← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

١٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الكوفيِّ التَّابعيِّ المشهور، وثَّقه أحمد والنَّسائيُّ والعجليُّ والدَّارقُطنيُّ، إلَّا أنَّه كان يغلو في التَّشيُّع، لكن احتجَّ به الجماعة، ولم يُخرِّج له في «الصَّحيح» شيئًا ممَّا يقوِّي (١) بدعته: (أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ) بن عازبٍ (¬﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي إِبْرَاهِيمُ) ابن رسول الله ﷺ ﵇؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ) بضمِّ الميم، أي: من يتمُّ رضاعه، وعند الإسماعيليِّ (٢): «مُرضعًا ترضعه في الجنَّة»، قال الخطَّابيُّ: رُوِي بفتح الميم مصدرًا، أي: رَضاعًا، وتُحذَف الهاء من: مرضعٍ إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت إذا كان بمعنى: تجدِّد فعلها، وفي «مسند الفريابيِّ»: أنَّ خديجة ﵂ دخل عليها رسول الله ﷺ بعد موت القاسم وهي تبكي، فقالت: يا رسول الله؛ درَّتْ (٣) لُبَينة القاسم، فلو كان عاش حتَّى يستكمل الرَّضاعة لهوَّن عليَّ؟ فقال: «إنَّ له مرضعًا في الجنَّة؛ يستكمل رضاعته»، فقالت: لو أعلم ذلك، لهوَّن عليَّ، فقال: «إن شئتِ أسمعتكِ صوته في الجنَّة»، فقالت: بل أصدِّق (٤) الله ورسوله، قال السُّهيليُّ: وهذا من فقهها ﵂، كرهت أن تؤمن بهذا الأمر معاينةً، فلا يكون لها أجر الإيمان بالغيب، نقله في «المصابيح». (٩٢) (باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ) غير البالغين. ١٣٨٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ) بكسر الحاء المهمَلة وتشديد الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني»

стр. 3292

بالإفراد «حِبَّان بن موسى المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (١) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ) لم يعلم ابن حجرٍ اسم السَّائل، لكن يحتمل أن يكون عائشة؛ لحديث أحمد وأبي داود عنها أنَّها قالت: قلتُ: يا رسول الله؛ ذراري المسلمين … الحديث، وعند عبد الرَّزَّاق بسندٍ ضعيفٍ (٢) عنها أيضًا: أنَّها قالت (٣): سألت (٤) خديجةُ النَّبيَّ ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم» ثمَّ سألته بعد ذلك … الحديث، (فَقَالَ: اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ) أي: حين خلقهم، قال في «المصابيح»: و «إذْ» تتعلَّق بمحذوفٍ، أي: علم ذلك إذ خلقهم، والجملة معترضةٌ بين المبتدأ والخبر، ولا يصحُّ تعلُّقها بـ «أفعل» التَّفضيل لتَقدُّمها عليه، وقد يقال بجوازه مع التَّقدُّم (٥)؛ لأنَّه (٦) ظرفٌ، فيُتَّسع فيه (أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: أنَّه علم أنَّهم (٧) لا يعملون ما يقتضي تعذيبهم، ضرورة أنَّهم غير مكلَّفين، وقال ابن قتيبة: أي: لو أبقاهم؛ فلا تحكموا عليهم بشيءٍ، وقال غيره: قال ذلك قبل أن يعلم أنَّهم من أهل الجنَّة، وهذا يشعر بالتَّوقُّف، وقد روى أحمد هذا الحديث من طريق عمَّار بن أبي عمَّارٍ، عن ابن عبَّاسٍ قال: كنت أقول في أولاد المشركين هم منهم، حتَّى حدَّثني رجلٌ عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فلقيته، فحدَّثني عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «ربُّهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين»، فأمسكتُ عن قولي، قال في «الفتح»: فبيَّن أنَّ ابن عبَّاسٍ لم يسمع هذا الحديث من النَّبيِّ ﷺ . وفي سند حديث الباب التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وفيه مروزيَّان وواسطيَّان وكوفيٌّ،

стр. 3293

وأخرجه أيضًا في «القَدَر» [خ¦٦٥٩٧]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ. ١٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) بالمثلَّثة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ) بالذَّال المعجمة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة؛ جمع: ذرِّيَّة، أي: أولادهم الَّذين لم يبلغوا الحلم (فَقَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) وقد احتجَّ بقوله (١): «الله أعلم بما كانوا عاملين» بعضُ مَن قال: إنَّهم في مشيئة الله، ونُقِلَ عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقيُّ في «الاعتقاد» عن الشَّافعيِّ، قال ابن عبد البرِّ: وهو مقتضى صنيع مالكٍ، وليس عنه في هذه المسألة شيءٌ مخصوصٌ، إلَّا أنَّ أصحابه صرَّحوا بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال الكفَّار (٢) خاصَّةً في المشيئة، قال: والحجَّة فيه حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وروى أحمد من حديث عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن وِلْدان المسلمين؟ قال: «في الجنَّة» وعن أولاد المشركين؟ قال: «في النَّار»، فقلت: يا رسول الله؛ لم يدركوا الأعمال! قال: «ربُّك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت؛ أسمعتُك تضاغيهم في النَّار»، لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ في إسناده أبا عقيلٍ مولى بهيَّة (٣)، وهو متروكٌ.

стр. 3294

١٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كُلُّ مَوْلُودٍ) من بني آدم (يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ) بفتح الميم والمثلَّثة (تُنْتَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: تلد (البَهِيمَةَ) سليمةً (هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟) بفتح الجيم وإسكان الدَّال المهملة والمدِّ: مقطوعةُ الأذن، وإنَّما يجدعها أهلها، وفيه إشعارٌ بأنَّ أولاد المشركين في الجنَّة، فصدَّر المؤلِّف الباب بالحديث الدَّالِّ على التَّوقُّف حيث قال فيه: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثمَّ ثنَّى بهذا الحديث المرجِّح لكونهم في الجنَّة، ثمَّ ثلَّث بالحديث اللَّاحق المصرِّح بذلك، حيث قال فيه: «وأمَّا الصِّبيان حوله؛ فأولاد النَّاس» [خ¦١٣٨٦] وهو عامٌّ يشمل أولاد المسلمين وغيرهم، وقد اختلف في هذه المسألة فقيل: إنَّهم في مشيئة الله، ونقله البيهقيُّ في «الاعتقاد» عن الشَّافعيِّ في أولاد الكفَّار خاصَّةً، وليس عن مالكٍ شيءٌ منصوصٌ في ذلك. نعم؛ صرَّح أصحابه بأنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال الكفَّار خاصَّة في المشيئة، وقيل: إنَّهم تبعٌ لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنَّة وأولاد الكفَّار في النَّار، وقيل: إنَّهم في البرزخ بين الجنَّة والنَّار؛ لأنَّهم لم يعملوا حسناتٍ يدخلون بها الجنَّة، ولا سيِّئاتٍ يدخلون بها النَّار، وقيل: إنَّهم خدم أهل الجنَّة؛ لحديث أبي داود وغيره عن أنسٍ، والبزَّار (١) من حديث سَمُرة مرفوعًا: «أولاد المشركين خدم أهل الجنَّة» وإسناده ضعيفٌ، وقيل: يصيرون ترابًا، وقيل: إنَّهم في النَّار، حكاه عياضٌ عن الإمام أحمد، وغلَّطه ابن تيمية بأنَّه قولٌ لبعض أصحابه، ولا يُحفَظ عن الإمام شيءٌ أصلًا، وقيل: إنَّهم يُمتحنون في الآخرة بأن يرفع الله لهم نارًا، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عُذِّبَ، أخرجه البزَّار من حديث أنسٍ وأبي سعيدٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث معاذ بن جبلٍ. وتُعقِّب بأنَّ الآخرة ليست دار تكليفٍ، فلا عمل فيها ولا ابتلاء، وأُجِيبَ بأنَّ ذلك بعد أن يقع (٢) الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، وأمَّا في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]

стр. 3295

وقيل: إنَّهم في الجنَّة، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المختار الَّذي صار إليه المحقِّقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقيل بالوقف، والله أعلم (١). (٩٣) (بابٌ) بالتَّنوين، وهو بمنزلة الفصل من الباب السَّابق، وهو ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ.

