← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة (١) ولم يخرِّجه لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قدِّموني» مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني، احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي (٢)، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره (٣)، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ (٤) صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: «لصعق»، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات، فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات وهو المراد بالحديث. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.

стр. 3152

(٥١) (باب السُّرْعَةِ بِالجِنَازَةِ) بعد الحمل. (وَقَالَ أَنَسٌ ﵁¬) ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّافُ في «كتاب الجنائز» له، وابن أبي شيبة بنحوه عن حُمَيدٍ عن أنسٍ أنه سُئِل عن المشي في الجنازة؟ فقال: (أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، فَامْشوا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ بالجمع، ولغيرهما: «وامشِ» بالواو مع الإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «فامشِ» بالفاء والإفراد، والأوَّل أنسب (١) (بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا) قال الزَّين بن المُنيِّر: مطابقة هذا الأثر للتَّرجمة: أنَّ الأثر يتضمَّن التَّوسعة على المشيِّعين، وعدم التزامهم (٢) جهةً معيَّنةً وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضيَّة الإسراع بالجنازة ألَّا يُلزَموا بمكانٍ واحدٍ يمشون فيه؛ لئلَّا يشقَّ على بعضهم ممَّن يضعف في المشي عمَّن (٣) يقوى عليه، ومحصِّله: أنَّ السُّرعة لا تتَّفق غالبًا إلَّا مع عدم (٤) التزام المشي في جهةٍ معيَّنةٍ، فتناسبا (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير أنسٍ: امشِ (قَرِيبًا مِنْهَا) أي: من الجنازة من أيِّ جهةٍ كان؛ لاحتمال أن يحتاج حاملوها إلى المعاونة، والغير المذكور: قال في «الفتح»: أظنُّه عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- وهو صحابيٌّ، وكان (٥) من أهل الصُّفَّة، ثمَّ ذكر حديثًا عن عروة عن (٦) رُوَيمٍ عنه، عند سعيد بن منصورٍ قال: شهد عبد الرَّحمن بن قُرْطٍ جنازةً، فرأى ناسًا تقدَّموا، وآخرين استأخروا، فأمر بالجنازة فوُضِعَت، ثمَّ رماهم بالحجارة حتَّى اجتمعوا إليه، ثمَّ أمر بها فحُمِلَت، ثم قال (٧):

стр. 3153

امشوا (١) بين يديها وخلفها وعن يسارها وعن يمينها وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ما ذكره تخمينٌ وحسبانٌ، ولئن سلَّمنا أنَّه هو ذلك الغير؛ فلا نسلِّم أنَّ هذا مناسبٌ لما ذكره الغير، بل هو بعينه مثل ما قاله أنسٌ، وفي إيراد المؤلِّف لأثر أنسٍ المذكور دليلٌ على اختياره لهذا المذهب، وهو التَّخيير في المشي مع الجنازة -وهو قول الثَّوريِّ وغيره- وبه قال ابن حزمٍ، لكنَّه قيَّده بالماشي؛ لحديث المغيرة بن شعبة المرويِّ في «السُّنن الأربعة»، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «الرَّاكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها»، والجمهور: أنَّ المشي وكونه أمامها أفضل للاتِّباع، رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ولأنَّه شفيعٌ، وحقُّ الشَّفيع أن يتقدَّم، وأمَّا ما رواه سعيد بن منصورٍ وغيره عن عليٍّ موقوفًا (٢): المشي خلفها أفضل؛ فضعيفٌ، وكونه قريبًا منها بحيث يراها إن التفت إليها أفضلُ منه بعيدًا بألَّا يراها لكثرة الماشين معها، ولو مشى خلفها حصل له أصل فضيلة المتابعة، وفاته كمالها، ويُكرَه ركوبه في ذهابه معها؛ لحديث التِّرمذيِّ: أنَّه ﷺ رأى ناسًا ركبانًا مع جنازةٍ، فقال: «ألا تستحيون (٣)؟ إنَّ ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدَّوابِّ». نعم إن كان له عذرٌ كمرض، أو في رجوعه فلا كراهة (٤) فيه.

стр. 3154

١٣١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث الآتي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وللمُستملي: «عن الزُّهريِّ» بدلُ «مِنْ»، والأوَّل أَولى؛ لأنَّه يقتضي سماعه منه، بخلاف رواية المُستملي، وقد صرَّح الحُميديُّ في «مسنده» بسماع سفيان له من الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ) إسراعًا خفيفًا بين المشي المعتاد والخَبَب؛ لأنَّ ما فوق ذلك يؤدِّي إلى انقطاع الضُّعفاء، ومشقَّة الحامل، فيُكرَه، وهذا إن لم يضرَّه الإسراع، فإن ضرَّه فالتَّأنِّي أفضل، فإن خيف عليه تغيُّرٌ أو انفجارٌ أو انتفاخٌ؛ زيد في الإسراع (فَإِنْ تَكُ) أي: الجنازة (صَالِحَةً) نصبٌ خبر «كان» (فَخَيْرٌ) أي: فهو خيرٌ، خبر مبتدأ محذوفٍ (تُقَدِّمُونَهَا) زاد العينيُّ كابن (١) حجرٍ: «إليه» أي: إلى الخير باعتبار الثَّواب، أو الإكرام الحاصل له في قبره، فيُسرَع به ليلقاه قريبًا، وفي «توضيح ابن مالك»: أنَّه رُوِيَ: «إليها» بالتَّأنيث، وقال: أنَّث الضَّمير العائد على (٢) الخير (٣)، وهو مذكَّرٌ، وكان ينبغي أن يقول: فخيرٌ تقدِّمونها (٤) إليه، لكن المذكَّر يجوز تأنيثه إذا أُوِّل بمؤنَّثٍ؛ كتأويل الخير الَّذي تُقدَّم إليه النَّفس الصَّالحة بالرَّحمة أو بالحسنى أو بالبشرى (٥)، والجارُّ والمجرور -مذكَّرًا ومؤنَّثًا- ساقطٌ من الفرع كأصله (٦) (وَإِنْ تَكُ) الجنازة (سِوَى ذَلِكَ) أي: غير صالحةٍ (فَشَرٌّ) أي: فهو شرٌّ (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ) فلا مصلحة لكم في مصاحبتها؛ لأنَّها بعيدةٌ من الرَّحمة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٥٢) (باب قَوْلِ المَيِّتِ) الصَّالح (وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ) أي: النَّعش: (قَدِّمُونِي).

стр. 3155

١٣١٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) المقبريُّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ) أي: الميِّت في النَّعش، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود الطَّيالسيُّ: إذا وضع الميِّت على سريره (فَاحْتَمَلَهَا) أي: الجنازة (الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ) حقيقةً بلسان القال بحروفٍ وأصواتٍ يخلقها الله تعالى فيها: (قَدِّمُونِي) لثواب عملي الصَّالح الَّذي قدَّمته (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وإن كانت غيرَ ذلك» (قَالَتْ لأَهْلِهَا) أي: لأجل أهلها إظهارًا لوقوعها في الهلكة: (يَا وَيْلَهَا) لأنَّ كلَّ من وقع في هلكةٍ دعا بالويل (أَيْنَ يَذْهَبُونَ (١)) بالتَّحتيَّة في «اليونينيَّة» (٢) (بِهَا؟) بضمير (٣) الغائب، وكان الأصل أن يقول: بي، فَعَدَل عنه كراهية (٤) أن يضيف الويل إلى نفسه، نعم في رواية أبي هريرة المذكورة: «قالت (٥): يا ويلتاه أين (٦) تذهبون بي؟» فظهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرَّاوي (يَسْمَعُ صَوْتَهَا) المنكر (كُلُّ شَيْءٍ) من الحيوان (إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ) صوتها بالويل المزعج (لَصَعِقَ) لغُشِيَ (٧) عليه، أو يموت من شدَّة هول ذلك، وهذا في غير الصَّالح؛ لأنَّ الصَّالح من شأنه اللُّطف والرِّفق في كلامه، فلا يناسب الصَّعق من سماع كلامه، نعم يحتمل حصوله من سماع كلام الصَّالح؛ لكونه غير

