّاني، فإنَّه منهيٌّ عنه، وقد أطلق الجوهريُّ الرِّثاء على عدِّ محاسن الميِّت مع البكاء، وعلى نظم الشِّعر فيه، والأَوجه: حمْل النَّهي على ما فيه تهييج الحزن -كما مرَّ- أو على ما يظهر فيه تبرُّمٌ، أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه دون ما عدا ذلك، فما زال كثيرٌ من الصَّحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، وقد قالت فاطمة بنت النَّبيِّ ﷺ فيه (٤): ماذا على من شمَّ تربة أحمد … ألَّا يشم مدى الزَّمان غواليا صُبَّتْ عليَّ مصائبٌ لو أنَّها … صُبَّت على الأيَّام عُدْن لياليا

стр. 3118

١٢٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (¬﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي) بالدَّال المهملة (عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) سنة عشرٍ من الهجرة (مِنْ وَجَعٍ) اسمٌ لكلِّ مرضٍ (اشْتَدَّ بِي) أي: قوي عليَّ (فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ) الغاية (وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من الولد (إِلَّا ابْنَتِ (١)) كذا كُتِبَ في «اليونينيَّة» بالتَّاء المثنَّاة (٢) الفوقيَّة المجرورة لا بالهاء، قيل (٣): هي عائشة، وقيل: إنَّها أمُّ الحَكَم الكبرى، قيل: ما (٤) كانت له عصبةٌ، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها، وقيل: من النِّساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذُّكور (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بهمزة الاستفهام على الاستخبار (قَالَ) ﵊: (لَا) تتصدَّق بالثُّلثين (فَقُلْتُ): أتصدَّق (بِالشَّطْرِ؟) أي بالنِّصف (٥)، وللحَمُّويي والمُستملي: «فالشَّطر» بالفاء، والرَّفع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، تقديره: فالشَّطر أتصدَّق به؟ وقيَّده (٦) الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ

стр. 3119

في «أماليه»: الخفض فيه أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار: أفعل، والخفض معطوفٌ (١) على قوله: «بثلثي مالي» (فَقَالَ) ﵊: (لَا) تتصدق بالشَّطر (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (الثُّلُثُ) بالرَّفع، فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، أي: يكفيك الثُّلث، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: المشروع الثُّلث، أو مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: الثُّلث كافٍ، والنَّصب على الإغراء، أو بفعلٍ مضمرٍ، أي: أعطِ الثُّلث (وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ) بالموحَّدة، مبتدأٌ وخبرٌ (أَوْ) قال: (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بالذَّال المعجمة وفتح الهمزة في «اليونينيَّة» تترك (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يطلبون الصَّدقة من أكفِّ النَّاس، أو يسألونهم بأكفِّهم، و «أَنْ تذر» بفتح الهمزة: على أنَّها مصدريَّةٌ، فهي وصِلَتُها في محلِّ رفعٍ على الابتداء، والخبر: «خيرٌ»، وبالكسر: على أنَّها شرطيَّةٌ، والأصل كما قاله (٢) ابن مالكٍ: إن تركت ورثتك أغنياء فخيرٌ، أي: فهو خيرٌ لك، فحذف فاء (٣) الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: فالوصيَّة على ما خرَّجه الأخفش، ثمَّ عطف على قوله: «إنَّك أن تذر» ما هو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، فقال: (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) أي: ذاته (إِلَّا أُجِرْتَ) بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول (بِهَا) أي بتلك النَّفقة (حَتَّى مَا تَجْعَلُ) أي: الَّذي تجعله (فِي في امْرَأَتِكَ) وقول الزَّركشيِّ كابن بطَّالٍ: «تجعلُ» برفع اللَّام، و «ما» كافَّةٌ كفَّت «حتَّى» عن عملها، تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: ليس كذلك؛ إذ لا معنى للتَّركيب حينئذٍ إن تأمَّلت، بل هي (٤) اسمٌ موصولٌ، و «حتَّى» عاطفةٌ، أي: إلَّا أُجِرت بتلك النَّفقة الَّتي تبتغي بها وجه الله، حتَّى بالشَّيء الَّذي تجعله في فم امرأتك، ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال: فإن قلت: يُشتَرط في «حتَّى» العاطفة على المجرور أن يُعاد الخافض؟ وأجاب بأنَّ ابن مالكٍ قيَّده بألَّا تتعيَّن «حتَّى» للعطف؛ نحو: عجبت من القوم حتَّى بنيِّهم، قال ابن هشامٍ: يريد أنَّ الموضع الَّذي يصحُّ أن تحلَّ «إلى» فيه محلَّ «حتَّى» العاطفة، فهي محتملةٌ للجارَّة، فيُحتاج حينئذٍ إلى إعادة

стр. 3120

الجارِّ عند قصد العطف؛ نحو: اعتكفت في الشَّهر حتَّى في آخره بخلاف المثال وما في الحديث، ثمَّ أورد (١) سؤالًا آخر، فقال: فإن قلت: لا يُعطَفُ على الضَّمير المخفوض إلَّا بإعادة الخافض؟ وأجاب بأنَّ المختار عند ابن مالكٍ وغيره خلافه؛ وهو المذهب الكوفيُّ، لكثرة شواهده نظمًا ونثرًا، على أنَّه لو جُعِل العطف على المنصوب المتقدِّم، أي: لن تنفق نفقة حتَّى الشَّيء الَّذي تجعله في في (٢) امرأتك إلَّا أُجِرت؛ لاستقام، ولم يرد شيءٌ ممَّا تقدَّم. انتهى. وفيه: أنَّ المباح إذا قُصِد به وجه الله صار طاعة ويُثاب عليه، وقد نبَّه عليه بأخسِّ الحظوظ الدُّنيويَّة الَّتي تكون في العادة عند الملاعبة، وهو وضع اللُّقمة في فم الزَّوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطَّاعة وجهَ الله ويحصل به الأجر فغيْرُه بالطَّريق الأَولى، قال سعدٌ: (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ) بضمِّ الهمزة وفتح اللَّام المشدَّدة مبنيًّا للمفعول، يعني بمكَّة بعد أصحابي المنصرفين معك، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أأخلَّف» بهمزة الاستفهام (بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَنْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن» (تُخَلَّفَ) بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ) أي بالعمل الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) أي: بأن يطول عمرك، أي: إنَّك لن تموت بمكَّة، وهذا من إخباره ﵊ بالمغيَّبات، فإنَّه عاش حتَّى فتح العراق، ولعلَّ: للتَّرجِّي إلَّا إذا وردت عن الله ورسوله، فإنَّ معناها: التَّحقيق، قال البدر الدَّمامينيُّ: وفيه دخول «أَنْ» على خبر «لعلَّ»، وهو قليلٌ، فيحتاج إلى التَّأويل (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الشِّرك، ويأخذه المسلمون من الغنائم (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) من المشركين الهالكين على يديك وجندك (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بهمزة قطعٍ، من الإمضاء، وهو الإنفاذ، أي: أتمم (لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أي: الَّتي هاجروها من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم

стр. 3121

ورجوعهم عن مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم، قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، عن إبراهيم بن سعدٍ عنه: (لَكِنِ البَائِسُ) بالموحَّدة والهمزة، آخره سينٌ مهملةٌ: الَّذي عليه أثر البؤس، أي: شدَّة الفقر والحاجة (سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الرَّاء وبالمثلَّثة، مِنْ يَرْثي (١) (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، أي: لأجل موته بالأرض الَّتي هاجر منها، ولا يجوز الكسر على إرادة الشَّرط؛ لأنَّه كان انقضى وتمَّ، وهذا موضع التَّرجمة، لكن نازع الإسماعيليُّ المؤلِّف بأنَّ هذا ليس من مراثي الموتى، وإنَّما هو من إشفاق النَّبيِّ ﷺ من موته بمكَّة بعد هجرته منها، وكان يهوى أن يموت بغيرها، وكراهة ما حدث عليه من ذلك؛ كقولك: أنا أرثي لك ممَّا (٢) جرى عليك، كأنَّه يتحزَّن عليه، قال الزَّركشيُّ: ثمَّ هو بتقدير تسليمه، فليس بمرفوعٍ، وإنَّما هو مدرَجٌ من قول الزُّهريِّ. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٤٠٩] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٧٣] و «الهجرة» [خ¦٣٩٣٦] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٩] و «الفرائض» [خ¦٦٧٣٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٢] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٤]، ومسلمٌ في «الوصايا» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٣٧) (باب مَا يُنْهَى عن الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ). ١٢٩٦ - (وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى) القَنْطريُّ، بفتح القاف وسكون النُّون، البغداديُّ، ممَّا وصله

