← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

من يأخذ ماله فيستحيل، وليس (١) المعنى إلَّا على الأوَّل، وأجاب البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا استحالة أصلًا، فإنَّهم قالوا: المعنى أنَّه يقصد من يأخذ ماله فلا يجده، وإذا لم يجد الإنسان طلبته التي هو حريصٌ عليها، فلا شكَّ أنَّه يحزن ويقلق لفوات مقصوده، فعاد هذا إلى المعنى الأوَّل. انتهى. ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يهمَّ ربَّ المال من يقبله» أي: المال صدقةً (وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) بفتح أوَّله (فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ) بنصب «يقولَ» عطفًا على الفعل المنصوب قبله: (لَا أَرَبَ لِي) بفتحاتٍ، أي: لا حاجة لي لاستغنائي عنه، قال الزَّركشيُّ والكِرمانيُّ والبرماويُّ: كأنَّه سقط من الكتاب كلمة «فيه» أي بعد قوله: «لا أَرَبَ لي»، قال العينيُّ مشيرًا إلى الكِرمانيِّ: السَّقط كأنَّه كان في نسخته، وهو موجودٌ في النُّسخ. انتهى. والظَّاهر: أنَّ النُّسخ التي وقف عليها العينيُّ ليست معتمدةً، فقد راجعت أصولًا معتمدةً فلم أجدها، مع ما هو مفهوم كلام الحافظ ابن حجرٍ، أو منطوقه في شرحه لهذا الموضع، حيث قال قوله: «لا أرب لي» زاد في «الفتن» [خ¦٧١٢١] «به»، فلو كانت ثابتةً في الرِّواية هنا لما احتاج أن يقول: زاد في «الفتن»: «به»، بل قال البدر الدَّمامينيُّ: إنَّ رواة البخاريِّ متَّفقون على رواية هذا الحديث بدون هذه اللَّفظة، والمعنى عليها في كلام المتكلِّم يقول (٢): «لا أرب لي» بحذف الجارِّ والمجرور لقيام القرينة. انتهى. وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ وغيرهما: وقد وُجِد ذلك في زمن الصَّحابة، كان تُعرَض عليهم الصَّدقة فيأبَون قبولها، يشيرون به إلى نحو حكيم بن حزامٍ إذ دعاه الصِّدِّيق ﵁ ليعطيه عطاءً فأبى، وعرض عليه عمر بن الخطَّاب قَسْمه من الفيء فلم يقبله، رواه الشَّيخان [خ¦١٤٧٢] وغيرهما، ولكنَّ هذا إنَّما كان لزهدهم وإعراضهم عن الدُّنيا مع قلَّة المال وكثرة الاحتياج، ولم يكن لفيض المال، وحينئذٍ فلا يُستشهَد به في هذا المقام.

стр. 3362

١٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ) قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، الجهنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ) سعدٌ الطَّائيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام (الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ) الطَّائيَّ (¬﵁¬) والده الجواد المشهور، أسلم سنة تسعٍ أو عشرٍ، وتُوفِّي بعد السِّتين وقد أَسَنَّ، قِيلَ: بلغ مئةً وعشرين، وقِيلَ: مئةً وثمانين (يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلَانِ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرفهما (أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ) بفتح العين المهملة، أي: الفقر (وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ) أي: الطَّريق من طائفةٍ يترصَّدون في المكامن لأخذ مالٍ، أو لقتلٍ، أو إرعابٍ؛ مكابرةً؛ اعتمادًا على الشَّوكة مع البعد عن الغوث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ) بالرَّفع على البدل (حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ) بكسر العين المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة؛ الإبل تحمل الميرة (إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء: المجير الذي يكون القوم في خفارته وذمَّته (وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ) لاستغنائه عنها (ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ) (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ) هذا على سبيل التَّمثيل، وإلَّا فالباري (١) لا يحيط به شيءٌ ولا يحجبه حجابٌ، وإنَّما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وُضِع فيها من الحجب؛ للعجز عن

стр. 3363

الإدراك في الدُّنيا، فإذا كان يوم القيامة كشفها عن أبصارنا وقوَّاها حتى نراه معاينةً كما نرى القمر ليلة البدر (وَلَا تَُرْجُمَانٌ) بفتح التَّاء وضمِّها وضمِّ الجيم (يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟) زاد أبو الوقت «وولدًا» (فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ) بسكون اللَّام، وزاد أبو ذرٍّ عن (١) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «النَّارَ» في نسخةٍ (٢) (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بكسر الشِّين المعجمة: بنصفها (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئًا يتصدَّق به على المحتاج (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) يردُّه بها ويطيِّب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النَّار. وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٩٥]، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». ١٤١٤ - وبه (٣) قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، أبو كُريبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، ابن (٤) عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الباء وسكون الرَّاء، عامرٍ أو الحارث ابن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) قِيلَ: هو زمان عيسى ﵇ (يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ) خصَّه (٥) بالذِّكر

стр. 3364

مبالغةً في عدم من يقبل الصَّدقة؛ لأنَّ الذَّهب أعزُّ الأموال وأشرفها، فإذا لم يوجد (١) من يأخذه فغيره بطريق الأَوْلى، والقصد حصول عدم القبول (٢) مع اجتماع ثلاثة أشياء: طواف الرَّجل بصدقته، وعرضها على من يأخذها، وكونها من ذهبٍ (ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول (الوَاحِدُ) حال كونه (يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ) بضمِّ اللَّام وسكون الذَّال المعجمة، أي: يلتجئن إليه (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ) بسبب كثرة الحروب والقتال الواقع في آخر الزَّمان؛ لقوله ﵊ [خ¦٨٥]: «ويكثر (٣) الهرج» (وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ). ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وأخرجه مسلمٌ بسند البخاريِّ. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) هذا لفظ الحديث [خ¦١٤١٧]. (وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ) بجرِّ «القليلِ» عطفًا على سابقه، من عطف العامِّ على الخاصِّ، أي: اتَّقوا النَّار ولو بالقليل من الصَّدقة (﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾) شاملٌ للقليل والكثير (﴿ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٦٥]) أي: وتثبيت بعضٍ أنفسَهم على الإيمان، فإنَّ المال شقيق الرُّوح، فمن بذل ماله لوجه الله ثبَّت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه ثبَّتها كلَّها، أو تصديقًا وتيقُّنًا من أصل أنفسهم أنَّ الله سيجزيهم على ذلك،، وفيه تنبيهٌ على أنَّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكيةُ النَّفس عن البخل وحبِّ المال (الآية) أي: إلى آخرها، ومعناها: أنَّ مَثَلَ نفقة هؤلاء في

стр. 3365

الزَّكاة ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ (١) خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ كمثل بستانٍ (٢) بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، فإنَّ شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا، أصاب الجنَّة مطرٌ عظيم القطر، فأعطت ثمرتها ضعفين أو مرَّتين في سنةٍ بالنِّسبة إلى غيرها من البساتين ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فيصيبها مطرٌ صغير القطر، أو فَطَلٌّ يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها؛ يعني: نفقاتهم زاكيةٌ عند الله وإن كانت متفاوتةً (٣) بحسب أحوالهم؛ كما أنَّ الجنَّة تثمر، قلَّ المطر أو كثر (وَإِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٦٦]) ولأبي ذَرٍّ: «﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾» كأنَّ البخاريَّ أتبع الآية الأولى التي ضُرِبت مَثَلًا بالرَّبوة (٥)، بالآية الثَّانية (٦) التي تضمَّنت ضرب المَثَل لمن عمل عملًا يَفقِده أحوجَ ما كان إليه للإشارة إلى اجتناب الرِّياء في الصَّدقة، ولأنَّ قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] يُشعِر بالوعيد بعد الوعد، فأوضحه بذكر الآية الثَّانية، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في اقتصاره على بعضها اختصارًا.

стр. 3366

١٤١٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بتصغير «عَبْدٍ (١)»، وكسر عين «سعِيد» بن يحيى، اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «هو الحكم بن عبد الله»، ولابن عساكر: «الحكم (٢) هو ابن عبد الله» (البَصْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز، شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة ابن عمرو (٣) بن ثعلبة، الأنصاريِّ البدريِّ، مشهورٌ بكنيته، وجزم المؤلِّف بأنَّه شهد بدرًا، واستُخلِف مرَّةً على الكوفة، وتُوفِّي قبل سنة أربعين أو فيها، وصحَّح في «الإصابة» أنَّه مات (٤) بعدها؛ لأنَّه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة، قال: وذلك بعد سنة أربعين قطعًا (¬﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ) هي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (كُنَّا نُحَامِلُ) بضمِّ النُّون وبالحاء المهملة، أي: نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة، قال الخطَّابيُّ: يريد نتكلَّف الحمل؛ لنكسب ما نتصدَّق به (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ (فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ) نصف ماله، ثمانية آلافٍ أو أربعة آلافٍ، ذكره الواقديُّ، وقِيلَ: هو عاصم بن عَدِيٍّ، وكان تصدَّق بمئة وسقٍ (٥) (فَقَالُوا) أي: المنافقون: (مُرَائي، وَجَاءَ رَجُلٌ) هو أبو عَقيلٍ -بفتح العين- الأنصاريُّ (فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) من تمرٍ، وكان قد آجر (٦) نفسه على النَّزع من البئر بالحبل على صاعين، فترك صاعًا له (٧) وجاء بالآخر (فَقَالُوا) أي: المنافقون: (إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾) يعيبون (﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾) أصله: المتطوِّعين، فأُبدِلت

