← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

١٣٦٤ - وبه قال: (وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأنماطيُّ السُّلَمِيُّ البصريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٣] فقال: حدَّثنا محمَّدٌ قال: حدَّثنا حجَّاج بن منهالٍ، ومحمَّدٌ هو (١) ابن معمرٍ، كذا نسبه ابن السَّكن عن الفَِرَبْريِّ، وقيل: هو الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ البصريُّ الثِّقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهامٌ إذا حدَّث من حفظه، واختلط في آخر عمره، لكنَّه لم يسمع أحدٌ منه في حال اختلاطه شيئًا، واحتجَّ به الجماعة (٢)، ولم يخرج له المؤلِّف عن قتادة إلَّا أحاديث يسيرةً تُوبِعَ فيها (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ) هو ابن عبد الله بن سفيان البجليُّ (¬﵁ فِي هَذَا المَسْجِدِ) المسجد (٣) البصريِّ (٤) (فَمَا نَسِينَا) (٥) أشار بذلك إلى تحقُّقه لما حدَّث به، وقرب عهده به، واستمرار ذكره (٦) له (وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذَرٍّ: «على النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) و «على» أوضح، يُقال: كذب عليه، وأمَّا رواية «عن» فعلى معنى النَّقل، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الصحابة (٧) عدولٌ، وأنَّ الكذب مأمونٌ من قِبَلهم، خصوصًا على النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: كَانَ بِرَجُلٍ) أي: فيمن كان قبلكم، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه (جِرَاحٌ) بكسر الجيم (قَتَلَ) ولأبي ذَرٍّ «فَقَتل» (نَفْسَهُ) بسبب الجراح (فَقَالَ اللهُ) : (بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ) أي: لم يصبر حتَّى أقبض روحه من غير سببٍ له في ذلك، بل استعجل وأراد أن يموت قبل

стр. 3257

الأجل الَّذي لم (١) يطلعه الله تعالى عليه، فاستحق المعاقبة المذكورة في قوله: (حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) لكونه مستحلًّا (٢) لقتل نفسه، فعقوبته مؤبَّدةٌ، أو حرَّمتها عليه في وقتٍ ما؛ كالوقت الَّذي يدخل فيه السَّابقون، أو الوقت الَّذي يُعذَّب فيه الموحِّدون في النَّار ثمَّ يخرجون، أو حرَّمت عليه جنَّةً معيَّنةً، كجنَّة عدنٍ مثلًا، أو ورد على سبيل التَّغليظ والتَّخويف، فظاهره غير مراد، قال النَّوويُّ: أو يكون شرعَ من مضى أنَّ أصحاب الكبائر يكفرون بها. وهذا الحديث أورده المؤلِّف هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٣] مبسوطًا. ١٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ) بضمِّ النُّون فيهما (وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ) لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وقوله: «يطعنها» بضمِّ العين فيهما، قال في «الفتح»: كذا ضبطه (٣) في الأصول، وجوَّز غيره فيهما الفتحَ. وهذا الحديث من أفراد المؤلِّف من هذا الوجه، وأخرجه في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٧٨] من طريق الأعمش عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة مطوَّلًا. (٨٤) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ، وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ).

стр. 3258

(رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) فيما وصله المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٢٦٩] في قصَّة عبد الله بن أُبيٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ١٣٦٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، نسبه لجدِّه، لشهرته به (١)، واسمُ أبيه: عبدُ الله المخزوميُّ مولاهم، المصريُّ، ثقةٌ في اللَّيث، وتكلَّموا في سماعه من مالكٍ، لكن قال المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير»: ما روى يحيى ابن بكَيرٍ عن أهل الحجاز في التَّاريخ (٢) فإنِّي انتقيته (٣)، وهذا يدلُّ على أنَّه ينتقي (٤) حديث شيوخه؛ ولذا (٥) ما خرَّج له عن مالكٍ سوى خمسة أحاديث مشهورةٍ متابعةٍ (٦) [خ¦٢٦٢٩] [خ¦٣١٤٩] [خ¦٤٠٩٥] [خ¦٤٤٢٠] [خ¦٥٣١٥] قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ، أحد الأثبات الثِّقات، وأحاديثه عن الزُّهريِّ مستقيمةٌ، وأخرج له الجماعة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ

стр. 3259

الخَطَّابِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بضمِّ «ابنُ» وإثبات ألفه، صفةٌ لعبد الله؛ لأنَّ «سلول» أمُّه، وهي (١) بفتح السِّين غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، و «أُبَيٍّ» بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة منوَّنًا (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضمِّ دال «دُعِي» مبنيًّا للمفعول، ورفع «رسولُ» نائبٌ عن الفاعل (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) بنصب «يصلِّي» (فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ) بفتح المثلَّثة وسكون الموحَّدة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) بهمزة الاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ) ﷺ (قَوْلَهُ) القبيح (٢) في حقِّ النَّبيِّ ﷺ والمؤمنين (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ) ﷺ الكلام (قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ) بضمِّ الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٣)﴾ الآية [التوبة: ٨٠] وفي نسخةٍ: «إنِّي قد خُيِّرت» (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ) ولأبي ذَرٍّ: «لو زدت» (عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ) ولأبي ذَرٍّ: «يغفر له» (لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ) عمر: (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ) سورة (بَرَاءَة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى: ﴿وَهُمْ﴾) ولأبي ذَرٍّ: «إلى قوله: ﴿وَهُمْ﴾» (﴿فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) فنُهِيَ عن الصَّلاة؛ لأنَّ المراد منها: الدُّعاء للميِّت والاستغفار له، وهو ممنوع في حقِّ الكافر؛ ولذلك رتَّب النَّهي على قوله: «﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾» يعني: الموت على الكفر، فإنَّ إحياء الكافر للتَّعذيب دون التَّمتُّع، وقوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي (قَالَ) عمر: (فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي (٤) عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ) في مراجعتي له (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). (٨٥) (باب) مشروعيَّة (ثَنَاءِ النَّاسِ) بالأوصاف الحميدة والخصال الجميلة (عَلَى المَيِّتِ)

стр. 3260

بخلاف الحيِّ، فإنَّه منهيٌّ عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب. ١٣٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَرُّوا) ولأبي ذَرٍّ: «مُرَّ» بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول (بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا) في رواية النَّضر بن أنسٍ عند الحاكم فقالوا: كان يحبُّ الله ورسوله، ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا) قال في رواية الحاكم المذكورة: فقالوا: كان يُبغض الله ورسوله، ويعمل بمعصية الله، ويسعى فيها (فَقَالَ) ﵊: (وَجَبَتْ) واستعمال الثَّناء في الشَّرِّ لغةٌ شاذَّةٌ، لكنَّه استُعمِل هنا للمشاكلة؛ لقوله: «فأثنوا عليها خيرًا»، وإنَّما مُكِّنوا من الثَّناء بالشَّرِّ مع الحديث الصَّحيح في «البخاري» في «النَّهي عن سبِّ الأموات» [خ¦١٣٩٣] لأنَّ النهي عن سبِّهم إنَّما هو في حقِّ غير المنافقين والكفَّار، وغير (١) المتظاهر بالفسق والبدعة، وأمَّا هؤلاء فلا يحرم سبُّهم، للتحذير من طريقتهم، ومن (٢) الاقتداء بآثارهم، والتَّخلُّق بأخلاقهم، قاله النَّوويُّ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁¬) لرسول الله ﷺ

стр. 3261

مستفهمًا له (١): (ما وَجَبَتْ؟ قَالَ) ﵊: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ (٢) لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) والمراد بالوجوب: الثُّبوت، أو هو في صحَّة الوقوع كالشَّيء الواجب، والأصل أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الثَّواب فضله، والعقاب عدله، لا يُسأل عمَّا يفعل (٣) (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ) ولفظه في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٢]: «المؤمنون شهداء الله في الأرض»، فالمراد: المخاطبون بذلك من الصَّحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصِّدق (٤)، لا الفَسَقة؛ لأنَّهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بيْنه وبين الميِّت عداوةٌ؛ لأنَّ شهادة العدوِّ لا تُقبَل، قاله الدَّاوديُّ، وقال المظهريُّ: ليس معنى قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض» أي: الَّذي يقولونه في حقِّ شخصٍ يكون كذلك حتَّى يصير من يستحقُّ الجنَّة من أهل النَّار بقولهم، ولا العكس، بل معناه: أنَّ الَّذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه (٥) من أهل الجنَّة، وبالعكس، وتعقَّبه الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة» بأنَّ قوله: «وجبت» -بعد ثناء الصَّحابة- حكمٌ عقَّبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلِّيَّة، وكذا الوصف بقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض»؛ لأنَّ الإضافة فيه للتَّشريف بأنَّهم بمنزلةٍ عاليةٍ عند الله، فهو كالتَّزكية من الرَّسول لأمَّته وإظهار عدالتهم بعد شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغي أن يكون لها أثرٌ ونفعٌ في حقِّه، قال: وإلى معنى هذا يومئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. انتهى. وقال النَّوويُّ: قال بعضهم: معنى الحديث: أنَّ الثَّناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنَّة، وإن كان غير مطابقٍ فلا، وكذا عكسه، قال: والصَّحيح أنَّه على عمومه، وأنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، فإنَّ الأعمال داخلةٌ تحت المشيئة، وهذا الإلهام يُستَدلُّ به على تعيينها، أو بهذا تظهر فائدة الثَّناء. انتهى.