стр. 3156

مألوفٍ، وقد روى هذا الحديثَ ابن منده في «كتاب الأهوال» بلفظ: «لو سمعه الإنسان لصعق مِن المحسن والمسيء»، قال في «الفتح»: فإن كان المراد به المفعول؛ دلَّ على وجود الصَّعق عند سماع كلام الصَّالح أيضًا، وهذا الحديث تقدَّم قريبًا [خ¦١٣١٤]. (٥٣) (باب مَنْ صَفَّ) النَّاس (صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ). ١٣١٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو أبو الحسن الأسديُّ البصريُّ الثِّقة (عَنْ أَبِي عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (١) (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَِّجَاشِيِّ) ملك الحبشة، وهو بتشديد الياء وبتخفيفها أفصح، وتُكسَر نونها، أو هو أفصح، قاله في «القاموس» (فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ) لا يقال: لا يلزم من كونه في الصَّفِّ الثَّاني أو الثّالث أن يكون ذلك منتهى الصُّفوف حتَّى يحصل التَّطابق بينه وبين التَّرجمة؛ لأنَّ الأصل عدم الزِّيادة، وفي «مسلمٍ» عن جابرٍ في هذا الحديث قال: قمنا (٢) فصفَّنا (٣) صفَّين، فـ «أو» في قوله: «أو الثَّالث» شكٌّ، هل كان هناك صفٌّ ثالثٌ أم لا؟ وفي حديث مالك بن هُبَيرة المرويِّ في أبي داود والتِّرمذيِّ وحسَّنه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلمٍ: «ما من مسلمٍ يموت فيصلِّي عليه ثلاثةُ صفوفٍ من المسلمين إلَّا أوجب» أي: غُفِر له؛ كما رواه الحاكم، كذلك فيستحبُّ في الصَّلاة على الميِّت ثلاثةُ صفوفٍ فأكثر، قال الزَّركشيُّ: قال بعضهم: والثَّلاثة بمنزلة الصَّفِّ الواحد في الأفضليَّة،

стр. 3157

وإنَّما لم يُجْعل الأوَّل أفضل محافظةً على مقصود الشَّارع من الثَّلاثة (١). (٥٤) (باب الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ) قال في «المصابيح»: هذه التَّرجمة على أصل الصُّفوف، والتَّرجمة المتقدِّمة على عددها، وقال الزَّين بن المنيِّر: أعاد التَّرجمة؛ لأنَّ الأُولى لم يجزم فيها بالزِّيادة على الصَّفَّين. ١٣١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) تصغير: زَرْع، و «يزيد» من الزِّيادة قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ) زاد ابن ماجه من طريق عبد الأعلى عن معمر: فخرج بأصحابه إلى البقيع، والمراد بالبقيع: بقيع بطحان (فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا) فإن قلت: ليس في هذا (٢) الحديث لفظ: الجنازة، إنَّما فيه الصَّلاة على غائبٍ، أو مَن في قبرٍ (٣)، فلا مطابقة، أُجِيبَ بأنَّ المراد من الجنازة: الميِّت سواءٌ كان مدفونًا أو غير مدفونٍ، وإذا شُرِعَ الاصطفاف والجنازة غائبةٌ ففي الحاضرة أَولى. ١٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشِّين المعجمة، سليمان بن أبي سليمان فيروز،

стр. 3158

الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) من الصَّحابة ممَّن لم يُسَمَّ، وجهالة الصَّحابيِّ لا تضرُّ في السَّند، وسبق في «باب وضوء الصِّبيان» من «كتاب الصَّلاة» قبل «كتاب الجمعة» بلفظ: من مرَّ مع النَّبيِّ ﷺ [خ¦٨٥٧] (١)، وللتِّرمذيِّ: حدَّثنا الشَّعبيُّ قال (٢): أخبرني مَن رأى النَّبيَّ ﷺ (أَتَى) ولأبي الوقت: «أنَّه أتى» (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين «قبرٍ» موصوف بـ «مَنْبوذٍ» بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الموحَّدة ثمَّ ذالٍ معجمةٍ، أي: منفرد عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بغير تنوينٍ: على إضافة «قبرِ» إلى (٣) «منبوذٍ» أي: به لقيطٌ منبوذٌ (فَصَفَّهُمْ) على القبر (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) قال الشَّيبانيُّ: (قُلْتُ) للشَّعبيِّ: (يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (مَنْ حَدَّثَكَ؟) بهذا (قَالَ): حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬). ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّ «صفَّهم» يدلُّ على صفوفٍ؛ لكثرة الصَّحابة الملازمين له ﵊، فلا يكون (٤) ذلك (٥) صفًّا ولا صفَّين. ١٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ

стр. 3159

يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ: (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ تُوُفِّي اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة، قال في «القاموس»: الحَبَشُ والحَبَشَة محرَّكتين (١)، والأَحْبُش -بضمِّ الباء-: جنسٌ من السُّودان، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «من الحُبْش» بضمِّ المهملة وسكون الموحَّدة (فَهَلُمَّ) بفتح الميم، أي: تعالوا (فَصَلُّوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَصَفَفْنَا) بفاءين (فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عليه وَنَحْنُ صُفُوفٌ) كذا ثبت في رواية المُستملي: «ونحن صفوفٌ» وفي الفرع وأصله (٢) علامة السُّقوط على قوله: «عليه»، وعلى قوله: «صفوفٌ» للأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر، وزاد أبو الوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «معه» بعد قوله: «ونحن»، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فصففنا» وقال ابن حجرٍ: إنَّ زيادة (٤) المُستملي: «ونحن صفوفٌ» تصحِّح (٥) مقصود التَّرجمة. انتهى. وحينئذٍ فعلى رواية غيره لا مطابقة، فالأحسن قول الكِرمانيِّ: «فصففنا» كما مرَّ، والواو في قوله: «ونحن صفوفٌ» للحال (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس -بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وسكون الدَّال وضمِّ الرَّاء، آخره سينٌ مهملةٌ- ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنْ جَابِرٍ) قال: (كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي) يوم صلَّى النَّبيُّ ﷺ على النَّجاشيِّ، واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الصَّلاة على الغائب، وبه قال الشَّافعيُّ ﵀ (٦) وأحمد وجمهور السَّلف، حتَّى قال ابن حزمٍ: لم يأت عن أحدٍ (٧)

стр. 3160

من الصَّحابة منعه، قال الشَّافعيُّ، ممَّا قرأته في «سنن البيهقيِّ»: إنَّما الصَّلاة دعاءٌ للميِّت؛ وهو إذا كان مكفَّنًا (١) ميِّتًا يُصلَّى عليه، فكيف (٢) لا ندعو له غائبًا أو في القبر بذلك الوجه الَّذي يُدعَى له به وهو ملفَّفٌ؟ (٣) وأجاب القائلون بالمنع؛ وهم الحنفيَّة والمالكيَّة عن قصَّة النَّجاشيِّ بأنَّه كان بأرضٍ لم يصلِّ عليه بها أحدٌ، فتعيَّنت عليه الصَّلاة (٤) لذلك، أو أنَّه خاص بالنَّجاشيِّ؛ لإرادة إشاعة أنَّه مات مسلمًا، أو استئلاف قلوب الملوك الَّذين أسلموا في حياته، فليس ذلك لغيره، أو أنَّه كُشِف له ﷺ عنه حتَّى رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها، وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّه يحتاج إلى نقلٍ، ولا يثبت بالاحتمال. انتهى. وقال ابن العربيِّ: قال المالكيَّة: ليس ذلك إلَّا لمحمَّدٍ ﷺ (٥)، قلنا: وما عمل به محمَّد (٦) ﷺ تعمل به أمَّته؛ يعني: لأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، قالوا: طُوِيَت له الأرض، وأُحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إنَّ ربَّنا لقادرٌ، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلَّا ما رأيتم، ولا تخترعوا من عند أنفسكم، ولا تحدِّثوا إلَّا بالثَّابتات، ودعوا الضِّعاف؛ فإنَّها سبيل تلافٍ إلى ما ليس له تلاف.

стр. 3161

انتهى. وفي «أسباب النزول» للواحديِّ بغير إسنادٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: كُشِفَ للنَّبيِّ ﷺ عن سرير النَّجاشيِّ حتَّى رآه وصلَّى عليه، ولابن حِبَّان من حديث عِمران بن حُصينٍ: فقام وصفُّوا خلفه وهم لا يظنُّون إلَّا أن جنازته بين يديه، وقول المهلَّب: «إنَّه لم يثبت أنَّه صلَّى على ميِّتٍ غائبٍ غير النَّجاشيِّ» معارضٌ بقصَّة معاوية بن معاوية المزنيِّ المرويَّة -من حديث أنسٍ وأبي أمامة، ومن طريق سعيد بن المسيَّب والحسن البصريِّ- مرسلةً (١)، فأخرج الطَّبرانيُّ ومحمَّد ابن الضُّريْس في «فضائل القرآن»، وسَمُّوَيْه في «فوائده» وابن منده والبيهقيُّ في «الدَّلائل» كلُّهم من طريق محبوب بن هلالٍ، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالكٍ قال: نزل جبريل على النَّبيِّ ﷺ فقال: يا محمَّد؛ مات معاوية بن معاوية المزنيُّ، أتحبُّ أن تصلِّي عليه؟ قال: «نعم»، قال (٢): فضرب بجناحيه، فلم تبق أَكَمَةٌ ولا شجرةٌ إلَّا تضعضعت، فرفع سريره حتَّى نظرَ إليه، فصلَّى عليه وخلفه صفَّان من الملائكة، كلُّ صفٍّ سبعون ألف ملك فقال: «يا جبريل بِمَ نال هذه المنزلة (٣)؟ قال: بحبِّ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقراءته إيَّاها جائيًا وذاهبًا وقائمًا وقاعدًا وعلى كلِّ حالٍ». ومحبوب، قال أبو حاتمٍ: ليس بالمشهور، وذكره ابن حِبَّان في الثِّقات، وأوَّل حديث ابن الضُّريْس: كان النَّبيُّ ﷺ بالشَّام … ، وأخرجه ابن سنجر في «مسنده» وابن الأعرابيِّ وابن عبد البرِّ، وهو في «فوائد حاجب الطُّوسي (٤)»، كلُّهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العلاء أبو محمَّدٍ الثَّقفيُّ: سمعت أنس بن مالكٍ يقول: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فطلعت الشمس يومًا بنورٍ وشعاعٍ وضياءٍ لم نره قبل ذلك، فعجب النَّبيُّ ﷺ من (٥) شأنها، إذ أتاه جبريل فقال: مات معاوية بن معاوية، وذكر نحوه، والعلاء أبو محمَّدٍ -هو ابن زيدٍ (٦) الثَّقفيُّ- واهٍ، وأخرج نحوَه ابنُ