стр. 3367

التَّاءُ طاءً، وأُدغِمت الطَّاء (١) في الطَّاء (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٩]) أي: طاقتهم، مصدر «جهد في الأمر» إذا بالغ فيه ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾: جازاهم على سخريتهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على كفرهم، وذكر الخطيب في «المتَّفق» في ترجمة زيد بن أسلم من طريق «مغازي الواقديِّ» من اللَّامِزِين: مُعتِّب بن قُشَيْرٍ (٢) وعبد الله (٣) ابن نَبْتَل، بنونٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحتين (٤) بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ ثمَّ لامٌ. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٨] و «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة»، وابن ماجه في «الزُّهد». ١٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيد بن أبان قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (٥) بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الميم وضمِّ اللَّام، فعلًا مضارعًا، ولغير أبي ذَرٍّ: «فتَحامَلَ» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والميم واللَّام، فعلًا ماضيًا، أي: تكلَّف الحمل بالأجرة؛ ليكسب ما يتصدَّق

стр. 3368

به (فَيُصِيبُ (١) المُدَّ) في مقابلة أجرته فيتصدَّق به (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِئَةَ أَلْفٍ) من الدَّراهم أو الدَّنانير أو الأمداد فلا يتصدَّق، واسم «إنَّ» قوله: «لمئَةَ»، والجارُّ والمجرور خبرها (٢)، فصل بينهما بالظَّرف وهو متعلِّقٌ بالظَّرف (٣) المستقرِّ الذي هو الخبر، أو بالعامل فيه على الخلاف، وحكى الزَّركشيُّ رَفْعَ «لمئةُ»، وبيَّض لتوجيهه، ووجَّهه البرماويُّ بأنَّ اسم «إنَّ» ضمير الشَّأن، و «لمئة» مبتدأٌ، خبره «لبعضهم»، والجملة خبر «إنَّ» أي: نحو قوله: «إنَّ من أشدِّ النَّاس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون» [خ¦٥٩٥٠] لكن قال البدر الدَّمامينيُّ: يمنع منه (٤) اقتران المبتدأ بلام الابتداء، وهي مانعةٌ من تقدُّم الخبر على المبتدأ المقرون بها، ودعوى زيادتها ضعيفٌ جدًّا. انتهى. ١٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة (٥) وكسر القاف، أبا الوليد المزنيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ) الطَّائيَّ (¬﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ) كان الاتِّقاء (بِشِقِّ تَمْرَةٍ) واحدةٍ، فإنَّه يفيد، والشِّقُّ؛ بكسر الشِّين المعجمة، أي: نصفها أو جانبها، فلا يحقِّر الإنسان ما يتصدَّق به وإن كان يسيرًا، فإنَّه يستر المتصدِّق به من النَّار.

стр. 3369

١٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيَانِيُّ (١) المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي) (٢) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي المعجمة (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرف اسمها ولا ابنتيها (مَعَهَا ابْنَتَانِ) كائنتان (لَهَا) في موضع رفعٍ، صفةٌ لـ «ابنتان»، حال كونها (تَسْأَلُ) عطاءً (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ) (٣) واحدةٍ (فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) لم تردَّها خائبةً وهي تجد شيئًا؛ امتثالًا لقوله ﷺ لها: «لا يرجع سائلٌ من عندِكِ ولو بشقِّ تمرةٍ» رواه البزَّار من حديث أبي هريرة (فَقَسَمَتْهَا) أي: السَّائلة (بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا) شيئًا لِما جعل الله في قلوب (٤) الأمَّهات من الرَّحمة (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ) بسكون الرَّاء (٥)، بشأن السَّائلة (فَقَالَ: مَنِ ابْتُلِيَ) ولأبي ذرٍّ (٦): «فقال النَّبيُّ ﷺ : من ابتُلِي» (مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ) الإشارة إلى أمثال من ذكر في الفاقة، أو إلى جنس البنات مطلقًا (بِشَيْءٍ) من أحوالهنَّ، أو من أنفسهنَّ، وسمَّاه «ابتلاءً» لموضع الكراهة لهنَّ (كُنَّ لَهُ سِتْرًا) لم يقل: أستارًا بالجمع؛ لأنَّ المراد: الجنس المتناول للقليل والكثير، أي: حجابًا (مِنَ النَّارِ) ومناسبة الحديث للتَّرجمة: قال ابن المُنيِّر وتبعه كثيرٌ من الشُّرَّاح: من جهة أمِّ البنتين؛ لأنَّها لمَّا قسمت التَّمرة بينهما فقد تصدَّقت على كلِّ واحدةٍ بشقِّ تمرةٍ، وقال النَّبيُّ ﷺ في حقِّها كلامًا عامًّا تندرج فيه حيث قال: «من ابتُلِي من هذه البنات بشيءٍ كنَّ له سترًا من النَّار»، لكن تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ المؤلِّف لم يدخل تحت عهدة الاستدلال بهذا الحديث بعينه، على

стр. 3370

أنَّ الصَّدقة ولو بشقٍّ من (١) التَّمرة (٢) تَقِي من النَّار حتَّى يتكلَّف (٣) له مثل هذا، فإنَّه عقد الباب للأمر باتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وللقليل من الصَّدقة، وقد وفى بالأمرين معًا، فحديث ابن معقلٍ فيه اتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وحديث عائشة ﵂ فيه الصَّدقة بالشَّيء القليل، كما أنَّ في الأحاديث المتقدِّمة الإشارة إلى القليل من الصَّدقة، فأيُّ حاجةٍ بعد ذلك إلى التَّكلُّف، وليس في حديث عائشة أنَّه ﷺ تعرَّض إلى ما فعلته من قسم التَّمرة بين البنتين، وإنَّما فيه الإخبار بأنَّ الابتلاء بشيءٍ من البنات سببٌ من السِّتر (٤) من النَّار، على أنَّ ما قاله محتملٌ، ويحتمل أيضًا أن يكون حديث عائشة مسوقًا للأمرين معًا، لقضيَّة الصَّدقة بالقليل وهو ما فعلته عائشة من التَّصدُّق بالتَّمرة، ولاتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، وهو ما فعلته أمُّ البنتين. وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٥٩٩٥]، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أيضًا (٥) التِّرمذيُّ في «البرِّ»، وقال: حسنٌ صحيحٌ. (١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الصَّدَقَةِ) من الصَّدقات (أَفْضَلُ) وأعظم أجرًا؟ (وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ) صفةٌ مُشبَّهةٌ من الشُّحِّ؛ وهو بخلٌ مع حرصٍ (الصَّحِيحِ) الذي لم يعترِه مرضٌ مخوفٌ ينقطع عنده أمله من الحياة (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾) من بعض أموالكم؛ ادِّخارًا للآخرة

стр. 3371

(﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ … الآية [المنافقون: ١٠]) أي: يرى دلائله، وفي بعض الأصول «إلى خاتمتها» بدل قوله: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه، أو (١) الإنفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٥٤]) أي: من قبل أن يأتي يومٌ لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرَّطتم؛ إذ لا بيع فيه فتحصِّلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب، ولا خُلَّة حتَّى تعينكم عليه أخلَّاؤكم، ولا شفاعة إلَّا لمن أذن له الرَّحمن حتَّى تتَّكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطِّ ما في ذممكم، فمناسبة الآية للتَّرجمة -كما نبَّه عليه ابن المُنيِّر- من حيث إنَّ الآية معناها: التَّحذير من التَّسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل والتَّرغيب في المبادرة بالصَّدقة قبل هجوم المنيَّة وفوات الأمنية، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ: «باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح» فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المُؤذِن بالتَّردُّد، ثمَّ إنَّه في رواية أبي ذرٍّ قدَّم آية «البقرة» على آية «المنافقون» فقال: «لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية» [المنافقون: ١٠]. ١٤١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، و «القعْقاع» بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهملتين (٢)، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، قِيلَ: يحتمل أن يكون أبا ذَرٍّ؛ لأنَّه ورد في

стр. 3372

«مسند أحمد» أنَّه سأل: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ وكذا عند الطَّبرانيِّ، لكنَّه أُجيب: «جهدٌ من (١) مُقِلٍّ أو سِرٌّ إلى فقيرٍ» (٢) (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ:) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتخفيف الصَّاد وحذف إحدى التَّاءين، أو بإبدال إحدى التَّاءين صادًا وإدغامها في الصَّاد، وهي في (٣) موضع رفعٍ، خبر المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (شَحِيحٌ) حال كونك (تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى) بضمِّ الميم، أي: تطمع في الغنى، لمجاهدة النَّفس حينئذٍ على إخراج المال مع قيام المانع، وهو الشُّحُّ، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد، وقوَّة الرَّغبة في القربة (وَلَا تُمْهِلُْ) بالجزم على النَّهي، أو بالنَّصب، عطفًا (٤) على «أن تصدَّقَ»، أو بالرَّفع، وهو الذي في «اليونينيَّة» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة، مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا) كنايةٌ عن المُوصَى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا (٥) زاد على الثُّلث، أو أوصى به لوارثٍ آخر، والمعنى: تصدَّق في حال صحَّتك، واختصاص المال بك، وشحِّ نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك، لئلَّا (٦) تصير فقيرًا، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأنَّ المال حينئذٍ خرج منك وتعلَّق بغيرك. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