стр. 3296

١٣٨٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم والمدِّ، عمران بن تيمٍ، العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً) وللحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» وفي رواية يزيد بن هارون: إذا صلَّى صلاة الغداة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) مقصورٌ غير منصرفٍ، ويُكتَب بالألف كراهة اجتماع مِثْلين (قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) رؤيا (قَصَّهَا) عليه (فَيَقُولُ مَا شَاءَ الله، فَسَأَلَنَا يَوْمًا) بفتح اللَّام، جملةٌ من الفعل والفاعل والمفعول، و «يومًا» نصبٌ على الظَّرفيَّة (١) (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) بالنَّصب (رَجُلَيْنِ) قال الطِّيبيُّ: وجه الاستدراك أنَّه كان يحبُّ أن يعبِّر لهم الرُّؤيا، فلمَّا قالوا: ما رأينا، كأنَّه قال: أنتم ما رأيتم شيئًا، لكنِّي رأيت رجلين، وفي حديث عليٍّ عند ابن أبي حاتمٍ (٢): «رأيت ملَكين» (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) وللمُستملي: «إلى أرضٍ مقدَّسةٍ» وعند أحمد: «إلى أرضٍ فضاءٍ، أو أرض مستوية»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ) بالرَّفع، ويجوز النَّصب (٣) (وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ) شيءٌ، فسَّره المؤلِّف بقوله: (قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أبهمه لنسيانٍ أو غيره، وليس بقادحٍ؛ لأنَّه لا يروي إلَّا عن ثقةٍ مع شرطه المعروف، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف المراد بالبعض المبهَم، إلَّا أنَّ الطَّبرانيَّ

стр. 3297

أخرجه في «المعجم الكبير» عن العبَّاس بن الفضل الأسقاطيِّ (١) (عَنْ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيِّ: (كَلُّوبٌ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام (مِنْ حَدِيدٍ) له شعبٌ يعلَّق بها اللَّحم، و «مِنْ» للبيان (يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون الدَّال المهملة، أي: يدخل الرَّجل القائم الكَلُّوب في جانب فم الرَّجل الجالس، وهذا سياق رواية أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو سياقٌ مستقيمٌ، ولغيره: «ورجلٌ قائمٌ بيده كلُّوبٌ من حديدٍ، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنَّه» أي: ذلك الرَّجل «يدخل ذلك الكلُّوبَ» نصبٌ على المفعوليَّة «في شدقه» (حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ) بالموحَّدة وضمِّ اللَّام، وفي «التَّعبير»: «فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه» [خ¦٧٠٤٧] أي: يقطعه شقًّا، وفي حديث عليٍّ: «فإذا أنا بملكٍ، وأمامه آدميٌّ، وبيد الملك كلُّوبٌ من حديدٍ، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقُّه» (ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ) بفتح الخاء المعجمة (مِثْلَ ذَلِكَ) أي: مثل ما فعل بشدقه الأوَّل (وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ (٢) هَذَا فَيَعُودُ (٣)) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فما يفرغ من ذلك الجانب، حتَّى يصحَّ (٤) الجانب كما كان» فيعود ذلك الرَّجل (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) قال ﵊: (قُلْتُ) للملَكين: (مَا هَذَا؟) أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وللمُستملي: «من هذا؟» أي: من هذا (٥) الرَّجل؟ (قَالَا) أي: الملكان: (انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجرٌ ملء الكفِّ، والجملة حاليَّةٌ (أَوْ صَخْرَةٍ) على الشَّكِّ، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وإذا آخر قائمٌ عليه بصخرةٍ» من غير شكٍّ (فَيَشْدَخُ بِهِ) بفتح التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة وفتح الدَّال المهملة وبالخاء المعجمة من الشَّدخ؛ وهو كسر الشَّيء الأجوف،

стр. 3298

والضَّمير للفهر، ولأبي ذَرٍّ: «بها» (رَأْسَهُ) وفي «التَّعبير»: «وإذا هو يهوي بالصَّخرة لرأسه فيَثْلَغ رأسه» بفتح الياء وسكون المثلَّثة وفتح اللَّام وبالغين المعجمة (١)، أي: يشدخ رأسه (فَإِذَا ضَرَبَهُ؛ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ) بفتح الدَّالين المهملتين، بينهما هاءٌ ساكنةٌ، على وزن: تَفَعْلَلَ من مزيد الرُّباعيِّ، أي: تدحرج، وفي حديث عليٍّ: «فمررت على ملَكٍ وأمامه آدميٌّ، وبيد الملَك صخرةٌ يضرب بها هامة الآدميِّ، فيقع رأسه جانبًا، وتقع الصَّخرة جانبًا» (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجر (لِيَأْخُذَهُ) فيصنع به كما صنع (فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) الَّذي شدخ رأسه (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «حتَّى يصحَّ رأسه» (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ) مرَّةً واحدةً (فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ) بفتح المثلَّثة وسكون القاف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نَقْب» بالنُّون المفتوحة وسكون القاف، وعزا هذه في «المطالع» للأَصيليِّ، لكنَّه قال: بالنُّون وفتح القاف، قال: وهو بمعنى: «ثَقْب» بالمثلَّثة (مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ النُّون المشدَّدتين، آخره راءٌ: ما يُخبَز فيه (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ) بفتح الياء (٢) (تَحْتَهُ) بنصب التَّاء الثَّانية، أي: تحت التَّنُّور (نَارًا) بالنَّصب على التَّمييز، وأسند «يتوقَّد» إلى ضميرٍ عائدٍ إلى (٣) «الثَّقب»؛ كقولك (٤): مررت بامرأةٍ تتضوَّع (٥) من أَرْدانها طيبًا، أي: يتضوَّع طيبها من أردانها، فكأنَّه قال: يتوقَّد ناره تحته، قاله (٦) ابن مالكٍ، قال البدر الدَّمامينيُّ: وهو صريحٌ في أنَّ «تحته» منصوبٌ لا مرفوعٌ،

стр. 3299

وقال: إنَّه رآه (١) في نسخةٍ بضمِّ التَّاء الثَّانية، وصُحِّح عليها، قال: وكان هذا بناء على أنَّ «تحته» فاعل «يتوقَّد»، ونصوص أهل العربيَّة تأباه، فقد صرَّحوا بأنَّ: فوق وتحت من الظُّروف المكانيَّة العادمة التَّصرُّف (٢). انتهى. وقال ابن مالكٍ: ويجوز أن يكون فاعل «يتوقَّد» موصولًا بـ «تحته» فحُذِفَ، وبقيت صلته دالَّةً عليه (٣) لوضوح المعنى، والتَّقدير: يتوقَّد الَّذي تحته أو ما تحته (٤) نارًا، وهو مذهب الكوفيِّين والأخفش، واستصوبه ابن مالكٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «يتوقَّد تحته نارٌ» بالرَّفع على أنَّه فاعل «يتوقَّد» (فَإِذَا اقْتَرَبَ) بالموحَّدة آخره، من القرب، أي: إذا اقترب الوقود أو الحرُّ الدَّال عليه قوله: «يتوقَّد»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فإذا أقترت» بهمزة قطعٍ (٥) فقافٍ فمثناتين فوقيَّتين، بينهما راءٌ،؛ من القَتَرة، أي: التهبت وارتفع نارها؛ لأنَّ القتر: الغبار، وفي رواية ابن السَّكن والقابسيِّ وعُبْدُوس: «فَتَرت» بفاءٍ ومثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحَتين، وتاءٍ ساكنةٍ، بينهما راءٌ؛ وهو الانكسار والضَّعف، واستُشكِلَ: لأنَّ بعده: «فإذا خمدت رجعوا» ومعنى الفتور والخمود واحدٌ، وعند الحميديِّ ممَّا عزاه له في «شرح المشارق»: «فإذا ارتقت» من الارتقاء؛ وهو الصُّعود، قال الطِّيبيُّ: وهو الصَّحيح درايةً وروايةً، كذا قال، وعند أحمد: «فإذا أوقدت» (ارْتَفَعُوا) جواب «إذا»، والضَّمير فيه يرجع إلى النَّاس لدلالة سياق الكلام عليه (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا) «أن» مصدريَّة، والخبر محذوفٌ، أي: كاد خروجهم يتحقَّق، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «كادوا يخرجون» (فَإِذَا خَمَدَتْ) بفتح الخاء والميم، أي: سكن لهبها، ولم يُطفَأ حرُّها (رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ) لهما: (مَنْ هَذَا؟) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «ما هذا» (قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة: «فانطلقنا» ساقطةٌ عند أبي ذرٍّ (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (مِنْ دَمٍ)

стр. 3300

وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فأتينا على (١) نهرٍ، حسبت أنَّه كان يقول: أحمر مثل الدَّم» (فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى) ولأبي الوقت: «وعلى» (وَسَْطِ النَّهَرِ رَجُلٌ) بفتح السِّين وسكونها، ولأبي ذَرٍّ: «قال يزيد» أي: ابن هارون ممَّا وصله أحمد عنه، ووهب بن جريرٍ ممَّا وصله أبو عَوانة في «صحيحه» من طريقه عن جرير بن حازمٍ: «وعلى شطِّ النَّهر رجلٌ» بشينٍ معجمةٍ وتشديد الطَّاء (بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي بين يديه الحجارة (بِحَجَرٍ فِي فِيهِ) أي: في (٢) فمه (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) فيه كما (٣) قال ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: وقوع خبر «جَعل» الَّتي هي من أفعال المقاربة، جملةٌ فعليَّةٌ مصدَّرةٌ بـ «كلَّما»، والأصل فيه أن يكون فعلًا مضارعًا، تقول: جعلت أفعل كذا (٤)، هذا هو الاستعمال المطَّرد، وما جاء بخلافه فهو مُنبِّهٌ على أصلٍ متروكٍ، وذلك أنَّ سائر أفعال المقاربة مثل «كان» في الدُّخول على مبتدأ وخبرٍ (٥)، فالأصل أن يكون خبرها كخبر «كان» في وقوعه مفردًا، وجملةً اسميَّةً وفعليَّةً، وظرفًا، فترك الأصل والتزم أن يكون الخبر مضارعًا، ثمَّ نبَّه على الأصل شذوذًا في مواضع (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا) ولفظة «فانطلقنا» ساقطة عند أبي ذرٍّ (حَتَّى انْتَهَيْنَا (٦) إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ) زاد في «التَّعبير»: «فيها من كلِّ لون الرَّبيع (وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ) وفي «التَّعبير: «فإذا بين ظهرَي الرَّوضة، رجلٌ طويلٌ، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السَّماء، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ»

