المغيرة السَّابق بتمامه موصولًا في أواخر «صفة الصَّلاة» [خ¦١٤٧٧] (عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) استدلَّ به المؤلِّف على ردِّ صدقة المديان، وإذا نُهِي الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أَوْلى بالنَّهي، ولا يُقال: إنَّ الصَّدقة ليست إضاعةً؛ لأنَّها إذا (١) عُورِضت بحقِّ الدَّين لم يبقَ فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقةً، وبقيت إضاعةً محضةً (فَلَيْسَ لَهُ) للمديون (أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبٌ) هو أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا (٢) عن غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ: «كعب بن مالكٍ» (¬﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ) تمام (تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً) منتهيةً (إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي) بفاءٍ قبل الهمزة، ولأبي الوقت: «إنِّي» (أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) وإنَّما منعه ﷺ عن (٣) صرف كلِّ ماله، ولم يمنع الصِّدِّيق؛ لقوَّة يقين الصِّدِّيق وتوكُّله وشدَّة صبره؛ بخلاف كعبٍ.
١٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ (٤) المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٥) (قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «على» (ظَهْرِ غِنًى) قال في «النِّهاية»: أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وقِيلَ: أراد ما فضل عن العيال، والظَّهر قد يُزاد به في مثل هذا إشباعًا (٦) للكلام وتمكينًا، كأنَّ صدقتَه
стр. 3397
مستندةٌ إلى ظهرٍ قويٍّ من المال (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) بمن تجب عليك نفقته، يُقال: عال الرَّجل أهله إذا قاتهم، أي: قام بما يحتاجون إليه من القوت والكسوة وغيرهما، وقوله: «وابدأ» قال الزَّركشيُّ: بالهمز وتركه.
١٤٢٧ - ١٤٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء وبالزَّاي المعجمة، و «حَكِيم» -بفتح الحاء وكسر الكاف- الأسديِّ المكِّيِّ، وُلِد بجوف الكعبة، فيما حكاه الزُّبير بن بكَّارٍ، وهو ابن أخي أمِّ المؤمنين خديجة، وعاش مئةً وعشرين سنةً، شطرها في الجاهليَّة، وشطرها في الإسلام، وأعتق مئة رقبةٍ، وحجَّ في الإسلام ومعه مئةُ بدنةٍ، ووقف بعرفة بمئة رقبةٍ في أعناقهم أطواق الفضَّة منقوشٌ فيها (١): عتقاء الله عن حكيم بن حزامٍ، وأهدى ألف شاةٍ، ومات بالمدينة سنة خمسين أو سنة أربعٍ أو سنة (٢) ثمانٍ وخمسين أو سنة ستِّين (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اليَدُ العُلْيَا) المنفِقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) السَّائلة، (وَابْدَأْ) بالهمز وتركه (بِمَنْ تَعُولُ) زاد النَّسائيُّ من حديث طارقٍ (٣) المحاربيِّ: «أمَّك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك» وروى النَّسائيُّ أيضًا من حديث ابن عجلان عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة: قال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينارٌ، قال: «تصدَّق به على (٤) نفسك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على زوجتك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على ولدك»، قال: عندي آخَرُ، قال: «تصدَّق به على خادمك»،
стр. 3398
قال: عندي آخَرُ، قال: «أنت أبصر به»، ورواه أبو داود والحاكم، لكن بتقديم الولد على الزَّوجة، والذي أطبق عليه الأصحاب -كما قاله في «الرَّوضة» - تقديم الزَّوجة؛ لأنَّ نفقتها آكَدُ؛ لأنَّها لا تسقط بمضيِّ الزَّمان ولا بالإعسار، ولأنَّها وجبت عوضًا عن التَّمكين. ومباحث ذلك تأتي -إن شاء الله تعالى- في «النَّفقات» [خ¦٥٣٥٥] بعون الله. (وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) كذا في «اليونينيَّة» بإسقاط «ما كان» (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) يطلب العفَّة، وهي الكفُّ عن الحرام (١) وسؤال النَّاس (يُعِفَّهُ اللهُ) بضمِّ الياء وفتح الفاء مُشدَّدةً مجزومٌ كالسَّابق، شرطٌ وجزاؤه، أي: يصيره عفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «يعفُّه الله» بضمِّ الفاء إتباعًا لضمَّة هاء الضَّمير، وهو مجزومٌ كما مرَّ (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ) مجزومان شرطًا وجزاءً، بحذف الياء منهما، أي: من يطلب من الله العفاف والغنى يعطِه الله ذلك.
(وَعَنْ وُهَيْبٍ) عُطِف على ما سبق، أي: حدَّثنا موسى بن إسماعيل عن وُهَيْبٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِهَذَا) أي: بحديث حكيمٍ، وإيراده له معطوفًا على إسناده يدلُّ على أنَّه رواه عن موسى بن إسماعيل بالطَّريقين معًا، فكأنَّ هشامًا حدَّث به وُهَيْبًا، تارةً عن أبيه عن حكيم بن حزامٍ، وتارةً عن أبي هريرة، أو حدَّث به عنهما مجموعًا، ففرَّقه وُهَيْبٌ (٢) أو الرَّاوي عنه، ولأبي ذَرٍّ: «عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا». ثمَّ أخذ المصنِّف يذكر ما يفسِّر (٣) المجمل في حديث حكيمٍ [خ¦١٤٢٧] في قوله: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»، فقال بالسَّند السَّابق أوَّل هذا الكتاب.
١٤٢٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا (٤) حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
стр. 3399
ﷺ ¬) لم يذكر متن هذا السَّند، قال أبو داود: قال الأكثر عن حمَّاد بن زيدٍ: «اليد العليا هي المنفقة». وقال واحدٌ (١) عنه: «المتعفِّفة» يعني: بعينٍ وفاءين، وكذا قال عبد الوارث عن أيُّوب، قال الحافظ ابن حجرٍ: الذي قال عن حمَّادٍ: «المتعفِّفة» بالعين فهو مُسدَّدٌ، كذا رويناه عنه في «مُسنَده» رواية معاذ بن المُثنَّى عنه، وأمَّا رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولةً، وقد أخرجه أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه» من طريق سليمان بن حربٍ عن حمَّادٍ بلفظ: «واليد العليا يد المعطي»، وهذا يدلُّ على أنَّ من رواه عن نافعٍ بلفظ: «المتعفِّفة» فقد صحَّف. انتهى. (ح): للتَّحويل قال: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، أي: كان يحضُّ الغنيَّ عليها (وَالتَّعَفُّفَ) أي: ويحضُّ الفقيرَ عليه (وَالمَسْأَلَةَ) كذا بالواو، أي: ويذمُّ المسألةَ، ولمسلمٍ عن قتيبة (٢) عن مالكٍ: «والتَّعفُّف عن المسألة»: (اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ) اسم فاعلٍ من «أنفق»، ورواه أبو داود وغيره: «المتعفِّفة» بالعين والفاءين كما مرَّ، ورجَّحه الخطَّابيُّ قال: لأنَّ السِّياق في ذكر المسألة والتَّعفُّف عنها، وقال شارح «المشكاة»: وتحرير ترجيحه أن يُقال: إنَّ قوله: «وهو يذكر الصَّدقة والتَّعفُّف عن المسألة» كلامٌ مُجمَلٌ في معنى العفَّة عن السُّؤال، وقوله: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» بيانٌ له، وهو أيضًا مُبهَمٌ، فينبغي أن يُفسَّر بالعفَّة ليناسب المُجمَل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسبٍ للمُجمَل، لكن إنَّما يتمُّ هذا لو اقتصر على قوله: «اليد العليا هي المنفقة (٣)»، ولم يعقِّبه بقوله: (وَ) اليد (السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) لدلالتهما على علوِّ المُنفِقة وسفالة السَّائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكَف منها، فظهر بهذا أنَّ ما في «البخاريِّ» و «مسلمٍ» أرجحُ من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً، ويؤيِّد ذلك حديث حكيمٍ، عند (٤) الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي (٥) فوق يد المُعطَى،
стр. 3400
ويد المُعطَى أسفل الأيدي»، وعند النَّسائيِّ من حديث طارقٍ المحاربيِّ: قدمنا المدينة، فإذا النَّبيُّ ﷺ قائمٌ على المنبر يخطب النَّاس، وهو يقول: «يد المعطي العليا»، وهذا نصٌّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسُّف من تعسَّف في تأويله ذلك، كقول بعضهم فيما حكاه القاضي عياضٌ: اليد (١) العليا: الآخذة، والسُّفلى: المانعة، أو العليا: الآخذة، والسُّفلى: المنفقة، وقد كان إذا أعطى الفقير العطيَّة يجعلها في يد نفسه، ويأمر الفقير أن يتناولها لتكون يد الفقير هي العليا؛ أدبًا مع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] قال: فلمَّا أُضيف الأخذ إلى الله تعالى تواضع لله تعالى فوضع يده أسفل من يد الفقير الآخذ، وقال ابن العربيِّ: والتَّحقيق أنَّ السُّفلى يد السَّائل، وأمَّا يد الآخذ فلا؛ لأنَّ يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليا وكلتاهما يمينٌ. انتهى. وعُورِض بأنَّ البحث إنَّما هو في يد الآدميِّين، وأمَّا يد الله فباعتبار كونه مالكَ كلِّ شيءٍ نُسِبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله (٢) الصَّدقة ورضاه بها، نُسِبت يده إلى الأخذ. وقد (٣) روى إسحاق في «مُسنَده»: أنَّ حكيم ابن حزامٍ قال: (٤) يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: «التي تعطي ولا تأخذ»، وهو صريحٌ في أنَّ الآخذة ليست بعليا، ومُحصَّل ما قِيل في ذلك: أنَّ أعلى الأيدي المنفقة والمتعفِّفة عن الأخذ، ثمَّ الآخذة بغير سؤالٍ، وأسفل الأيدي السَّائلة والمانعة، وكلُّ هذه التَّأويلات المتعسِّفة تضمحلُّ عند الأحاديث السَّابقة المصرِّحة بالمراد، فأَوْلى ما فُسِّر الحديث بالحديث، وقد ذكر أبو العبَّاس الدَّاني في «أطراف المُوطَّأ»: أنَّ هذا التَّفسير المذكور في حديث ابن عمر هذا مُدرَجٌ فيه، ولم يذكر لذلك مستندًا، نعم في «كتاب الصَّحابة» للعسكريِّ بإسنادٍ له فيه انقطاعٌ عن ابن عمر: أنَّه كتب إلى بشر بن مروان: إنِّي سمعت النَّبيَّ (٥) ﷺ يقول: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»، ولا أحسبُ السُّفلى إلَّا السَّائلة، ولا العليا إلَّا المعطية، فهذا يشعر بأنَّ التَّفسير من
стр. 3401
كلام ابن عمر، ويؤيِّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر قال: كنَّا نتحدَّث أنَّ اليد العليا هي المنفقة، قاله في «فتح الباري».
