← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

في «القاموس»: أصحمة بن بحرٍ (النَّجَاشِيِّ) بتخفيف الجيم، وهو لقب كلِّ مَن ملَكَ الحبشة (فَكَبَّرَ) ﵊ عليه (١) (أَرْبَعًا) (وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «هجرة الحبشة» (٢) [خ¦٣٨٧٩] عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه (وَعَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث ممَّا روياه (٣) (عَنْ سَلِيمٍ) المذكور بإسناده عن جابرٍ: (أَصْحَمَةَ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤)، مما في «الفتح»: «وقال يزيد عن سليم: أصحمة» وتابعه عبد الصَّمد فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق أحمد بن سعيدٍ عنه (٥)، كلٌّ قال: «أصْحَمَة» بالهمزة وسكون الصَّاد كرواية (٦) سعيد بن ميناء (٧)، وكذا هو في نسخة الفرع وغيرها، بل قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه الَّذي اتَّصل له من جميع طرق البخاريِّ، قال: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ إيراد المصنِّف يُشعر بأنَّ يزيد خالف محمَّد بن سنانٍ، وأنَّ عبد الصَّمد تابع يزيد، وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» عن يزيد: صَحْمة -بفتح الصَّاد وسكون الحاء- وهو المتَّجه، وصرَّح كثيرٌ من الشُّرَّاح، كالزَّركشيِّ، وتبعه الدَّمامينيُّ: أنَّها في رواية يزيد وعبد الصَّمد عند البخاريِّ كذلك بحذف الهمزة، والحاصل: أنَّ الرُّواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها، وقال الكرمانيُّ: إنَّ يزيد روى: «أَصْمحة» بتقديم الميم على الحاء، وتابعه على ذلك عبد الصَّمد بن عبد الوارث، وصوَّبه القاضي عياضٌ، لكن قال النَّوويُّ: إنَّها شاذَّةٌ كرواية: «صَحْمَة» بحذف الألف وتأخير الميم، وإنَّ الصَّواب: «أصمحة» (٨) بتقديمها وإثبات الألف، وذكر الكِرمانيُّ أيضًا: أنَّ في رواية محمَّد بن سنانٍ في بعض النُّسخ: «أَصْحَبَة»

стр. 3187

بالموحَّدة بدل الميم مع إثبات الألف، وحكى الإسماعيليُّ: أنَّ في رواية عبد الصمد «أصخمة» بخاءٍ معجمةٍ وإثبات الألف، قال: وهو غلطٌ، قال في «الفتح»: فيحتمل أن يكون هذا محلُّ الاختلاف الَّذي أشار إليه البخاريُّ، وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز». (٦٥) (باب) مشروعيَّة (قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ) في الصَّلاة (عَلَى الجَنَازَةِ (١)) وهي من أركانها؛ لعموم حديث [خ¦٧٥٦]: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وبه قال الشَّافعيُّ وأحمد، وقال مالكٌ والكوفيُّون: ليس فيها قراءةٌ، قال البدر الدَّمامينيُّ من المالكيَّة: ولنا قولٌ في المذهب باستحباب الفاتحة فيها، واختاره بعض الشُّيوخ (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخَفَّاف في «كتاب الجنائز» له: (يَقْرَأُ) المصلِّي (عَلَى الطِّفْلِ) الميِّت (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا) بالتَّحريك، أي: متقدِّمًا إلى الجنَّة لأجلنا (وَفَرَطًا) بالتَّحريك: الذي يتقدَّم الواردة، فيهيِّئ لهم المنزل (وَأَجْرًا) الَّذي في «اليونينيَّة»: «فَرَطًا وسَلَفًا وأجرًا». ١٣٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة وتشديد المعجمة، بندارٌ (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَُرٌ) بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، هو ابن إبراهيم، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الإسناد الآتي (عَنْ طَلْحَةَ) هو ابن عبد الله، كما سيأتي أيضًا (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬).

стр. 3188

(حَدَّثَنَا) كذا في الفرع، وفي نسخة غيرِه (١): «ح وحدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، المتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ، ابن أخي عبد الرَّحمن (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فقرأ فاتحة (٢) الكتاب» (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (لِيَعْلَمُوا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة على الغيبة، ولأبي الوقت في (٣) غير «اليونينيَّة» (٤): «لِتَعلموا» بالفوقيَّة على الخطاب (أَنَّهَا) أي: قراءة الفاتحة في الجنازة (سُنَّةٌ) أي: طريقةٌ للشَّارع، فلا ينافي كونها واجبةً، وقد عُلِمَ أنَّ قول الصَّحابيِّ من السُّنَّة كذا حديثٌ مرفوعٌ عند الأكثر، وليس في حديث الباب بيان محلِّ القراءة، وقد وقع التَّصريح به في حديث جابرٍ عند البيهقيِّ في «سننه» عن الشَّافعيِّ بلفظ: وقرأ بأمِّ القرآن بعد التَّكبيرة الأولى، وفي «النَّسائيِّ» بإسنادٍ على شرط الشَّيخين عن أبي أُمامة الأنصاريِّ قال: السُّنَّة في صلاة الجنازة (٥) أن يقرأ في التَّكبيرة الأولى بأمِّ القرآن (٦) مخافتةً. نعم يجوز تأخيرها إلى التَّكبيرة الثَّانية؛ كما ذكره الرَّافعيُّ والنَّوويُّ عن حكاية الرُّويانيِّ (٧) وغيره له عن النَّصِّ، بعد نقلهما المنع عن الغزاليِّ، وجزم به في «المنهاج» و «المجموع»، ولم يخصَّ الثَّانية فقال: قلت: تُجزئ الفاتحة بعد غير الأولى، وعليه -مع (٨) ما قالوه من تعيُّن الصَّلاة في الثَّانية والدُّعاء في الثَّالثة- يلزم خلوُّ الأولى عن ذكرٍ، والجمع بين ركنين في تكبيرةٍ واحدةٍ، والَّذي قاله الجمهور تعيُّن الفاتحة في

стр. 3189

الأولى، وبه جزم النَّوويُّ في «التِّبيان»، وهو ظاهر نصَّين نقلهما في «شرح المهذَّب»، وقال الأذرعيُّ: وظاهر نصوص الشَّافعيِّ والأكثرين تعيينها في الأولى. وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ بمعناه، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ، كلُّهم في «الجنائز». (٦٦) (باب) جواز (الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ) أي: بعد دفن الميِّت، وإليه ذهب الجمهور، ومنعه النَّخعيُّ (١) ومالكٌ وأبو حنيفة، وعنهم: إنْ دُفِنَ قبل أن يُصلَّى (٢) عليه شُرِعَ، وإلَّا فلا. ١٣٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي الوقت: «أخبرني» بالإفراد فيهما (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شراحيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين «قبرٍ» و «منبوذٍ» صفةٌ له، أي: في ناحيةٍ عن القبور، ولأبي ذَرٍّ: «قبرِ منبوذٍ» بغير تنوينٍ على الإضافة، أي: قبرِ لقيطٍ (فَأَمَّهُمْ) ﵊ (وَصَلَّوْا خَلْفَهُ) قال الشَّيبانيُّ: (قُلْتُ) للشَّعبيِّ: (مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا (٤)) الحديث (يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ): حدَّثني به (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ عن الشَّيبانيِّ: أنَّه (٥) صلَّى عليه بعدما دُفِنَ بليلتين،

стр. 3190

وقال: إنَّ إسماعيل بن زكريَّا تفرَّد بذلك، ورواه الدَّارقُطنيُّ من طريق هُرَيم عن الشَّيبانيِّ، فقال: بعد موته بثلاثٍ، ومن طريق بشر بن آدم، عن أبي عاصمٍ، عن سفيان الثَّوريِّ، عن الشَّيبانيِّ فقال: بعد شهرٍ، قال في «فتح الباري»: وهذه رواياتٌ شاذَّةٌ، وسياق الطُّرق (١) الصَّحيحة يدلُّ على أنَّه صلَّى عليه (٢) في صبيحة دفنه. ١٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) السَّدوسيُّ البصريُّ، الملقَّب بعارم -بالعين والرَّاء المهملتين- قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو البنانيُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا) بالنَّصب بدل من «أسودَ»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ (أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ) أي: يكنسه، ولأبي ذَرٍّ: «كان يقمُّ في المسجد»، وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «يكون في المسجد يقمُّ المسجد» (٣) (فَمَاتَ وَلَمْ (٤) يَعْلَمِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه، أو (٥) لفظة «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ) ﵊: (مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ:

