← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

بل مبتدأٌ مذكور الخبر، وساغ الابتداء به وإن كان نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بصفةٍ ترشد إليها «ما» الزَّائدة، والخبر هو قوله «له»، وأمَّا قوله (١): أي: له حاجةٌ يسيرةٌ، و «ما» للتَّقليل، فليس كذلك، بل «ما» الزَّائدة منبهة على وصفٍ لائقٍ بالمحلِّ، واللَّائق هنا أن يُقدَّر «عظيمٌ» لأنَّه سأل عن عملٍ يدخله (٢) الجنة، ولا أعظم من هذا الأمر على أنَّه يمكن أن يكون له وجهٌ (٣)، ورُوِي: «أرِبَ» بكسر الرَّاء وفتح المُوحَّدة بلفظ الماضي، كـ «عَلِمَ» أي: احتاج فسأل لحاجته (٤) أو تفطَّن لِمَّا سأل عنه وعقل، يُقال: «أرِب» إذا عقل، فهو أريبٌ، وقِيلَ: تعجَّب من حرصه وحسن فطنته، ومعناه: لله درُّه، وقِيلَ: هو دعاءٌ عليه، أي: سقطت آرابه، وهي أعضاؤه (٥)، كما قالوا: تربت يمينه، وليس على معنى الدُّعاء، بل على عادة العرب في استعمال (٦) هذه الألفاظ، ورُوِيَ «أرِبٌ» بكسر الرَّاء مع التَّنوين، مثل: «حَذِرٍ» أي: حاذقٌ فَطِنٌ يسأل عمَّا يعنيه، أي: هو أرِبٌ، فحُذِف المبتدأ، ثمَّ قال: «ما له»؟ أي: ما شأنه؟ قال في «الفتح»: ولم أقف على صحَّة هذه الرِّواية، ورُوِيَ «أَرَبَ» بفتح الجميع، رواه أبو ذَرٍّ، قال القاضي عياضٌ: ولا وجه له. انتهى. وقد وقعت في «الأدب» [خ¦٥٩٨٣] من طريق الكُشْمِيْهَنِيِّ، كما قاله الحافظ ابن حجرٍ (تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) ولابن عساكر: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا» بإسقاط الواو (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ) تحسن لقرابتك، وخصَّ به هذه الخصلة نظرًا إلى حال السَّائل، كأنَّه كان قطَّاعًا للرَّحم فأمره به؛ لأنَّه المهمُّ بالنِّسبة إليه، وعطف الصَّلاة وما بعدها على سابقها، من عطف الخاصِّ على العامِّ، إذ العبادة تشمل ما بعدها، ودلالة هذا الحديث على الوجوب فيها غموضٌ، وأُجيب بأنَّ سؤاله عن العمل الذي يُدخل الجنَّة يقتضي أَلَّا يُجاب بالنَّوافل قبل الفرائض، فيُحمَل على الزَّكاة الواجبة، وبأنَّ الزَّكاة قرينة الصَّلاة المذكورة مقارنة للتَّوحيد،

стр. 3327

وبأنَّه وقف دخول الجنَّة على أعمالٍ من جملتها: أداء الزَّكاة، فيلزم أنَّ مَن لم يعملها لم يدخل الجنَّة، ومن لم يدخل الجنَّة دخل النَّار، وذلك يقتضي الوجوب. (وَقَالَ بَهْزٌ) بفتح المُوحَّدة وسكون (١) الهاء، آخره زايٌ مُعجَمةٌ، ابن أسدٍ، العمِّيُّ البصريُّ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) فبيَّن شعبة أنَّ ابن عثمان اسمُه: محمَّدٌ (أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) ولأبي ذَرٍّ: «عن النَّبيِّ ﷺ » (بِهَذَا) الحديث السَّابق. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو) أي: ابن عثمان، والحديث محفوظٌ عنه ووهم شعبة، وقد حدَّث به عنه يحيى بن سعيدٍ (٢) القطَّان، وإسحاق الأزرق وأبو أسامة وأبو نُعيمٍ كلُّهم عن عمرو ابن عثمان، كما قاله الدَّار قطنيُّ وغيره. وهذا الحديث رواته ما بين كوفيٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٨٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «العلم». ١٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) أبو يحيى البغداديُّ عُرِف بصاعقة، البزَّاز -بمعجمتين- قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بتشديد الفاء، الصَّفَّار الأنصاريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالد بن عجلان، صاحب الكرابيسيِّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، التَّيميِّ تيم الرِّباب

стр. 3328

(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ -بفتح الهاء وكسر الرَّاء- ابن عمرو بن جريرٍ، البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة، مَنْ سكن البادية، وهل هو السَّائل في حديث أبي أيُّوب السَّابق [خ¦١٣٩٦] أو غيره؟ سبق ما فيه ثمَّ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي) بضمِّ الدَّال وتشديد اللَّام المفتوحة (عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ) ﵊: (تَعْبُدُ اللهَ) وحده (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ) غاير بين القيدين كراهة تكرير اللَّفظ الواحد، أو احترز عن صدقة التَّطوُّع؛ لأنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو عن المُعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاةٌ، لكنَّها ليست مفروضةً (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ اختصارًا أو نسيانًا من الرَّاوي. (قَالَ) الأعرابيُّ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) المفروض، أو لا أزيد على ما سمعت منك في تأديته لقومي؛ فإنَّه كان وافدهم، وزاد مسلمٌ: «شيئًا أبدًا ولا أنقص منه» (فَلَمَّا وَلَّى) أي: أدبر (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) الأعرابيِّ، أي: إن داوم على فعل ما أمرته به؛ لقوله في حديث أبي أيُّوب عند مسلمٍ: «إن تمسَّكَ بما أُمِرَ به دخل الجنَّة». وفيه: أنَّ المُبشَّر بالجنة أكثر من العشرة، كما ورد النَّصُّ في الحسن والحسين وأمِّهما وأمَّهات المؤمنين، فتُحمَل بشارة العشرة أنَّهم بُشِّروا دفعةً واحدةً، أو بلفظ: بشَّره بالجنة، أو أنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، ولا يُقال: إنَّ مفهوم الحديث كغيره ممَّا يشبهه يدلُّ على ترك التَّطوُّعات أصلًا؛ لأنَّا نقول: لعلَّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة؛ لئلَّا يثقل عليهم ذلك فيملُّوا، فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه (١) والحرص على ثواب (٢) المندوبات سَهُلَت عليهم، ولا يخفى أنَّ مَنْ داوم على ترك السُّنن كان نقصًا في دينه، فإن تركها تهاونًا بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقًا لورود الوعيد عليه، قال ﷺ : «من رغب عن سنَّتي فليس مني» [خ¦٥٠٦٣] قاله القرطبيُّ. وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى) القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) هو يحيى بن سعيد بن حيَّان

стр. 3329

المذكور في الإسناد السَّابق، ذكره أوَّلًا باسمه وهنا بكنيته (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث السَّابق عن وُهَيْبٍ، لكنَّ يحيى القطَّان رواه عن أبي حيَّان مُرسَلًا -كما ترى- لأنَّ أبا زرعة تابعيٌّ، ولم يذكر أبا هريرة فخالف وُهَيْبًا، وفي إخراج المؤلِّف له عقب (١) حديث وُهَيْبٍ إشعارٌ بأنَّ العلَّة غير قادحةٍ؛ لأنَّ وُهَيْبًا حافظٌ، فقدَّم روايته لأنَّ معه زيادةً فيما رواه (٢)، حكاه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ (٣)، وفيه إبطالٌ للتَّردُّد (٤) الواقع في رواية الأَصيليِّ عن أبي أحمد الجرجانيِّ هنا حيث قال: (٥) «عن يحيى بن سعيد بن حيَّان، أو عن يحيى بن سعيد عن أبي حيَّان» وهو خطأٌ، إنَّما هو يحيى بن سعيد بن حيَّان، كما لغيره من الرُّواة؛ لأنَّ هذه الرِّواية أفادت تصريح أبي حيَّان بسماعه له من أبي زُرعة، فزال التَّردُّد. ١٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ، السُّلَمِيُّ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم وسكون الميم وفتح الرَّاء، نصر بن عمران الضُّبَعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ) هو أبو قبيلة، وكانوا أربعة عشر رجلًا، ويُروَى أربعون،

стр. 3330

وجُمِعَ بأنَّ لهم وفادتين، أو الأربعة عشر أشرافهم (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ) نُصِبَ بـ «إنَّ» وهو اسمٌ لمنزل القبيلة، ثمَّ سُمِّيت القبيلة به؛ لأنَّ بعضهم يحيا ببعضٍ، ولأبي ذَرٍّ: «إنَّا هذا الحيَّ» بألفٍ بعد النُّون المُشدَّدة، ونُصِب «الحيَّ» على الاختصاص، أي: أعني هذا الحيَّ، وعلى هذا الوجه يكون خبر «إنَّ» قوله: (مِنْ رَبِيعَةَ) بن نزار بن معدِّ (١) بن عدنان، وعلى الأولى خبر «إنَّ» قوله: (قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) غير منصرفٍ، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان أيضًا (وَلَسْنَا نَخْلُصُ) أي: نصل (إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) جنسٌ يشمل الأربعة الحرم، وسُمِّيت (٢) بذلك لحرمة القتال فيها (فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) من قومنا أو من البلاد النَّائية أو الأزمنة المستقبلة (قَالَ) ﵊: (آمُرُكُمْ) بمدِّ الهمزة (بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرِّ (وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا-) كما يعقد الذي يعدُّ واحدةً، والواو في قوله: «وشهادة» للعطف التَّفسيريِّ لقوله: «الإيمان»، وقال ابن بطَّالٍ: هي مُقحَمةٌ كهي في: فلانٌ حسنٌ وجميلٌ، أي: حسنٌ جميلٌ (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) بخفض: «إقامِ» و «إيتاءِ» في «اليونينيَّة» (٣)، وهذا موضع التَّرجمة (وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ) وذكر لهم هذه؛ لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَر وكانوا أهل جهادٍ وغنائم، ولم يذكر في هذه الرِّواية صيام رمضان، كما ذكره في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣] إمَّا لغفلة الرَّاوي أو اختصاره، وليس ذلك من النَّبيِّ ﷺ ، ولم يذكر الحجَّ فيهما لشهرته عندهم، أو لكونه على التَّراخي، أو غير ذلك ممَّا سبق في «باب أداء الخمس من الإيمان» [خ¦٥٣] (وَأَنْهَاكُمْ عَنِ) الانتباذ في الآنية المُتَّخَذَة من (الدُّبَّاءِ) بضمِّ الدَّال وتشديد المُوحَّدة: القرع اليابس (وَ) عن الانتباذ في (الحَنْتَمِ) بفتح الحاء المهملة وسكون النُّون وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: الجِرار الخضر (وَ) في (النَّقِيرِ) بفتح النُّون وكسر القاف: جذعٌ يُنقَر وسطه فيُوعَى فيه (وَ) في (المُزَفَّتِ) المطليِّ بالزِّفت؛ لأنَّها تسرع الإسكار فربَّما شرب منها (٤) من لا يشعر بذلك، وهذا منسوخٌ بما في «مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا».