стр. 3122

مسلمٌ في «صحيحه»، وكذا ابن حِبَّان، ومثلُ هذا يكون على سبيل المذاكرة لا بقصد التَّحمل، ولأبوي ذرٍّ والوقت -كما في الفرع-: «حدَّثنا الحَكَم» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وهمٌ؛ لأنَّ الَّذين جمعوا رجال البخاريِّ في «صحيحه»، أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدلَّ على أنَّ الصَّواب رواية الجماعة بصيغة التَّعليق، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ) قاضي دمشق (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جَابِرٍ) الأزديِّ، ونسبه إلى جدِّه، واسم أبيه: يزيد: (أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ) بضمِّ الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة، وبعد الميم المكسورة راءٌ مهملةٌ، مصغَّرًا، وهو كوفيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٌ أو الحارث (بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريُّ (¬﵁ قَالَ): (وَجِعَ) بكسر الجيم، أي: مرض أبي (أَبُو مُوسَى وَجَعًا) بفتح الجيم، زاد ابن عساكر: «شديدًا» (فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَُِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ) بتثليث حاء «حِجْر» كما في «القاموس» أي: حضنها، زاد مسلمٌ: فصاحت، وله من وجهٍ آخر: أُغمي على أبي موسى، فأقبلت امرأته أمُّ عبد الله تصيح برنَّةٍ، وفي النَّسائيِّ: هي أمُّ عبد الله بنت أبي دومة، وفي «تاريخ البصرة» لعمر بن شبَّة: أنَّ اسمها: صفيَّة بنت دمون، وأنَّ ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة من قِبَل عمر بن الخطَّاب ﵁، والواو في قوله: «ورأسه» للحال (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أبو موسى (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا)

стр. 3123

وللحَمُّويي والمُستملي: «إنِّي» (بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «محمَّدٌ» (¬ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ) بالصَّاد المهملة والقاف: الرَّافعة صوتها في المصيبة (وَالحَالِقَةِ) التي تحلق شعرها (وَالشَّاقَّةِ) الَّتي تشقُّ ثوبها، وموضع التَّرجمة قوله: «والحالقة» وخصَّها بالذِّكر دون غيرها؛ لكونها أبشع (١) في حقِّ النِّساء، وقوله: «برئ» بكسر الرَّاء، يبرَأ بالفتح، قال القاضي: برئ من فعلهنَّ، أو مما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه، وأصل البراءة الانفصال، وليس المراد التبرُّؤ من الدِّين (٢) والخروج منه، قال النَّوويُّ: ويحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور. (٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ). ١٢٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد الشِّين المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٣) (قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ) كبقيَّة الوجوه (وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى) أهل (الجَاهِلِيَّةِ) من نَوْحٍ وندبةٍ (٤) وغيرهما ممَّا لا يجوز شرعًا، والواو فيهما بمعنى: «أو»، فالحكم في كلِّ واحدٍ لا المجموع؛ لأنَّ كلًّا منها (٥) دالٌّ على عدم الرِّضا والتَّسليم للقضاء (٦)، والنَّفي في قوله: «ليس منَّا» للتَّغليظ؛ لأنَّ المعصية لا تقتضي الخروج عن

стр. 3124

الدِّين إلَّا أن تكون كفرًا أو (١) المعنى: ليس مقتديًا بنا، ولا مستنًّا بسنَّتنا. (٣٩) (باب مَا يُنْهَى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ) «ما» مصدريَّةٌ، والويل: أن يقول عند المصيبة: واويلاه، وذكر دعوى الجاهليَّة بعد ذكر الويل من العامِّ بعد الخاصِّ، وسقط: الباب والتَّرجمة والحديث عند الكُشْمِيْهَنِيِّ. ١٢٩٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رسُوْلُ الله ﷺ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ) المستلزم للويل، وقوله: «ليس منَّا» للنَّهي، وفي بعض طرق الحديث عند ابن ماجه، وصحَّحه ابن حِبَّان عن أبي أمامة: أنَّ رسول الله ﷺ ، لعن الخامشة وجهها، والشَّاقَّة جيبها، والدَّاعية بالويل والثُّبور. (٤٠) (باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الرَّاء من «يُعْرَف» مبنيًّا للمفعول، و «من» موصولةٌ (٢).

стр. 3125

١٢٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريَّ (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (عَمْرَةُ) بفتح العين وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريَّة المدنية (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ) بالنَّصب على المفعوليَّة (¬ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ) برفع لام «قتلُ» على الفاعليَّة، وهو زيدٌ، وأبوه بالمهملة والمثلَّثة، وضبَّب في «اليونينيَّة» على: «ابن» مِن «ابن حارثة»، فليُنظَر (١) (وَ) قَتْل (جَعْفَرٍ) هو ابن أبي طالبٍ (وَ) قَتْل (ابْنِ رَوَاحَةَ) عبد الله، في غزوة مؤتة، وجواب لمَّا، قوله: (جَلَسَ) ﵊، أي: في المسجد، كما في رواية أبي داود (يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ) قال في «شرح المشكاة»: حالٌ، أي: جلس حزينًا، وعَدل إلى قوله: «يُعرَف» ليدلَّ على أنَّه ﷺ كظم الحزن كظمًا، وكان ذلك القدر الَّذي ظهر فيه من جبلَّة البشريَّة، وهذا موضع التَّرجمة، وهو (٢) يدلُّ على الإباحة؛ لأنَّ إظهاره يدلُّ عليها، نعم إذا كان معه شيءٌ من اللِّسان أو اليد حَرُم، قالت عائشة ﵂: (وَأَنَا أَنْظُرُ) جملةٌ حاليَّةٌ (مِنْ صَائِرِ البَابِ) بالصَّاد المهملة المفتوحة والهمزة بعد الألف، كـ: لَاْبِنٍ وتامرٍ، كذا في الرِّواية، قال المازريُّ: والصَّواب: صِيْر الباب، بكسر الصَّاد وسكون التَّحتيَّة، وهو المحفوظ كما في «المجمَل» و «الصِّحاح» (٣) و «القاموس»، وفسَّرته عائشة أو من (٤) بعدها بقوله: (شَقِّ البَابِ) بفتح الشِّين المعجمة والخفض على البدليَّة، أي: الموضع الَّذي يُنظر منه، وفي تجويز الكِرمانيِّ كسر الشِّين نظرٌ؛ لأنَّه يصير معناه: النَّاحية، وليست بمرادة (٥) هنا، كما نبَّه عليه ابن التِّين (فَأَتَاهُ) ﵊ (رَجُلٌ) لم يقف الحافظ (٦) على