стр. 3262

١٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المخفَّفة، زاد أبو ذَرٍّ: «هو الصَّفَّار» قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بلفظ النَّهر، واسمه: عمرو، الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، آخره هاء تأنيثٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيْليِّ، بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، ويقال: الدُّؤليُّ -بضمِّ الدَّال بعدها همزةٌ مفتوحةٌ- وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو (١) بعد عليِّ بن أبي طالبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أره من رواية عبد الله بن بُرَيدة عنه إلَّا معنعنًا، وقد حكى الدَّارقُطنيُّ في «كتاب التَّتبع» عن عليِّ بن المدينيِّ: أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمرٍ (٢) عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود، قال الحافظ ابن حجرٍ: وابن بُريدة وُلِدَ في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلَّه أخرجه شاهدًا أو اكتفى للأصل، بحديث أنسٍ السَّابق [خ¦١٣٦٧] (قَالَ) أي: أبو الأسود: (قَدِمْتُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، زاد في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]: وهم يموتون موتًا ذريعًا، وهو بالذَّال المعجمة، أي: سريعًا (فَجَلَسْتُ إِلَى) أي: عند (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بالنَّصب، ووجَّهه ابن بطَّالٍ بأنَّه أقام الجارَّ والمجرور وهو قوله: «على صاحبها» مقام

стр. 3263

المفعول الأوَّل، و «خيرًا» مقام الثَّاني (١)، وإن كان الاختيار عكسه، وقال النَّوويُّ: منصوبٌ بنزعِ الخافضِ، أي: أثنى عليها بخيرٍ، وقال في «مصابيح الجامع»: «على صاحبها» نائبٌ عن الفاعل، و «خيرًا» مفعولٌ لمحذوفٍ، فقال المثنون خيرًا (فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِأُخْرَى (٢)، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون (خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ) بضمِّ الميم (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا) فقال المثنون: (شَرًّا، فَقَالَ) عمر ﵁: (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ: وَمَا) معنى قولك لكل منهما (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّرِّ (قَالَ) عمر: (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) هو المقول، وحينئذٍ فيكون قول عمر ﵁ لكلٍّ منهما «وجبت» (٣)، قاله بناءً على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله ﷺ : «أدخله الله الجنَّة» (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين (بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ، فَقُلْنَا) أي: عمر وغيره: (وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ) ﵊: (وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ) ﵊: (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ) استبعادًا أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب، واقتصر على الشِّقِّ الأوَّل اختصارًا، أو لإحالة السَّامع على القياس، وفي حديث حمَّاد بن سلمة، عن ثابت بن (٤) أنسٍ عند أحمد وابن حِبَّان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةٌ من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون منه إلَّا خيرًا إلَّا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون» وهذا يؤيِّد قول النَّوويِّ

стр. 3264

السَّابق: إنَّ من مات فألهم الله النَّاس الثَّناء عليه بخيرٍ، كان دليلًا على أنَّه من أهل الجنَّة، سواءٌ كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وهذا في جانب الخير واضحٌ، وأمَّا في (١) جانب الشَّرِّ فظاهر الأحاديث أنَّه كذلك، لكن إنَّما يقع ذلك في حقِّ من غلب شرُّه على خيره، وقد وقع في رواية النَّضر عند الحاكم: «إنَّ لله تعالى ملائكةً تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير و (٢) الشَّرِّ»، وهل يختصُّ الثَّناء الَّذي ينفع الميِّت بالرِّجال، أو يشمل النِّساء أيضًا؟ وإذا قلنا: إنَّهنَّ يدخلن فهل يكتفى بامرأتين، أو لا بد من رجل وامرأتين؟ محلُّ نظرٍ، وقد يقال: لا يدخلن؛ لقصَّة (٣) أمِّ العلاء الأنصاريَّة لمَّا أثنت على عثمان بن مظعون بقولها: فشهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟» [خ¦٢٦٨٧] فلم يكتفِ بشهادتها، لكن (٤) يجاب بأنَّه ﵊ إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّبٌ عنها، بخلاف الشَّهادة للميِّت بأفعاله الحسنة الَّتي يتلبَّس بها في الحياة الدُّنيا. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، لكنَّ داود مروزيٌّ (٥) تحوَّل إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف. وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٣]، والتِّرمذيُّ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٦). (٨٦) (باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قد تظاهرت الدَّلائل من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع

стр. 3265

عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزءٍ من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، فيثيبه ويعذِّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشَّرع (١) وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرَّقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السِّباع والطُّيور وحيتان البحر، كما أن الله يعيده للحشر، وهو قادرٌ على ذلك، فلا يستبعد تعلُّق روح الشَّخص الواحد في آنٍ واحدٍ بكلِّ واحدٍ من أجزائه المتفرِّقة في المشارق والمغارب، فإنَّ تعلُّقه ليس على سبيل الحلول حتَّى يمنعه الحلول في جزءٍ من الحلول في غيره (٢)، قال في «مصابيح الجامع»: وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر، حتَّى قال غير ما (٣) واحد (٤): إنَّها متواترةٌ، ولا يصحُّ عليها التَّواطؤ، وإن لم يصحَّ مثلها لم يصحَّ شيءٌ من أمر (٥) الدِّين، قال أبو عثمان الحدَّاد: وليس في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأنَّ الله تعالى أخبر بحياة الشُّهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فكذا حياة المقبور (٦) قبل الحشر، قال ابن المُنيِّر: وأشكل ما في القضيَّة: أنَّه إذا ثبت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة؛ ليجتمع (٧) الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ [غافر: ١٦] ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى (٨)﴾ الآية (٩) [الدخان: ٥٦]

стр. 3266

والجواب الواضح عندي: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: أَلَم الموت، فيكون الموت الَّذي يعقب الحياة الأخرويَّة بعد الموت الأوَّل لا يُذاق ألمه ألبتَّة، ويجوز ذلك في حكم التَّقدير بلا إشكالٍ، وما وضعت العرب اسم الموت إلَّا للمؤلِم على ما فهموه، لا باعتبار كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثَّانية ضدًّا يُعدمها به (١)، لا يسمَّى (٢) ذلك الضِّدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدٌّ، جمعًا بين الأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة واللُّغويَّة. انتهى. وقد ادَّعى قومٌ عدم ذكر عذاب القبر في القرآن، وزعموا أنَّه لم يرد ذكره إلَّا من أخبار الآحاد، فذكر المصنِّف (٣) آياتٍ تدلُّ لذلك ردًّا عليهم فقال: (وَقَوْلُِهُِ (٤) تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «عذاب»، أو بالرَّفع على الاستئناف (﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾» جوابه محذوفٌ، أي: ولو ترى زمان (٥) غمراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا (﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾) شدائده (﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾) لِقبْضِ أرواحهم أو بالعذاب (﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾) أي: يقولون لهم: أخرجوها (٦) إلينا من أجسادكم تغليظًا (٧) وتعنيفًا عليهم، فقد ورد أنَّ أرواح الكفَّار تتفرَّق في أجسادهم، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتَّى تخرج (﴿الْيَوْمَ﴾) يريد وقت الإماتة؛ لما فيه من شدَّة النَّزع (٨)، أو الوقت الممتدَّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له الَّذي فيه عذاب البرزخ والقيامة (﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣]) وروى الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: هذا عند الموت،