стр. 3331

(وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن حربٍ، ممَّا وصله المؤلِّف أيضًا (١) في «المغازي» [خ¦٤٣٦٩] (وَأَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، ممَّا وصله المؤلِّف أيضًا في «الخمس» [خ¦٣٠٩٥] (عَنْ حَمَّادٍ) هو ابن زيدٍ: (الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بدون واوٍ، وهو أصوب، و «الإيمانِ» بالجرِّ، بدلٌ من قوله في السَّابق: «بأربع» (٢)، وقوله: «شهادةِ» بالجرِّ على البدليَّة أيضًا، وبالرَّفع فيهما لأبي ذَرٍّ، مبتدأٌ وخبرٌ. ١٣٩٩ - ١٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) البهرانيُّ الحمصيُّ (قال: أَخْبَرَنَا (٣) شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي المُعجَمة (٤)، الأمويُّ مولاهم الحمصيُّ، واسم أبيه دينارٌ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) المدنيُّ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) خليفةً بعده (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) بعضٌ بعبادة الأوثان، وبعضٌ بالرُّجوع إلى اتِّباع مسيلمة، وهم أهل اليمامة وغيرهم، واستمرَّ بعضٌ على الإيمان إلَّا أنَّه منع الزَّكاة وتأوَّل أنَّها خاصَّةٌ بالزَّمن النَّبويِّ؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الاية [التوبة: ١٠٣]

стр. 3332

فغيره ﵊ لا يطهِّرهم ولا يصلِّي عليهم فتكون صلاته سكنًا لهم (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لأبي بكرٍ ﵁: (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ)؟! وفي حديث أنسٍ: أتريد أن تقاتل العرب (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أمرني الله (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وكأنَّ عمر ﵁ لم يستحضر من هذا الحديث إلَّا هذا القدر الذي ذكره، وإلَّا فقد وقع في حديث ولده عبد الله [خ¦٢٥] زيادة: «وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة». وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به»، وهذا يعمُّ الشَّريعة كلَّها، ومقتضاه أنَّ من جحد شيئًا ممَّا جاء به ﷺ ، ودُعِيَ إليه فامتنع، ونصب القتال، تجب مقاتلته وقتله إذا أصرَّ (فَمَنْ قَالَهَا) أي: كلمة التَّوحيد مع لوازمها (فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوز هدر دمه واستباحة ماله بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: بحقِّ الإسلام: من قتل النَّفس المُحرَّمة، أو ترك الصَّلاة، أو منع الزَّكاة بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) تعالى فيما يسره، فيثيب المؤمن ويعاقب المنافق، فاحتجَّ عمر ﵁ بظاهر ما استحضره ممَّا رواه من قبل أن ينظر إلى قوله: «إلَّا بحقِّه» ويتأمَّل شرائطه. (فَقَالَ) له أبو بكرٍ ﵁: (وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الرَّاء، وقد تُخفَّف (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) أي: قال: أحدهما واجبٌ دون الآخر، أو منع من إعطاء الزَّكاة متأوِّلًا كما مرَّ (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ البدن، أي: فدخلت في قوله: «إلَّا بحقه»، فقد تضمَّنت عصمة دمٍ ومالٍ مُعلَّقةً باستيفاء شرائطها، والحكم المُعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدومٌ، فكما لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الصَّلاة، كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الزَّكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا (١) في عموم قوله [خ¦١٣٩٩]: «أُمِرت أن أقاتل النَّاس»، فوجب قتالهم حينئذٍ، وهذا من لطيف النَّظر أن يقلب المعترضُ على المستدلِّ دليلَه، فيكون أحقَّ به، ولذلك (٢) فعل أبو بكرٍ فسلَّم له عمر (٣)، وقاسه على الممتنع من الصَّلاة؛ لأنَّها كانت بالإجماع من (٤) رأي الصَّحابة، فردَّ المُختلفَ فيه إلى المُتَّفق عليه، فاجتمع في هذا الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكرٍ بالقياس، فدلَّ على أنَّ

стр. 3333

العموم يُخَصُّ بالقياس، وفيه دلالةٌ (١) على أنَّ العمرين لم يسمعا من الحديث «الصَّلاة» و «الزَّكاة» كما سمعه غيرهما، أو لم يستحضراه؛ إذ لو كان ذلك لم يحتجَّ عمرُ على أبي بكرٍ، ولو سمعه أبو بكرٍ لردَّ به على عمر، ولم يَحْتَجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: «إلَّا بحقِّه»، لكن يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدَّليل النَّظريِّ، ويحتمل كما قال الطِّيبيُّ: أن يكون عمر ظنَّ أنَّ المُقاتَلة إنَّما كانت لكفرهم، لا لمنعهم الزَّكاة، فاستشهد بالحديث، وأجابه الصِّدِّيق بأنِّي ما أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزَّكاة (وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين المهملة، الأنثى من المعز (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ) سقط لفظة «قد» في رواية أبي ذرٍّ (شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁¬) لقتالهم (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) بما ظهر (٢) من الدَّليل الذي أقامه (٣) الصِّدِّيق نصًّا، وإقامة الحجَّة، لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا. وذكر البغويُّ والطَّبرانيُّ وابن شاهين والحاكم في «الإكليل» من رواية حَكيم بن حَكيم بن عَبَّاد ابن حُنَيْفٍ عن فاطمة بنت خَشَّاف السُّلميَّة عن عبد الرَّحمن الظَّفَرِيِّ، وكانت له صحبةٌ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى رجلٍ من أشجعَ أن تُؤخَذ منه صدقتُه، فأبى أن يعطيها، فردَّه إليه الثَّانية فأبى، ثمَّ ردَّه إليه الثَّالثة وقال: «إن أبى فاضرب عنقه»، اللَّفظ للطَّبرانيِّ، ومداره عندهم على الواقديِّ عن عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الإماميِّ عن حَكيمٍ، وذكره الواقديُّ في أوَّل «كتاب الرِّدَّة»، وقال في آخره: قال عبد الرَّحمن بن عبد العزيز: فقلت (٤) لحكيم بن حَكيمٍ: ما أرى أبا بكرٍ الصِّدِّيق قَاتَلَ أهل الرِّدَّة إلَّا على هذا الحديث، قال: أجل، و «خَشَّافٌ» (٥) ضبطه ابن (٦) الأثير بفتح المعجمة وتشديد الشِّين (٧) المعجمة وآخره فاءٌ، وفي الحديث: أنَّ حولَ النِّتاج حولُ الأمَّهات، وإلَّا لم يجز أخذ

стр. 3334

العناق، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجب الزَّكاة في المسألة المذكورة، وحملا الحديث على المبالغة. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٤] وفي «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٤]، ومسلمٌ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا (١) فيه وفي «المحاربة». (٢) (باب البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ) بفتح المُوحَّدة (﴿فَإِن تَابُواْ﴾) من الكفر (﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾) فهم إخوانكم (﴿فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وساق المؤلِّف هذه الآية الشَّريفة هنا تأكيدًا لحكم التَّرجمة، أي: فكما لا يدخل الكافر في التَّوبة من الكفر وينال أخوَّة المؤمنين في الدِّين إلَّا بإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، كذلك بيعة الإسلام لا تتمُّ إلَّا بإيتاء الزَّكاة، ومانعها ناقضٌ للعهد (٢) مبطلٌ لبيعته، لأنَّ كلَّ ما تضمَّنته بيعته ﵊ فهو واجبٌ. ١٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون وفتح الميم، محمَّدٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله (٣) بن نُميرٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ، الأحمسيُّ البجليُّ مولاهم الكوفيُّ التَّابعيُّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ، واسمه: عوفٌ، البجليِّ التَّابعيِّ المُخضرَم (قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) البجليُّ الأحمسيُّ (¬﵁: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) من المبايعة، وهي عقد العهد (عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) بحذف التَّاء من إقامةٍ؛ لأنَّ المضاف إليه عوضٌ عنها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطائها (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) وكافرٍ، بإرشاده إلى الإسلام، فالتَّخصيص للغالب، وقوله: «والنُّصحِ» بالجرِّ، عطفًا على سابقه، والحديث سبق في آخر «كتاب الإيمان» [خ¦٥٧].

