← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «قميصه» لمَّا أُسِرَ في بدرٍ ولم يجدوا له قميصًا يصلح له؛ لأنَّه كان طويلًا، إلَّا قميص عبد الله (١) بن أُبَيٍّ. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) كذا في كثير من الرِّوايات و «مستخرج أبي نُعيمٍ»، وهو تصحيفٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ وغيرها: «وقال أبو هارون» وهو كذلك عند الحميديِّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، وجزم المزِّيُّ بأنَّه: موسى بن أبي (٢) عيسى الحنَّاط -بمهملةٍ ونونٍ- المدنيُّ الغفاريُّ، واسم أبيه ميسرة، وقيل: هو الغنويُّ، واسمه: إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التَّابعين، فالحديث معضلٌ (وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ، ﷺ (ابْنُ عَبْدِ اللهِ (٣)) هو عبد الله أيضًا، سمَّاه به النَّبيُّ ﷺ ، وكان اسمه: الحباب: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلْبِسْ) بفتح الهمزة وكسر الموحَّدة (أَبِي) عبد الله بن أُبَيٍّ (قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة ممَّا وصله المؤلِّف في «كسوة الأسارى» من (٤) أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٠٨]: (فَيُرَوْنَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ) بن أُبَيٍّ (قَمِيصَهُ مُكَافَاةً (٥)) بغير همزةٍ في «اليونينيَّة» (٦) (لِمَا صَنَعَ) مع عمِّه العبَّاس، فجازاه من جنس فعله. ١٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح الفاء وتشديد الضَّاد

стр. 3222

المعجمة في الآخر، قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله (¬﵁¬) كذا (١) أخرجه المؤلِّف عن مسدَّدٍ، عن بشر بن المفضَّل، عن حسينٍ، إلَّا أبا عليِّ ابن السَّكَن وحده فإنَّه قال في روايته (٢): «عن (٣) شعبة، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن جابرٍ»، وأخرجه أبو نُعيمٍ من طريق أبي الأشعث، عن بشر بن المفضَّل فقال: عن (٤) سعيد بن يزيد (٥)، عن أبي نضرة، عن جابرٍ، وقال بعده: ليس أبو نضرة من شرط البخاريِّ، قال: وروايته عن حسينٍ عن عطاءٍ عزيزةٌ جدًّا، وأخرجه أبو داود وابن سعدٍ والحاكم والطَّبرانيُّ من طريقه، عن أبي نَضْرة، عن جابرٍ، وأبو نضرة هو المنذر بن مالكٍ العبديُّ، ولفظ رواية أبي داود: حدَّثنا سليمان بن حربٍ: حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن جابرٍ قال: دُفِنَ مع أبي رجلٌ، وكان في نفسي من ذلك حاجةٌ، فأخرجته بعد ستَّة (٦) أشهرٍ، فما أنكرت منه (٧) شيئًا إلَّا شعراتٍ كنَّ في لحيته ممَّا يلي الأرض (قَالَ) جابر: (لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ) أي: وقعته في سنة ثلاثٍ من الهجرة (دَعَانِي أَبِي) عبد الله (مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّني، أي: ما أظنُّ نفسي (إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «المستدرك» للحاكم، عن الواقديِّ: أنَّ سبب ظنِّه ذلك منامٌ رآه، وذلك أنَّه رأى مُبَشِّر بن عبد المنذر (٨)، وكان ممَّن استُشهِدَ ببدرٍ يقول له: أنت قادمٌ علينا في هذه الأيَّام، فقصَّها على النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «هذه شهادةٌ» (وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وإنَّ عليَّ» (دَيْنًا فَاقْضِ) بحذف ضمير المفعول وفي رواية الحاكم: «فاقضه» (وَاسْتَوْصِ) أي:

стр. 3223

اطلب الوصيَّة (١) (بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا) وكان له تسع أخواتٍ (فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ) أبي (أَوَّلَ قَتِيلٍ) قُتِلَ ودُفِنَ (٢) (وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ) هو عمرو بن الجموح بن زيدٍ الأنصاريُّ، وكان صديق عبد الله والد جابرٍ، ولأبي ذَرٍّ: «ودَفنْتُ» بفتح الدَّال، أي: دفنته ودفنت معه رجلًا آخرَ، بالنَّصب على المفعول (٣) (فِي قَبْرٍ) واحدٍ، ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «في قبره» (ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ) «أَنْ» مصدريَّةٌ، أي: لم تطب نفسي بتركه (مَعَ الآخَرِ) وهو عمرو بن الجموح -كما مرَّ- ولأبي الوقت: «مع آخر» بالتَّنكير (٤) (فَاسْتَخْرَجْتُهُ) من قبره (بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) من يوم دفنه (فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ) فيه (هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، قال في «القاموس»: مصغَّرة: هَنَة، أي: شيءٌ يسيرٌ، قال: ويُروَى بإبدال الياء هاءً (٥) (غَيْرَ أُذُنِهِ) قال في «المشارق»: كذا في رواية أبي ذرٍّ والجُرجَانيِّ والمِرْوَزيِّ: «هُنية غير أذنه» بالتَّقديم والتَّأخير -وهو تغييرٌ- وصوابه: ما جاء في رواية ابن السَّكن والنَّسفيِّ: «غير هُنيَّةٍ في أذنه» بتقديم «غير» وزيادة «في»، لكن حكى السَّفاقسيُّ: أنَّ بعضهم ضَبَطَه «هَيْئَتَهُ» بفتح الهاء وسكون التَّحتيَّة بعدها همزةٌ ثمَّ مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ منصوبةٌ ثمَّ هاءُ الضَّمير، أي: على حالته، قال: وبعضهم ضَبطَه بضمِّ الهاء ثمَّ الياء المشدَّدة تصغير «هنا» أي: قريبًا، قال في «المصابيح»: وهو وجهٌ يستقيم الكلام به، ولا تقديم ولا تأخير. انتهى. وقوله: هو مبتدأٌ، خبره «كيوم وضعته»، والكاف بمعنى: المِثْل، و «اليوم» بمعنى: الوقت، وانتصاب «هُنَيَّةً» على الحال، والمعنى: استخرجت أبي من قبره،

стр. 3224

فإذا هو مثل الوقت الَّذي وضعته فيه، لم يتغيَّر فيه شيءٌ (١) غير شيءٍ يسير ٍفي أذنه، أسرع إليه البلاء، فتغيَّر عن (٢) حاله، وقد أخرجه ابن السَّكن من طريق شعبة، عن أبي مسلمة (٣) بلفظ: غير أنَّ طرف أذن أحدهم تغيَّر، ولابن سعدٍ من طريق أبي هلالٍ عن أبي مسلمة: إلَّا قليلًا من شحمة أذنه، ولأبي داود من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن أبي مسلمة: إلَّا شعيراتٍ (٤) كنَّ في (٥) لحيته ممَّا يلي الأرض، ويُجمَع بين هذه الرِّواية وغيرها بأنَّ المراد: الشُّعيرات الَّتي تتَّصل بشحمة الأذن، ووقع في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كيوم وضعته هنية عند أذنه» بلفظ: «عند» بالدَّال بدل «غير»، لكن يبقى في الكلام نقصٌ، ويبيِّنه (٦) ما في رواية (٧) ابن أبي خيثمة (٨) والطَّبرانيِّ من طريق غسَّان بن مُضر (٩) عن أبي مسلمة بلفظ: وهو كيوم دفنته إلَّا هُنَيَّةً عند أذنه، وعند أبي نُعيمٍ من طريق أبي (١٠) الأشعث: غير هنيَّةٍ عند أذنه، فجمع بين لفظ «غير» ولفظ: «عند» وفي «الكواكب» وفي بعضها: «هيئة» بالهمزة، أي: صورةٌ (١١). ١٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ) الضُّبعيُّ (عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم، آخره حاءٌ مهملةٌ، بينهما مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ

стр. 3225

ساكنةٌ، عبد الله، واسم «أبي نَجيح» يسارٌ؛ بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومهملةٍ مخفَّفةٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) كذا في رواية الأكثرين: «عن ابن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ» وحكى الجيانيُّ أنَّه وقع عند ابن السَّكن: «عن مجاهدٍ» بدل «عطاء»، قال: والَّذي رواه غيره أصحُّ، وكذا رواه النَّسائيُّ عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ ﵁ (قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي) عبد الله (رَجُلٌ) يُسمَّى: عمرو بن الجموح في قبرٍ واحدٍ (فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي) أن أتركه مع الآخر (حَتَّى أَخْرَجْتُهُ) من ذلك القبر (فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدَّال المهملة (١) المفتوحة؛ بوزن: عِدَة، أي: على حياله (٢) منفردًا. (٧٨) (باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ) الكائنين (فِي القَبْرِ). ١٣٥٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحَّدة؛ لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (٣)، قال (٤): (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) بالتَّعريف، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: «رجلين» (مِنْ قَتْلَى) غزوة (أُحُدٍ) في ثوبٍ واحدٍ، أو يشقُّه بينهما (ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ) أي: أيُّ القتلى (أَكْثَرُ أَخْذًا (٥) لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ،