стр. 3126

اسمه (فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) امرأته أسماء بنت عُمَيس الخَثعميَّة ومن حضر عندها من النِّساء من أقارب جعفر وأقاربها، ومن في معناهنَّ، وليس لجعفر امرأةٌ غير أسماء، كما ذكره العلماء بالأخبار (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) حالٌ من المستتر في: «فقال»، وحُذِف خبر «إنَّ» من القول المحكي لدلالة الحال عليه، أي: يبكين عليه (١) برفع الصَّوت والنِّياحة، أو (٢): ينُحْن، ولو كان مجرَّد بكاءٍ لم ينْه عنه؛ لأنَّه رحمةٌ (فَأَمَرَهُ) ﵊ (أَنْ يَنْهَاهُنَّ) عن فعلهنَّ (فَذَهَبَ) فنهاهنَّ، فلم يطعنه؛ لكونه لم يسند النَّهي للرَّسول ﷺ قال (٣): (ثُمَّ أَتَاهُ) أي: أتى الرَّجل النَّبيَّ ﷺ المرَّة (الثَّانِيَةَ) فقال: إنَّهن (لَمْ يُطِعْنَهُ) (٤) حكاية قول الرَّجل، أي: نهيتهنَّ فلم يطعنني (فَقَالَ) ﵊: (انْهَض فانْهَهُنَّ) وفي نسخةٍ -وهي الَّتي في «اليونينيَّة» ليس إلَّا-: «انههنَّ» بدل «انهض» (٥)، فذهب فنهاهنَّ، فلم يطعنه؛ لحملهن ذلك على أنَّه من قِبَل نفس الرَّجل (فَأَتَاهُ) أي: أتى (٦) الرَّجل النَّبيَّ ﷺ المرَّة (الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) بلفظ جمع المؤنَّثة الغائبة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في الفرع وأصله (٧) - «والله لقد» بزيادة «لقد» (٨)، وقال ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «غَلَبتْنا» بلفظ المفردة المؤنَّثة الغائبة، قالت عَمْرة: (فَزَعَمَتْ) عائشة (أَنَّهُ) ﵊ (قَالَ) للرَّجل لمَّا لم ينتهين: (فَاحْثُ) بضمِّ المثلَّثة، أمرٌ، من: حثا يحثو، وبكسرها أيضًا، من: حثى يحثي (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) ليسدَّ (٩) محلَّ النَّوح، فلا يتمكنَّ منه، أو المراد به: المبالغة في الزَّجر، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) للرَّجل: (أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) بالرَّاء والغين المعجمة، أي: ألصقه بالرَّغام، وهو التُّراب، إهانةً وذلًا، ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنِّسوة، لفهمها من (١٠) قرائن الحال

стр. 3127

أنَّه أحرج النَّبيَّ ﷺ بكثرة (١) تردُّده إليه في ذلك (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ) به (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: من نهيهنَّ، وإن كان نهاهنَّ؛ لأنَّه لم يترتَّب على فعله الامتثال، فكأنَّه لم يفعله، أو لم يفعل الحثو بالتُّراب (وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ العَنَاءِ) بفتح العين المهملة (٢) والنُّون والمدِّ، أي: المشقَّة والتَّعب، قال النَّوويُّ: معناه: أنَّك قاصرٌ عمَّا أُمرت به، ولم تخبره ﵊ بأنَّك قاصرٌ حتَّى يرسل غيرك، ويستريح (٣) من العناء، وقول ابن حجرٍ: لفظة: «لم»، يُعبَّر بها عن الماضي، وقولها (٤) ذلك وقع قبل أن يتوجَّه، فمن أين علمت أنَّه لم يفعل؟ فالظَّاهر أنَّها قامت عندها قرينةٌ بأنَّه لا يفعل، فعبَّرت عنه بلفظ الماضي مبالغةً في نفي ذلك عنه، وفي الرِّواية الآتية بعد أربعة أبواب: فوالله ما أنت بفاعلٍ [خ¦١٣٠٥]، وكذا لمسلمٍ وغيره، فظهر أنَّه من تصرُّف الرُّواة، تعقَّبه العينيُّ فقال: لا يقال لفظة: «لم» يُعبَّر بها عن الماضي، وإنَّما يقال: «لم» حرف جزمٍ لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، وهذا هو الَّذي قاله أهل العربيَّة، وقوله: فعبَّرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك؛ لأنَّه غير ماضٍ بل هو مضارعٌ، ولكن صار معناه معنى الماضي بدخول «لم» عليه (٥). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠٥] و «المغازي» [خ¦٤٢٦٣]، ومسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ. ١٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين فيهما، الفلاس الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مصغَّرًا، ابن غَزْوان -بفتح المعجمة وسكون الزَّاي- الضَّبِّيُّ مولاهم الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁ قَالَ:

стр. 3128

قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ) وكانوا ينزلون الصُّفَّة يتعلَّمون القرآن، وهُمْ (١) عُمَّار المسجد، ولُيوث الملاحم، بعثهم رسول الله ﷺ إلى أهل نجدٍ؛ ليقرؤوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلمَّا نزلوا ببئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحياء من سليمٍ: رعلٍ وذكوان وعصيَّة، فقاتلوهم، فقتلوا أكثرهم، وذلك في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ). (٤١) (باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ) حلول (المُصِيبَةِ) فترك ما أُبيح له من إظهاره قهرًا للنَّفس بالصَّبر الَّذي هو خيرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ [النحل: ١٢٦] و «يُظهِر» بضمِّ أوَّله من الرُّباعي، و «حزنَه» نصبٌ على المفعوليَّة (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ) حليف الأوس: (الجَزَعُ: القَوْلُ السَّيِّئُ) أي: الَّذي يبعث الحزن غالبًا (وَالظَّنُّ السَّيِّئُ) هو اليأس من تعويض الله المصاب في العاجل ما هو أنفع له من الفائت (٢)، أو الاستبعاد لحصول ما وعد به من الثَّواب على الصَّبر، ومناسبة هذا لما تُرجم له من حيث المقابلة -وهي ذكر الشيء وما يضادُّه معه- وذلك: أنَّ ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظَّنِّ الحسن، وإظهاره مع الجزع الَّذي يؤدَّيه إلى ما حظره الشَّارع قولٌ سيِّئٌ وظنٌّ سيِّئٌ (وَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾) هو أصعب همٍّ لا يصبر صاحبه على كتمانه، فيبثُّه وينشره للنَّاس (﴿وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]) لا إلى غيره، ومناسبته للتَّرجمة من جهة أنَّه لما ابتُلِي صبر، ولم يَشْكِ إلى أحدٍ، ولا بثَّ حزنه إلَّا إلى الله (٣) تعالى.

стр. 3129

١٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، و «الحَكَم» -بفتحتين- النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريُّ، ابن أخي أنسٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُول: اشْتَكَى) أي: مرض (ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وابنه هو أبو عميرٍ صاحب النُّغير، كما قاله ابن حِبَّان في روايته وغيره، وكان غلامًا صبيحًا، وكان أبو طلحة يحبُّه حبًّا شديدًا، فلمَّا مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتَّى تضعضع (قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس بن مالكٍ (أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا) أعدَّت طعامًا وأصلحته، أو هيَّأت شيئًا من حالها، وتزيَّنت لزوجها تعريضًا للجماع، أو هيَّأت أمر الصَّبيِّ بأن غسَّلته وكفَّنته وحنَّطته، وسجَّت عليه ثوبًا -كما في بعض طرق الحديث- فهو أَولى (وَنَحَّتْهُ) بفتح النُّون والحاء المهملة المشدَّدة، أي: جعلته (فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ) لها: (كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ) أي: سكنت (نَفْسُهُ) بسكون الفاء، واحد: النُّفوس (١)، تعني: أنَّ نفسه كانت قلقةً منزعجةً بعارض (٢) المرض (٣)، فسكنت