стр. 3335

(٣) (باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وبالرَّفع: على الاستئناف: (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾) الضَّمير للكنوز (١) الدَّالِّ عليها ﴿يَكْنِزُونَ﴾ أو للأموال، فإنَّ الحكم عامٌّ وتخصيصهما بالذِّكر لأنَّهما قانون التَّموُّل، أو للفضَّة (٢) لأنَّها (٣) أقرب، ويدلُّ على أنَّ حكم الذَّهب كذلك بطريق الأَوْلى (﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾) المراد به المعنى الأعمُّ، لا خصوص أحد السِّهام الثَّمانية، وإلَّا لاختصَّ بالصَّرف إليه بمقتضى هذه الآية (﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]) هو الكيُّ بهما (﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾) يوم تُوقَد النَّار ذات حُمَّى وحرٍّ شديدٍ على الكنوز، وأصله: يُحمَى (٤) بالنَّار، فجعل الإحماء للنَّار مبالغةً، ثمَّ طوى ذكر النَّار، وأسند الفعل للجارِّ والمجرور تنبيهًا على المقصود، وانتقل من صيغة التَّأنيث إلى صيغة التَّذكير، وإنَّما قال: ﴿عَلَيْهَا﴾ والمذكور شيئان؛ لأنَّ المراد: دنانير ودراهم كثيرةٌ، كما قال عليٌّ ﵁ -فيما قاله الثَّوريُّ عن أبي حُصَيْنٍ عن أبي الضُّحى عن جَعْدَةَ بن هُبَيْرَة عنه-: أربعةُ آلافٍ وما دونها نفقةٌ، وما فوقها كنزٌ (﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾) لأنَّها مَجوَّفةٌ فتسرع الحرارة إليها، و (٥) الكيُّ في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظَّهر والجنب أوجع وآلم، وقِيلَ: لأنَّ جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتَّنعُّم بالمطاعم الشَّهيَّة والملابس البهيَّة، وقِيلَ: لأنَّ صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وولَّى ظهره

стр. 3336

وأعرض عنه كشحه (١)، وقِيلَ: إنَّه لا يُوضَع دينارٌ على دينارٍ، ولكن يوسَّع جلده حتَّى يُوضَع كلُّ درهمٍ في موضعٍ على حدةٍ، وروى ابن أبي حاتمٍ مرفوعًا: «ما من رجلٍ يموت وعنده أحمر أو أبيض إلَّا جعل الله بكلٍّ صفيحةٌ من نارٍ تُكوَى بها قدمه إلى ذقنه» (﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾) أي: يُقال لهم ذلك (﴿فَذُوقُواْ﴾) وَبَالَ (﴿مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]) أي: كنزكم (٢) أو ما تكنزونه، فـ «ما»: مصدريَّةٌ أو موصولةٌ، وأكثر السَّلف أنَّ الآية عامَّةٌ في المسلمين (٣) وأهل الكتاب، وفي سياق المؤلِّف لها تلميحٌ إلى تقوية ذلك، خلافًا لمن ذهب إلى أنَّها خاصَّةٌ بالكفَّار، والوعيد المذكور في كلِّ ما لم تُؤدَّ زكاتُه، وفي حديث عمر: «أيُّما مالٍ أُدِّيت زكاته فليس بكنزٍ وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيُّما مالٍ لم تُؤدَّ زكاته (٤) فهو كنزٌ يُكوَى (٥) به صاحبه وإن كان على وجه الأرض» وسياق (٦) هذه الآية بتمامها في غير رواية أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا (٧)﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾». ١٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) أبو اليمان، البهرانيُّ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو

стр. 3337

ابن أبي حمزة الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ) سقط «ابن هرمز» في بعض النُّسخ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا) يوم القيامة، وعبَّر بـ «على» ليشعر باستعلائها وتسلُّطها عليه (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) عنده في القوَّة والسِّمن؛ ليكون أثقل لوطئها وأشدَّ لنكايتها، فتكون زيادةً في عقوبته، وأيضًا فقد كان يودُّ (١) في الدُّنيا ذلك فيراها في الآخرة أكمل (إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا) أي: زكاتها (تَطَاهُ) بألفٍ من غير واوٍ في الفرع، وكذا هو عند بعض النَّحويِّين لشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في التَّعدِّي؛ لأنَّ الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فعل مكسور العين، كان غير متعدٍّ غير هذا الحرف و «وَسِعَ»، فلمَّا شذَّا دون نظائرهما أُعطِيا هذا الحكم، وقِيلَ: إنَّ (٢) أصله: توطِئ بكسر الطَّاء، فسقطت الواو، لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ، ثمَّ فُتِحت الطَّاء لأجل الهمزة، نبَّه عليه صاحب «العمدة» (بِأَخْفَافِهَا) جمع: خفٍّ؛ وهو للإبل كالظِّلف للغنم والبقر، والحافر للحمار والبغل والفرس، والقدم للآدميِّ، ولمسلمٍ من طريق أبي صالحٍ عنه: «ما من صاحب إبلٍ لا يؤدِّي حقَّها منها إلَّا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفرَ ما كانت، لا يَفْقِد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها وتعضُّه بأفواهها، كلَّما مرَّت عليه أُولاها ردَّت عليه أُخراها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقضَى (٣) بين العباد، ويرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة، وإمَّا إلى النَّار» (وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا) يوم القيامة (عَلَى (٤) خَيْرِ مَا كَانَتْ) عنده في القوَّة والسِّمن (إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا)

стр. 3338

زكاتها، وسقط لفظ «هو» الثَّابت بعد «إذا» فيما سبق (تَطَؤُه بِأَظْلَافِهَا) بالظَّاء المعجمة (وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا) بفتح الطَّاء، ولأبي الوقت: «تنطِحه» بكسرها على الأشهر، بل قال (١) الزَّين العراقيُّ: إنَّه المشهور في الرِّواية، وفيه: إنَّ الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزَّكاة، والحكمة في كونها تُعاد كلُّها مع أنَّ حقَّ الله فيها إنَّما هو في بعضها؛ لأنَّ الحقَّ في جميع المال غير متميِّزٍ (قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا) قال ابن بطَّالٍ: يريد حقَّ الكرم والمواساة وشرف (٢) الأخلاق، لا أنَّه فرضٌ (أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ) يوم ورودها، كما زاده (٣) أبو نُعيمٍ وغيره؛ ليحضرها المساكين النَّازلون عليه، أي: الماء (٤)، ومن لا لبن له فيها (٥)، فيعطي من ذلك اللَّبن، ولأنَّ فيه رفقًا بالماشية، قال العلماء: وهذا منسوخٌ بآية الزَّكاة، أو هو من الحقِّ الزَّائد على الواجب الذي لا عقاب بتركه، بل على طريق المواساة وكرم الأخلاق، كما قاله ابن بطَّالٍ -فيما مرَّ- واستدلَّ به من يرى أنَّ في المال حقوقًا غير الزَّكاة، وهو مذهب غير واحدٍ من التَّابعين، وفي «التِّرمذيِّ» عن فاطمة بنت قيسٍ عنه ﷺ : «إنَّ في المال لحقًّا سوى الزَّكاة»، ورواه بعضهم: «تُجلَب» بالجيم، وجزم ابن دحية بأنَّه تصحيفٌ، وقد وقع عند أبي داود من طريق أبي عمرٍو الغُدَانيِّ ما يُفهِم أنَّ هذه الجملة -وهي: «ومن حقِّها … » إلى آخره- مُدرجَةٌ من قول أبي هريرة، لكن في «مسلمٍ» من حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ هذا الحديث وفيه: فقلنا يا رسول الله، وما حقُّها؟ قال: «إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحملٌ عليها في سبيل الله» فبيَّن أنَّها مرفوعةٌ كما نبَّه عليه في «الفتح»، لكن قال الزَّين العراقيُّ: الظَّاهر أنَّها، أي: هذه الزِّيادة ليست متَّصلةً، كما بيَّنه أبو الزُّبير في بعض طرق مسلمٍ،

стр. 3339

فذكر الحديث دون الزِّيادة، ثمَّ قال أبو الزُّبير: سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ يقول هذا القولَ، ثمَّ سألت جابرًا، فقال مثل قول عُبَيْد بن عُمَيْرٍ، قال أبو الزُّبير: سمعت عُبَيْدَ بن عُمَيْرٍ (١) يقول: قال رجلٌ: يا رسول الله، ما حقُّ الإبل؟ قال: «حلبها على الماء»، قال الزَّين العراقيُّ: فقد تبيَّن أنَّ هذه الزِّيادة إنَّما سمعها أبو الزُّبير من عُبَيْد بن عُمَيْرٍ مرسلةً، لا ذكر لجابرٍ فيها. انتهى. لكن قد وقعت هذه الجملة وحدها عند المؤلِّف مرفوعةً من وجهٍ آخر عن أبي هريرة في «الشُّرب» (٢) «باب حلب الإبل على الماء» [خ¦٢٣٧٨] بلفظ: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر: حدَّثنا محمَّد بن فُلَيْحٍ قال: حدّثني أبي، عن هلال بن عليٍّ، عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرة (٣) عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من حقِّ الإبل أن تُحلَب على الماء»، وهذا يقوِّي قول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّها مرفوعةٌ. (قَالَ) ﵊: (وَلَا يَأْتِي) خبرٌ بمعنى النَّهي (أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة والعين المُهمَلة، أي: صوتٌ، قال ابن المُنيِّر: ومن لطيف الكلام أنَّ النَّهي الذي أوَّلنا به النَّفي يحتاج إلى تأويلٍ أيضًا، فإنَّ القيامة ليست دار تكليفٍ، وليس المراد نهيهم عن أن يأتوا بهذه الحالة، إنَّما المراد: لا تمنعوا الزَّكاة فتأتوا كذلك، فالنَّهي في الحقيقة إنَّما باشر سبب الإتيان، لا نفس الإتيان، وللمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٤): «ثُغَاءٌ» بضمِّ المُثلَّثة وبغينٍ معجمةٍ، ممدودًا (٥): صياح الغنم أيضًا (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) أي: للتَّخفيف عنك (قَدْ بَلَّغْتُ) إليك حكم الله (وَلَا يَأْتِي) أحدكم يوم القيامة (بِبَعِيرٍ) ذَكَرِ الإبل وأنثاه (يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ) براءٍ مضمومةٍ وغينٍ مُعجَمةٍ، صوت الإبل (فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ (٦) شَيْئًا) ولأبي ذَرٍّ: «لك (٧) من الله شيئًا» (قَدْ بَلَّغْتُ) إليك حكم الله تعالى.