وفي هذا (١) الحديث التَّحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
(١٩) (باب) ذمِّ (المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى) من الصَّدقة على من (٢) أعطاه (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ﴾) من الصَّدقات (﴿مَنًّا﴾) على من أعطَوه، بذكر الإعطاء له، وتعدُّد نعمه عليه (﴿وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]) بأن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه، فيحبط به ما أسلف من الإحسان، فحظر الله تعالى المنَّ بالصَّنيعة واختصَّ به صفةً لنفسه؛ إذ هو من العباد تكديرٌ، ومن الله تعالى إفضالٌ وتذكيرٌ لهم بنعمه (الآيَةَ) إلى آخرها، أي: إلى قوله: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله لا على أحدٍ سواه ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه من أهوال القيامة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم، والآية نزلت في عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فإنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ بأربعة آلاف درهمٍ، وعثمان فإنَّه جهَّز جيش العسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وسقط في رواية غير أبي ذَرٍّ قوله: «﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾» واقتصر المؤلِّف على الآية، ولم يذكر حديثًا؛ لكونه لم يجد في ذلك ما هو على شرطه، وفي «مسلمٍ» من حديث أبي ذرٍّ ﵁: «ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يوم القيامة: الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّهُ، والمنفق سلعته بالحلف، والمسبل إزاره»، وهذه التَّرجمة ثبتت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ كما قاله (٣) في «الفتح»، وأشار (٤) في «اليونينيَّة» إلى سقوطها في رواية أبي ذرٍّ، والله الموفِّق والمعين.
стр. 3402
(٢٠) (باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ) فرضها ونفلها (مِنْ يَوْمِهَا) خوفًا من عروض الموانع.
١٤٣٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ العين في الأوَّل وكسرها في الثَّاني، النَّوفليِّ القرشيِّ المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، عبد الله (أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ) أبا سِرْوعة النَّوفليَّ (¬﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «صلَّى النَّبيُّ» (¬ ﷺ العَصْرَ فَأَسْرَعَ) وفي «باب من صلَّى بالنَّاس فذكر حاجةً فتخطَّاهم» «فسلَّم» [خ¦٨٥١] بدل قوله هنا: «فأسرع» (ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ) ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» (١) «فقلنا»: (أَوْ قِيلَ لَهُ) عن سبب سرعته (فَقَالَ) ﵊: (كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا) ذهبًا غير مضروبٍ (مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، أي: أن (٢) أتركه حتَّى يدخل اللَّيل (فَقَسَمْتُهُ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ كراهة (٣) تبييته تدلُّ على استحباب تعجيل
стр. 3403
الصَّدقة، قال الزَّين بن المُنيِّر: ترجم المصنِّف بالاستحباب، وكان يمكن أن يقول: كراهة تبييت الصَّدقة؛ لأنَّ الكراهة صريحةٌ في الخبر، واستحباب التَّعجيل مُستنبَطٌ (١) من قرائن سياق الخبر حيث أسرع في الدُّخول والقِسمة، فجرى على عادته في إيثار الأخفى على الأَجْلى.
(٢١) (باب) استحباب (التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ) بأن يذكر ما فيها من الأجر (وَ) ثواب (الشَّفَاعَةِ فِيهَا).
١٤٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم، الفراهيديُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَدِيٌّ) هو ابن ثابتٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ) هو عيد الفطر، كما صرَّح به في حديث «باب الخطبة بعد العيد» [خ¦٩٦٤] (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ فيهما لقطعهما عن الإضافة (ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ -وَمَعَهُ بِلَالٌ- فَوَعَظَهُنَّ) وذكَّرهنَّ الآخرة (وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ) بضمِّ القاف وسكون اللَّام آخره مُوحَّدةٌ: السِّوار أو من عظمٍ (وَالخُرْصَ) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الرَّاء آخره صادٌ مهملتين: الحلقة.
والحديث سبق في «صلاة العيدين» [خ¦٩٧٩].
١٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، بُرَيْدٌ -بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، مُصغَّرًا- (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
стр. 3404
أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، عامرٌ أو الحارث قال: (حَدَّثَنَا) جدِّي (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ) بضمِّ الطَّاء مبنيًّا للمفعول، و «حاجةٌ» رفع مفعولٍ ناب عن فاعله (قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا) سواءٌ قُضِيت الحاجة أم لا (وَيَقْضِي اللهُ) ولأبي الوقت: «وليقض الله» (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ) وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ ؛ ليصلوا (١) جناح السَّائل وطالب الحاجة، وهو تخلُّقٌ بأخلاق الله تعالى، حيث يقول (٢) لنبيِّه ﷺ [خ¦٣٣٤٠]: «اشفع تُشفَّع»، وإذا أُمِر ﵊ بالشَّفاعة عنده مع علمه بأنَّه مستغنٍ عنها؛ لأنَّ (٣) عنده شافعًا (٤) من نفسه وباعثًا من جوده، فالشَّفاعة الحسنة عند غيره ممَّن يحتاج إلى تحريك داعيةٍ إلى الخير مُتأكِّدةٌ بطريق الأولى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦٠٢٧] و «التَّوحيد» [خ¦٧٤٧٦]، ومسلمٌ وأبو داود في «الأدب» (٥)، والترمذيُّ في «العلم»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
١٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) أبو الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون المُوحَّدة، ابن سليمان، الكلابيُّ، أبو محمَّدٍ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير
стр. 3405
(عَنْ) زوجته (فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ) عنه و (عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُوكِي) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الكاف، يُقال: أوكى ما في سقائه، إذا شدَّه بالوكاء، وهو الخيط الذي يُشَدُّ به رأس القربة، أي: لا تربطي على ما عندك وتمنعيه (فَيُوكَى عَلَيْكِ) بفتح الكاف الأولى (١) مبنيًّا للمفعول، ولمسلمٍ: «فيوكي الله عليك»، وهو نُصِب لكونه جوابًا للنَّهي مقرونًا بالفاء، أي: لا توكي مالَكِ عن الصَّدقة خشية نفاده، فتنقطع عنك مادَّة الرِّزق (٢).
وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ) بالإسناد السَّابق (وَقَالَ: لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ) بنصب: «فيحصِيَ» مع كسر صاده، جواب النَّهي كسابقه، وكأنَّ عَبْدة رواه عن هشامٍ باللَّفظين معًا، فحدَّث به تارةً كذا وتارةً كذا، والإحصاءُ: معرفةُ قدر الشَّيء وزنًا أو عددًا، وهو (٣) من باب المقابلة، وإحصاء الله هنا المرادُ به قطع البركة أو حبس مادَّة الرِّزق، أو المُحاسَبة عليه في الآخرة.
وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، ورواته كلُّهم مدنيُّون إلَّا عَبْدة فكوفيٌّ، وأخرجه البخاريُّ في «الهبة» [خ¦٢٥٩١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ.
(٢٢) (باب الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ) المتصدِّق.
١٤٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، قال المؤلِّف: «ح»: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) المعروف
стр. 3406
بصاعقة، البزَّاز (١) -بمعجمتين- البغداديُّ (عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ) الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «جاءتِ النَّبيَّ» (¬ ﷺ فَقَالَ) لها: (لَا تُوعِي) بعينٍ مُهمَلةٍ، من أوعيت المتاع في الوعاء، إذا جعلته فيه، ووعيت الشَّيء: حفظته، والمراد: لازم الإيعاء؛ وهو الإمساك (فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر العين، والنَّصب جواب النَّهي بالفاء، وإسناده إلى الله تعالى (٢) مجازٌ عن الإمساك، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا توكي فيوكي الله عليك» بالكاف بدل العين فيهما، وليس النَّهي للتَّحريم (اِرْضَخِي) بهمزةٍ مكسورةٍ؛ إذا لم تُوصَل، فعل أمرٍ، من الرَّضخ، بالضَّاد والخاء المعجمتين، وهو العطاء اليسير، أي: أنفقي من غير إجحافٍ (مَا اسْتَطَعْتِ) أي: ما دمتِ مستطيعةً قادرةً على الرَّضخ.
وفي هذا الحديث التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٤] و «الهبة» [خ¦٢٥٩٠]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ فيه وفي «عِشْرة النِّساء».
(٢٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ).
стр. 3407
١٤٣٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمزة (١)، شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) ابن اليمان (¬﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ) ﵊ (قَالَ) عمر ﵁: (إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ) بفتح الجيم والمدِّ، خبر «إنَّ»، واللَّام للتَّأكيد، من الجُرْأَة، وهي الإقدام على الشَّيء، قال ابن بطَّالٍ: أي: إنَّك كثير السُّؤال عن الفتنة في أيَّامه ﷺ ، فأنت اليوم جريءٌ على ذكره عالمٌ به (فَكَيْفَ) قَالَ ﷺ (٢)؟ (قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ): هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) ممَّا يعرض له معهنَّ من سوءٍ، أو حزنٍ أو غير ذلك ممَّا لم يبلغ كبيرةً (وَوَلَدِهِ) بالاشتغال به من فرط المحبَّة عن كثيرٍ من الخيرات (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى مثل حاله إن كان متَّسِعًا، كلُّ ذلك (تُكَفِّرُهُ (٣) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ، قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش: (قَدْ كَانَ) أبو وائلٍ (يَقُولُ) في بعض الأحيان: (الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) بدل قوله: «والمعروف» (قَالَ) عمر لحذيفة ﵄: (لَيْسَ هَذِهِ) الفتنة (أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ) الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا) وللأربعة «منها» أي: من الفتنة (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ) بالرَّفع، اسم «ليس» أي: ليس عليك منها شدَّةٌ (بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَالَ) عمر ﵁: (فَيُكْسَرُ) هذا (البَابُ أَوْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «أم» (يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (قُلْتُ: لَا (٤)، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ) عمر: (فَإِنَّهُ) أي: الباب (إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا) أشار به عمر إلى أنَّه إذا قُتِل ظهرت
стр. 3408
الفتن، فلا تسكن إلى يوم القيامة، وكان كما قال؛ لأنَّه كان سدًّا وبابًا دون الفتنة، فلمَّا قُتِل كثرت الفتنة، وعلم عمر أنَّه الباب (قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ) أي: نعم (قال) شقيقٌ: (فَهِبْنَا) بكسر الهاء، أي: خفنا (أَنْ نَسْأَلَهُ) أي: أن (١) نسأل حذيفة، وكان مهيبًا: (مَنِ البَابُ؟) أي: من (٢) المراد بالباب؟ (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ) لأنَّه كان أجرأ على سؤاله؛ لكثرة علمه وعلوِّ منزلته (قَالَ: فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:) الباب (عُمَرُ ﵁، قَالَ) شقيقٌ: (قُلْنَا: فَعَلِمَ) أي: أفعلم (عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً) اسم «أنَّ»، و «دون» خبرها مُقدَّمٌ، أي: كما يعلم أنَّ اللَّيلة أقرب من الغد، ثمَّ علَّل ذلك بقوله: (وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ) أي: عمر (حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) لا شبهة فيه.
وقد سبق هذا الحديث في أوائل «الصَّلاة» في «باب الصَّلاة كفَّارةٌ» [خ¦٥٢٥].
(٢٤) (بابٌ: مَنْ تَصَدَّقَ فِي) حال (الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ) هل يُعتَدُّ بذلك أم لا؟ ظاهر حديث الباب الأوَّل.
١٤٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف قاضي صنعاء، قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالزَّاي المعجمة (¬﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عن حكم (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ) بالمُثلَّثة، وفي «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] عند المؤلِّف: ويُقال
стр. 3409
أيضًا عن أبي اليمان: «أتحنَّت» بالمُثنَّاة، لكن قال القاضي عياضٌ: بالمُثلَّثة أصحُّ روايةً ومعنًى، أي: أتعبَّد (بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ) بالألف قبل الواو، وكان أعتق مئة رقبةٍ في الجاهليَّة، وحمل على مئة بعيرٍ (وَصِلَةِ رَحِمٍ) بغير ألفٍ قبل الواو (فَهَلْ) لي (فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى) قبول (مَا سَلَفَ) لك (مِنْ خَيْرٍ) ويؤيِّد ظاهر هذا الحديث ما رواه الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ (١) مرفوعًا: «إذا أسلم الكافر فحَسُنَ إسلامه كتب الله له كلَّ حسنةٍ كان زلفها، ومحا عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زلفها، وكان عمله بعد ذلك الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسَّيِّئة بمثلها إلَّا أن يتجاوز الله عنها»، لكن هذا لا يتخرَّج على القواعد الأصوليَّة؛ لأنَّ الكافر لا يصحُّ منه في حال كفره عبادةٌ؛ لأنَّ شرطها النِّيَّة وهي متعذِّرةٌ منه، وإنَّما يُكتَب له ذلك الخير بعد إسلامه تفضُّلًا من الله مستأنفًا، أو المعنى: أنَّك ببركة فعل الخير هُدِيت إلى الإسلام؛ لأنَّ المبادئ عنوان الغايات، أو إنَّك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلةً، فانتفعت بتلك الطِّباع في الإسلام، وقد مهَّدت لك تلك العادة معونةً على فعل الخير.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «البيوع» [خ¦٢٢٢٠] و «الأدب» [خ¦٥٩٩٢] و «العتق» [خ¦٢٥٣٨]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان».
(٢٥) (بابُ أَجْرِ الخَادِمِ) هو شاملٌ للمملوك والزَّوجة وغيرهما (إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ) حال كونه (غَيْرَ مُفْسِدٍ) في صدقته.
стр. 3410
١٤٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز، شقيقٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا) بإذنه ولو إذنًا عامًّا، حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) بألَّا تتعدَّى إلى الكثرة المؤدِّية إلى النَّقصِ الظَّاهر، وهذا القيد مُتَّفَقٌ عليه، فالمراد: إذا تصدَّقت بشيءٍ يسيرٍ (كَانَ لَهَا أَجْرُهَا) بما تصدَّقت (وَلِزَوْجِهَا) أجره (بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ) أجره (١) (مِثْلُ ذَلِكَ) وفرَّق بعضهم بين المرأة والخازن بأنَّ لها حقًّا في مال زوجها، والنَّظر في بيتها، فلها التَّصدُّق بغير إذنه؛ بخلاف الخازن فليس له ذلك إلَّا بإذنه (٢)، وفيه نظرٌ؛ لأنَّها إن استوفت حقَّها فتصدَّقت منه، فقد تخصَّصت به، وإن تصدَّقت من غير حقِّها، رجع الأمر كما كان، والحديث سبق قريبًا [خ¦١٤٢٥] والله المعين.
١٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيْبٍ، أبو كريبٍ (٣)، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، مُصغَّرًا (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، عامرٍ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنَْفِّذُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه مُخفَّفًا، آخره ذالٌ مُعجَمةٌ، مضارع «أنفذ»، ويجوز فتح النُّون وتشديد الفاء، مضارع «نفَّذ»، وهو إمَّا (٤) من «الإفعال»، أو
стр. 3411
من «التَّفعيل»، وهو الإمضاء، ولأبي الوقت في غير «اليونينيَّة» «ينفق» بالقاف بدل المعجمة (-وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ) من الصَّدقة (كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ) برفع «طيِّبٌ» و «نفسُه»، مبتدأٌ وخبرٌ مُقدَّمٌ، والجملة في موضع الحال، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «طيِّبًا» بالنَّصب على الحال «به نفسُه» بالرَّفع، فاعلٌ بقوله: «طيِّبًا» (فَيَدْفَعُهُ إِلَى) الشَّخص (الَّذِي أُمِرَ لَهُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: الذي أمر الآمر له (بِهِ) أي: بالدَّفع (أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ) بفتح القاف، لكنَّ أجره غير مضاعفٍ، له عشر حسناتٍ، بخلاف ربِّ المال، فهو نحو قولهم في المبالغة: القلم أحد اللِّسانين، و «أحدُ» بالرَّفع: خبر المبتدأ الذي هو الخازن، وقيَّد الخازن بكونه مسلمًا؛ لأنَّ الكافر لا نيَّة له، وبكونه أمينًا؛ لأنَّ الخائن غير مأجورٍ، ورتَّب الأجر على إعطائه ما أُمِرَ به؛ لئلَّا يكون خائنًا أيضًا، وأن تكون نفسه بذلك طيِّبةً؛ لئلَّا يعدم النِّيَّة فيفقد الأجر، والبخيل كلُّ البخيل (١) من بخل بمال غيره، وأن يعطي من أُمِرَ بالدَّفع إليه لا لغيره (٢).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوكالة» [خ¦٢٣١٩] و «الإجارة» [خ¦٢٢٦٠]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
стр. 3412
(٢٦) (بابُ أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ) من مال زوجها (أَوْ أَطْعَمَتْ) شيئًا (مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) جاز لها ذلك، للإذن المفهوم من اطِّراد العُرْف، فإن علمت شحَّه أو شكَّت (١) فيه لم يجز، ولم يقيِّد هنا بالأمر كالسَّابق [خ¦١٤٣٧] فقِيلَ: لأنَّه فرَّق بين المرأة والخادم بأنَّ المرأة لها ذلك بشرطه -كما مرَّ- بخلاف الخازن والخادم.
١٤٣٩ - ١٤٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (وَالأَعْمَشُ) كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَيعْنِي) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (٢) وبالفوقيَّة، أي: عائشة حديث: (إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) إلى آخر الحديث الذي حول الإسناد إليه بقوله: (ح حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَطْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) كان (لَهَا أَجْرُهَا) أي: الصدقة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان لها أجرها» (وَلَهُ) أي: الزَّوج (مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ) أي: الزَّوج (بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا) أي: للزَّوجة (٣) (بِمَا أَنْفَقَتْ) ولابن عساكر: «ولها مثل ما أنفقت».
стр. 3413
١٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التَّميميُّ (١) قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا) حال كونها (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا) أي: الصَّدقة (وَلِلزَّوْجِ) أجره (بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ) الأجر بالشُّروط المذكورة في حديث أبي موسى السَّابق قريبًا [خ¦١٤٣٨] وظاهره يعطي التَّساوي للمذكورين في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل: حصولَ الأجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن يعكِّر (٢) عليه حديث أبي هريرة [خ¦٢٠٦٦] بلفظ: «فلها نصف أجره» إذ هو يشعر بالتَّساوي، وهذا الحديث أورده المؤلِّف من ثلاثة طرقٍ عن عائشة، كلُّها تدور على شقيقٍ عن مسروقٍ عنها، وفي كلٍّ زيادُة فائدةٍ ليست في الآخر، كما تراه، فلفظ الأعمش [خ¦١٤٤٠]: «إذا أطعمت من بيت زوجها»، ولفظ منصورٍ [خ¦١٤٤١]: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها»، فالله تعالى يرحم المؤلِّف ما أكثر فرائد (٣) فوائده، ولله درُّه ما أحلى مُكرَّره!
(٢٧) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾) مالَه لوجه الله (﴿وَاتَّقَى﴾) محارمه (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾) أي (٤): بالمجازاة، وأيقن أنَّ الله سيُخْلِفه، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التَّوحيد، أو الجنَّة (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾)
стр. 3414
سنهيِّئه في الدُّنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾) للخُلَّة التي توصله إلى اليسر والرَّاحة في الآخرة، يعني: للأعمال الصَّالحة المسبِّبة لدخول الجنَّة (﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾) بما أُمِرَ به من الإنفاق في الخيرات (﴿وَاسْتَغْنَى﴾) بالدُّنيا عن العقبى (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) في الدُّنيا (﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) الآيات للخلَّة المؤدِّية إلى الشِّدَّة (١) في الآخرة، وهي الأعمال السَّيِّئة المسبِّبة لدخول النَّار (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا) بجرِ «مالٍ» على الإضافة، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة» «منفقًا مالًا خلفًا» بنصب «مالًا»، مفعول: «منفق» بدليل رواية الإضافة، إذ لولاها لاحتمل أن يكون مفعولَ «أعط»، والأوَّل أَوْلى من جهةٍ أخرى، وهي أنَّ سياق الحديث للحضِّ على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعولَ «منفق» (٢)، وأمَّا الخلف فإبهامه أَوْلى؛ ليتناول المال والثَّواب، فكم من منفق مالٍ قلَّ أن يقع له الخُلْفُ الماليُّ، فيكون خُلْفَه الثَّوابُ (٣) المُعَدُّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السُّوء ما يقابل ذلك، قاله في «فتح الباري (٤)»، وهمزة «أَعطِ» قطعٌ، والجملة عطفٌ على «قول الله» بحذف حرف العطف، ذكره على سبيل البيان لـ «لحسنى»، فكأنَّه يشير إلى أنَّ قول الله تعالى مُبيَّنٌ بالحديث، يعني: تيسير اليسرى له إعطاء الخُلْف له، قاله الكِرمانيُّ.
١٤٤٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ، اسمه عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة (٥) وكسر الرَّاء المُشدَّدة، آخره دالٌ مهملتين، واسمه عبد الرَّحمن (عَنْ) عمِّه (أَبِي الحُبَابِ)
стр. 3415
بضمِّ الحاء المهملة وبمُوحَّدتين بينهما ألفٌ، مُخفَّفًا (١)، سعيد بن يسارٍ، ضدَّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ) ينزل فيه أحدٌ (إِلَّا مَلَكَانِ) فـ «ما» بمعنى: ليس، و «يومٍ» اسمه، و «من» زائدةٌ، و «يصبح العباد» صفةُ «يومٍ»، و «ملكان» مستثنى من محذوفٌ، هو خبر «ما» أي: ليس يومٌ موصوفٌ بهذا الوصف ينزل فيه أحدٌ إلَّا ملكان-كما مرَّ- فحُذِف المُستثنَى منه، ودلَّ عليه بوصف الملكين (يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع همزة «أَعطِ» (مُنْفِقًا) مالَه في طاعتك (خَلَفًا) بفتح اللَّام، أي: عوضًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله: «ابن آدم، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك» [خ¦٥٣٥٢] (وَيَقُولُ) الملك (الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) زاد ابن أبي حاتمٍ من طريق قتادة عن أبي الدَّرداء: فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] وقوله: «اللَّهم أعط ممسكًا تلفًا» هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ التَّلف ليس بعطيَّةٍ، وظاهره -كما قال (٢) القرطبيُّ- يعمُّ الواجبات والمندوبات، لكنَّ الممسك عن المندوبات لا يستحقُّ الدُّعاء بالتَّلف، نعم إذا غلب عليه البخل المذموم؛ بحيث لا تطيب نفسه بإخراج ما أُمِرَ به إذا أخرجه.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء»، وكذا أخرجه من حديث أبي الدَّرداء أحمدُ وابنُ حبَّان في «صحيحه»، والحاكم وصحَّحه (٣)، والبيهقيُّ من طريق الحاكم بلفظ: «ما من يومٍ طلعت فيه شمسُه إلَّا وكان بجنبتيها (٤) ملكان يناديان نداءً يسمعه ما (٥) خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم، إنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ ممَّا كَثُرَ وألهى، ولا آبَتِ (٦) الشَّمس إلَّا وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداءً يسمعه خلق الله كلُّهم غيرَ الثَّقلين: اللَّهمُّ أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا». وأنزل الله في ذلك قرآنًا في
стр. 3416
قول الملكين: يا أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربِّكم في سورة يونس: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وأنزل الله في قولهما: «اللَّهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠]»، وقوله: «بجنبتيها»، تثنية: جَنْبةٍ، بفتح الجيم وسكون النُّون، وهي النَّاحية.