стр. 3267

والبَسْط: الضَّرب، يضربون وجوههم وأدبارهم (الهُونُ (١)) (٢) بالضَّمِّ، ولأبي ذَرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «الهون» (هُوَ الهَوَانُ) يريد: العذاب المتضمِّن لشدَّةٍ وإهانةٍ، وأضافه إلى «الهون» لتمكُّنه فيه (وَالهَوْنُ) بالفتح والرَّفع (٣): (الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾) بالفضيحة في الدُّنيا، وعذاب القبر (٤)، رواه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ والطَّبرانيُّ في «الأوسط»، عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: خطب رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان؛ فإنَّك منافقٌ … » فذكر الحديث، وفيه (٥): «ففضح الله المنافقين، فهذا العذاب الأوَّل، والعذاب الثَّاني عذاب القبر» أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثمَّ عذاب القبر (﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]) في جهنَّم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾) فرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره؛ للعلم بأنَّه أَولى بذلك (﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾) الغرق في الدُّنيا، ثمَّ النَّقلة منه إلى النَّار (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُعْرَضُونَ﴾

стр. 3268

حالٌ، وروى ابن مسعودٍ: أنَّ أرواحهم في أجواف طيورٍ (١) سودٍ، تُعرَض على النَّار بكرةً وعشيًّا، فيقال لهم: هذه (٢) داركم، رواه ابن أبي حاتمٍ، قال القرطبيُّ (٣): الجمهور على (٤) أنَّ هذا العرض في البرزخ، وفيه دليلٌ على بقاء النَّفس وعذاب القبر (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أ﴾) أي: هذا ما دامت الدُّنيا، فإذا قامت السَّاعة؛ قيل لهم: (﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ (٥) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]) عذاب جهنَّم، فإنَّه أشدُّ ممَّا كانوا فيه (٦) أو أشدُّ عذاب جهنَّم، وهذه الآية المكِّيَّة أصلٌ في الاستدلال لعذاب القبر، لكن استُشكِلَت مع الحديث المرويِّ في «مسند الإمام أحمد» بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخَين: أنَّ يهوديَّةً في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر، فسألت عنه رسول الله ﷺ ، فقال: «كذبت (٧) يهود، لا عذاب دون يوم (٨) القيامة» فلمَّا مضى بعض (٩) أيَّامٍ؛ نادى رسول الله ﷺ محمرَّةً عيناه بأعلى صوته: «أيُّها النَّاس؛ استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإنَّه حقٌّ»، وأُجِيبَ بأنَّ الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ، وما نفاه (١٠) أوَّلًا ثمَّ أثبته ﵊ عذاب الجسد فيه، والأَولى أن يُقال: الآية دلَّت على عذاب الكفَّار، وما نفاه ثمَّ أثبته عذابُ القبر للمؤمنين، ففي «صحيح مسلمٍ» من طريق ابن شهابٍ عن عروة عن عائشة ﵂: أنَّ يهوديَّةً قالت لها: أشعرتِ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟ فلمَّا سمع ﵊ قولها ارتاع وقال (١١): «إنَّما تُفتن اليهود»، ثمَّ قال بعد ليالٍ: «أشعرتِ أنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنون في القبور؟» (١٢)، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتَّى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]»، وفي

стр. 3269

«صحيح ابن حِبَّان» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «عذاب القبر». ١٣٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة، الحضرميِّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون (١) العين في الأوَّل، وضمِّها وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، آخره هاء تأنيثٍ في الثَّاني، وصرَّح في رواية أبي الوليد الطَّيالسيِّ -الآتية إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]- بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسَّماع بين علقمة وسعد بن عُبيدة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ) بضمِّ همزة «أُقعِدَ» مبنيًّا للمفعول كهمزة (أُتِيَ) أي: حال كونه مأتيًّا إليه، والآتي: الملَكان منكرٌ ونكيرٌ (ثُمَّ شَهِدَ) بلفظ الماضي كـ «عَلِمَ»، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ كما (٢) في الفرع، وقال في «الفتح»: والمُستملي بدل الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ يشهد» بلفظ المضارع، كـ «يَعْلَم» (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي الوليد المذكورة (٣) [خ¦٤٦٩٩]: «المسلم إذا سُئِلَ في القبر: يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم، وهي كلمة التَّوحيد، وثبوتها تمكُّنها في القلب، واعتقاد حقيقتها (٤)، واطمئنان القلب بها، وزاد في رواية أبي الوليد: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتثبيتهم في الدُّنيا: أنَّهم إذا فُتِنوا في دينهم لم يزالوا عنها -وإن أُلقوا في

стр. 3270

النَّار- ولم يرتابوا بالشُّبهات، وتثبيتهم في الآخرة: أنَّهم إذا سُئِلوا في القبر لم يتوقَّفوا في الجواب، وإذا سُئِلوا في الحشر وعند موقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم تدهشهم أهوال القيامة، وبالجملة: فالمرء على قدر ثباته في الدُّنيا يكون ثباته في القبر وما بعده (١)، وكلَّما كان أسرع إجابةً كان أسرع تخلُّصًا من الأهوال، والمسؤول عنه في قوله: «إذا سُئِلوا» -الثَّابت في رواية أبي الوليد [خ¦٤٦٩٩]- محذوفٌ، أي: عن ربِّه ونبيِّه ودينه. وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٣٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» والنَّسائيُّ في «الجنائز» وفي «التَّفسير» (٢) وابن ماجه في «الزُّهد». وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، ويُقال له (٣): بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِهَذَا) أي: بالحديث السَّابق (وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) بالقول الثَّابت (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: فإن قلت: ليس في الآية ما يدلُّ على عذاب المؤمن في القبر، فما معنى «نزلت في عذاب القبر؟» قلت: لعلَّه سمَّى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأنَّ القبر مقام الهول والوحشة، ولأنَّ ملاقاة الملكين ممَّا يهيب المؤمن في العادة.

стр. 3271

١٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ، القرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر ابن الخطَّاب (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ (١) ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ) قليب بدرٍ؛ وهم أبو جهل بن هشام وأميَّة بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهم يُعذَّبون (فَقَالَ) لهم: (وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ (٢) رَبُّكُمْ حَقًّا؟) وفي نسخةٍ: «ما (٣) وعدكم» (فَقِيلَ لَهُ) ﵊ والقائل عمر بن الخطَّاب؛ كما في «مسلمٍ»: (أتَدْعُو) (٤) بهمزة الاستفهام، وسقطت من (٥) «اليونينيَّة»، كما في فرعها (٦) (أَمْوَاتًا (٧)؟ فَقَالَ) ﵊: (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ) لما أقول (وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ) لا يقدرون على (٨) الجواب، وهذا يدلُّ على وجود حياةٍ في القبر يصلح معها التَّعذيب؛ لأنَّه لمَّا ثبت سماع أهل القليب كلامه ﵊ وتوبيخه لهم؛ دلَّ على إدراكهم الكلام بحاسَّة السَّمع، وعلى جواز إدراكهم ألم العذاب ببقيَّة الحواسِّ بل بالذَّات. ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٨٠] مطوَّلًا، ومسلمٌ في «الجنائز» وكذلك (٩) النَّسائيُّ.