стр. 3340

١٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ) بألفٍ قبل الشِّين، أبو النَّضر التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ آتَاهُ) بمدِّ الهمزة، أي: أعطاه (اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ) بضمِّ الميم، مبنيًّا للمفعول، أي: صُوِّر له (يَوْمَ القِيَامَةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «مُثِّلَ له مالهُ يوم القيامة» أي: ماله الذي لم يؤدِّ زكاته (شُجَاعًا) بضمِّ الشِّين المعجمة، والنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ «مُثِّل»، والضَّمير الذي فيه يرجع إلى قوله: «مالًا» وقد ناب عن المفعول الأوَّل، وقال الطِّيبيُّ: «شجاعًا» نُصِبَ، يجري مجرى المفعول الثَّاني، أي: صُوِّر مَالُه شجاعًا، وقال ابن الأثير: و «مُثِّل» يتعدَّى إلى مفعولين، فإذا بُنِي لِما لم يُسَمَّ فاعله يتعدَّى إلى واحدٍ، فلذا قال: «مُثِّل له شجاعًا»، وقال البدر الدَّمامينيُّ: «شجاعًا» منصوبٌ على الحال، وهو الحيَّة الذَّكر، أو الذي يقوم على ذنبه ويواثب الرَّجل والفارس، وربَّما بلغ الفارس (أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه؛ لكثرة سمِّه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانِ) بزايٍ معجمةٍ مفتوحةٍ فمُوحَّدتين، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: زبدتان (١) في شدقيه، يُقال: تكلَّم فلانٌ حتَّى زبَّد شِدْقاه، أي: خرج الزَّبد عليهما، أو هما نابان يخرجان من فِيْهِ، ورُدَّ بعدم وجود ذلك كذلك، أو هما النُّكتتان السَّوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيَّات وأخبثه (يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المُشدَّدة، والضَّمير الذي فيه مفعوله الأوَّل، والضَّمير البارز مفعوله الثَّاني، وهو يرجع إلى «مَنْ» في قوله: «من آتاه الله مالًا»، والضَّمير المستتر يرجع إلى الشُّجاع، أي: يُجعَل طوقًا في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ) الشُّجاع (بِلِهْزِمَتَيْهِ) بكسر اللَّام والزَّاي، بينهما هاءٌ ساكنةٌ، وبعد الميم (٢)

стр. 3341

فوقيَّةٌ، تثنية: لِهْزِمَةٍ (١)، ولغير أبي ذرٍّ: «بِلِهْزِمَيه» بإسقاط الفوقيَّة، وفسَّرهما بقوله (٢): (يعني: شِدْقَيْهِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: جانبي الفم، ولأبي ذرٍّ: «يعني: بشدقيه» بزيادة مُوحَّدةٍ قبل الشِّين (ثُمَّ يَقُولُ) الشُّجاع له: (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) يخاطبه بذلك؛ ليزداد غصَّةً وتهكُّمًا عليه (ثُمَّ تَلَا) ﵊: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ … الآية [آل عمران: ١٨٠]) بالغيب في: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ أسنده إلى: ﴿الَّذِينَ﴾ وقدَّر مفعولًا دلَّ عليه: ﴿يَبْخَلُونَ﴾ أي: لا يحسبنَّ الباخلون بخلَهم خيرًا لهم، وحذف واو: ﴿وَلَا﴾ وهي ثابتةٌ في القرآن، ولأبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾» بإثباتها، و «﴿تَحْسَبَنَّ﴾» بالخطاب، وهي قراءة حمزة والمُطَّوِّعيِّ عن الأعمش، أسنده إلى الرَّسول (٣) ﷺ ، وقدَّر مضافًا، أي: لا تحسبنَّ -يا محمَّد- بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم، فـ «بُخْلَ» و «خيرًا» مفعولاه، وفي رواية التِّرمذيِّ: قرأ مصداقه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وفيه دلالةٌ على أنَّ المراد بالتَّطويق حقيقته (٤)؛ خلافًا لمن قال: إنَّ معناه: سيُطوَّقون الإثم، وفي تلاوة الرَّسول ﷺ الآية عقب ذلك دلالةٌ على أنَّها نزلت في مانعي الزَّكاة، وعليه أكثر المفسِّرين، وهذا الحديث جعله أبو العبَّاس الطَّرْقِيُّ والذي قبله حديثًا واحدًا، ورواه مالكٌ في «موطَّئه» عن عبد الله بن دينارٍ، عن أبي صالحٍ، لكن وقفه (٥) على أبي هريرة، وخالفهم عبد العزيز بن أبي سلمة فرواه عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال ابن عبد البرِّ: وهو عندي خطأٌ بيِّنٌ في الإسناد؛ لأنَّه لو كان عند عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر؛ ما رواه عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة أصلًا، ورواية مالكٍ وعبد الرَّحمن بن عبد الله فيه الصَّحيحة (٦)، وهو مرفوعٌ صحيحٌ. وقد أخرج حديث الباب المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٦٥]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

стр. 3342

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) هذا لفظ حديثٍ رواه مالكٌ عن ابن عمر موقوفًا، وأبو داود مرفوعًا لكن بمعناه (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الحديث الآتي في هذا الباب [خ¦١٤٠٥]-إن شاء الله تعالى-: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ) بزيادة التاء، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «خمسِ» (أَوَاقٍ) بغير ياءٍ، كقاضٍ وجوارٍ، ولأبي ذرٍّ: «أواقي» بإثباتها، كأُثْفِيَّةٍ وأثافيَّ، ويجوز تخفيف الياء وتشديدها (صَدَقَةٌ) فليس بكنزٍ؛ لأنَّه لا صدقة فيه، فإذا زاد شيءٌ عليها ولم تُؤَدَّ (١) زكاته فهو كنزٌ. ١٤٠٤ - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشِّين المعجمة وبمُوحَّدتين، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، و «سعِيدٍ» -بكسر العين- الحَبَطيُّ -بالحاء المهملة والمُوحَّدة المفتوحتين وبالطَّاء المهملة- نسبةً إلى الحَبَطات من بني تميمٍ، البصريُّ، من مشايخ المؤلِّف، وثَّقه أبو حاتمٍ الرَّازي وكتب عنه ابن المدينيِّ، وقال أبو الفتح الأزديُّ: مُنكَر الحديث غير مرضيٍّ، لكن لا عبرة بقول الأزديِّ؛ لأنَّه هو ضعيفٌ، فكيف يُعتمَد في تضعيف الثِّقات؟ وتعليقه هذا وصله أبو داود في كتاب «النَّاسخ والمنسوخ» عن محمَّد بن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ عن أحمد بن شبيبٍ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثنا أحمد بن شبيب بن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيبٌ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ) هو أخو زيد بن أسلم (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ فَقَالَ) له (أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن قول الله»: (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا) بإفراد الضَّمير، والسَّابق اثنان؛

стр. 3343

كـ ﴿يُنفِقُونَهَا﴾ على تأويل الأموال، أو يرجع الضَّمير إلى الفضَّة؛ لأنَّها أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذَّهب، أو اكتفى (١) ببيان حكمها عن حكم الذَّهب (فَوَيْلٌ لَهُ) أي: حزنٌ وهلاكٌ ومشقَّةٌ، وارتفاع «ويلٌ» على الابتداء (إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ) قال ابن بطَّالٍ: يريد بما قبل نزول الزَّكاة، قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي: ما فضل عن الكفاية، فكانت الصَّدقة فرضًا بما (٢) فضل عن كفايته (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ) أي: الزَّكاة بعد الهجرة في السَّنة الثَّانية قبل فرض رمضان، كما أشار إليه (٣) النَّوويُّ في «باب السِّير» من «الرَّوضة»، وجزم ابن الأثير في «التَّاريخ» بأنَّ ذلك كان في التَّاسعة، وفيه نظرٌ يطول استقصاؤه، نعم، بَعْث العمَّال لأجل أخذ الصَّدقات كان في التَّاسعة، وهو يستدعي سبق فرضيَّة (٤) الزَّكاة (جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا) أي: مطهرةً (لِلأَمْوَالِ) وطهرًا لمخرجيها عن (٥) رذائل الأخلاق ونسخ حكم الكنز، لكن قال البرماويُّ: وإذا حُمِلَ ﴿لَا يُنفِقُونَهَا﴾ على (٦): لا يؤدُّون زكاتها فلا نسخ. ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الابن عن الأب، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّصدير (٧) بالقول والتَّحديث والعنعنة، وخالدٌ من أفراده وليس له في «الصَّحيح» إلَّا هذا الحديث، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦١]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». ١٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ يَزِيدَ) هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد -من الزِّيادة- أبو