стр. 3191

«فقالوا»: (مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟) بالمدِّ: أعلمتموني (فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا) زاد أبو ذَرٍّ: «وكذا» (قِصَّتَهُ) بالنَّصب بتقدير نحو: ذكروا، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، وسقط «قصَّته» لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ (قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ) لا ينافي ما سبق [خ¦٤٥٨] من التَّعليل بأنَّهم كرهوا أن يوقظوه ﵊ في الظُّلمة خوف المشقَّة؛ إذ لا تنافي بين التَّعليلين (قَالَ) ﵊: (فَدُلُّونِي) بضمِّ الدَّال (عَلَى قَبْرِهِ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) أي: على القبر، وهذا موضع التَّرجمة، وفيه جواز الصَّلاة على القبر بعد الدَّفن، سواءٌ دُفِنَ قبلها أم (١) بعدها، نعم؛ لا تجوز الصَّلاة على قبور الأنبياء صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم، لخبر «الصَّحيحين»: «لعن الله اليهود والنَّصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [خ¦١٣٣٠] ولحديث البيهقيِّ: «الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعين ليلةً، لكنَّهم يصلُّون بين يدي الله حتَّى يُنفَخ في الصُّور» وبأنَّا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم، وفي دلالة الحديث الأوَّل على المدَّعى نظرٌ، وأمَّا الثَّاني فرُوِيَ بمعناه أحاديث أُخَر، وكلُّها ضعيفةٌ، وقد روى عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» عقب (٢) بعضها حديثًا مرفوعًا: «مررت بموسى ليلة أُسرِيَ بي وهو قائمٌ يصلِّي في قبره»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وأراد بذلك ردَّ ما رواه أوَّلًا، قال (٣): وممَّا يقدح في هذه الأحاديث حديث: «صلاتكم معروضةٌ عليَّ» وحديث: «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض» [خ¦٢٤١٢] وإنَّما تجوز الصَّلاة على قبر غيرهم وعلى الغائب عن البلد لمن كان من أهل فرض الصَّلاة عليه وقت موته، ولا يقال: إنَّ الصَّلاة على القبر من خصائصه ﵊؛ لِمَا زاده حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ في روايته عند ابن حِبَّان، ثمَّ قال: «إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً (٤) على أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها

стр. 3192

بصلاتي عليهم»؛ لأنَّ في ترك إنكاره ﷺ على من صلَّى معه على القبر بيانَ جواز ذلك لغيره، وأنَّه ليس من خصائصه، لكن قد يُقال: إنَّ الَّذي يقع بالتَّبعيَّة لا ينهض (١) دليلًا للأصالة. (٦٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الفاء ثمَّ قاف، أي: صوت نعال الأحياء من (٢) الَّذين باشروا دفنه وغيرهم، عند دوسها على الأرض. ١٣٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مشدَّدةٍ وشينٍ معجمةٍ، ابن الوليد الرَّقَّام قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة، قال المؤلِّف «ح» (٣): (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ، ومثل هذه الصِّيغة تكون في المذاكرة غالبًا: (حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يزيد بن زُرِيعٍ» من الزِّيادة، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو السَّابق (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ

стр. 3193

أَنَسٍ) هو (١) ابن مالكٍ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: العَبْدُ) المؤمن المخلص (إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى) بضمِّ الواو وكسر الضَّاد، من: «وُضِعَ»، وفتح المثنَّاة الفوقيَّة والواو واللَّام، من «تولَّى» مبنيًّا للفاعل، أي: أدبر (وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ) من باب: تنازع العاملَين، وقول ابن التِّين: إنَّه كرَّر اللَّفظ والمعنى واحد .. ، تُعقِّب: أنَّ (٢) التَّولِّي هو الإعراض، ولا يلزم منه الذَّهاب، وفي «اليونينيَّة» (٣): «وتُوِلِّي» بضمِّ الفوقيَّة وكسر الواو واللَّام (٤) مصحَّحٌ عليهما، وفي غيرها بضمِّ الواو (٥) مبنيًّا للمفعول، قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه رآه كذلك مضبوطًا بخطٍّ معتمدٍ، أي: تُولِّي أمره، أي: الميِّت، وسيأتي في رواية عيَّاشٍ بلفظ [خ¦١٣٧٤]: «وتولَّى عنه أصحابه» وهو الموجود في جميع الرِّوايات عند مسلمٍ وغيره (حَتَّى إِنَّهُ) أي: الميِّت، وهمزة «إنَّ» مكسورةٌ لوقوعها بعد «حتَّى» الابتدائيَّة؛ كقولهم: مرض زيدٌ (٦) حتَّى إنَّهم لا يرجونه، قاله الزَّركشيُّ والبرماويُّ وغيرهما، وزاد الدَّمامينيُّ أيضًا: وجود لام الابتداء المانع من الفتح في قوله: (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) بفتح القاف وسكون الرَّاء، وهذا (٧) موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الخفق والقرع بمعنًى واحدٍ، وإنَّما تُرجِمَ بلفظ: الخَفْق؛ إشارةً إلى وروده بلفظه عند أحمد وأبي داود من حديث البراء في حديثٍ طويلٍ فيه: «وإنَّه ليسمع خفق نعالهم»، زاد في رواية إسماعيل بن عبد الرَّحمن السُّدِّيِّ عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن حِبَّان في «صحيحه»: «إذا ولَّوا مدبرين» (٨) (أَتَاهُ مَلَكَانِ) بفتح اللَّام، وهما المنكر والنَّكير، سُميَّا بذلك لأنَّهما لا يشبه خلقهما خلق الآدميِّين ولا الملائكة ولا غيرهم، بل لهما خلقٌ مفردٌ (٩) بديعٌ،

стр. 3194

لا أُنْسَ فيهما للنَّاظر إليهما، أسودان أزرقان، جعلهما الله تعالى تكرمةً للمؤمن ليثبِّته ويبصِّره (١)، وهتكًا لسرِّ (٢) المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتَّى يحلَّ عليه العذاب الأليم، أعاذنا الله من ذلك بوجهه الكريم ونبيِّه (٣) الرَّؤوف الرَّحيم (فَأَقْعَدَاهُ) أي: أجلساه غير فَزِعٍ (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفُ بيانٍ، أو بدلٌ من سابقه (¬ ﷺ ؟) ولم يقولا: ما تقول في هذا النَّبيِّ؟ أو غيره من ألفاظ التَّعظيم؛ لقصد الامتحان للمسؤول؛ إذ ربَّما تلقَّن تعظيمه من ذلك، ولكن ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ) أي: فيقول له الملكان المذكوران أو غيرهما: (انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) أي: المقعدَين اللَّذين أحدهما من الجنَّة والآخر من النَّار، أعاذنا الله منها (وَأَمَّا الكَافِرُ أَوِ المُنَافِقُ) شكَّ (٤) الرَّاوي، لكنَّ الكافر لا يقول المقالة المذكورة، فتعيَّن المنافق (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ) أي: فيقول المنكر والنَّكير أو غيرهما: (لَا دَرَيْتَ) بفتح الرَّاء (وَلَا تَلَيْتَ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة بعد اللَّام المفتوحة، وأصله: تلوت، بالواو، يقال: تلا يتلو القرآن، لكنَّه قال: «تليت» بالياء للازدواج مع «دريت» أي: لا كنت داريًا ولا تاليًا، وقال في «الفائق» أي: لا علمت بنفسك بالاستدلال، ولا اتَّبعت العلماء بالتَّقليد فيما يقولون، أو لا تلوت القرآن، أي: لم تدرِ، ولم تتلُ، أي: لم تنتفع بدرايتك ولا (٥) تلاوتك، ولأبي ذَرٍّ: «ولا أتْليت» بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون التَّاء، قال ابن الأنباريِّ: وهو الصَّواب، دعاءٌ عليه بألَّا (٦) تُتَلى إبله، أي: لا يكون لها أولادٌ (٧) تتلوها، أي: تتبعها، وتعقَّبه ابن السَّرَّاج بأنَّه بعيدٌ في دعاء الملَكين،

стр. 3195

قال: وأيُّ مال للميِّت؟ وأجاب عياضٌ باحتمال أنَّ ابن الأنباريِّ رأى: أنَّ هذا أصل الدُّعاء، استُعمِلَ في غيره؛ كما استعمل (١) غيره من أدعية العرب، وقال الخطَّابيُّ وابن السِّكِّيت: الصَّواب: ائتليت، بوزن: افتعلت؛ من قولك: ما ألوته (٢): ما استطعته، ولا آلو كذا بمعنى (٣): لا أستطيعه، قال صاحب «اللَّامع الصَّبيح»: لكنَّ بقاء التَّاء مع ما قرَّره، أي: الخطَّابيّ (٤): آلو بمعنى: أستطيع مشكلٌ (٥)، وقال ابن بَرِّيٍّ: مَن رَوى: «تليت» فأصله: ائتليت، بهمزةٍ بعد همزة (٦) الوصل، فحُذِفَت تخفيفًا، فذهبت همزة الوصل، وسهل ذلك لمزاوجة «دريت» (ثُمَّ يُضْرَبُ) الميِّت، بضمِّ أوَّل «يُضرَب» (٧) وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بِمِطْرَقَةٍ) بكسر الميم (مِنْ حَدِيدٍ) صفةٌ لـ «مطرقةٍ»، و «مِنْ» بيانيَّةٌ، أو «حديدٍ» (٨) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: مِن ضاربِ حديدٍ، أي: قويٌّ شديد الغضب، والضَّارب: المنكر أو النَّكير أو غيرهما، وفي حديث البراء بن عازبٍ عند أبي داود: «ويأتيه الملكان يجلسانه» الحديث، وفيه: ثمَّ يقيَّض له أعمى أبكم أصمُّ، بيده مرزبَّة من حديدٍ، لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار ترابًا (٩)، قال: «فيضربه بها ضربةً … » الحديث، وفي حديث أنس بن مالكٍ عند أبي داود: «أنَّه ﷺ دخل نخلًا لبني النَّجار، فسمع صوتًا، ففزع … » الحديث، وفيه: فيقول له: «ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري، فيقول: لا دريت ولا تليت، فيضربه بمطراقٍ (١٠) من حديدٍ بين أذنيه، فيصيح» فالحديث الأوَّل صريحٌ أنَّ الضَّارب غير منكرٍ ونكيرٍ، والثَّاني أنَّه الملَك السَّائل له، وهو إما المنكر أو النَّكير (ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي: أذني الميِّت (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) أي: يلي (١١) الميِّت (إِلَّا الثَّقَلَيْنِ)