стр. 3226

فَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) بضمِّ أوَّله وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولم يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وتخفيف ثالثه، وليس في الحديث ذكر الشَّقِّ، فاستُشكلت المطابقة بينه وبين التَّرجمة، وأُجِيبَ بأنَّ قوله: «قدَّمه في اللَّحد» يدلُّ على الشَّقِّ؛ لأنَّ تقديم أحد الميتين يستلزم تأخير الآخر غالبًا في الشَّقِّ، لمشقَّة تسوية اللَّحد لمكان اثنين، وتقديمه اللَّحد على الشَّقِّ في التَّرجمة يفيد أفضليَّة اللَّحد؛ لكونه أستر للميِّت، ولقول سعد بن أبي وقَّاص في مرض موته: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبِن نصبًا، كما فُعِلَ برسول الله ﷺ ، رواه مسلمٌ، وقد روى السِّلفيُّ عن أُبيِّ بن كعبٍ مرفوعًا: «أُلحِدَ آدم وغُسِّل بالماء وترًا، وقالت الملائكة: هذه سنَّة ولده من بعده»، وروى أبو داود: «اللَّحد لنا والشَّقُّ لغيرنا»، قال التُّوربشتيُّ: أي: اللَّحد هو الذي نختاره، والشَّقُّ اختيار مَن كان قبلنا، وقال الزَّين العراقيُّ: المراد بغيرنا: أهل الكتاب، كما ورد مصرَّحًا به في بعض طرق حديث جريرٍ في «مسند الإمام أحمد»: «والشَّقُّ لأهل الكتاب»، لكنَّ الحديث ضعيفٌ، وليس فيه النَّهي عن الشَّقِّ، غايته تفضيل اللَّحد. نعم إذا كان المكان (١) رخوًا فالشِّقُّ أفضل خوف الانهيار، وقد أجمع العلماء -كما قاله في «شرح المهذَّب» - على جوازهما. (٧٩) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ) قبل البلوغ (هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) أم لا؟ (وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ؟).

стр. 3227

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَشُرَيْحٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة مصغَّرًا، ممَّا أخرجه البيهقيُّ عنهما (وَ) قال (إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَقَتَادَةُ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنهما: (إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الوالدين (فَالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ) منهما (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَعَ أُمِّهِ) لبابة بنت الحارث الهلاليَّة (مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) وهذا وصله المؤلِّف في الباب بلفظ: كنت أنا وأمِّي من المستضعفين [خ¦١٣٥٧] وهم الَّذين أسلموا بمكَّة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم مستضعفين، يلقون منهم الأذى الشَّديد (وَلَمْ يَكُنْ) أي: ابن عبَّاسٍ (مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ) المشركين، وهذا قاله المصنِّف تفقُّهًا؛ وهو مبنيٌّ على أنَّ إسلام العبَّاس كان بعد وقعة بدرٍ، والصَّحيح أنَّه أسلم عام الفتح، وقدم مع النَّبيِّ ﷺ فشهد الفتح (وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ مرفوعًا من حديث غير ابن عبَّاسٍ، فليس هو معطوفًا على ابن عبَّاسٍ، نعم ذكره ابن حزمٍ في «المحلى» (١) من طريق حمَّاد بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ قال: إذا أسلمت اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة تحت اليهوديِّ أو النصرانيِّ (٢) يُفرَّق بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعْلى عليه (٣).

стр. 3228

١٣٥٤ - ١٣٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، لقب عبد الله بن عثمان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) أباه (¬﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بن الخطَّاب (انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ) قال في «الصِّحاح»: رهط الرَّجل: قومه وقبيلته، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال، ولا يكون فيهم امرأةٌ (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: جهة (ابْنِ صَيَّادٍ) بفتح الصَّاد المهملة، وبعد المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة ألفٌ ثمَّ دالٌ مهملةٌ، واسمه صافي، كقَاضِي، وقيل: عبد الله، وكان من اليهود، وكانوا حلفاء بني النَّجَّار، وكان سبب انطلاق النَّبيِّ ﷺ إليه ما رواه أحمد من طريق جابرٍ قال: ولدت امرأةٌ من اليهود غلامًا ممسوحةٌ عينه (١)، والأخرى طالعةٌ ناتئةٌ، فأشفق النَّبيُّ ﷺ أن يكون هو الدَّجال (حَتَّى وَجَدُوهُ) أي: الرَّسول ومن معه من الرَّهط، والضَّمير المنصوب لابن صيَّادٍ، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وجده» بالإفراد، أي: وجد النَّبيُّ ﷺ ابنَ صيَّادٍ حال كونه (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) بضمِّ الهمزة والطَّاء: بناء من حجرٍ كالقصر، وقيل: هو الحصن، ويُجمَع على آطام، و «بني مَغَالة» بفتح الميم و (٢) الغين المعجمة الخفيفة: قبيلةٌ من الأنصار (وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الحُلُمَ) بضمِّ الحاء واللَّام، أي: البلوغ (فَلَمْ يَشْعُرْ) أي: ابن صيَّادٍ (حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟) بحذف همزة الاستفهام، وفيه عرض الإسلام على الصَّبيِّ الَّذي لم يبلغ، ومفهومه: أنَّه لو (٣) لم يصحَّ إسلامه لما عرضَ ﷺ الإسلام على ابن صيَّاد وهو غير بالغٍ،

стр. 3229

ففيه مطابقة الحديث لجزأي التَّرجمة كليهما، ولأبي ذَرٍّ: «لابن صايد» بتقديم الألف على التَّحتيَّة، وكلاهما كان يُدعى به (فَنَظَرَ إِلَيْهِ) ﷺ (ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) مشركي العرب، وكانوا لا يكتبون، أو نسبةً (١) إلى أمِّ القرى، وفيه إشعارٌ بأنَّ اليهود الَّذين كان منهم ابن صياد كانوا معترفين ببعثة رسول الله ﷺ (٢)، لكن يدَّعون أنَّها مخصوصةٌ بالعرب، وفساد حجَّتهم واضحٌ؛ لأنَّهم إذا أقرُّوا برسالته استحال كذبه، فوجب تصديقه في دعواه الرِّسالة إلى كافَّة النَّاس (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَتَشْهَدُ) بإثبات همزة الاستفهام (أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَفَضَهُ) النَّبيُّ ﷺ ، بالضَّاد المعجمة، أي: ترك سؤاله أن يسلم ليأسه منه، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «فرفصه» بالصَّاد المهملة، وقال المازريُّ: لعلَّه «رفسه»، بالسِّين المهملة، أي: ضربه برجله، لكن قال القاضي عياضٌ: لم أجد هذه اللَّفظة بالصَّاد في جماهير اللُّغة، وقال الخطَّابيُّ: فرصَّهُ، بحذف الفاء بعد الرَّاء وتشديد الصَّاد المهملة، أي: ضغطه (٣) حتَّى ضمَّ بعضه إلى بعضٍ، ومنه: ﴿بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] وللأَصيليِّ ممَّا (٤) في «الفتح»: «فرقصه» بالقاف بدل الفاء، ولعُبدُوس «فوقصه» بالواو والقاف (وَقَالَ) ﵊: (آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: مناسبة هذا الجواب لقول ابن صيَّادٍ: «أتشهد (٥) أنِّي رسول الله؟» أنَّه لمَّا أراد أن يظهر للقوم كذبه في دعواه الرِّسالة،؛ أخرج الكلام مخرج الإنصاف، أي: آمنت برسل الله، فإن كنت رسولًا صادقًا غير ملبَّسٍ عليك الأمر؛ آمنت بك، وإن كنت كاذبًا، وخُلِّط عليك الأمر فلا، لكنَّك خُلِّط عليك الأمر فاخسأ، ثمَّ شرع يسأله عما يرى (فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تَرَى؟) وأراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعواه الرِّسالة (قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ) أي: أرى الرُّؤيا