стр. 3301

(وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «فانطلقنا، فأتينا على رجلٍ كريهِ المرآة، كأكره ما أنت راءٍ رجلًا مَرآةً، وإذا عنده نارٌ يحشُّها ويسعى حولها» (فَصَعِدَا بِي) بالموحَّدة وكسر العين (فِي الشَّجَرَةِ) الَّتي هي في الرَّوضة الخضراء (وَأَدْخَلَانِي) بالنُّون (دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» بنونٍ آخره بدل الموحَّدة وتشديد السَّابقة (وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أي: من الدَّار (فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ) أيضًا (فَأَدْخَلَانِي) بالفاء، ولابن عساكر: «وأدخلاني» (دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) من الأولى (فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «وشبَّانٌ» (فقُلْتُ) لهما: (طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ) بطاءٍ مفتوحةٍ وواوٍ مشدَّدةٍ ونونٍ قبل الياء، ولأبي الوقت: «طوَّفتما بي» بالموحَّدة بدل النُّون (فَأَخْبِرَانِي) بكسر الموحَّدة (عَمَّا رَأَيْتُ؟ قَالَا: نَعَمْ) نخبرك (أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ (١)) بضمِّ الياء وفتح الشِّين مبنيًّا للمفعول، و «شدقُه» بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعله (فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَِذْبَةِ) بفتح الكاف، ويجوز كسرها، قال في «القاموس»: كذب يكذب كَذبًا وكِذبًا وكَذبةً وكِذبةً (٢) (فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بتخفيف ميم «تُحمَل»، والفاء في قوله: «فكذَّابٌ» جواب «أمَّا»، لكنَّ الأغلب في الموصول الَّذي تدخل (٣) الفاء في خبره أن يكون عامًّا مثل «مَنْ» الشَّرطيَّة، وصلته مستقبَلَةٌ، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضيةٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وكما في هذا الحديث؛ نحو: الذي يأتيني فمكرمٌ، فلو كان المقصود بـ «الذي» معيَّنًا؛ امتنع دخول الفاء على الخبر؛ كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود (٤) بها التَّعيين؛

стр. 3302

نحو: زيدٌ فمكرمٌ، «فمكرمٌ» (١) لم يجز (٢)، فكذا لا يجوز «الذي يأتيني» إذا قصدتَ به معيَّنًا، لكنَّ «الَّذي يأتيني» عند قصد التَّعيين شبيهٌ في اللَّفظ بـ «الذي يأتيني» عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء؛ حملًا للشَّبيه على الشَّبيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] فإنَّ مدلول: ﴿مَا﴾ معيَّن، ومدلول ﴿أَصَابَكُمْ﴾ ماضٍ، إلَّا أنَّه رُوعِي (٣) فيه الشَّبه اللَّفظيُّ، فشبَّه هذه الآيةَ بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فأجرى: «ما» في مصاحبة الفاء مجرى واحدٍ، قاله ابن مالكٍ، قال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: هذا كلامٌ متينٌ، لكنَّ جواب الملَكين تفصيلٌ لتلك الرُّؤيا المتعدِّدة (٤) المبهمة، فلا بدَّ من ذكر كلمة التَّفصيل؛ كما في البخاريِّ أو تقديرها، أي: فالفاء جوابُ «أمَّا» (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيتَ (٥) من شقِّ شدقه (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد (وَ) أمَّا (الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ) بضمِّ الياء وفتح الدَّال من «يُشدَخُ» مبنيًّا للمفعول، و «رأسُهُ» نائبٌ عن الفاعل (فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أي: أعرض عن تلاوته (وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ) ظاهره أنَّه يُعذَّب على ترك تلاوة القرآن (٦) باللَّيل، لكن يحتمل أن يكون التَّعذيب على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل (يُفْعَلُ بِهِ) ما رأيت من الشَّدخ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لأنَّ الإعراض عن القرآن بعد حفظه جنايةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يوهم أنَّه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه، فلمَّا أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرَّأس (وَ) أمَّا الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) بفتح المثلَّثة، ولأبي ذَرٍّ (٧): «في النَّقب» (فَهُمُ الزُّنَاةُ) وإنَّما قُدِّر بقوله: وأمَّا الفريق؛ لأنَّه

стр. 3303

قد يُستَشكَل الإخبار عن «الذي» بقوله: «هم الزُّناة»، لا سيَّما والعائد على «الَّذي» من قوله «والذي رأيته» لا يخفى كونه مفردًا، فرُوعِيَ اللَّفظ تارةً والمعنى أخرى، قاله في «المصابيح» (وَ) الفريق (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ) الكائن (فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ﵇ وقُدِّر بالكائن؛ لأنَّ الظَّاهر كون الظَّرف؛ أعني: في الشَّجرة صفةٌ للشَّيخ، فيُقدَّر عامله اسمًا معرفًا لذلك (١) رعاية لجانب المعنى وإن كان المشهور (٢) تقديره فعلًا أو اسمًا منكرًا، لكنَّ ذلك إنَّما هو حيث لا مقتضى للعدول عن التَّنكير والمقتضى (٣) هنا قائم؛ إذ لا يجوز أن يكون ظرفًا لغوًا معمولًا للشَّيخ؛ إذ لا معنى له أصلًا، ولا أن يكون ظرفًا مستقرًّا حالًا من الشَّيخ؛ إذ الصَّحيح امتناع وقوع الحال من المبتدأ، قاله العلَّامة (٤) البدر الدَّمامينيُّ، وحذفت الفاء من قوله: «آكلوا الرِّبا»، ومن قوله: «إبراهيم»؛ نظرًا إلى أنَّ «أمَّا» لمَّا حُذِفَت، حُذِفَ مقتضاها (وَ) أمَّا (الصِّبْيَانُ) الكائنون (حَوْلَهُ) أي: إبراهيم (فَأَوْلَادُ النَّاسِ) دخلت الفاء على الخبر؛ لأنَّ الجملة معطوفةٌ على مدخول «أمَّا» في قوله: «أمَّا الرَّجل الَّذي رأيته يشقُّ شدقه» وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ النَّاس في قوله: «فأولاد النَّاس» عامٌّ يشمل المؤمنين وغيرهم، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «وأمَّا الولدان حوله؛ فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين»، وهذا ظاهر (٥) أنَّه ﵊ ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارضه قوله: «هم مع (٦) آبائهم» لأنَّ ذلك في (٧) حكم الدُّنيا (وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) فيها هي (٨) (دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) وهذا يدلُّ على أنَّ منازل الشُّهداء أرفع المنازل، لكن لا يلزم أن

стр. 3304

يكونوا أرفع درجةً من الخليل ﵊، لاحتمال أن تكون إقامته هناك بسبب كفالته الولدان، ومنزلته في الجنَّة أعلى من منازل الشُّهداء بلا ريب، كما أنَّ آدم ﵊ في السَّماء الدُّنيا؛ لكونه يرى نسم بنيه من أهل الخير، ومن أهل الشَّرِّ، فيضحك ويبكي، مع أنَّ منزلته هو (١) في علِّيِّين، فإذا كان يوم القيامة؛ استقرَّ كلٌّ منهم في منزلته، واكتفى في دار الشَّهداء بذكر الشُّيوخ والشَّباب؛ لأنَّ الغالب أنَّ الشَّهيد لا يكون امرأةً ولا صبيًّا (وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ) وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧]: «مثل الرَّاية البيضاء» (قَالَا: ذَاكَ) ولأبي ذَرٍّ: «ذلك» (مَنْزِلُكَ) ولأبي ذر: «منزلتك» (٢) (قُلْتُ: دَعَانِي) أي: اتركاني (أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ) عمرك (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ). وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] بعون الله وقوَّته، وفيه التَّحديث، والعنعنة، وأبو رجاء مخضرَمٌ أدرك زمن النَّبيِّ ﷺ ، وأسلم بعد فتح مكَّة، لكنَّه (٣) لا رؤية له، وأخرجه المؤلِّف هنا تامًّا، وكذا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٧] وأخرج (٤) في «الصَّلاة» قبل «الجمعة» [خ¦٨٤٥] وفي «التَّهجد» [خ¦١١٤٣] و «البيوع» [خ¦٢٠٨٥] و «بدء الخلق» [خ¦٣٢٣٦] و «الجهاد» [خ¦٢٧٩١] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٧٤] و «الأدب» [خ¦٦٠٩٦] أطرافًا منه، ومسلمٌ قطعة منه (٥). (٩٤) (باب) فضل (مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ).