стр. 3162

منده من حديث أبي أمامة، وأخرجه أبو أحمد الحاكم (١) في «فوائده»، والطَّبرانيُّ في «مسند الشَّاميين»، والخلَّال في «فضائل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾»، وأمَّا طريق سعيد بن المسيَّب ففي «فضائل القرآن» لابن الضُّريس، وأمَّا طريق الحسن البصريِّ فأخرجها البَغَويُّ وابن منده، فهذا الخبر قويٌّ بالنَّظر إلى مجموع طرقه، وقد يَحتَجُّ به من يجيز الصَّلاة على الغائب، لكنْ يدفعه ما ورد: أنَّه رُفِعَت الحُجُب حتَّى شاهد جنازته. وحديث الباب فيه التَّحديث، والإخبار، والسَّماع، والقول، وشيخ المؤلِّف رازيٌّ، وابن جريجٍ وعطاءٌ مكِّيَّان، وأخرجه أيضًا في «هجرة الحبشة» [خ¦٣٨٧٧]، ومسلمٌ في «الجنائز» والنَّسائيُّ في «الصَّلاة». (٥٥) (باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ) عند إرادة الصَّلاة (عَلَى الجَنَائِزِ) وللحَمُّويي (٢) والأَصيليِّ والمُستملي: «في الجنائز». ١٣٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) ابن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) سليمان (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ) زاد غير أبي الوقت (٣) والأَصيليِّ وابن عساكر: «قد دُفِنَ»

стр. 3163

بضمِّ الدَّال وكسر الفاء (لَيْلًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: دُفِنَ صاحبه فيه ليلًا؛ فهو من قبيل ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟) الميِّت (قَالُوا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» بالفاء قبل القاف: دُفِنَ (البَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي)؟ بمدِّ الهمزة، أي: أعلمتموني (قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا) بفاءَين (خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على قبرٍ (١)، وكان ابن عبَّاسٍ في زمنه ﷺ دون البلوغ؛ لأنَّه شهد حجَّة الوداع وقد قارب الاحتلام، وفيه جواز الدَّفن في اللَّيل، وقد روى التِّرمذيُّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل قبرًا ليلًا، فأُسرِجَ له بسراجٍ (٢)، فأُخِذَ من القبلة، وقال: «رحمك الله إِنْ كنتَ لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن»، وكبَّر عليه أربعًا، وقد رخَّص أكثر (٣) أهل العلم في الدَّفن باللَّيل، ودُفِنَ كلٌّ من الخلفاء الأربعة ليلًا، بل روى أحمد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دُفِنَ ليلة الأربعاء، وما رُوِيَ من النَّهي عنه؛ فمحمولٌ على أنَّه كان أوَّلًا ثمَّ رُخِّص فيه بعد. (٥٦) (باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ) ولأبي ذَرٍّ: «على الجنازة» بالإفراد، والمراد بالسُّنَّة هنا:

стр. 3164

أعمُّ من الواجب والمندوب. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديثٍ وصله بعد بابٍ [خ¦١٣٢٥]: (مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ) وهذا لفظ مسلمٍ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: فله قيراطٌ، ولم يذكره؛ لأنَّ القصد الصَّلاة على الجنازة (وَقَالَ) ﷺ في حديث سلمة ابن الأكوع الآتي -إن شاء الله تعالى- في أوائل «الحوالة» [خ¦٢٢٨٩]: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) أي: الميِّت الَّذي كان عليه دَينٌ لا يفي بماله (وَقَالَ) ﵊ ممَّا سبق موصولًا: (صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ) لكنَّ لفظه في «باب الصُّفوف على الجنازة (١)»: «فصلُّوا عليه» [خ¦١٣٢٠] (سَمَّاهَا) النَّبيُّ ﷺ ، أي: الهيئة (٢) الخاصَّة الَّتي يُدعى فيها للميِّت (صَلَاةً) والحال أنَّه (لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ) فهي تفارق الصَّلاة المعهودة، وإنَّما لم يكن فيها ركوعٌ ولا سجودٌ؛ لئلَّا يتوهَّم بعض الجهلة أنَّها عبادةٌ للميِّت، فَيَضِلُّ بذلك (وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا) أي: في صلاة الجنازة؛ كالصَّلاة المعهودة (وَفِيهَا تَكْبِيرٌ) للإحرام مع النِّيَّة كغيرها، ثمَّ ثلاث تكبيراتٍ أيضًا (وَ) فيها (تَسْلِيمٌ) عن اليمين والشَّمال بعد التَّكبيرات كغيرها، وقال المالكيَّة: تسليمةٌ واحدةٌ خفيفةٌ كسائر الصَّلوات، وفي «الرِّسالة»: تسلميةٌ واحدةٌ خفيفةٌ -ويروى: خفيَّةٌ (٣) - للإمام والمأموم، يُسمِع الإمام نفسَه ومَن يليه، ويُسمِع المأموم نفسَه فقط. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا وصله مالكٌ

стр. 3165

في «موطَّئه» يقول: (لَا يُصَلِّي) الرَّجل على الجنازة (إِلَّا طَاهِرًا) من الحدث الأكبر والأصغر، وفي «مسلمٍ» حديث: «لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ»، ومن النَّجس المتَّصل به غير المعفوِّ عنه، ولعلَّ مراد المؤلِّف بسياق ذلك الرَّدُّ على الشَّعبيِّ حيث (١) أجاز الصَّلاة على الجنازة بغير طهارةٍ؛ لأنَّها دعاءٌ ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ، لكنَّ الفقهاء من السَّلف والخلف مجمعون على خلافه (٢)، وقال أبو حنيفة: يجوز التَّيمُّم للجنازة مع وجود الماء إذا خاف فواتها بالوضوء، وكان الوليُّ غيره. (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله سعيدُ بن منصورٍ (لَا يُصَلِّي) على الجنازة، ولغير أبي ذَرٍّ: «ولا تُصلَّى» بالمثنَّاة الفوقيَّة (٣) وفتح اللَّام، أي: وكان يقول: لا تصلَّى صلاة (٤) الجنازة (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا) عند (غُرُوبِهَا) وإلى هذا القول ذهب مالكٌ والكوفيُّون (٥) والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق، ومذهب الشَّافعيَّة عدم الكراهة (وَ) كان ابن عمر أيضًا ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب رفع اليدين» (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حذو منكبيه استحبابًا في كلِّ تكبيرةٍ من (٦) تكبيرات الجنازة الأربع، ورواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر عنه بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: لا يرفع إلَّا عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث التِّرمذيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صلَّى على جنازةٍ يرفع يديه في أوَّل تكبيرةٍ»، زاد الدَّارقُطنيُّ: «ثمَّ لا يعود»، وعن مالكٍ: أنَّه كان يعجبه ذلك في كلِّ تكبيرةٍ، ورُوِيَ عن ابن القاسم أنَّه لا يرفع في شيءٍ منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ممَّا (٧) قاله (٨) في «الفتح»: لم أره موصولًا: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ) من الصَّحابة والتَّابعين (وَأَحَقُّهُمْ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره الموصول بعدُ «بالصلاة» (عَلَى جَنَائِزِهِمْ) ولأبي ذَرٍّ: «وأحقُّهم بالصَّلاة على جنائزهم» (مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ) موصولٌ وصلته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَن

стр. 3166

رضُوه» بالإفراد، فيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يُلحِقون صلاة الجنازة بغيرها من الصَّلوات؛ ولذا كان أحقَّ بالصَّلاة على الجنائز مَن كان يصلِّي بهم (١) الفرائض، وعند عبد الرَّزَّاق عن الحسن: إنَّ أحقَّ النَّاس بالصَّلاة على الجنازة الأب ثمَّ الابن، وقد اختُلِفَ في ذلك، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ أولى النَّاس بالصَّلاة على الميِّت الأب ثمَّ أبوه وإن علا، ثمَّ الابن وابنه وإن سفل، وخالف ذلك ترتيبُ الإرث؛ لأنَّ معظم الغرض الدُّعاء للميِّت فقُدِّم الأشفق؛ لأنَّ دعاءه أقرب إلى الإجابة، ثمَّ العصبات النَّسبيَّة (٢) على ترتيب الإرث في غير ابنَي عمٍّ، أحدهما أخٌ لأمٍّ، فيُقدَّم الأخ الشَّقيق، ثمَّ الأخ للأب، ثمَّ ابن الأخ الشَّقيق، ثمَّ ابن الأخ للأب (٣)، وهكذا، ويُقدَّم مراهقٌ مميِّزٌ أجنبيٌّ على امرأةٍ قريبةٍ، ولو اجتمع أبناء عمٍّ أحدُهما أخٌ من أمٍّ (٤) قُدِّم لترجُّحه (٥) بالأخوة للأمِّ (٦)، والأمُّ وإن لم يكن لها دخلٌ (٧) في إمامة الرِّجال، لها مدخلٌ في الصَّلاة في الجملة؛ لأنَّها تُصلِّي مأمومةً ومنفردةً وإمامةً للنِّساء عند فقد الرِّجال، فقُدِّم بها، كما يقدَّم الأخ من الأبوين (٨) على الأخ من الأب، ثمَّ بعد العصبات (٩) النَّسبيَّة بالمولى (١٠)، فيُقدَّم المعتِق، ثمَّ عصباته، ثمَّ السُّلطان، ثمَّ ذوو (١١) الأرحام الأقربُ فالأقرب، فيُقدَّم أبو الأمِّ، ثمَّ الأخ للأمِّ، ثمَّ الخال، ثمَّ العمُّ للأمِّ، والأخ من الأمِّ هنا من ذوي الأرحام بخلافه في الإرث، ولا حقَّ للزَّوج في الصَّلاة مع غير الأجانب، وكذا المرأة مع الذَّكر، فالزَّوج مقدَّمٌ (١٢) على الأجانب، ولو استوى اثنان في درجة؛ كابنين أو أخوين وكلٌّ منهما أهلٌّ للإمامة قُدِّم الأسنُّ في الإسلام غير الفاسق، والرَّقيق، والمبتدع على الأفقه، عكس

стр. 3167

بقيَّة الصَّلاة لغرض الدُّعاء هنا، والأسنُّ أقرب إلى الإجابة، وسائر الصَّلوات محتاجةٌ إلى الفقه، ويُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق، ولو أقرب وأفقه وأسنَّ؛ لأنَّه أَولى بالإمامة؛ لأنَّها ولايةٌ كالعمِّ الحرِّ، فإنَّه مقدَّمٌ على الأب الرَّقيق مطلقًا، وكذا يُقدَّم الحرُّ العدل على الرَّقيق الفقيه، ويُقدَّم الرَّقيق القريب على الحرِّ الأجنبيِّ، والرَّقيق البالغ على الحرِّ الصَّبيِّ؛ لأنَّه مكلَّفٌ، فهو أحرص على تكميل الصَّلاة (١)، ولأنَّ الصَّلاة خلفه مجمَعٌ على جوازها بخلافها (٢) خلف الصَّبيِّ، فإن استووا وتشاحُّوا أُقْرع بينهم قطعًا للنِّزاع، وإن تراضوا بواحدٍ معيَّنٍ قُدِّم، أو بواحدٍ منهم غير معيَّنٍ أُقرِعَ، والحاصل: أنَّه يُقدَّم فيها القريب والمولى على الوالي وإمام (٣) المسجد، بخلاف بقيَّة الصَّلوات؛ لأنَّها من قضاء حقِّ الميِّت كالدَّفن والتَّكفين؛ لأنَّ معظم الغرض منها الدُّعاء كما تقدَّم، والقريب والمولى أشفق، وأنَّهما يُقدَّمان فيها على الموصَى له بها؛ لأنَّها حقُّهما، ولا تنفذ الوصيَّة فيه بإسقاطها، كالإرث ونحوه، وما ورد -من أنَّ أبا بكرٍ ﵁ أوصى (٤) أن يصلِّي عليه عمر، فصلَّى عليه عمر، وأنَّ عمر وصَّى (٥) أن يصلِّي عليه صهيبٌ، فصلَّى، وأنَّ عائشة وصَّت (٦) أن يصلِّي عليها أبو هريرة، فصلَّى- فمحمولٌ على أنَّ أولياءهم أجازوا الوصيَّة، وقال المالكيَّة: الأَولى تقديم مَن أوصى الميِّت بالصَّلاة عليه؛ لأنَّ ذلك من حقِّ الميِّت إذ هو أعلم بمن يشفع له، إلَّا أن يعلم أنَّ ذلك من الميِّت كان لعداوةٍ بينه وبين الوليِّ، وإنَّما أراد بذلك إنكاره، فلا تجوز وصيَّته، فإن لم يكن وصَّى فالخليفة مقدَّمٌ على الأولياء لا نائبه؛ لأنَّه لا يُقدَّم على الأولياء إلَّا أن يكون صاحب الخطبة، فيُقدَّم على المشهور، وهو (٧) قول ابن القاسم. انتهى. (وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ) ويتوضَّأ (وَلَا يَتَيَمَّمُ) وهذا يحتمل أن يكون عطفًا على التَّرجمة، أو من بقيَّة كلام الحسن،

стр. 3168

ويقوِّي الثَّاني ما رُوِيَ عنه عند ابن أبي شيبة: أنَّه سُئِلَ عن الرَّجل يكون في الجنازة على غير وضوءٍ، فإن ذهب يتوضَّأ تفوته؟ قال: لا يتيمَّم، ولا يصلِّي إلَّا على طُهرٍ. (وَ) قال الحسن أيضًا ممَّا وصله (١) ابن أبي شيبة: (إِذَا انْتَهَى) الرَّجل (إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ) أي: والحال أنَّ الجماعة (يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ) ثمَّ يأتي بعد سلام الإمام بما فاته، ويُسَنُّ ألَّا تُرفَع الجنازة حتَّى يُتِمَّ المسبوق ما عليه، فلو رُفِعَت لم يضرَّ، وتبطل (٢) بتخلُّفه عن إمامه بتكبيرةٍ بلا عذرٍ بأن لم يكبِّر (٣) حتَّى كبَّر الإمامُ المستقبلةَ؛ إذ الاقتداء هنا إنَّما يظهر في التَّكبيرات، وهو تخلُّفٌ فاحشٌ يشبه التَّخلُّف بركعةٍ، وفي «الشَّرح الصَّغير»: احتمال أنَّه كالتَّخلُّف بركنٍ حتَّى لا تبطل إلَّا بتخلُّفه بركنين، وخرج بالتَّقييد بلا عذرٍ (٤)، مَن عُذرٍ ببطء القراءة، أو النِّسيان، أو عدم (٥) سماع التَّكبير، فلا يبطل تخلُّفه بتكبيرةٍ فقط، بل بتكبيرتين على ما اقتضاه كلامهم. (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ ممَّا قال (٦) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا، وإنَّما وجد معناه بإسنادٍ قويٍّ عن عقبة بن عامر (٧) الصَّحابيِّ فيما أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا عليه (٨): (يُكَبِّرُ (٩)) الرَّجل في صلاة الجنازة سواءٌ كانت (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا) أي: أربع تكبيراتٍ. (وَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (¬﵁¬) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ: (تكْبِيرَةُ الوَاحِدَة) وللأربعة: «التَّكبيرة الواحدة» (اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ) الله ممَّا هو (١٠) عطفٌ على التَّرجمة:

стр. 3169

(﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]) فسمَّاها صلاةً، وسقط قوله: «﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾» عند أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَفِيهِ) أي: في المذكور من صلاة الجنازة (صُفُوفٌ وَإِمَامٌ) وهو يدلُّ على الإطلاق أيضًا، والحاصل: أنَّ كلَّ ما ذكره يشهد لصحَّة الإطلاق المذكور، لكن اعترضه ابن رشيدٍ بأنَّه إن تمسَّك بالعرف الشَّرعيِّ عارضه عدم الرُّكوع والسُّجود، وإن تمسَّك بالحقيقة اللُّغويَّة (١) عارضته الشَّرائط المذكورة، ولم يستوِ التَّبادر في الإطلاق، فيدَّعي الاشتراك لتوقُّف الإطلاق على القيد عند إرادة الجنازة، بخلاف ذات الرُّكوع والسُّجود فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وأجيب بأنِّ المؤلِّف لم يستدلَّ على مطلوبه بمجرَّد تسميتها صلاةً، بل بذلك وبما انضمَّ إليه من وجود جميع الشَّرائط إلَّا الرُّكوع والسُّجود، وقد سبق ذكر حكمة حذفهما منها، فبقي ما عداهما على الأصل. ١٣٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قاضي مكَّة (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان الكوفي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ¬) من أصحابه ﵃ ممَّن لم يُسَمَّ (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ)