стр. 3196

الجنَّ والإنس، سُميِّا بذلك؛ لثقلهما على الأرض، والحكمة في عدم سماعهما الابتلاء، فلو سمعا لكان الإيمان منهما ضروريًّا، ولأعرضوا عن التَّدبير والصَّنائع، ونحوهما ممَّا يتوقَّف عليه بقاؤهما أيضا (١)، ويدخل في قوله: «مَن يليه» (٢) الملائكة فقط؛ لأنَّ «مَن» للعاقل، وقيل: يدخل غيرهم أيضًا تغليبًا، وهو أظهر، فإن قلت: لم منعت الجنُّ سماع هذه الصَّيحة دون سماع كلام الميِّت إذا حمل، وقال: قدِّموني قدِّموني (٣)؟ أُجيِبَ بأنَّ كلام الميِّت إذ ذاك في حكم الدُّنيا، وهو اعتبارٌ لسامعه وعظةٌ، فأسمعه الله الجنَّ؛ لما فيهم من قوَّةٍ يثبتون بها عند سماعه، ولا يُصعَقون بخلاف الإنسان الَّذي يُصعَق لو سمعه، وصيحة الميِّت في القبر عقوبةٌ وجزاءٌ، فدخلت في حكم الآخرة، وفي الحديث: جواز المشي بين القبور بالنِّعال؛ لأنَّه ﵊ قاله وأقرَّه، فلو كان مكروهًا لبيَّنه، لكن يعكر عليه احتمال أن يكون المراد بسماعه إيَّاها بعد أن يجاوزوا المقبرة، وحينئذٍ فلا دلالة فيه على الجواز، ويدلُّ على الكراهة حديث بَشِير بن الخصاصية عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه الحاكم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلًا يمشي بين القبور، عليه نعلان سبتيَّتان (٤)، فقال: «يا صاحب السَّبتيَّتين (٥) ألق نعليك»، وكذا يُكْرَه الجلوس على القبر، والاستناد إليه، والوطء عليه، توقيرًا للميِّت إلَّا لحاجةٍ، كأن لا يصل إليه (٦) إلَّا بوطئه، فلا كراهة، وأمَّا حديث مسلمٍ: «لَأَنْ يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه حتَّى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبرٍ»، ففسَّره (٧) رواية أبي هريرة بالجلوس للبول والغائط، ورواه ابن وهبٍ أيضًا في «مسنده» بلفظ: «مَن جلس على قبرٍ يبول أو

стр. 3197

يتغوَّط (١)»، وبقيَّة ما استُنبط من حديث الباب يأتي إن شاء الله تعالى في «باب عذاب القبر» [خ¦١٣٧٤]. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وأبو داود. (٦٨) (باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: في (٢) بيت المقدس؛ طلبًا للقرب من الأنبياء الَّذين دُفِنوا به؛ تيمُّنًا بجوارهم، وتعرُّضًا للرَّحمة النَّازلة عليهم اقتداءً بموسى ﵇، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقَّة الحاصلة لمن بَعُدَ عنه (أَوْ نَحْوِهَا) بالنَّصب عطفًا (٣) على «الدَّفن» المنصوب على المفعوليَّة لـ «أحب» أي: أحبَّ الدَّفن في نحو بيت المقدس؛ وهو بقيَّة ما تُشدُّ إليه الرِّحال من الحرمين الشَّريفين، رزقَنا الله الدفن بأحدهما مع الرِّضا عنَّا، إنَّه الجواد الكريم. ١٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان -بفتح الغين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام (قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمين، ابن راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ) بضمِّ الهمزة

стр. 3198

مبنيًّا للمفعول، و «ملكُ» رفعٌ نائبٌ عن الفاعل، أي: أرسل الله ملك الموت (إِلَى مُوسَى ﵉ في صورة آدميٍّ اختبارًا وابتلاء، كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده (فَلَمَّا جَاءَهُ) ظنَّه آدميًّا حقيقةً تسوَّر عليه منزلَه بغير إذنه ليوقِع به مكروهًا، فلمَّا تصوَّر ذلك صلوات الله وسلامه عليه (صَكَّهُ) بالصَّاد المهملة، أي: لطمه على عينه الَّتي ركبت في الصُّورة البشريَّة الَّتي جاءه فيها، دون الصُّورة الملكيَّة، ففقأها -كما صرَّح به مسلمٌ في روايته- ويدلُّ عليه قوله الآتي هنا: «فردَّ الله عليه عينه»، ويحتمل أنَّ موسى ﵊ علم أنَّه ملك الموت، وأنَّه دافع عن نفسه الموت باللَّطمة المذكورة، والأوَّل أَولى، ويؤيِّده أنَّه جاء إلى قبضه ولم يخيِّره، وقد كان موسى ﵇ علم أنَّه لا يُقبض حتَّى يُخَيَّر، ولهذا لمَّا خيَّره (١) في الثَّانية قال: الآن (فَرَجَعَ) ملك الموت (إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ): ربِّ (أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ) (عَلَيْهِ عَيْنَهُ) ليعلم موسى إذا رأى صحَّة عينه أنَّه من عند الله، ولأبي ذَرٍّ: «فيردُّ الله» بلفظ المضارع «إليه عينه» بالهمزة قبل اللَّام بدل العين (وَقَالَ) له: (ارْجِعْ) إلى موسى (فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) بالمثنَّاة الفوقيَّة في الأولى، وبالمثلَّثة في الثَّانية، أي: على (٢) ظهر ثورٍ (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ) موسى: (أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا) أي: ماذا (٣) يكون بعد هذه السِّنين (قَالَ) الله تعالى: (ثُمَّ) يكون بعدها (المَوْتُ، قَالَ) موسى: (فَالآنَ) يكون الموت، و «الآن» اسمٌ لزمان الحال، وهو الزَّمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لمَّا خُيِّر شوقًا إلى لقاء ربِّه كنبيِّنا ﷺ لمَّا قال: «الرَّفيق الأعلى» [خ¦٣٦٦٩] (فَسَأَلَ اللهَ) موسى (أَنْ يُدْنِيَهُ) أي: يقرِّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) أي: المطهَّرة، و «أَنْ» مصدريَّةٌ في موضع نصبٍ، أي: سأل الله الدُّنوَّ من بيت المقدس؛ ليُدفَن فيه (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دُنُوًّا، لو

стр. 3199

رمى رامٍ حجرًا من ذلك الموضع الَّذي هو موضع قبره؛ لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك في التِّيه ومعه بنو إسرائيل، وكان أمرهم بالدُّخول إلى الأرض المقدَّسة فامتنعوا، فحرَّم الله (١) عليهم دخولها أبدًا غير يوشع وكالب، وتيَّههم في القفار أربعين سنةً في ستَّة فراسخ وهم ستُّ مئة ألف مقاتلٍ، وكانوا يسيرون كلَّ يومٍ جادِّين، فإذا أمسوا كانوا في الموضع الَّذي ارتحلوا عنه، إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل منهم (٢) الأرض المقدَّسة أحدٌ ممَّن امتنع أوَّلًا أن يدخلها إلَّا أولادهم مع يوشع، ولمَّا لم يتهيَّأ لموسى ﵊ دخول الأرض (٣) لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك؛ لينقل (٤) إليها؛ طلب القرب (٥) منها؛ لأنَّ ما قارب الشَّيء يُعطَى (٦) حكمه، وقيل: إنَّما طلب موسى الدُّنوَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ يُدفَن حيث يموت، وعُورِضَ بأنَّ موسى ﵇ قد نقل يوسف ﵇ لمَّا خرج من مصر، وأُجِيبَ بأنَّه إنَّما نقله بوحي، فتكون خصوصيَّةً له (٧)، وإنَّما لم يسأل نفس بيت المقدس؛ ليُعَمَّى (٨) قبره خوفًا من أن (٩) يعبده جهَّال ملَّته، قال ابن عبَّاسٍ: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون؛ لاتخذوهما إلهين من دون الله، وقد اختُلِفَ في جواز نقل الميِّت، ومذهب الشَّافعيَّة: يحرم نقله من بلدٍ إلى بلدٍ آخر؛ ليدفن فيه وإن لم يتغيَّر؛ لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله، وتعريضه لهتك حرمته، إلَّا أن يكون بقرب مكَّة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليه لفضل الدَّفن فيها،

стр. 3200

والمعتبر في القرب مسافةٌ لا يتغيَّر فيها الميِّت قبل وصوله، قال الزَّركشيُّ: ولا ينبغي التَّخصيص بالثَّلاثة، بل لو كان بقربه مقابر أهل الصَّلاح والخير؛ فالحكم كذلك؛ لأنَّ الشخص يقصد الجار الحسن (١). انتهى. وكان عمر موسى مئةً وعشرين سنةً، وقال (٢) وهب: خرج موسى لبعض حاجته، فمرَّ برهطٍ من الملائكة يحفرون قبرًا لم يُر شيئًا قطُّ أحسن منه، فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: أتحبُّ أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجَّه إلى ربِّك، قال: ففعل، ثمَّ تنفَّس أسهل تنفُّس (٣)، فقبض الله روحه، ثمَّ سوَّت عليه الملائكة التُّراب، وقيل: إنَّ ملك الموت أتاه بتفَّاحةٍ من الجنَّة (٤) فشمَّها، فقبض روحه (قَالَ) أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ) بالمثلَّثة، أي: الرَّمل المجتمع، وهذا ليس صريحًا في الإعلام بقبره الشَّريف، ومن ثمَّ حصل الاختلاف فيه، فقيل: بالتِّيه (٥)، وقيل: بباب لُدٍّ (٦) ببيت المقدس، أو بدمشق، أو بوادٍ بين بصرى والبلقاء، أو بمدين بين المدينة وبيت المقدس، أو بأريحا؛ وهي من الأرض المقدسة. وفي هذا الحديث التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وشيخ المؤلِّف مروزيٌّ، ومعمر بصريٌّ، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» -كالمؤلِّف [خ¦٣٤٠٧]- مرفوعًا، والنَّسائيُّ في «الجنائز»، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٠٧].