стр. 3305

١٣٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمِّيُّ، أخو بهز بن أسدٍ البصريِّ قال (١): (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتَّصغير، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁¬) في مرض موته (فَقَالَ: فِي كَمْ) أي: كم ثوبًا (كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ ؟) فيه، و «كم» الاستفهاميَّة وإن كان لها صدر الكلام، ولكنَّ الجارَّ كالجزء له، فلا يتصدَّر عليه (قَالَتْ) عائشة: قلت له: كفَّنَّاه (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) بكسر الموحَّدة؛ جمع: أبيض (سَحُولِيَّةٍ) بفتح السِّين وبالحاء المهملتين، نسبةً إلى سحولٍ قريةٍ باليمن؛ كما مرَّ [خ¦١٢٦٤] (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا) أيضًا ﵄: (فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّي النَّبيُّ ﷺ ؟ قَالَتْ): تُوفِّي (يَوْمَ الاِثْنَيْنِ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، واستفهامه لها عمَّا ذُكِرَ، قيل: توطئةً لعائشة للصَّبر على فقده؛ لأنَّه (٢) لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النَّبيِّ ﷺ ؛ لما في بداءته لها بذلك من إدخال الغمِّ العظيم عليها؛ إذ يبعد أن يكون أبو بكرٍ ﵁ نسي ما سألها عنه مع قرب العهد (قَالَ) أبو بكر الصِّدِّيق (٣) ﵁: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ): هو (يَوْمُ الاِثْنَيْنِ) برفع «يومُ» خبر مبتدأ (٤) محذوفٍ (قَالَ: أَرْجُو) أي: أتوقَّع أن تكون وفاتي (فِيمَا بَيْنِي) أي: فيما بين ساعتي هذه (وَبَيْنَ اللَّيْلِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وبين اللَّيلة» (فَنَظَرَ) وفي نسخةٍ «ثمَّ نظر» (إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ) بتشديد الرَّاء (بِهِ رَدْعٌ) (٥) بفتح الرَّاء وسكون الدَّال، آخره عينٌ مهملتَين: لطخٌ وأثرٌ (مِنْ زَعْفَرَانٍ) لم يعمَّه، ولأبي الوقت من غير

стр. 3306

«اليونينيَّة» (١): «ردغٌ» بالغين المعجمة (فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا) وسقط في بعض النُّسخ لفظ «هذا» (وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ) زاد ابن سعدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: «جديدَين» (فَكَفِّنُونِي فِيهَا) أي: في الثَّلاثة موافقةً للنَّبيِّ ﷺ ، ولأبي ذَرٍّ: «فيهما» أي: في المزيد والمزيد عليه، قالت عائشة: (قُلْتُ: إِنَّ هَذَا) أي: الثَّوب الَّذي كان عليه (خَلَقٌ) بفتح الخاء واللَّام، أي: غير جديدٍ (قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ) أي: الكفن (لِلْمَُِهْلَةِ) قال النَّووي: بتثليث الميم: القيح والصَّديد (فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثَّلَاثَاءِ) بالهمزة (٢) ممدودًا ويُضمُّ، قاله في «القاموس»؛ وهو كذلك بالمدِّ مهموزًا في الفرع (وَدُفِنَ) من ليلته (قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ) ووقع عند ابن سعدٍ من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة: أوَّل بدء مرض أبي بكرٍ أنَّه اغتسل يوم الاثنين لسبعٍ خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحُمَّ خمسةَ عشرَ يومًا، ومات مساء ليلة الثُّلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثَ عشرة، وترجَّى الصِّدِّيق ﵁ أن يموت يوم الاثنين، لقصد التَّبرُّك وحصول الخير؛ لكونه ﵊ تُوفِّي فيه؛ فله (٣) مزيَّةٌ على غيره من الأيَّام بهذا الاعتبار، وقد ورد في فضل الموت يوم الجمعة حديثُ عبد الله بن عمرٍو مرفوعًا: «ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلَّا وقاه الله فتنة القبر»، رواه التِّرمذيُّ، وفي إسناده ضعفٌ فلذا لم يخرِّجه المؤلِّف، وعَدَل عنه إلى ما وافق شرطه وصحَّ لديه، أحسن الله إليه (٤) برحمته عليه. (٩٥) (باب مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمزة (٥) من غير مدٍّ، كذا في الفرع، ورُوِيَ: «الفُجَاءَة» بضمِّ الفاء، وبعد الجيم مدٌّ ثمَّ همزةٌ: الموت من غير سببِ مرضٍ (البَغْتَةِ)

стр. 3307

بالجرِّ: بدلٌ من «الفجأة»، ويجوز الرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي البغتة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بَغْتَةً» بالتَّنكير. ١٣٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد (١) بن (٢) الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٣) كثيرٍ، المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) وفي نسخةٍ: «هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ولأبي ذَرٍّ: «عن عروة» بدل قوله: «عن أبيه» (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي) عَمْرة (افْتُلِتَتْ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأةً (نَفْسُهَا) بالرَّفع: نائبٌ عن الفاعل، وبالنَّصب: على أنَّه المفعول الثَّاني بإسقاط حرف الجرِّ، والأوَّل مضمرٌ؛ وهو القائم مقام الفاعل، أو يُضَمَّن «افتُلِتَت» معنى: سُلِبَت (٤)، فيكون «نفسُها» مفعولًا ثانيًا لا على إسقاط الجارِّ، أو بالنَّصب (٥) على التَّمييز، وكانت وفاتها سنة خمسٍ من الهجرة فيما ذكره ابن عبد البرِّ (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة «إِنْ» على أنَّها شرطيَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وهي الرِّواية الصَّحيحة، ولا يصحُّ قول من فَتَحها؛ لأنَّه إنَّما سأل عمَّا لم يفعل،

стр. 3308

لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: إِنْ ثبتت لنا روايةٌ بفتح الهمزة من «إِنْ»؛ أمكن تخريجها على مذهب الكوفيِّين في صحَّة مجيء «أَنْ» المفتوحة الهمزة شرطيَّةً كـ «إنْ» المكسورة، ورجَّحه ابن هشامٍ، والمعنى حينئذٍ صحيحٌ بلا شكٍّ (قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) لها أجرٌ إن تصدَّقتَ عنها، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ موت الفجأة ليس بمكروهٍ؛ لأنَّه ﵊ لم يظهر منه كراهةٌ لمَّا أخبره الرَّجل بأنَّ أمه افتُلِتَت نفسها، ونبَّه بذلك على أنَّ معاني الأحاديث الَّتي وردت في الاستعاذة من موت الفجأة؛ كحديث أبي داود بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ، لكنَّ راويه رفعه مرَّةً، ووقَفَه أخرى (١): «موت (٢) الفجأة أخذةُ آسِفٍ»، ولأنَّه (٣) لا يؤنس من صاحبها، ولا يُخرَج بها عن حكم الإسلام ورجاء الثَّواب وإن كان مستعاذًا منها؛ لما يفوت بها (٤) من خير الوصيَّة والاستعداد (٥) للمعاد بالتَّوبة وغيرها من الأعمال الصَّالحة، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عائشة وابن مسعودٍ: «موت الفجأة راحةٌ للمؤمن (٦)، وأسفٌ على الفاجر»، ونقل النَّوويُّ عن بعض القدماء: أنَّ جماعةً من الأنبياء والصُّلحاء ماتوا كذلك، قال النَّوويُّ: وهو محبوبٌ للمراقبين. ورواة هذا الحديث مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول.

стр. 3309

(٩٦) (باب مَا جَاءَ فِي) صفة (قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) صفة قبر (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَ) صفة قبر (عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) من التَّسنيم وغيره. (١) (﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]) ولأبي ذَرٍّ: «قول الله : ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾» مبتدأٌ أو خبرٌ، ومراده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] (أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ) من الثُّلاثي المزيد من باب الإفعال، زاد أبوا ذَرٍّ والوقت: «أُقْبِرُهُ» (إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ) من الثلاثيِّ (٢) المجرَّد (دَفَنْتُهُ) تكرمةً له وصيانةً عن السِّباع، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ﴾ (﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥]) أي: كافتةً، اسمٌ لما تضمُّه (٣) (يَكُونُونَ فِيهَا ﴿أَحْيَاء﴾ وَيُدْفَنُونَ فِيهَا ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦]). ١٣٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (٤) عبدِ الله بن أخت الإمام مالكِ بن أنسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة «ح» (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) النَّشائيُّ -بالشِّين المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي

стр. 3310

زَكَرِيَّاءَ) الغسَّانيُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ) بالعين المهملة والذَّال المعجمة، أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، وعند القابسيِّ: «يتقدَّر» بالقاف والدَّال المهملة، أي: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد؛ لأنَّ المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند بعضٍ من الأُنس والسُّكون (أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ؟) أي: لمن النَّوبة؟ (أَيْنَ أَنَا غَدًا؟) أي: لمن النَّوبة غدًا؟ أي: أيُّ امرأةٍ أكون غدًا عندها (اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ) اشتياقًا إليها وإلى يومها، قالت عائشة: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي) بفتح أوَّلهما وسكون ثانيهما، تريد: بين جنبي وصدري، والسَّحر: الرِّئة، فأطلقت على الجنب مجازًا، من باب تسمية المحلِّ باسم الحالِّ فيه، والنَّحر: الصَّدر (وَدُفِنَ فِي بَيْتِي) وهذا هو المقصود من الحديث، وقولها: «فلمَّا كان يومي قبضه الله» تعني: لو روعي الحساب (١) كانت وفاته واقعةً في نوبتي المعهودة قبل الإذن.