стр. 3373

(١١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه، وهو ساقطٌ في (١) رواية أبي ذرٍّ، فالحديث عنده من التَّرجمة السَّابقة. ١٤٢٠ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح ابن عبد الله، اليشكريُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى الخارفيِّ -بالخاء المعجمة والرَّاء والفاء- المُكتِب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ) الضَّمير للبعض الغير المُعيَّنٍ (٣)، لكن عند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت: فقلت (لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نُصِب على التَّمييز، أي: يدركك بالموت، و «أيُّنا» بضمِّ التَّحتيَّة المُشدَّدة بغير علامة التَّأنيث؛ لقول سيبويه فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ في سورة «لقمان»: أنَّها مثل «كلٍّ» في أنَّ إلحاق (٤) التَّاء لها غير فصيحٍ، وجملة: «أيُّنا أسرع» مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ﵊: (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، أي: أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ (يَدًا) نُصِبَ على التَّمييز، وكان القياس أن

стр. 3374

يقول: طُولاكنَّ بوزن «فُعْلَى» لأنَّ في مثله يجوز الإفراد، والمطابقة لمن «أفعل» التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذَّال المعجمة، أي (١): يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمن أيُّهن أطول جارحةً، والضَّمير في قوله: «فأخذوا ويذرعون» راجعٌ لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النِّساء، وإلَّا لقال: فأخذن قصبةً يذرعْنَها، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ؛ كقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وكقوله: ......................... … وإن شئت حرَّمتُ النِّساء سِواكمُ (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السِّين، بنت زمعة؛ كما زاده ابن سعدٍ: (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من طريق المساحة (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّر كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لـ «عَلِمْنا» (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) اسم «كان»، و «طولَ يدِها» خبرٌ مُقدَّمٌ، أي: علمنا أنَّه ﷺ لم يُرِدْ باليدِ العضوَ، وبالطُّول طولَها، بل أراد: العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة، والطُّول ترشيحٌ لها؛ لأنَّه ملائمٌ للمُستعار منه (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ) ﵊ (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) واستُشكِل هذا بما ثبت مِنْ تقدُّم موت (٢) زينب تأخُّر سَوْدة بعدها، وأجاب ابن رُشَيدٍ بأنَّ عائشة لا تعني سَوْدَةَ بقولها: «فعلمنا بعدُ» أي: بعد أن أخبرت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ، ولم تذكر (٣) سببًا للرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وحينئذٍ (٤) فالضَّمير في «وكانت» في الموضعين عائدٌ على الزَّوجة التي عناها ﷺ بقوله (٥): «أطولكنَّ يدًا»، وإن كانت لم تُذكر (٦)؛ إذ هو متعيِّنٌ لقيام الدَّليل على أنَّها زينب بنت جحشٍ؛ كما في «مسلمٍ» من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب بنت

стр. 3375

جحشٍ؛ لأنَّها كانت تعمل وتصدَّقُ» (١) مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلهنَّ موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن (٣) سَوْدَةُ مرادةً قطعًا، وليس الضَّمير عائدًا عليها، لكن يعكِّر (٤) على هذا ما وقع من التَّصريح بسَودة عند المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» عن موسى بن إسماعيل بهذا السَّند بلفظ: «فكانت سودة أسرعنا»، وقول بعضهم: إنَّه يُجمَع بين روايتي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» بأنَّ زينب لم تكن حاضرةً خطابه ﵊ بذلك، فالأوَّليَّة (٥) لسودة؛ باعتبار من حضر إذ ذاك مُعارَضٌ بما رواه ابن حبَّان من رواية يحيى بن حمَّادٍ: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ اجتمعن عنده، فلم يغادر منهنَّ واحدةً، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه يمكن أن يكون تفسيره بسودة (٦) من أبي عَوانة؛ لكون غيرها لم يتقدَّم له ذكرٌ؛ لأنَّ ابن عُيَيْنَة، عن فراسٍ قد خالفه في ذلك، وروى يونس بن بكيرٍ في «زيادة المغازي»، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» بإسناده عنه عن زكريَّا بن أبي زائدة عن الشَّعبيِّ التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب (٧)، لكن قَصَّر زكريَّا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلمَّا تُوفِّيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة، ويؤيِّده ما رواه الحاكم في «المناقب» من «مُستدرَكه»، ولفظه: قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَلْ نفعل ذلك حتَّى تُوفِّيت زينب بنت جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أراد بطول اليد الصَّدقَة، وكانت زينب امرأةً صنَاعة باليد، تدبغ وتخرز وتَصَدَّق (٨) في

стр. 3376

سبيل الله، قال الحاكم: على شرط مسلمٍ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معنٍ قال: كانت زينب أوَّل نساء النَّبيِّ ﷺ ، أي: لحوقًا به، فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عَوانة وهمًا. (١٢) (باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَقَوْلِهِ) ، بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]) أي: يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات، وروى عبد الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعفٌ: أنَّها نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وأخرج ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي أُمامة: أنَّها نزلت (١) في الخيل التي يربطونها في سبيل الله، ولم يذكر حديثًا وكأنَّه لم يرَ فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه التَّرجمة للمُستملي. (١٣) (باب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁¬) ممَّا وصله المؤلِّف من حديثٍ في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَرَجُلٌ) الواو حكايةٌ لعطفه على ما ذُكِرَ قبله في الحديث (تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ

стр. 3377

«ما تنفق» (يَمِينُهُ) وهذا -كما قاله ابن بطَّال- مثالٌ ضربه ﵊ في المبالغة في الاستتار بالصَّدقة؛ لقرب الشِّمال من اليمين، وإنَّما أراد: أن (١) لو قَدِرَ ألَّا يعلم من يكون على شماله من النَّاس، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنَّ الشِّمال لا تُوصَف بالعلم، فهو من باب مجاز الحذف، وألطف منه ما قاله ابن المُنيِّر: أن يُراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النَّفس يمكن باعتبارٍ، وهو أن يتغافل المتصدِّق عن الصَّدقة ويتناساها حتَّى ينساها، وهذا ممدوح الكرام (٢) شرعًا وعُرفًا. (وقوله) : (﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾) فنِعْمَ شيئًا إبداؤها (﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء﴾) أي: تعطوها مع الإخفاء (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ الاية [البقرة: ٢٧١]) فالإخفاء خيرٌ لكم، وهذا في التَّطوُّع (٣) ولمن لم (٤) يُعرَف بالمال، فإنَّ إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التُّهم، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾»، ولم يذكر هنا

стр. 3378

حديثًا إلَّا المُعلَّق فقط، وروى ابن أبي حاتمٍ عن الشَّعبيِّ في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] نزلت في أبي بكرٍ وعمر ﵄ أمَّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «ما خلَّفتَ وراءك لأهلك يا عمر؟» قال: خلَّفت لهم نصف مالي، وأمَّا أبو بكرٍ فجاء بماله كلِّه، فكاد أن يخفيه من (١) نفسه حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «ما خلَّفتَ وراءك يا أبا بكرٍ؟» فقال: عدَة الله وعدَة رسوله، فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا أبا بكرٍ، والله ما استبقنا (٢) إلى باب خيرٍ قطُّ إلَّا كنت سابقنا عليه. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) رجلٌ (عَلَى) آخر (غَنِيٍّ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (لَا يَعْلَمُ) أنَّه غنيٌّ، فصدقته مقبولةٌ، وسقط لفظ «بابٌ» في رواية أبي ذرٍّ، وقال عقب قوله في السَّابق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ .... الآية [البقرة: ٢٧١]: «وإذا تصدَّق» بواو العطف. ١٤٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن (٣) ذكوان السَّمَّان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ

стр. 3379

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) من بني إسرائيل، كما عند أحمد من طريق ابن لَهِيعة عن الأعرج: (لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) هو من باب الالتزام؛ كالنَّذر مثلًا، والقَسَم فيه مُقدَّرٌ، كأنَّه قال: والله لأتصدقنَّ، وزاد في رواية أبي عَوانة عن أبي أميَّة عن أبي اليمان بهذا الإسناد: «اللَّيلة»، وكرَّرها (١) في المواضع الثَّلاثة، وكذا مسلمٌ من طريق موسى بن عقبة، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السِّرِّ على رواية أبي ذرٍّ؛ إذ لو كانت جهرًا لمَا خفيَ عليه حال الغنيِّ؛ لأنَّه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرَين (٢) (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحِقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) وهو لا يعلم أنَّه سارقٌ (فَأَصْبَحُوا) أي: القوم الذين فيهم هذا (٣) المتصدِّق (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصبٍ، خبر «أصبح» (تُصُدِّقَ) أي: اللَّيلة (عَلَى سَارِقٍ) بضمِّ التَّاء والصَّاد مبنيًّا للمفعول، إخبارٌ بمعنى التَّعجُّب أو الإنكار، ولابن لَهِيعة: «على فلانٍ السَّارق» (فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي على سارقٍ، حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإنَّ إرادتك كلَّها جميلةٌ، ولا يُحمَد على المكروه سِواك، وقدَّم الخبر على المبتدأ في قوله: «لك الحمد» للاختصاص (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ) على مستحقٍّ (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا) أي (٤): بنو إسرائيل (يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ) مبنيًّا للمفعول (٥) (اللَّيْلَةَ عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي (عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ) حيث كان بإرادتك (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ (٦) غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ) اللَّيلة (عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ) زاد الطَّبرانيُّ: «فساءه ذلك» (فَأُتِيَ) في منامه (فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ) زاد أبو أميَّة: «فقد قُبِلت» فأَمَّا