стр. 3201

(٦٩) (باب) جواز (الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ) وبه قال الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ والجمهور، وكَرِهَه قتادة والحسن البصريُّ وسعيد بن المسيَّب وأحمد في روايةٍ عنه. (وَدُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ لَيْلًا) كما وصله المؤلِّف في أواخر (١) «الجنائز» (٢) في «باب موت يوم الاثنين» [خ¦١٣٨٧]. ١٣٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَمَا دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (بِلَيْلَةٍ، قَامَ) وفي نسخةٍ: «فقام» (هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالوا»: (فُلَانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ) قال: «أفلا آذنتموني»، قالوا: دفنَّاه في ظلمة اللَّيل، فكرهنا أن نوقظك (فَصَلَّوْا عَلَيْهِ) بصيغة الجمع من الماضي، أي: صلَّى النَّبيُّ ﷺ وأصحابه عليه، فهو كالتَّفصيل لقوله أوَّلًا: «صلَّى» فلا يكون تكرارًا (٣)، وهذا يدلُّ على عدم كراهة الدَّفن ليلًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اطَّلع عليه ولم يُنكره، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وصحَّ: أنَّ عليًّا دفن فاطمةَ ليلًا، ورأى ناسٌ نارًا في المقبرة (٤) فأتوها، فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبكم»، وإذا هو الرَّجل الَّذي كان يرفع صوته بالذِّكر، رواه أبو داود (٥) بإسنادٍ على شرط

стр. 3202

الشَّيخين. نعم يُستحَبُّ الدَّفن نهارًا؛ لسهولة الاجتماع والوضع في القبر، لكن إن خُشِيَ تغيُّره فلا يُستَحبُّ تأخيره ليدفن نهارًا، قال الأذرعيُّ وغيره: بل ينبغي وجوب المبادرة به (١)، وأمَّا حديث مسلمٍ: «زجر النَّبيُّ ﷺ أن يُقبَر الرَّجل باللَّيل حتَّى يُصلَّى عليه إلَّا أن يُضطرَّ إنسانٌ إلى ذلك»، فالنَّهي فيه إنَّما هو عن دفنه قبل الصَّلاة عليه. (٧٠) (باب بِنَاءِ المَسَاجِدِ عَلَى القَبْرِ) وفي نسخةٍ: «المسجد» بالإفراد، وهو الَّذي في أحد فروع «اليونينيَّة» (٢). ١٣٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ الأصبحيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) (٣) الإمام الأعظم (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: مرض مرضه الَّذي مات فيه (ذَكَرَتْ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «ذكر» (بَعْضُ نِسَائِهِ) هما: أمُّ سلمة وأمُّ حبيبة، كما سيأتي (كَنِيسَةً) بفتح الكاف، معبد النَّصارى (رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ) بنون الجمع في (٤) «رأينها» على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو معهما غيرهما من النِّسوة (يُقَالُ لَهَا) أي: للكنيسة: (مَارِيَةُ) بكسر الرَّاء وتخفيف المثنَّاة التَّحتيَّة، علَمٌ للكنيسة (وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أمُّ المؤمنين هند بنت أبي أميَّة المخزوميَّة (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) بفتح الحاء، أمُّ المؤمنين أيضًا رملة بنت أبي سفيان (¬﵄، أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا) بلفظ التَّثنية للمؤنَّث من الماضي

стр. 3203

(مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ) رسول الله ﷺ (رَأْسَهُ فَقَالَ: أُولَئِكَِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها (إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ) وفي نسخةٍ: «فيهم» (الرَّجُلُ الصَّالِحُ) وجواب «إذا» قوله: (بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ) أي: في المسجد (تِلْكَ الصُّورَةَ) الَّتي مات صاحبها، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (١) «تلك الصُّور» بالجمع، قال القرطبيُّ: وإنَّما صوَّر أوائلُهم الصُّور ليتأنسوا بها، ويتذكَّروا أفعالهم الصَّالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثمَّ خلفهم قومٌ جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشَّيطان أنَّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصُّور ويُعظِّمونها، فحذَّر النَّبيُّ ﷺ عن مثل ذلك، سدًّا للذَّريعة المؤدِّية إلى ذلك بقوله: (أُولَئِكَِ) بكسر الكاف وفتحها، ولأبي ذَرٍّ: «وأولئك» (شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ) وموضع التَّرجمة قوله: «بنوا على قبره مسجدًا» وهو مؤوَّلٌ على مذمَّة (٢) من اتَّخذ القبر مسجدًا، ومقتضاه التَّحريم، لا سيَّما وقد ثبت اللَّعن عليه، لكن صرَّح الشَّافعيُّ وأصحابه بالكراهة، وقال البندنيجيُّ: المراد أن يُسوَّى القبر مسجدًا، فيصلَّى فيه، وقال: إنَّه يُكرَه أن يُبنى عنده مسجدٌ (٣) فيصلَّى فيه إلى القبر، وأمَّا المقبرة الدَّائرة إذا بُنِيَ فيها مسجدٌ ليُصلَّى فيه، فلم أَرَ فيه (٤) بأسًا؛ لأنَّ المقابر وقفٌ وكذا المساجد (٥)، فمعناهما واحدٌ، قال البيضاويُّ: لمَّا كانت اليهود والنَّصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجَّهون في الصَّلاة نحوها، واتَّخذوها أوثانًا؛ لعنهم النَّبيُّ ﷺ ومنع المسلمين عن فعل (٦) ذلك، فأمَّا من اتَّخذ مسجدًا في جوار صالحٍ، وقصد التَّبرُّك بالقرب منه لا لقصد التعظيم (٧) ولا للتَّوجُّه إليه؛ فلا يدخل في الوعيد المذكور، وقد ترجم المؤلِّف قبل ثمانية أبوابٍ «باب (٨) ما يُكرَه من اتِّخاذ المساجد على القبور» [خ¦١٣٣٠] ويحتاج إلى الفرق بين التَّرجمتين، فقال ابن رُشَيدٍ:

стр. 3204

الاتِّخاذ أعمُّ من البناء؛ فلذلك أفرده بالتَّرجمة، ولفظها يقتضي أنَّ بعض الاتِّخاذ لا يُكرَه، فكأنَّه يفصِل بين ما إذا ترتَّبت (١) على الاتِّخاذ مفسدةٌ أم لا، وقال الزَّين بن المنيِّر: كأنَّه قصد بالتَّرجمة الأولى اتِّخاذ المساجد في المقبرة (٢) لأجل القبور، بحيث لولا تجدُّد القبر ما اتُّخذ المسجد، وبهذا (٣) بناء المسجد في المقبرة على حِدَته؛ لئلَّا يحتاج إلى الصَّلاة، فيوجد مكان يصلِّي فيه سوى المقبرة؛ فلذلك نحا به منحى الجواز. انتهى. قال في «الفتح»: والمنع من ذلك إنَّما هو حال خشية أن يُصنَع بالقبر كما (٤) صَنَع أولئك الَّذين لُعِنوا. وهذا الحديث مضى في «باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟» [خ¦٤٢٧]. (٧١) (باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ) لأجل إلحادها. ١٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ (٥)) العَوَقيُّ، بفتح الواو وبالقاف، الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) قال الواقديُّ: اسمه عبد الملك، و «فُلَيحٌ» لقبٌ غَلَب عليه، وسقط «ابن سليمان» عند أبي ذَرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن أسامة العامريُّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (¬﵁، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أمَّ كلثومٍ زوجَ عثمان بن عفَّان (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى) جانب (القَبْرِ) الجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ)