стр. 3311

١٣٩٠ - ١٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين الوضَّاح (عَنْ هِلَالٍ) هو ابن حُمَيدٍ الجهنيُّ، زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «هو الوزَّان (١)» (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) ولابن عساكر: «لم يقم فيه»: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) في بعض الطُّرق الاقتصار على لعن اليهود، وحينئذٍ فقوله: «قبور أنبيائهم مساجد» واضحٌ، فإنَّ النَّصارى لا يقولون بنبوَّة عيسى، بل البنوَّة أو الإلهيَّة، أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، بل (٢) ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وعلى هذا فيشكل قوله: «اليهود والنَّصارى» وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا»، وأُجِيبَ بإمَّا أن يكون الضَّمير يعود على اليهود فقط، بدليل الرِّواية الأخرى، وإمَّا بأنَّ المراد من (٣) أمروا بالإيمان بهم من الأنبياء السَّابقين، كنوحٍ وإبراهيم، قالت عائشة: (لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، و «قبرهُ» بالرَّفع: نائب الفاعل، ولأبي ذَرٍّ: «أَبرز قبره (٤)» بفتح الهمزة (غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ) ﵊ (أَوْ خُشِيَ) بضمِّ الخاء مبنيًّا للمفعول، والفاعل الصَّحابةُ

стр. 3312

أو عائشة (أَنَّ يُتَّخَذَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، قبره (مَسْجِدًا، وَ) بالإسناد المذكور (عَنْ هِلَالٍ) الوزَّان (قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَ) الحال أنه (لَمْ يُولَدْ لِي) ولدٌ، لأنَّ الغالب أنَّ الإنسان لا يُكنَّى إلَّا باسم أوَّل أولاده، ونبَّه المؤلِّف بذلك على لقيِّ هلالٍ لعروة، واختُلِفَ في كنية هلالٍ، والمشهور أبو عمرو. وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، المجاور بمكَّة، قال: (أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة والشِّين المعجمة (عَنْ سُفْيَانَ) بن دينارٍ على الصَّحيح (التَّمَّارِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، من كبار التَّابعين، لكنَّه لم يُعرَف له روايةٌ عن صحابيٍّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا) بضمِّ الميم وتشديد النُّون المفتوحة، أي: مرتفعًا، زاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه»: وقبر أبي بكر وعمر كذلك، واستدلَّ به على أنَّ المستحبَّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد والمزنيِّ وكثيرٍ من الشَّافعيَّة، وقال أكثر الشَّافعيَّة، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ: التَّسطيح أفضل من التَّسنيم؛ لأنَّه (٢) ﷺ سطَّح قبر إبراهيم، وفعلُه حجَّةٌ، لا فعل غيره، وقول سفيان التَّمَّار لا حجَّة فيه كما قال البيهقيُّ؛ لاحتمال أنَّ قبره ﷺ وقبرَي (٣) صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنَّمةً، وقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّ القاسم بن محمَّد بن أبي بكرٍ قال: دخلت على عائشة، فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النَّبيِّ ﷺ وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبورٍ، لا مشرفةٍ ولا لاطئةٍ، مبطوحةٍ ببطحاء العرصة الحمراء، أي: لا مرتفعةٌ كثيرًا، ولا لاصقةٌ بالأرض، كما بيَّنه في آخر الحديث، يقال: لَطِئ؛ بكسر الطَّاء، ولَطَأ؛ بفتحها، أي: لصق، ولا يُؤثِّر في أفضليَّة التَّسطيح كونه صار شعار (٤) الرَّوافض؛ لأنَّ السُّنَّة لا تُترَك بموافقة

стр. 3313

أهل البدع فيها، ولا يخالف ذلك قولَ عليٍّ ﵁: أمرني رسول الله ﷺ ألَّا أدع (١) قبرًا مشرفًا إلَّا سوَّيته؛ لأنَّه لم يُرِد تسويته بالأرض، وإنَّما أراد تسطيحه جمعًا بين الأخبار، نقله في «المجموع» عن الأصحاب. وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء، ابن أبي المَغْرَاء -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة آخره راءٌ يُمدُّ وُيقصَرُ- قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) ولأبي ذَرٍّ: «عليُّ (٢) بن مُسْهِرٍ» بضمِّ الميم وسكون السِّين المهملة وكسر الهاء (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، قال (٣): (لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «عنهم» (الحَائِطُ) أي: حائط حجرة عائشة ﵂ (فِي زَمَانِ) إمرة (الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ) بن مروان حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشَّريف حتَّى لا يصلِّي إليه أحدٌ؛ إذ كان النَّاس يصلُّون إليه (أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ) أي: ظهرت (لَهُمْ قَدَمٌ) بساقٍ وركبة، كما رواه أبو بكر الآجريُّ من طريق شعيب بن إسحاق عن هشامٍ، في القبر لا (٤) خارجه (فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي رواية الآجريِّ (٥): «ففزع عمر بن عبد العزيز» (فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا وَاللهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ ﵁¬) وعند الآجريِّ: «هذا (٦) ساق عمر وركبته، فسُرِّي عن عمر بن عبد العزيز». (وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بالسَّند المذكور، وأخرجه المؤلِّف (٧) في «الاعتصام» [خ¦٧٣٢٧] من وجهٍ آخر عن هشامٍ عن أبيه (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَوْصَتْ) ابن أختها أسماء (عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄: لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ) مع النَّبيِّ ﷺ وصاحبيه (وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي) أمَّهات المؤمنين (بِالبَقِيعِ) زاد الإسماعيليُّ من طريق عَبْدَةَ عن هشامٍ: وكان في بيتها موضع

стр. 3314

قبرها (لَا أُزَكَّى) بضمِّ الهمزة وفتح الزَّاي والكاف مبنيًا للمفعول، أي: لا يُثنَى عليَّ (بِهِ) أي: بسبب الدَّفن معهم (أَبَدًا) حتَّى (١) يكون لي بذلك مزيَّةٌ وفضلٌ، وأنا في نفس الأمر يحتمل ألَّا أكون كذلك. وهذا الحديث من قوله: «وعن هشام» إلى آخر قوله: «أبدًا» ضُبِّب عليه في «اليونينيَّة (٢)»، وثبت في غيرها (٣). ١٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بن قُرْطٍ، بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره طاءٌ مهملةٌ، الضَّبِّيُّ الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ

стр. 3315

عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَمِيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين (الأَوْدِيِّ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ) لابنه بعد أن طعنه أبو لؤلؤة العِلْج بالسِّكين الطَّعنة الَّتي مات بها: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ) بفتح الموحَّدة وتشديد الياء، مع النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ ﵁، زاد في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠]: فسلَّم واستأذن ثمَّ دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلام، ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه (قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ) أي: الدَّفن معهما (لِنَفْسِي) فإن قلت: قولها: «كنت أريده لنفسي» يدلُّ على أنَّه لم يبق إلَّا ما يسع موضع (١) قبرٍ واحدٍ؛ فهو يغاير قولها السَّابق لابن الزُّبير: «لا تدفني معهم» [خ¦١٣٩١] فإنَّه يُشعر بأنَّه بقي من الحجرة موضعٌ واحدٌ (٢) للدَّفن، أُجِيبَ بأنَّها كانت أوَّلًا تظنُّ أنَّها كانت لا تسع إلَّا قبرًا واحدًا، فلمَّا دُفِنَ ظهر لها أنَّ هناك وسعًا لقبرٍ آخر (فَلأُوثِرَنَّهُ) بالثَّاء المثلَّثة، أي: فلأختاره (اليَوْمَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عَلَى نَفْسِي) فإن قيل: قد ورد أنَّ الحظوظ الدِّينيَّة لا إيثار فيها؛ كالصَّفِّ الأوَّل ونحوه، فكيف آثرت عائشة ﵂؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحظوظ المستحقَّة بالسَّوابق ينبغي فيها إيثار أهل الفضل، فلمَّا علمت عائشة فضل عمر آثرته، كما ينبغي لصاحب المنزل إذا كان مفضولًا أن يؤثر بفضل الإمامةَ من هو أفضلُ منه إذا حضر منزلَه وإن كان الحقُّ لصاحب المنزل. انتهى. (فَلَمَّا أَقْبَلَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء،

стр. 3316

قال: ارفعوني، فأسنده رجلٌ إليه (قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟) أي: ما عندك من الخبر (قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ) بالدَّفن مع صاحبيك (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٧٠٠]: الحمد لله (مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَِعِ) بفتح الجيم وكسرها في «اليونينيَّة» (فَإِذَا قُبِضْتُ) بضم القاف، مبنيًّا للمفعول (فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ): يا ابن عمر (يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي) بهمزة وصلٍ وكسر الفاء (وَإِلَّا) أي: وإن لم تأذن (فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ) جوَّز عمر أن تكون رجعت عن إذنها، واستُنبِطَ منه أنَّ من وعد بعِدَةٍ له الرُّجوع فيها، ولا يُقضى عليه بالوفاء؛ لأنَّ عمر لو علم لزوم ذلك لها (١) لم يستأذن ثانيًا، وأجاب مَن قال بلزوم العِدَة بحمل ذلك من عمر على الاحتياط والمبالغة في الورع؛ ليتحقق طيب نفس عائشة بما أذنت فيه أوَّلًا؛ ليضاجع أكمل الخلق ﷺ على أكمل الوجوه. انتهى. وهذا كلُّه بناءً على القول بأنَّ عائشة كانت تملك أصل رقبة البيت، والواقع بخلافه؛ لأنَّها إنَّما كانت تملك المنفعة بالسُّكنى والإسكان فيه، ولا يورَث عنها، وحكم أزواجه ﵊ كالمعتدَّات؛ لأنهنَّ لا يتزوَّجن بعده ﵊، ودخل الرِّجال على عمر ﵁، فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، فقال: (إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ) أمر الخلافة (مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليَّةٌ (فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا) أي: من استخلفه هؤلاء النَّفر (بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ) المستحقُّ لها (فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى) ستَّةً من النَّفر الَّذين تُوفِّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ: (عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولم يذكر: أبا عبيدة؛ لأنَّه كان قد مات، ولا سعيدَ بن زيدٍ؛ لأنَّه كان غائبًا، وقال في «فتح الباري»: لأنَّه كان ابن عمِّ عمر، فلم يذكره مبالغةً في التَّبرِّي من الأمر، نعم في رواية المدائنيِّ: أنَّ عمر عدَّه فيمن تُوفِّي