стр. 3380

(عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، كذا في الفرع وغيره، وقال ابن التِّين: رويناه بالمدِّ، وعند أبي ذرٍّ بالقصر، قال الجوهريُّ: بالقصر لأهل الحجاز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إ﴾ [الإسراء: ٣٢] والمدُّ لأهل نجدٍ، قال الفرزدق: ومن يشربِ الخرطومَ يصبح مُسكَرًا … أبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يُعرَف زِناؤُه (وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ) بالرَّفع فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أن يعتبرَ فينفقَ» (مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) وفيه: أنَّ الصَّدقة كانت عندهم مُختصَّةً بأهل الحاجات من أهل الخير (١)، ولهذا تعجَّبوا من الصَّدقة على هؤلاء، وأنَّ نيَّة المتصدِّق إذا كانت صالحةً قُبِلت صدقتُه، ولو لم (٢) تقع الموقع، واستحباب إعادة الصَّدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التَّطوُّع، أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غنيٍّ وإن ظنَّه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمَّدٍ حيث قالا: تسقط ولا تجب عليه الإعادة. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة». (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) الشَّخص (عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) أنَّه ابنه جاز؛ لأنَّه يصير لعدم شعوره كالأجنبيِّ، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بنفي الشُّعور، وفيما سبق بنفي العلم؟ أُجيب بأنَّ المتصدِّق فيما سبق بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده، فناسب أن ينفي عنه العلم، وهنا باشر ذلك غيره فناسب أن ينفي عن صاحب الصَّدقة الشُّعور، قاله في «فتح الباري». ١٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي

стр. 3381

إسحاق السَّبيعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين آخره نونٌ- ابن خُفَافٍ -بضمِّ الخاء المعجمة (١) وتخفيف الفاء الأولى- الجَرْميُّ، بفتح الجيم وسكون الرَّاء (أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، آخره نونٌ، و «يزيد» -من الزِّيادة- السُّلَمِيَّ -بضمِّ السِّين- الصَّحابيَّ (¬﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي) يزيدُ الصَّحابيُّ (وَجَدِّي) الأخنس الصَّحابيُّ ابن حبيبٍ السُّلَمِيُّ (وَخَطَبَ عَلَيَّ) ﵊ من الخِطبة، بكسر الخاء، أي: طلب من وليِّ المرأة أن يزوِّجها منِّي (فَأَنْكَحَنِي) أي: طلب لي النِّكاح فأجبته (وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ) ﷺ ، قال الزَّركشيُّ (٢) والبرماويُّ: وكأنَّه سقط هنا من البخاريِّ ما ثبت في غيره، وهو: «فأفلجني» بالجيم، يعني (٣): حكم لي، أي: أظفرني بمرادي، يُقال: فلج الرَّجل على خصمه، إذا ظفر به (وَ كَانَ أَبِي -يَزِيدُ-) بالرَّفع، عطف بيانٍ لـ «أبي» (أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا) أي: الدَّنانير (عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ) لم يعرف اسمه الحافظ ابن حجرٍ، وأذن له أن يتصدَّق بها على المحتاج إليها إذنًا مُطلَقًا (فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا) من الرَّجل الذي أَذِن له في التَّصدُّق بها باختيارٍ منه، لا بطريق الغصب (٤) (فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أي: أتيت أبي بالصَّدقة (فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ) على الخصوص بالصَّدقة، بل أردت عموم الفقراء، أي: من غير حجرٍ على الوكيل أن يعطي الولد، وقد كان الولد فقيرًا (فَخَاصَمْتُهُ) يعني: أباه، وهذه المخاصمة تفسيرٌ لـ «خاصمت» الأوَّل (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ) من أجر الصَّدقة (يَا يَزِيدُ) لأنَّك نويت الصَّدقة على محتاجٍ وابنك محتاجٌ (وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) لأنَّك أخذت محتاجًا إليها، وإنَّما أمضاها ﷺ لأنَّه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصَّرف إليهم وكانت صدقة تطوُّعٍ. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ ﵀.

стр. 3382

(١٦) (باب) مشروعيَّة (الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ). ١٤٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح المُوحَّدة الأولى مُصغَّرًا، أبو الحارث الأنصاريُّ، خال عُبيد الله السَّابق (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب وجدُّ عُبيد الله المذكور لأبيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَبْعَةٌ) أي: من الأشخاص، ليدخل النِّساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعًا، فلا يدخلن في الإمامة العظمى، ولا في ملازمة المسجد؛ لأنَّ صلاتهنَّ في بيتهنَّ (١) أفضل، نعم، يمكن أن يكنَّ ذوات عيالٍ فيعدلن فيدخلن في الإمامة كغيرها ممَّا سيُذكَر -إن شاء الله تعالى-، وحينئذٍ: فالتَّعبير بالرِّجال لا مفهوم له كمفهوم العدد بالسَّبعة، فقد رُوِيَ الإظلال لذي خصالٍ أُخَرَ كثيرةٍ غير هذه، أفردها شيخنا الحافظ أبو الخير السَّخاويُّ في جزءٍ، فبلغت مع هذه السَّبعة ثنتين وتسعين بتقديم الفوقيَّة على المهملة، وقوله: «سبعةٌ» مبتدأٌ خبره (يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ) إضافة الظِّلِّ إليه إضافة تشريفٍ، كناقة الله تعالى، والله تعالى مُنزَّهٌ عن الظِّلِّ، إذ هو من خواصِّ الأجسام، فالمراد: ظلُّ عرشه، كما في حديث سلمان عند (٢) سعيد بن منصورٍ بإسنادٍ حسنٍ، وقِيلَ: ظلُّ طُوبى أو ظلُّ الجنَّة، وهذا يردُّه قوله: (يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) فإنَّ المراد يوم القيامة، وظلُّ طوبى أو الجنَّة

стр. 3383

إنَّما يكون بعد الاستقرار فيها وهذا عامٌّ، والحديث يدلُّ على امتياز هؤلاء على غيرهم، وذلك لا يكون في غير القيامة حين تدنو الشَّمس في ذلك اليوم من الخلق ويأخذهم العرق، ولا ظل فيه ثَمَّ إلَّا للعرش، وهذه السَّبعة أوَّلهُم: (إِمَامٌ عَدْلٌ) بسكون الدَّال، يُقال: رجلٌ عَدْلٌ ورجالٌ عَدْلٌ وامرأةٌ عَدْلٌ، وهو الذي يضع الشَّيء في محلِّه، أو الجامع للكمالات الثَّلاث: الحكمة والشَّجاعة والعفَّة التي هي أوساط القُوى الثَّلاثة: العقليَّة والغضبيَّة والشَّهوانيَّة، أو هو المطيع لأحكام الله، والمراد به: كلُّ من له نظرٌ في شيءٍ من أمور المسلمين من الولاة والحكَّام، ولابن عساكر: «إمامٌ عادلٌ» اسم فاعلٍ، من: عدل يعدل، فهو عادلٌ (وَ) الثَّاني: (شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ) لأنَّ عبادته أشقُّ لغلبة شهوته، وكثرة الدَّواعي له على طاعة الهوى، وزاد حماد بن زيدٍ عن عُبيد الله بن عمر فيما أخرجه الجوزقيُّ: «حتَّى تُوفِّي على ذلك»، وفي حديث سلمان: «أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله» (وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ) أي: بها من شدَّة حبِّه لها وإن كان خارجًا عنها، وهو كنايةٌ عن انتظاره أوقات الصَّلاة (١) فلا يصلِّي صلاةً ويخرج منه إلَّا وهو ينتظر وقت صلاةٍ أخرى حتَّى يصلِّي فيه (وَ) الرَّابع: (رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ) لا لغرضٍ دنيويٍّ (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) أي: على الحبِّ في الله (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) فلم يقطعهما عارضٌ دنيويٌّ، سواءٌ اجتمعا حقيقةً أم لا، حتَّى فرَّقهما الموت (وَ) الخامس: (رَجُلٌ دَعَتْهُ) طلبته (امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ) بكسر الصَّاد، أي: صاحبة نسبٍ شريفٍ (وَجَمَالٍ) إلى نفسها للزِّنا أو للتَّزوُّج بها، فخاف أن يشتغل عن العبادة بالاكتساب لها، أو خاف ألَّا يقوم بحقِّها لشغله بالعبادة عن التَّكسُّب بما يليق بها، والأوَّل أظهر؛ كما يدلُّ عليه السِّياق (فَقَالَ) بلسانه أو بقلبه ليزجر نفسه: (إِنِّي