стр. 3170

بالذَّال المعجمة، وتنوين «قبرٍ»، و «منبوذٍ» صفةٌ له، أي: قبرٍ منفردٍ (١) عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بإضافة «قبرِ» لتاليه (٢)، أي: دُفِنَ فيه لقيطٌ: (فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا) بفاءين (خَلْفَهُ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الإمامة وتسوية الصُّفوف من سنَّة صلاة الجنازة، قال الشَّيبانيُّ: (فَقُلْنَا) للشَّعبيِّ: (يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (مَنْ) ولأبي ذَرٍّ: «ومَن» (حَدَّثَكَ) بهذا؟ (قَالَ): حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) فيه ردٌّ على من جوَّز صلاة الجنازة بغير طهارةٍ معلِّلًا بأنَّها إنَّما هي دعاءٌ للميِّت واستغفارٌ؛ لأنَّه لو كان المراد الدُّعاء وحده؛ لما أخرجهم النَّبيُّ ﷺ إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدُّعاء معه أو التَّأمين على دعائه (٣)، ولَمَا صفَّهم خلفه كما يصنع في الصَّلاة المفروضة والمسنونة، وكذا وقوفه في الصَّلاة، وتكبيره في افتتاحها، وتسليمه في التَّحلُّل منها، كلُّ ذلك دالٌّ على أنَّها على الأبدان لا على اللِّسان وحده، قاله ابن رُشَيدٍ نقلًا عن ابن المرابط كما أفاده في «فتح الباري». (٥٧) (باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) أي: مع الصَّلاة عليها؛ لأنَّ الاتِّباع وسيلةٌ للصَّلاة (٤) كالدَّفن، فإذا تجرَّدت الوسيلة عن المقصد؛ لم يحصل المرتَّب على المقصود. نعم يرجى لفاعل ذلك حصول فضل ما بحسب نيَّته (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ، كاتب الوحي، المتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين بالمدينة (¬﵁¬) ممَّا وصله سعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة: (إِذَا صَلَّيْتَ) على الجنازة (فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ) من حقِّ الميِّت من الاتِّباع، فإن زدت الاتِّباع إلى الدَّفن زيد لك في الأجر، ومِن لازمِ الصَّلاة اتِّباع الجنازة (٥) غالبًا، فحصلت المطابقة.

стр. 3171

(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بضمِّ الحاء المهملة، البصريُّ التَّابعيُّ ممَّا قال (١) الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يره موصولًا عنه: (مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا) يُلتمس من أوليائها للانصراف بعد الصَّلاة (وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلا يفتقر إلى الإذن، وهذا مذهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال قومٌ: لا ينصرف إلَّا بإذنٍ، ورُوِيَ عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن مسعود والمِسْوَر بن مَخْرمة، والنَّخعيِّ، وحُكِيَ عن مالكٍ. ١٣٢٣ - ١٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بفتح الجيم في الأوَّل، وبالحاء المهملة والزَّاي في الثَّاني (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر (يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب، بضمِّ الحاء المهملة وكسر الدَّال: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ (٢) يَقُولُ) ووقع في «مسلمٍ» تسميةُ من حدَّث ابنَ عمر بذلك عن أبي هريرة، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعدٍ عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة … ؟ فذكره موقوفًا (٣)، لم يذكر النَّبيَّ ﷺ كما هنا، وهو كذلك في جميع الطُّرق، لكن رواه أبو عَوانة في «صحيحه» فقال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٤): (مَنْ تَبِعَ (٥) جَنَازَةً) وصلَّى عليها

стр. 3172

(فَلَهُ قِيرَاطٌ) من الأجر المتعلِّق بالميِّت من تجهيزه وغسله ودفنه والتَّعزية به وحمل الطَّعام إلى أهله، وجميع ما يتعلَّق به، وليس المراد جنس الأجر لأنَّه يدخل فيه ثواب الإيمان والأعمال كالصَّلاة والحجِّ وغيره، وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ ذلك، وحينئذٍ فلم يبقَ إلَّا أن يرجع إلى المعهود، وهو الأجر العائد على الميِّت، قاله أبو الوفاء بن عَقِيلٍ، ويؤيِّده حديث أبي هريرة: «من أتى جنازةً في أهلها فله قيراطٌ، فإن تبعها فله قيراطٌ، فإن صلَّى عليها فله قيراطٌ، فإن انتظرها حتَّى تدفن فله قيراطٌ» رواه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ (١)، قال في «الفتح»: فهذا يدلُّ على أنَّ لكلِّ عملٍ من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيما بالنِّسبة إلى مشقَّة ذلك العمل وسهولته، ومقدارُ القيراطِ ومبحثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي [خ¦١٣٢٥] (فَقَالَ) ابن عمر ﵄: (أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا) لم يتَّهمه ابن عمر بأنَّه روى ما لم (٢) يسمع، بل جوَّز عليه السَّهو والاشتباه لكثرة رواياته، أو قال ذلك لأنَّه لم يرفعه، فظنَّ ابن عمر أنَّه قاله (٣) برأيه اجتهادًا، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن ذلك. (فَصَدَّقَتْ -يَعْنِي: عَائِشَةَ- أَبَا هُرَيْرَةَ) وللمُستملي وأبي الوقت: «بقول أبي هريرة» (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ) الضَّمير المستتر للنَّبيِّ ﷺ ، والبارز للحديث، أي: يقول رسولُ الله ﷺ ذلك (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) أي: في عدم المواظبة على حضور الدَّفن، كما وقع مبيَّنًا في حديث (٤) مسلمٍ، ولفظه: كان ابن عمر يصلِّي على الجنازة ثمَّ ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة قال: فذكره، قال المؤلِّف مفسِّرًا لقوله: لقد فرَّطنا (فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ).

стр. 3173

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٣٢٥] ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأبو داود. (٥٨) (باب مَنِ انْتَظَرَ) الجنازة (حَتَّى تُدْفَنَ) واختار لفظ «انتظر» دون لفظ: شهد؛ لوروده في بعض طرق الحديث؛ كما في رواية معمرٍ عند مسلم، وهو البزَّار من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: «فإن انتظرها حتَّى تُدفَن فله قيراط». ١٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسانَ (أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ «قال»: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ووقع هنا (١) في نسخةٍ مسموعةٍ من طريق الخلَّال وغيره: «قال» أي: المؤلِّف: «ح وحدَّثني» بالإفراد «عبد الله بن محمَّدٍ المسنديُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ» هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: «حدَّثنا معمر» -بسكون العين- «ابن راشدٍ، عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب» سعيد «عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ». قال المؤلِّف (٢): (وحَدَّثَنَا) بالواو، وسقطت لغير أبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى (٣)، البصريُّ الحبطيُّ، بالحاء المهملة والموحَّدة

стр. 3174

المفتوحتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شبيب بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) ابن يزيد الأيليُّ (قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، حدَّثنا (١) فلان به (وَ) عطفٌ على محذوفٍ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) أيضًا: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ) في رواية مسلمٍ من حديث خبَّابٍ: «مَن خرج مع جنازةٍ من بيتها»، ولأحمد من حديث أبي سعيدٍ: «فمشى معها من أهلها» (حَتَّى يُصَلِّيَ) بكسر اللَّام، وفي رواية الأكثر بفتحها، وهي محمولةٌ عليها، فإنَّ حصول القيراط متوقِّفٌ على وجود الصَّلاة من الَّذي يشهد، زاد ابن عساكر في نسخةٍ: «عليها» أي: على الجنازة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عليه» أي: على الميِّت (فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلو تعدَّدت الجنائز، واتَّحدت الصَّلاة عليها دفعةً واحدةً، هل تتعدَّد (٢) القراريط بتعدُّدها أو لا تتعدَّد نظرًا لاتِّحاد الصَّلاة؟ قال الأذرعيُّ: الظَّاهر التَّعدُّد، وبه أجاب قاضي حماة البارزيُّ، ومقتضى التَّقييد بقوله في رواية أحمد وغيرها: «فمشى معها من أهلها» أنَّ القيراط يختصُّ بمَن حضر من أوَّل الأمر إلى انقضاء الصَّلاة، لكنَّ ظاهر حديث البزَّار السَّابق حصوله أيضًا لمن صلَّى فقط، لكن يكون قيراطه دون قيراط من شيَّع مثلًا وصلَّى، ويؤيِّد ذلك رواية مسلمٍ عن أبي هريرة حيث قال: «أصغرهما مثل أحدٍ» ففيه دلالةٌ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي «مسلمٍ» أيضًا: «من صلَّى على جنازة ولم يتَّبعها فله قيراطٌ» فظاهره حصول القيراط وإن لم يقع اتِّباعٌ، لكنْ يمكن حمل الاتِّباع هنا على ما بعد الصَّلاة، لا سيما وحديث البزَّار ضعيفٌ (وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ) أي: يفرغ من دفنها بأن يُهال عليها (٣) التُّراب، وعلى ذلك تُحمل رواية مسلمٍ (٤): «حتَّى توضع في