стр. 3205

بفتح الميم، وفيه جواز البكاء حيث لا صياح ولا (١) غيره ممَّا ينكَر شرعًا كما سبق [خ¦١٣٠٣] (فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟) بالقاف والفاء، أي: لم يُجامع أهله، ومثله في الكناية قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقد كان من عادة أدب القرآن أن يكنِّي عن الجماع باللَّمس لبشاعة (٢) التَّصريح، فعكس، فكنَّى عن الجماع بالرَّفث، وهو أبشع (٣) تقبيحًا لفعلهم؛ لينزجروا عنه، وكذلك (٤) كُنِّي (٥) في هذا الحديث عن المباح بالمحظور؛ لصون جانب بنت الرَّسول عمَّا ينبئ عن الأمر المستهجن (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد ابن سهلٍ الأنصاريُّ: (أَنَا) لم أقارف اللَّيلة (قَالَ) (٦) ﵊: (فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا) ففيه: أنَّه لا يُنزِل (٧) الميِّت في قبره إلَّا الرِّجال متى وُجِدُوا وإن كان الميِّت امرأةً، بخلاف النِّساء؛ لضعفهنَّ عن ذلك غالبًا، ولأنَّه معلومٌ أنَّه كان لبنت النَّبيِّ (٨) ﷺ محارم من النِّساء كفاطمة وغيرها، نعم يُندَب لهنَّ -كما في «شرح المهذَّب» - أن يَلِينَ حملَ المرأة من مغتسلها إلى النَّعش، وتسليمها إلى من في القبر، وحلَّ ثيابها فيه، وقد (٩) كان عثمان أَولى بذلك (١٠) من أبي طلحة؛ لأنَّ الزَّوج أحقُّ (١١) من غيره بمواراة زوجته وإن خالط غيرها من أهله (١٢) تلك اللَّيلة وإن لم يكن له حقٌّ في الصَّلاة؛ لأنَّ منظوره أكثر، لكنَّ عثمان ﵁ قارف تلك اللَّيلة، فباشر جاريةً له وبنت رسول الله ﷺ محتضَرةٌ، فلم يعجبه ﷺ كونه

стр. 3206

شُغِل عن (١) المحتضرة بذلك؛ لصيانة جلالة (٢) محلِّ ابنته ﷺ ، ورضي عنها، قال ابن المُنيِّر: فيه خصوصيَّةٌ، قال: (فَنَزَلَ) أبو طلحة (فِي قَبْرِهَا، فَقَبَرَهَا) أي: لحدها، وسقط قوله: «فقبرها» عند الأَصيليِّ وأبي (٣) ذَرٍّ وابن عساكر (قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ) عبد الله، ولأبي ذَرٍّ: «قال ابن المبارك» بالتَّعريف، أي: ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (قَالَ فُلَيْحٌ) يعني: ابن سليمان: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (يَعْنِي) بقوله: «يقارف» (الذَّنْبَ) لكنَّ المرجَّح التَّفسير الأوَّل، ويؤيِّده ما في بعض الرِّوايات بلفظ: «لا يدخل القبر أحدٌ قارف أهله البارحة» فتنحَّى عثمان ﵁، وقد قال ابن حزمٍ: مَعاذ اللهِ أن يتبجَّح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنَّه (٤) لم يذنب تلك اللَّيلة، لكن أنكر الطَّحاويُّ تفسيره بالجماع، وقال (٥): بل معناه: لم يقاول؛ لأنَّهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مؤيِّدًا لقول ابن المبارك، عن فليحٍ: (﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ [الأنعام: ١١٣]) معناه: (أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا) أو أراد المؤلِّف بذلك توجيه الكلام المذكور، وأنَّ لفظ: المقارفة (٦) في الحديث أُرِيدَ به ما هو أخصُّ من ذلك وهو الجماع، وهذا الَّذي فسَّر به الآية موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ، ومشى عليه البيضاويُّ وغيره، فقال: ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ من الآثام ﴿مَا هُم مُّقْتَرِفُون﴾ [الأنعام: ١١٣] وسقط في رواية الحَمُّويي والمُستملي، وثبت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ. (٧٢) (باب) حكم (الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ) وهو المقتول في معركة الكفَّار ولو كان امرأة، أو

стр. 3207

رقيقًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، وقد خرج بالتَّقييد بالمعركة: مَن جُرِحَ وعاش بعد ذلك حياةً مستقرِّةً، وخرج مَن سُمِّي شهيدًا بسببٍ غير السَّبب المذكور، كالغريق والمبطون والمطعون (١)، فتسميتهم شهداء باعتبار الثَّواب في الآخرة فقط. ١٣٤٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلَمِيِّ (٢) (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا يقول اللَّيث، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، قال النَّسائيُّ: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهابٍ تابع اللَّيث على ذلك، ثمَّ ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا، وكذا أخرجه أحمد من طريق محمَّد بن إسحاق، والطَّبرانيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلُّهم عن ابن شهابٍ، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبدُ الله له رؤيةٌ، فحديثه من حيث السَّماع مرسلٌ، وقد رواه عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، فزاد فيه: جابرًا، وهو ممَّا يقوِّي اختيار البخاريِّ، فإنَّ (٣) ابن شهابٍ صاحب حديثٍ فيُحمل على أنَّ الحديث عنده عن شيخين، ولا سيَّما أنَّ في رواية عبد الرَّحمن بن كعبٍ ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، وعلى ابن شهاب فيه اختلافٌ آخر (٤)، رواه أسامة بن زيدٍ اللَّيثيُّ عنه، عن أنسٍ، أخرجه أبو

стр. 3208

داود والتِّرمذيُّ، وأسامة سيِّئُ الحفظ، وقد حكى التِّرمذيُّ في «العِلَل» عن البخاريِّ: أنَّ أسامة غلط في إسناده، وأخرجه البيهقيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الأنصاريِّ، عن ابن شهابٍ، فقال: عن عبد الرحمن (١) بن كعبٍ، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيفٌ، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه، وقد ذكر البخاريُّ فيه اختلافًا آخر، كما سيأتي بعد بابين [خ¦١٣٤٦]. انتهى. (قَالَ) أي: جابرٌ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ): إمَّا بأن يجمعهما فيه، وإمَّا بأن يقطعه بينهما، وقال المظهريُّ قوله: «في ثوبٍ واحدٍ» أي: في قبرٍ واحدٍ؛ إذ (٢) لا يجوز تجريدهما في ثوبٍ واحدٍ بحيث تتلاقى بشرتاهما، بل ينبغي أن يكون على كلِّ واحدٍ منهما ثيابه الملَّطخة بالدَّم، وغيرها، ولكن يُضجَع أحدهما بجنب الآخر (٣) في قبرٍ واحدٍ (ثُمَّ يَقُولُ) ﵊: (أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى، وللحَمُّويي والمُستملي: «أيُّهما» أي: أيُّ الرَّجلين (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟) بالنَّصب على التَّمييز في «أخذًا» (فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ) ﵊ (إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ) ﵊: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ) قال المظهريُّ، أي: أنا شفيعٌ لهؤلاء، وأشهد لهم بأنَّهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم لله تعالى. انتهى. وتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ هذا الَّذي قاله لا يساعد عليه تعدية الشَّهيد بـ «على» لأنَّه لو أُرِيدَ ما قال (٤) لقيل: أنا شهيدٌ لهم، فعدل عن ذلك لتضمين «شهيدٌ» معنى (٥): رقيبٍ وحفيظٍ، أي: أنا حفيظٌ عليهم، أراقب (٦) أحوالهم وأصونهم من المكاره، وشفيعٌ لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6] ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117] (وَأَمَرَ) ﵊ (بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) بفتح اللَّام، أي: لم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره، وعند أحمد: أنَّه ﷺ قال: «لا (٧) تُغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ

стр. 3209

جُرْحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصلِّ عليهم»، والحكمة في ذلك: إبقاء أثر الشَّهادة عليهم، والتَّعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم، وقد اختُلِفَ في الصَّلاة على الشَّهيد المقتول في المعركة، فمذهب الشَّافعيَّة: أنَّها حرامٌ، وبه قال مالكٌ وأحمد، وقال بعض الشَّافعيَّة معناه: لا تجب عليهم، لكن تجوز. وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، والقول، وشيخ المؤلِّف تنِّيسيٌّ، واللَّيث مصريٌّ، وابن شهابٍ وشيخه مدنيَّان، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٤٦]، وكذا التِّرمذيُّ، وقال: صحيحٌ، والنَّسائيُّ وابن ماجه. ١٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريُّ (١)، واسم أبيه (٢): سويد (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد (٣) بن عبد الله اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) بضمِّ العين وسكون القاف، الجهنيِّ ﵁: (أَنَّ