(٢٨) (بابُ مَثَلِ (١) المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ) (٢).
١٤٤٣ - ١٤٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مُصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوسٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ : مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «والمنفق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، ولم يَسُق المؤلِّف تمام هذا المتن في هذه الطَّريق، نعم، أخرجه بهذا الإسناد في «الجهاد» [خ¦٢٩١٧] عن موسى بتمامه، ولفظه: «مَثَلُ البخيل والمتصدِّق مَثَلُ رجلين، عليهما جُبَّتان -بالمُوحَّدة- من حديدٍ قد اضطَرَّتْ أيديَهما إلى تراقِيهِما، فكلَّما هَمَّ المتصدِّق بصدقته اتَّسعت (٤) عليه حتَّى تُعَفِّي أثرَه، وكلَّما هَمَّ البخيل بالصَّدقة انقبضت كلُّ حَلْقَةٍ إلى صاحبتها وتقلَّصت عليه، وانضمَّت يداه إلى تَرَاقِيهِ»، فسمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «فيجتهد أن يوسِّعها فلا تتَّسع»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ. قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٥): (وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي وفتح النُّون، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) الأعرج (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ) وفي السَّابقة: «والمتصدِّق» (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ،
стр. 3417
عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضمِّ الجيم وتشديد المُوحَّدة، كالسَّابقة، ومن رواه هنا (١) بالنُّون بدل المُوحَّدة فقد صحَّف، نعم قال في «الفتح»: اختُلِف في رواية الأعرج هذه، والأكثر أنَّها بالمُوحَّدة أيضًا، وفي رواية حنظلة وابن هرمز عند المؤلِّف بالنُّون، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٤٤] وهي بالمُوحَّدة: ثوبٌ مخصوصٌ، ولا مانع من إطلاقه على الدِّرع (مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا) بضمِّ المُثلَّثة وكسر الدَّال المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: ثديٍ (إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح أوَّله وكسر القاف، جمع: تَرْقُوَةٍ: العظمين المشرفين في أعلى الصَّدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النَّحر (فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ) شيئًا (إِلَّا سَبَغَتْ) بفتح السِّين المهملة والمُوحَّدة المُخفَّفة والغين المُعجَمة، أي: امتدَّت وغطَّت (٢)
стр. 3418
(-أَوْ وَفَرَتْ-) بتخفيف الفاء (١)، من الوفور، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: كملت (عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء، أي: تستر (بَنَانَهُ) بفتح المُوحَّدة ونونين، الأولى خفيفةٌ، أي: أصابعه، وللحُميديِّ «حتَّى تُجِنَّ» بضمِّ أوَّله وكسر الجيم وتشديد النُّون، من أجنَّ الشَّيء إذا ستره، وذكرها الخطَّابيُّ في شرحه للبخاريِّ، كرواية الحُميديِّ (وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) بفتح الهمزة (٢) والمُثلَّثة، و «تعفوَ» نُصِبَ عطفًا على «تخفيَ»، وكلاهما مسندٌ إلى ضمير الجبَّة (٣)، وعفا: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، تقول: عفت الدَّار (٤) إذا درست، وعفاها الرِّيحُ إذا طمسها ودرست (٥)، وهو في الحديث متعدٍّ، أي: تمحو أثر مشيه لسبوغها، يعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدِّق كما يستر الثَّوب الذي يجرُّ على الأرض أثرَ مشي لابسه بمرور الذَّيل عليه، فضُرِب المَثَل بدرعٍ سابغةٍ، فاسترسلت عليه حتَّى سترت (٦) جميع بدنه، والمراد: أنَّ الجواد إذا همَّ بالصَّدقة انفسح لها صدره، وطابت بها نفسه، فتوسَّعت بالإنفاق (وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ) بكسر الزَّاي، أي: التصقت (كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللَّام (مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ) ولأبي الوقت: «فلا تتَّسع» بالفاء بدل الواو، وضُرِبَ المَثَلُ برجلٍ أراد أن يلبس درعًا يستجنُّ به، فحالت يداه بينها وبين أن تمرَّ على سائر جسده، فاجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، والمعنى: أنَّ البخيل إذا حدَّث نفسه بالصَّدقة شحَّت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع ابنَ طاوسٍ (الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن ينَّاقٍ في روايته (عَنْ طَاوُسٍ فِي الجُبَّتَيْنِ) بالمُوحَّدة، وهذه المتابعة أخرجها المؤلِّف في «اللِّباس» في «باب جيب القميص» [خ¦٥٧٩٧].
стр. 3419
(وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان في روايته (عَنْ طَاوُسٍ: جُنَّتَانِ) بالنُّون بدل المُوحَّدة، وهذا ذكره المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٧] مُعلَّقًا، ووصله الإسماعيليُّ من طريق إسحاق الأزرق (١) عن حنظلة (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرٌ) هو ابن ربيعة (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : جُنَّتَانِ) بالنُّون أيضًا، ورجحت هذه الرِّواية على السَّابقة، لقوله: «من حديدٍ»، والجُنَّة في الأصل: الحصن، وسُمِّيت بها الدِّرع لأنَّها تجنُّ صاحبها، أي: تحصِّنه.
(٢٩) (باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) أي: من التِّجارة الحلال، كما أخرجه الطَّبريُّ (٢) وابن أبي حاتمٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ومن طيِّبات ما أخرجنا لكم (٣) من الحبوب والثِّمار والمعادن، فحُذِف المضاف لتقدُّم ذكره (إِلَى قَوْلِه: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]) أي: غنيٌّ (٤) عن إنفاقكم، وإنَّما يأمركم به لإنفاعكم، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ «﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾»، ولم يذكر
стр. 3420
في هذا الباب حديثًا على عادته فيما لم يجد على شرطه، والله أعلم.
(٣٠) (بابٌ) بالتَّنوين (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ).
١٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي بُرْدة، عامرٍ (عَنْ جَدِّهِ) جدِّ سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ) أي: على سبيل الاستحباب المتأكِّد، ولا حقَّ في المال سوى الزَّكاة إلَّا على سبيل النَّدب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور (فَقَالُوا (١): يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (٢)؟ (قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) بالنَّصب، صفةٌ لـ «ذا الحاجة» المنصوب على المفعوليَّة، و «الملهوف» شاملٌ للمظلوم والعاجز (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: فإن لم يقدر؟ (قَالَ: فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ) وعند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٢٢] من وجهٍ آخر عن شعبة: «فليأمر بالخير أو بالمعروف»، وزاد أبو داود الطَّيالسيُّ في «مُسنَده» عن شعبة (٣): «وينهى عن المنكر» (وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا) بتأنيث الضَّمير، باعتبار الخصلة التي هي الإمساك (لَهُ) أي: للممسك (صَدَقَةٌ) والحاصل: أنَّ الصَّدقة تكون بمالٍ
стр. 3421
موجودٍ أو بمقدور التَّحصيل أو بغير مالٍ، وذلك إمَّا فعلٌ، وهو الإعانة، أو تركٌ، وهو الإمساك عن الشَّرِّ، لكن قال ابن المُنيِّر: إنَّ حصول ذلك للممسك إنَّما يكون مع نيَّة القربة به، وفيه تنبيهٌ على أنَّ التَّرك فعلٌ، ولذا جعل الإمساك والكفَّ صدقةً، ولا خلاف أنَّ الصَّدقة فعلٌ، فقد صَدَقَ على التَّرك أنَّه فعلٌ.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فبصريٌّ، وشعبة فواسطيٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة ورواية الابن عن أبيه عن جدِّه، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
(٣١) (بابٌ) بالتَّنوين (قَدْرُ كَمْ يُعْطي) المزكِّي (مِنَ الزَّكَاةِ) المفروضة؟ (وَ) كم يعطي المتصدِّق من (الصَّدَقَةِ) المسنونة؟ وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَ) حكم (مَنْ أَعْطَى شَاةً) في الزَّكاة، ولأبي ذرٍّ: «أُعْطِي» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول.