стр. 3317

النَّبيُّ ﷺ وهو عنهم راضٍ، إلَّا أنَّه استثناه من أهل الشُّورى لقرابته منه (وَوَلَجَ عَلَيْهِ) أي: دخل على عمر (شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ) روى ابن سعدٍ من رواية سماك الحنفيِّ: أنَّ ابن عبَّاسٍ أثنى على عمر، وأنَّه قال نحوًا ممَّا يأتي من مقالة الشَّابِّ (١)، فلولا قوله هنا: «إنَّه (٢) من الأنصار» لساغ أن يفسَّر المبهم بابن عبَّاسٍ، لكن لا مانع من تعدُّد المثْنِين عليه مع اتِّحاد جواب عمر لهم (فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ) بفتح القاف من «القدَم» (٣)، أي: سابقة خيرٍ ومنزلةٌ رفيعةٌ، وسمِّيت قَدَمًا؛ لأنَّ السَّبق بها؛ كما سُمِّيت النِّعمة يدًا؛ لأنَّها تعطَى باليد، وللحَمُّويي والمُستملي كما في الفرع: «من القِدم» بكسر القاف بمعنى المفتوح، قال في «القاموس»: القَدَم محرَّكةً: السَّابقة في الأمر، كالقُدْمة بالضَّمِّ وكعِنَب، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بالفتح بمعنى الفضل، وبالكسر بمعنى السَّبق. انتهى. وقال البرماويُّ والعينيُّ كالكِرمانيِّ: ولو صحَّ روايته (٤) بالكسر لكان المعنى صحيحًا أيضًا. انتهى. فقد صحَّت الرِّواية عن الحَمُّويي والمُستملي كما ترى؛ وهو مفهوم قول الحافظ (٥) ابن حجرٍ السَّابق (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ) بضمِّ التَّاء الأولى وكسر اللَّام مبنيًّا للمفعول (فَعَدَلْتَ) في الرَّعيَّة (ثُمَّ) حصلت لك (الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ) أي: بقتل فيروز أبي لؤلؤة غلام المغيرة له، بسبب أنَّه سأل عمر أن يكلِّم مولاه أن يضع عنه من خراجه، فقال له (٦) عمر ﵁: كم خراجك؟ قال: دينارٌ، فقال: ما أرى أن أفعل إنَّك عاملٌ محسنٌ، وما هذا بكثيرٍ (٧)، فغضب، فلمَّا خرج عمر ﵁ لصلاة الصُّبح طعنه بسكِّينٍ مسمومةٍ ذات طرفين، فمات منها شهيدًا وإن لم يكن في معركة الكفَّار؛ لأنَّه قُتِل ظلمًا، وقد ورد (٨): «من قُتِل دون دينه؛ فهو شهيدٌ» (فَقَالَ) عمر

стр. 3318

للشَّابِّ: (لَيْتَنِي يَا بْنَ أَخِي، وَذَلِكَ) إشارةٌ إلى الخلافة (كَفَافًا) بالنَّصب: خبر «كان» مقدَّرةً (١)، ولأبي ذَرٍّ: «كفافٌ» بالرَّفع خبر «ذلك» (٢) (لَا) عقاب (عَلَيَّ وَلَا) ثواب (لِي) فيه، والجملة خبر «ليتني»، وجملة: «وذلك كفافٌ» اعتراضٌ بين ليت وخبرها (أُوصِي) أنا (الخَلِيفَةَ) بضمِّ الهمزة مِن «أُوصي» (مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الَّذين هاجروا قبل بيعة الرِّضوان، أو الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو الَّذين شهدوا بدرًا (خَيْرًا؛ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ) بفتح الهمزة في الموضعين، تفسيرٌ لقوله: «خيرًا» أو بيانٌ له (وَأُوصِيهِ) أنا أيضًا (بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) صفةٌ لـ «لأنصار»، ولا يضرُّ فصله بـ «خيرًا»؛ لأنَّه ليس أجنبيًّا من الكلام، أي: جعلوا الإيمان مستقرًّا لهم؛ كما جعلوا المدينة كذلك، أي: لزموا المدينة (٣) والإيمان، وتمكَّنوا فيهما، أو عامله (٤) نصبٌ (٥) محذوف (٦)، أي: وأخلصوا الإيمانَ (أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول، بيانٌ لقوله: «خيرًا» (وَيُعْفَى) مبنيًّا للمفعول (عَنْ مُسِيئِهِمْ) ما دون الحدود، وحقوق العباد (وَأُوصِيهِ) أيضًا (بِذِمَّةِ اللهِ) أي: بعهد الله (وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ¬) والمراد: أهل الكتاب (أَنْ يُوفَِّى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ) بضمِّ أوَّل (٧) «يوفَّى» وفتح ثالثه مشدَّدًا ومخفَّفًا (وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ) بضمِّ أوَّل «يُقاتل» وفتح التَّاء، و «مِنْ» بكسر الميم، أي: مِن (٨) خلفهم، وقد يجيء بمعنى: قدَّام (وَأَلَا يُكَلَّفُوا) بضمِّ أوَّله وفتح اللَّام المشدَّدة (فَوْقَ طَاقَتِهِمْ) فلا يُزاد عليهم على مقدار الجزية. وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «مناقب عثمان» [خ¦٣٧٠٠] ﵁، حيث

стр. 3319

ذكره (١) المؤلِّف هناك تامًّا. (٩٧) (باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ) المسلمين. ١٣٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ) أي: المسلمين (فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا) بفتح الهمزة والضَّاد، أي: وصلوا (إِلَى مَا قَدَّمُوا) من خيرٍ أو شرٍ، فيجازى كلٌّ بعمله، نعم؛ يجوز ذكر مساوئ الكفَّار والفُسَّاق للتَّحذير منهم والتَّنفير عنهم، وقد أجمعوا على جواز جَرح المجروحين من الرُّواة أحياءً وأمواتًا (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ) السَّعديُّ الرَّازيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الأَعْمَشِ) أيضًا متابعين لشعبة، وليس لابن (٢) عبد (٣) القدُّوس في «البخاريِّ» غير هذا الموضع. (تَابَعَهُ) أي: تابع آدم بن أبي إياسٍ ممَّا وصله المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٦] (عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (وَ) كذا تابعه (ابْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين مهملتَين مفتوحتَين، بينهما راءٌ ساكنةٌ وبعد الثَّانية راءٌ أخرى، واسمه: محمَّد (٤) (وَ) كذا (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) ممَّا ذكره الإسماعيليُّ (عَنْ شُعْبَةَ). (٩٨) (باب ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى) ذكره عقب السَّابق إشارةً إلى أنَّ السَّبَّ المنهيَّ عنه سبُّ غير الأشرار.

стр. 3320

١٣٩٤ - وبالسَّند: قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، و «عَمْرو» بفتح العين (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ) عبد العزَّى بن عبد المطَّلب (عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ) ولأبي ذَرِّ: «لَعَنه الله» (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) لمَّا نزل (١) قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الاية [الشعراء: ٢١٤] ورقي ﵊ الصَّفا وقال: «يا صباحاه»، فاجتمعوا، فقال: «يا بني عبد المطَّلب؛ إنْ أخبرتكم أنَّ بسفح هذا الجبل خيلًا، أكنتم مصدقيَّ؟» قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلَّا صدقًا، قال: «فإنِّي ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾» [سبأ: ٤٦] فقال أبو لهبٍ: (تَبًّا لَكَ) أي: هلاكًا، ونُصِبَ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ، حُذِفَ عامله وجوبًا (سَائِرَ اليَوْمِ) نصبٌ على الظرفيَّة، أي: باقي اليوم، ألهذا جمعتنا؟ (فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) أي: خسر، وعبَّر باليدين عن النَّفس؛ كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وإنَّما خصَّهما (٢) لأنَّه لمَّا جمعهم النَّبيُّ ﷺ بعد نزول ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] أخذ أبو لهبٍ حجرًا يرميه به، ومطابقة الحديث للترجمة (٣) في كون ابن عبَّاسٍ ذكر أبا لهبٍ باللَّعن وهو من شرار الموتى. وهذا الحديث -كما لا يخفى- من مراسيل الصَّحابة كما جزم به الإسماعيليُّ؛ لأنَّ الآية الكريمة نزلت بمكَّة، وكان ابن عبَّاسٍ إذ ذاك صغيرًا، أو لم يولد، وكذا رواية أبي هريرة له الآتية (٤) [خ¦٤٧٧١] لأنَّه إنَّما أسلم بالمدينة،

стр. 3321

وفي (١) الحديث التَّحديث، والعنعنة، وساقه هنا مختصرًا، ويأتي إن شاء الله تعالى مطوَّلًا في «التَّفسير» في «الشُّعراء» [خ¦٤٧٧٠]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» وكذا النَّسائيُّ، والله أعلم (٢).