стр. 3210

النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) الذين استُشهِدوا في وقعته في شوَّال سنة ثلاثٍ (صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ) بنصب «صلاته» أي: مثل صلاته على الميِّت، زاد في «غزوة أحد» [خ¦٤٠٤٢] من طريق حَيْوة بن شريحٍ عن يزيد: «بعد ثمان سنين، كالمودِّع للأحياء والأموات»، لكن في قوله: بعد ثمان سنين تجوز؛ لأنَّ وقعة أحدٍ (١) كانت في شوَّال سنة ثلاثٍ كما مرَّ، ووفاته ﷺ في ربيعٍ الأوَّل سنة إحدى عشْرَة، وحينئذٍ فيكون بعد سبع سنين ودون النِّصف؛ فهو من باب جَبْر الكسر، والمراد أنَّه ﵊ دعا لهم بدعاء صلاة الميِّت، وليس المراد صلاة الميِّت المعهودة، كقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] والإجماع يدلُّ له؛ لأنَّه لا يُصلَّى عليه عندنا، وعند أبي حنيفة المخالف: لا يُصلَّى على القبر بعد ثلاثة أيَّامٍ، فإن قلت: حديث جابرٍ لا يُحتجُّ به؛ لأنَّه نفيٌ، وشهادة النَّفي مردودةٌ مع ما عارضها في خبر (٢) الإثبات؟ أُجِيبَ بأنَّ شهادة النَّفي إنَّما تُردُّ إذا لم يحط بها علم الشَّاهد، ولم تكن محصورةً، وإلَّا فتُقبل بالاتِّفاق، وهذه قضيَّةٌ معيَّنةٌ، أحاط بها جابرٌ وغيره علمًا، وأمَّا حديث الإثبات فتقدَّم الجواب عنه، وأجاب الحنفيَّة بأنَّه تجوز الصَّلاة على القبر ما لم يتفسَّخ الميِّت، والشُّهداء لا يتفسَّخون، ولا يحصل لهم تغيُّرٌ، فالصَّلاة عليهم لا تمتنع (٣) أيِّ وقتٍ كان، وأوَّل أبو حنيفة الحديثَ في ترك الصَّلاة عليهم يوم أُحُدٍ على معنى اشتغاله عنهم وقلَّة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعُذِروا بترك الصَّلاة عليهم يومئذ، وقال ابن حزمٍ الظَّاهريُّ: إن صُلِّي على الشَّهيد فحسَنٌ، وإن لم يُصَلَّ عليه فحسَنٌ، واستدلَّ بحديثي جابرٍ وعقبة وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين (٤) المذكورين للآخر، بل كلاهما (٥) حقٌّ مباحٌ، وليس هذا مكان نسخٍ؛ لأنَّ استعمالهما معًا ممكنٌ في أحوال مختلفةٍ (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ) ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٠٤٢]: ثمَّ صعد المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات (فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ) بفتح

стр. 3211

الفاء والرَّاء: هو الَّذي يتقدَّم الواردة ليصلح لهم الحياض والدِّلاء ونحوهما (١)، أي: أنا سابقكم إلى الحوض، كالمهيِّئ له لأجلكم، وفيه إشارةٌ إلى قرب وفاته ﵊ وتقدُّمه على أصحابه ولذا قال: كالمودِّع للأحياء والأموات (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ) أشهد عليكم بأعمالكم، فكأنَّه باقٍ معهم لم يتقدَّمهم، بل يبقى بعدهم حتَّى يشهد بأعمال آخرهم؛ فهو ﵊ قائمٌ بأمرهم في الدَّارين في حال حياته وموته، وفي حديث ابن مسعودٍ عند البزَّار بإسنادٍ جيِّدٍ رفعه: «حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خيرٍ حمدتُ الله عليه، وما رأيت من شرٍّ استغفرتُ الله لكم» (وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) نظرًا حقيقيًّا بطريق الكشف (وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ) شكَّ (٢) الرَّاوي، فيه إشارةٌ إلى ما فتح لأمَّته (٣) من الملك والخزائن من بعده (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي) أي: ما أخاف على جميعكم الإشراك، بل على مجموعكم؛ لأنَّ ذلك قد وقع من بعضٍ (٤) (وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) بإسقاط إحدى تاءَي: تتنافسوا (٥)، والضمَّير لخزائن الأرض المذكورة، أو للدُّنيا المصرَّح بها في «مسلمٍ» -كالمؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٠٤٢]- بلفظ (٦): «ولكنِّي (٧) أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوا (٨) فيها» والمنافسة في الشَّيء: الرَّغبة فيه والانفراد به. ورواة هذا الحديث كلُّهم مصريُّون، وهو من أصحِّ الأسانيد، وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ (٩) عن الصَّحابيِّ، والتَّحديث، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٦]

стр. 3212

وفي «المغازي» [خ¦٤٠٤٢] و «ذكْر الحوض» [خ¦٦٥٩٠]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ »، وأبو داود في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ. (٧٣) (باب) جواز (دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ) فأكثر (فِي قَبْرٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «واحدٍ» أي: عند الضَّرورة بأن كَثُر الموتى، وعَسُر إفراد (١) كلِّ ميِّت بقبرٍ واحدٍ (٢). ١٣٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الملقَّب بسعدويه البزَّار قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) بن مالكٍ (٣): (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) في ثوبٍ واحدٍ، وهو مستلزمٌ للجمع في القبر، فهو دالٌّ على التَّرجمة، لكن ليس فيه لفظ: الثَّلاثة. نعم في حديث هشام بن عامرٍ الأنصاريِّ عند أصحاب السُّنن ممَّا ليس على شرط المؤلِّف: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أحدٍ، فقالوا: أصابنا جهدٌ، قال: «احفروا، ووسِّعوا، واجعلوا الرَّجلين والثَّلاثة (٤) في القبر الواحد (٥)» فلعلَّ المصنِّف أشار إلى ذلك، وفي هذا الحديث التَّصريح بأنَّ ذلك إنَّما فُعِل للضَّرورة، وحينئذٍ فالمستحبُّ في حال الاختيار أن

стр. 3213

يُدفَن كلُّ ميِّتٍ في قبرٍ واحدٍ، فلو جُمِع اثنان في قبرٍ واتَّحد الجنس كرجلين وامرأتين؛ كُرِه عند الماورديِّ، وحَرُم عند السَّرخسيِّ، ونقله عنه النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» مقتصرًا عليه، قال السُّبكيُّ: لكنَّ الأصحَّ الكراهةُ أو نفي الاستحباب، أمَّا التَّحريم فلا دليل عليه. انتهى. وأمَّا إذا لم يتَّحد الجنس كرجلٍ وامرأةٍ؛ فإن دعت ضرورةٌ شديدةٌ لذلك جاز، وإلَّا فيحرَم؛ كما في الحياة، ومحلُّ ذلك إذا (١) لم يكن بينهما محرميَّةٌ أو زوجيَّةٌ، وإلَّا فيجوز الجمع، صرَّح به ابن الصَّبَّاغ (٢) وغيره؛ كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميِّتين مطلقًا بترابٍ ندبًا، والقياس أنَّ الصَّغير الذي لم يبلغ حدَّ الشَّهوة كالمحرم بل أَولى، وأنَّ الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذَّكر مطلقًا، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا بأس أن يُدفَن الرَّجل والمرأة في القبر الواحد. (٧٤) (باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) ولو كان الشَّهيد جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء. ١٣٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، هو ابن سعدٍ الفهميُّ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ : ادْفِنُوهُمْ) بكسر الفاء، والهمزة همزة وصلٍ في «اليونينيَّة» (٤)، أي: المستشهدين (٥) (فِي دِمَائِهِمْ

стр. 3214

-يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ- وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) إبقاءً لأثر الشَّهادة عليهم، وقوله (١): «يُغَسِّلهم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستُدِلَ بعمومه على أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّل، حتَّى ولا الجنب والحائض؛ وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وفي حديث أحمد عن جابرٍ أيضًا: أنَّه ﷺ قال في قتلى أحدٍ: «لا تغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك، وفي حديث ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما»: أنَّ حنظلة بن الرَّاهب قُتِل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ ولم (٢) يغسِّله ﷺ وقال: «رأيت الملائكة تغسِّله» فلو كان واجبًا لم يسقط إلَّا بفعلنا، ولأنَّه طهر عن حدثٍ، فسقط بالشَّهادة كغسل الميِّت (٣)، فيحرم، قال الحسن البصريُّ وسعيد ابن المسيَّب فيما رواه ابن أبي شيبة: يُغسَّل الشَّهيد. (٧٥) (باب مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَُّحْدِ) وهو (٤) بفتح اللَّام وضمِّها، يقال: لحدتُ الميِّت وألحدتُ له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، قال المؤلِّف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ) شقٌّ يُعمَل (فِي نَاحِيَةٍ) من القبر مائلًا عن استوائه، قدر (٥) ما يوضع فيه الميِّت في (٦) جهة القبلة (وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) لأنَّه مال وعدل ومارى وجادل، وسقط «وكلُّ جائرٍ ملحدٍ» لأبي ذَرٍّ، وقال المؤلِّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ (﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة في «كتاب المجاز» أي: ملتجأ (٧) تعدل إليه إن هممت به (وَلَوْ كَانَ) القبر أو الشِّقُّ (مُسْتَقِيمًا) غير مائلٍ

стр. 3215

إلى ناحيةٍ (كَانَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «لكان» (ضَرِيحًا) بالضَّاد المعجمة لأنَّ الضَّريح شقٌّ في الأرض على الاستواء. ١٣٤٧ - ١٣٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (١) لَيْثُ) بلامٍ واحدٍ، ولأبي ذَرٍّ: «اللَّيث» (بْنُ سَعْدٍ) الإمامُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ) ممَّا يلي القبلة، وحُقَّ لقارئ القرآن الذي خالط لحمه ودمه وأخذ بمجامعه أن يُقدَّم على غيره في حياته في الإمامة، وفي مماته في القبر، وفيه: تقديم الأفضل، فيُقدَّم الرَّجل ولو أمِّيًّا (٢)، ثمَّ الصَّبيُّ، ثمَّ الخنثى، ثمَّ المرأة، فإن اتَّحد النَّوع قُدِّم بالأفضليَّة المعروفة في نظائره، كالأفقه، والأقرأ، إلَّا الأب فيُقدَّم على الابن وإن فَضَله الابن؛ لحرمة الأبُوَّة، وكذا الأمُّ مع البنت (وَقَالَ) ﵊: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) أي: حفيظٌ عليهم، أراقب أحوالهم، وأشفع (٣) لهم (وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ) ﵊ (عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ)