стр. 3272

١٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ) تَرُدُّ رواية ابن عمر [خ¦١٣٧٠]: «ما أنتم بأسمعَ منهم» (إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ: أَنَّ (١) مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «أنَّ ما كنت أقول لهم حقٌّ»، ثمَّ استدلَّت لِمَا نفتْه بقولها: (وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]) قالوا: ولا دلالةَ فيها على ما نفته، بل لا منافاة بين قوله ﵊: «إنَّهم الآن يسمعون (٢)» وبين الآية؛ لأنَّ الإسماع هو إبلاغ الصَّوت من المسمِع في أذن السَّامع، فالله (٣) تعالى هو الَّذي أسمعهم بأن أبلغ (٤) صوت نبيِّه ﷺ بذلك، وقد قال المفسِّرون: إنَّ الآية مَثَلٌ ضربه (٥) الله للكفَّار، أي: فكما أنَّك لا تُسمِع الموتى، فكذلك لا تُفقِه (٦) كفَّار مكَّة؛ لأنَّهم كالموتى في عدم الانتفاع بما يسمعون، وقد خالف الجمهورُ (٧) عائشةَ في ذلك، وقَبِلوا حديث ابن عمر [خ¦١٣٧٠] لموافقة مَن رواه غيره عليه، ولا مانع أنَّه ﷺ قال اللَّفظين معًا، ولم تحفظ عائشة إلَّا أحدهما، وحفظ غيرها سماعهم بعد إحيائهم، وإذا جاز أن يكونوا عالمين؛ جاز أن يكونوا سامعين، إما (٨) بآذانِ رؤوسِهم؛ كما هو قول الجمهور، أو بآذانِ الرُّوح فقط، والمعتمد قول الجمهور؛ لأنَّه لو كان العذاب على الرُّوح فقط، لم يكن للقبر بذلك اختصاصٌ (٩)، وقد قال قتادة؛ كما عند المؤلِّف في «غزوة بدرٍ»: «أحياهم الله تعالى حتَّى أسمعهم توبيخًا أو نقمةً» [خ¦٣٩٧٦].

стр. 3273

١٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جَبَلة قال: (أَخْبَرَنِي (١)) بالإفراد (أَبِي) عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج قال: (سَمِعْتُ الأَشْعَثَ) بالمثلَّثة في (٢) آخره (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاء -بالمدِّ- سليم بن أسود (٣) المحاربيِّ، وفي رواية أبي داود الطَّيالسيِّ: عن شعبة عن أشعث سمعت أبي (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً) قال الحافظ (٤) ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها (دَخَلَتْ عَلَيْهَا) أي: على عائشة (فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: نَعَمْ؛ عَذَابُ القَبْرِ) بحذف الخبر، أي: حقٌّ أو ثابتٌ، وللحَمُّويي والمُستملي: «عذاب القبر حقٌّ» بإثبات الخبر، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ المصنِّف قال عقب هذه الطَّريق: «زاد غندرٌ: عذابُ القبر حقٌّ» فتبيَّن أنَّ لفظة «حقٌّ» ليست في رواية عَبْدان عن أبيه عن شعبة، وأنَّها ثابتةٌ في رواية غُنْدرٍ -يعني: عن شعبة- وهو كذلك، وقد أخرج طريقَ غندرٍ النَّسائيُّ والإسماعيليُّ كذلك، وكذا أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده» عن شعبة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله: «زاد غندر: عذابُ القبر حقٌّ» ليس بموجودٍ في كثيرٍ من النُّسخ، ولَئِن سلَّمنا وجود هذا؛ فلا نسلِّم أنَّه يستلزم حذف الخبر مع أنَّ الأصل ذكرُ الخبر، وكيف ينفي الجودة من رواية المُستملي مع كونها على الأصل؟ فماذا يلزم من المحذور إذا ذُكِرَ الخبر في الرِّوايات كلِّها؟ انتهى. فليتأمَّل (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ) مبنيٌّ على الضَّمِّ، أي: بعدَ سؤالي إيَّاه (صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ) فيها (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) وزاد في رواية أبي ذرٍّ هنا قوله: «وزاد غندرٌ: عذابُ القبر حقٌّ»، ففي هذا الحديث: أنَّه أقرَّ اليهوديَّة على أنَّ عذاب القبر حقٌّ، وفي حديثَي (٥) أحمدَ ومسلمٍ السَّابقين أنَّه أنكره حيث قال: «كذب يهود،

стр. 3274

لا عذاب دون (١) يوم القيامة، وإنَّما تُفتَن اليهود»، فبين الرِّوايتين مخالفةٌ، لكن قال النَّوويُّ كالطَّحاويِّ وغيره: قضيَّتان، فأنكر ﷺ قول اليهوديَّة في الأولى، ثمَّ أُعلِم بذلك ولم يُعلِم (٢) عائشة، فجاءت اليهوديَّة مرَّةً أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرتْ عليها مستندةً إلى الإنكار الأوَّل، فأعلمها ﵊ بأنَّ الوحي نزل بإثباته. انتهى. وفيه إرشادٌ لأمَّته ودلالةٌ على أنَّ عذاب القبر ليس خاصًّا بهذه الأمَّة، بخلاف المسألة (٣) ففيها خلافٌ، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦١٣٧٤]. ١٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيل البصرة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ، بالميم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄ تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (خَطِيبًا، فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المثنَّاة الفوقيَّة الثَّانية، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» (٤): «يُفْتَنُ» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ) بتفاصيله كما يجري على المرء في قبره (ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً) عظيمةً، وزاد النَّسائيُّ من الوجه الَّذي أخرجه منه البخاريُّ: حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ فلما سكنتْ ضجَّتهم، قلت لرجلٍ قريبٍ منِّي: أَيْ بارك الله فيك، ماذا قال رسول الله ﷺ في آخر كلامه؟ قال: قال: «قد أُوحي إليَّ أنَّكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة المسيح الدَّجال» أي: فتنةً قريبةً (٥)، يريد: فتنةً عظيمةً؛ إذ ليس فتنةٌ أعظمَ من فتنة الدَّجال.

стр. 3275

وهذا الحديث قد سبق في «العلم» [خ¦٨٦] و «الكسوف» [خ¦١٠٥٣] و «الجمعة» [خ¦٩٢٢] من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بتمامه، وأورده هنا مختصرًا، ووقع هنا في بعض نسخ البخاريِّ: «وزاد غندرٌ: عذابُ القبر» بحذف الخبر، أي: حقٌّ، وثبت لأبي الوقت، وكذا هو ثابت في الفرع، لكن رقم عليه علامة السُّقوط، وفوقها علامة أبي ذرٍّ الهرويِّ، ولا يخفى أنَّ هذا إنَّما هو في آخر حديث عائشة المتقدِّم [خ¦١٣٧٢] فذكْرُه في حديث أسماء غلطٌ؛ لأنَّه لا رواية لغندرٍ فيه. ١٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بفتح العين والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، آخره شينٌ معجمةٌ، الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ -بالسِّين المهملة- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظة «ابن مالك» لأبي ذَرٍّ (¬﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ) بالواو، والضَّمير للميِّت، ولأبي ذَرٍّ: «إنَّه» (لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) زاد مسلمٌ: «إذا انصرفوا» (أَتَاهُ مَلَكَانِ) زاد ابن حِبَّان والتِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة: «أسودان أزرقان، يُقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النَّكير»، والنَّكير (١): فعيلٌ بمعنى

стр. 3276

مفعول، والمُنْكَر «مُفْعَل» (١) مِن أنكر، وكلاهما ضدُّ المعروف، وسُمِّيا (٢) به؛ لأنَّ الميِّت لم يعرفهما، ولم ير صورةً مثل صورتهما، وإنَّما صُوِّرا كذلك؛ ليخاف الكافر ويتحيَّر في الجواب، وأمَّا المؤمن فيثبِّته (٣) الله بالقول الثَّابت، فلا يخاف؛ لأنَّ من خاف الله في الدُّنيا وآمن به وبرسله (٤) وكتبه؛ لم يخف في القبر، وزاد الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من حديث أبي هريرة أيضًا: «أعيُنُهما مثل قدور النُّحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرَّعد»، وزاد عبد الرَّزَّاق من مرسل عمرو بن دينارٍ: «يحفران بأنيابهما، ويطأان في أشعارهما، معهما مرزبَّةٌ لو اجتمع عليها أهل منى؛ لم يُقِلُّوها» وذكر بعض الفقهاء: أنَّ اسم اللَّذَين يسألان المذنب: منكرٌ ونكيرٌ، و (٥) اسم اللَّذَين يسألان المطيع: مبشِّرٌ وبشيرٌ، كذا نقله في «الفتح» (فَيُقْعِدَانِهِ) فتُعاد روحه في جسده، وفي حديث البراء: «فيجلسانه»، وزاد ابن حِبَّان من حديث أبي هريرة: «فإذا كان مؤمنًا؛ كانت الصَّلاة عند رأسه، والزَّكاة عن يمينه، والصَّوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس، فيجلس، وقد مُثِّلتْ له الشَّمس عند الغروب»، زاد ابن ماجه (٦) من حديث جابرٍ: «فيجلس يمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلِّي»، فانظر كيف يُبعث المرء على ما عاش عليه، واعتاد بعضهم أنَّه (٧) كلَّما انتبه؛ ذكر الله، واستاك، وتوضَّأ وصلَّى، فلمَّا مات رُئِيَ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لمَّا جاءني الملكان، وعادت إليَّ روحي، حسبت أنِّي انتبهت من اللَّيل، فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضَّأ فقالا لي: أين تريد تذهب؟ فقلت: للوضوء (٨) والصَّلاة، فقالا (٩): نم نومة