стр. 3384

أَخَافُ اللهَ، وَ) السَّادس: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) تطوُّعًا (فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَُ شِمَالُهُ) بنصب (١) ميم «تعلمَ» نحو: سرت حتى تغيبَ (٢) الشَّمس، ويجوز (٣) رفعها نحو: مرض زيدٌ (٤) حتَّى لا يرجونه، علامة الرَّفع ثبوت النُّون (٥) و «شمالُه» بالرَّفع على الفاعليَّة لقوله: «لا تعلمَ» (مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) جملةٌ في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، أي: لو قُدِّرت الشِّمال رجلًا متيقِّظًا لَمَا علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، وصوَّر بعضهم إخفاء الصَّدقة بأن يتصدَّق على الضَّعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له مثلًا درهمًا فيما (٦) يساوي نصف درهمٍ، فالصُّورة مبايعةٌ والحقيقة صدقةٌ، وأُنبِئت عن بعضهم: أنَّه كان يطرح دراهمه في المسجد ليأخذها المحتاج، والله الموفِّق (وَ) السَّابع: (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا) من النَّاس، أو من الالتفات إلى غير المذكور تعالى وإن كان في ملأٍ (فَفَاضَتْ) أي: سالت (عَيْنَاهُ) أسند الفيض إلى العين مع أنَّ الفائض هو الدَّمع لا العين مبالغةً؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ العين صارت دمعًا فيَّاضًا، ثمَّ إنَّ فيضها -كما قاله القرطبيُّ- يكون بحسب حال الذَّاكر وما ينكشف له، ففي أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، كما في رواية زيد بن حمَّادٍ عند الجوزقيِّ بلفظ: «ففاضت عيناه من خشية الله» وفي أوصاف الجمال يكون شوقًا إليه تعالى، وفي «جزء بِيبَى الهرثميَّة» من طريق محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة زيادةُ خصلةٍ ثامنةٍ، وهي: «ورجلٌ كان في سريَّةٍ مع قومٍ، فلقوا العدوَّ فانكشفوا، فحمى آثارهم -وفي لفظٍ: أدبارهم - حتَّى نجوا ونجا أو استُشهِد»، وفي «شعب البيهقيِّ» من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة

стр. 3385

تاسعةٌ، وهي: «ورجلٌ تعلَّم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبرهِ» ولعبد الله بن أحمد في «زوائد الزُّهد» لأبيه عن سلمان عاشرةٌ وحادية عشرة: «ورجلٌ يراعي الشَّمس لمواقيت الصَّلاة، ورجلٌ إن تكلَّم تكلَّم بعلمٍ، وإن سكت سكت عن حلمٍ» قال شيخنا: إن ثبت عن سلمان كان له حكم الرَّفع، فمثله لا يُقال رأيًا، وفي «كامل» ابن عَدِيٍّ عن أنسٍ مرفوعًا ثانية عشرة: «رجلٌ تاجرٌ اشترى وباع، فلم يقل إلَّا حقًّا»، وفي «مسلمٍ» عن أبي اليسر رفعه ثالثة عشرة ورابعة عشرة: «من أنظر معسرًا أو وضع له» (١)، وسبقا (٢) في «باب من جلس في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] ولعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» عن عثمان رفعه خامسة عشرة: «أو تَرَكَ لغارمٍ»، وفي «الأوسط» عن شدَّاد بن أوسٍ عن أبيه سادسة عشرة: «من أنظر معسرًا أو تصدَّق عليه»، وفي «الأوسط» أيضًا عن جابرٍ سابعة عشرة: «أو أعان أخرق» أي: الذي لا صناعة له ولا يقدر أن يتعلَّم صنعةً، وعند الحاكم في «صحيحه» وأحمد (٣)، وعبد بن حميدٍ وابن أبي شيبة، عن سهل بن حُنَيْفٍ ثامنة عشرة وتاسعة عشرة (٤) والعشرون: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا في عُسْرته، أو مكاتَبًا في رقبته»، وعند الضِّياء في «المختارة» عن عمر بن الخطَّاب الحادية والعشرون: «من أظلَّ رأس غازٍ»، وعند أبي القاسم التَّيميِّ في «التَّرغيب» له، عن جابر بن عبد الله الثَّانية والثَّالثة والرَّابعة والعشرون: «الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظُّلم، وإطعام الجائع»، ومعنى «الوضوء على المكاره»: أن يُكرِه الرَّجل نفسَه على

стр. 3386

الوضوء كما في شدَّة البرد، وعند الطَّبرانيِّ عن جابرٍ الخامسة والعشرون: «من أطعم الجائع حتَّى يشبع»، وعند أبي الشَّيخ في «الثَّواب» عن عليٍّ رفعه السَّادسة والعشرون: أنَّ سيِّد التُّجَّار رجلٌ لزم التِّجارة التي دلَّ الله عليها من الإيمان بالله ورسله وجهادٍ في سبيله، فمن لزم البيع والشِّراء فلا يُذَمُّ إذا اشترى، ولا يُحمَد إذا باع، وليصدق الحديث ويؤدِّ الأمانة ولا يتمنَّ للمؤمنين الغلاء، فإذا (١) كان كذلك كان كأحد (٢) السَّبعة الذين في ظلِّ العرش، وسنده ضعيفٌ، وفي «الأوسط» عن أبي هريرة مرفوعًا السَّابعة والعشرون: «أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵊: يا خليلي، حسِّن خلقك ولو مع الكفَّار تدخل مداخل الأبرار، وإنَّ كلمتي سبقت لمن حَسُنَ خُلُقُه أن أُظِلَّه تحت عرشي، وأسقِيه من حظيرة قدسي، وأُدْنِيَه من جواري»، وفي «الأوسط» عن جابرٍ (٣) مرفوعًا الثَّامنة والعشرون والتَّاسعة والعشرون: «من كفل يتيمًا (٤) أو أرملةً»، وعند أحمد عن عائشة مرفوعًا الثَّلاثون والحادية والثَّانية والثَّلاثون، ولفظه: «أتدرون من السَّابق (٥) إلى ظلِّ الله يوم القيامة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «الذين إذا أُعْطُوا الحقَّ قبلوه، وإذا سُئِلوه بذلوه، وحكموا للنَّاس كحكمهم لأنفسهم»، وفي سنده ابن لهيعة، وعند ابن شاهين في «التَّرغيب» له عن أبي ذرٍّ رفعه الثَّالثة والرَّابعة (٦) والثَّلاثون: «وصلِّ على الجنائز لعلَّ ذلك يحزنك؛ فإنَّ الحزين في ظلِّ الله»، وعند ابن شاهين عن أبي بكرٍ رفعه: «الوالي العادل ظلُّ الله، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه»، وعند أبي بكر ابن لالٍ وأبي الشَّيخ في «الثَّواب» عن أبي بكرٍ رفعه الخامسة والثَّلاثون: «من أراد أن يظلَّه الله بظلِّه فلا يكن على المؤمنين غليظًا، وليكن بالمؤمنين رحيمًا»، وعند الدَّارقطنيِّ في «الأفراد» وابن شاهين في «التَّرغيب» عن أبي بكرٍ أيضًا السَّادسة والثَّلاثون: «من يصبِّر الثَّكلى» (٧)، ولفظه عند ابن السُّنِّيِّ: «من عزَّى الثَّكلى»، وعند ابن

стр. 3387

أبي الدُّنيا السَّابعة والثَّامنة والثَّلاثون، ولفظه عن فضيل بن عياضٍ قال: بلغني أنَّ موسى ﵇ قال: أي ربِّ، من تظلُّ تحت ظلِّ عرشك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك؟ قال: «يا موسى، الذين يعودون المرضى ويشيِّعون الهلكى»، وفي «الفوائد الكنجروذيَّات» تخريج أبي سعيدٍ السُّكَّريِّ عن عليِّ بن أبي طالبٍ مرفوعًا التَّاسعة والثَّلاثون: «شيعة عليٍّ ومحبُّوه»، وهو حديثٌ ضعيفٌ، وفي «فوائد العيسويِّ» الأربعون والحادية والثَّانية والأربعون، ولفظه: عن أبي الدَّرداء عن موسى ﵇ قال: ياربِّ، من يساكنك في حظيرة القدس، ومن يستظلُّ بظلِّك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك؟ قال: «أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزِّنا، ولا يبتغون في أموالهم الرِّبا، ولا يأخذون على أحكامهم الرِّشا»، ولأبي القاسم التَّيميِّ عن ابن عمر رفعه الثَّالثة والرَّابعة والخامسة والأربعون: «رجلٌ لم (١) تأخذه في الله لومة لائمٍ، ورجلٌ لم يمدَّ يده إلى ما لا يحلُّ له، ورجلٌ لم ينظر إلى ما حرَّم الله (٢) عليه»، وفيه: عنبسة، وهو متروكٌ، وفي «جزء ابن الصَّقر» (٣) عن ابن عبَّاسٍ السَّادسة والأربعون: «من قرأ إذا صلَّى الغداة ثلاث آياتٍ من سورة «الأنعام» إلى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾» [الأنعام: ٣] وهو ضعيفٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والمتَّهم به