стр. 3175

اللَّحد» (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) من الأجر المذكور، وهل ذلك بقيراط الصَّلاة أو بدونه؟ فيكون ثلاثة قراريط، فيه احتمالٌ، لكن سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧] التَّصريح بالأوَّل، وحينئذٍ فتكون رواية الباب معناها: كان له قيراطان، أي بالأوَّل، ويشهد للثَّاني ما رواه الطَّبرانيُّ مرفوعًا: «مَن تبع جنازة حتَّى يُقضى دفنها كُتِبَ له ثلاثة قراريط»، وهل يحصل قيراط الدَّفن، وإن لم يقع (١) اتِّباعٌ؟ فيه بحثٌ، لكن مقتضى قوله في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧]: «وكان معها حتَّى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها» أنَّ القيراطين إنَّما يحصلان بمجموع الصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق وحضور الدَّفن، فإن صلَّى مثلًا، وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدَّفن لم يحصل له إلَّا قيراطٌ واحدٌ، صرَّح به النَّوويُّ في «المجموع» وغيره، لكن له أجرٌ في الجملة، قال في «فتح الباري»: وما قاله النَّوويُّ ليس في الحديث ما يقتضيه إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود (٢) الدَّفن وحده كان مقدَّمًا، ويجمع حينئذٍ بتفاوت القيراط، والَّذين أبَوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيَّد، لكنْ مقتضى جميع الأحاديث أنَّ مَن اقتصر على التَّشييع، ولم يصلِّ، ولم يشهد الدَّفن (٣) فلا قيراط له إلَّا على طريقة ابن عَقيلٍ السَّابقة (٤). والقيراط -بكسر القاف- قال الجوهريُّ: نصف دانقٍ، والدَّانق: سدس درهمٍ، فعلى هذا يكون القيراط جزءٌ من اثني عشر جزءًا من الدِّرهم، وقال أبو الوفاء بن عَقيلٍ: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينارٍ، وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدِّينار في أكثر البلاد، وفي الشَّأم

стр. 3176

جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيِّ: الذَّرَّة جزء من ألفٍ وأربعةٍ وعشرين جزءًا من حبَّةٍ، والحبَّة: ثلث القيراط، والذَّرَّة تخرج من النَّار، فكيف بالقيراط؟ وقد قرَّب النَّبيُّ ﷺ القيراط للفهم بقوله لمَّا (قِيلَ) له، وعند أبي عَوانة: قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله (وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ) وأخصُّ من ذلك تمثيله القيراط بأُحُدٍ؛ كما في «مسلمٍ»، وهذا تمثيلٌ واستعارةٌ، قال الطِّيبيُّ: قوله: «مثلُ أُحُدٍ» تفسيرٌ للمقصود من الكلام لا للفظ «القيراط»، والمراد منه: أنَّه (١) يرجع بنصيبٍ كبيرٍ من الأجر، وقال الزَّين بن المُنيِّر: أراد تعظيم الثَّواب، فمثَّله للعيان (٢) بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النُّفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنَّه الذي قال في حقِّه: «أُحُدٌ (٣) جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» [خ¦١٤٨٢] ويجوز أن يكون على حقيقته بأن يجعل الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أُحُدٍ ويوزَن، وفي حديث واثلة عند ابن عديٍّ: «كُتِبَ له قيراطان، أخفُّهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحدٍ»، فأفادت هذه الرِّواية بيان وجه التَّمثيل بجبل أحدٍ، وأنَّ المراد به: زنة الثَّواب المرتَّب على ذلك العمل (٤). ورواة حديث الباب ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ وأيليٍّ، وفيه التَّحديث والقراءة على الشَّيخ والسُّؤال والسَّماع والعنعنة، والإخبار، والقول، ورواية الابن عن أبيه، ولم يخرج الطَّريق الأوَّل غيره من بقيَّة الكتب السِّتَّة، والطَّريق الثَّاني أخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ. (٥٩) (باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ).

стр. 3177

١٣٢٦ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، العبديُّ الكوفيُّ قاضي كرمان قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) سليمان (الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ -أَوْ دُفِنَتِ- البَارِحَةَ) شكَّ ابن عبَّاسٍ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَصَفَّنَا) بفاءٍ مشدَّدةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «فصففنا» بفاءين (خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فصففنا (٢) خلفه» وأفاد مشروعيَّة صلاة الصِّبيان على الجنائز، وأنَّ حديثه السَّابق قبل ثلاثة أبوابٍ [خ¦١٣٢١] دلَّ عليه ضمنًا، لكنَّه أراد التَّنصيص عليه. (٦٠) (باب الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى) المتَّخذ للصَّلاة عليها فيه (وَالمَسْجِدِ). ١٣٢٧ - ١٣٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف مصغَّرًا، المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (٣): (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁

стр. 3178

قَالَ: نَعَى لَنَا) ولأبي الوقت: «نعانا» (رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ) نصبٌ مفعول «نعى» (صَاحِبَ الحَبَشَةِ) أي: مَلِكُها، وهو منصوبٌ صفةٌ لسابقه (يَوْمَ الَّذِي) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، و «يومَ» نكرةٌ، ولأبي ذَرٍّ: «اليوم الَّذي (١)» (مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ) في الإسلام أصحمة النَّجاشيِّ. (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ بالسَّند السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، صَفَّ بِهِمْ (٢) بِالمُصَلَّى، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ (٣)) أي: على النَّجاشيِّ (أَرْبَعًا) لا دلالة فيه على منع الصَّلاة على الميِّت في المسجد، وهو قول الحنفيَّة والمالكيَّة؛ لأنَّه ليس فيه صيغة نهيٍ، ولأنَّ (٤) الممتنع عند الحنفيَّة إدخال الميِّت المسجد، لا مجرَّد الصَّلاة عليه حتَّى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصَّلاة عليه، ويحتمل أنَّه ﷺ إنَّما خرج بالمسلمين إلى المصلَّى؛ لقصد تكثير الجمع الَّذين يصلِّون عليه، ولإشاعة كونه مات مسلمًا، وقد ثبت في «صحيح مسلمٍ»: أنَّه ﷺ صلَّى على سُهَيل ابن بيضاء في المسجد، فكيف يُتْرك هذا الصَّريح لأمرٍ محتملٍ؟ وحينئذٍ فلا كراهة في الصَّلاة عليه فيه، بل هي فيه (٥) أفضل منها في غيره؛ لهذا الحديث، ولأنَّ المسجد أشرف من غيره، وأجاب المانعون عن حديث سُهيلٍ باحتمال أن يكون سُهيلٌ كان خارج المسجد، والمصلُّون داخله (٦)، وذلك جائزٌ اتِّفاقًا، وأُجِيبَ بأنَّ عائشة استدلَّت بذلك لمَّا أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة

стр. 3179

سعدٍ على حجرتها لتصلِّي عليه، وسلَّم لها الصَّحابة، فدلَّ على أنَّها حفظت ما نسوه (١)، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره: أنَّ عمر صلَّى على أبي بكرٍ في المسجد، وأنَّ صهيبًا صلَّى على عمر في المسجد، زاد في روايةٍ: «ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر»، قال في «الفتح»: وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك. انتهى. وأمَّا حديث: «مَن صلَّى على جنازةٍ في المسجد؛ فلا شيء له»؛ فضعيفٌ، والَّذي في الأصول المعتمدة: «فلا شيء عليه» وإن صحَّ؛ وجب حمله على هذا جمعًا بين الرِّوايات، وقد جاء مثله في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أو على نقصان الأجر؛ لأنَّ المصلِّي عليها في المسجد ينصرف عنها غالبًا، ومن يصلِّي (٢) عليها في الصَّحراء يحضر دفنها غالبًا، فيكون التَّقدير: فلا أجر له كاملٌ، كقوله ﵊: «لا صلاة بحضرة طعامٍ»، ووجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة كونه ألحق حكم المصلِّي بالمسجد بدليل ما سبق في «العيدين» [خ¦٩٧٤] وفي «الحيض» [خ¦٣٢٤] من حديث أمِّ عطيَّة: «ويعتزل الحُيَّض المصلَّى»، فدلَّ على أنَّ للمصلَّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يُجتَنب فيه. ١٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون الميم وبالرَّاء، أنس بن عياضٍ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ اليَهُودَ) من أهل خيبر (جَاؤوا) في السَّنة الرَّابعة (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا) قال ابن العربيِّ في «أحكام القرآن»: اسم المرأة بسرة، كذا (٣) حكاه السُّهيليُّ، والرَّجل لم يُسَمَّ (فَأَمَرَ بِهِمَا) النَّبيُّ ﷺ (فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عَُِنْدَ المَسْجِدِ) بتثليث عين «عند»