стр. 3230

ربَّما تصدق، وربَّما تكذب، قال القرطبيُّ: كان ابن صيَّادٍ على طريق الكهنة، يخبر بالخبر، فيصحُّ تارةً، ويفسد أخرى، وفي حديث جابرٍ عند التِّرمذيِّ فقال: أرى حقًّا وباطلًا، وأرى عرشًا على الماء (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ : خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد اللَّام المكسورة، ورُوِيَ: تخفيفها كما في الفرع وأصله (١) أي: خلَّط عليك شيطانك ما يلقي إليك (ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ (٢)) أي: أضمرت (لَكَ) في صدري (خَبِيئًا) بفتح الخاء المعجمة وكسر الموحَّدة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ همزةٍ، بوزن: فعيل، ولأبي ذَرٍّ: «خَبْئًا» بفتح الخاء وسكون الموحَّدة وإسقاط التَّحتيَّة، أي: شيئًا، وفي حديث زيد بن حارثة عند البزَّار والطَّبرانيِّ في «الأوسط»: كان رسول الله ﷺ خَبَأ له سورة الدُّخان، وكأنَّه أطلق السُّورة وأراد بعضها، فعند أحمد في حديث الباب: وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ) بضمِّ الدَّال المهملة ثمَّ خاءٍ معجمةٍ، وفي حديث أبي ذرٍّ عند البزَّار وأحمد: فأراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع، فقال (٣) الدُّخُّ. انتهى. أي: لم يستطع أن يتمَّ الكلمة، ولم يهتدِ من (٤) الآية الكريمة إلَّا لهذين الجزأين (٥) على عادة الكهَّان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجنِّ، أو من هواجس النَّفس (فَقَالَ) له ﵊: (اخْسَأْ) بهمزة وصلٍ، آخره همزةٌ ساكنةٌ: لفظٌ يُزجَر به الكلب، ويُطرَد (٦)، أي: اسكت صاغرًا مطرودًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بنصب «تعدو» بـ «لن»، وفي بعض النُّسخ ممَّا حكاه السَّفاقسيُّ: «لن تعد» بغير واوٍ، فقيل: حُذِفت تخفيفًا، أو أنَّ «لن» بمعنى: «لا»، أو على لغةِ مَن يجزم بـ «لن»، وهي لغةٌ حكاها الكسائيُّ، و «تعدو» بالمثنَّاة الفوقيَّة، فـ «قدْرَكَ» نصبٌ، أو

стр. 3231

بالتَّحتيَّة فرفعٌ، أي: لا يبلغ قدرُك أن تطالع بالغيب من قِبَل الوحي المخصوص بالأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، ولا من قِبَل (١) الإلهام الَّذي يدركه الصَّالحون، وإنَّما قال ابن صيَّادٍ ذلك؛ من شيءٍ ألقاه إليه (٢) الشَّيطان، إمَّا لكون النَّبيِّ ﷺ تكلَّم بذلك بينه وبين نفسه، فسمعه الشَّيطان، أو حدَّث (٣) ﷺ بعض أصحابه بما أضمره (٤)، ويدلُّ لذلك قول (٥) عمر ﵁: وخبأ له رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (¬﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) بجزم «أضرب» -كما في الفرع- جوابُ الطَّلب، ويجوز الرَّفع (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ يَكُنْهُ) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَكُنْه» بوصل الضَّمير؛ وهو خبر «كان» وُضِعَ موضع المنفصل، واسمها مستترٌ فيه، وللباقين: «إن يكن هو» بانفصاله؛ وهو الصَّحيح؛ لأنَّ المختار في خبر كان الانفصال، تقول (٦): كان إيَّاه، وهذا (٧) هو الَّذي اختاره ابن مالكٍ في «التَّسهيل، وشرحه» تبعًا لسيبويه، واختار في «ألفيَّته» الاتِّصال، وعلى رواية الفصل فلفظ: «هو»، توكيدٌ (٨) للضَّمير المستتر، و «كان» تامَّة أو وُضِعَ «هو» موضع «إيَّاه» أي: إن يكن إيَّاه، وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة: «إن يكن هو الدَّجال» (فَلَنْ تُسَلَّطَْ عَلَيْهِ) بالجزم في الفرع على لغة مَن يجزم بـ «لن» كما مرَّ، وفي غيره بالنَّصب على الأصل، وفي حديث جابرٍ: «فلست بصاحبه، إنَّما صاحبه عيسى ابن مريم» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) فإن قلت: لِمَ لَمْ يأذن ﵊ في قتله مع ادِّعائه النُّبوَّة بحضرته؟ أجيب بأنَّه كان غير بالغٍ، أو من جملة أهل العهد، أو أنَّه لم يصرح بدعوى النُّبوَّة، وإنَّما أوهم أنه يدعي الرِّسالة،

стр. 3232

ولا يلزم من دعواها (١) دعوى النُّبوَّة، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الاية [مريم: ٨٣] وقد اختُلِفَ في أنَّ (٢) المسيح الدَّجال هو ابن صيَّادٍ أو غيره، ويأتي البحث في ذلك -إن شاء الله تعالى- في محلِّه [خ¦٧٣٥٥] والنَّافي لكونه هو يحتجُّ بأنَّ (٣) ابن صيَّادٍ أسلم، ووُلِدَ له، ودخل مكَّة والمدينة، ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا عن وجهه حتَّى رآه النَّاس، والله أعلم. ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ (٤)، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والإخبار والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦٦١٧٣] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٦٦١٨]، ومسلم في «الفتن». (وَقَالَ سَالِمٌ) أي: ابن عبد الله (٥) بن عمر بالإسناد الأوَّل: (سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ): ثمَّ (انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: بعد انطلاقه هو وعمر في رهطٍ (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) معه (إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه ﵊ (يَخْتِلُ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقيَّة، أي: يستغفل (أَنْ يَسْمَعَ (٦) مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا) من كلامه الَّذي يقوله (٧) في خلوته ليعلم هو وأصحابه أهو كاهنٌ أو ساحرٌ؟ (قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) الواو للحال (يَعْنِي: فِي قَطِيفَةٍ) كساءٌ له خملٌ، وسقط «يعني: في قطيفةٍ» لأبي ذَرٍّ (لَهُ) أي: لابن صيَّادٍ (فِيهَا) أي: في (٨) القطيفة (رَمْزَةٌ) براءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ (أَوْ زَمْرَةٌ) بالزَّاي المعجمة ثمَّ الرَّاء المهملة بعد الميم، على الشَّكِّ في تقديم أحدهما على الآخر، ولبعضهم: «رمرمةٌ أو زمزمةٌ» على الشَّكِّ هل هو براءين مهملتين، أو بزاءين معجمتين؟ مع زيادة ميمٍ فيهما، ومعناها كلُّها متقاربٌ، فالأولى مِن الرَّمز، وهو الإشارة،

стр. 3233

والثَّانية مِن: المزمار، والَّتي بالمهملتين والمعجمتين (١)، فأصله مِن الحركة، وهي هنا بمعنى الصَّوت الخفيِّ، وكذا الَّتي بالمعجمتين، وفي «القاموس»: أنَّه تراطنُ العلوج على أكلهم وهم صموتٌ (٢)، لا يستعملون لسانًا ولا شفةً، لكنَّه صوتٌ تديره في خياشيمها وحلوقها، فيفهم بعضها عن بعض (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (يَتَّقِي) أي: يخفي نفسه (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) بضمِّ الجيم والذَّال المعجمة، حتَّى لا تراه أمُّ ابن صيَّاد (فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ) أمُّه: (يَا صَافِ) بصادٍ مهملةٍ وفاءٍ مكسورةٍ (وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ) بالثَّاء المثلَّثة والرَّاء آخره، أي: نهض من مضجعه بسرعةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فثاب» بالموحَّدة بدل الرَّاء، أي: رجع عن الحالة الَّتي كان فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ) أمُّه ولم تُعلِمْه بمجيئنا (بَيَّنَ) أي: أظهر لنا من حاله ما نطَّلع به على حقيقة أمره. (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٧٤] (فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَضَهُ (٣)) بفاء بعد الرَّاء فضادٍ معجمة (٤)، كذا (٥) في الفرع لكنَّه ضرب عليها بالحمرة (٦)، وفي نسخةٍ لأبي ذرٍّ (٧): «فرضّه (٨)» (٩) بحذف الفاء وتشديد الضَّاد المعجمة (١٠)، أي: ضغطه وضمَّ بعضه إلى بعضٍ، وقال شعيبٌ في حديثه أيضًا: (رَمْرَمَةٌ) براءَين مهملَتين وميمَين (أَوْ زَمْزَمَةٌ) بمعجمتَين على الشَّكِّ (١١)، ولأبي ذَرٍّ في الأولى: «زمزمةٌ» بمعجمَتين، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله «في حديثه: فرفضه» وثبت لغيره (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف؛ ابن خالدٍ الأيليُّ

стр. 3234

ممَّا وصله المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠٣٣]: (رَمْرَمَةٌ) براءَين مهملَتين وميمَين، ولأبي ذَرٍّ: «رمزةٌ» بمهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، وفي نسخةٍ: «وقال إسحاق الكلبيُّ» ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»: «وعقيل» (١) المذكور: «رمرمة» بمهملتين، وسقطت رواية إسحاق عند المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ [خ¦٣٠٥٦]: (رَمْزَةٌ) براءٍ مهملةٍ فميمٍ ساكنةٍ فزايٍ معجمةٍ، ولأبي ذَرٍّ: «زمرةٌ» بتقديم المعجمة على المهملة. ١٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ) بالواو (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَاني (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ) قيل اسمه: عبد القدُّوس فيما ذكره ابن بشكوال عن حكاية صاحب «العتبيَّة» (يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونه (يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ) ﵊: (أَسْلِمْ) فعل أمرٍ من الإسلام (فَنَظَرَ) الغلام (إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ) وفي رواية أبي داود: عند رأسه (فَقَالَ لَهُ) أبوه وسقط لأبي ذَرٍّ لفظة (٢) «له»: (أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ) الغلام، وللنَّسائيِّ عن إسحاق بن رَاهُوْيَه، عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من عنده (وَهْوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ) بالذَّال المعجمة، أي: خلَّصه ونجَّاه بي (٣) (مِنَ النَّارِ) ولله دَرُّ القائل: ومريضٍ أنتَ عائدُه … قد أتاه الله بالفرجِ