١٤٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط، بفتح الحاء المهملة والنُّون (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بفتح الحاء (١) المهملة والذَّال المعجمة المُشدَّدة، ممدودًا (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أمِّ الهذيل الأنصاريَّة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة (¬﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: بُعِثَ) بضمِّ المُوحَّدة وكسر العين مبنيًّا للمفعول (إِلَى
стр. 3422
نُسَيْبَةَ) أمِّ عطيَّة (الأَنْصَارِيَّةِ) بضمِّ النُّون وفتح السِّين مُصغَّرًا، غير منصرفٍ (١)، وللمُستملي: «نَسِيبة» بفتح النُّون وكسر السِّين، غير مُصغَّرٍ (بِشَاةٍ) من الصَّدقة (فَأَرْسَلَتْ) نسيبة (إِلَى عَائِشَةَ ﵂¬) وقد كان مقتضى الظَّاهر أن تقول: «بُعِثَ إليَّ» بضمير المتكلِّم المجرور، لكنَّها عبَّرت عن نفسها بالظَّاهر، حيث قالت: «إلى (٢) نسيبة» موضع المُضمَر الذي هو ضمير المتكلِّم المجرور، إمَّا على سبيل الالتفات، أو جرَّدت من نفسها ذاتًا تُسمَّى نسيبة، وليست أمُّ عطيَّة غير نسيبة، بل هي هي، ولخوف هذا التَّوهُّم زاد ابن السَّكن هنا عن الفَِرَبْريِّ: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: نسيبة هي أمُّ عطيَّة» وفي نسخةٍ (٣) وهي رواية أبي ذرٍّ (٤): «بَعَثَ» (٥) بفتحاتٍ مبنيًّا للفاعل «إلى نسيبة بشاةٍ، فأرسلتُ» أي (٦): نسيبة «إلى عائشة ﵂»، ولمسلمٍ عن أمِّ عطيَّة قالت: بعث إليَّ رسول الله ﷺ بشاةٍ من الصَّدقة، فبعثتُ إلى عائشة منها بشيءٍ (٧) … الحديث، وهو يدلُّ على أنَّ الباعثَ الرَّسولُ ﵊، ولغير أبي ذَرٍّ: «بَعَثَتْ» بفتحاتٍ وسكون تاء التَّأنيث «إليَّ» بتشديد المُثنَّاة «نسيبةُ» بالرَّفع على الفاعليَّة «بشاةٍ، فأرسلْتُ» بسكون اللَّام (٨) «إلى عائشة ﵂» (مِنْهَا) أي: من الشَّاة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عِنْدَكُمْ شَيْءٌ) ولمسلمٍ: «هل عندكم شيءٌ؟» قالت عائشة: (فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت»: (لَا) شيء عندنا (إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ) أمُّ عطيَّة (نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ)
стр. 3423
وللمُستملي (١) والحَمُّويي: «من ذلك الشَّاة» (فَقَالَ) ﵊: (هَاتِ) بكسر التَّاء، حُذِفت الياء منه تخفيفًا (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) بكسر الحاء، أي: وصلت إلى الموضع الذي تحلُّ (٢) فيه بصيرورتها ملكًا للمتصدِّق بها عليهم، فصحَّت منها هديَّتها، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان يحرم عليه أكل الصَّدقة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ لها جزأين: أحدهما: مقدار كم يعطي، ويطابقه (٣) إرسال نسيبة إلى عائشة من تلك الشَّاة التي أرسلها النَّبيُّ ﷺ من الصَّدقة، والجزء الثَّاني: ومن أعطى شاةً، ومطابقته من جهة إرسال النَّبيِّ ﷺ إليها بشاةٍ كاملةٍ، قاله صاحب «عمدة القاري». وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٤] و «الهبة» [خ¦٢٥٧٩]، ومسلمٌ في «الزَّكاة».
(٣٢) (بابُ زَكَاةِ الوَرِقِ) -بفتح الواو وكسر الراء- الفضة.
١٤٤٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة (قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 3424
أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) بفتح المعجمة وسكون الواو آخره مُهمَلةٌ (صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ) بيانٌ للذَّود (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ) بالتَّنوين؛ كـ «جوارٍ» من الوَرِق مضروبًا أو غير مضروبٍ (صَدَقَةٌ) والأوقية: أربعون درهمًا بالاتِّفاق كما مرَّ [خ¦١٤٠٥] والجملة: مئتا درهمٍ، وذلك أربع مئة نصف معاملة مصر الآن، ولا شيء في المغشوش حتَّى يبلغ خالصه نصابًا، والاعتبار بوزن مكَّة تحديدًا حتَّى لو نقص بعض حبَّةٍ أو في بعض الموازين دون بعضٍ لم تجب، والقدر المُخرَج منها الذي هو ربع العشر خمسة دراهم، وهي عشرة أنصافٍ، وهذا موضع التَّرجمة -كما لا يخفى- وأمَّا الذَّهب ففي عشرين مثقالًا منه ربع العشر؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ أو حسنٍ: عن عليٍّ عن النَّبيِّ ﷺ : «ليس في أقلَّ من عشرين دينارًا شيءٌ، وفي عشرين نصفُ دينارٍ» فنصاب الذَّهب أربع مئة قيراطٍ وسبعةٌ وخمسون قيراطًا وسُبْع قيراطٍ، ووزنه ثلاث حبَّاتٍ وثلاثة أرباع خُمْس حبَّةٍ أو ثمن حبَّةٍ وخُمْس ثمن حبَّةٍ، وهي من الشَّعير المتوسِّط الذي لم يُقشَّر، بل قُطِع من طرفي الحبَّة منه ما دقَّ (١) وطال، وإنَّما كان القيراط ما ذُكِر؛ لأنَّه ثلاثة أثمان الدَّانق الذي هو سدس درهمٍ؛ وهو ثمان شعيراتٍ، وخُمْسا شعيرةٍ على الأرجح، اضربهما في ستَّةٍ يحصل خمسون شعيرةً وخُمْسا شعيرة، وذلك هو الدِّرهم الإسلاميُّ الذي هو ستَّة عشر قيراطًا، زِدْ عليه ثلاثة أسباعه من الحبِّ وهي إحدى وعشرون حبَّةً وثلاثة أخماس حبَّةٍ، فيكون الدِّينار الشَّرعيُّ الذي هو مثقالٌ اثنتين وسبعين حبَّةً، ويكون النِّصاب ألفًا وأربع مئة حبَّةٍ وأربعين حبَّةً، وإنَّما
стр. 3425
زِيدَ على الدِّرهم ثلاثة أسباعه من الحبِّ؛ لأنَّ المثقال درهمٌ وثلاثة أسباعه، ومنهم من ضبط الدِّرهم والدِّينار بحبِّ الخردل البريِّ، فقال: المثقال ستَّة آلاف حبَّةٍ، والدِّرهم أربعة آلافٍ ومئتان؛ لأنَّ الدِّرهم سبعة أعشار المثقال كما تقرَّر، ونقل بعضهم عن المحقِّقين: أنَّ ضبطه بالخردل المذكور أجود؛ لقلَّة التَّفاوت فيه، وعلى هذا الضَّبط (١)، فالنِّصاب مئة ألف خردلةٍ وعشرون ألف خردلةٍ، والدَّانق سبع مئة خردلةٍ (٢)، والقيراط مئتا خردلةٍ واثنتان وستُّون خردلةً ونصف خردلةٍ، فيكون النِّصاب بالدَّراهم ثمانيةً وعشرين درهمًا وأربعة (٣) أسباع درهمٍ؛ لأنَّ كلَّ عشرة دراهم سبعةُ مثاقيل، وذلك (٤) اثنان وعشرون قيراطًا وستَّة أسباع قيراطٍ، فإذا ضربت ذلك في عشرين (٥) عدد المثاقيل الذي هو (٦) النِّصاب تبلغ ما ذكر أوَّلًا (٧) من القراريط، فإذا أردت معرفة قدر النِّصاب الشَّرعيِّ بدنانير مصر الآن التي (٨) كلُّ واحدٍ منها درهمٌ وثُمُن؛ وهو ثمانية عشر قيراطًا؛ فاضربها في خمسةٍ وعشرين أشرفيًّا تبلغ أربع مئةٍ وخمسين قيراطًا، يفضل ممَّا تقدَّم سبعة قراريط (٩) وسُبع قيراطٍ، انسبهما لثمانية عشر يكونا سبعيها وتسعيها (١٠)، فيكون النِّصاب خمسةً وعشرين أشرفيًّا وسُبعي أشرفيٍّ وتُسعه، وهما من الفضَّة تسعة أنصاف وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ ونصف سدسه وثلث سبع نصف سدسٍ، وهذه الكسور بالفلوس أحد عشر درهمًا
стр. 3426
وثلث سُبع درهمٍ، وقدر الزَّكاة من كامل (١) النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ كاملٍ وخمسة أسباع ثُمُن تُسْعه، وذلك بالفضَّة خمسة عشر نصفًا وخمسة أسداس نصف فضَّةٍ وثلاثة أسباع (٢) نصف سدسه وثلث سبع نصف سدسه (٣)، وذلك عشرة دراهم فلوسًا وثلاثة أسباع درهمٍ وثلث سُبعه، وحينئذٍ فزكاة النِّصاب خمسة أثمان أشرفيٍّ وربع عشره، وهو من الفضَّة ستَّة عشر نصفًا وربع نصف فضَّةٍ، كذا حرَّره الشَّيخ شمس الدِّين محمَّد (٤) ابن شيخنا الحافظ فخر الدِّين الديميُّ، وصوَّبه غير (٥) واحدٍ من الأئمَّة. (ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) ألفٍ وستِّ مئة رطلٍ بالبغداديِّ من الثِّمار والحبوب (صَدَقَةٌ). وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر (٦): «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) أنَّه (سَمِعَ أَبَاهُ) يحيى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (¬﵁¬) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وفائدة إيراده لهذه (٧) الطَّريق التَّصريحُ بسماع عمرو بن يحيى، من أبيه، بخلاف الأولى، فإنَّه بالعنعنة.