стр. 3322

((٢٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الحافظ ابن حجرٍ: البسملةُ ثابتةٌ في الأصل. (١) (باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ) لفظ: «باب (١)» ثابتٌ لأكثر الرُّواة، ولبعضهم: «كتاب»، وفي نسخةٍ: «كتاب الزَّكاة، باب وجوب الزَّكاة»، وسقط ذلك لأبي ذَرٍّ، فلم يذكر لفظ «باب» ولا «كتاب». والزَّكاة -في اللُّغة- هي: التَّطهير والإصلاح والنَّماء والمدح، ومنه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وفي الشَّرع: اسمٌ لما يُخْرَج عن (٢) مالٍ أو بدنٍ على وجهٍ مخصوصٍ، سُمِّي بها ذلك؛ لأنَّها تطهِّر المالَ من الخبث، وتَقِيه من الآفات، والنَّفسَ من رذيلة البخل، وتثمر لها فضيلة الكرم، وتُستجلَب بها البركة في المال، ويمدح المُخرَج عنه، وهي أحد أركان الإسلام، يكفر جاحدها، ويُقاتَل الممتنعون من أدائها، وتُؤخَذ منهم وإن لم يقاتلوا قهرًا؛ كما فعل أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁. (وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ: عطفًا على سابقه، وبالرَّفع: مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: دليلٌ على ما قلناه (٣) من الوجوب: (﴿وَأَقِيمُواْ

стр. 3323

الصَّلَاةَ﴾) الخمس بمواقيتها وحدودها (﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]) أدُّوا زكاة أموالكم المفروضة (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا سبق موصولًا في قصَّة هِرَقْل [خ¦٧]: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخرُ بن حربٍ (¬﵁، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) التي هي أمُّ العبادات البدنيَّة (١) (وَالزَّكَاةِ) التي هي أمُّ العبادات الماليَّة (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وكلِّ ما أمر الله به أن يُوصَل بالبرِّ والإكرام والمراعاة، ولو بالسَّلام (وَالعَفَافِ) الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة. ١٣٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللَّام، النَّبيل البصريُّ (عَنْ زَكَرِيَّاءَ (٢) بْنِ إِسْحَاقَ) المكِّيِّ، رُمِي بالقدر، لكن وثَّقه ابن معينٍ وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتمٍ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن البرقيِّ وابن سعدٍ، وله في «البخاريِّ» عن يحيى بن (٣) عبد الله بن صيفيٍّ هذا الحديث فقط، وأحاديث يسيرةٌ عن عمرو ابن دينارٍ [خ¦٣٦٤] [خ¦٢٧٧٠] [خ¦٣٩٠٣] [خ¦٤٥٠٥] (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) نسبةً إلى الصَّيف (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) نافدٍ (٤) -بالنُّون والفاء والدَّال المهملة أو المعجمة- مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى) أهل (٥) (اليَمَنِ) سنة عشرٍ قبل حجَّة الوداع، كما عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٤٧] وقِيلَ: في أواخر سنة تسعٍ عند منصرفه من غزوة تبوك، رواه الواقديُّ وابن سعدٍ في «الطَّبقات» (فَقَالَ: ادْعُهُمْ) أوَّلًا (إِلَى) شيئين: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي: انقادوا (لِذَلِكَ) أي: الإتيان بالشَّهادتين

стр. 3324

(فَأَعْلِمْهُمْ) بفتح الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللهَ) بفتح الهمزة؛ لأنَّها في محلِّ نصبٍ مفعولٌ ثانٍ للإعلام، والضَّمير مفعولٌ أوَّلٌ (افْتَرَضَ) ولابن عساكر: «قد افترض» (عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فخرج الوتر (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) بأن أقرُّوا بوجوبها، أو بادروا إلى فعلها (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ) ولأبي ذرٍّ: «قد افترض» (عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي: زكاةً (فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (مِنْ) مال (أَغْنِيَائِهِمْ) المُكلَّفين وغيرهم (وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) بالواو في: «وتُرَدُّ» مع ضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول، وفي نسخةٍ: «في»، وبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، وذلك من التَّلطُّف في الخطاب؛ لأنَّه لو طالبهم بالجميع في أوَّل الأمر لنفرت نفوسهم من كثرتها، واقتصر على الفقراء من غير ذكر بقيَّة الأصناف لمقابلة الأغنياء؛ لأنَّ الفقراء هم الأغلب، والإضافة في قوله: «فقرائهم» تفيد منع صرف الزَّكاة للكافر، وفيه منعُ نقل الزَّكاة عن (١) بلد المال؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: «فقرائهم» يعود على أهل اليمن، وعُورِض بأنَّ الضَّمير إنَّما يرجع إلى فقراء المسلمين، وهم (٢) أعمُّ من أن يكونوا فقراء أهل تلك البلد أو غيرهم، وأُجيب بأنَّ المراد فقراء أهل اليمن بقرينة السِّياق، فلو نقلها (٣) عند وجوبها إلى بلدٍ آخر مع وجود الأصناف أو بعضهم لا يسقط الفرض. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧١] و «المظالم» [خ¦٢٤٤٨] و «المغازي» [خ¦٤٣٤٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الزَّكاة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 3325

١٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «عن محمَّد بن عثمان» (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره مُوحَّدةٌ (١) (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) بن عُبَيْد الله القرشيِّ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريِّ (¬﵁: أَنَّ رَجُلًا) قِيلَ: هو أبو أيُّوب الرَّاوي، ولا مانع أن يُبهم نفسه لغرضٍ له، وأمَّا تسميته في حديث أبي هريرة الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- بأعرابيٍّ [خ¦١٣٩٧] فيُحمَل على التَّعدُّد، أو هو ابن المُنْتَفق، كما رواه البغويُّ وابن السَّكن والطَّبرانيُّ في «الكبير» وأبو مسلمٍ الكجِّيُّ (٢)، وزعم الصَّريفينيُّ (٣): أنَّ ابن المُنْتَفِق هذا اسمه: لَقِيط بن صَبِرَة وافد بني المُنْتَفِق (٤) (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ) برفع الفعل المضارع، والجملة المُصدَّرة به في محلِّ جرٍّ، صفةٌ لـ «عملٍ»، واستُشكِل الجزم على جواب الأمر؛ لأنَّه يصير قوله: «بعملٍ» غير موصوفٍ، والنَّكرة غير الموصوفة لا تفيد، كذا قاله المظهريُّ (٥) في «شرح المصابيح»، وأُجيب بأنَّ التَّنكير في «عملٍ» للتَّفخيم أو النَّوع، أي: بعملٍ عظيمٍ أو مُعتَبَرٍ في الشَّرع، أو يُقال: جزاء الشَّرط محذوفٌ تقديره: أخبرني بعملٍ إن عملته يدخلني الجنَّة، فالجملة الشَّرطيَّة بأسرها صفةٌ لـ «عملٍ». (قَالَ) القوم: (مَا لَهُ مَا لَهُ؟) وهو استفهامٌ (٦)، والتَّكرار للتَّأكيد (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَبٌ مَا لَهُ) بفتح الهمزة والرَّاء وتنوين المُوحَّدة مع الضَّمِّ، أي: حاجةٌ جاءت به، وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: له أَرَبٌ، و «ما»: زائدةٌ للتَّقليل، أي: له حاجةٌ يسيرةٌ، قاله الزَّركشيُّ وغيره، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ليس مبتدأً محذوفَ الخبر،

стр. 3326

بل مبتدأٌ مذكور الخبر، وساغ الابتداء به وإن كان نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بصفةٍ ترشد إليها «ما» الزَّائدة، والخبر هو قوله «له»، وأمَّا قوله (١): أي: له حاجةٌ يسيرةٌ، و «ما» للتَّقليل، فليس كذلك، بل «ما» الزَّائدة منبهة على وصفٍ لائقٍ بالمحلِّ، واللَّائق هنا أن يُقدَّر «عظيمٌ» لأنَّه سأل عن عملٍ يدخله (٢) الجنة، ولا أعظم من هذا الأمر على أنَّه يمكن أن يكون له وجهٌ (٣)، ورُوِي: «أرِبَ» بكسر الرَّاء وفتح المُوحَّدة بلفظ الماضي، كـ «عَلِمَ» أي: احتاج فسأل لحاجته (٤) أو تفطَّن لِمَّا سأل عنه وعقل، يُقال: «أرِب» إذا عقل، فهو أريبٌ، وقِيلَ: تعجَّب من حرصه وحسن فطنته، ومعناه: لله درُّه، وقِيلَ: هو دعاءٌ عليه، أي: سقطت آرابه، وهي أعضاؤه (٥)، كما قالوا: تربت يمينه، وليس على معنى الدُّعاء، بل على عادة العرب في استعمال (٦) هذه الألفاظ، ورُوِيَ «أرِبٌ» بكسر الرَّاء مع التَّنوين، مثل: «حَذِرٍ» أي: حاذقٌ فَطِنٌ يسأل عمَّا يعنيه، أي: هو أرِبٌ، فحُذِف المبتدأ، ثمَّ قال: «ما له»؟ أي: ما شأنه؟ قال في «الفتح»: ولم أقف على صحَّة هذه الرِّواية، ورُوِيَ «أَرَبَ» بفتح الجميع، رواه أبو ذَرٍّ، قال القاضي عياضٌ: ولا وجه له. انتهى. وقد وقعت في «الأدب» [خ¦٥٩٨٣] من طريق الكُشْمِيْهَنِيِّ، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ (تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) ولابن عساكر: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا» بإسقاط الواو (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ) تحسن لقرابتك، وخصَّ به هذه الخصلة نظرًا إلى حال السَّائل، كأنَّه كان قطَّاعًا للرَّحم فأمره به؛ لأنَّه المهمُّ بالنِّسبة إليه، وعطف الصَّلاة وما بعدها على سابقها، من عطف الخاصِّ على العامِّ، إذ العبادة تشمل ما بعدها، ودلالة هذا الحديث على الوجوب فيها غموضٌ، وأُجيب بأنَّ سؤاله عن العمل الذي يُدخل الجنَّة يقتضي أَلَّا يُجاب بالنَّوافل قبل الفرائض، فيُحمَل على الزَّكاة الواجبة، وبأنَّ الزَّكاة قرينة الصَّلاة المذكورة مقارنة للتَّوحيد،