стр. 3388

إبراهيم بن إسحاق الصِّينيُّ، بكسر الصَّاد المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة نونٌ، وعند أبي الشَّيخ والدَّيلميِّ في «مُسنَده» عن أنس بن مالكٍ السَّابعة والثَّامنة والتَّاسعة والأربعون: «واصل الرَّحم، وامرأةٌ مات زوجها وترك عليها أيتامًا صغارًا، فقالت: لا أتزوَّج على أيتامي حتَّى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبدٌ صنع طعامًا، فأطاب صنعه وأحسن نفقته ودعا عليه اليتيم والمسكين، فأطعمهم لوجه الله تعالى»، وفي «المعجم الكبير» عن أبي أُمامة من طريق بشر بن نُميرٍ -وهو متروكٌ- مرفوعًا الخمسون والحادية والخمسون: «رجلٌ حيث توجَّه عَلِمَ أنَّ الله معه، ورجلٌ يحبُّ النَّاس لجلال الله»، وعند الحارث بن أبي (١) أسامة ممَّا اتُّهِم بوضعه ميسرة ابن عبد ربِّه عن ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة الثَّانية والخمسون: «المؤذِّن في ظلِّ رحمة الله حتَّى يفرغ» يعني: من أذانه، وعند الدَّيلميِّ بلا إسنادٍ عن أنسٍ الثَّالثة والرَّابعة والخامسة والخمسون: «من فرَّج عن (٢) مكروبٍ من أمَّتي، وأحيا سنَّتي، وأكثر الصَّلاة عليَّ»، وفي «مُسنَد الدَّيلميِّ» عن عليٍّ مرفوعًا السَّادسة والسَّابعة والثَّامنة والخمسون: «حملة القرآن في ظلِّ الله مع أنبيائه وأصفيائه»، وعند أبي يَعلى عن أنسٍ رفعه التَّاسعة والخمسون (٣): «المريض»، وعند ابن شاهين عن عمر رفعه السِّتُّون: «أهل الجوع في الدُّنيا»، وعند ابن أبي الدُّنيا في «الأهوال» عن مغيث بن سُمَيٍّ أحد التَّابعين الحادية والسِّتُّون: «الصَّائمون»، قال شيخنا: ومثله (٤) لا يُقال رأيًا، وفي «أمالي» ابن ناصرٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رفعه الثَّانية والسِّتُّون: «من صام من رجب ثلاثة عشر يومًا»، قال شيخنا: وهو شديد الوهي، وعند الحارث بن أبي (٥) أسامة عن عليٍّ مرفوعًا الثَّالثة والسِّتُّون: «من صلَّى ركعتين بعد ركعتي المغرب، قرأ في كلِّ ركعةٍ: فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحدٌ، خمس عشرة (٦) مرَّةً»، وهو مُنكَرٌ، وللدَّيلميِّ في «مُسنَده» عن أنسٍ الرَّابعة والسِّتُّون: «أطفال المؤمنين»، وفي «المعجم الكبير» عن ابن عمر أنَّه ﷺ قال لذلك الرَّجل الذي مات ابنه: «أما

стр. 3389

ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم، يلاعبه تحت ظلِّ العرش»، وعند أبي نُعيم في «الحلية» عن وهب بن مُنبِّهٍ عن موسى ﵊ الخامسة والسَّادسة والسِّتُّون (١): «من ذكر الله (٢) بلسانه أو قلبه»، وفي «شعب البيهقيِّ» عن موسى ﵇ السَّابعة والثَّامنة والتَّاسعة والسِّتُّون: «رجلٌ لا يعقُّ والديه، ولا يمشي بالنَّميمة، ولا يحسد النَّاس على ما آتاهم الله من فضله»، وفي «الزُّهد» للإمام أحمد ابن حنبل عن عطاء بن يسارٍ عن موسى ﵇ السَّبعون والحادية والثَّانية والثَّالثة والرَّابعة والخامسة والسَّبعون: «الطَّاهرة قلوبهم، النَّقيَّة قلوبهم، البريَّة أبدانهم، الذين إذا ذُكِر الله ذُكِروا به، وإذا ذُكِروا ذُكِرَ الله بهم، وينيبون إلى ذكره كما تنيب النُّسور إلى وكرها (٣)، ويغضبون لمحارمه إذا استُحِلَّت كما يغضب النَّمر إذا حزب (٤)، ويَكْلَفون بحبِّه (٥) كما يَكْلَف الصَّبيُّ بحبِّ النَّاس»، وفي «الزُّهد» لابن المبارك عن رجلٍ من قريشٍ عن موسى ﵇ السَّادسة والسَّابعة والسَّبعون: «الذين يعمرون مساجدي ويستغفروني (٦) بالأسحار»، ولأبي نُعيمٍ في «الحلية» عن أبي إدريس عائذ الله عن موسى قال: يا ربّ، من في ظلِّك يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّك؟ قال: «الذين أذكرهم ويذكروني»، وللدَّيلميِّ في «مُسنَده» عن أنسٍ (٧) مرفوعًا: «يقول الله : قرِّبوا أهل لا إله إلَّا الله من ظلِّ عرشي؛ فإنِّي أحبُّهم»، وفي حديثٍ عنه رفعه: «الشُّهداء»، وعند أبي داود والحاكم -وقال على شرط مسلمٍ- عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «شهداءُ أُحُدٍ أرواحُهم في أجواف طيرٍ خضرٍ، تأوي إلى قناديل من ذهبٍ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العرش»، وعند الدَّارميِّ، وصحَّحه ابن حبَّان عن عتبة (٨) بن عَبْدٍ السُّلَمِيِّ مرفوعًا: «من جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتَّى إذا لقي العدوَّ قاتلهم حتَّى قُتِل

стр. 3390

فذلك الشَّهيد المُمتحَن، في خيمة الله تحت ظلِّ عرشه»، وعند (١) الحسن بن محمَّدٍ الخلَّال عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا (٢): «اللَّهمَّ اغفر للمعلِّمين، وأَطِلْ أعمارهم، وأظلَّهم تحت ظلِّك؛ فإنَّهم يُعلِّمون كتابك المُنزَّل»، وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد»، وقال: إنَّ أبا الطَّيِّب غير ثقةٍ، قال شيخنا: بل قرأت بخطِّ بعض الحفَّاظ أنَّه موضوعٌ، وفي «الحلية» عن كعب الأحبار: أوحى الله إلى موسى ﵊ في التَّوراة: «من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ودعا النَّاس إلى طاعتي، فله صحبتي في الدُّنيا، وفي القبر، وفي القيامة ظلِّي». وفي جزءٍ من «أمالي» أبي جعفر (٣) بن البختريِّ (٤) بسندٍ ضعيفٍ: «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخرَ، وفي ظلِّ الرَّحمن يوم القيامة، يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه ولا فخرَ»، وسبق عن عليٍّ مرفوعًا: «حملة القرآن في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه مع أنبيائه وأصفيائه»، وفي «مناقب عليٍّ» عند أحمد عنه (٥) مرفوعًا: «أنَّه ﵁ يسير يوم القيامة بلواء الحمد وهو حامله، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، حتَّى يثب (٦) بين النَّبيِّ ﷺ وبين إبراهيم ﵇ في ظلِّ العرش». وهذا الحديث سبق في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» من «باب صلاة الجماعة» [خ¦٦٦٠]

стр. 3391

ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٧٩]. ١٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، ابن عُبيدٍ، الجوهريُّ الهاشميُّ مولاهم، البغداديُّ، أحد الحفَّاظ، قال يحيى بن معينٍ: ما رَوَىَ عن شعبة من البغداديِّين أثبت منه، وقال أبو حاتمٍ: لم أرَ من المحدِّثين من يحدِّث بالحديث على لفظٍ واحدٍ لا يغيِّره سوى عليِّ بن الجعد، ووثَّقه آخرون، ورُمِيَ بالتَّشيُّع. وروى عنه البخاريُّ من حديث شعبة فقط أحاديث يسيرةً، وروى عنه أبو داود أيضًا قال (١): (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) الجدليُّ القاصُّ -بتشديد الصَّاد المهملة- (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمُثلَّثة، و «وَهْب» بفتح الواو وسكون الهاء (الخُزَاعِيَّ) بالخاء والزَّاي المعجمتين، نزل الكوفة، وهو أخو عُبيد الله بن عمر لأمِّه (¬﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ) هو وقت ظهور أشراط السَّاعة، أو ظهور كنوز الأرض وقلَّة النَّاس وقصر آمالهم (يَمْشِي الرَّجُلُ) فيه (بِصَدَقَتِهِ) زاد في «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» [خ¦١٤١١]: «فلا يجد من يقبلها» (فَيَقُولُ الرَّجُلُ) الذي يقصد المتصدِّق أن يدفع له صدقته: (لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ) بكسر السِّين، فإن قدَّرت اللَّام للتَّعريف فكسرة إعرابٍ اتِّفاقًا، وإن اعتقدتَ زيادتها فكسرة بناءٍ؛ كذا قاله البرماويُّ كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: لا شكَّ أنَّ بناءه مع مقارنة اللَّام قليلٌ، وإنَّما يُرتكب حيث يُلجأ (٢) إليه، كما إذا (٣) قِيلَ: ذهب الأمسِ بما فيه، بكسر السِّين، وأمَّا هنا فلا داعي إلى دعوى الزِّيادة بوجهٍ (٤) (لَقَبِلْتُهَا