стр. 3344

النَّضر، الأمويُّ مولاهم (١) الفراديسيُّ الشَّاميُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرَّحمن الأمويُّ، مولاهم البصريُّ ثمَّ (٢) الدِّمشقيُّ (قَالَ) عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا الأوزاعيُّ» قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، وقد تعقَّب المؤلِّفَ الدَّارقطنيُّ وأبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ في هذا السَّند بأنَّ إسحاق ابن يزيد شيخ المؤلِّف وَهِم في نسب يحيى بن أبي كثيرٍ، وإنَّما هو يحيى بن سعيدٍ مع الاختلاف على الأوزاعيِّ فيه؛ لأنَّ عبد الوهَّاب بن نجدة رواه عن شعيب (٣) عن الأوزاعيِّ قال: حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، ورواه الوليد بن مسلمٍ عن الأوزاعيِّ (٤) عن عبد الرَّحمن بن اليمان عن يحيى بن سعيدٍ، فاتَّفقا على أنَّ يحيى هو ابن سعيدٍ، وزاد الوليد بن مسلمٍ رجلًا بين الأوزاعيِّ ويحيى بن سعيدٍ، ورواه داود بن رشيدٍ وهشام بن خالدٍ جميعًا عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعيِّ عن يحيى، غير منسوبٍ، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّ سليمان بن عبد الرَّحمن الدِّمشقيَّ تابع إسحاق ابن يزيد عن شعيب بن إسحاق، كما أخرجه أبو عَوانة والإسماعيليُّ من طريقه، وهو يدلُّ على أنَّه عند شعيب على الوجهين، لكن دلَّت رواية الوليد بن مسلمٍ على أنَّ رواية الأوزاعيِّ عن يحيى بن سعيدٍ بغير واسطةٍ موهومةٌ أو مُدلَّسةٌ، وأمَّا رواية إسحاق بن يزيد عن شعيب فصحيحةٌ صريحةٌ؛ لأنَّه قد صرَّح فيها بأنَّ يحيى أخبره، فلذا (٥) عدل المؤلِّف إلى هذه (٦) واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثيرٍ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى) بفتح العين (ابْنِ عُمَارَةَ) بضمِّها، المازنيَّ الأنصاريَّ (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ) المازنيِّ المدنيِّ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ (¬﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (٧) ﷺ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ) بغير ياءٍ كـ «جوارٍ»، من الفضَّة (صَدَقَةٌ) والأُوقيَّة -بضمِّ الهمزة وتشديد الياء-: أربعون درهمًا بالنُّصوص المشهورة،

стр. 3345

والإجماع كما قاله النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»، وروى الدَّارقطنيُّ بسندٍ فيه ضعفٌ عن جابرٍ رفعه (١)، والوَقِيَّة: أربعون درهمًا، وعند أبي عمر من حديثه مرفوعًا أيضًا: «الدِّينار أربعةٌ وعشرون قيراطًا» قال: وهذا وإن لم يصحَّ سنده؛ ففي الإجماع عليه (٢) ما يغني عن إسناده، والاعتبار بوزن مكَّة تحديدًا والمثقال لم (٣) يختلف في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ، وهو اثنان وسبعون شعيرةً -بالمُوحَّدة- معتدلةً لم تُقشَّر، وقُطِع من طرفيها ما دقَّ (٤) وطال، وأمَّا الدَّراهم فكانت مختلفة الأوزان، وكان (٥) التَّعامل غالبًا في عصره ﷺ والصَّدر الأوَّل بعده بالدِّرهم البغليِّ -نسبةً إلى البغل؛ لأنَّه كان عليها صورته- وكان ثمانية دوانق، والدِّرهم الطَّبريُّ نسبةً إلى طبريَّة، قصبة الأردن بالشَّام، وتُسمَّى بنصيبين، وهو أربعة دراهم (٦) فجُمِعا وقُسِّما درهمين، كلُّ واحدٍ ستَّة دوانق (٧)، وقِيلَ: إنَّه فُعِلَ في زمن بني أميَّة، وأجمع أهل ذلك العصر عليه، وروى ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّ عبد الملك بن مروان أوَّل من أحدث ضربها ونقش عليها سنة خمسٍ وسبعين، وقال (٨) الماورديُّ: فعله (٩) عمر، ومتى زِيد على الدِّرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالًا، ومتى نقص من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهمًا، وكلُّ عشرة دراهم سبعةُ

стр. 3346

مثاقيل، وكلُّ عشرة مثاقيل أربعةَ عشرَ درهمًا وسُبعان (وَلَيْسَ) ولأبي ذرٍّ: «ولا» (فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) من الإبل (صَدَقَةٌ) و «ذَوْد» بفتح الذَّال المعجمة وسكون الواو وبالدَّال المهملة، قال ابن المُنيِّر: أضاف «خمس» إلى «ذود»، وهو مُذكَّرٌ، لأنَّه يقع على المُذكَّر والمُؤنَّث، وأضافه إلى الجمع؛ لأنَّه يقع على المُفرَد والجمع، وأمَّا قول ابن قتيبة: إنَّه يقع على الواحد فقط؛ فلا يدفع ما نقله غيره أنَّه يقع على الجمع. انتهى. والأكثر: على أنَّ الذَّود من الثَّلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه، وأنكر ابن قتيبة أن يُراد بالذَّود: الجمع، وقال (١): لا يصحُّ أن يُقال: خمس ذودٍ؛ كما لا يصحُّ أن يُقال: خمس ثوبٍ، وغلَّطه العلماء في ذلك، لكن قال أبو حاتمٍ السِّجستانيُّ: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمسٍ من الإبل؛ كما قالوا: ثلاث مئةٍ على غير قياسٍ، قال القرطبيُّ: وهذا صريحٌ في أنَّ الذَّود واحدٌ في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدِّمون: إنَّه لا يُقصَر (٢) على الواحد، وقال في «القاموس»: من ثلاثة أَبْعِرَةٍ (٣) إلى عشرةٍ (٤)، أو خمس عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين، أو ما بين الثِّنتين إلى التِّسع، ولا يكون إلَّا من الإناث، وهو واحدٌ وجمعٌ، أو جمعٌ لا واحد له، أو واحدٌ، جمعه: أَذْوَادٌ (٥) (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ) بغير تاءٍ، وللأربعة «خمسة» (أَوْسُقٍ) من تمرٍ أو حَبٍّ (صَدَقَةٌ) والأَوسُق بفتح الهمزة وضمِّ السِّين، جمع: وَِسْقٍ؛ بفتح الواو وكسرها، وهو ستُّون صاعًا، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمُدُّ: رِطْلٌ وثُلُثٌ بالبغداديِّ، فالأوسق الخمسة: ألفٌ وستُّ مئةِ رطلٍ بالبغداديِّ، ورطل بغداد على الأظهر: مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا، وأربعة أسباع درهمٍ.

стр. 3347

١٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) غير منسوبِ، ولأبي ذرٍّ: «عليُّ بن أبي هاشمٍ»، واسم أبي هاشمٍ عبيد الله اللَّيثيُّ البغداديُّ، ويُعرَف عُبيد الله بالطِّبْراخ، بكسر الطَّاء المهملة وسكون المُوحَّدة وآخره خاءٌ معجمةٌ أنَّه (سَمِعَ هُشَيْمًا) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة، ابن بُشَيرٍ -بضمِّ المُوحَّدة وفتح الشِّين- ابن القاسم بن دينارٍ قال: (أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، أبو الهذيل (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو، أبو (١) سليمان، الهَمْدانيِّ الجهنيِّ الكوفيِّ التَّابعيُّ الكبير أحد المخضرمين (قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المعجمة، موضعٌ على ثلاث مراحل من المدينة (٢) به قبر أبي ذرٍّ (فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (¬﵁ فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا)؟ وإنَّما سأله زيدٌ عن ذلك؛ لأنَّ مبغضي عثمان كانوا يشنِّعون عليه أنَّه نفى أبا ذرٍّ، وقد بيَّن أبو ذَرٍّ أنَّ نزوله في ذلك المكان إنَّما كان باختياره، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- (قَالَ) أبو ذرٍّ: (كُنْتُ بِالشَّأْمِ (٣)) أي: بدمشق (فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان، وكان إذ ذاك عامل عثمان على دمشق (فِي) من نزل قوله تعالى: (﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ) نظرًا إلى سياق الآية، فإنَّها نزلت في الأحبار والرُّهبان الذين لا يؤتون الزَّكاة، قال أبو ذرٍّ: (فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ) نظرًا إلى عموم (٤) الآية (فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَلكَ) وفي نسخةٍ «في ذاك نزاعٌ»، بل قِيلَ: إنَّه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان جيش معاوية يميل إلى أبي ذَرٍّ، وكان لا يخاف في الله لومة لائمٍ (وَكَتَبَ) معاوية ﵁ لمَّا خشي أن يقع بين

стр. 3348

المسلمين خلافٌ وفتنةٌ (إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُونِي) إمَّا بسبب هذه الواقعة الخاصَّة، أو على العموم (فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ) ﵁: (أَن أقْدَم المَدِينَةَ) بفتح الدَّال، إمَّا فعلٌ مضارعٌ فهمزته همزة قطعٍ، أو فعل أمرٍ فتُحذَف في الوصل (فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ) أي: يسألونه عن سبب خروجه من دمشق، وعمَّا جرى بينه وبين معاوية (حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَلكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي (١): إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا) خشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشَّأم (فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ) بالنَّصب (وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ) عبدًا (حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ) قوله (وَأَطَعْتُ) أمره، وروى الإمام أحمد وأبو يَعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمِّه عن أبي ذَرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «كيف تصنع إذا أُخرِجتَ منه؟» أي: من المسجد النَّبويِّ، قال: آتي الشَّام، قال: «كيف تصنع إذا أُخرِجت منها؟» قال: أعود إليه، أي: إلى (٢) المسجد، قال: «كيف تصنع إذا أُخرِجت منه؟» قال: أضرب بسيفي، قال: «ألا أدلُّك على ما هو خيرٌ لك من ذلك وأقرب رشدًا، تسمعُ وتطيعُ وتنساق لهم حيث ساقوك». وفي حديث الباب رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، ومناسبته للتَّرجمة من جهة (٣) أنَّ ما أُدِّي زكاته فليس بكنزٍ، ومفهوم الآية كذلك، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٠]، وكذا النَّسائيُّ.