стр. 3216

بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، والحكمة في ذلك إبقاءُ أثر الشَّهادة عليهم، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه. (قَالَ) عبد الله (ابْنُ المُبَاركِ) ولأبي ذَرٍّ: «وأخبرنا ابن المبارك» وهو بالإسناد الأوَّل: محمَّد بن مقاتلٍ: أخبرنا عبد الله: أخبرنا الأوزاعيُّ، عن الزُّهريِّ (١) (وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهاب (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ) القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ) وهذا منقطعٌ؛ لأنَّ ابن شهابٍ لم يسمع من جابرٍ (وَقَالَ جَابِرٌ) المذكور: (فَكُفِّنَ أَبِي) عبد الله بن عمرو بن حَرامٍ (وَعَمِّي) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرامٍ، وسمَّاه عمًّا تعظيمًا له، وليس هو عمُّه، بل ابن عمِّه وزوج أخته هند بنت عمرٍو (فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ) بفتح النُّون وكسر الميم: بردةٌ من صوفٍ أو غيره مخطَّطةٌ، وذكر الواقديُّ وابن سعدٍ أنَّهما كُفِّنا في نَمِرتين، فإن صحَّ حُمِلَ على أنَّ النَّمرة الواحدة شُقَّت بينهما نصفين، وفي «طبقات ابن سعدٍ»: أنَّ ذلك كان بأمر رسول الله ﷺ ، ولفظه: قالوا: وكان عبد الله بن عمرو بن حرامٍ أوَّل قتيلٍ قُتِلَ من المسلمين يوم أحدٍ، قتله سفيان بن عبد شمس، وقال رسول الله ﷺ : «كفِّنوا (٢) عبد الله بن عمرٍو، وعمرو بن الجموح في نمرةٍ واحدةٍ (٣)» لِمَا كان بينهما من الصَّفاء (٤)، وقال: «ادفنوا هذين المتحابَّين في الدُّنيا في قبرٍ واحدٍ» (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ، مما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: (حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ) قال: (حَدَّثَني) بالإفراد فيهما (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁¬) هو المسمَّى في رواية اللَّيث، وهو عبد الرَّحمن بن كعبٍ بن مالكٍ، وبهذا التَّفسير يمكن نفي

стр. 3217

الاضطراب الَّذي أطلقه الدَّارقُطنيُّ في هذا الحديث عنه، وأمَّا رواية الأوزاعيِّ المرسلة، فتُصُرِّف فيها بحذف (١) الواسطة، وإنَّما أخرجها مع انقطاعها؛ لأنَّ الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك، عن اللَّيث والأوزاعيِّ جميعًا، عن الزُّهرِيِّ، فأسقط الأوزاعيُّ: عبد الرَّحمن بن كعبٍ، وأثبته اللَّيث، وهما في الزُّهريِّ سواء، وقد صرَّحا (٢) جميعًا بسماعهما له منه، فقبل زيادة اللَّيث لثقته، ثمَّ قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثيرٍ، عن الزُّهريِّ، عمَّن سمع جابرًا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزُّهريِّ و (٣) جابرٍ فيه في الجملة، وتأكيد رواية اللَّيث بذلك، وقد رُدَّ هذا بأنَّ الاختلاف على الثِّقات والإبهام ممَّا يورث الاضطراب، ولا يندفع ذلك بما ذُكِرَ (٤)، والله أعلم. (٧٦) (باب) استعمال (الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال المعجمة: نبتٌ طيِّب الرَّائحة (وَالحَشِيشِ) إلحاقًا له بالإذخر في الفُرَج التي تتخلَّل بين اللَّبِنَات (فِي القَبْرِ) واستعماله (٥) فيه بالبسط ونحوه، لا التَّطيُّب (٦).

стр. 3218

١٣٤٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والشِّين المعجمة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ، الطَّائفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) يوم فتح مكَّة: (حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ) أي: جعلها حرامًا يوم خلق السَّموات والأرض (فَلَمْ (١) تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (٢): «ولا تحلُّ لأحدٍ» (بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي) أي: أبيح لي القتال فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) وهي من ضحوة النَّهار إلى ما (٣) بعد العصر كما في «كتاب الأموال» لأبي عبيدٍ (٤)، وللحَمُّويي والمُستملي: «أُحلَّت له ساعةً من نهارٍ» (لَا يُخْتَلَى) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه المعجم وفتح لامه (خَلَاهَا) بالقصر وفتح الخاء المعجمة، لا يُجزُّ ولا يقطع كلؤها الرَّطب الَّذي نبت بنفسه (وَلَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يُكسَر (شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) أي: لا يُزعَج من مكانه (وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا) بفتح القاف وسكونها، أي: لا تُرفَع ساقطتها (إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) يعرِّفها، ولا يأخذها للتَّمليك بخلاف سائر البلدان (فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا) أي: ليكن هذا استثناءً (٥) من الكلأ يا رسول الله (فَقَالَ) ﷺ باجتهادٍ أو وَحْيٍ (٦) إليه في الحال (إِلَّا الإِذْخِرَ) وسقط «إلَّا» لابن عساكر، ويجوز أن يكون أُوحِيَ إليه قبل ذلك: أنَّه إِنْ طلب منك (٧) أحدٌ استثناءَ شيءٍ فاستثنِ، و «الإذخرُ» بالرَّفع على البدل، والنَّصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النَّفي، لكنَّ المختار -كما (٨) قاله ابن مالك- نصبُه، إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة، وإمَّا لكون الاستثناء عَرَضَ في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.

стр. 3219

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁¬) ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب العلم» [خ¦١١٢] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا) ولفظه: إنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليثٍ عام فتح مكَّة بقتيلٍ منهم قتلوه، فأُخبِرَ بذلك النَّبيُّ ﷺ ، فركب راحلته، فخطب فقال: «إنَّ الله حبس عن مكَّة القتل أو الفيل … » الحديث، وفيه: فقال رجلٌ من قريشٍ: إلَّا الإذخر يا رسول الله، فإنَّا نجعله في بيوتنا وقبورنا، أي: لحاجة سقف بيوتنا، نجعله فوق الخشب، ولحاجة قبورنا في سدِّ الفُرَج التي بين اللَّبنات والفرش ونحوه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إلَّا الإذخر (١)». (وقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ) هو ابن عميرٍ بن عبيدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن ماجه من طريقه (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) هو ابن يَنَّاق -بفتح التَّحتيَّة وتشديد النُّون آخره قافٌ- المكِّيِّ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة، العبدريَّة: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: يذكر البيوت والقبور، وقولها: «سمعْتُ» بسكون العين، ولأبي ذَرٍّ: «سَمِعَتِ النَّبيَّ ﷺ » بفتح العين وكسر التَّاء لالتقاء السَّاكنين، واختُلِفَ في صحبة صفيَّة هذه، وأبعد من قال: لا رؤيةَ لها، وقد صرَّح هنا بسماعها من النَّبيِّ ﷺ ، وقد أخرج ابن منده من طريق محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله (٢) بن أبي ثورٍ، عن صفيَّة بنت شيبة، قالت: والله لكأنِّي أنظر إلى رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة … الحديث. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ) ممَّا هو موصولٌ في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة، أي: فإنَّه لحاجة حدادهم (وَ) حاجة (بُيُوتِهِمْ) أورده لقوله: «لقينهم» بدل قوله: «لقبورهم»، ولعلَّه أشار إلى ترجيح الرِّواية الأولى؛ لموافقة رواية أبي هريرة وصفيَّة.

стр. 3220

(٧٧) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ) بعد دفنه (لِعِلَّةٍ؟) كأن دُفِنَ بلا غسلٍ، أو في كفنٍ مغصوبٍ، أو لحقه بعد الدَّفن سيلٌ (١). ١٣٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، هو (٢) ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة (بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ) أي: قبره، وكان رسول الله ﷺ قد عاده في مرضه، فقال له: يا رسول الله، إن متُّ فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الَّذي يلي جسدك، فكفِّني فيه، وصلِّ عليَّ واستغفر لي (فَأَمَرَ بِهِ) رسول الله ﷺ (فَأُخْرِجَ) من قبره (فَوَضَعَهُ) ﵊ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتَّثنية (وَنَفَثَ عَلَيْهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «ونفث فيه» (مِنْ رِيقِهِ) والنَّفث -بالمثلَّثة-: شبيه بالنَّفخ (٣)، وهو أقلُّ من التَّفل، قاله في «الصِّحاح» و «المحكم»، زاد ابن الأثير في «نهايته»: لأنَّ التَّفل لا يكون إلَّا ومعه شيءٌ من الرِّيق، وقيل: هما سواءٌ، أي: يكون معهما ريقٌ (وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللهُ أَعْلَمُ) وفي نسخةٍ: «والله أعلم» بالواو، جملةٌ معترضةٌ، أي: فالله أعلم بسبب إلباس رسول الله ﷺ إيَّاه قميصه؛ لأنَّ مثل هذا لا يُفعَل إلَّا مع مسلمٍ، وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنَّه ﵊ اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وأعرض عمَّا كان يتعاطاه ممَّا (٤) يقتضي خلاف ذلك، حتَّى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] كما سبق (وَكَانَ) عبد الله (كَسَا عَبَّاسًا) عمَّ النَّبيِّ ﷺ (قَمِيصًا)