стр. 3392

مِنْكَ) إذ كنت محتاجًا إليها (فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا) قِيلَ: ومطابقة هذا الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّه اشترك مع الذي قبله في كون كلٍّ منهما حاملًا لصدقته؛ لأنَّه إذا كان حاملًا لها بنفسه كان أخفى لها، فكان لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ويُحمَل المُطلَق في هذا على المُقيَّد في ذاك (١)، أي: المناولة باليمين، فليُتأمَّل. وهذا الحديث قد سبق قريبًا في «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» [خ¦١٤١١]. (١٧) (باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ) مملوكه أو غيره (بِالصَّدَقَةِ) بأن يتصدَّق عنه (وَلَمْ يُنَاوِلْ) صدقته للفقير (بِنَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ ممَّا يأتي موصولًا بتمامه -إن شاء الله تعالى- في «باب أجر الخادم إذا تصدَّق» [خ¦١٤٣٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ) أي: الخادم (أَحَدُ المُتَصَدِّقَينَ) بفتح القاف؛ بلفظ التَّثنية؛ كما في جميع روايات «الصَّحيحين» أي: هو ورَبُّ الصَّدقة في أصل الأجر سواءٌ، لا ترجيح لأحدهما على الآخر وإن اختلف مقداره لهما، فلو أعطى المالك لخادمه (٢) مئة درهمٍ مثلًا ليدفعها لفقيرٍ على باب داره مثلًا، فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفًا ليذهب به إلى فقيرٍ في مسافةٍ بعيدةٍ بحيث (٣) يقابل مشي الذَّاهب إليه بأجرةٍ تزيد على الرَّغيف، فأجر الخادم أكثر، وقد يكون عمله قدر الرَّغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواءً، وقد جوَّز القرطبيُّ كسر القاف من «المتصدِّقِين» على الجمع، أي: هو (٤) متصدِّقٌ من المتصدِّقين.

стр. 3393

١٤٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو ابن محمَّدٍ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة، واسمه: إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قال (١) النَّبيُّ» (٢) (¬ ﷺ : إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ) على عيال زوجها وأضيافه ونحو ذلك (مِنْ طَعَامِ) زوجها الذي في (بَيْتِهَا) المتصرِّفة فيه، إذا (٣) أَذِن لها في ذلك بالصَّريح (٤) أو بالمفهوم من اطِّراد العُرف، وعلمت رضاه بذلك، حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) له بأن لم تتجاوز العادة ولا يؤثِّر نقصانه، وقيَّد بالطَّعام لأنَّ الزَّوج يسمح به عادةً؛ بخلاف الدَّراهم والدَّنانير، فإنَّ إنفاقها منها بغير إذنه لا يجوز، فلو اضطرب العرف أو شكَّت في رضاه أو كان شحيحًا يشحُّ بذلك وعلمت ذلك من حاله أو شكَّت فيه حَرُم عليها التَّصدُّق من ماله إلَّا بصريح أمره، وليس في حديث الباب تصريحٌ بجواز التَّصدُّق بغير إذنه، نعم في حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: «وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإنَّ نصف أجره له»، لكن قال النَّوويُّ: معناه من غير أمره الصَّريح (٥) في ذلك القدر المُعيَّن، ويكون معها إذنٌ عامٌّ سابقٌ متناولٌ لهذا القدر وغيره، إمَّا بالصَّريح أو بالمفهوم كما مرَّ، قاله النَّوويُّ (٦)، وقال الخطَّابيُّ: هو على العُرْف الجاري، وهو إطلاق ربِّ (٧) البيت لزوجته إطعامَ الضَّيف والتَّصدُّق على السَّائل، فندب الشَّارع ربَّة البيت لذلك ورغَّبها فيه على وجه الإصلاح، لا الفساد والإسراف، وفي حديث أبي أُمامة الباهليِّ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا، وقال: حسنٌ: «لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها إلَّا بإذن زوجها»، قِيلَ: يا رسول الله، ولا الطَّعام؟ قال: «ذاك أفضل أموالنا»، وفي حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أبي

стр. 3394

داود، لمَّا بايع رسول الله ﷺ النِّساء قامت امرأةٌ فقالت: يا رسول الله، إنَّا كَلٌّ على آبائنا وأبنائنا -قال أبو داود: وأُرى فيه: «وأزواجنا» -، فما يحلُّ لنا من أموالهم؟ قال: «الرَّطْبُ تأكليه وتهديه»، قال أبو داود: الرَّطب -أي: بفتح الرَّاء-: الخبز والبقل والرُّطب، أي (١): بضمِّ الرَّاء، وتحصَّل من هذا أنَّ الحكم يختلف باختلاف عادة البلاد، وحال الزَّوج من مسامحةٍ وغيرها، وباختلاف حالِ المنفق منه بين أن يكون يسيرًا يُتسامَح به، وبين أن يكون له خطرٌ في نفس الزَّوج ويبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا، يُخشَى فساده إن تأخَّر وبين غيره (كَانَ (٢) لَهَا) أي: للمرأة (أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ) غير مفسدةٍ (وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ) أي: بسبب كسبه (وَلِلْخَازِنِ) الذي يكون بيده حفظ الطَّعام المُتصدَّق منه (٣) (مِثْلُ ذَلِكَ) من الأجر (لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) أي: من أجر بعضٍ (شَيْئًا) نصب مفعول «ينقص»، أو «ينقص» كـ «يزيد» يتعدَّى إلى مفعولين (٤) الأوَّل: «أجرَ»، والثَّاني: «شيئًا»، كـ ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]. وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة، وتابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، ورواته كلُّهم كوفيُّون، وجريرٌ رازيٌّ، أصله من الكوفة، وأخرجه أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٠] و «البيوع» [خ¦٢٠٦٥]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء»، وابن ماجه في «التِّجارات».

стр. 3395

(١٨) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (لَا صَدَقَةَ) كاملةٌ (إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) أي: غنًى يُستظهَر به على النَّوائب التي تنوبه، قاله (١) البغويُّ، والتَّنكير فيه للتَّفخيم، ولفظ التَّرجمة حديثٌ رواه أحمد من طريق عطاءٍ عن أبي هريرة، وذكره المؤلِّف (٢) تعليقًا في «الوصايا» [خ¦٥٥/ ٩ - ٤٢٩٨] (وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ كالجملتين (٣) بعد، وهما قوله: (أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) مستغرقٌ (فَالدَّيْنُ) جواب الشَّرط، وفي الكلام حذفٌ، أي: فهو أحقُّ وأهله أحقُّ والدَّين (أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهْوَ) أي: الشَّيء المُتصدَّق به (رَدٌّ عَلَيْهِ) غير مقبولٍ؛ لأنَّ قضاء الدَّين واجبٌ، كنفقة عياله، والصَّدقة تطوُّعٌ، ومقتضاه: أنَّ الدَّينَ المستغرق مانعٌ من صحَّة التَّبرُّع، لكنَّ محلَّه إذا حجر عليه الحاكم بالفلس، وقد نقل فيه صاحب «المغني» وغيره الإجماع، فيُحمَل إطلاق المؤلِّف عليه (لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ) في الصَّدقة (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديثٍ وصله المؤلِّف في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٧]: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ) فمن أخذ دَينًا وتصدَّق به، ولا يجد ما يقضي به الدَّين فقد دخل في هذا الوعيد، قال المؤلِّف مستثنيًا من التَّرجمة، أو ممَّن تصدَّق (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ) فيتصدَّق مع عدم الغنى، أو مع الحاجة (فَيُؤْثِرَ) بالمُثلَّثة، يقدِّم غيرَه (عَلَى نَفْسِهِ) بما معه (وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ) حاجةٌ (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ) كلِّه، فيما رواه أبو داود وغيره (وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ) حين قَدِموا عليهم المدينة، وليس بأيديهم شيءٌ، حتَّى إنَّ من (٤) كان عنده امرأتان نزل عن واحدةٍ وزوَّجها مِنْ أحدِهم، وهذا التَّعليق طرفٌ من حديثٍ وصله المؤلِّف في «كتاب الهبة» [خ¦٢٦٣٠]. (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديث

стр. 3396

المغيرة السَّابق بتمامه موصولًا في أواخر «صفة الصَّلاة» [خ¦١٤٧٧] (عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) استدلَّ به المؤلِّف على ردِّ صدقة المديان، وإذا نُهِي الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أَوْلى بالنَّهي، ولا يُقال: إنَّ الصَّدقة ليست إضاعةً؛ لأنَّها إذا (١) عُورِضت بحقِّ الدَّين لم يبقَ فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقةً، وبقيت إضاعةً محضةً (فَلَيْسَ لَهُ) للمديون (أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبٌ) هو أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا (٢) عن غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ: «كعب بن مالكٍ» (¬﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ) تمام (تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً) منتهيةً (إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي) بفاءٍ قبل الهمزة، ولأبي الوقت: «إنِّي» (أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) وإنَّما منعه ﷺ عن (٣) صرف كلِّ ماله، ولم يمنع الصِّدِّيق؛ لقوَّة يقين الصِّدِّيق وتوكُّله وشدَّة صبره؛ بخلاف كعبٍ. ١٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ (٤) المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٥) (قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «على» (ظَهْرِ غِنًى) قال في «النِّهاية»: أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وقِيلَ: أراد ما فضل عن العيال، والظَّهر قد يُزاد به في مثل هذا إشباعًا (٦) للكلام وتمكينًا، كأنَّ صدقتَه