стр. 3349

١٤٠٧ - ١٤٠٨ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بالتَّحتيَّة والشِّين المعجمة، ابن الوليد، الرَّقَّام البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى السَّامي، بالمُهمَلة (قال: حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء الأولى، سعيد بن (١) إياسٍ (عَنْ أَبِي العَلَاءِ) بفتح العين والهمز ممدودًا، يزيد -من الزِّيادة- ابن الشِّخِّير المعافريِّ (٢) (عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة آخره فاءٌ (قَالَ: جَلَسْتُ). «ح» قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث (قَالَ: حَدَّثَني) (٤) بالإفراد (٥) (أَبِي) عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا) سعيدٌ (الجُرَيْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ) بكسر الشِّين (٦) والخاء المعجمتين: (أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ) أردف المؤلِّف هذا الإسناد بسابقه وإن كان أنزل منه لتصريح عبد الصَّمد بتحديث أبي العلاء للجُريريِّ، والأحنف لأبي العلاء (قَالَ) أي: الأحنف: (جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ) أي: جماعةٍ (مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ) بفتح الخاء وكسر الشِّين المعجمتين، من الخشونة، وللقابسيِّ: «حسن» بالمهملتين، والأوَّل هو الصَّحيح (وَالثِّيَابِ

стр. 3350

وَالهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ) أي: وقف (عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ) ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ولا يؤدُّون زكاتها (بِرَضْفٍ) بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد المعجمة آخره فاءٌ: حجارةٌ محمَّاةٌ (يُحْمَى عَلَيْهِ) أي (١): على الرَّضف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «عليهم» (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) بعدم الصَّرف للعجمة والعلميَّة، أو عربيٌّ والمانعُ العلميَّة والتَّأنيث (ثُمَّ يُوضَعُ) الرَّضف (عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) بفتح لام «حلمة» وهي ما نشز من الثَّدي وطال (حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ) بضمِّ النُّون وسكون الغين المعجمة (٢)، آخره ضادٌ معجمةٌ (٣)، ويُسمَّى (٤): الغضروف، وهو: العظم الرَّقيق على طرف الكتف أو هو (٥) أعلاه، وأصل النُّغْض: الحركة، فسُمِّي به الشَّاخص من الكتف (٦)؛ لأنَّه يتحرَّك من الإنسان في مشيه وتصرُّفه، و «كتفه» بالإفراد (وَيُوضَعُ) الرَّضف (عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ) بالإفراد (حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ (٧) يَتَزَلْزَلُ) أي: يتحرَّك ويضطرب الرَّضف (ثُمَّ وَلَّى) أدبر (فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ) أُسطوانةٍ (وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: لا أظنُّ (القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ) لهم، بفتح التَّاء، خطابٌ لأبي ذرٍّ (قَالَ) أبو ذرٍّ: (إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) فسَّره بجمعهم الدُّنيا، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٠٨]. (قَالَ لِي خَلِيلِي -قَالَ) الأحنف: (قُلْتُ: مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «ومن» (خَلِيلُكَ؟) زاد في نسخةٍ: «يا أبا ذرٍّ» (قَالَ) أبو ذرٍّ: هو، أي: خليلي (٨) (النَّبِيُّ ﷺ ) وقوله: (يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتُبْصِرُ أُحُدًا)؟ الجبل المشهور، معمولُ «قال

стр. 3351

لي (١) خليلي»، وحينئذٍ يستقيم الكلام، ولا يُقال: فيه حذفٌ خلافًا لابن بطَّالٍ والزَّركشيِّ وغيرهما، حيث قالوا: أسقط (٢): «قال: النَّبيُّ ﷺ » في جواب السَّائل: «من خليلك؟» أو: «قال: النَّبيُّ» الثَّابتة (٣) جوابه، وسقط قوله: «قال النَّبيُّ يا أبا ذرٍّ»، أو السَّاقط -كما قاله في «فتح الباري» -: «قال» فقط، من قوله: «قال: يا أبا ذرٍّ، أتبصر؟ قال:» وكأنَّ بعض الرُّواة ظنَّها مكرَّرةً فحذفها، ولا بدَّ من إثباتها. انتهى. (قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ) قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ والزَّركشيِّ والعينيِّ: أي: أيُّ شيءٍ بقي منه، وكأنَّهم جعلوها استفهاميَّةً، قال البدر الدَّمامينيُّ: وليس المعنى عليه، إنَّما المعنى: فنظرت إلى الشَّمس أتعرَّفُ القدر الذي بقي من النَّهار، وأنظر الذي بقي منه، فهي موصولةٌ (وَأَنَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ) جواب: «أتبصر أُحُدًا؟» (قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ) الجبل المشهور (٤) (ذَهَبًا) «مِثْلَ» إمَّا اسم «أنَّ» (٥)، أو حالٌ مُقدَّمةٌ على الخبر، و «ذهبًا» تمييزٌ (أُنْفِقُهُ) لخاصَّة نفسي (كُلَّهُ) أي: مثل كلِّ أُحُدٍ ذهبًا (إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ) (٦) قال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّ هذا المقدار كان دينًا، أو مقدار كفاية إخراجات تلك اللَّيلة له ﷺ ، وهذا محمولٌ على الأولويَّة؛ لأنَّ جمع المال وإن كان مباحًا لكنَّ الجامع مسؤولٌ عنه، وفي المحاسبة خطرٌ، فكان التَّرك أسلم، وما ورد من التَّرغيب في تحصيله وإنفاقه في حقِّه محمولٌ على من وثق بأنَّه يجمعه من الحلال الذي يأمن معه من خطر المحاسبة (وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ) هو من

стр. 3352

قول أبي ذرٍّ عطفًا (١) على قوله: «لا يعقلون شيئًا» الأوَّل، وكرَّره للتَّأكيد (٢)، وربط ما بعده به (٣) (إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا) بيانٌ لعدم عقلهم كما مرَّ (لَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا والله» (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) أي: شيئًا من متاعها، بل أقنع بالقليل وأرضى باليسير (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) اكتفاءً بما سمعه من العلم من رسول الله ﷺ (حَتَّى أَلْقَى اللهَ) فيه كثرة زهد أبي ذرٍّ، وقد كان مذهبه أنَّه يحرم على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته. وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» أيضًا. (٥) (باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ). ١٤٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ، واسمه سعدٌ الكوفيّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو (٤) ابن أبي حازم، واسمه عوفٌ الأحمسيُّ البجليُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁¬) أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا حَسَدَ) لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بالتَّأنيث، أي: خصلتين (٦): (رَجُلٍ) بالجرِّ بدلٌ

стр. 3353

من «اثنتين» على حذف مضافٍ، ولأبي ذَرٍّ: «رجلٌ» بالرَّفع على إضمار مبتدأٍ، أي: أحدهما: رجلٌ (آتَاهُ) بالمدِّ، أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللَّام، وفيه مبالغتان: التَّعبير بالتَّسليط المقتضي للغلبة، وبالهلكة المشعرة بفناء الكلِّ (فِي الحَقِّ) أخرج التَّبذير الذي هو صرف المال فيما لا ينبغي (وَرَجُلٍ) بالجرِّ، ولأبي ذرٍّ: «ورجلٌ» بالرَّفع (آتَاهُ اللهُ) أعطاه (حِكْمَةً) القرآن أو السُّنَّة كما قال الإمام الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) فإن قلت: كلُّ خيرٍ يتمنَّى مثله شرعًا، فما وجه حصر التَّمنِّي في هاتين الخصلتين؟ أجاب ابن المُنيِّر بأنَّ الحصر هنا غير مرادٍ، وإنَّما المراد مقابلة ما في الطِّباع بضدِّه (١)؛ لأنَّ الطِّباع تحسد على جمع (٢) المال وتذمُّ ببذله، فبيَّن الشَّرع عكس الطَّبع فكأنَّه قال: لا حسد إلَّا فيما تذمُّون عليه، ولا مذمَّة إلَّا فيما تحسدون عليه، ووجه المؤاخاة بين الخصلتين: أنَّ المال يزيد بالإنفاق ولا ينقص؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ولقوله ﵊: «ما نقص مالٌ من صدقةٍ»، والعلم يزيد أيضًا بالإنفاق منه، وهو التَّعليم فتواخيا. وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» في «باب الاغتباط» [خ¦٧٣]. (٦) (باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ ؛ لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ﴾) ثواب (﴿صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾» (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄¬) ممَّا وصله ابن جريرٍ: (﴿صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] (٣) لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ: (﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] مَطَرٌ

стр. 3354

شَدِيدٌ، و «الطَّلُّ»: النَّدَى) شبَّه الذي يُبطل صدقته بالمنِّ والأذى (١)، بالذي ينفق ماله رئاء النَّاس؛ لأجل مدحتهم وشهرته (٢) بالصِّفات الجميلة، مظهرًا أنَّه يريد وجه الله، ولا ريب أنَّ الذي يرائي في صدقته أسوأ حالًا من المتصدِّق بالمنِّ؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ المُشبَّه به أقوى حالًا من المُشبَّه، ومن ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثمَّ ضرب مَثَل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي: حجرٍ أملس عليه ترابٌ، فأصابه مطرٌ كبير القطر، فتركه صلدًا أملس نقيًّا من التُّراب، كذلك أعمال المرائين تضمحلُّ عند الله، فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيءٍ من نفقته؛ كما لا يحصل النَّبات من الأرض الصَّلدة، والضَّمير في: ﴿لاَّ (٣) يَقْدِرُونَ﴾ للذي ينفق باعتبار المعنى؛ لأنَّ المراد به: الجنس أو الجمع، أي: لا ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه، وفي قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ تعريضٌ بأنَّ الرِّياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صفات (٤) الكفَّار، فلا بدَّ للمؤمن أن يجتنبها. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً) ولأبي الوقت: «الصَّدقة» (مِنْ غُلُولٍ) بضمِّ الغين المُعجَمة، خيانةٍ في المغنم، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ (٥): «لا تُقبَل الصَّدقة من غُلُولٍ» بضمِّ أوَّل «تُقبَل» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وهو طرفٌ من حديثٍ (٦) أخرجه مسلمٌ (وَلَا يَقْبَلُ (٧) إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هذا للمُستملي وحده، وهو طرفٌ من حديث الباب (لقوله) تعالى: (﴿وَيُرْبِي