стр. 3130

بالموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّ مرادها: سكنت بالنَّوم لوجود العافية، ولأبي ذرٍّ: «هدأ» بإسقاط التَّاء «نَفَسُهُ» بفتح الفاء (١)، واحد: الأنفاس، أي: سكن؛ لأنَّ المريض يكون نَفَسُه عاليًا، فإذا زال مرضه سكَن، وكذا إذا مات، وفي رواية معمرٍ، عن ثابتٍ: أمسى هادئًا (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) تعني أمُّ سُلَيمٍ: من نكد الدُّنيا وتعبها، ولم تجزِم بكونه استراح أدبًا، أو لم تكن عالمةً أنَّ الطِّفل لا عذاب عليه، ففوَّضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنَّه استراح من نكد الدُّنيا (٢)، قال أنسٌ: (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) بالنِّسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلَّا فهي صادقةٌ بالنِّسبة إلى ما أرادت ممَّا هو في نفس الأمر؛ ولذا ورد: «إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» والمعاريض: هي ما احتمل معنَيين، وهذا من أحسنها، فإنَّها أخبرت بكلامٍ لم تكذب فيه، لكنَّها ورَّت (٣) به عن المعنى الَّذي كان يحزنها، ألا ترى أنَّ نفسه قد هدأت -كما قالت- بالموت وانقطاع النَّفَس، وأوهمته أنَّه استراح من قلقه، وإنَّما هو من همِّ الدُّنيا، وفيه مشروعيَّة المعاريض الموهِمة إذا دعت الضَّرورة إليها، وشرط جوازها: ألَّا تبطل حقَّ مسلمٍ. (قَالَ) أنس: (فَبَاتَ) معها، أي: جامعها (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: فقرَّبت إليه العشاء، فتعشَّى، ثمَّ أصاب منها، وفي رواية حمَّاد بن ثابتٍ: ثمَّ تطيَّبت، وزاد جعفر عن ثابتٍ: فتعرَّضت له حتَّى وقع بها، وفي رواية سليمان عن ثابتٍ: ثمَّ تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها (٤)، وليس ما صنعته من التنطُّع، وإنَّما فعلته إعانةً لزوجها على الرِّضا والتَّسليم، ولو أعلمته بالأمر في أوَّل الحال لتنكَّد (٥) عليه وقته (٦)، ولم يبلغ (٧) الغرض الَّذي أرادته منه (٨)، ولعلَّها عند موت الطِّفل

стр. 3131

قضت حقَّه من البكاء اليسير (فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ) قال في «الفتح»: زاد سليمان بن المغيرة كما عند مسلمٍ فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أنَّ قومًا أعاروا أهل بيتٍ عاريةً، فطلبوا عاريتهم (١)، ألهُمْ أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتَّى تلطَّختُ ثم أخبرتِني بابني، وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا متاعًا، ثمَّ بدا لهم فيه، فأخذوه، فكأنَّهم وجدوا في أنفسهم، زاد حمَّاد في روايته عن ثابتٍ: فأبوا أن يردُّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إنَّ العارية مؤدَّاةٌ إلى أهلها، ثمَّ اتَّفقا، فقالت: إنَّ الله أعارنا غلامًا (٢)، ثمَّ أخذه منَّا (٣)، زاد حمَّادٌ: فاسترجع (فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا) بالتَّثنية، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «منها» بضمير (٤) المؤنَّثة المفردة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) «لعلَّ» هنا بمعنى: عسى، بدليل دخول «أَنْ» على خبره، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «لهما في ليلتهما» بضمير الغائب، وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: «اللَّهم بارك لهما» وفيه تنبيهٌ على أنَّ المراد بقوله: «أن يبارِك» -وإن كان لفظه لفظ الخبر- الدُّعاءُ، وزاد في رواية أنسِ بن سيرين: فولدت غلامًا، وفي رواية عبد الله بن عبد الله: فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عَبَاية بن رِفَاعة بن رافع بن خديج، كما عند البيهقيِّ وسعيد بن منصورٍ: (فَرَأَيْتُ (٥) تِسْعَةَ أَوْلَادٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ (٦) والأَصيلي وابن (٧) عساكر، ولغيرهم (٨) «فرأيت لهما» أي: من ولد ولدهما عبد الله الَّذي حملت به تلك اللَّيلة من أبي طلحة، كما في رواية عباية عند سعيد بن منصورٍ ومسدَّدٍ

стр. 3132

والبيهقيِّ بلفظ: فولدت له غلامًا، قال عَبَاية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين، قال ابن حجرٍ: ففي رواية سفيان تجوُّز في قوله: «لهما» أي: على رواية ثبوتها؛ لأنَّ ظاهره: أنَّه من ولدهما بغير واسطةٍ، وإنَّما المراد (١) من أولاد ولدهما، وتعقَّبه العينيُّ بعد أن ذكر عبارته بلفظ: «لهما» فقال: لا نسلِّم التَّجوُّز في رواية سفيان؛ لأنَّه ما صرَّح في قوله: «قال رجلٌ من الأنصار: فرأيت تسعة أولادٍ كلُّهم قد قرأ القرآن»، ولم يقل: رأيت منهما أو لهما تسعةً. انتهى. فانظر وتعجَّب من هذا التَّعقُّب، ووقع في رواية سفيان هنا: تسعة أولادٍ، بتقديم الفوقيَّة على السِّين، وفي رواية عَبَاية المذكور (٢): سبعة بنين كلُّهم قد ختم القرآن، بتقديم السِّين على الموحَّدة، فقيل: إحداهما (٣) تصحيفٌ، أو أنَّ المراد بالسَّبعة: مَن ختم القرآن كلَّه، وبالتِّسعة: مَن قرأ معظمه، وذكر ابن المدينيِّ من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة -وكذا ابن سعدٍ وغيره من أهل العلم بالأنساب- مَن قرأ القرآن وحمل العلم: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعميرٌ، وعمرٌو (٤)، ومحمَّدٌ، وعبد الله، وزيدٌ، والقاسم. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ. (٤٢) (باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) ممَّا وصله الحاكم في «مستدركه»: (نِعْمَ العِدْلَانِ) بكسر العين وسكون الدَّال المهملتين، و «نِعْم» بكسر النُّون وسكون العين، كلمة مدحٍ، وتاليها فاعلها (وَنِعْمَ العِلَاوَةُ) بكسر العين أيضًا عطفٌ على سابقه، و «العِدْل» أصله: نصف الحمل على أحد شِقَّي الدَّابَّة، والحمل العِدْلان، والعِلاوة:

стр. 3133

ما يُجعَل بين العِدلين، فهو مثلٌ ضُرِبَ للجزاء في قوله: (﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾) ممَّا يصيب الإنسان من مكروهٍ (﴿قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ﴾) عبيدًا وملكًا (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾) في الآخرة فلا يضيع عمل عامل، وليس الصَّبر المذكور أوَّل آية الاسترجاع باللِّسان بل وبالقلب بأن يتصوَّر ما خُلِق له، وأنَّه راجعٌ إلى ربِّه، ويتذكَّر نعمه عليه؛ ليرى أنَّ (١) ما أُبقِي عليه أضعاف ما استردَّ منه، ليهوِّن على نفسه ويستسلم له، والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه (٢) قوله: (﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾) مغفرةٌ أو ثناءٌ (﴿مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾) وهما العِدلان -كما قاله المهلَّب- ورواه الحاكم في روايته المذكورة (٣) موصولًا عن عمر بلفظ: «﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعْم العدلان» (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]) نعم العِلاوة، وكذا أخرجه البيهقيُّ عن الحاكم، وأخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» من وجهٍ آخر، قال الزَّين بن المُنيِّر: ويؤيِّده وقوعها بعد «على» المشعِرة بالفوقيَّة، المشعِرة بالحمل، وهو عند أهل البيان من باب التَّرشيح للمجاز، وذلك: أنَّه لمَّا كانت الآية ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ … ﴾ كذا وكذا، ولفظة «على» تعطي الحمل عبَّر عمر ﵁ بهذه العبارة، وقيل: «العِدْلان»: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ والعِلاوة: الثَّواب عليهما وغير ذلك، والأُولى (٤) أَولى كما لا يخفى، واعلم أنَّ الصَّبر ذُكر في القرآن العظيم في خمسةٍ وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية ومن آنقها (٥) ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] قَرَنَ هاء (٦) الصَّابر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ الاية [الرعد: ٢٤] (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «باب الصَّبر»، أي: وباب قوله: (﴿وَاسْتَعِينُواْ﴾) على حوائجكم (﴿بِالصَّبْرِ﴾) أي: بانتظار النُّجح والفرج توكُّلًا على الله تعالى، أو بالصَّوم الَّذي هو صبرٌ عن المفطِرات؛ لما فيه من كسر الشَّهوة وتصفية النَّفس (﴿وَالصَّلَاةِ﴾) بالالتجاء إليها، فإنَّها جامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة

стр. 3134

بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والتَّكلم بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، حتَّى تُجابوا إلى تحصيل المآرب (﴿وَإِنَّهَا﴾) أي: الاستعانة بهما، أو الصَّلاة، وتخصيصها بردِّ الضَّمير إليها؛ لِعِظَم (١) شأنها، واستجماعِها ضروبًا من الصبر (﴿لَكَبِيرَةٌ﴾) لثقيلةٌ شاقَّةٌ (﴿إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]) المخبتين، والخشوع: الإخبات، وأخرج أبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ صلَّى، ومن أسرار الصَّلاة: أنَّها تعين على الصَّبر؛ لما فيها من الذِّكر والدُّعاء والخضوع (٢). ١٣٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقب محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) يقول (٣) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الصَّبْرُ) الكثير الثَّواب الصَّبرُ (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) فإنَّ مفاجأة المصيبة بغتةً لها روعةٌ تزعزع القلب، وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصَّدمة الأولى انكسرت حدَّتها، وضعفت قوَّتها، فهان عليه استدامة الصَّبر، فأمَّا إذا طالت الأيَّام على المصاب وقع السُّلُوُّ وصار الصَّبر حينئذٍ طبعًا، فلا يؤجر عليه (٤) مثل ذلك، والصَّابر على الحقيقة (٥): مَن صبَّر نفسه، وحبسها عن شهواتها، وقهرها عن الحزن والجزع، والبكاء

стр. 3135

الَّذي فيه راحة النَّفس، وإطفاء نار الحزن، فإذا قابل فيها سَوْرَة الحزن وهجومه بالصَّبر الجميل، وتحقَّق أنَّه لا خروج له عن قضائه تعالى، وأنَّه يرجع إليه، وعلم يقينًا أنَّ الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنَّ المقادير بيده تعالى، ومنه استحقَّ حينئذٍ جزيل الثَّواب، فضلًا منه تعالى، وعُدَّ من الصَّابرين الَّذين وعدهم الله (١) بالرَّحمة والمغفرة، وإذا جزع ولم يصبر أَثِم وأتعب نفسه، ولم يردَّ من قضاء الله شيئًا، ولو لم يكن من فضل الصَّبر للعبد (٢) إلَّا الفوز بدرجة المعيَّة والمحبَّة ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) [آل عمران: ١٤٦] لكفى، فنسأل الله العافية والرِّضا، واعلم أنَّ المصيبة كير العبد الَّذي يُسبك فيها حاصلُه (٤)، فإمَّا أن يخرج ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خبثًا كلَّه، كما قيل: سبكناه ونحسبه لُجينًا … فأبدى الكير عن خبث الحديد فإن (٥) لم ينفعه هذا الكير في الدُّنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كير الدُّنيا ومسبكها خيرٌ له من ذلك الكير والمسبك، وأنَّه لا بدَّ له (٦) من أحد الكيرين؛ فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبةٍ (٧) فصبر عند الصَّدمة الأولى فليحمد الله تعالى على (٨) أنْ أهَّلَه لذلك وثبَّته عليه، وقد اختُلِف: هل المصائب مكفِّراتٌ أو

стр. 3136

مثيباتٌ؟ فذهب الشَّيخ عزُّ الدِّين (١) بن عبد السَّلام في طائفةٍ إلى أنَّه: إنَّما يثاب على الصَّبر عليها؛ لأنَّ الثَّواب إنَّما يكون على فعل العبد، والمصائب لا صنع له فيها، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم، وذهب آخرون إلى أنَّه يُثاب عليها؛ لآية ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وحديث «الصَّحيحين»: «والَّذي نفسي بيده ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذًى من مرضٍ فما سواه إلَّا حطَّ الله عنه به خطاياه كما تحطُّ الشَّجرة اليابسة ورقها» [خ¦٥٦٦٧] وفيهما: «ما من مصيبة تصيب المسلم من نَصَبً ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَنٍ، ولا أَذًى ولا غمٍّ، حتَّى الشَّوكة إلَّا كفَّر اللهُ بها خطاياه» [خ¦٥٦٤١] فالغمُّ: على المستقبل، والحزن: على الماضي، والنَّصَب والوَصَب: المرض، وفيه: حلفه ﷺ تقويةً لإيمان الضَّعيف، ومسمَّى «مسلم» وإن قلَّ ولو مذنبًا، ومسمَّى «أذًى» وإن قلَّ، وذكر «خطاياه»، ولم يقل: «منها»، طفح الكرم، حتَّى غفر بمجرَّد ألم، ولو لم يكن للمبتلى في الصَّبر قَدَم. (٤٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لابنه إبراهيم: (إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَحْزَنُ القَلْبُ) وهذه الجملة كلُّها من «باب» إلى آخر قوله: «ويحزن القلب» ساقطةٌ عند الحَمُّويي وثابتةٌ لغيره.

стр. 3137

١٣٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الجَرَويُّ، بفتح الجيم والرَّاء نسبةً إلى جَرْوة؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء: قريةٌ من قرى تِنِّيس، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضمِّ القاف وبالشِّين المعجمة (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والمثنَّاة التحتيَّة، العِجليُّ -بكسر العين- البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ) بفتح السِّين، و «القَيْن» بالقاف وسكون التَّحتيَّة وآخره نونٌ، صفةٌ له، أي: الحدَّاد، واسمه: البراء بن أوسٍ الأنصاريُّ (وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر الظَّاء المعجمة وسكون الهمزة، أي: زوج المرضعة (لإِبْرَاهِيمَ) ابن النَّبيِّ ﷺ بلبنه (١)، والمرضعة: زوجته أمُّ سيف هي أمُّ بردة، واسمها: خولة بنت المنذر الأنصاريَّة النَّجاريِّة (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ) فيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه (٢)، وليس فيه دليلٌ على فعل ذلك بالميِّت؛ لأنَّ هذه إنَّما وقعت قبل موت إبراهيم ﵊، نعم؛ روى أبو داود وغيره: أنَّه ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وروى البخاريُّ: أنَّ أبا بكرٍ ﵁، قبَّل النَّبيَّ ﷺ بعد موته [خ¦٣٦٦٧] فلأصدقائه وأقاربه تقبيلُه (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيفٍ (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) يخرجها ويدفعها؛ كما يدفع الإنسان ماله يجود به (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرِّاء وبالفاء، أي: يجري دمعهما (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ ﷺ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ (٣)) بواو العطف

стр. 3138

على محذوفٍ، تقديره (١): النَّاس لا يصبرون عند المصائب ويتفجَّعون، وأنت (يَا رَسُولَ اللهِ) تفعل كفعلهم مع حثِّك على الصَّبر، ونهيك عن الجزع؟! فأجابه ﵊ (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا) أي: الحالة الَّتي شاهدتها منِّي (رَحْمَةٌ) ورقَّةٌ وشفقةٌ على الولد، تنبعث عن التَّأمُّل فيما هو عليه، وليست بجزعٍ وقلَّة صبرٍ كما توهَّمت (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) ﵊ (بِأُخْرَى) أي: أتبع الدَّمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي (٢) قوله: «إنَّها رحمةٌ» بكلمةٍ أخرى مفصَّلةٍ (فَقَالَ) النَّبيُّ (٣) (¬ ﷺ : إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَُ) بالنَّصب والرَّفع (يَحْزَنُ) لرقَّته من غير سخطٍ لقضاء الله، وفيه جواز الإخبار عن الحزن وإن كان كتمه أَولى، وجواز البكاء على الميِّت قبل موته، نعم يجوز بعده؛ لأنَّه ﷺ بكى على قبر بنتٍ له، رواه البخاريُّ [خ¦١٢٨٥] وزار قبر أمِّه فبكى، وأبكى مَن حوله، رواه مسلمٌ، ولكنَّه قبل الموت أَولى بالجواز؛ لأنَّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأَولى، كذا نقله (٤) في «المجموع» عن الجمهور، لكنَّه (٥) نقل في «الأذكار» عن الشَّافعيِّ والأصحاب: أنَّه مكروهٌ؛ لحديث: «فإذا وجبت فلا تبكيَنَّ باكيةٌ» قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، رواه الشَّافعيُّ وغيره بأسانيد صحيحةٍ، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يُقال: إن كان البكاء لرقَّةٍ على الميِّت وما يُخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة فلا يُكْرَه، ولا يكون خلاف الأَولى، وإن كان للجزع وعدم التَّسليم للقضاء فيُكرَه، أو يَحْرُم، وهذا كلُّه في البكاء بصوتٍ، أمَّا مجرَّد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعَين فلا منع منه، كما قال ﵊: (وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ -يَا إِبْرَاهِيمُ- لَمَحْزُونُونَ) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أنَّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يُكَلَّف الانكفاف عنه، وكأنَّ الجارحة