стр. 3277

العروس، فلا خوف عليك ولا بؤس (فَيَقُولَانِ) له: (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بيانٌ من الرَّاوي، أي: لأجل محمَّدٍ ﵊، وعبَّر بذلك امتحانًا؛ لئلَّا يتلقَّن تعظيمه عن (١) عبارة القائل، والإشارة في قوله: «هذا» للحاضر، فقيل: يُكشَف للميِّت حتَّى يرى النَّبيَّ ﷺ ؛ وهي بشرى عظيمةٌ للمؤمن إن صحَّ ذلك، ولا نعلم (٢) حديثًا صحيحًا مرويًّا في ذلك، والقائل به إنَّما استند لمجرَّد أنَّ الإشارة لا تكون إلَّا لحاضرٍ، لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذِّهن، فيكون مجازًا (٣)، وزاد أبو داود في أوَّله: «ما كنت تعبد؟ فإنِ الله هداه، قال: كنتُ أعبد الله، فيُقال (٤) له: ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟» (فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) زاد في حديث أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق السَّابق في «العلم» [خ¦٨٦] و «الطَّهارة» [خ¦١٨٢] وغيرهما: «جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا» (فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) ولأبي داود: «هذا بيتك كان في النَّار» (قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) فيزداد فرحًا إلى فرحه، ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النَّار، وإدخاله الجنَّة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند سعيد بن منصورٍ: «فيقال له: نم نومة عروسٍ، فيكون في أحلى نومةٍ نامها أحد حتَّى يُبعَث (٥)»، وللتِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة: «ويقال له: نم نومة العروس الَّذي لا يوقظه إلَّا أحبُّ أهله إليه، حتَّى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا) بضمِّ الذَّال مبنيًّا للمفعول (أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ) «في» زائدةٌ، والأصل: يُفسَح قبره، ولأبوي ذَرٍّ والوقت «يُفسَح له في قبره» وزاد ابن حِبَّان: «سبعين ذراعًا في (٦) سبعين ذراعًا»، وعنده من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ﵁: «ويُرْحَب له في قبره سبعين ذراعًا، ويُنوَّر له كالقمر ليلة البدر»، وعنده أيضًا: «فيزداد غبطةً وسرورًا، فيُعاد الجلد إلى

стр. 3278

ما بُدِئ منه، وتجعل روحه في نَسَم طائرٍ تَعْلَقُ في شجرِ الجنَّة» (ثُمَّ رَجَعَ) قتادة (إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ) كذا بواو العطف، وتقدَّم في «باب خفق النِّعال» [خ¦١٣٣٨] «وأمَّا الكافر أو المنافق» بالشَّكِّ (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) محمَّدٍ ﷺ (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي؟) وفي رواية أبي داود المذكورة: «وإنَّ الكافر إذا وُضِع في قبره؛ أتاه ملكٌ فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟»، وفي أكثر الأحاديث: «ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟» وفي حديث البراء: «فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري؟ فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري؟ فيقولان له: ما هذا الرَّجل الَّذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري؟» (كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ (١) النَّاسُ) المسلمون (فَيُقَالُ) له: (لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ) أصله: تلوت بالواو، والمحدِّثون إنَّما يروونه بالياء للازدواج، أي: لا فهمتَ ولا قرأتَ القرآن، أو المعنى: لا دريتَ ولا اتَّبعتَ من يدري، ولأبي ذَرٍّ: «ولا أَتْليت» بزيادة ألفٍ وتسكين المثنَّاة الفوقيَّة، وصوَّبها يونس بن حبيبٍ، فيما حكاه ابن قتيبة: كأنَّه (٢) يدعو عليه؛ بأنَّه لا يكون له من يتبعه، واستبعد هذا في دعاء الملكين، وأجيب بأنَّ هذا أصل الدُّعاء، ثمَّ استُعمِل في غيره (وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً) بإفراد «ضربةً» وجمع «مطارق» ليؤذن بأنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء تلك المطرقة مطرَقةٌ برأسها مبالغةً (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) مفهومه: أنَّ من بَعُد لا يسمعه، فيكون مقصورًا على الملكَين، لكن في حديث البراء: «يسمعها ما بين المشرق والمغرب»، والمفهوم لا يعارض المنطوق، وفي حديث أبي سعيدٍ عند أحمد: «يسمعه خلق الله كلُّهم» (غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) الجنِّ والإنس، و «غيرَ» نصبٌ على الاستثناء، وفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر، وأنَّه واقعٌ على الكفَّار ومَن شاء الله من الموحِّدين، والمسألة وهل هي واقعةٌ على كلِّ أحدٍ؟ فقيل: إنَّما (٣) تقع على من يدَّعي الإيمان إنْ محقًّا وإنْ مبطلًا؛ لقول عبيد بن عميرٍ أحدِ كبار التَّابعين فيما رواه عبد الرَّزَّاق: إنَّما يُفتَن رجلان مؤمنٌ ومنافقٌ، وأمَّا الكافر فلا يُسأل عن

стр. 3279

محمَّدٍ، ولا يعرفه، والصَّحيح أنَّه يُسأل؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصَّحيحة الكثيرة الطُّرق، وبذلك جزم التِّرمذيُّ الحكيم، وقال ابن القيِّم في «الرُّوح»: في الكتاب والسُّنَّة دليلٌ على (١) أنَّ السُّؤال للكافر والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي حديث أنسٍ في «البخاريِّ» [خ¦١٣٧٤]: «وأمَّا المنافق والكافر» بواو العطف. وهل (٢) يُسأَل الطِّفل الَّذي لا يُميِّز؟ جزم القرطبيُّ في «تذكرته» أنَّه (٣) يُسأل، وهو منقولٌ عن الحنفيَّة، وجزم (٤) غير واحدٍ من الشَّافعيَّة بأنَّه لا يُسأَل، ومِن ثمَّ قالوا (٥): لا يستحبُّ أن يُلقَّن (٦)، وقال عبيد بن عميرٍ، ممَّا ذكره الحافظ زين الدِّين ابن رجبٍ في كتابه «أهوال القبور»: المؤمن يُفتَن سبعًا، والكافر (٧) أربعين صباحًا، ومن ثمَّ كانوا يستحبُّون أن يُطعَم عن المؤمن سبعة أيَّامٍ من يوم دفنه، وهذا ممَّا انفرد به، لا أعلم أحدًا قاله غيره، نعم؛ تبعه في ذلك وفي (٨) قوله السَّابق بعض العصريِّين، فلم يصب (٩)، والله الموفِّق، وقد صحَّ أنَّ المرابط في سبيل الله لا يُفتَن -كما في حديث مسلمٍ وغيره- كشهيد المعركة والصَّابر في الطَّاعون الَّذي لا (١٠) يخرج من البلد الَّذي يقع فيه (١١) قاصدًا بإقامته