стр. 3235

وفيه دليلٌ على أنَّ الصَّبيَّ إذا عقل الكفر ومات عليه أنَّه (١) يُعذَّب، وفيه ما ترجم له، وهو عَرْض الإسلام على الصَّغير، ولولا صحَّته منه ما عرضه (٢) عليه. ١٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، اللَّيثي المكِّيُّ، ولأبي ذَرٍّ: «عبيد الله بن أبي يزيد» من الزِّيادة (٣) قال (٤): (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي) لبابة، أمُّ الفضل (مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) من (٥) المسلمين الَّذين بقوا بمكَّة لصدِّ المشركين، أو ضعفهم (٦) عن الهجرة، مستذَلِّين ممتحَنين (٧)، يلقون من الكفَّار شديد الأذى (أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ) الصِّبيان (وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ). ١٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (٨): (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى) بضمِّ

стр. 3236

الميم وفتح التَّاء والواو والفاء المشدَّدة، صفةٌ لـ «مولود» (وَإِنْ كَانَ) أي: المولود (لِغَيَّةٍ) بكسر اللَّام وفتح الغين المعجمة، وقد تكسر، وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: لأجل غية، مفرد الغيِّ ضدُّ الرُّشد، وهو أعمُّ من الكفر وغيره، يقال لولد الزِّنا: ولد الغيَّة، يعني: وإن كان الولد لكافرةٍ أو زانيةٍ (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ) أي: ملَّته (يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ) جملةٌ حاليَّةٌ (أَوْ أَبُوهُ) يدَّعي الإسلام (خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ) دين (الإِسْلَامِ) لأنَّه محكومٌ بإسلامه تبعًا لأبيه، وهذا مصيرٌ من الزُّهريِّ إلى تسمية الزَّاني أبًا لمن زنى (١) بأمِّه، وأنَّه يتبعه في الإسلام، وهو قول مالكٍ (إِذَا اسْتَهَلَّ) أي: صاح عند الولادة (صَارِخًا) حالٌ مؤكَّدةٌ من فاعل «استهلَّ»، والمراد: العلم بحياته بصياحٍ أو غيره، كاختلاجٍ بعد انفصاله (صُلِّيَ عَلَيْهِ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام؛ لظهور أمارة الحياة فيه، والَّذي في «اليونينيَّة»: «إذا استهلَّ صُلِّي عليه صارخًا» (٢) (وَلَا يُصَلَّى) بفتح اللَّام (عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ) أو: لم يتحرَّك (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ) بكسر السِّين وضمِّها وتُفتَح (٣)، أي: جنينٌ سقط قبل تمامه. نعم إن بلغ مئةً وعشرين يومًا فأكثر حدَّ نفخ الرُّوح فيه؛ وجب غسله وتكفينه ودفنه، ولا تجب الصَّلاة عليه، بل لا تجوز لعدم ظهور حياته، وإن سقط لدون أربعة أشهرٍ؛ وُوْرِيَ بخرقةٍ ودُفِنَ فقط ندبا (٤) (فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁¬) الفاء للتَّعليل (كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ) من بني آدم (إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، و «مِن» زائدةٌ، و «مولودٌ» مبتدأٌ، و «يولَدُ» خبره، أي: ما (٥) مولودٍ يوجد على أمرٍ من

стр. 3237

الأمور إلَّا على الفطرة (فَأَبَوَاهُ) الضَّمير للمولود، والفاء إمَّا للتَّعقيب، أو للسَّببيَّة، أو (١) جزاء شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا تقرَّر ذلك، فمَن تغيَّر كان سبب تغيُّره أنَّ أبويه (يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) إمَّا (٢) بتعليمهما إيَّاه، وترغيبهما فيه، أو كونه تبعًا لهما في الدِّين يكون حكمه حكمهما في الدُّنيا، فإن سبقت له السَّعادة أسلمَ، وإلا مات كافرًا، فإن مات قبل بلوغه الحلم فالصَّحيح أنَّه من أهل الجنَّة، وقيل: لا عبرة بالإيمان الفطريِّ في الدُّنيا، بل الإيمان الشَّرعيُّ المكتسب بالإرادة والعقل (٣)، وطفل اليهوديَّين مع وجود الإيمان الفطريِّ محكومٌ بكفره في الدُّنيا تبعًا لأبويه (كَمَا تُنْتَجُ) (٤) بمثنَّاتَين فوقيَّتين، أولاهما مضمومةٌ والأخرى مفتوحةٌ، بينهما نونٌ ساكنةٌ ثمَّ جيمٌ، مبنيًّا للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً) نصبٌ على المفعوليَّة (جَمْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا، نعتٌ لـ «بهيمة»: لم يذهب من بدنها شيءٌ، سمِّيت بذلك لاجتماع أعضائها (هَلْ تُحِسُّونَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، أي: هل تبصرون (فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)؟ بجيمٍ مفتوحةٍ ودالٍ مهملةٍ ساكنةٍ ممدودًا، أي: مقطوعة الأذن أو الأنف أو الأطراف، والجملة صفةٌ أو حالٌ، أي: بهيمةً مقولًا (٥) فيها هذا القول، أي: كلُّ من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها، و «كما» في قوله: «كما (٦) تُنتَج» في موضع نصبٍ على الحال من الضَّمير المنصوب في «يهوِّدانه» أي: يهوِّدان المولود بعد أن خُلِقَ على الفطرة، حال كونه شبيهًا بالبهيمة الَّتي جُدِعت (٧) بعد أن خلقت سليمةً، أو هو (٨) صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: يغيِّرانه مثل تغييرهم البهيمة السَّليمة، والأفعال الثَّلاثة تنازعت في «كما» على التَّقديرين (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁¬) ممَّا أدرجه في الحديث كما بيَّنه مسلمٌ في روايته (٩) حيث قال: ثمَّ يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم (﴿فِطْرَةَ اللهِ﴾) أي: خلقته، نُصِبَ

стр. 3238

على الإغراء، أو المصدر؛ لِمَا دلَّ عليه ما بعدها (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية (١) [الروم: ٣٠]) أي: خلقهم عليها، وهي قبول الحقِّ وتمكُّنهم (٢) من إدراكه، أو ملَّة (٣) الإسلام فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلِقوا عليه أدامهم (٤) عليه (٥)؛ لأنَّ حُسْن هذا الدِّين ثابتٌ في النُّفوس، وإنَّما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشريَّة كالتقليد، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذرِّيَّته يوم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد جزم المصنِّف في «تفسير سورة الرُّوم» [خ¦٦٥ - ٦٩٨٢] بأنَّ الفطرة: الإسلام، قال ابن عبد البرِّ: وهو المعروف عند عامَّة السَّلف، وهذا الحديث منقطعٌ؛ لأنَّ ابن شهابٍ لم يسمع من أبي هريرة، بل لم يدركه، ولم يذكره المصنِّف (٦) للاحتجاج، بل لاستنباطه منه ما سبق (٧) من الحكم، وقد ساقه المؤلِّف من طريقٍ أخرى عنه، عن أبي سلمة، فقال بالسَّند السَّابق: ١٣٥٩ - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو (٨) عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) ظاهره تعميم الوصف المذكور في جميع المولودين، لكن حكى ابن عبد البرِّ عن قومٍ: أنَّه لا يقتضي العموم، واحتجُّوا بحديث أُبيِّ بن كعبٍ قال النَّبيُّ ﷺ : «الغلام الَّذي

стр. 3239

قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا»، وبما رواه سعيد بن منصورٍ عن أبي سعيدٍ (١) يرفعه: «إنَّ بني آدم خُلِقوا طبقاٍت، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا» قالوا (٢): ففي هذا وفي (٣) غلام الخضر ما يدلُّ على أنَّ الحديث ليس على عمومه. وأُجِيبَ بأنَّ حديث سعيد بن منصورٍ فيه: ابن جدعان، وهو ضعيفٌ، ويكفي في الرَّدِّ عليهم حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرة عند مسلمٍ: «ليس مولودٌ يولد إلَّا على الفطرة، حتَّى يعبِّر عنه لسانه»، وأَصْرَح منه رواية جعفر بن ربيعة بلفظ: «كلُّ بني آدم يولد على الفطرة» (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «أو ينصِّرانه» (أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: تلد (البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ) بالمدِّ، نعتٌ، أي: تامَّة الأعضاء، وثبت: «جمعاء» لأبي ذَرٍّ (٤) (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) بالدَّال المهملة والمدِّ، مقطوعة الأذن والأنف (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ (٥) عَنْهُ) زاد مسلمٌ: اقرؤوا إن شئتم: (﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾) قال صاحب «الكشَّاف»: أي: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرَة الله، أي: خلقهم (٦) قابلين للتَّوحيد ودين الإسلام؛ لكونه على مقتضى العقل والنَّظر الصَّحيح، حتَّى إنَّهم (٧) لو تُرِكُوا وطباعهم؛ لَمَا اختاروا عليه دينًا آخر. انتهى. قال البرماويُّ: ولا يخفى ما فيه من نزعةٍ (٨) اعتزاليَّةٍ، وقال أبو حيَّان في «البحر»: قوله: «أو عليكم فطرة الله (٩)» لا يجوز؛ لأنَّ فيه حذف كلمة الإغراء، ولا يجوز حذفها؛ لأنَّه قد حذف الفعل،