(٣٣) (بابُ) جواز أخذ (العَرْضِ) بفتح العين وسكون الرَّاء وبالضَّاد المعجمة، خلاف الدَّنانير
стр. 3427
والدَّراهم (فِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ذكوان (١) ممَّا رواه يحيى بن آدم في «كتاب الخراج» (٢): (قَالَ مُعَاذٌ) هو (٣) ابن جبلٍ (¬﵁ لأَهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء، بعدها ضادٌ مُعجَمةٌ (ثِيَابٍ) بالتَّنوين، بدلٌ من «عرضٍ»، أو عطف بيانٍ، وجوَّز بعضهم: إضافة «عرضٍ» للاحقه، كشجرِ أراكٍ، فالإضافة بيانيَّةٌ، و «العرض»: ما عدا النَّقدين (خَمِيصٍ) بفتح الخاء المعجمة وآخره صادٌ مهملةٌ، بيانٌ لسابقه اسم جنس جمع الواحد، أي: خميصةٍ، وذكره على إرادة الثَّوب، وقال الكِرمانيُّ: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ له علمان، والمشهور: خميس، بالسِّين، قال أبو عبيدٍ: هو ما طوله خمسة أذرعٍ (أَوْ لَبِيسٍ) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة، «فعيلٌ» بمعنى: ملبوسٍ (فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وتخفيف الرَّاء هو (أَهْوَنُ) أسهل (عَلَيْكُمْ) عبَّر بـ «على» دون اللَّام؛ لإرادة تسلُّط السُّهولة عليهم (وَخَيْرٌ) أي: أرفق (لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) لأنَّ مؤنة النَّقل ثقيلةٌ، فرأى الأخفَّ في ذلك خيرًا من الأثقل، وهذا (٤) موافقٌ لمذهب الحنفيَّة في جواز دفع القيم في الزَّكاة وإن كان المؤلِّف كثير المخالفة لهم، لكن قاده إليه الدَّليل، كما قاله (٥) ابن رُشَيدٍ، وهذا التَّعليق وإن كان صحيحًا إلى طاوسٍ، لكنْ طاوسٌ لم يسمع من معاذٍ، فهو منقطعٌ، نعم (٦)
стр. 3428
إيراد المؤلِّف له في معرض الاحتجاج يقتضي قوَّته عنده، وقد حكى البيهقيُّ عن بعضهم أنَّه قال فيه: من «الجزية» بدل «الصَّدقة»، فإن ثبت ذلك فقد سقط الاحتجاج به، لكنَّ المشهورَ الأوَّلُ، أي: رواية «الصَّدقة» (١)، وقد أُجيب بأنَّ معاذًا كان يقبض منهم الزَّكاة بأعيانها غير مُقوَّمةٍ، فإذا قبضها عاوض (٢) عنها حينئذٍ من شاء بما شاء (٣) من العروض، ولعلَّه كان يبيع صدقة زيدٍ من عمرٍو حتَّى يخلص من كراهة بيع الصَّدقة لصاحبها، وقِيلَ: لا حجَّة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لأنَّه لحاجةٍ عَلِمَها بالمدينة رأى المصلحة في ذلك، واستدلَّ به على نقل الزَّكاة، وأُجيب بأنَّ الذي صدر من معاذٍ كان على سبيل الاجتهاد فلا حجَّة فيه، وعُورِض بأنَّ معاذًا كان أعلم النَّاس بالحلال والحرام، وقد بيَّن له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسله إلى اليمن ما كان يصنع.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في حديث أبي هريرة الآتي موصولًا -إن شاء الله تعالى- في «باب قول الله تعالى (٤): ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾» [خ¦١٤٦٨] (وَأَمَّا خَالِدٌ) هو ابن الوليد (احْتَبَسَ) أي: وقف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقد احتبس» (أَدْرَاعَهُ) (٥) جمع درعٍ، وهي الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، جمع عَتَدٍ بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «وأعتِده» بكسر التَّاء، ولمسلمٍ: «أعتاده»
стр. 3429
جمع عَتادٍ، بفتح (١) العين، لكن نقل ابن الأثير عن الدَّارقطنيِّ: أنَّ أحمد صوَّب الأولى (٢)، وأنَّ عليَّ ابن حفصٍ أخطأ في قوله: «أعتاده»، وصحَّف، وقال بعضهم: إنَّ أحمد إنَّما حكى عن عليِّ بن حفصٍ: «وأعتده» بالمُثنَّاة، وأنَّ الصَّواب: «وأعبده» بالمُوحَّدة، لكن لا وهم مع صحَّة الرِّواية، والذي يظهر أنَّ الصَّحيح رواية: «أعتده» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وهو المُعَدُّ من السِّلاح والدَّوابِّ للحرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) قال النَّوويُّ: إنَّهم طلبوا من خالدٍ زكاة أعتاده؛ ظنًّا أنَّها للتِّجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ خالدًا منع، فقال: «إنَّكم تظلمونه» لأنَّه (٣) حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها، وفيه دليلٌ على وقف المنقول؛ خلافًا لبعض الكوفيِّين. انتهى. وقال البدر الدَّمامينيُّ: ولا أدري كيف ينتهض (٤) حديثُ وقفِ خالدٍ لأدراعه (٥) وأعتدهِ دليلًا للبخاريِّ على أخذ العرض في الزَّكاة، ووجَّهه غيره من حيث إنَّ أدراعه وأعتده من العرض ولولا أنَّه وقفهما لأعطاهما (٦) في الزَّكاة، أو لمَا صَحَّ منه صرفهما في سبيل الله، فدخلا في أحد مصارف (٧) الزَّكاة الثَّمانية، فلم يبق عليه شيءٌ، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حَبَس تعيَّن مصرفه من حيث التَّحبيس، فلا يكون مصرفًا من حيث الزَّكاة، ثمَّ تخلَّص من (٨) ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس: الإرصاد لذلك، لا الوقف، فيزول الإشكال.
(وَقَالَ (٩) النَّبِيُّ ﷺ ¬) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧٩] من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما:
стр. 3430
(تَصَدَّقْنَ) أي: أدِّين صدقاتكنَّ (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضمِّ الحاء المهملة وكسر اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، قال البخاريُّ: (فَلَمْ يَسْتَثْنِ) ﵊ (صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا) ولأبي ذرٍّ: «صدقة العرض (١)» بالعين المهملة (٢) بدل الفاء (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا) (٣) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الرَّاء وبالصَّاد المهملة: حلقتها التي في أذنها (وَسِخَابَهَا) بكسر السِّين المهملة بعدها خاءٌ معجمةٌ: قلادتها، قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَخُصَّ) ﵊ (الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ) وموضع الدَّلالة منه في قوله: «وسِخَابها» لأنَّ السِّخاب ليس من ذهبٍ ولا فضَّةٍ، بل من (٤) مسكٍ وقرنفلٍ ونحوهما، فدلَّ على أخذ القيمة في الزَّكاة، لكنَّ قوله: «ولو من حُليِّكنَّ» يدلُّ على أنَّها لم تكن صدقةً مُحدَّدةً (٥) على حدِّ الزَّكاة، فلا حجَّة فيه، والصَّدقة إذا أُطلِقت حُمِلت على التَّطوُّع عُرْفًا.