стр. 3280

ثواب الله راجيًا (١) صدق موعوده عارفًا أنَّه إن وقع له؛ فهو بتقدير الله تعالى، وإن صُرِفَ عنه فبتقديره تعالى، غير متضجِّرٍ به لو وقع معتمدًا على ربِّه في الحالتين؛ لحديث البخاريِّ والنَّسائيِّ، عن عائشة مرفوعًا: «فليس من رجل يقع الطَّاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنَّه لا يصيبه إلَّا ما قد (٢) كَتبَ الله له، إلَّا كان له مثل أجر الشَّهيد» [خ¦٣٤٧٤] وجه الدَّليل: أنَّ الصَّابر في الطَّاعون المتَّصف بالصِّفات المذكورة نظير المرابط في سبيل الله، وقد صحَّ أنَّ المرابط لا يُفتَن، ومَن مات بالطَّاعون فهو أَولى، وهل السُّؤال يختصُّ بهذه الأمَّة المحمَّديَّة، أم يعمُّ الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث التَّخصيص، وبه جزم الحكيم التِّرمذيُّ، وجنح ابن القيِّم إلى التَّعميم، واحتجَّ بأنَّه ليس في الأحاديث ما ينفي ذلك، وإنَّما أخبر النَّبيُّ ﷺ أمَّته بكيفيَّة امتحانهم في القبور، قال: والَّذي يظهر أنَّ كلَّ نبيٍّ مع أمَّته كذلك، فتُعذَّب كفَّارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجَّة عليهم؛ كما يعذبون في الآخرة بعد السُّؤال وإقامة الحجَّة عليهم، وهل (٣) السُّؤال باللِّسان العربيِّ أم بالسِّريانيِّ؟ ظاهر قوله: «ما كنت تقول في هذا الرَّجل؟» إلى آخر الحديث، أنَّه بالعربيِّ، قال شيخنا: ويشهد له ما رويناه من طريق يزيد بن طريفٍ قال: مات أخي فلمَّا أُلحِدَ، وانصرف النَّاس عنه وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتًا ضعيفًا أعرف أنَّه صوت أخي، وهو يقول: الله، فقال له (٤) الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام. ومن طريق العلاء بن عبد الكريم قال: مات رجلٌ، وكان له أخٌ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفنَّاه، فلمَّا انصرف النَّاس عنه وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوتٍ من داخل القبر، يقول: من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك؟ فسمعت صوت أخي وهو (٥) يقول: الله، قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام، إلى غير ذلك ممَّا يستأنس به لكونه عربيًا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كلِّ أحدٍ بلسانه، قال شيخنا: ويستأنس له بإرسال الرُّسل بلسان قومهم، وعن الإمام البلقينيِّ أنَّه بالسِّريانيَّة، والله أعلم.

стр. 3281

(٨٧) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ). ١٣٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي نسخةٍ: «أخبرنا» (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيُّ الصَّحابيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريِّ (¬﵃، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من المدينة إلى خارجها (وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) أي: سقطت، يريد: غربت، والجملة حاليَّةٌ (فَسَمِعَ صَوْتًا) إمَّا صوت ملائكة العذاب، أو صوت وَقْع العذاب، أو صوت المعذَّبين، وفي «الطَّبرانيِّ» عن عونٍ بهذا السَّند: أنَّه ﷺ قال: «أسمعُ صوت اليهود يُعذَّبون في قبورهم» (فَقَالَ: يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا) «يهودُ» مبتدأٌ، و «تعذَّب» خبره، وقال في «فتح الباري»: «يهود» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذه يهود، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ظنَّ أنَّ «يهود» نكرةٌ وليس كذلك، بل هو عَلَمٌ للقبيلة، وقد تدخله الألف واللَّام، قال الجوهريُّ: الأصل:

стр. 3282

اليهوديُّون، فحُذِفَت ياء الإضافة (١)؛ مثل: زنجٍ وزنجيٍّ، ثمَّ عُرِّف على هذا الحدِّ، فجُمِع على قياس: شعيرٍ وشعيرةٍ، ثمَّ عُرِّفَ الجمع بالألف واللَّام، ولولا ذلك؛ لم يجز دخولهما؛ لأنَّه معرفةٌ مؤنَّثٌ، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث. انتهى. وهذا نقله في «فتح الباري» عن الجوهريِّ أيضًا، وزاد في إعراب «يهود» (٢) أنَّه مبتدأٌ، خبره محذوفٌ، فكيف يقول العينيُّ: إنَّه ظنَّ أنَّه نكرةٌ بعد قوله ذلك؟ فليُتأمَّل، وإذا ثبت أنَّ اليهود تُعذَّب؛ ثبت تعذيب غيرهم من المشركين؛ لأنَّ كفرهم بالشِّرك أشدُّ من كفر اليهود، ومناسبة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ كل من سمع مثل ذلك الصَّوت يتعوَّذ مِن مثله، أو الحديث من الباب السَّابق، وأدخله هنا بعض النُّسَّاخ (وَقَالَ النَّضْرُ) بن شُمَيلٍ ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَوْنٌ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) أبا جُحَيفة (قال: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفائدة ذكر ذلك: تصريح عونٍ فيه بالسَّماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء، وهذا ثابتٌ عند أبي ذَرٍّ كما نبَّه عليه في الفرع وأصله (٣). وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من الصَّحابة في نسقٍ، أوَّلهم: أبو جحيفة، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، و (٤) السَّماع، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «صفة أهل النَّار» والنَّسائيُّ في «الجنائز». ١٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلًّى) بالتَّنوين، وعند أبي ذَرٍّ: «ابن أسدٍ» قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بالإفراد مع تاء التَّأنيث (ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ

стр. 3283

سَعِيدِ بْنِ العَاصِي) أَمَةٌ، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، أمُّ خالدٍ الأمويَّة، وُلِدَت بالحبشة، وتزوَّجها الزُّبير، فولدت له خالدًا وعمرًا: (أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) إرشادًا لأمَّته؛ ليقتدوا به في ذلك، لينجوا من العذاب. وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وشيخه ووهيبٌ (١) بصريَّان، وموسى مدنيٌّ، وأخرجه أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٦٤] والنَّسائيُّ في «التَّعوُّذ». ١٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يدعو ويقول: اللهم» (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ) تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ كما أنَّ تاليه تخصيصٌ بعد تعميم، وهو قوله: (وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) الابتلاء مع عدم الصَّبر والرِّضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهدى (وَ) من فتنة (المَمَاتِ) سؤال منكرٍ ونكيرٍ مع الحيرة (٢) والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشَّدائد، قاله الشَّيخ أبو النَّجيب السَّهروَرديُّ، و «المحيا» و «الممات»: مصدران ميميَّان، مَفْعَل، من الحياة والموت (وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بفتح الميم وبالسِّين والحاء المهملَتين؛ لأنَّ إحدى عينيه ممسوحةٌ، فيكون: فعيلًا بمعنى: مفعولٍ، أو لأنَّه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيَّامٍ معدودةٍ، فيكون بمعنى: فاعل، وصدور هذا الدُّعاء منه ﷺ على سبيل العبادة والتَّعليم.

стр. 3284

وفي الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، ورواية (١) يمانيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة». (٨٨) (باب) بيان (عَذَابِ القَبْرِ) الحاصل (مِنَ الغِيبَةِ) بكسر الغين؛ وهي ذكر الإنسان في غيبته بسوءٍ وإن كان فيه (وَ) باب بيان عذاب القبر من أجل عدم الاستنزاه (٢) من (البَوْلِ) وخصَّهما بالذِّكر؛ لتعظيم (٣) أمرهما لا لنفي الحكم عن غيرهما، نعم هما أمكن، وقد روى أصحاب السُّنن الأربعة: «استنزهوا من البول فإنَّ عامَّة عذاب القبر منه». ١٣٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ولأبي ذَرٍّ: «عن ابن عبَّاسٍ» (¬﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ (٤) كَبِيرٍ) دَفْعُهُ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (بَلَى) إنَّه كبيرٌ من جهة الدِّين (أَمَّا أَحَدُهُمَا (٥) فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ) المحرَّمة (وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) من الاستتار، وهو مجازٌ عن الاستنزاه (٦) كما

стр. 3285

مرّ البحث (١) فيه (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا) في غير هذه الرِّواية: «ثمَّ أخذ جريدةً رطبةً» [خ¦٢١٨] (فَكَسَرَهُ) أي: العود (بِاثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ: «باثنين» بحذفها (ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من (٢) العودين (عَلَى قَبْرٍ) منهما (ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا) العذاب، وفاء «يخفَّف» الأولى مفتوحةٌ (مَا لَمْ يَيْبَسَا) أي: مدَّة دوامهما إلى زمن يبسهما، وليس للغيبة الَّتي هي إحدى (٣) جزأي التَّرجمة ذكرٌ في الحديث، فقيل: لأنَّهما متلازمان؛ لأنَّ النَّميمة مشتملةٌ على نقل كلام المغتاب الَّذي اغتابه، والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده، وعُورِضَ بأنَّه لا يلزم من الوعيد على النَّميمة ثبوته على الغيبة وحدها؛ لأنَّ مفسدة النَّميمة أعظم، فإذا لمْ تُسَاوها؛ لم يصحَّ الإلحاق؛ إذ لا يلزم من التَّعذيب على الأشدِّ التَّعذيب على الأخفِّ، وأُجِيبَ بأنَّه لا يلزم من الإلحاق وجود المساواة، والوعيد على الغيبة الَّتي تضمَّنتها النَّميمة موجودٌ (٤)، فيصحُّ الإلحاق بهذا الوجه، وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: «الغيبة» فلعلَّ المصنِّف جرى على عادته في الإشارة في التَّرجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث. (٨٩) (بابُ المَيِّتِ) بإضافة «باب» لتاليه، ولأبي ذَرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، «الميِّتُ» (يُعْرَضُ (٥) عَلَيْهِ بِالغَدَاةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مقعده بالغداة» (وَالعَشِيِّ) أي: وقتهما؛ لأنَّ الموتى لا صباح عندهم ولا مساء.