стр. 3180

وهي ظرفٌ في المكان والزَّمان غير متمكِّنٍ، والمعنى هنا: في المسجد. ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٦] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٢] و «الحدود» [خ¦٦٨١٩]، ومسلمٌ في «الحدود» والنَّسائيُّ في «الرَّجم». (٦١) (باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ). (وَلَمَّا مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ -بفتح الحاء والسِّين في الاسمين- وهو ممَّن وافق اسمه اسم أبيه، وكانت وفاته سنة سبعٍ وتسعين، وكان من ثقات التَّابعين، وله ولدٌ يُسمَّى (١): الحسنَ أيضًا، فهم ثلاثةٌ في نسقٍ واحد (¬﵃ (٢) ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ) فاطمة بنت الحسين بن عليٍّ، وهي ابنة عمِّه (القُبَّةَ) أي: الخيمة؛ كما دلَّ عليه مجيئه في حديثٍ آخر بلفظ: الفسطاط (عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ) قال ابن المُنيِّر: إنَّما ضُرِبَت (٣) الخيمة هناك (٤)؛ للاستمتاع بقربه، وتعليلًا للنَّفس، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأنس،

стр. 3181

ومكابرةً للحسِّ، كما يُتَعلَّل بالوقوف على الأطلال البالية، ويخاطب المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة (فَسَمِعُوا) أي: المرأة ومن معها، ولأبي ذَرٍّ: «فسمعت» (صَائِحًا) من مؤمني الجنِّ أو الملائكة (يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟) بفتح القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ما طلبوا؟» (فَأَجَابَهُ) صائحٌ (آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصَّلاة فيه، فيستلزم اتِّخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة، وإذا أنكر الصَّائح بناءً زائلًا -وهو الخيمة- فالبناء الثَّابت أجدر، ولكن لا يُؤخَذ من كلام الصَّائح حكمٌ؛ لأنَّ مسالكَ الأحكام الكتابُ والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحيَ بعده ﵊، وإنَّما هذا وأمثاله تنبيهٌ على انتزاع الأدلَّة من مواضعها، واستنباطها من مظانَّها. ١٣٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) العبسيُّ (عَنْ شَيْبَانَ) بفتح الشِّين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويِّ (عَنْ هِلَالٍ هُوَ) ابن حميدٍ (١) (الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ (٢) فِيهِ: لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: أبعدهم من (٣) رحمته (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مساجد» (قَالَتْ) عائشة ﵂: (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أي: خشية (٤) اتِّخاذ قبره مسجدًا (لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ) ﵇، بلفظ الجمع، لكنْ لم يبرزوه، أي: لم يكشفوه، بل بنوا عليه حائلًا؛ لوجود

стр. 3182

خشية الاتِّخاذ، فامتنع الإبراز؛ لأنَّ «لولا (١)» امتناعٌ لوجودٍ، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «لأُبرزَ قبرُه» بالرَّفع: مفعولٌ ناب عن الفاعل (غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) وهذا قالته عائشة قبل أن يُوسَّع المسجد، ولذا لمَّا وُسِّع (٢) جُعِلَت الحجرة الشَّريفة -رزقنا الله تعالى العودة إليها- مثلَّثة الشَّكل محدَّدةً، حتَّى لا يتأتَّى لأحدٍ أن يصلِّي إلى جهة القبر المقدَّس، مع استقبال القبلة. وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وفيه أنَّ شيخ المؤلِّف بصريٌّ سكن الكوفة، و «شيبان وهلال»: كوفيَّان، و «عروة» مدنيٌّ، وأخرجه في «الجنائز» [خ¦١٣٩٠] أيضًا و «المغازي» [خ¦٤٤٤١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة». (٦٢) (باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ) بضمِّ النُّون وفتح الفاء والمدِّ، بناءٌ مفردٌ (٣) على غير قياسٍ، أي: المرأة الحديثة العهد بالولادة (إِذَا مَاتَتْ فِي) مدَّة (نِفَاسِهَا). ١٣٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الأوَّل مِن الزِّيادة، والثَّاني تصغير: زَرْعٍ، قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) المعلِّم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء والدَّال المهملة، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، آخره موحَّدةٌ- الأسلميُّ المروزيُّ (٤) التَّابعيُّ (عَنْ سَمُرَةَ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم، ولأبي ذَرٍّ

стр. 3183

زيادة: «ابن جندَُبٍ» بفتح الدَّال وضمِّها (¬﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: خلفه وإن كان قد جاء بمعنى قُدَّام، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم، وهو ظرف مكانٍ ملازمٍ للإضافة، ونصبه على الظرفيَّة (عَلَى امْرَأَةٍ) هي أمُّ كعبٍ الأنصاريَّة، كما في «مسلمٍ» (مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا) «في» هنا للتَّعليل، كما في قوله ﵊ [خ¦٣٣١٨]: «إنَّ امرأةً دخلت النَّار في هرَّةٍ (١)» (فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا) بفتح السِّين، أي: محاذيًا لوسطها، وفي نسخةٍ: «على وسطها» ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «فقام وسطها» بسكون السِّين، وإسقاط لفظة: «عليها» فمَن سكَّن جعله ظرفًا، ومَن فتح جعله اسمًا، والمراد على الوجهين: عجيزتها، وكون هذه المرأة في نفاسها وصفٌ غير معتبرٍ اتِّفاقًا، وإنَّما هو حكاية أمرٍ وقع، واختُلِفَ في كونها امرأةً، فاعتبره الشَّافعيُّ، والخنثى كالمرأة، فيقف (٢) الإمام والمنفرد ندبًا عند عجيزة الأنثى والخنثى، وأمَّا الرَّجل فعند رأسه؛ لئلَّا يكون ناظرًا إلى فرجه بخلاف المرأة فإنَّها في القبَّة، كما هو (٣) الغالب، ووقوفه عند وسطها؛ ليسترها عن أعين النَّاس، وفي حديث أبي داود والتِّرمذيِّ وابن ماجه عن أنسٍ: أنَّه صلَّى على رجلٍ فقام عند رأسه، وعلى امرأةٍ وعليها نعشٌ أخضر، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زيادٍ: يا أبا حمزة، أهكذا (٤) كان رسول الله ﷺ يصلِّي على الجنازة؟ قال: نعم، وبذلك قال أحمد وأبو يوسف، والمشهور عند الحنفيَّة (٥): أنْ يقوم من الرَّجل والمرأة حِذاءَ الصَّدر، وقال مالكٌ: يقوم من الرَّجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبها (٦). (٦٣) (باب أَيْنَ يَقُومُ) الإمام (مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؟).

стр. 3184

١٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العبديُّ مولاهم، التَّنوريُّ البصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، المعلِّم (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) عبد الله، أنه قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ) هي أمُّ كعبٍ (مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا) بفتح السِّين في «اليونينيَّة». (٦٤) (باب التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَرْبَعًا). (وَقَالَ حُمَيْدٌ) الطَّويل ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (صَلَّى بِنَا أَنَسٌ) على جنازةٍ (فَكَبَّرَ ثَلَاثًا) منها تكبيرة الإحرام (ثُمَّ سَلَّمَ) ثمَّ انصرف ناسيًا (فَقِيلَ لَهُ): يا أبا حمزة، إنَّك كبَّرت ثلاثًا (فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) وصفُّوا خلفه (ثُمَّ كَبَّرَ) التَّكبيرة (الرَّابِعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ). ١٣٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ) بتخفيف الجيم (فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى،

стр. 3185

فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) منها تكبيرة الإحرام، وهي (١) من الأركان السَّبعة، وعدَّ الغزاليُّ كلَّ تكبيرةٍ ركنًا، ولا خلاف في المعنى، فلو كبَّر الإمام والمأموم خمسًا ولو عمدًا، لم تبطل صلاته؛ لثبوتها في «مسلمٍ»، ولأنَّها لا تُخِلُّ بالصَّلاة، لكنَّ الأربع أَولى؛ لتقرُّر الأمر عليها، وروى البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ إلى أبي وائلٍ قال: كانوا يكبِّرون على عهد رسول الله ﷺ سبعًا وخمسًا وستًّا وأربعًا، فجمع عمر النَّاس على أربعٍ كأطول الصَّلاة. ١٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة، العوقيُّ الأعمى قال: (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح السِّين وكسر اللَّام في الأوَّل وفتح الحاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة -منصرفًا وغير منصرفٍ في الثَّاني- ابن بسطامٍ الهذليُّ البصريُّ، وليس في «الصَّحيحين» «سَليم» -بفتح السِّين- غيره، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر العين في الأوَّل، وكسر الميم وسكون التَّحتيَّة وفتح النُّون مع المدِّ، ولأبي ذَرٍّ: «مينا» بالقصر، المكيُّ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ) بفتح الهمزة وسكون الصَّاد وفتح الحاء المهملتين، ومعناه بالعربيَّة: عطيَّة، وذكر مقاتلٌ في «نوادر التَّفسير» من تأليفه: أنَّ اسمه مكحول بن صعصعة، وقال