стр. 3139

امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو، ولهذا قال: «وإنَّا بفراقك لمحزونون»، فعبَّر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي: ليس الحزن من فعلنا، ولكنَّه واقعٌ بنا من غيرنا، ولا يُكَلَّف الإنسان بفعل غيره، والفرق بين دمع العين ونطق اللِّسان: أنَّ النُّطق يُملَك بخلاف الدَّمع، فهو للعين كالنَّظر، ألا ترى أنَّ العين إذا كانت مفتوحةً نظرتْ (١) شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها، ولا كذلك نطق اللِّسان، فإنَّه لصاحب اللِّسان، قاله ابن المُنيِّر. (رَوَاهُ) أي: أصل الحديث (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ) بضمِّ الميم وكسر الغين المعجمة (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما وصله البيهقيُّ في «الدَّلائل»، وفي حديث الباب (٢) التَّحديث، والعنعنة، والقول. (٤٤) (باب البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ) إذا ظهرت عليه علامةٌ مخوِّفةٌ، وسقط لفظ «باب» عند أبي ذرٍّ. ١٣٠٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) هو ابن الحارث المصريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ) قاضي المدينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄، قَالَ: اشْتَكَى) أي: مرض (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) بسكون العين في الأوَّل، وضمِّها في الثَّاني مع تخفيف الموحَّدة (شَكْوَى لَهُ) بغير تنوينٍ (فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه

стр. 3140

(يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ) النَّبيُّ ﷺ ومن معه (فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ) بغينٍ وشينٍ معجمتين، بينهما ألفٌ: الَّذين يغشونه للخدمة والزِّيارة، لكن (١) قال في «الفتح»: وسقط لفظ «أهله» من أكثر الرِّوايات -والَّذي في «اليونينيَّة» سقوطها لابن عساكر فقط- فيجوز أن يكون المراد بـ «الغاشية»: الغَشْيَة من الكرب، ويقويِّه رواية مسلمٍ بلفظ: في غشيته، وقال التوربشتيُّ في «شرح المصابيح»: المراد: ما يتغشَّاه من كرب الوجع الَّذي فيه، لا الموت؛ لأنَّه برئ من هذا المرض، وعاش بعده زمانًا (فَقَالَ) ﵊: (قَدْ قَضَى؟) بحذف همزة الاستفهام، أي: أقد (٢) خرج من الدُّنيا بأن مات (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فقالوا»: (لَا يَا رَسُولَ اللهِ) جوابٌ لما مرَّ ممَّا استفهمه (فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ) الحاضرون (بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ) ﵊: (أَلَا تَسْمَعُونَ، إِنَّ اللهَ) بكسر الهمزة استئنافًا؛ لأنَّ قوله: «تسمعون» لا يقتضي مفعولًا؛ لأنَّه جُعِل كاللَّازم، فلا يقتضي مفعولًا، أي: ألا توجدون (٣) السَّماع؟ كذا قرَّره البرماويُّ وابن حجرٍ كالكِرمانيِّ، وقد تعقِّبه العينيُّ فقال: ما المانع أن يكون: «أَنْ (٤)»، بالفتح في محلِّ المفعول لـ «تسمعون»؟ وهو الملائم لمعنى الكلام. انتهى. لكنَّ الَّذي في روايتنا بالكسر (لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا) إن قال سوءًا (-وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ) بهذا إن قال خيرًا (٥)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو يرحم الله» (وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) بخلاف

стр. 3141

الحيِّ فلا يُعذَّب ببكاء الحيِّ عليه، وإنَّما يُعذَّب الميِّت ببكاء الحيِّ إذا تضمَّن ما لا يجوز، وكان الميِّت سببًا (١) فيه كما مرَّ (وَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁¬) فيما هو موصولٌ بالسَّند السَّابق إلى ابن عمر (يَضْرِبُ فِيهِ) في البكاء (٢) بالصِّفة المنهيِّ عنها بعد الموت (بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ) تأسيًّا بأمره ﵊ بذلك في نساء جعفر، كما مرَّ [خ¦١٢٩٩]. وفي الحديث التَّحديث والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ. (٤٥) (باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ) أي: بابٌ في (٣) النَّهي عنه، فـ «ما» مصدريَّةٌ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «من النَّوح» بـ «مِن» البيانيَّة بدل «عن» (وَالبُكَاءِ، وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ) أي: الرَّدع عنه. ١٣٠٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو، وفتح الشِّين المعجمة ثمَّ موحَّدةٌ، الطَّائفيُّ، نزيل (٤) الكوفة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاري (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَ) قَتْلُ (جَعْفَرٍ) هو ابن أبي طالب (وَ) قَتْلُ (عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ) في غزوة مؤتة إلى النَّبيِّ ﷺ (جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في المسجد، حال

стр. 3142

كونه (يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ) بفتح الشِّين المعجمة، أي: الموضع الَّذي يُنظَر منه (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «فقال: أَيْ رسولَ الله» (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) امرأته أسماء بنت عُمَيسٍ، ومَن حضر عندها من النِّسوة، وخبر «إنَّ» محذوفٌ يدلُّ عليه قوله: (وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ) الزَّائد على القدر المباح (فَأَمَرَهُ) النَّبيُّ ﷺ (بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ) عمَّا ذكره ممَّا يُنهَى عنه شرعًا، وللأَصيليِّ: «أن ينهاهنَّ» بحذف الموحَّدة أوَّل «أَنْ» (فَذَهَبَ الرَّجُلُ) إليهنَّ (ثُمَّ أَتَى) النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ) له: (قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «أنَّه» (لَمْ يُطِعْنَهُ) لكونه لم يصرِّح لهنَّ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهاهنَّ (فَأَمَرَهُ) ﵊ المرَّة (الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ) الرَّجل إليهنَّ (ثُمَّ أَتَى) النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي -أَوْ غَلَبْنَنَا) بسكون الموحَّدة فيهما، قال المؤلِّف: (الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ حَوْشَبٍ-) نسبه لجدِّه، ولأبي ذرٍّ: «من محمَّد بن عبد الله بن حوشب» قالت عمرة: (فَزَعَمَتْ) أي: قالت عائشة ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) للرَّجل: (فَاحْثُ) بضمِّ المثلَّثة، من حثا يحثُو، وبالكسر، من حثى يحثِي (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) وللمُستملي: «من التُّراب»، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) للرَّجل: (أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) أي: ألصقه بالرَّغام -وهو التُّراب (١) - إهانًة وذلًّا (فَوَاللهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ) ما أمرك به رسول الله ﷺ من النَّهي الموجب لانتهائهنَّ (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ العَنَاءِ) بفتح العين والمدِّ، وهو التَّعب. ١٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) هو الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) وسقط لابن عساكر لفظ «ابن زيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ، ولابن عساكر: «عن أيُّوب» (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة (¬﵂ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ (٢) ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ)