стр. 3355

الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) زاد أبو ذرٍّ (١): «﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ (٢) خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾» [البقرة: ٢٦٣]. (٨) (بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ؛ لِقَوْلِهِ (٣): ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (٤)﴾) يكثِّرها وينمِّيها، وقوله: ﴿وَيُرْبِي﴾ بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف المُوحَّدة، كذا التَّلاوة، وفي نسخةٍ: «ويُرَبِّي» بفتح الرَّاء وتشديد المُوحَّدة (﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ﴾) لا يرتضي (﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾) مُصرٍّ على تحليل الحرام (﴿أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) فاجرٍ بارتكابه (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بالله ورسله وبما جاء منه (٥) (﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾) عطفهما (٦) على الأعمِّ لشرفهما (٧) على سائر الأعمال الصَّالحة (﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾) من آتٍ (﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]) على فائتٍ، ولغير أبي ذَرٍّ: «﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾» قال ابن بطَّالٍ: لمَّا كانت هذه الآية مشتملةً على أنَّ الرِّبا يمحقه الله لأنَّه حرامٌ، دلَّ ذلك على أنَّ الصَّدقة

стр. 3356

التي تُتقبَّل لا تكون من جنس الممحوق. انتهى. وقال (١) الكِرمانيُّ: لفظ «الصَّدقات» وإن كان أعمَّ من أن يكون من الكسب الطَّيِّب ومن غيره، لكنَّه مُقيَّدٌ بالصَّدقات التي هي (٢) من الكسب الطَّيِّب بقرينة السياق: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وبهذا تحصل المناسبة بين قوله: «لا تقبل الصَّدقة إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ» وهذه الآية، والجواب عن قول ابن التِّين: أنَّ تكثير أجر الصَّدقة ليس علَّةً؛ لكون الصَّدقة من كسبٍ طيِّبٍ، وكان الأبين أن يستدلَّ بقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ١٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون، أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، سالم بن أبي أميَّة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ تَصَدَّقَ بِعَِدْلِ تَمْرَةٍ) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وسكون الميم، و «العَدل» عند الجمهور بفتح العين: المثل، وبالكسر: الحِمل -بكسر الحاء- أي: بقيمة تمرة (مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) حلالٍ (وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جملةٌ معترضةٌ بين الشَّرط والجزاء؛ تأكيدًا لتقرير المطلوب في النَّفقة (وَإِنَّ اللهَ) بالواو، ولأبي الوقت: «فإنَّ الله» (يَتَقَبَّلُهَا) بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة (بِيَمِينِهِ) قال الخطَّابيُّ: ذكر اليمين لأنَّها في العُرف لِما عَزَّ، والأخرى لِما هان، وقال ابن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادةً، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب

стр. 3357

تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتبة التَّخصيص لِما ظهر عنها، فنورُ الفضل باليمين، ونورُ العدل باليد الأخرى، والله سبحانه يتعالى (١) عن الجارحة، وعند (٢) البزَّار من حديث عائشة: «فيتلقَّاها الرَّحمن بيده». (ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لصاحبها» بمضاعفة الأجر أو المزيد في الكميَّة (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ) بفتح الفاء وضمِّ اللَّام وفتح الواو المُشدَّدة، المُهْر حين يُفطَم، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأمِّ، والذي في «اليونينيَّة»: «فَلْوَه» بفتح الفاء وسكون اللَّام وفتح الواو (حَتَّى تَكُونَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، أي: حتَّى تكون التَّمرة (مِثْلَ الجَبَلِ) لتثقل في ميزانه، أو المراد: الثَّواب، وفي رواية القاسم عند التِّرمذيِّ: «حتَّى أنَّ اللَّقمة لتَصير مثل أُحُدٍ»، وضرب المَثَل بالمُهْر؛ لأنَّه يزيد زيادةً بيِّنةً، ولأنَّ الصَّدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النِّتاج إلى التَّربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية به. انتهى. إلى حدِّ الكمال، وكذلك الصَّدقة، فإنَّ العبد إذا تصدَّق من كسبٍ طيِّبٍ لا يزال نظرُ اللهِ إليها يُكسبها نعت الكمال حتَّى تنتهي بالتَّضعيف إلى نصابٍ تقع (٣) المناسبة بينه وبين ما قدَّم نسبةَ ما بين التَّمرة إلى الجبل، كما قاله في «الفتح». (تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الرَّحمن (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله، وهذه المتابعة ذكرها المصنِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٠] لكن بمخالفةٍ يسيرةٍ في اللَّفظ، ووصلها أبو عَوانة وغيره. (وَقَالَ) ممَّا وقع له مذاكرةً (وَرْقَاءُ) بن عمر (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) عبد الله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد خالف ورقاءُ عبدَ الرَّحمن بن سليمان (٤)، فجعل شيخ ابن دينارٍ فيه سعيد بن يسارٍ بدل أبي صالحٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة، وقال العينيُّ: وصلها البيهقيُّ في «سننه» من رواية أبي

стр. 3358

النَّضر هاشم بن القاسم، حدَّثنا ورقاء، (١) وقال الزَّين (٢) العراقيُّ: رويناه في الجزء الرَّابع من فوائد أبي بكرٍ الشَّافعيِّ، قال: حدَّثنا محمَّدٌ -يعني: ابن غالبٍ-: حدَّثنا عبد الصَّمد: حدَّثنا ورقاء. وقال الحافظ ابن حجرٍ في «كتاب التَّوحيد» من «فتحه» [خ¦٧٤٣٠]: وقد ذكرت في (٣) الزَّكاة أنِّي لم أقف على رواية ورقاء هذه المُعلَّقة، ثمَّ وجدتها بعد ذلك عند كتابتي هنا، فقد وصلها البيهقيُّ (٤). (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلَمِيُّ المدنيُّ، ممَّا وصله القاضي يوسف بن يعقوب في «كتاب الزَّكاة» له (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُهَيْلٌ) ممَّا وصله عنهما مسلمٌ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله في التَّرجمة: «ولا تُقبَل إلَّا من كسبٍ طيِّبٍ لقوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾» أي: كلامٌ حسنٌ وردٌّ جميلٌ، «﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ﴾» عن إنفاق كلِّ منفقٍ «﴿حَلِيمٌ﴾» لا يعجِّل بالعقوبة، «باب فضل الصَّدقة من كسبٍ» أي: مكسوبٍ، والمراد: ما هو أعمُّ من تعاطي التَّكسُّب فيدخل الميراث، وذكر الكسب؛ لأنَّه الغالب في تحصيل المال «طيِّبٍ» حلالٍ «لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾»، وذكر بقيَّة الآية والحديث كما سبق، وعزا الحافظ ابن حجرٍ الباب والتَّرجمة للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وعلى هذا فتخلو ترجمة: «لا تُقبَل صدقةٌ من غلولٍ» من حديثٍ، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية، لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في التَّرجمة كما وقع التَّنبيه عليه. (٩) (باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ) ممَّن يريد المتصدِّق أن يتصدَّق عليه؛ لاستغنائه بما تخرجه الأرض من كنوزها.

стр. 3359

١٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الميم والمُوحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، الجَدَليُّ -بالجيم والدَّال المُهمَلة المفتوحتين- الكوفيُّ القاصُّ -بالقاف والصَّاد المهملة المُشدَّدة- العابد (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ ابْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمُثلَّثة، و «وَهْبٍ» بفتح الواو وسكون الهاء، الخزاعيَّ أخا عبد الله بن عمر بن الخطَّاب لأمِّه ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ) فيه (بِصَدَقَتِهِ) جملةُ «يمشي» في محلِّ رفعٍ على أنَّها صفةٌ لـ «زمانٌ»، والعائد محذوفٌ، أي: فيه (فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ) الذي يريد المتصدِّق أن يعطيه الصَّدقة: (لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ) حيث كنت محتاجًا إليها (لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) وللمُستملي والحَمُّويي: «فيها»، وفي الحديث: الحثُّ على الصَّدقة والإسراع بها. فإن قلت: إنَّ الحديث خرج مخرج التَّهديد على تأخير الصَّدقة، فما وجه التَّهديد فيه مع أنَّ الذي لا يجد من يقبل صدقته قد فعل (١) ما في وسعه، كما فعل الواجد لمن قبل صدقته؟ والجواب: أنَّ التَّهديد مصروفٌ لمن أخَّرها عن مستحقِّها ومطله بها، حتَّى استغنى ذلك الفقير المستحقُّ، فغِنى الفقيرِ لا يخلِّص ذمَّة الغنيِّ المماطل في وقت الحاجة، قاله ابن المُنيِّر. وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، ورواته عسقلانيٌّ وواسطيٌّ وكوفيٌّ، وفيه التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) وفي «الفتن» [خ¦٧١٢٠]، ومسلمٌ في «الزَّكاة». ١٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا

стр. 3360

أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن (١) ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو (٢) ابن هرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، من فاض الإناء فيضًا؛ إذا امتلأ، منصوبٌ عطفًا على الفعل المنصوب (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) بضمِّ الياء وكسر الهاء، من أَهَمَّ، والهمُّ: الحزن، «ربَّ» نُصِبَ (٣) كذا في الفرع (٤) وغيره، وضبطه الأكثرون على وجهين: «يَهُمَّ» (٥) بفتح أوَّله وضمِّ الهاء، من الهَمِّ -بفتح الهاء- وهو ما يشغل القلب من أمرٍ يهمُّ به، و «ربَّ» منصوبٌ، مفعول «يهمَّ»، و «من يقبل صدقته» في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، وأسند الفعل إليه؛ لأنَّه كان سببًا فيما حصل لصاحب المال، وبضمِّ الياء وكسر الهاء، من أهمَّه الأمر إذا أقلقه، قال العينيُّ: فعلى هذا أيضًا الإعراب مثل الأوَّل، أي: في نصب «رَبَّ» على المفعوليَّة؛ لأنَّ كلًّا من مفتوح الياء ومضمومها متعدٍّ، يُقال: همَّه الأمر وأهمَّه، وقال النَّوويُّ: ضبطوه (٦) بوجهين، أشهرهما: بضمِّ (٧) أوَّله وكسر الهاء، و «رَبَّ» مفعولٌ، والفاعل «مَنْ يقبل»، والمعنى: أنَّه يقلق صاحب المال ويحزنه أمرُ من يأخذ منه (٨) زكاة ماله، لفقد المحتاج لأخذ الزَّكاة؛ لعموم الغنى لجميع النَّاس، والثَّاني: بفتح أوَّله وضمِّ الهاء، من «همَّ» بمعنى: قصد، و «رَبُّ» فاعلٌ، و «مَنْ» مفعولٌ، أي: يقصده فلا يجده. انتهى. ففرَّقوا بينهما فجعلوا الأوَّل متعدِّيًا، من الإهمام (٩)، و «رَبَّ» مفعولًا، والثَّاني: من الهمِّ: القصد، و «رَبُّ» فاعلًا، وتعقَّب الزَّركشيُّ والبرماويُّ وغيرهما الثَّاني فقالوا: وهذا ليس بشيءٍ؛ إذ يصير التَّقدير: يقصد الرَّجل

стр. 3361

من يأخذ ماله فيستحيل، وليس (١) المعنى إلَّا على الأوَّل، وأجاب البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا استحالة أصلًا، فإنَّهم قالوا: المعنى أنَّه يقصد من يأخذ ماله فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته التي هو حريصٌ عليها، فلا شكَّ أنَّه يحزن ويقلق لفوات مقصوده، فعاد هذا إلى المعنى الأوَّل. انتهى. ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يهمَّ ربَّ المال من يقبله» أي: المال صدقةً (وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) بفتح أوَّله (فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ) بنصب «يقولَ» عطفًا على الفعل المنصوب قبله: (لَا أَرَبَ لِي) بفتحاتٍ، أي: لا حاجة لي لاستغنائي عنه، قال الزَّركشيُّ والكِرمانيُّ والبرماويُّ: كأنَّه سقط من الكتاب كلمة «فيه» أي بعد قوله: «لا أَرَبَ لي»، قال العينيُّ مشيرًا إلى الكِرمانيِّ: السَّقط كأنَّه كان في نسخته، وهو موجودٌ في النُّسخ. انتهى. والظَّاهر: أنَّ النُّسخ التي وقف عليها العينيُّ ليست معتمدةً، فقد راجعت أصولًا معتمدةً فلم أجدها، مع ما هو مفهوم كلام الحافظ ابن حجرٍ، أو منطوقه في شرحه لهذا الموضع، حيث قال قوله: «لا أرب لي» زاد في «الفتن» [خ¦٧١٢١] «به»، فلو كانت ثابتةً في الرِّواية هنا لما احتاج أن يقول: زاد في «الفتن»: «به»، بل قال البدر الدَّمامينيُّ: إنَّ رواة البخاريِّ متَّفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللَّفظة، والمعنى عليها في كلام المتكلِّم يقول (٢): «لا أرب لي» بحذف الجارِّ والمجرور لقيام القرينة. انتهى. وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ وغيرهما: وقد وُجِد ذلك في زمن الصَّحابة، كان تُعرَض عليهم الصَّدقة فيأبَون قبولها، يشيرون به إلى نحو حكيم بن حزامٍ إذ دعاه الصِّدِّيق ﵁ ليعطيه عطاءً فأبى، وعرض عليه عمر بن الخطَّاب قَسْمه من الفيء فلم يقبله، رواه الشَّيخان [خ¦١٤٧٢] وغيرهما، ولكنَّ هذا إنَّما كان لزهدهم وإعراضهم عن الدُّنيا مع قلَّة المال وكثرة الاحتياج، ولم يكن لفيض المال، وحينئذٍ فلا يُستشهَد به في هذا المقام.

стр. 3362

١٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ) قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، الجهنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ) سعدٌ الطَّائيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام (الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ) الطَّائيَّ (¬﵁¬) والده الجواد المشهور، أسلم سنة تسعٍ أو عشرٍ، وتُوفِّي بعد السِّتين وقد أَسَنَّ، قِيلَ: بلغ مئةً وعشرين، وقِيلَ: مئةً وثمانين (يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلَانِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرفهما (أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ) بفتح العين المهملة، أي: الفقر (وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ) أي: الطَّريق من طائفةٍ يترصَّدون في المكامن لأخذ مالٍ، أو لقتلٍ، أو إرعابٍ؛ مكابرةً؛ اعتمادًا على الشَّوكة مع البعد عن الغوث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ) بالرَّفع على البدل (حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ) بكسر العين المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ الإبل تحمل الميرة (إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء: المجير الذي يكون القوم في خفارته وذمَّته (وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ) لاستغنائه عنها (ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ) (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ) هذا على سبيل التَّمثيل، وإلَّا فالباري (١) لا يحيط به شيءٌ ولا يحجبه حجابٌ، وإنَّما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وُضِع فيها من الحجب؛ للعجز عن

стр. 3363

الإدراك في الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة كشفها عن أبصارنا وقوَّاها حتى نراه معاينةً كما نرى القمر ليلة البدر (وَلَا تَُرْجُمَانٌ) بفتح التَّاء وضمِّها وضمِّ الجيم (يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟) زاد أبو الوقت «وولدًا» (فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ) بسكون اللَّام، وزاد أبو ذرٍّ عن (١) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «النَّارَ» في نسخةٍ (٢) (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بكسر الشِّين المعجمة: بنصفها (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئًا يتصدَّق به على المحتاج (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) يردُّه بها ويطيِّب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النَّار. وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٩٥]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». ١٤١٤ - وبه (٣) قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، أبو كُريبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، ابن (٤) عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الباء وسكون الرَّاء، عامرٍ أو الحارث ابن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) قِيلَ: هو زمان عيسى ﵇ (يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ) خصَّه (٥) بالذِّكر

стр. 3364

مبالغةً في عدم من يقبل الصَّدقة؛ لأنَّ الذَّهب أعزُّ الأموال وأشرفها، فإذا لم يوجد (١) من يأخذه فغيره بطريق الأَوْلى، والقصد حصول عدم القبول (٢) مع اجتماع ثلاثة أشياء: طواف الرَّجل بصدقته، وعرضها على من يأخذها، وكونها من ذهبٍ (ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول (الوَاحِدُ) حال كونه (يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ) بضمِّ اللَّام وسكون الذَّال المعجمة، أي: يلتجئن إليه (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ) بسبب كثرة الحروب والقتال الواقع في آخر الزَّمان؛ لقوله ﵊ [خ¦٨٥]: «ويكثر (٣) الهرج» (وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ). ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه مسلمٌ بسند البخاريِّ. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) هذا لفظ الحديث [خ¦١٤١٧]. (وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ) بجرِّ «القليلِ» عطفًا على سابقه، من عطف العامِّ على الخاصِّ، أي: اتَّقوا النَّار ولو بالقليل من الصَّدقة (﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾) شاملٌ للقليل والكثير (﴿ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٦٥]) أي: وتثبيت بعضٍ أنفسَهم على الإيمان، فإنَّ المال شقيق الرُّوح، فمن بذل ماله لوجه الله ثبَّت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه ثبَّتها كلَّها، أو تصديقًا وتيقُّنًا من أصل أنفسهم أنَّ الله سيجزيهم على ذلك،، وفيه تنبيهٌ على أنَّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكيةُ النَّفس عن البخل وحبِّ المال (الآية) أي: إلى آخرها، ومعناها: أنَّ مَثَلَ نفقة هؤلاء في

стр. 3365

الزَّكاة ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ (١) خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ كمثل بستانٍ (٢) بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، فإنَّ شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا، أصاب الجنَّة مطرٌ عظيم القطر، فأعطت ثمرتها ضعفين أو مرَّتين في سنةٍ بالنِّسبة إلى غيرها من البساتين ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فيصيبها مطرٌ صغير القطر، أو فَطَلٌّ يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها؛ يعني: نفقاتهم زاكيةٌ عند الله وإن كانت متفاوتةً (٣) بحسب أحوالهم؛ كما أنَّ الجنَّة تثمر، قلَّ المطر أو كثر (وَإِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٦٦]) ولأبي ذَرٍّ: «﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾» كأنَّ البخاريَّ أتبع الآية الأولى التي ضُرِبت مَثَلًا بالرَّبوة (٥)، بالآية الثَّانية (٦) التي تضمَّنت ضرب المَثَل لمن عمل عملًا يَفقِده أحوجَ ما كان إليه للإشارة إلى اجتناب الرِّياء في الصَّدقة، ولأنَّ قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] يُشعِر بالوعيد بعد الوعد، فأوضحه بذكر الآية الثَّانية، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في اقتصاره على بعضها اختصارًا.
следующие страницы →