стр. 3327

وبأنَّه وقف دخول الجنَّة على أعمالٍ من جملتها: أداء الزَّكاة، فيلزم أنَّ مَن لم يعملها لم يدخل الجنَّة، ومن لم يدخل الجنَّة دخل النَّار، وذلك يقتضي الوجوب. (وَقَالَ بَهْزٌ) بفتح المُوحَّدة وسكون (١) الهاء، آخره زايٌ مُعجَمةٌ، ابن أسدٍ، العمِّيُّ البصريُّ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) فبيَّن شعبة أنَّ ابن عثمان اسمُه: محمَّدٌ (أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) ولأبي ذَرٍّ: «عن النَّبيِّ ﷺ » (بِهَذَا) الحديث السَّابق. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو) أي: ابن عثمان، والحديث محفوظٌ عنه ووهم شعبة، وقد حدَّث به عنه يحيى بن سعيدٍ (٢) القطَّان، وإسحاق الأزرق وأبو أسامة وأبو نُعيمٍ كلُّهم عن عمرو ابن عثمان، كما قاله الدَّار قطنيُّ وغيره. وهذا الحديث رواته ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٨٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «العلم». ١٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) أبو يحيى البغداديُّ عُرِف بصاعقة، البزَّاز -بمعجمتين- قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بتشديد الفاء، الصَّفَّار الأنصاريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالد بن عجلان، صاحب الكرابيسيِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، التَّيميِّ تيم الرِّباب

стр. 3328

(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ -بفتح الهاء وكسر الرَّاء- ابن عمرو بن جريرٍ، البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة، مَنْ سكن البادية، وهل هو السَّائل في حديث أبي أيُّوب السَّابق [خ¦١٣٩٦] أو غيره؟ سبق ما فيه ثمَّ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي) بضمِّ الدَّال وتشديد اللَّام المفتوحة (عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ) ﵊: (تَعْبُدُ اللهَ) وحده (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) غاير بين القيدين كراهة تكرير اللَّفظ الواحد، أو احترز عن صدقة التَّطوُّع؛ لأنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو عن المُعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاةٌ، لكنَّها ليست مفروضةً (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ اختصارًا أو نسيانًا من الرَّاوي. (قَالَ) الأعرابيُّ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) المفروض، أو لا أزيد على ما سمعت منك في تأديته لقومي؛ فإنَّه كان وافدهم، وزاد مسلمٌ: «شيئًا أبدًا ولا أنقص منه» (فَلَمَّا وَلَّى) أي: أدبر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) الأعرابيِّ، أي: إن داوم على فعل ما أمرته به؛ لقوله في حديث أبي أيُّوب عند مسلمٍ: «إن تمسَّكَ بما أُمِرَ به دخل الجنَّة». وفيه: أنَّ المُبشَّر بالجنة أكثر من العشرة، كما ورد النَّصُّ في الحسن والحسين وأمِّهما وأمَّهات المؤمنين، فتُحمَل بشارة العشرة أنَّهم بُشِّروا دفعةً واحدةً، أو بلفظ: بشَّره بالجنة، أو أنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، ولا يُقال: إنَّ مفهوم الحديث كغيره ممَّا يشبهه يدلُّ على ترك التَّطوُّعات أصلًا؛ لأنَّا نقول: لعلَّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة؛ لئلَّا يثقل عليهم ذلك فيملُّوا، فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه (١) والحرص على ثواب (٢) المندوبات سَهُلَت عليهم، ولا يخفى أنَّ مَنْ داوم على ترك السُّنن كان نقصًا في دينه، فإن تركها تهاونًا بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقًا لورود الوعيد عليه، قال ﷺ : «من رغب عن سنَّتي فليس مني» [خ¦٥٠٦٣] قاله القرطبيُّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى) القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) هو يحيى بن سعيد بن حيَّان

стр. 3329

المذكور في الإسناد السَّابق، ذكره أوَّلًا باسمه وهنا بكنيته (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث السَّابق عن وُهَيْبٍ، لكنَّ يحيى القطَّان رواه عن أبي حيَّان مُرسَلًا -كما ترى- لأنَّ أبا زرعة تابعيٌّ، ولم يذكر أبا هريرة فخالف وُهَيْبًا، وفي إخراج المؤلِّف له عقب (١) حديث وُهَيْبٍ إشعارٌ بأنَّ العلَّة غير قادحةٍ؛ لأنَّ وُهَيْبًا حافظٌ، فقدَّم روايته لأنَّ معه زيادةً فيما رواه (٢)، حكاه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ (٣)، وفيه إبطالٌ للتَّردُّد (٤) الواقع في رواية الأَصيليِّ عن أبي أحمد الجرجانيِّ هنا حيث قال: (٥) «عن يحيى بن سعيد بن حيَّان، أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيَّان» وهو خطأٌ، إنَّما هو يحيى بن سعيد بن حيَّان، كما لغيره من الرُّواة؛ لأنَّ هذه الرِّواية أفادت تصريح أبي حيَّان بسماعه له من أبي زُرعة، فزال التَّردُّد. ١٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ، السُّلَمِيُّ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم وسكون الميم وفتح الرَّاء، نصر بن عمران الضُّبَعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) هو أبو قبيلة، وكانوا أربعة عشر رجلًا، ويُروَى أربعون،

стр. 3330

وجُمِعَ بأنَّ لهم وفادتين، أو الأربعة عشر أشرافهم (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ) نُصِبَ بـ «إنَّ» وهو اسمٌ لمنزل القبيلة، ثمَّ سُمِّيت القبيلة به؛ لأنَّ بعضهم يحيا ببعضٍ، ولأبي ذَرٍّ: «إنَّا هذا الحيَّ» بألفٍ بعد النُّون المُشدَّدة، ونُصِب «الحيَّ» على الاختصاص، أي: أعني هذا الحيَّ، وعلى هذا الوجه يكون خبر «إنَّ» قوله: (مِنْ رَبِيعَةَ) بن نزار بن معدِّ (١) بن عدنان، وعلى الأولى خبر «إنَّ» قوله: (قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) غير منصرفٍ، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان أيضًا (وَلَسْنَا نَخْلُصُ) أي: نصل (إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) جنسٌ يشمل الأربعة الحرم، وسُمِّيت (٢) بذلك لحرمة القتال فيها (فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) من قومنا أو من البلاد النَّائية أو الأزمنة المستقبلة (قَالَ) ﵊: (آمُرُكُمْ) بمدِّ الهمزة (بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرِّ (وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا-) كما يعقد الذي يعدُّ واحدةً، والواو في قوله: «وشهادة» للعطف التَّفسيريِّ لقوله: «الإيمان»، وقال ابن بطَّالٍ: هي مُقحَمةٌ كهي في: فلانٌ حسنٌ وجميلٌ، أي: حسنٌ جميلٌ (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) بخفض: «إقامِ» و «إيتاءِ» في «اليونينيَّة» (٣)، وهذا موضع التَّرجمة (وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ) وذكر لهم هذه؛ لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَر وكانوا أهل جهادٍ وغنائم، ولم يذكر في هذه الرِّواية صيام رمضان، كما ذكره في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣] إمَّا لغفلة الرَّاوي أو اختصاره، وليس ذلك من النَّبيِّ ﷺ ، ولم يذكر الحجَّ فيهما لشهرته عندهم، أو لكونه على التَّراخي، أو غير ذلك ممَّا سبق في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣] (وَأَنْهَاكُمْ عَنِ) الانتباذ في الآنية المُتَّخَذَة من (الدُّبَّاءِ) بضمِّ الدَّال وتشديد المُوحَّدة: القرع اليابس (وَ) عن الانتباذ في (الحَنْتَمِ) بفتح الحاء المهملة وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: الجِرار الخضر (وَ) في (النَّقِيرِ) بفتح النُّون وكسر القاف: جذعٌ يُنقَر وسطه فيُوعَى فيه (وَ) في (المُزَفَّتِ) المطليِّ بالزِّفت؛ لأنَّها تسرع الإسكار فربَّما شرب منها (٤) من لا يشعر بذلك، وهذا منسوخٌ بما في «مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا».
следующие страницы →