١٤٤٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، عمِّي (ثُمَامَةُ) بضمِّ المُثلَّثة وتخفيف الميم، ابن عبد الله بن أنسٍ، قاضي البصرة (أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا) هو ابن مالكٍ (¬﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ (٦) أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁ كَتَبَ لَهُ)
стр. 3431
الفريضة التي تُؤخَذ في زكاة الحيوان (الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ ¬) بها، وثبت لفظ: «التي» للكُشْمِيْهَنِيِّ (١) (وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ) بأن كان عنده من الإبل خمسٌ وعشرون إلى خمسٍ وثلاثين، وبنت المَخاض -بفتح الميم وبالخاء والضَّاد المعجمتين- الأنثى من الإبل؛ وهي التي تمَّ لها عامٌ، سُمِّيت به؛ لأنَّ أمَّها آن لها أن تلحق بالمخاض، وهو وجع الولادة وإن لم تحمل، و «بنتَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي نسخةٍ بإضافة «صدقة» إلى «بنت» (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) (٢) أي: والحال أنَّ بنت المخاض ليست موجودةً عنده (وَ) الحال أنَّ الموجود (عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ) أنثى، وهي التي آن لأمِّها (٣) أن تلد فتصير لبونًا (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي: من المالك من الزَّكاة (وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ) بضمِّ الميم وتخفيف المهملة وكسر الدَّال، كمحدِّثٍ، آخذ الصَّدقة، وهو السَّاعي الذي يأخذ الزَّكاة (عِشْرِينَ دِرْهَمًا) فضَّةً من النُّقرة الخالصة، وهي المراد بالدَّراهم الشَّرعيَّة حيث أُطلِقت (أَوْ شَاتَيْنِ) بصفة الشَّاة المُخرَجة عن خمسٍ من الإبل (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) أي: المالك (بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا) المفروض (وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ) ذكرٌ (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ) وإن كان أقلَّ قيمةً منها، ولا يُكلَّف تحصيلها (وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) وهذا طرفٌ من حديث الصَّدقات، ويأتي -إن شاء الله تعالى- معظمه في «باب زكاة الغنم» [خ¦١٤٥٤] ودلالته على التَّرجمة من جهة قبول ما هو أَنْفس ممَّا يجب على المتصدِّق وإعطاؤه التَّفاوت من جنسٍ غير الجنس الواجب (٤)، وكذا العكس، وأُجيب بأنَّه لو كان كذلك؛ لكان يُنظَر إلى (٥) ما بين السِّنَّين في القيمة، فكان العرض يزيد تارةً، وينقص أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلمَّا قدَّر الشَّارع التَّفاوت بمقدارٍ مُعيَّنٍ لا يزيد ولا ينقص؛ كان ذلك هو الواجب في مثل ذلك، قاله في «فتح الباري».
ورواة هذا الحديث بصريُّون، وفيه التَّحديث، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، قال المزِّيُّ في
стр. 3432
«الأطراف»: ستَّةٌ في «الزَّكاة» أي (١): هنا، و «باب لا يُجمَع بين متفرِّقٍ» (٢) [خ¦١٤٥٠] و «باب ما كان من خليطين» [خ¦١٤٥١] و «باب من بلغت عنده صدقة بنت (٣) مخاض» [خ¦١٤٥٣] و «باب زكاة الغنم» [خ¦١٤٥٤] و «باب لا تُؤخَذ في الصَّدقة هَرِمةٌ» [خ¦١٤٥٥] وفي «الخمس» [خ¦٣١٠٦] و «الشَّركة» [خ¦٢٤٨٧] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٧٨] و «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٥] وقال صاحب «التَّلويح»: في عشرة مواضع بإسنادٍ واحدٍ مُقطَّعًا من حديث ثمامة عن أنسٍ، وأخرجه أبو داود في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
١٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية مُشدَّدةً، بلفظ المفعول، ابن هشامٍ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قال: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى) بفتح اللَّامين، والأولى جواب قسمٍ محذوفٍ يتضمَّنه لفظ: «أشهد» أي: واللهِ، لقد صلَّى صلاة العيد (قَبْلَ الخُطْبَةِ فَرَأَى) ﵊ (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) خطبته لبعدهنَّ (فَأَتَاهُنَّ) أي: فجاء إليهنَّ (وَمَعَهُ بِلَالٌ) حال كونه (نَاشِرَ ثَوْبِهِ) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ (٤): «ناشرٌ ثوبَه» بغير إضافةٍ مع الرَّفع (فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ بيده (إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ) يريد إلى (٥) ما فيهما من حلقٍ وقرطٍ وقلادةٍ.
стр. 3433
ومطابقته للتَّرجمة، قِيلَ: من جهة أمره ﵊ النِّساء بدفع الزَّكاة، فدفعن الحلق والقلائد، وهو يدلُّ على جواز أخذ العرض في الزَّكاة، وجوابه ما مرَّ في هذا الباب (١) قريبًا.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الفاء وتشديد الرَّاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «مفترقٌ» بتأخيرها (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بكسر الميم الثَّانية (وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن (٢) عمر، ممَّا وصله أحمد وأبو يَعلى والتِّرمذيُّ وغيرهم (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ) أي: مثل لفظ التَّرجمة.
١٤٥٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله ابن المُثنَّى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، عمِّي (ثُمَامَةُ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) الفريضة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَلَا يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: لا يجمع المالك والمُصَّدِّق (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التَّاء على الفاء (وَلَا يُفَرَّقُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مُشدَّدًا (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) (٣) بكسر الميم الثَّانية (خَشْيَةَ) المالكِ كثرةَ (الصَّدَقَةِ) فيقلُّ ماله، أو خشية المُصِّدِّق قلَّتها، فأمر كلَّ واحدٍ منهما ألَّا (٤) يُحْدِث في المال شيئًا من الجمع والتَّفريق، و «خشيةَ» نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ لأجله، وقد تنازع فيه الفعلان «يُجمَع» و «يُفرَّق»، وقال في
стр. 3434
«المصابيح»: ويحتمل أن يُقدَّر: لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصَّدقة، فيحصل المراد من غير تنازعٍ، وهذا التَّأويل السَّابق قاله الشَّافعيُّ، وقال مالكٌ في «المُوطَّأ»: معناه: أن يكون النَّفر الثَّلاثة لكلِّ واحدٍ منهم أربعون شاةً وجبت فيها الزَّكاة، فيجمعونها حتَّى لا يجب عليهم كلُّهم فيها إلَّا شاةٌ واحدةٌ، أو يكون للخليطين مئتا شاةٍ وشاتان فيكون عليهما فيها ثلاث شياهٍ، فيفرِّقانها (١) حتَّى لا يكون على كلِّ واحدٍ إلَّا شاةٌ واحدةٌ، فصرف الخطاب للمالك، وقال أبو حنيفة: معنى «لا يُجمَع بين متفرِّقٍ»: أن يكون بين رجلين أربعون شاةً، فإذا جمعاها فشاةٌ، وإذا فرَّقاها فلا شيء، و «لا يُفرَّق بين مجتمعٍ»: أن يكون لرجلٍ مئةٌ (٢) وعشرون شاةً (٣)، فإذا (٤) فرَّقها المصَّدِّق أربعين أربعين فثلاث شياهٍ، وقال أبو يوسف: معنى الأوَّل: أن يكون للرَّجل ثمانون شاةً، فإذا جاء المصَّدِّق قال: هي بيني وبين إخوتي، لكلِّ واحدٍ عشرون فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولإخوته أربعون، فيقول: كلُّها لي، فشاةٌ.
(٣٥) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين (مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو عبيدٍ في «كتاب
стр. 3435
الأموال»: (إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ) بكسر لام «علِم» مُخفَّفةً، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «علَّم الخليطان» بفتحها مُشدَّدةً (أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا) في الصَّدقة، فلو كان لكلِّ واحدٍ منهما عشرون شاةً، مميَّزةً، فلا زكاة (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (لَا يجبُ (١)) في الخليطين زكاةٌ (حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) فيجب على كلِّ واحدةٍ (٢) شاةٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة، وحاصله: أنَّه لا يجب على أحد الشَّريكين فيما يملك إلَّا مثل الذي كان يجب عليه، لو لم تكن خلطةٌ، فلم يعتبروا خلطة الجوار، واعتبرها الشَّافعيُّ كخلطة الشُّيوع، لكن تختصُّ خلطة الجوار باتِّحاد المَشْرَع (٣)، و (٤) المَسْرَح والمرعى والمُراح -بضمِّ الميم- وموضع الحلَب -بفتح اللام- والرَّاعي والفحل.
١٤٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى، الأنصاريُّ، وثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ، واختلف فيه قول الدَّارقطنيِّ، وقال ابن معينٍ وأبو زُرْعة وأبو حاتمٍ: صالحٌ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال السَّاجيُّ (٥): فيه ضعفٌ، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيليُّ: لا يُتابَع على أكثر حديثه. انتهى. نعم. تابعه على حديثه هذا حمَّاد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنَّه أعطاه كتابًا، وزعم أنَّ أبا بكرٍ كتبه … الحديث، رواه أبو داود، ورواه أحمد في «مُسنَده»، فانتفى كونه لم يُتابَع عليه، وبالجملة: فلم يحتجَّ به (٦) البخاريُّ إلَّا في روايته عن عمِّه ثمامة، وأخرج له من روايته عن ثابتٍ عن أنسٍ حديثًا تُوبِع فيه عنده (٧) [خ¦٥٠٠٤]