стр. 3286

١٣٧٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ) أي: فيهما، ويحتمل أن يحيا منه جزءٌ؛ ليُدْركَ ذلك، وتصحَّ مخاطبته والعرض عليه، أو العرض على الرُّوح فقط، لكنَّ ظاهر الحديث الأوَّل (١)، وهل العرض مرَّةً واحدةً بالغداة، ومرَّةً أخرى بالعشيِّ فقط؟ أو كلَّ غداةٍ وكلَّ عشيٍّ؟ والأوَّل موافقٌ للأحاديث السَّابقة في سياق المسألة، وعرض المقعدين على كلِّ واحدٍ (٢) (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لكنَّهما متغايران في التَّقدير، ويحتمل أن يكون تقديره: فمِن مقاعد أهل الجنَّة، أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنَّة (٣)، فحُذِف المبتدأ والمضاف المجرور بـ «من»، وأقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية (٤) مسلمٍ بلفظ: «إن كان من أهل الجنَّة فالجنَّة، وإن كان من أهل النَّار فالنَّار»، تقديره: فالمعروض الجنَّة أو المعروض النَّار، فاقتصر فيها على حذف المبتدأ، فهي أقلُّ حذفًا، أو المعنى: فإن كان من أهل الجنَّة فسيُبشَّر (٥) بما لا يدرك كُنْهَه، ويفوز بما لا يقدر قدره (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) زاد أبو ذَرٍّ: «فمِن (٦) أهل النار» أي: فمقعده من مقاعد أهلها، يُعرَض عليه (٧) أو يُعلَم بالعكس ممَّا

стр. 3287

يُبشَّر (١) به أهل الجنَّة؛ لأنَّ هذه المنزلة طليعةُ تباشير (٢) السَّعادة الكبرى، ومقدِّمة تباريح الشَّقاوة العظمى؛ لأنَّ الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا دلَّ الجزاء على الفخامة، وفي ذلك تنعيمٌ لمن هو من أهل الجنَّة، وتعذيبٌ لمن هو من أهل النار، بمعاينة ما أُعِدَّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود (فَيُقَالُ) له: (هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) ولمسلمٍ: «حتَّى يبعثك الله إليه يوم القيامة» بزيادة لفظ (٣): «إليه»، لكن حكى ابن عبد البرِّ أنَّ الأكثرين من أصحاب مالكٍ روَوْه كالبخاريِّ، وابن القاسم كرواية مسلمٍ. نعم روى النَّسائيُّ رواية ابن القاسم كلفظ البخاريِّ، واختُلِفَ في الضَّمير، هل (٤) يعود على المقعد؟ أي: هذا مقعدك تستقرُّ فيه حتَّى تُبعَث (٥) إلى مثله من الجنَّة أو النَّار، ولمسلمٍ من طريق الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه: «ثمَّ يقال: هذا مقعدك الَّذي تُبعَث إليه يوم القيامة»، أو الضَّمير يرجع إلى الله تعالى، أي: إلى لقاء الله تعالى، أو إلى (٦) المحشر، أي: هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر، فيرى عند ذلك كرامةً أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد؛ كقوله (٧) تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] قال الزَّمخشريُّ: أي: إنَّك مذمومٌ مدعوٌّ عليك باللَّعنة في السَّموات والأرض إلى يوم الدِّين، فإذا جاء ذلك اليوم، عُذِّبت بما تنسى اللَّعن معه (٨). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار» والنَّسائيُّ في «الجنائز». (٩٠) (باب كَلَامِ المَيِّتِ) بعد حمله (عَلَى الجَنَازَةِ) أي: النعش (٩).

стр. 3288

١٣٨٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي) مرَّتين (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟) بالمثنَّاة التَّحتيَّة في «يذهبون»، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملًا على المعنى، وعدل عن حكاية قول الجنازة: يا ويلي، كراهية (١) أن يضيف الويل إلى نفسه، ومعنى النِّداء فيه: يا حزني، يا هلاكي، يا عذابي، احضر فهذا وقتك وأوانك، وكلُّ من وقع في هَلَكَةٍ دعا بالويل، وأسند الفعل إلى الجنازة وأراد الميِّت، والكلام كما قال ابن بطَّالٍ: من الرُّوح، ورُوِي مرفوعًا: «إنَّ الميِّت ليَعرف مَن يحمله، ومَن يغسِّله، ومن يدلِّيه في قبره»، وعن مجاهد: «إذا مات الميِّت؛ فما من شيء إلَّا وهو يراه عند غسله وعند حمله، حتَّى يصير إلى قبره» (يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ) أي: لمات. ومناسبة هذه التَّرجمة لسابقتها من جهة عرض مقعد الميِّت عليه، فكأنَّ ابتداءه يكون عند حمل الجنازة؛ لأنَّه حينئذٍ يظهر للميِّت ما يؤول إليه حاله، فعند ذلك يقول: «قدموني قدموني» (٢)، أو «يا ويلها أين يذهبون (٣) بها؟». (٩١) (باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُسْلِمِينَ) غير البالغين (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وقال» (أَبُو

стр. 3289

هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ) «كان» بالإفراد، واسمها ضميرٌ يعود على الموت المفهوم ممَّا سبق، أي: كان موتهم له حجابًا، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «كانوا له حجابًا من النَّار» وسقط [«له»] لغير أبي ذَرٍّ وأبي الوقت (١) (أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ) وإذا كانوا سببًا في حجب النَّار عن الأبوين ودخولهما الجنَّة؛ فأولى أن يُحجَبوا هم عنها، ويدخلوا الجنَّة، فذلك معلومٌ من فحوى الخطاب، وهذا الحديث قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أره موصولًا من حديث أبي هريرة على هذا الوجه، لكن عند أحمد عنه مرفوعًا: «ما من مسلمَين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلَّا أدخلهما (٢) الله وإيَّاهم بفضل رحمته الجنَّة»، ولمسلمٍ عنه أيضًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لامرأةٍ: «دَفنتِ ثلاثةً من الولد (٣)؟» قالت: نعم، قال: «لقد احتظرتِ بحظارٍ شديدٍ من النَّار». ١٣٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم البصريُّ، و «عُلَيَّة» أمُّه، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «ثلاثةٌ من الولد لم» (يَبْلُغُوا الحِنْثَ؛ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ) استدلَّ بتعليله ﵊

стр. 3290

دخول الآباء الجنَّة برحمته (١) الأولاد، وشفاعتهم في آبائهم، على أنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة، وبه قطع الجمهور، وشذَّت الجبريَّة فجعلوهم تحت المشيئة، وهذه السُّنَّة تردُّ عليهم، وأجمع عليه (٢) من يُعتَدُّ به، وروى عبد الله بن الإمام أحمد في «زيادات (٣) المسند»: عن عليٍّ مرفوعًا: «إنَّ المسلمين وأولادهم في الجنَّة، وإنَّ المشركين وأولادهم في النَّار»، ثمَّ قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١] الآية، وهذا أصحُّ ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عبَّاسٍ، ويستحيل أن يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته إيَّاهم وهم غير مرحومين، وأمَّا حديث عائشة ﵂ عند مسلمٍ: تُوفِّي صبيٌّ من الأنصار، فقلتُ (٤): طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجنَّة، لم يعمل السُّوء، ولم يدركه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أَوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنَّه لعلَّه نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليلٌ قاطعٌ على ذلك؛ كما أنكر على سعد بن أبي وقَّاصٍ في قوله: إنِّي لأراه مؤمنًا، فقال: «أو مسلمًا … » الحديث [خ¦٢٧] الثَّاني: أنَّه ﵊ لعلَّه لم يكن حينئذ اطَّلع على أنَّهم في الجنَّة، ثمَّ أُعلِمَ بعد ذلك، ومحلُّ الخلاف في غير أولاد الأنبياء، أمَّا أولاد الأنبياء؛ فقال المازريُّ: الإجماع متحقِّقٌ (٥) على أنَّهم في الجنَّة.