стр. 3143

بفتح الموحَّدة، أي: لمَّا بايعهنَّ على الإسلام (أَلَّا نَنُوحَ) على ميِّتٍ، و «أن» مصدريَّةٌ، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ النَّوح لو لم يكن منهيًّا عنه؛ لما أخذ النَّبيُّ ﷺ عليهنَّ في البيعة تركه (فَمَا وَفَّتْ) بتشديد الفاء، ولم يشدِّدها في «اليونينيَّة» (مِنَّا امْرَأَةٌ) بترك النَّوح، أي: ممَّن بايع معها في الوقت الَّذي بايعت فيه من النِّسوة المسلمات (غَيْرَُ خَمْسِ نِسْوَةٍ) وليس المراد أنَّه لم يترك النِّياحة من النِّساء المسلمات غير (١) خمسٍ، و «غير» بالرَّفع والنَّصب: (أُمُِّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: إحداهنَّ (٢) أمُّ سليم، وبالجرِّ بدلٌ من «خمسِ نسوةٍ»، وكذا يجوز (٣) الوجهان فيما بعده ممَّا عُطِف عليه، واسم «أمُِّ سُلَيم» سهلة على اختلافٍ فيه، وهي ابنة مِلْحان، ووالدة أنسٍ ﵁ (وَأُمُِّ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، الأنصاريَّة (وَابْنَةُِ أَبِي سَبْرَةَ) بفتح السِّين المهملة وسكون الموحَّدة، وهي (امْرَأَةُِ مُعَاذٍ) أي: ابن جبلٍ (وَامْرَأَتَيْنِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق إن خُفِض، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «وامرأتان» بالرَّفع: عطفًا عليه إن رُفِعَ، فالثَّلاثة بحسب المعطوف عليه رفعًا وخفضًا (أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ) شكٌّ من الرَّاوي، هل ابنة أبي سَبْرة هي امرأة معاذٍ أو غيرها؟ قال في «الفتح»: والَّذي يظهر لي أنَّ الرِّواية بواو العطف أصحُّ؛ لأنَّ امرأة معاذٍ هي أمُّ عمرٍو بنت خلَّاد بن عمرٍو السَّلميَّة، ذكرها ابن سعدٍ، وعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها (وَامْرَأَةٍ أُخْرَى). ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ. (٤٦) (باب القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ) إذا مرت على من ليس معها.

стр. 3144

١٣٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) صاحب الهجرتين (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا) سواءٌ كانت (١) لمسلمٍ أو ذمِّيٍّ؛ إعظامًا للَّذي يقبض الأرواح (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة، أي: تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز؛ لأنَّ المراد: حاملها (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وذكر هذه الطَّريق لبيان أنَّ الأولى بالعنعنة، وهذه بلفظ الإخبار؛ ليفيد التَّقوية. (زَادَ الحُمَيْدِيُّ) أبو بكر (٢) عبد الله المكِّيُّ، عن سفيان بن عيينة، ممَّا هو موصولٌ في «مسنده»، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) والزَّائد لفظ: «أو توضع» فقط (٣)، وفيه أنَّه ينبغي لمن رأى الجنازة أن يقلق من أجلها، ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال، وقد اختُلف في القيام للجنازة: فذهب الإمام (٤) الشَّافعيُّ إلى أنَّه غير واجبٍ، فقال -كما نقله البيهقيُّ في «سننه» -: هذا إمَّا أن يكون منسوخًا، أو يكون قام لعلَّةٍ، وأيُّهما كان فقد ثبت أنَّه تركه بعد فعله، والحجَّة في الآخرِ مِن أمره: إن كان الأوَّل واجبًا فالآخر من أمره ناسخٌ، وإن كان مُستحبًّا (٥) فالآخر هو المستحبُّ، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام، والقعودُ أحبُّ إليَّ. انتهى. وأشار بالتَّرك إلى حديث عليٍّ عند مسلمٍ: أنَّه ﷺ قام للجنازة ثمَّ قعد، قال البيضاويُّ فيما نقله عنه صاحب «شرح المشكاة»: يحتمل قول (٦) عليٍّ: «ثمَّ قعد» أي: بعد أن جازت به، وبَعُدت عنه، ويحتمل أن يريد: كان يقوم في وقتٍ، ثمَّ ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينةً في أنَّ المراد

стр. 3145

بالأمر الوارد في ذلك للنَّدب (١)، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأوَّل أرجح لأنَّ احتمال المجاز أَولى من دعوى النَّسخ. انتهى. قال في «الفتح»: والاحتمال الأوَّل يدفعه ما رواه البيهقيُّ في حديث عليٍّ (٢): أنَّه أشار إلى قومٍ قاموا أَنْ يجلسوا، ثمَّ حدَّثهم بالحديث، ومنْ ثمَّ قال بكراهة القيام جماعةٌ منهم: سُليمٌ الرَّازيُّ وغيره من الشَّافعيَّة. انتهى. وبالكراهة صرَّح النَّوويُّ في «الرَّوضة»، لكن قال المتولِّي بالاستحباب، قال في «المجموع»: وهو المختار، فقد صحَّت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبت في القعود شيءٌ إلَّا حديث عليٍّ، وليس صريحًا في النَّسخ لاحتمال أنَّ القعود فيه لبيان الجواز، وذكر مثله في «شرح مسلمٍ»، وفي روايةٍ للبيهقيِّ (٣): إنَّ عليًّا رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة أن تُوضع، فأشار إليهم بدرَّةٍ معه أو سَوطٍ: أَنِ اجلسوا، فإنَّ رسول الله ﷺ قد جلس بعدما كان يقوم، قال الأذرعيُّ: وفيما اختاره النَّوويُّ من استحباب القيام نظرٌ؛ لأنَّ الَّذي فهمه عليٌّ ﵁ التَّرك مطلقًا، وهو الظَّاهر؛ ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتجَّ بالحديث. انتهى. وكذا ذهب إلى النَّسخ عروة بن الزُّبير، وسعيد بن المسيَّب، وعلقمة، والأسود، وأبو حنيفة، ومالكٌ، وأبو يوسف، ومحمَّدٌ. وفي حديث الباب رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيٍّ عن صحابيٍّ في نسقٍ، وفيه: أنَّ سفيان والحميديَّ مكِّيَّان، والزُّهريَّ وسالمًا: مدنيَّان، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٤٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ؟) سقطت التَّرجمة والباب عند أبي ذرٍّ عن المُستملي (٤)، كما أشار إليه في «اليونينيَّة (٥)»، وقال في «الفتح»: سقطا للمُستمليْ، وثبتت التَّرجمة دون الباب لرفيقَيه.

стр. 3146

١٣٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً) لابن عساكر: «الجنازة» بالتَّعريف (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أَوْ تُخَلِّفَهُ) شكٌّ من الرَّاوي، إمَّا من (١) البخاريِّ، أو من قتيبة حين حدَّثه به، أي: حتَّى يخلِّف الرَّجل الجنازة، أو تخلِّف الجنازةُ الرَّجلَ (أَوْ تُوضَعَ) الجنازة على الأرض من أعناق الرِّجال (مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ) فيه بيانٌ للمراد (٢) من رواية سالمٍ الماضية [خ¦١٣٠٧] و «أو» للتَّقسيم لا للشَّكِّ. ١٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عبد الله، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ بِيَدِ مَرْوَانَ) بن الحكم ابن أبي العاصي، الأمويِّ (فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ) الجنازة في الأرض (فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريُّ (¬﵁، فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ) أي: أبو سعيدٍ لمروان: (قُمْ، فَوَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا) أي: أبو هريرة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) أي: الجلوس قبل وضع الجنازة (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (صَدَقَ) أي: أبو سعيدٍ. (٤٨) (باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَامِ).