стр. 3240

وعوَّض «عليك» منه، فلو جاز حذفه؛ لكان إجحافًا؛ إذ فيه حذف العوض والمعوَّض منه (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾) استُشكل هذا مع كون الأبوين يهوِّدانه (١)، وأُجِيبَ بأنَّه مؤوَّلٌ، فالمراد: ما ينبغي أن تُبدَّل تلك الفطرة، أو من شأنها ألَّا تُبدَّل، أو الخبر بمعنى: النَّهي (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الدِّين المأمور بإقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٣٠] أو الفطرة إن فُسِّرت بالملَّة (﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]): المستوي الَّذي لا عِوَج فيه. (٨٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ) قبل المعاينة: (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) ينفعه ذلك. ١٣٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه، أو ابن منصورٍ قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابن كيسان الغفاريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وفتح المهملة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، تابعيٌّ اتَّفقوا على أنَّ مرسلاته أصحُّ المراسيل (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزْنٍ -بفتح المهملة وسكون الزَّاي بعدها نونٌ- وهو وأبوه صحابيَّان، هاجرا إلى المدينة (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ) أي: علاماتها قبل النَّزع، وإلَّا لَمَا كان ينفعه الإيمان لو آمن؛ ولهذا كان ما وقع بينهم وبينه من

стр. 3241

المراجعة، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون انتهى إلى النَّزع، لكن رجاء النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا أقر بالتَّوحيد ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك ينفعه بخصوصه، ويؤيِّد الخصوصيَّة أنَّه بعد أن امتنع شفع له حتَّى خُفِّف عنه العذاب بالنِّسبه لغيره (جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ) مات على كفره (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ) بضمِّ الهمزة (ابْنِ المُغِيرَةِ) أخا (١) أمِّ سلمة، وكان شديد العداوة للنَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ أسلم عام الفتح، ويحتمل أن يكون المسيَّب حضر هذه القصَّة حال كفره، ولا يلزم من تأخُّر إسلامه ألَّا يكون شهد ذلك؛ كما شهدها عبد الله بن أبي أميَّة (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أَيْ عمِّ» منادى مضافٌ، ويجوز إثبات الياء وحذفها (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةً) نُصِبَ على البدل أو الاختصاص (أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ) «أشهدُ» مرفوعٌ، والجملة في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «كلمةً» (فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، أي: أتعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ) بفتح أوَّله وكسر الرَّاء (وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ) أي: أترغب عن ملَّة عبد المطَّلب (حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ) بنصب «آخرَ» على الظرفيَّة، أي: آخر أزمنة تكليمه إيَّاهم: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) أراد بقوله: «هو» نفسه أو قال: أنا، فغيَّره الرَّاوي أنفةً أن يحكي كلام أبي طالبٍ استقباحًا للَّفظ المذكور، وهو من التَّصرُّفات الحسنة (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا) بالألف بعد الميم المخفَّفة، حرف تنبيهٍ أو بمعنى: حقًّا، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أم» (وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه (مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما لم أُنْهَ عنه» أي: عن الاستغفار الدَّالِّ عليه قوله: لأستغفرنَّ لك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ) أي: في أبي طالبٍ: (﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الاية [التوبة: ١١٣]) خبرٌ بمعنى النَّهي، ولأبي ذَرٍّ: «فأنزل الله تعالى فيه الآية» فحُذِف لفظ: «﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾».

стр. 3242

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وهو شيخ المؤلِّف، ومدنيٍّ وهو (١) بقيَّتهم، وفيه رواية الابن عن الأب، والتَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢]. (٨١) (باب) وضع (الجَرِيد عَلَى القَبْرِ) ولأبي ذَرٍّ: «الجريدة» بالإفراد، قال في «القاموس»: و «الجريدة»: سعفةٌ طويلةٌ رطبةٌ، أو يابسةٌ، أو الَّتي تُقشَّر من خُوصها، وقال (٢) في «الصِّحاح»: و «الجريد»: الَّذي يُجرَّد عنه الخُوص، ولا يُسمَّى جريدًا ما دام عليه الخُوص، وإنَّما يُسمَّى (٣): سعفًا، الواحدةُ جريدةٌ. (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن الحُصَيب -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين- ممَّا (٤) وصله ابن سعدٍ من طريق مورِّقٍ العجليِّ: (أَنْ يُجْعَلَ فِي) وللمُستملي: «على» (قَبْرِهِ جَرِيدَانِ) بغير مثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الدَّال، ولأبي ذَرٍّ: «جريدتان» فعلى رواية: «في» يحتمل أن يكون بُريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره؛ لِمَا في النَّخلة من البركة؛ لقوله: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وعلى رواية: «على» أن يكون على ظاهره اقتداءً بفعل النَّبيِّ ﷺ في وضع (٥) الجريدتين على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر،

стр. 3243

وصنيع المؤلِّف في إيراده حديث القبرين آخر الباب [خ¦١٣٦١] يدلُّ عليه، وكأنَّ «بريدة» حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًّا بذينك الرَّجلين، لكنَّ الظَّاهر من تصرُّف المؤلِّف أنَّ ذلك خاصُّ المنفعة بما فعله الرَّسول ﵊ ببركته الخاصَّة به، وأنَّ الَّذي ينفع (١) أصحاب القبور (٢) إنَّما هو الأعمال الصَّالحة؛ فلذلك عقَّبه بقوله: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين (¬﵄، فُسْطَاطًا) بتثليث الفاء وسكون السِّين المهملة وبطاءَين مهملتَين، وبإبدال الطَّاءين بمثنَّاتين فوقيَّتيَن، وبإبدال أولاهما فقط، وبإبدالها (٣) وإدغامها في السِّين، فهي اثنا عشر: فَسْطَاطًا فُسْطَاطًا فِسْطَاطًا، فَسْتَاتًا فُسْتَاتًا فِسْتَاتًا، فَسْتَاطًا فُسْتَاطًا فِسْتَاطًا، فَسَّاطًا فُسَّاطًا فِسَّاطًا، والذي ذكره صاحب «القاموس»: الفُِسطاط، والفُِستاط، والفُِستات، والفُِسَّاط، بالطَّاءين، وبإبدال الأولى (٤)، وبإبدالهما معًا، وبتشديد السِّين وضمِّ الفاء وكسرها فيهنَّ؛ هو الخباء من شَعرٍ، وقد يكون من غيره (عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، كما بيَّنه ابن سعدٍ في روايته له موصولًا من طريق أيُّوب بن عبد الله بن يسارٍ قال: مرَّ عبد الله بن عمر على قبر عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ أخي عائشة ﵄ وعليه فسطاطٌ مضروبٌ (فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ) لا غيره. (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) الأنصاريُّ، أحد الفقهاء السَّبعة: (رَأَيْتُنِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، والفاعل والمفعول ضميران لشيءٍ واحدٍ، وهو من خصائص أفعال القلوب، والتَّقدير: رأيت نفسي (وَنَحْنُ شُبَّانٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة وتشديد الموحَّدة؛ جمع: شابٍّ، والواو للحال (فِي زَمَنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان في مدَّة خلافته (¬﵁، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً) بالمثلَّثة، أي: طفرةً، مصدرٌ مِن: وَثب يثِب وثْبًا ووثبةً (الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بظاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) من ارتفاعه، قيل: ومناسبة ذلك للتَّرجمة من حيث إنَّ وضع الجريدة (٥) على

стр. 3244

القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض، فالذي ينفع الميِّت عملُه الصَّالح، وعلُّو البناء على القبر لا يضرُّ بصورته. (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة، الأنصاريُّ المدنيُّ ثمَّ الكوفيُّ: (أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ) بن زيدٍ، ذكر مسدَّدٌ في «مسنده الكبير» سبب ذلك ممَّا وصله فيه عنه من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «لَأَن أجلس على جمرةٍ فتحرقَ ما دون لحمي حتَّى تُفضيَ إليَّ، أحبُّ إليَّ من أن أجلس على قبرٍ»، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيدٍ في المقابر، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي (فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) بالمثلَّثة أوَّله، و «يزيد» مِن الزِّيادة أنَّه (١) (قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) أي: الجلوس على القبر (لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ) ما (٢) لا يليق من الفحش قولًا أو فعلًا لتَّأذي الميِّت بذلك، أو المراد (٣): تغوَّط أو بالَ. (وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ) أي: يقعد عليها، ويؤيِّده حديث عمرو بن حزمٍ الأنصاريِّ عند أحمد: «لا تقعدوا على القبور»، فالمراد بالجلوس: القعود حقيقةً؛ كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة وأصحابه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا عند الطَّحاويِّ: «مَن جلس على قبرٍ يبول أو يتغوَّط، فكأنَّما جلس على جمرٍ» ضعيفٌ، نعم حديث زيد بن ثابتٍ عند الطَّحاويِّ أيضًا: إنَّما نهى النَّبيُّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدثِ غائطٍ أو بولٍ، رجال إسناده ثقاتٌ، فإن قيل: ما وجه المناسبة بين التَّرجمة (٤) وأثر ابن عمر هذا وعثمان بن حكيم الذي قبله؟ أُجِيبَ بأنَّ عموم قول ابن عمر: إنَّما يظلُّه عمله، يدخل فيه أنَّه كما لا ينتفع بتظليله -وإن كان تعظيمًا له- لا يتضرَّر بالجلوس عليه وإن كان تحقيرًا، وقال ابن