стр. 3397

مستندةٌ إلى ظهرٍ قويٍّ من المال (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) بمن تجب عليك نفقته، يُقال: عال الرَّجل أهله إذا قاتهم، أي: قام بما يحتاجون إليه من القوت والكسوة وغيرهما، وقوله: «وابدأ» قال الزَّركشيُّ: بالهمز وتركه. ١٤٢٧ - ١٤٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء وبالزَّاي المعجمة، و «حَكِيم» -بفتح الحاء وكسر الكاف- الأسديِّ المكِّيِّ، وُلِد بجوف الكعبة، فيما حكاه الزُّبير بن بكَّارٍ، وهو ابن أخي أمِّ المؤمنين خديجة، وعاش مئةً وعشرين سنةً، شطرها في الجاهليَّة، وشطرها في الإسلام، وأعتق مئة رقبةٍ، وحجَّ في الإسلام ومعه مئةُ بدنةٍ، ووقف بعرفة بمئة رقبةٍ في أعناقهم أطواق الفضَّة منقوشٌ فيها (١): عتقاء الله عن حكيم بن حزامٍ، وأهدى ألف شاةٍ، ومات بالمدينة سنة خمسين أو سنة أربعٍ أو سنة (٢) ثمانٍ وخمسين أو سنة ستِّين (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اليَدُ العُلْيَا) المنفِقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) السَّائلة، (وَابْدَأْ) بالهمز وتركه (بِمَنْ تَعُولُ) زاد النَّسائيُّ من حديث طارقٍ (٣) المحاربيِّ: «أمَّك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك» وروى النَّسائيُّ أيضًا من حديث ابن عجلان عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة: قال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينارٌ، قال: «تصدَّق به على (٤) نفسك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على زوجتك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على ولدك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على خادمك»،

стр. 3398

قال: عندي آخَرُ، قال: «أنت أبصر به»، ورواه أبو داود والحاكم، لكن بتقديم الولد على الزَّوجة، والذي أطبق عليه الأصحاب -كما قاله في «الرَّوضة» - تقديم الزَّوجة؛ لأنَّ نفقتها آكَدُ؛ لأنَّها لا تسقط بمضيِّ الزَّمان ولا بالإعسار، ولأنَّها وجبت عوضًا عن التَّمكين. ومباحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٥] بعون الله. (وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) كذا في «اليونينيَّة» بإسقاط «ما كان» (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) يطلب العفَّة، وهي الكفُّ عن الحرام (١) وسؤال النَّاس (يُعِفَّهُ اللهُ) بضمِّ الياء وفتح الفاء مُشدَّدةً مجزومٌ كالسَّابق، شرطٌ وجزاؤه، أي: يصيره عفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «يعفُّه الله» بضمِّ الفاء إتباعًا لضمَّة هاء الضَّمير، وهو مجزومٌ كما مرَّ (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ) مجزومان شرطًا وجزاءً، بحذف الياء منهما، أي: من يطلب من الله العفاف والغنى يعطِه الله ذلك. (وَعَنْ وُهَيْبٍ) عُطِف على ما سبق، أي: حدَّثنا موسى بن إسماعيل عن وُهَيْبٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِهَذَا) أي: بحديث حكيمٍ، وإيراده له معطوفًا على إسناده يدلُّ على أنَّه رواه عن موسى بن إسماعيل بالطَّريقين معًا، فكأنَّ هشامًا حدَّث به وُهَيْبًا، تارةً عن أبيه عن حكيم بن حزامٍ، وتارةً عن أبي هريرة، أو حدَّث به عنهما مجموعًا، ففرَّقه وُهَيْبٌ (٢) أو الرَّاوي عنه، ولأبي ذَرٍّ: «عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا». ثمَّ أخذ المصنِّف يذكر ما يفسِّر (٣) المجمل في حديث حكيمٍ [خ¦١٤٢٧] في قوله: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»، فقال بالسَّند السَّابق أوَّل هذا الكتاب. ١٤٢٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٤) حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ

стр. 3399

ﷺ ¬) لم يذكر متن هذا السَّند، قال أبو داود: قال الأكثر عن حمَّاد بن زيدٍ: «اليد العليا هي المنفقة». وقال واحدٌ (١) عنه: «المتعفِّفة» يعني: بعينٍ وفاءين، وكذا قال عبد الوارث عن أيُّوب، قال الحافظ ابن حجرٍ: الذي قال عن حمَّادٍ: «المتعفِّفة» بالعين فهو مُسدَّدٌ، كذا رويناه عنه في «مُسنَده» رواية معاذ بن المُثنَّى عنه، وأمَّا رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولةً، وقد أخرجه أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه» من طريق سليمان بن حربٍ عن حمَّادٍ بلفظ: «واليد العليا يد المعطي»، وهذا يدلُّ على أنَّ من رواه عن نافعٍ بلفظ: «المتعفِّفة» فقد صحَّف. انتهى. (ح): للتَّحويل قال: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، أي: كان يحضُّ الغنيَّ عليها (وَالتَّعَفُّفَ) أي: ويحضُّ الفقيرَ عليه (وَالمَسْأَلَةَ) كذا بالواو، أي: ويذمُّ المسألةَ، ولمسلمٍ عن قتيبة (٢) عن مالكٍ: «والتَّعفُّف عن المسألة»: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ) اسم فاعلٍ من «أنفق»، ورواه أبو داود وغيره: «المتعفِّفة» بالعين والفاءين كما مرَّ، ورجَّحه الخطَّابيُّ قال: لأنَّ السِّياق في ذكر المسألة والتَّعفُّف عنها، وقال شارح «المشكاة»: وتحرير ترجيحه أن يُقال: إنَّ قوله: «وهو يذكر الصَّدقة والتَّعفُّف عن المسألة» كلامٌ مُجمَلٌ في معنى العفَّة عن السُّؤال، وقوله: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» بيانٌ له، وهو أيضًا مُبهَمٌ، فينبغي أن يُفسَّر بالعفَّة ليناسب المُجمَل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسبٍ للمُجمَل، لكن إنَّما يتمُّ هذا لو اقتصر على قوله: «اليد العليا هي المنفقة (٣)»، ولم يعقِّبه بقوله: (وَ) اليد (السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) لدلالتهما على علوِّ المُنفِقة وسفالة السَّائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكَف منها، فظهر بهذا أنَّ ما في «البخاريِّ» و «مسلمٍ» أرجحُ من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً، ويؤيِّد ذلك حديث حكيمٍ، عند (٤) الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي (٥) فوق يد المُعطَى،

стр. 3400

ويد المُعطَى أسفل الأيدي»، وعند النَّسائيِّ من حديث طارقٍ المحاربيِّ: قدمنا المدينة، فإذا النَّبيُّ ﷺ قائمٌ على المنبر يخطب النَّاس، وهو يقول: «يد المعطي العليا»، وهذا نصٌّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسُّف من تعسَّف في تأويله ذلك، كقول بعضهم فيما حكاه القاضي عياضٌ: اليد (١) العليا: الآخذة، والسُّفلى: المانعة، أو العليا: الآخذة، والسُّفلى: المنفقة، وقد كان إذا أعطى الفقير العطيَّة يجعلها في يد نفسه، ويأمر الفقير أن يتناولها لتكون يد الفقير هي العليا؛ أدبًا مع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] قال: فلمَّا أُضيف الأخذ إلى الله تعالى تواضع لله تعالى فوضع يده أسفل من يد الفقير الآخذ، وقال ابن العربيِّ: والتَّحقيق أنَّ السُّفلى يد السَّائل، وأمَّا يد الآخذ فلا؛ لأنَّ يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليا وكلتاهما يمينٌ. انتهى. وعُورِض بأنَّ البحث إنَّما هو في يد الآدميِّين، وأمَّا يد الله فباعتبار كونه مالكَ كلِّ شيءٍ نُسِبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله (٢) الصَّدقة ورضاه بها، نُسِبت يده إلى الأخذ. وقد (٣) روى إسحاق في «مُسنَده»: أنَّ حكيم ابن حزامٍ قال: (٤) يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: «التي تعطي ولا تأخذ»، وهو صريحٌ في أنَّ الآخذة ليست بعليا، ومُحصَّل ما قِيل في ذلك: أنَّ أعلى الأيدي المنفقة والمتعفِّفة عن الأخذ، ثمَّ الآخذة بغير سؤالٍ، وأسفل الأيدي السَّائلة والمانعة، وكلُّ هذه التَّأويلات المتعسِّفة تضمحلُّ عند الأحاديث السَّابقة المصرِّحة بالمراد، فأَوْلى ما فُسِّر الحديث بالحديث، وقد ذكر أبو العبَّاس الدَّاني في «أطراف المُوطَّأ»: أنَّ هذا التَّفسير المذكور في حديث ابن عمر هذا مُدرَجٌ فيه، ولم يذكر لذلك مستندًا، نعم في «كتاب الصَّحابة» للعسكريِّ بإسنادٍ له فيه انقطاعٌ عن ابن عمر: أنَّه كتب إلى بشر بن مروان: إنِّي سمعت النَّبيَّ (٥) ﷺ يقول: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»، ولا أحسبُ السُّفلى إلَّا السَّائلة، ولا العليا إلَّا المعطية، فهذا يشعر بأنَّ التَّفسير من
следующие страницы →