стр. 3147

١٣١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر لفظ (١) «يعني: ابن إبراهيم» قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا) أمرٌ بالقيام لمن كان قاعدًا، فأمَّا من كان راكبًا فيقف؛ لأنَّ الوقوف في حقِّه كالقيام في حقِّ القاعد (فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ) على الأرض، وأمَّا من مرَّت به فليس عليه من القيام إلَّا بقدر ما تمرُّ عليه أو توضع عنده؛ كأن يكون بالمصلَّى مثلًا، وفي حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: «من صلَّى على جنازةٍ (٢) ولم يمشِ معها؛ فليقم حتَّى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتَّى توضع»، وحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ هذا -الَّذي حدَّث به المؤلِّف عن مسلم بن إبراهيم- مقدَّمٌ في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر على حديث سعيدٍ المقبريِّ الَّذي رواه عن أحمد ابن يونس، مؤخَّرٌ عند غيرهما، وعلى التَّأخير شرح الحافظ ابن حجر، والله الموفِّق. (٤٩) (باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ) أو نصرانيٍّ. ١٣١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، الزَّهرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة (بْنِ مِقْسَمٍ) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السِّين المهملة، مولى ابن أبي نمرٍ القرشيِّ (عَنْ جَابِرِ

стр. 3148

بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: مَرَّ) بفتح الميم في «اليونينيَّة (١)»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بضمِّها مبنيًّا للمجهول (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَرَّتْ» بفتحها وزيادة تاء التَّأنيث (بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا) بالواو، ولغير أبي ذرٍّ وله (٣): «فقمنا» بالفاء، وزاد (٤) الأَصيليُّ وأبو ذرٍّ وابن عساكر وكريمة «له (٥)»، والضَّمير فيه للقيام الدَّالِّ عليه قوله: «فقام» أي: قمنا لأجل قيامه (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ) ﵊: (إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ) أي: سواءٌ كانت لمسلمٍ أو ذمِّيٍّ (فَقُومُوا) زاد البيهقيُّ من طريق أبي قِلابة الرَّقاشيِّ عن معاذ بن فَضَالة فيه فقال (٦): «إنَّ الموت فَزَعٌ»، وكذا لمسلمٍ من وجهٍ آخر عن هشامٍ، قال البيضاويُّ: وهو مصدرٌ جرى مجرى الوصف للمبالغة، أو فيه تقديرٌ، أي: الموت ذو فزعٍ، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه: «إنَّ للموت فزعًا». وفي حديث الباب التَّحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريٍّ ويمانيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

стр. 3149

١٣١٢ - ١٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله، المراديُّ الأعمى الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى) -بفتح اللَّامين، واسم أبي ليلى: يسار- الكوفيَّ (قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء وفتح النُّون، الأوسيُّ الأنصاريُّ (وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن عُبادة -بضمِّ العين- الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ (قَاعِدَيْنِ) بالتَّثنية والنَّصب: خبر «كان» (بِالقَادِسِيَّةِ) بالقاف وكسر الدَّال والسِّين المهملتين وتشديد التَّحتيَّة: مدينةٌ صغيرةٌ ذات نخلٍ (١) ومياهٍ، بينها وبين الكوفة مرحلتان أو خمسةَ عشرَ فرسخًا (فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا) أي: على سهلٍ وقيسٍ، وللحَمُّويي والمُستملي: «عليهم» أي: عليهما، ومن كان حينئذٍ معهما (بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا) أي: سهلٌ وقيسٌ (فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا) أي: الجنازة (مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أي: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) تفسيرٌ لأهل الأرض، أي: من أهل الجزية المقَرِّين بأرضهم؛ لأنَّ المسلمين (٢) لمَّا فتحوا البلاد أقرُّوهم على عمل الأرض وحمل الخراج (فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!) ماتت، فالقيام لها لأجل صعوبة الموت وتذكُّره لا لذات الميِّت. (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مُرَّة المذكور (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن المذكور (قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ) هو ابن سعدٍ (وَسَهْلٍ) هو ابن حُنيفٍ، ولأبي ذرٍّ: «مع سهلٍ وقيسٍ» (¬﵄، فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ومراد المؤلِّف بهذا التَّعليق بيان سماع عبد الرَّحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من قيسٍ وسهلٍ (وَقَالَ زَكَرِيَّا (٣)) ابن أبي زائدة مما وصله سعيد بن منصورٍ، عن سفيان بن عيينة، عن زكريَّا (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل الأنصاريِّ (٤)

стр. 3150

(عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن قال (١): (كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) الأنصاريُّ (وَقَيْسٌ) هو ابن سعدٍ المذكور (يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: ويُجمَع بين ما وقع فيه مِن (٣) الاختلاف بأنَّ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلًا مفردَين (٤)؛ لكونهما رفعا له الحديث، وذكره مرَّة أخرى عن قيسٍ وأبي مسعودٍ؛ لكون أبي مسعودٍ لم يرفعه، والله أعلم. (٥٠) (باب حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ) حمل (النِّسَاءِ) إيَّاها؛ لضعفهنَّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل مع ما يُتوقَّع من صراخهنَّ عند حمله ووضعه وغير ذلك من وجوه المفاسد. ١٣١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريَّ (الخُدْرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن:

стр. 3151

لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.

стр. 3152

(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل. (وَقَالَ أَنَسٌ ﵁¬) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):

стр. 3153

امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.

стр. 3154

١٣١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وللمُستملي: «عن الزُّهريِّ» بدلُ «مِنْ»، والأوَّل أَولى؛ لأنَّه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المُستملي، وقد صرَّح الحُميديُّ في «مسنده» بسماع سفيان له من الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخَبَب؛ لأنَّ ما فوق ذلك يؤدِّي إلى انقطاع الضُّعفاء، ومشقَّة الحامل، فيُكرَه، وهذا إن لم يضرَّه الإسراع، فإن ضرَّه فالتَّأنِّي أفضل، فإن خيف عليه تغيُّرٌ أو انفجارٌ أو انتفاخٌ؛ زيد في الإسراع (فَإِنْ تَكُ) أي: الجنازة (صَالِحَةً) نصبٌ خبر «كان» (فَخَيْرٌ) أي: فهو خيرٌ، خبر مبتدأ محذوفٍ (تُقَدِّمُونَهَا) زاد العينيُّ كابن (١) حجرٍ: «إليه» أي: إلى الخير باعتبار الثَّواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره، فيُسرَع به ليلقاه قريبًا، وفي «توضيح ابن مالك»: أنَّه رُوِيَ: «إليها» بالتَّأنيث، وقال: أنَّث الضَّمير العائد على (٢) الخير (٣)، وهو مذكَّرٌ، وكان ينبغي أن يقول: فخيرٌ تقدِّمونها (٤) إليه، لكن المذكَّر يجوز تأنيثه إذا أُوِّل بمؤنَّثٍ؛ كتأويل الخير الَّذي تُقدَّم إليه النَّفس الصَّالحة بالرَّحمة أو بالحسنى أو بالبشرى (٥)، والجارُّ والمجرور -مذكَّرًا ومؤنَّثًا- ساقطٌ من الفرع كأصله (٦) (وَإِنْ تَكُ) الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحةٍ (فَشَرٌّ) أي: فهو شرٌّ (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنَّها بعيدةٌ من الرَّحمة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٥٢) (باب قَوْلِ المَيِّتِ) الصَّالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: النَّعش: (قَدِّمُونِي).

стр. 3155

١٣١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) المقبريُّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت في النَّعش، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود الطَّيالسيُّ: إذا وضع الميِّت على سريره (فَاحْتَمَلَهَا) أي: الجنازة (الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ) حقيقةً بلسان القال بحروفٍ وأصواتٍ يخلقها الله تعالى فيها: (قَدِّمُونِي) لثواب عملي الصَّالح الَّذي قدَّمته (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وإن كانت غيرَ ذلك» (قَالَتْ لأَهْلِهَا) أي: لأجل أهلها إظهارًا لوقوعها في الهلكة: (يَا وَيْلَهَا) لأنَّ كلَّ من وقع في هلكةٍ دعا بالويل (أَيْنَ يَذْهَبُونَ (١)) بالتَّحتيَّة في «اليونينيَّة» (٢) (بِهَا؟) بضمير (٣) الغائب، وكان الأصل أن يقول: بي، فَعَدَل عنه كراهية (٤) أن يضيف الويل إلى نفسه، نعم في رواية أبي هريرة المذكورة: «قالت (٥): يا ويلتاه أين (٦) تذهبون بي؟» فظهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرَّاوي (يَسْمَعُ صَوْتَهَا) المنكر (كُلُّ شَيْءٍ) من الحيوان (إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ) صوتها بالويل المزعج (لَصَعِقَ) لغُشِيَ (٧) عليه، أو يموت من شدَّة هول ذلك، وهذا في غير الصَّالح؛ لأنَّ الصَّالح من شأنه اللُّطف والرِّفق في كلامه، فلا يناسب الصَّعق من سماع كلامه، نعم يحتمل حصوله من سماع كلام الصَّالح؛ لكونه غير
следующие страницы →