стр. 3245

رُشَيدٍ: كأنَّ بعض الرُّواة كتبهما في غير موضعهما، فإنَّ الظَّاهر أنَّهما من الباب التَّالي لهذا، وهو باب: «موعظة المحدِّث عند القبر، وقعود أصحابه حوله» [خ¦١٣٦٢]. ١٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفرٍ البيكنديُّ، كما في «مستخرج أبي نُعيم»، أو هو يحيى بن يحيى، كما جزم به أبو مسعودٍ في «الأطراف»، أو هو يحيى بن موسى المعروف بخت، كما وقع في رواية أبي عليِّ بن شبُّويه عن الفَِرَبْريِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو المعتمد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالخاء والزَّاي المعجمتين (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَرَّ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: مرَّ النَّبيُّ ﷺ » (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحالِّ باسم المحلِّ (يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، ويحتمل أن يكون نفي كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد الاثنين المعذَّبين، أو اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين، أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنَّه كبير عند الله، كما جاء في رواية عند المؤلِّف [خ¦٢١٦]: «وما يعذَّبان في كبيرٍ بلى إنَّه كبيرٌ» (١) فهو كقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ (٢) مِنَ البَوْلِ) يُحتَمل أن يحمل على حقيقته من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد: التَّنزُّه من البول بعدم ملابسته، ورُجِّح، وإن كان الأصل

стр. 3246

الحقيقة، لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل عليه أَولى -كما مرَّ- في «الوضوء» [خ¦٢١٦] (وأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) المحرَّمة، وخرج به ما كان للنَّصيحة، أو لدفع مفسدةٍ، والباء للمصاحبة، أي: يسير في النَّاس متَّصفًا بهذه الصِّفة، أو للسَّببيَّة، أي: يمشي بسبب ذلك (ثُمَّ أَخَذَ) ﵊ (جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزَّركشيُّ: دخلت الباء على المفعول زائدةً. انتهى. يعني: في قوله: «بنصفين»، وقد تعقَّبه صاحب «مصابيح الجامع» فقال: لا نسلِّم شيئًا من ذلك، أمَّا دعواه أنَّ «نصفين» مفعولٌ، فلأنَّ «شقَّ» إنَّما يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وقد أخذه وليس هذا بدلًا منه، وأمَّا دعوى الزِّيادة فعلى خلاف الأصل، وليس هذا من محالِّ زيادتها، ثمَّ قال: والباء للمصاحبة، وهي ومدخولها ظرفٌ مسَتَقرٌّ منصوب المحل (١) على الحال، أي: فشقَّها متلبِّسةً (٢) بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشَّقُّ وكونها ذات نصفين في حالةٍ (٣) واحدةٍ، وليس المراد أنَّ (٤) انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشَّقِّ، وإنَّما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢]. انتهى. (ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالمثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وفتح الموحَّدة وكسرها في «اليونينيَّة» بالتَّذكير باعتبار عَود الضَّمير إلى العُودين، و «ما» مصدريَّةٌ زمانيَّةٌ، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس، و «لعلَّ» (٥) بمعنى: «عسى» فلذا استُعمِلَ استعماله في اقترانه بـ «أن» وإن كان الغالب في «لعلَّ» التَّجرُّد، وليس في الجريد معنًى يخصُّه، ولا في الرَّطب

стр. 3247

معنًى ليس في اليابس، وإنَّما ذلك خاصٌّ ببركة يده الكريمة، ومن ثمَّ استنكر الخطَّابيُّ وضع النَّاس الجريد ونحوه على القبر، عملًا بهذا الحديث، وكذلك الطَّرطوشيُّ في «سراج الملوك» قائلين بأنَّ ذلك خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ لبركة (١) يده المقدَّسة وبعلمه بما في القبور، وجرى على ذلك ابن الحاجِّ في «مدخله»، وما تقدَّم من أنَّ بريدة بن الحُصَيب أوصى بأن يُجعل في قبره جريدتان محمولٌ على أنَّ ذلك رأيٌ له لم يوافقه أحدٌ من الصَّحابة عليه، أو أنَّ المعنى فيه: أنَّه (٢) يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح، وحينئذٍ فيطرد في كلِّ ما فيه رطوبةٌ من الرَّياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيحٌ، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيءٌ حيٌّ، وحياة كلِّ شيءٍ بحسبه، فالخشب ما لم ييبس، والحجَر ما لم يُقطع من معدنه، والجمهور على (٣) أنَّه على حقيقته، وهو قول المحقِّقين؛ إذ العقل لا يحيله، أو بلسان الحال باعتبار دلالته على الصَّانع، وأنَّه منزَّهٌ. وسبق في «باب من الكبائر ألَّا يستتر من بوله» من «الوضوء» [خ¦٢١٦]، مزيدٌ لما ذكرته هنا. (٨٢) (باب مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ) «الموعظة» مصدرٌ ميميٌّ، والوعظ: النُّصح والإنذار

стр. 3248

بالعواقب (وَ) باب (قُعُودِ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب المحدِّث (حَوْلَهُ) عند القبر لسماع الموعظة والتَّذكير بالموت وأحوال الآخرة، وهذا مع ما ينضمُّ إليه من مشاهدة القبور وتذكُّر أصحابها وما كانوا عليه وما صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب، وينفع الميِّت أيضًا؛ لما فيه من نزول الرَّحمة عند قراءة القرآن والذِّكر، قال ابن المُنيِّر: لو فطن أهل مصر لترجمة البخاريِّ هذه؛ لقرَّت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوُعَّاظ في المقابر، وهو حسنٌ إن لم تخالطه مفسدٌة. انتهى. وقد استطرد المؤلِّف بعد التَّرجمة بذكر تفسير بعض ألفاظٍ من القرآن مناسبةً لما ترجم له على عادته؛ تكثيرًا لفرائد الفوائد، فقال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣]) (الأَجْدَاثُ) معناه فيما وصله ابن أبي حاتمٍ وغيره من طريق قتادة والسُّدِّيِّ: (القُبُورُ) في قوله (١) تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ﴾ (﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤]) معناه: (أُثِيرَتْ) بالمثلَّثة بعد الهمزة المضمومة؛ من الإثارة، يقال: (بَعْثَرْتُ حَوْضِي، أي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز»، وقال السُّدِّيُّ -ممَّا (٢) رواه ابن أبي حاتمٍ-: بعثرت: حرَّكت فخرج ما فيها، أي: من الأموات، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما ذكره (٣) الطَّبريُّ (٤) -: بعثرت: بحثت، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] (الإِيفَاضُ) بهمزةٍ مكسورةٍ ومثنَّاة تحتيَّةٍ ساكنةٍ وفاءٍ ثمَّ ضادٍ معجمةٍ، مصدرٌ مِن: أوفض يوفض إيفاضًا، معناه: (الإِسْرَاعُ) قال أبو عُبيد: يوفضون، أي: يسرعون (وَقَرَأَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران موافقةً لباقي القُرَّاء إلَّا ابن عامرٍ وحفصًا (﴿إِلَى نُصُبٍ﴾) بفتح النُّون وسكون الصَّاد، وفي نسخةٍ زيادة: «﴿يُوفِضُونَ﴾» [المعارج: ٤٣] ولأبي ذَرٍّ: «إلى نُصْبٍ» بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد بالجمع، والأوَّل أصحُّ عن الأعمش (إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ) قال أبو عُبيدة:

стр. 3249

العَلَم الَّذي نصبوه ليعبدوه (يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ) أيُّهم يستلمه أوَّلًا (وَالنُّصْبُ) بضمِّ النُّون وسكون الصَّاد (وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ) بالفتح ثمَّ السُّكون (مَصْدَرٌ) قال في «فتح الباري»: كذا وقع، والَّذي في «المعاني» (١) للفرَّاء: النَّصْب والنُّصُب واحدٌ، وهو مصدرٌ، والجمع: الأنصاب، فكأن التَّغيير من بعض النَّقلة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا تغيير فيه؛ لأنَّ البخاريَّ فرَّق بين الاسم والمصدر، ولكن مَن قصرت يده عن علم الصَّرف؛ لا يفرِّق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظٍ واحدٍ. انتهى. والأنصاب: حجارةٌ كانت حول الكعبة تُنصب، فيهلُّ عليها، ويُذبح لغير الله، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: خروج أهل القبور (مِنْ قُبُورِهِم) وقوله تعالى: (﴿يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]) أي: (يَخْرُجُونَ) زاد الزَّجَّاج: بسرعةٍ. ١٣٦٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (٢) (عُثْمَانُ) بن محمَّد بن أبي شيبة (٣) الكوفيُّ، أحد الحفَّاظ الكبار، وثَّقه يحيى (٤) بن معينٍ وغيره، وذكر الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّصحيف» أشياء كثيرةً صحَّفها من القرآن في تفسيره؛ لأنَّه (٥) ما كان يحفظ

стр. 3250

القرآن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» بالجمع (١) (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الضَّبِّيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأوَّل، وضمِّ الثانية (٢) وفتح الموحَّدة، آخره هاءُ تأنيثٍ مصغَّرًا (٣) في الثَّاني (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حَبيبٍ؛ بفتح الحاء المهملة، السُّلَمِيُّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (¬﵁، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ) بفتح الموحَّدة وكسر القاف، والغرقد؛ بفتح الغين المعجمة والقاف، بينهما راءٌ ساكنةٌ آخره دالٌ مهملةٌ: ما عَظُم من شجر العوسج، كان ينبت فيه، فذهب الشَّجر وبقي الاسم لازمًا للمكان، وهو مدفن أهل المدينة (فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ) هذا موضع التَّرجمة مع ما بعده (وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالصَّاد المهملة، قال في «القاموس»: ما يتوكَّأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملِكُ يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تُحمَل تحت الخصر غالبًا للاتِّكاء عليها (فَنَكَّسَ) بتشديد الكاف وتخفيفها، أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكِّر؛ كما هي عادة من يتفكَّر في شيءٍ حتَّى يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكُّرًا منه ﵊ في أمر الآخرة لقرينة حضور الجنازة، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه، أو نكس المِخْصرة (فَجَعَلَ يَنْكُتُ (٤)) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: يضرب في الأرض (بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) أي: (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) مصنوعةٍ مخلوقةٍ، واقتصر في رواية أبي حمزة [خ¦٦٦٠٥]

стр. 3251

والثَّوريِّ [خ¦٤٩٤٥] على قوله: «ما منكم من أحدٍ» (إِلَّا كُتِبَ) بضمِّ الكاف مبنيًّا للمفعول (مَكَانُهَا) بالرَّفع: مفعولٌ ناب عن الفاعل، أي: كتب الله مكان تلك النَّفس المخلوقة (مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) «مِنْ» بيانيَّةٌ، وفي رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥]: «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من الجنة ومقعده من النَّار»، وكأنَّه يشير إلى حديث ابن عمر عند المؤلِّف الدَّال على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدين، لكن لفظه في «القَدَر» (١) [خ¦٦٦٠٥] (٢): «إلَّا وقد كُتِبَ مقعده من النَّار أو من الجنَّة»، فـ «أو» للتَّنويع، أو هي بمعنى الواو (وَإِلَّا قَدْ (٣) كُتِبَتْ) بالتَّاء آخره، وفي «اليونينيَّة» بحذفها (شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) بالنَّصب فيهما، كما في الفرع على الحال، أي: وإلَّا كتبت هي، أي: حالها شقيَّةً أو سعيدةً، ويجوز الرَّفع، أي: هي شقيَّةٌ أو سعيدةٌ، ولفظ «إلَّا» في المرَّة الثَّانية في بعضها بالواو وفي بعضها بدونها، وهذا نوعٌ من الكلام غريبٌ (٤)، وإعادة «إلَّا» يُحتَمَل أن يكون (٥) «ما من نفسٍ» بدلًا (٦) من: «ما منكم»، و «إلا» الثانية بدلًا من الأولى، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، إذ الثَّاني في كلٍّ منهما أعمُّ من الأوَّل، أشار إليه الكِرمانيُّ (٧) (فَقَالَ رَجُلٌ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ، ذكره المصنِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] لكن بلفظ: «قلنا»، أو هو سراقة بن مالك بن جعشم كما في «مسلمٍ»، أو هو عمر بن الخطَّاب كما في التِّرمذيِّ، أو من حديث أبي (٨) بكرٍ الصِّدِّيق (٩) كما عند أحمد والبزَّار والطَّبرانيِّ، أو هو رجلٌ من الأنصار، وجُمِعَ بتعدُّد السَّائلين عن ذلك، ففي حديث عبد الله بن عمر فقال أصحابه:

стр. 3252

(يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ) نعتمد (عَلَى كِتَابِنَا) أي: ما كُتِبَ علينا وقُدِّر، والفاء في «أفلا» معقِّبةٌ لشيءٍ محذوفٍ، أي: فإذا (١) كان كذلك ألا (٢) نتَّكل على كتابنا (وَنَدَعُ العَمَلَ؟) أي: نتركه (فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به (٣) القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) قهرًا، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ) فسيجرُّ به القضاء (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) قهرًا (قَالَ) ﵊: (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (السَّعَادَةِ) وفي نسخةٍ: «فسييسَّرون» (٤) جُمِعَ الضَّمير في «فييسَّرون» (٥) باعتبار معنى الأهل (وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ) أهل (الشَّقَاوَةِ) وحاصل السُّؤال: ألا نترك مشقَّة (٦) العمل، فإنَّا سنصير إلى ما قُدِّر علينا، فلا فائدة في السَّعي؛ فإنَّه لا يردُّ قضاء الله وقدره، وحاصل الجواب: لا مشقَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له، وهو يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، قال في «شرح المشكاة»: الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عن الاتِّكال وترك العمل، وأمرَهُم بالتزام ما يجب على العبد من العبوديَّة، يعني: أنتم عبيدٌ، ولا بدَّ لكم من العبوديَّة، فعليكم بما أمرتكم، وإيَّاكم والتَّصرُّف في أمور الرُّبوبيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًّا لدخول الجنَّة والنَّار، بل هي علاماتٌ فقط. انتهى. (ثُمَّ قَرَأَ) ﵊: (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]) وزاد أبوا ذرٍّ والوقت: «﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾» [الليل: ٦] وساق في رواية سفيان [خ¦٤٩٤٥] إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فقوله: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ أي (٧): أعطى الطَّاعة، واتَّقى المعصية، وصدَّق بالكلمة الحسنى، وهي التي (٨) دلَّت على حقٍّ؛ ككلمة التَّوحيد، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] فسنهيِّئه (٩) للخلَّة التي تؤدِّي إلى يسرٍ وراحةٍ

стр. 3253

لدخول (١) الجنَّة ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ بما أُمِرَ به ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] بشهوات الدُّنيا عن نعيم العقبى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] للخَلَّة الموجبة إلى العسر والشِّدَّة كدخول النَّار، وهذا الحديث أصلٌ لأهل السُّنَّة في أنَّ السَّعادة والشَّقاوة بتقدير الله القديم. واستُدِلَ به على إمكان معرفة الشَّقيِّ من السَّعيد (٢) في الدُّنيا، كمن اشتُهِر له لسان صدقٍ وعكسه؛ لأنَّ العمل أمارةٌ على الجزاء على ظاهر هذا الخبر (٣)، والحقُّ: أنَّ العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيُحكم بظاهر الأمر، وأمرُ (٤) الباطن إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إنَّ الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيَّب عنَّا (٥) المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامة (٦) على ما سبق في مشيئته، فمَن عدل عنه ضلَّ؛ لأنَّ القدر سرٌّ (٧) من أسراره لا يطَّلع عليه إلَّا هو، فإذا دخلوا الجنَّة كُشِفَ لهم. ورواة هذا الحديث كوفيُّون إِلَّا جريرًا فرازيٌّ، وأصله كوفيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه (٨) التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٧] و «القدر» [خ¦٦٦٠٥] و «الأدب» [خ¦٦٢١٧]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «القدر» (٩) و «التَّفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة». (٨٣) (باب مَا جَاءَ) من (١٠) الحديث (فِي قَاتِلِ النَّفْسِ).