стр. 3291

١٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ المشهور، وثَّقه أحمد والنَّسائيُّ والعجليُّ والدَّارقُطنيُّ، إلَّا أنَّه كان يغلو في التَّشيُّع، لكن احتجَّ به الجماعة، ولم يُخرِّج له في «الصَّحيح» شيئًا ممَّا يقوِّي (١) بدعته: (أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي إِبْرَاهِيمُ) ابن رسول الله ﷺ ﵇؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ) بضمِّ الميم، أي: من يتمُّ رضاعه، وعند الإسماعيليِّ (٢): «مُرضعًا ترضعه في الجنَّة»، قال الخطَّابيُّ: رُوِي بفتح الميم مصدرًا، أي: رَضاعًا، وتُحذَف الهاء من: مرضعٍ إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت إذا كان بمعنى: تجدِّد فعلها، وفي «مسند الفريابيِّ»: أنَّ خديجة ﵂ دخل عليها رسول الله ﷺ بعد موت القاسم وهي تبكي، فقالت: يا رسول الله؛ درَّتْ (٣) لُبَينة القاسم، فلو كان عاش حتَّى يستكمل الرَّضاعة لهوَّن عليَّ؟ فقال: «إنَّ له مرضعًا في الجنَّة؛ يستكمل رضاعته»، فقالت: لو أعلم ذلك، لهوَّن عليَّ، فقال: «إن شئتِ أسمعتكِ صوته في الجنَّة»، فقالت: بل أصدِّق (٤) الله ورسوله، قال السُّهيليُّ: وهذا من فقهها ﵂، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر معاينةً، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب، نقله في «المصابيح». (٩٢) (باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ) غير البالغين. ١٣٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ) بكسر الحاء المهمَلة وتشديد الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني»

стр. 3292

بالإفراد «حِبَّان بن موسى المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (١) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ) لم يعلم ابن حجرٍ اسم السَّائل، لكن يحتمل أن يكون عائشة؛ لحديث أحمد وأبي داود عنها أنَّها قالت: قلتُ: يا رسول الله؛ ذراري المسلمين … الحديث، وعند عبد الرَّزَّاق بسندٍ ضعيفٍ (٢) عنها أيضًا: أنَّها قالت (٣): سألت (٤) خديجةُ النَّبيَّ ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم» ثمَّ سألته بعد ذلك … الحديث، (فَقَالَ: اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ) أي: حين خلقهم، قال في «المصابيح»: و «إذْ» تتعلَّق بمحذوفٍ، أي: علم ذلك إذ خلقهم، والجملة معترضةٌ بين المبتدأ والخبر، ولا يصحُّ تعلُّقها بـ «أفعل» التَّفضيل لتَقدُّمها عليه، وقد يقال بجوازه مع التَّقدُّم (٥)؛ لأنَّه (٦) ظرفٌ، فيُتَّسع فيه (أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: أنَّه علم أنَّهم (٧) لا يعملون ما يقتضي تعذيبهم، ضرورة أنَّهم غير مكلَّفين، وقال ابن قتيبة: أي: لو أبقاهم؛ فلا تحكموا عليهم بشيءٍ، وقال غيره: قال ذلك قبل أن يعلم أنَّهم من أهل الجنَّة، وهذا يشعر بالتَّوقُّف، وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق عمَّار بن أبي عمَّارٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: كنت أقول في أولاد المشركين هم منهم، حتَّى حدَّثني رجلٌ عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فلقيته، فحدَّثني عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «ربُّهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين»، فأمسكتُ عن قولي، قال في «الفتح»: فبيَّن أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يسمع هذا الحديث من النَّبيِّ ﷺ . وفي سند حديث الباب التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وفيه مروزيَّان وواسطيَّان وكوفيٌّ،

стр. 3293

وأخرجه أيضًا في «القَدَر» [خ¦٦٥٩٧]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ. ١٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) بالمثلَّثة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ) بالذَّال المعجمة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة؛ جمع: ذرِّيَّة، أي: أولادهم الَّذين لم يبلغوا الحلم (فَقَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) وقد احتجَّ بقوله (١): «الله أعلم بما كانوا عاملين» بعضُ مَن قال: إنَّهم في مشيئة الله، ونُقِلَ عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقيُّ في «الاعتقاد» عن الشَّافعيِّ، قال ابن عبد البرِّ: وهو مقتضى صنيع مالكٍ، وليس عنه في هذه المسألة شيءٌ مخصوصٌ، إلَّا أنَّ أصحابه صرَّحوا بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال الكفَّار (٢) خاصَّةً في المشيئة، قال: والحجَّة فيه حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وروى أحمد من حديث عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن وِلْدان المسلمين؟ قال: «في الجنَّة» وعن أولاد المشركين؟ قال: «في النَّار»، فقلت: يا رسول الله؛ لم يدركوا الأعمال! قال: «ربُّك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت؛ أسمعتُك تضاغيهم في النَّار»، لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ في إسناده أبا عقيلٍ مولى بهيَّة (٣)، وهو متروكٌ.

стр. 3294

١٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كُلُّ مَوْلُودٍ) من بني آدم (يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ) بفتح الميم والمثلَّثة (تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةَ) سليمةً (هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟) بفتح الجيم وإسكان الدَّال المهملة والمدِّ: مقطوعةُ الأذن، وإنَّما يجدعها أهلها، وفيه إشعارٌ بأنَّ أولاد المشركين في الجنَّة، فصدَّر المؤلِّف الباب بالحديث الدَّالِّ على التَّوقُّف حيث قال فيه: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثمَّ ثنَّى بهذا الحديث المرجِّح لكونهم في الجنَّة، ثمَّ ثلَّث بالحديث اللَّاحق المصرِّح بذلك، حيث قال فيه: «وأمَّا الصِّبيان حوله؛ فأولاد النَّاس» [خ¦١٣٨٦] وهو عامٌّ يشمل أولاد المسلمين وغيرهم، وقد اختلف في هذه المسألة فقيل: إنَّهم في مشيئة الله، ونقله البيهقيُّ في «الاعتقاد» عن الشَّافعيِّ في أولاد الكفَّار خاصَّةً، وليس عن مالكٍ شيءٌ منصوصٌ في ذلك. نعم؛ صرَّح أصحابه بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال الكفَّار خاصَّة في المشيئة، وقيل: إنَّهم تبعٌ لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنَّة وأولاد الكفَّار في النَّار، وقيل: إنَّهم في البرزخ بين الجنَّة والنَّار؛ لأنَّهم لم يعملوا حسناتٍ يدخلون بها الجنَّة، ولا سيِّئاتٍ يدخلون بها النَّار، وقيل: إنَّهم خدم أهل الجنَّة؛ لحديث أبي داود وغيره عن أنسٍ، والبزَّار (١) من حديث سَمُرة مرفوعًا: «أولاد المشركين خدم أهل الجنَّة» وإسناده ضعيفٌ، وقيل: يصيرون ترابًا، وقيل: إنَّهم في النَّار، حكاه عياضٌ عن الإمام أحمد، وغلَّطه ابن تيمية بأنَّه قولٌ لبعض أصحابه، ولا يُحفَظ عن الإمام شيءٌ أصلًا، وقيل: إنَّهم يُمتحنون في الآخرة بأن يرفع الله لهم نارًا، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عُذِّبَ، أخرجه البزَّار من حديث أنسٍ وأبي سعيدٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث معاذ بن جبلٍ. وتُعقِّب بأنَّ الآخرة ليست دار تكليفٍ، فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأُجِيبَ بأنَّ ذلك بعد أن يقع (٢) الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، وأمَّا في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]

стр. 3295

وقيل: إنَّهم في الجنَّة، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المختار الَّذي صار إليه المحقِّقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقيل بالوقف، والله أعلم (١). (٩٣) (بابٌ) بالتَّنوين، وهو بمنزلة الفصل من الباب السَّابق، وهو ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ.
следующие страницы →