стр. 3186

في «القاموس»: أصحمة بن بحرٍ (النَّجَاشِيِّ) بتخفيف الجيم، وهو لقب كلِّ مَن ملَكَ الحبشة (فَكَبَّرَ) ﵊ عليه (١) (أَرْبَعًا) (وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «هجرة الحبشة» (٢) [خ¦٣٨٧٩] عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه (وَعَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث ممَّا روياه (٣) (عَنْ سَلِيمٍ) المذكور بإسناده عن جابرٍ: (أَصْحَمَةَ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤)، مما في «الفتح»: «وقال يزيد عن سليم: أصحمة» وتابعه عبد الصَّمد فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق أحمد بن سعيدٍ عنه (٥)، كلٌّ قال: «أصْحَمَة» بالهمزة وسكون الصَّاد كرواية (٦) سعيد بن ميناء (٧)، وكذا هو في نسخة الفرع وغيرها، بل قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه الَّذي اتَّصل له من جميع طرق البخاريِّ، قال: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ إيراد المصنِّف يُشعر بأنَّ يزيد خالف محمَّد بن سنانٍ، وأنَّ عبد الصَّمد تابع يزيد، وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» عن يزيد: صَحْمة -بفتح الصَّاد وسكون الحاء- وهو المتَّجه، وصرَّح كثيرٌ من الشُّرَّاح، كالزَّركشيِّ، وتبعه الدَّمامينيُّ: أنَّها في رواية يزيد وعبد الصَّمد عند البخاريِّ كذلك بحذف الهمزة، والحاصل: أنَّ الرُّواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها، وقال الكرمانيُّ: إنَّ يزيد روى: «أَصْمحة» بتقديم الميم على الحاء، وتابعه على ذلك عبد الصَّمد بن عبد الوارث، وصوَّبه القاضي عياضٌ، لكن قال النَّوويُّ: إنَّها شاذَّةٌ كرواية: «صَحْمَة» بحذف الألف وتأخير الميم، وإنَّ الصَّواب: «أصمحة» (٨) بتقديمها وإثبات الألف، وذكر الكِرمانيُّ أيضًا: أنَّ في رواية محمَّد بن سنانٍ في بعض النُّسخ: «أَصْحَبَة»

стр. 3187

بالموحَّدة بدل الميم مع إثبات الألف، وحكى الإسماعيليُّ: أنَّ في رواية عبد الصمد «أصخمة» بخاءٍ معجمةٍ وإثبات الألف، قال: وهو غلطٌ، قال في «الفتح»: فيحتمل أن يكون هذا محلُّ الاختلاف الَّذي أشار إليه البخاريُّ، وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز». (٦٥) (باب) مشروعيَّة (قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ) في الصَّلاة (عَلَى الجَنَازَةِ (١)) وهي من أركانها؛ لعموم حديث [خ¦٧٥٦]: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وبه قال الشَّافعيُّ وأحمد، وقال مالكٌ والكوفيُّون: ليس فيها قراءةٌ، قال البدر الدَّمامينيُّ من المالكيَّة: ولنا قولٌ في المذهب باستحباب الفاتحة فيها، واختاره بعض الشُّيوخ (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخَفَّاف في «كتاب الجنائز» له: (يَقْرَأُ) المصلِّي (عَلَى الطِّفْلِ) الميِّت (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا) بالتَّحريك، أي: متقدِّمًا إلى الجنَّة لأجلنا (وَفَرَطًا) بالتَّحريك: الذي يتقدَّم الواردة، فيهيِّئ لهم المنزل (وَأَجْرًا) الَّذي في «اليونينيَّة»: «فَرَطًا وسَلَفًا وأجرًا». ١٣٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، بندارٌ (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَُرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، هو ابن إبراهيم، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الإسناد الآتي (عَنْ طَلْحَةَ) هو ابن عبد الله، كما سيأتي أيضًا (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬).

стр. 3188

(حَدَّثَنَا) كذا في الفرع، وفي نسخة غيرِه (١): «ح وحدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، المتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ، ابن أخي عبد الرَّحمن (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقرأ فاتحة (٢) الكتاب» (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (لِيَعْلَمُوا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة على الغيبة، ولأبي الوقت في (٣) غير «اليونينيَّة» (٤): «لِتَعلموا» بالفوقيَّة على الخطاب (أَنَّهَا) أي: قراءة الفاتحة في الجنازة (سُنَّةٌ) أي: طريقةٌ للشَّارع، فلا ينافي كونها واجبةً، وقد عُلِمَ أنَّ قول الصَّحابيِّ من السُّنَّة كذا حديثٌ مرفوعٌ عند الأكثر، وليس في حديث الباب بيان محلِّ القراءة، وقد وقع التَّصريح به في حديث جابرٍ عند البيهقيِّ في «سننه» عن الشَّافعيِّ بلفظ: وقرأ بأمِّ القرآن بعد التَّكبيرة الأولى، وفي «النَّسائيِّ» بإسنادٍ على شرط الشَّيخين عن أبي أُمامة الأنصاريِّ قال: السُّنَّة في صلاة الجنازة (٥) أن يقرأ في التَّكبيرة الأولى بأمِّ القرآن (٦) مخافتةً. نعم يجوز تأخيرها إلى التَّكبيرة الثَّانية؛ كما ذكره الرَّافعيُّ والنَّوويُّ عن حكاية الرُّويانيِّ (٧) وغيره له عن النَّصِّ، بعد نقلهما المنع عن الغزاليِّ، وجزم به في «المنهاج» و «المجموع»، ولم يخصَّ الثَّانية فقال: قلت: تُجزئ الفاتحة بعد غير الأولى، وعليه -مع (٨) ما قالوه من تعيُّن الصَّلاة في الثَّانية والدُّعاء في الثَّالثة- يلزم خلوُّ الأولى عن ذكرٍ، والجمع بين ركنين في تكبيرةٍ واحدةٍ، والَّذي قاله الجمهور تعيُّن الفاتحة في

стр. 3189

الأولى، وبه جزم النَّوويُّ في «التِّبيان»، وهو ظاهر نصَّين نقلهما في «شرح المهذَّب»، وقال الأذرعيُّ: وظاهر نصوص الشَّافعيِّ والأكثرين تعيينها في الأولى. وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ بمعناه، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ، كلُّهم في «الجنائز». (٦٦) (باب) جواز (الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ) أي: بعد دفن الميِّت، وإليه ذهب الجمهور، ومنعه النَّخعيُّ (١) ومالكٌ وأبو حنيفة، وعنهم: إنْ دُفِنَ قبل أن يُصلَّى (٢) عليه شُرِعَ، وإلَّا فلا. ١٣٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي الوقت: «أخبرني» بالإفراد فيهما (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين «قبرٍ» و «منبوذٍ» صفةٌ له، أي: في ناحيةٍ عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بغير تنوينٍ على الإضافة، أي: قبرِ لقيطٍ (فَأَمَّهُمْ) ﵊ (وَصَلَّوْا خَلْفَهُ) قال الشَّيبانيُّ: (قُلْتُ) للشَّعبيِّ: (مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا (٤)) الحديث (يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ): حدَّثني به (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ عن الشَّيبانيِّ: أنَّه (٥) صلَّى عليه بعدما دُفِنَ بليلتين،

стр. 3190

وقال: إنَّ إسماعيل بن زكريَّا تفرَّد بذلك، ورواه الدَّارقُطنيُّ من طريق هُرَيم عن الشَّيبانيِّ، فقال: بعد موته بثلاثٍ، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصمٍ، عن سفيان الثَّوريِّ، عن الشَّيبانيِّ فقال: بعد شهرٍ، قال في «فتح الباري»: وهذه رواياتٌ شاذَّةٌ، وسياق الطُّرق (١) الصَّحيحة يدلُّ على أنَّه صلَّى عليه (٢) في صبيحة دفنه. ١٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) السَّدوسيُّ البصريُّ، الملقَّب بعارم -بالعين والرَّاء المهملتين- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البنانيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنَّصب بدل من «أسودَ»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ (أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ) أي: يكنسه، ولأبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ في المسجد»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «يكون في المسجد يقمُّ المسجد» (٣) (فَمَاتَ وَلَمْ (٤) يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو (٥) لفظة «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ:
следующие страницы →