стр. 3254

١٣٦٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضمِّ لزَّاي، مصغَّرًا، و «يزيد» مِن الزِّيادة، قال (١): (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (٢) (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ الأشهليِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملَّة (الإِسْلَامِ) كاليهوديَّة والنَّصرانيَّة، حال كونه (كَاذِبًا) في تعظيم تلك الملَّة الَّتي حلف بها، أو كاذبًا في المحلوف عليه، لكن عُورِض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا إذا حلف بملَّةٍ غير ملَّة الإسلام، فالذَّمُّ إنَّما هو من جهة كونه حلف بتلك الملَّة الباطلة معظِّمًا لها حال كونه (مُتَعَمِّدًا) فيه دلالةٌ لقول (٣) الجمهور: إنَّ الكذب: الخبر غير المطابق للواقع سواءٌ كان عمدًا أو غيره؛ إذ لو كان شرطه التَّعمُّد لما قُيِّد به هنا (فَهُوَ كَمَا قَالَ) أي: فيُحكَم عليه بالَّذي نسبه لنفسه، وظاهره: الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا (٤) القول، ويحتمل أن يعلَّق ذلك بالحنث؛ لِمَا روى بُرَيدة مرفوعًا: «من قال: أنا بريءٌ من الإسلام،

стр. 3255

فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا»، والتَّحقيق التَّفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذَكَرَ كفر، وعليه يُحمَل قوله: «مَن حلف بغير الله فقد كفر»، رواه الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيخين، وإن قصد حقيقة التَّعليق فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متَّصفًا بذلك كفر؛ لأنَّ إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يُكرَه تنزيهًا؟ الثَّاني هو المشهور، وليقل ندبًا: لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ رسول الله، ويستغفر الله، ويحتمل أن (١) يكون المراد به: التَّهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنَّه صار يهوديًّا، وكأنَّه قال: فهو مستحقٌّ لمثل عذاب ما قال، ومثلُه قوله ﵊: «مَن ترك الصَّلاة فقد كفر» أي: استوجب عقوبَةَ من كفر، وبقيَّة مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في «باب الأيمان» [خ¦٦٦٥٢] بعون الله وقوَّته (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) بآلةٍ قاطعةٍ كالسَّيف، والسِّكِّين ونحوهما، وفي «الأيمان»: «ومَن قتل نفسه بشيءٍ» [خ¦٦٦٥٢] وهو أعمُّ (عُذِّبَ بِهِ) أي: بالمذكور (٢)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عُذِّب بها» أي: بالحديدة (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويَّة للجنايات الدنيويَّة، ويؤخَذ منه أنَّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأنَّ نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله، فلا يتصرَّف (٣) فيها إلَّا بما أُذِنَ له فيه، ولا يخرج بذلك من الإسلام، ويُصلَّى عليه عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف حيث قال: لا يُصلَّى على قاتل نفسه. وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] و «الأيمان» [خ¦٦٦٥٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الكفَّارات».

стр. 3256

١٣٦٤ - وبه قال: (وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السُّلَمِيُّ البصريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٣] فقال: حدَّثنا محمَّدٌ قال: حدَّثنا حجَّاج بن منهالٍ، ومحمَّدٌ هو (١) ابن معمرٍ، كذا نسبه ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ، وقيل: هو الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ البصريُّ الثِّقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهامٌ إذا حدَّث من حفظه، واختلط في آخر عمره، لكنَّه لم يسمع أحدٌ منه في حال اختلاطه شيئًا، واحتجَّ به الجماعة (٢)، ولم يخرج له المؤلِّف عن قتادة إلَّا أحاديث يسيرةً تُوبِعَ فيها (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ) هو ابن عبد الله بن سفيان البجليُّ (¬﵁ فِي هَذَا المَسْجِدِ) المسجد (٣) البصريِّ (٤) (فَمَا نَسِينَا) (٥) أشار بذلك إلى تحقُّقه لما حدَّث به، وقرب عهده به، واستمرار ذكره (٦) له (وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «على النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) و «على» أوضح، يُقال: كذب عليه، وأمَّا رواية «عن» فعلى معنى النَّقل، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الصحابة (٧) عدولٌ، وأنَّ الكذب مأمونٌ من قِبَلهم، خصوصًا على النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ) أي: فيمن كان قبلكم، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (جِرَاحٌ) بكسر الجيم (قَتَلَ) ولأبي ذَرٍّ «فَقَتل» (نَفْسَهُ) بسبب الجراح (فَقَالَ اللهُ) : (بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ) أي: لم يصبر حتَّى أقبض روحه من غير سببٍ له في ذلك، بل استعجل وأراد أن يموت قبل

стр. 3257

الأجل الَّذي لم (١) يطلعه الله تعالى عليه، فاستحق المعاقبة المذكورة في قوله: (حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) لكونه مستحلًّا (٢) لقتل نفسه، فعقوبته مؤبَّدةٌ، أو حرَّمتها عليه في وقتٍ ما؛ كالوقت الَّذي يدخل فيه السَّابقون، أو الوقت الَّذي يُعذَّب فيه الموحِّدون في النَّار ثمَّ يخرجون، أو حرَّمت عليه جنَّةً معيَّنةً، كجنَّة عدنٍ مثلًا، أو ورد على سبيل التَّغليظ والتَّخويف، فظاهره غير مراد، قال النَّوويُّ: أو يكون شرعَ من مضى أنَّ أصحاب الكبائر يكفرون بها. وهذا الحديث أورده المؤلِّف هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٣] مبسوطًا. ١٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ) بضمِّ النُّون فيهما (وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ) لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وقوله: «يطعنها» بضمِّ العين فيهما، قال في «الفتح»: كذا ضبطه (٣) في الأصول، وجوَّز غيره فيهما الفتحَ. وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف من هذا الوجه، وأخرجه في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٧٨] من طريق الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة مطوَّلًا. (٨٤) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ، وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ).

стр. 3258

(رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) فيما وصله المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٦٩] في قصَّة عبد الله بن أُبيٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ١٣٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، نسبه لجدِّه، لشهرته به (١)، واسمُ أبيه: عبدُ الله المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ، ثقةٌ في اللَّيث، وتكلَّموا في سماعه من مالكٍ، لكن قال المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير»: ما روى يحيى ابن بكَيرٍ عن أهل الحجاز في التَّاريخ (٢) فإنِّي انتقيته (٣)، وهذا يدلُّ على أنَّه ينتقي (٤) حديث شيوخه؛ ولذا (٥) ما خرَّج له عن مالكٍ سوى خمسة أحاديث مشهورةٍ متابعةٍ (٦) [خ¦٢٦٢٩] [خ¦٣١٤٩] [خ¦٤٠٩٥] [خ¦٤٤٢٠] [خ¦٥٣١٥] قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ، أحد الأثبات الثِّقات، وأحاديثه عن الزُّهريِّ مستقيمةٌ، وأخرج له الجماعة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ

стр. 3259

الخَطَّابِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بضمِّ «ابنُ» وإثبات ألفه، صفةٌ لعبد الله؛ لأنَّ «سلول» أمُّه، وهي (١) بفتح السِّين غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، و «أُبَيٍّ» بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة منوَّنًا (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ دال «دُعِي» مبنيًّا للمفعول، ورفع «رسولُ» نائبٌ عن الفاعل (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) بنصب «يصلِّي» (فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ) بفتح المثلَّثة وسكون الموحَّدة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) بهمزة الاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ) ﷺ (قَوْلَهُ) القبيح (٢) في حقِّ النَّبيِّ ﷺ والمؤمنين (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ) ﷺ الكلام (قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ) بضمِّ الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٣)﴾ الآية [التوبة: ٨٠] وفي نسخةٍ: «إنِّي قد خُيِّرت» (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «لو زدت» (عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «يغفر له» (لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ) عمر: (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ) سورة (بَرَاءَة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى: ﴿وَهُمْ﴾) ولأبي ذَرٍّ: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ﴾» (﴿فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) فنُهِيَ عن الصَّلاة؛ لأنَّ المراد منها: الدُّعاء للميِّت والاستغفار له، وهو ممنوع في حقِّ الكافر؛ ولذلك رتَّب النَّهي على قوله: «﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾» يعني: الموت على الكفر، فإنَّ إحياء الكافر للتَّعذيب دون التَّمتُّع، وقوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي (قَالَ) عمر: (فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي (٤) عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ) في مراجعتي له (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). (٨٥) (باب) مشروعيَّة (ثَنَاءِ النَّاسِ) بالأوصاف الحميدة والخصال الجميلة (عَلَى المَيِّتِ)

стр. 3260

بخلاف الحيِّ، فإنَّه منهيٌّ عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب. ١٣٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَرُّوا) ولأبي ذَرٍّ: «مُرَّ» بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول (بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) في رواية النَّضر بن أنسٍ عند الحاكم فقالوا: كان يحبُّ الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) قال في رواية الحاكم المذكورة: فقالوا: كان يُبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله، ويسعى فيها (فَقَالَ) ﵊: (وَجَبَتْ) واستعمال الثَّناء في الشَّرِّ لغةٌ شاذَّةٌ، لكنَّه استُعمِل هنا للمشاكلة؛ لقوله: «فأثنوا عليها خيرًا»، وإنَّما مُكِّنوا من الثَّناء بالشَّرِّ مع الحديث الصَّحيح في «البخاري» في «النَّهي عن سبِّ الأموات» [خ¦١٣٩٣] لأنَّ النهي عن سبِّهم إنَّما هو في حقِّ غير المنافقين والكفَّار، وغير (١) المتظاهر بالفسق والبدعة، وأمَّا هؤلاء فلا يحرم سبُّهم، للتحذير من طريقتهم، ومن (٢) الاقتداء بآثارهم، والتَّخلُّق بأخلاقهم، قاله النَّوويُّ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁¬) لرسول الله ﷺ
следующие страницы →