стр. 3221

وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قميصه» لمَّا أُسِرَ في بدرٍ ولم يجدوا له قميصًا يصلح له؛ لأنَّه كان طويلًا، إلَّا قميص عبد الله (١) بن أُبَيٍّ. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) كذا في كثير من الرِّوايات و «مستخرج أبي نُعيمٍ»، وهو تصحيفٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ وغيرها: «وقال أبو هارون» وهو كذلك عند الحميديِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، وجزم المزِّيُّ بأنَّه: موسى بن أبي (٢) عيسى الحنَّاط -بمهملةٍ ونونٍ- المدنيُّ الغفاريُّ، واسم أبيه ميسرة، وقيل: هو الغنويُّ، واسمه: إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التَّابعين، فالحديث معضلٌ (وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ، ﷺ (ابْنُ عَبْدِ اللهِ (٣)) هو عبد الله أيضًا، سمَّاه به النَّبيُّ ﷺ ، وكان اسمه: الحباب: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلْبِسْ) بفتح الهمزة وكسر الموحَّدة (أَبِي) عبد الله بن أُبَيٍّ (قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة ممَّا وصله المؤلِّف في «كسوة الأسارى» من (٤) أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٠٨]: (فَيُرَوْنَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ) بن أُبَيٍّ (قَمِيصَهُ مُكَافَاةً (٥)) بغير همزةٍ في «اليونينيَّة» (٦) (لِمَا صَنَعَ) مع عمِّه العبَّاس، فجازاه من جنس فعله. ١٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح الفاء وتشديد الضَّاد

стр. 3222

المعجمة في الآخر، قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله (¬﵁¬) كذا (١) أخرجه المؤلِّف عن مسدَّدٍ، عن بشر بن المفضَّل، عن حسينٍ، إلَّا أبا عليِّ ابن السَّكَن وحده فإنَّه قال في روايته (٢): «عن (٣) شعبة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن جابرٍ»، وأخرجه أبو نُعيمٍ من طريق أبي الأشعث، عن بشر بن المفضَّل فقال: عن (٤) سعيد بن يزيد (٥)، عن أبي نضرة، عن جابرٍ، وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاريِّ، قال: وروايته عن حسينٍ عن عطاءٍ عزيزةٌ جدًّا، وأخرجه أبو داود وابن سعدٍ والحاكم والطَّبرانيُّ من طريقه، عن أبي نَضْرة، عن جابرٍ، وأبو نضرة هو المنذر بن مالكٍ العبديُّ، ولفظ رواية أبي داود: حدَّثنا سليمان بن حربٍ: حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن جابرٍ قال: دُفِنَ مع أبي رجلٌ، وكان في نفسي من ذلك حاجةٌ، فأخرجته بعد ستَّة (٦) أشهرٍ، فما أنكرت منه (٧) شيئًا إلَّا شعراتٍ كنَّ في لحيته ممَّا يلي الأرض (قَالَ) جابر: (لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ) أي: وقعته في سنة ثلاثٍ من الهجرة (دَعَانِي أَبِي) عبد الله (مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّني، أي: ما أظنُّ نفسي (إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «المستدرك» للحاكم، عن الواقديِّ: أنَّ سبب ظنِّه ذلك منامٌ رآه، وذلك أنَّه رأى مُبَشِّر بن عبد المنذر (٨)، وكان ممَّن استُشهِدَ ببدرٍ يقول له: أنت قادمٌ علينا في هذه الأيَّام، فقصَّها على النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «هذه شهادةٌ» (وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وإنَّ عليَّ» (دَيْنًا فَاقْضِ) بحذف ضمير المفعول وفي رواية الحاكم: «فاقضه» (وَاسْتَوْصِ) أي:

стр. 3223

اطلب الوصيَّة (١) (بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا) وكان له تسع أخواتٍ (فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ) أبي (أَوَّلَ قَتِيلٍ) قُتِلَ ودُفِنَ (٢) (وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ) هو عمرو بن الجموح بن زيدٍ الأنصاريُّ، وكان صديق عبد الله والد جابرٍ، ولأبي ذَرٍّ: «ودَفنْتُ» بفتح الدَّال، أي: دفنته ودفنت معه رجلًا آخرَ، بالنَّصب على المفعول (٣) (فِي قَبْرٍ) واحدٍ، ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «في قبره» (ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ) «أَنْ» مصدريَّةٌ، أي: لم تطب نفسي بتركه (مَعَ الآخَرِ) وهو عمرو بن الجموح -كما مرَّ- ولأبي الوقت: «مع آخر» بالتَّنكير (٤) (فَاسْتَخْرَجْتُهُ) من قبره (بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) من يوم دفنه (فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ) فيه (هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، قال في «القاموس»: مصغَّرة: هَنَة، أي: شيءٌ يسيرٌ، قال: ويُروَى بإبدال الياء هاءً (٥) (غَيْرَ أُذُنِهِ) قال في «المشارق»: كذا في رواية أبي ذرٍّ والجُرجَانيِّ والمِرْوَزيِّ: «هُنية غير أذنه» بالتَّقديم والتَّأخير -وهو تغييرٌ- وصوابه: ما جاء في رواية ابن السَّكن والنَّسفيِّ: «غير هُنيَّةٍ في أذنه» بتقديم «غير» وزيادة «في»، لكن حكى السَّفاقسيُّ: أنَّ بعضهم ضَبَطَه «هَيْئَتَهُ» بفتح الهاء وسكون التَّحتيَّة بعدها همزةٌ ثمَّ مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ منصوبةٌ ثمَّ هاءُ الضَّمير، أي: على حالته، قال: وبعضهم ضَبطَه بضمِّ الهاء ثمَّ الياء المشدَّدة تصغير «هنا» أي: قريبًا، قال في «المصابيح»: وهو وجهٌ يستقيم الكلام به، ولا تقديم ولا تأخير. انتهى. وقوله: هو مبتدأٌ، خبره «كيوم وضعته»، والكاف بمعنى: المِثْل، و «اليوم» بمعنى: الوقت، وانتصاب «هُنَيَّةً» على الحال، والمعنى: استخرجت أبي من قبره،

стр. 3224

فإذا هو مثل الوقت الَّذي وضعته فيه، لم يتغيَّر فيه شيءٌ (١) غير شيءٍ يسير ٍفي أذنه، أسرع إليه البلاء، فتغيَّر عن (٢) حاله، وقد أخرجه ابن السَّكن من طريق شعبة، عن أبي مسلمة (٣) بلفظ: غير أنَّ طرف أذن أحدهم تغيَّر، ولابن سعدٍ من طريق أبي هلالٍ عن أبي مسلمة: إلَّا قليلًا من شحمة أذنه، ولأبي داود من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن أبي مسلمة: إلَّا شعيراتٍ (٤) كنَّ في (٥) لحيته ممَّا يلي الأرض، ويُجمَع بين هذه الرِّواية وغيرها بأنَّ المراد: الشُّعيرات الَّتي تتَّصل بشحمة الأذن، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كيوم وضعته هنية عند أذنه» بلفظ: «عند» بالدَّال بدل «غير»، لكن يبقى في الكلام نقصٌ، ويبيِّنه (٦) ما في رواية (٧) ابن أبي خيثمة (٨) والطَّبرانيِّ من طريق غسَّان بن مُضر (٩) عن أبي مسلمة بلفظ: وهو كيوم دفنته إلَّا هُنَيَّةً عند أذنه، وعند أبي نُعيمٍ من طريق أبي (١٠) الأشعث: غير هنيَّةٍ عند أذنه، فجمع بين لفظ «غير» ولفظ: «عند» وفي «الكواكب» وفي بعضها: «هيئة» بالهمزة، أي: صورةٌ (١١). ١٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبعيُّ (عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم، آخره حاءٌ مهملةٌ، بينهما مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ

стр. 3225

ساكنةٌ، عبد الله، واسم «أبي نَجيح» يسارٌ؛ بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومهملةٍ مخفَّفةٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) كذا في رواية الأكثرين: «عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ» وحكى الجيانيُّ أنَّه وقع عند ابن السَّكن: «عن مجاهدٍ» بدل «عطاء»، قال: والَّذي رواه غيره أصحُّ، وكذا رواه النَّسائيُّ عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ﵁ (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي) عبد الله (رَجُلٌ) يُسمَّى: عمرو بن الجموح في قبرٍ واحدٍ (فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي) أن أتركه مع الآخر (حَتَّى أَخْرَجْتُهُ) من ذلك القبر (فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدَّال المهملة (١) المفتوحة؛ بوزن: عِدَة، أي: على حياله (٢) منفردًا. (٧٨) (باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ) الكائنين (فِي القَبْرِ). ١٣٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة؛ لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (٣)، قال (٤): (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) بالتَّعريف، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: «رجلين» (مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ) في ثوبٍ واحدٍ، أو يشقُّه بينهما (ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا (٥) لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ،
следующие страницы →